Полный текст (1 295 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب
أرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي
الشعر لكبشة أخت عبد الله. والكلام بعثٌ وتهييجٌ. وإنما تكلمت به على أنه إخبارٌ عما فعله عبد الله وأقامه من الوصاة عند الوفاة، فتقول: راسل عبد الله بن معد يكرب لما دنا أجله قومه وذويه، بأن لا يعقلوا دمي. وإن كانت آمنةً من ميلهم إلى قبول الدية، فغلظت القول لتهتاج حميتهم. ويقال عقلت فلاناً، إذا أعطيت ديته. وجعل هذا المفعول الدم لأن المراد مفهوم، كأنه قال: لا تأخذوا بدل دمي عقلاً. ويقال عقلت عن فلانٍ، إذا غرمت عنه دية جنايته أو أرشها.
ولا تأخذوا منهم إفالاً وأبكراً ... وأترك في بيتٍ بصعدة مظلم
الإفال: جمعٌ وواحده أفيل، وهي صغار الإبل، والأبكر: جمع البكر، وهو الفتى منها. يقول: لا تأخذوا من قتلتي صغار الإبل وبكارتها، فتتركوني في قبرٍ مظلم بصعدة؛ وهو مكان باليمن. وإنما جعل قبره هكذا، لأنهم كانوا يزعمون أن المقتول إذا ثأروا به أضاء قبره، فإن أهدر دمه أو قبلت ديته بقي قبره مظلماً. فإن قيل: لم ذكر الإفال والأبكر وما يؤدي في الديات لا يكون منهما؟ قلت: أراد تحقير الديات، وهذا كما يقول الرجل إذا أراد تحقير أمر خلعةٍ خاز بها إنسانٌ: إنما أعطي خرفاً وفلوساً! وإن كانت الثياب المعطاة كسوةً فاخرةً، والمال الموفر جائزةً سنيةً. وانتصب وأترك بإضمار أن وهو جواب النهي بالواو.
ودع عنك عمراً إن عمراً مسالمٌ ... وهل بطن عمرٍو وغير شبرٍ لمطعمٍ
عمرو هو أخوها، وكان يعد بألف فارس، ولم يكن ممن يسالم ولا سيما في طلب دم أخيه. وإنما رمته بهذا الكلام لتهيج منه وتبعثه على التعجل في درك الثأر والتسرع في الانتقام. وقوله: " وهل بطن عمرٍو غير شبرٍ لمطعم " تزهيدٌ في الدية، وهذا كما روي في الخبر: " وهل بطن ابن آدم إلا شبرٌ في شيرٍ " لما أريد تزهيده في الدنيا وحطامها. أي ما يصنع بالمال وجوفه يمتلئ باليسير. وعمرٌو لم يكن ممن
стр. 142
يميل إلى الدية، كما لم يكن يميل إلى المسالمة، ولكن المراد ما ذكرناه من التحضيض والحث.
فإن أنتم لم تثأروا واتديتم ... فمشوا بآذان النعام المصلم
الصلم: قطع الأذن من أصلها، ومنه الصليم: الداهية المستأصلة. واتديتم، معناه قبلتم الدية. يقال: وديته فاتدى، كما يقال وهبته فاتهب، أي قبل الهبة. وفي الحديث: " هممت ألا أتهب إلا من قرشيٍ أو أنصاري " ومثله قضيته الدين فاقتضاه، أي قبله وتوفره. وقوله: " فمشوا " أي امشوا. وضعف الفعل للتكثير. ومن روى " فمشوا " بضم الميم فمعناه امسحوا؛ ويقال لمنديلٍ الغمر: المشوش. والمعنى: إن لم تقتلوا قاتلي وقلتم ديتي فامشوا أذلاء، بآذانٍ مجدعةٍ كآذان النعام. ووصف النعام بالمصلم تصويراً لها، وإن كانت خلقة جميعها ذلك. ومن أحاديثهم عن البهائم: " ذهبت النعامة تطلب قرنين فجدعت آذانها ". ومن روى " فمشوا " فامعنى امسحوا بآذانكم مجدعةً مثلةً بكم كآذان النعام.
ولا تردوا إلا فضول نسائكم ... إذا ارتملت أعقابهن من الدم
ترمل وارتمل إذا تلطخ بالدم. قال:
إن بني رملوني بالدم
ويجوز أن يكون هذا الكلام دعاء عليهم، أي أحلكم الله محل من ذا صفته. وعلى هذا يكون قوله " فمشوا " من البيت الأول أيضاً. وإن شئت جعلته تهياً، وفمشوا أمراً. والمعنى: إذا فعلتم ذلك فتأخروا في المواطن كلها والمناجع، وتخلفوا عن المشاهد والموارد، والبسوا الذل راضين به، فإن مآل أمركم مع تضييعكم دم صاحبكم إلى مثل ذلك. وكان عادتهم إذا وردوا المياه أن يتقدم الرجال ثم العضاريط والرعاة، ثم النساء، إذا صدرت كل فرقةٍ عنه، فكن يغسلن أنفسهن وثيابهن ويتطهرن آمناتٍ مما يزعجهن غير مستعجلات، فمن تأخر عن الماء حتى تصدر النساء فهو الغاية من
стр. 143
الذل. وجعل النساء مرتملات بدم الحيض تفظيعاً للشأن، وتدنيساً للماء. والأعقاب واحدها عقبٌ، وهو موخر الرجل. يقال: ولى على عقبيه، إذا انصرف راجعاً عن مطلوبه.
وقال عنترة بن الأخرس المعنى من طيئ
أطل حمل الشناءة لي وبغضي ... وعش ما شيت فانظر من تضير
يقال: شنئته شناءة وشنئاً وشناناً ومشنأةً، إذا كان بغضاً مختلطاً بعداوةٍ وسوء خلقٍ، كما أن الشنف اسمٌ لشدة العداوة. يقول: أدم احتمال الضغائن والبغض لي، وعش مدة مشيئتك فتأمل من يضره ذلك. ويقال ضاره يضيره، وضره يضره بمعنىً واحد. وانتصب موضع ماشيت على أنه ظرفٌ. و " من " مفعول تضير، لأنه استفهام فلا يعمل فيه ما قبله. أي انظر تضير من.
فما بيديك خيرٌ أرتجيه ... وغير سدودك الخطب الكبير
بين وجه استهانته به، وقلة مبالاته ببغضائه وعداوته. فيقول: لا نفع عندك أعلق رجائي به، وغير إعراضك هو الخطب الكبير، فأما إعراضك فأهون به وأحقر بكونه. وأرتجيه، في موضع الصفة للنفع، أي نفعٌ مرتجىً.
ألم تر أن شعرك سار عني ... وشعري حول بيتك ما يسير
هذا تقريرٌ له في بيان فضله عليه، وسلامة عرضه من قرفه إياه. يقول: ألم تعلم أن شعرك الذي قلته في لم يعلق بي ذمه، لأنه كان كذباً وزوراً، وشعري الذي قلته فيك يطوف حول دارك وبيتك ولا يفارقك، لأنه كان صدقاً. ويجوز أن يكون المعنى: ألم تر أن شعري الذي قلته فيك سار عني، لأن الرواة احتملوه استجادةً له واستلذاذاً، وشعرك الذي قلته في ملازمٌ لك لزهد الناس فيه لما كان سفسافاً. وساغ الوجهان جميعاً لأن المصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل، فعلى ذلك
стр. 144
جاز أن يقول شعرك ويريد شعري المقول فيك. وروى بعضهم:
ألم تر أن شعري سار عني ... وشعرك حول بيتك ما يسير
وهذا الراوي صرح بالتفسير الثاني.
إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور
في طريقته قول أوس:
إذ يشزرن إلي الطرف عن عرضٍ ... كأن أعينهم من بغضتي عور
يقول: إذا رميتني ببصرك لم يمكنك ملؤه مني بغضاً وعداوة، حتى تعرض عني فعل الناظر إلى الشمس، فكأن الشمس تدور من جهتي. فأما قول الآخر:
نظرٌ يزل مواطئ الأقدام
فهو صفة نظر المهيب المعظم. وفي نظر الناظرين على اختلافهم ما يستدل به على أحوالهم، وسنذكر ما يجيء عنه مبيناً من بعد.
وقال الأحوص بن محمد
إني على ما قد علمت محسدٌ ... أنمي على البغضاء والشنآن
علمت بمعنى عرفت، ولهذا اكتفى بمفعولٍ واحدٍ. ومعنى البيت. إني مرموقٌ محسودٌ على ما قد عرفته من أحوالي، زائدٌ كل يومٍ على بغضاء الناس وشنآنهم لي، ويكون قوله " على ما قد علمت "، وقوله " على البغضاء " جميعاً في موضع الحال. والعامل في الأول قوله محسدٌ، وفي الثاني أنمي. ويجوز أن يكون على ما قد علمت من صلة محسدٍ، كما تقول حسدته على كذا. وقال بعض الناس: الشنآن: بغضٌ يختلط به عداوة وسوء خلق، فلهذا جاز الجمع بينه وبين البغضاء. وقال غيره: بل هما بمعنى واحد، واللفظان إذا اختلفا على اتفاق معناهما جاز الجمع بينهما تأكيداً.
стр. 145
واحتج بقوله:
وهندٌ أتى من دونها النأي والبعد
قال: ولا خلاف بين أهل اللغة أنه لا فصل بينهما.
ما تعتريني من خطوب ملمةٍ ... إلا تشرفني وتعظم شاني
أضاف الخطوب إلى ملمةٍ لأنه أراد بها أوائل أمر عظيم، وجوانب شرٍ فظيع. وأصل الخطب الطلب، يقال خطبت كذا فأخطبني، كما تقول طلبته فأطلبني، فكأنه أراد أوائل ملمةٍ وأسباباً لها تطلبه. ويقال: هذا خطب أمرٍ عظيم، وهذا خطب أمرٍ يسير. فيقول: ما يطرق ساحتي أسباب نازلةٍ شديدةٍ إلا عظمت شأني، ورفعت قدري، لأنه يعرف بلائي فيها، وحسن مخلصي منها، فازددت في عيون الناس وقلوبهم.
فإذا تزول تزول عن متخمطٍ ... تخشى بوادره لدى الأقران
المتخمط: المتغضب له سورةٌ والتهابٌ، واستعير في آذي البحر وأمواجه إذا التجت. قال:
خمط التيار يرمي بالقلع.
يقول: إذا انكشفت تلك الخطوب والملمات انكشفت عن رجلٍ متكبرٍ يخاف فلتاته وبدراته عند نظرائه في البأس والشدة. والمعنى: إن الدواهي إذا نزلت بساحتي لا تلين لها عريكتي، ولا تحصل علي تذللاً لم يكن من قبل لي. وقوله: " تخشى بوادره " في موضع الصفة للمتخمط. ولم يرض حتى يجعل البوادر مخشيةً عند أشباهه، فكملت الصفة، وتمكنت القافية.
إني إذا خفي الرجال وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكل مكان
стр. 146
إني إذا خفي مواقعهم من قلوب الرؤساء، ومواضعهم من صدور المجالس فأنا بخلافهم. يصف اشتهاره في الأماكن وجلالته في النفوس، فيقول: إذا غشي الرجال خمولٌ ألفيتني في شهرتي ونباهتي كالشمس التي يتصل شعاعها بكل مكان، ويعرف شأنها في كل نفسٍ وكل زمانٍ.
قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهبٍ
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
المهل والمهل والمهلة تتقارب في أداء معنى الرفق والسكون. ويقال: لا مهل لك، ومالك من مهلٍ. قال:
يقولون مهلاً يا جميل وإنني ... لأقسم ما بي عن بقينة من مهل
يقول: رفقاً يا بني عمنا، رفقاً موالينا. وهذا التكرار يريد به التأكيد. ويجوز أن يكون هذا الكلام تهكماً، ويجوز أن يكون رآهم ابتدءوا في أمر لم يأمن معه من تفاقم الشأن، واستفحال الخطب، ما لا يقدر على تلافيه، فاسترفقهم لذلك. وقوله: " لا تنبشوا بيننا " أي لا تثيروا ما كان مستوراً من الشر. وذكر الدفن والنبش استعارةٌ في الإظهار والكتمان.
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
يقال: طمع فلانٌ في كذا طمعاً وطماعيةً ومطمعاً. وأوصل الفعل بنفسه من دون في، لأن أن الخفيفة والشديدة إذا اتصل بها حروف الجر حسن حذفها لطول الكلام بها. تقول: أنا راغبٌ في أن ألقاك، وطامعٌ في أن يحسن زيدٌ إليك، وحريصٌ على أن أصلك. ولو قلت: أنا راغب أن ألقاك، وطامع في أن يحسن زيد إليك، وحريص على أن أصلك لجاز. ولو جعلت مكان أن المصدر فقلت: أنا راغبٌ في لقائك،
стр. 147
وطامعٌ في إحسان زيدٍ إليك، وحريصٌ على صلتك، لم يجز حذف حرف الجر. لا تقول: أنا راغب لقاءك، وطامع إحسانه إليك، وحريصٌ صلتك؛ لأن ما كان يطول الكلام به لم يحصل. يقول: لا تقدروا أنكم إذا أهنتمونا قابلناكم، بالإكرام، وأنكم إذا آذيتمونا كففنا عن أذاكم، لأن عزتنا تمنع من ذلك.
مهلاً بني عمنا عن نحت أثلتنا ... سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا
هذا الكلام فيه تهكم فيقول رفقاً يا بني عمنا عن ثلبنا، والوقوع فينا، وسيروا على هينةٍ ووقارٍ، وسكينةٍ وانخفاض، على عادتكم المتقدمة، وسنتكم المعهودة، ودعوا ما استأنفتموه من الأخلاق المنكرة، والسير الذميمة. والأثلة: شجرةٌ تجعل مثلاً للعرض، فيقال: فلانٌ ينحت أثلة فلانٍ، إذا ذمه وتنقصه. وقوله " سيروا رويداً " أراد سير واسيراً ترودون فيه، أي ترفقون فيه وتسكنون. " كما كنتم تسيرونا " أي ارجعوا إلى مثل سيرتكم الأولى، وإلى طريقتكم المثلى، واتركوا ما ابتدعتموه، فإنا لا نحتمله ولا نصابركم عليه. وروى بعضهم بدلاً من المصراع الثاني:
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا
ويحمل التكرار فيه على أنه توعد وتأكيد.
الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم ألا تحبونا
استشهد بربه في انتفاء الحب عن قلوبهم، وذكر أنهم لا يلومونهم إذا لم يحبوهم. كأن المعنى أن القلوب مجبولةٌ على حب المحسن وبغض المسيء، فإذا ارتفع التعامل بالإحسان مما بينهم، وحدث التجاذب بالإساءة فيهم، فالتحاب لا محالة ساقطٌ، والتباغض حاصل.
كلٌ له نيةٌ في بغض صاحبه ... بنعمة الله نقليكم وتقلونا
يقول: كل واحدٍ منا ومنكم من قبل وإلى الآن له نيةٌ صادقة لصاحبه في العداورة والبغضاء، وعقيدةٌ خالصة في القطيعة والجفاء، فبحمد الله ومنه وجزيل منحه قد استمر أمرنا على أنا نبغضكم وتبغضوننا. وقوله " بنعمة الله " هو كما جاء في القرآن: " ما أنت بنعمة ربك بمجنونٍ ". وقوله " نقليكم وتقلونا " إشارةٌ إلى الحال. وحذف المفعول من الثاني لأن في الكلام ما يدل عليه. ويجوز أن يكون أراد
стр. 148
وتقلوننا فحذف الثانية عن الإعراب، وهي لغة حجازية. ومثله:
قد رفع الفخ فماذا تحذري
يريد تحذرين، وعلى هذا قول الآخر:
إلى من بالحنين تشوقيني
وهذا يؤيد مذهب سيبويه في تجويزه للشاعر حذف حركة الإعراب عند الضرورة.
وقال الطرماح بن حكيم الطائي
لقد زادني حباً لنفسي أنني ... بغيضٌ إلى كل امرئٍ غير طائل
قوله " أنني بغيض " في موضع الفاعل، والمعنى: زادني بغاضتي إلى كل رجلٍ لا فضل فيه ولا خير عنده، حباً لنفسي، لأن التمايز بيني وبينه والتباين، هو الذي أداه إلى بغضي، ولو كان بيننا تشاكلٌ وتقارب لما نبا عني ولا أبغضني. وهذا الكلام تعريضٌ بمنابذٍ له. وقوله " غير طائل " هو من طال عليهم يطول طولاً. والطول: الفضل. وقال الخليل: يقال للشيء الدون الخسيس: هذا غير طائل، والمذكر والمؤنث فيه سواء. ويقال: زدت فضلاً كما يقال ازددت فضلاً وزادنيه كذا.
وأني شقيٌ باللئام ولا ترى ... شقياً بهم إلا كريم الشمائل
قوله " وإني شقيٌ " أصله أنني، لكنه حذف النون الأولى من أن تخفيفاً لأنه اجتمع ثلاث نونات. وهو محمول في الإعراب على أنني في البيت الأول ومعطوف عليه، فيقول: وزادني حباً لنفسي أيضاً شقوتي باللئام حتى تنقصوني واغتابوني، ثم قطع الإخبار وكأنه أقبل على مخاطبٍ ملتفتاً إليه فقال: ولا ترى أحداً يشقى بهم إلا وهو كريم الطبائع، مجانب لهم بعرضه وأصله، وخلقه وفعله. ويقال شقيت شقوةً
стр. 149
وشقاوة وشقاءً. والشمائل: الطبائع، واحدها شمالٌ. قال:
ألوم وما لومي أخي من شماليا
ثم يقال: هو حسن الشمائل، والمراد به الهيئة والشكل.
إذا ما رآني قطع الطرف بينه ... وبيني فعل العارف المتجاهل
رجع إلى اقتصاص الحال بينه بين من عرض به فيقول: إذا أبصرني المباغض لي ارتد طرفه عني، وقطع نظره إلي، فعل من يعرف الشيء ويتكلف جهله. وقوله " قطع الطرف بينه "، الطرف: مصدر طرفته، إذا أبصرته. وعلى هذا قوله:
تحسب الطرف عليها نجدةً
وقد يراد بالطرف العين أيضاً فيكون اسماً للجارحة والحدث جميعاً. وانتصب " فعل العارف " على المصدر مما دل عليه قطع الطرف بينه وبيني. والمتجاهل: متكلف الجهل. وعلى هذا: تعامى، وتعارج، وتخازر. وفي طريقته لفظاً ومعنىً قول الآخر:
تشاوس يزيد إنني من تأمل
ملأت عليه الأرض حتى كأنها ... من الضيق في عينيه كفه حابل
стр. 150
يقال: ملأت عليه الأرض، إذا ضيقتها عليه. وملأت منه الأرض، إذا قمت وقعدت بذكره. والحابل: ناصب الحبالة. ويقال حبلت الصيد واحتبلته، إذا أخذته؛ وتوسعوا فيه فقالوا: احتبله الموت بحبائله. والكفة، يجوز أن يريد به الحفيرة التي ينصب الحابل فيها الحبالة. ويجوز أن يريد بها قترته، ويجوز أن يريد بها عين الحبالة، لأنها تجعل كالطوق. وهذا أقرب لأن الخليل فسر الكفة على ذلك. وجاء إضافتها إلى الحابل كما يجوز إضافة نفس الحبالة إليه، والمعنى: ضيقت عليه الأرض على اتساعها، لشدة بغضه لي، أي حتى كأنها برحبها في عينيه كفة حابل إذا اجتمع فيها معي. وهذا يشير إلى تضاد الطبعين، وتباين الخلقين، وأنه لو أمكنه لانتفى وجوده في الأرض انتفاء الضد للضد، قلة موافقةٍ وكثرة مخالفة.
وقال بعض بني فقعسٍ
وذوي ضبابٍ مظهرين عداوةً ... قرحي القلوب معاودي الإفناد
يقول: رب قومٍ ذوي أحقادٍ وضغائن، مجاهرين بعداوتي، مراجعين حالاً بعد حالٍ قول الفحش في، متقرحي الأفئدة لشدة الحسد والبغض لي، فعلت بهم كذا. وجواب رب فيما بعد. وذكر قرح القلب مثلاً في العداوة، كما يذكر مرضه مثلاً في النفاق. على ذلك قول الله تعالى: " في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً ". فأما ذكر الصعر والشوس فهو من هذا الباب، لكنه تصوير حال المباغض أو المتكبر في نظره، أو إقباله أو التفاته، وكذلك ما يشبهه. وقوله " معاودي الإفناد " الإفناد بكسر الهمزة: مصدر أفند الرجل، إذا أتى بالفند. وإذا روي " الأفناد " بفتح الهمزة فهو جمع الفند، وهو الفحش والخطأ في الرأي. ويقال في اللوم: فندته، لأنه يجمع تخطئة الرأي وذكر القبيح. والضباب: جمع الضب، وهو الحقد. قال:
يا رب ذي ضغنٍ وضبٍ فارض
ويقال: فلان خبٌ ضبٌ، إذا كان منكراً في المعاداة.
стр. 151
ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم ... وهم إذا ذكر الصديق أعاد
يقول: رب قومٍ هكذا أنا نسيت بغضهم لي حتى نسوا أيضاً - لأن المناساة تكون من اثنين فصاعداً - وتركتهم وهم من جملة الأعداء، إذا ميزت بالذكر الأصدقاء. وقوله " الصديق " أراد به الجنس.
كيما أعدهم لأبعد منهم ... ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد
يقول: لم أكاشفهم، ولا أظهرت لهم علمي بعداوتهم، بل استمررت في مداجاتهم ومساترتهم، وعركت بجنبي ما بدر من هفواتهم، طلباً لأن أعدهم لمن هو أبعد شأواً في العداوة، أو أشد تأخراً في الالتحام والقرابة. ثم قال: ولقد يضطر الإنسان إلى نصرة بني الأعمام وإن كانوا منطوين على ضغائن، فإذا قاتل ببعضهم بعضاً لاءمه ذلك ووافقه، وحصلت الدبرة على من حصل، إذ كان فيه تفانيهم، واشتفاء الصدور منهم. وهذا كما قيل لبعض حكماء العرب ما تقول في ابن العم؟ قال: عدوك وعدو عدوك.
وقال يزيد بن الحكم
دفعناكم بالقول حتى بطرتم ... وبالراح حتى كان دفع الأصابع
يقول: درجناكم في استبقائكم ورتبنا القول والفعل في استفاءتكم وإصلاحكم، فوعظناكم أولاً باللسان وضرب الأمثال في الجدال، حتى أبطركم ذلك وزادكم إغراءً، فارتقينا من القول إلى الدفع بالراح، وتقبيح ما تأتونه بأحسن المس، فلما لم يغن شيءٌ من ذلك عدلنا منه إلى الدفع بالأصابع، وما بين هذه المنازل من التفاوت في الخشونة والليان معلومٌ عند ذوي الألباب. ومر بي فيما قرأته من مجاوبات قريش، أن بعضهم قال لآخر منهم مستضعفاً لما أورده عليه: هذا دفع بالراح! فقال مجيباً: كلا إن معها الأصابع! وقوله " حتى كان دفع الأصابع " انتصب دفع على أنه خبر كان، واسمه مضمر كأنه قال: حتى كان الدفع دفع الأصابع. ولك أن ترفعه على أن يكون اسمه، وتضمر الخبر، كأنه قال: حتى كان دفع الأصابع دفعنا، أو على أن يكون كان بمعنى حدث، فتكتفي بالفاعل، وهي التي تسمى كان التامة.
стр. 152
فلما رأينا جهلكم غير منتهٍ ... وما غاب من أحلامكم غير راجع
يقول: ولما وجدناكم لا ترعوون لمواعظكم ونذركم، ولا يعاودكم ما عزب من بصائركم وعقولكم، ولا يقف الجهل بكم على غايةٍ لا متجاوز وراءها، ولا يغني ما استفرغنا فيه الوسع من ردكم وزجركم، راجعنا أنفسنا منكرين ومتعجبين، وأقبلنا نباحث عن أصولنا وفروعنا معتزين، لنقف على ما وطأ لكم مراكب العقوق، وحسن في آرائكم تخطي موانع الحقوق، إلى نكث قوى العهود.
مسسنا من الآباء شيئاً وكلنا ... إلى حسبٍ في قومه غير واضع
قوله " مسسنا " يجوز أن يكون بمعنى أصبنا واختبرنا، لأن المس باليد قد يقصد به الاختبار، ويجوز أن يكون بمعنى طلبنا. وقد قال بعض الناس في قول الله تعالى: " لا يمسه إلا المطهرون ": إن المعنى لا يطلبه. قال: واللمس كالمس في أنه يوضع في معنى الطلب. قال: وعلى هذا يحمل قول الله جل ثناؤه: " وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً ". فمن الأول قولهم: مسه الكبر، وأفضى الرجل إلى امرأته إفضاء مسيسٍ. ومن الثاني مساس الحاجة. فأما قولهم: به مسٌ من جنون، فيصح أن يكون من الأول ومن الثاني جميعاً. وهذا كما يقال: به لممٌ من جنونٍ، وأصله من اللم وهو الجمع أو الإلمام. وقوله " وكلنا إلى حسبٍ " أي ينتمي وننتمي. ف " إلى " تعلق بهذا وما أشبهه من المضمرات. وهذا كما يقال: أنا منك وإليك. وقوله " كلنا " أي كل واحدٍ منا، يعني أهل بيتهم. ألا ترى أنه قال " إلى حسبٍ في قومه ". ومعنى البيت: لما اشتد لجاجهم وطال تماديهم، وصاروا لا ينزلون عن مراكب البغي، ولا يرجعون عن الذهاب في طرق الفساد، نظرنا: أي عرقٍ يقتضي منكر الخلاف معنا، وما الذي يوجب التدابر من الأنساب والأسباب بيننا، فلمسنا أطراف أبوتنا، واستشففنا جوانبها، ووجدنا كلامنا ينتمي إلى حسبٍ يرفعه ولا يضعه. ويقال: وضعته، إذا حططت منه. ووضع الرجل، وهو وضيعٌ بين الضعة والضعة. والتوضيع: التأنث والانكسار من هذا. ويقال: دابةٌ حسنة الموضوع، وضده المرفوع. وبعيرٌ عارف الموضع، أي ذلولٌ عند الركوب.
فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع
стр. 153
جعل المضاجع كنايةً عن الأزواج. وهذا كما يكنى عنهن بالمفارش. قال:
سجراء نفسي غير جمع أشابةٍ ... حشدٍ ولا هلك المفارش عذل
يعني أن أمهاتهم عفائف. فيقول: لما تقصينا بالبحث والكشف أنساب آبائنا، وعلائق وصلها فلم نجد فيها مغمزاً، ولا إلى ما ذممنا من أخلاقكم منها داعياً، عدلنا إلى النظر في أنساب أمهاتنا، والتوصل إلى مكنون وشائجها، ومجهول مواصلها، فألفيتم أبناء عمكم كانوا كرام الفرش. وهذا من أحسن المعاريض، لأن المراد: كانت أمهاتنا أشرف من أمهاتكم، فعلمنا أن ما خالفتمونا فيه، وصرتم على حرف مباينةٍ لنا من أجله، شيءٌ يرجع إليهن. وإنما قال " وجدتم " ليكون كالتقرير لهم، ويصير ما ادعي من الفضل عليهم باتفاقٍ منهم. وذكر بعضهم أنه كان يجب أن يقول: وجدتمونا، فوضع بني عمكم مكان " نا "، وهو أخص من بني عمكم، بدلالة أن ما يكون للنفس أخص مما يكون للغائب، وإذا كان كذلك فقد وضع الأدون موضع الأخص. وليس الأمر على ما قال، لأن الرجل إنما يريد ببني عمكم الآباء، وقد قدم ذكرهم في قوله " مسسنا من الآباء ". ألا ترى أنه قال: كانوا كرام المضاجع. وإذا كان الأمر على هذا، كان الواجب عليه أن يقول: وجدتم آباءنا كانوا، لا وجدتمونا.
وقال جابر بن رالان
لعمرك ما أخزى إذا ما نسبتني ... إذا لم تقل بطلاً علي ومينا
لعمرك مبتدأ، وخبره محذوف، فكأنه قال لعمرك ما أقسم به، ولا يستعمل في اليمين إلا بفتح العين، وإن كان ضمها لغةً فيه. و " أخزى " يجوز أن يكون من الخزي: الهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية: الاستحياء. والبطل يراد به الباطل. والمين: الكذب، وقد مان، وهو مائنٌ وميونٌ. والمعنى: وبقائك ما أستحي أو ما أهون ولا أذل متى ما ذكرت أسلافي وآبائي ولم تقل باطلاً، ولم تدع علي زوراً. وقوله " إذا ما نسبتني " ظرفٌ لقوله ما أخزى. و " إذا لم تقل " يجوز أن يكون بدلاً منه. ولولا أنه كرر " إذا " لكان الكلام ما أخزى إذا ما نسبتني ولم تقل بطلاً وميناً. ولا
стр. 154
يجوز أن يكون العامل في إذا " ما نسبتني " لأن ذا قد أضيف إليه وبين به، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. ويجوز أن يكون إذا الأولى بما اتصل به وما عمل فيه الجملة في جواب إذا الثانية، كأنه قال: إذا لم تقل بطلاً فلعمرك ما أخزى إذا ما نسبتني. وانتصب " بطلاً " على أنه مفعول لم تقل، لأن القول يحكى بعده الجمل فيعمل في مواضعها لا في لفظها، ويقع المفرد بعده - إذا كان معنى الجملة - منصوباً به.
ولكنما يخزي امرؤٌ يكلم استه ... قنا قومه إذا الرماح هوينا
هذا تعريض بالمخاطب، يقول: أنا لا أخزي إذا ذكر مسعاة آبائي على حدها وحقها، إنما يخزي لذلك رجلٌ هذا صفته ونعته، وهو أنه يجرح استه، لكونه مولياً ومنهزماً، رماح قومه إذا شرعت للطعن. وإنما قال " قنا قومه " لأنه أشار في تعريضه إلى حالةٍ اتفقت للمخاطب مع أبناء عمه. وكل جرحٍ صغر أو كبر فهو كلم.
فإن تبغضونا بغضةً في صدوركم ... فإنا جدعنا منكم وشرينا
قوله " في صدروكم " بما تعلق به في موضع الصفة للبغضة. والمعنى: إن انطوت صدروكم لنا على بغضةٍ راسخةٍ فيها، متمكنةٍ منها فغير مستنكرٍ عندنا ولا مستطرفٍ من أحوالنا، لأن ما ارتكبناه فيكم من جدع الأنوف وبيع النفوس بإذلالنا إياكم، وبما أخذناه في فدائكم، يوجب البغضاء، ويقتضي الشنآن.
ونحن غلبنا بالجبال وعزها ... ونحن ورثنا غيثاً وبدينا
يعني بالجبال أجأ وسلمى وهضابهما، ولذلك جمع. وقوله " وعزها " أراد وعز أربابها وسكانها. ويجوز أن يريد العز الذي يحصل لهم عند التحصن بها. وطيئٌ أبداً تفتخر بذلك، لأنهم إذا اعتصموا بها لم تتوصل الأعداء إليهم فيها. وغيثٌ وبدينٌ: قبيلتان. يريد: ورثنا أحسابهم ومفاخرهم. وغيث: فيعلٌ من الغوث، وفي بطون طيئٍ بطنٌ يقال لهم الغوث، ومنهم أبو زبيدٍ الطائي.
وأي ثنايا المجد لم نطلع لها ... وأنتم غضاب تحرقون علينا
стр. 155
الاستفهام هنا يجري مجرى النفي، كأنه قال: ما ثنيةٌ من ثنايا المجد إلا طلعنا لها. والثنية: فعيلة من ثنيت، أي عطفت وصرفت، وكما استعملت في الجبال استعملت في الأمور والخطات. قال:
وثنيةٍ من أمر قومٍ وعرةٍ ... فرجت يداي فكان فيها المطلع
فلذلك ذكرها هنا مثلاً، والمعنى: إن مطالع الشرف على توعرها أو تسهلها ارتقينا إليها، وأنتم تتهددوننا في غضبكم، والحرق: حرق أحد النابين بالآخر. وقد حرق نابه يحرق ويحرق، حرقاً وحروقاً، من الغيظ. وذكر الخليل: حريق الناب كصريف الناب. و " فلان يحرق على الأرم " ويروى " الأزم ". والأرم: الأكل، والأزم: العض، وهما جميعاً بالأسنان، والمعنى يحرق على أسنانه. والمتوعد يفعل ذلك يظهر به شدة الغيظ. واكتفى بقوله " يحرقون " عن ذكر المفعول، لأن المراد مفهوم. ويقال: اطلع عليه وله، إذا أشرف. والمعنى إنا رددنا على حسدكم لنا، وتغيظكم فينا، قوة وشرفاً، وعزةً وكرماً، حتى لم تبق غايةً من المجد إلا ارتقينا إليها وعلوناها.
وقال سبرة بن عمروٍ الفقعسي
وعيره ضمرة بن ضمرة النهشلي كثرة إبله.
أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلمٌ ... وقد سال من ذلٍ عليك قراقر
لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى الإنكار. أي لم تنسى مدافعتي عنك حين كنت مخذولاً لا ناصر معك، وقد امتد سيل الذل نحوك فسأل عليك. فإذ ظرفٌ لدفاعي. وقراقر: اسم وادٍ، ويكون ذكره مثلاً. ومن كلامهم: " سال عليه الذل، كما يسيل السيل ". ولا يمتنع أن يكون لحقه ما لحقه من الذل من ناحية قراقر، فلذلك خصه. وقوله " إذ أنت مسلمٌ " يقال أسلمته وسلمته، إذا خليت بينه وبين من يريد النكاية فيه. وأسلمت الصبي في حرفةٍ، إذا أرسلته فيها. وقوله " وقد سال " في موضع الحال، أي أسلمت وحال ذلك.
ونسوتكم في الروع بادٍ وجوهها ... يخلن إماءً والإماء حرائر
قوله " ونسوتكم " مع خبره جملةٌ انعطفت على قوله " وقد سال من ذلٍ " وهذا وصف الحال التي مني بها حين نصره مخاطبه. والمراد: ونساؤكم تشبهن بالإماء،
стр. 156
مخافة السباء، حتى تبرجن وبرزن مكشوفاتٍ ناسياتٍ للحياء وإن كن حرائر. وإنما قال هذا لأنهم كانوا يقصدون بسبي من يسبون من النساء إلحاق العار، لا اغتنام الفداء والمال، ولما كان الأمر على هذا فالحرة كانت في مثل ذلك الوقت تتشبه بالأمة، لكي يزهد في سبيها. ومعنى و " الإماء حرائر ": واللائي يحسبن إماءً حرائر. ولو قال يخلن إماءً وهن حرائر لكان مأخذ الكلام أقرب، لكنه عدل إلى " والإماء حرائر "، ليكون الذكر به أفخم، والاقتصاص أشنع وأعظم. وقال " باد وجوهها " لتقدم الفعل، وأن تأنيث الوجوه غير حقيقي، ولو قال باديةٌ وجوهها لجاز. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
وخمار غانيةٍ عقدت برأسها ... أصلاً وكان منشراً بشمالها
أعيرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عارٌ يا بن ريطة ظاهر
يريد على وجه الإنكار والتقريع: لم عيرتنا ألبان الإبل ولحومها واقتناء الإبل مباحٌ لا محظورٌ في القديم والحديث، والانتفاع بلحمانها وألبانها مسوغٌ غير مردودٍ في الدين والعقل، وتفريقها في المحتاجين إليها إحسانٌ ومعروف يجلبان الحمد والشكر. وذلك عار ظاهرٌ، أي زائلٌ. قال أبو ذؤيب:
وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارها
ومن هذا قولك: ظهر فوق السطح، وقولك: جعلته مني بظهرٍ، وقوله تعالى: " اتخذتموه وراءكم ظهرياً ". ويجوز أن يريد بالظاهر أن الحال في أن ذلك ليس بعارٍ ظاهرة غير ملبسةٍ ولا خافيةٍ. ويقال عيرته كذا وهو الأفصح، وعيرته بكذا. قال عديٌ:
أيها الشامت المعير بالده ... ر.............
والواو من قوله " وذلك عارٌ " واو الحال، أي أتعيرنا والحال ذلك.
نحابي بها أكفاءنا ونهينها ... ونشرب في أثمانها ونقامر
بين وجوه تصرفهم فيما عيرهم به، فقال: نجعلها حباءً لنظرائنا فنتهادى بها، ونسهل تمكن العفاة والزوار منها، بابتذالها وإهانتها - وحذف ذكر من أهينت له لأن
стр. 157
المراد مفهوم - ونبيعها فنصرف أثمانها إلى الخمر والإنفاق، ونضرب بالقداح عليها في الميسر عند اشتداد الزمان، فنفرقها في الضعفاء والمحتاجين إليها. وفي تعداد هذه الوجوه إبطالٌ لكل ما أوهم أو ادعى يلحق من العار في اقتنائها وادخارها. وروى بعضهم: " نحايي بها أكفاءنا " على أن يكون نفاعل من الحياة، أي نعايشهم بها ونجامل، وليس بشيءٍ، فلا تعرج عليه.
وقال آخر من بني فقعسٍ
أيبغي آل شدادٍ علينا ... وما يرغي لشدادٍ فصيل
مخرج هذا الكلام مخرج الكلام المتقدم، في أنه إنكار وتقريعٌ، وفيه إشارة إلى ما يتضمنه قول الآخر من التبخيل، وهو:
فلا والله ما لبني بربٍ ... ولا بحمي علي ولا سلائي
أي ما لهم يبغون علينا وحالهم في أنفسهم ما هو نهاية البخل والشوم، والدقة واللوم، حتى لا يحمل فصلٌ لهم على إرغاءٍ بأن يفصل بينه وبين أمه بنحرٍ أو هبةٍ، ضنا به، وإشفاقاً عليه. أي إنهم لا يسوغ لهم البغي مع هذه الحال. ويجوز أن يكون قوله " وما يرغي لشداد فصلٌ " يراد به ما لهم فصيلٌ فيرغى، كما قال الآخر:
ولا ترى الضب بها ينجحر
والمعنى: لا ضب بها فينجحر. يرميهم بالفقر والفاقة، وضعف المنة، وقصور الاستطاعة. ويقال: أرغى فلانٌ فصيله، وإذا حمله على الرغاء، وأرغى فلانٌ فلاناً وأثغى، إذا أعطاه إبلاً وغنماً. وروى بعضهم: " وما يرغي " بكسر الغين، أي لا يعمل بالفصيل ما يحمل أمه على الرغاء له. وليس بشيء.
فإن تغمز مفاصلنا تجدنا ... غلاظاً في أنامل من يصول
هذا تعريضٌ وإيعادٌ، فيقول: إن رزتمونا وجدتمونا غلاظاً على من يصول علينا،
стр. 158
جفاةً عند من يسومنا مكروهاً. والمعنى: لا نستلان عند الامتحان. وجعل الغمز غمز المفاصل كنايةً عن الاختبار. وحكي عن بعضهم: " لا أغمز كتغماز التين "، ولذلك صلح أن يقول استغلظتنا في أناملهم. وخص الأنامل لأن الانفتال عن الشيء والإقبال عليه بسلامتها من الآفات يقوى.
وقال جزء من بن كليبٍ الفقعسي
تبغي ابن كوزٍ والسفاهة كاسمها ... ليستاد منا أن شتونا لياليا
قوله " والسفاهة كاسمها " اعتراض دخل بين تبغي ومفعوله. والأصل في السفه: الخفة. ويقال: زمام سفيه، لاضطرابه، كما يقال زمام عيار. فيقول: تطلب هذا الرجل ما تطلبه سفهاً، وفعل السفاهة قبيح كما أن اسمها قبيح. وإنما قال هذا لأن السفه كما تنكر العقول والقلوب ذاته وفعله، كذلك تمج الآذان والصدور اسمه. فإن قيل ما اسم السفاهة حتى قال: والسفاهة كاسمها؟ قلت: قوله والسفاهة، أراد ما يسمى سفاهة، أي المسمى بهذا الاسم، كما أن الاسم الذي هو السفه قبيح. إلا أنه لما لم يجد إلى العبارة عن الذات طريقاً إلا باسمه قال: والسفاهة. ويجوز أن يكون أراد بتبغي: أدخل نفسه في البغي، حين عدا طوره، وسامنا مواصلته، كما يقال تشجع وتمرأ. وقوله " ليستاد منا أن شتونا لياليا " أتى بالفعل واللام، لأن تبغي مثل أراد. فكما قال الله : " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم "، وقال الشاعر:
أرادت لتنتاش الرواق فلم تقم
والمعنى يريدون إطفاء نور الله، وأرادت انتياش الرواق - كذلك قال هذا: تبغي ليستاد، والمعنى تبغي الاستياد منا ومراد الشاعر تطلب النكاح في سادتنا من أجل أنا دخلنا في الشتاء. والمعنى من أجل أنا افتقرنا واشتد الزمان علينا فأثر فينا. قوله " أن شتونا " موضعه نصب، أصله لأن شتونا، فلما حذف الحرف الجار وصل الفعل فعمل. ومعنى شتونا: قحطنا وأقمنا في القحط، كما تقول شتونا بمكان كذا. ويقال: اشتينا، إذا أريد دخلنا في الشتاء.
стр. 159
فما أكبر الأشياء عندي حزازة ... بأن أبت مزرياً عليك وزاريا
انتصب " حزازة " على التمييز، فيقول: ليس انصرافك عنا عائباً علينا حين لم نسعفك بمرادك، ولم نجبك لما خطبت من خطبت إلى ملتمسك، ومعيباً عندنا حين عدوت طورك فتجاوزت مستحقك وقدرك، بشيء يكبر عندي تقطيعه في الصدر، وتأثيره في النفس. أي إرغامك وإسخاطك يهون علينا. والباء الذي في قوله " بأن أبت " هو الباء الذي في قولك ما زيد بمنطلق. ويقال: زريت عليه فعله، إذا عبت عليه فعله؛ وأزريت به، إذا وضعت منه وقصرت به. وقوله " وزاريا " أي وزاريا علينا، فحذف لأن المراد مفهوم.
وإنا على عض الزمان الذي ترى ... نعالج من كره المخازي الدواهيا
يقول: إنا نقاسي هرباً من المكروه الشدائد، ونصبر تفادياً منها على العظاتم. هذا - ما ترى من نكاية الحدثان، وسوء تأثير الزمان، وقصده إيانا بالمكاره والبلاء، والمفاقر والضراء. وهذا تنبيه على أن محافظتهم على الشرف يمنعهم من مناكحة من ليس بكفء لهم، وأن مساعفتهم إياه بما طلبه مخزية عندهم. وقوله " على عض الزمان " موضعه موضع الحال. والمعنى: إنا منكوبين وفقراء نفعل ذلك حذراً من العار.
فلا تطلبنها يا بن كوز فإنه ... غذا الناس مذ قام النبي الجواريا
يقول: لا تطلب التزوج بالمرأة التي خطبتها يا بن كوز، فلك في سائر النساء مندوحة، سيما ومنذ بعث الله النبي ﵇، وقام بأداء الرسالة عنه، ربي الناس البنات وتركوا وأدهن فكثرن. ويقالك غذاه يغذوه غذواً، وتغذى بكذا. والغذاء: الطعام والشراب.
وإن التي حدثتها في أنوفنا ... وأعناقنا من الإباء كما هيا
يقول: وإن النخوة التي أبلغتها، والحمية التي حدثتها، باقية في أنوفنا حتى لا نشم بها مرغمة، وفي أعناقنا ورءوسنا حتى لا نلويها إلى مخزية ومنقصة هي حاصلة فيها كما أبلغت؛ فالامتناع من مثل ما سمت معروف منا، ومأخوذ به في عاداتنا، فلا نستطرقه. وقوله " في أنوفنا " في موضع المفعول الثالث لحدثتها. وقوله " كما هيا " في موضع خبر إن، وما زائدة. أراد كهي، أي هي باقية بحالها، مستمرة على طريقها. ويجوز أن يكون هي مبتدأ، وكما في موضع الخبر. ويقولون: كما أنا كما أنت، أي
стр. 160
تشابهنا، ويكون ما نكرة غير موصوفة. ويجوز أن يكون حذف صفته كأنه قال: كما حدثته أي كشيء حدثته. وإنما خص " في أنوفنا وأعناقنا " بالذكر لأنه يقال في الكبر والصعوبة: في أنف فلان خنزوانة، وزم فلان بأنفه، وأنفه أنف الليث، وهو أحمى أنفاً من أن يقبل كذا. ويقولون: في خده صعر، وفي عنقه صور وصيد، وفي ناظره شوس وصاد. قال يصف سيوفاً:
يداوي بها الصاد الذي في النواظر
وقال زيادة الحارثي
لم أر قوماً مثلنا خير قومهم ... أقل به منا على قومنا فخرا
ينتصب قوله " خير قومهم " على أنه بدل من قوله " قوماً ". ويجوز أن يكون صفة. و " أقل " ينتصب على أنه مفعول ثان، و " فخراً " ينتصب على التمييز. وقوله " به " الضمير منه يرجع إلى ما ذكره ودل عليه من قوله " خير قومهم " يريد أقل بكونهم خيرين. ومثله قول القائل:
إذا زجر السفيه جرى إليه
أي إلى السفه. وتقدير البيت: لم أر خير قوم مثلنا أقل بذاك فخراً مناعلى قومنا. والمعنى إنا لا نبغي على قومنا، ولا نتكبر عليهم، بل نعدهم أمثالنا ونظراءنا فنباسطهم ونوازنهم قولاً بقول، وفعلاً بفعل.
وما تزدهينا الكبرياء عليهم ... إذا كلمونا أن نكلمهم نزرا
стр. 161
ينتصب قوله " نزارا " على أنه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: نكلمهم كلاماً نزراً. والمعنى لا يستخفنا التكبر إلى أن نتعلى عليهم، ونقلل الكلام معهم ترفعاً عن مساواتهم، بل نباسطهم ونكاثرهم في القول والسؤال، إيناساً لهم وتسكيناً منهم. ويقال: زهاه وازدهاه بمعنى. والأصل في ازدهى: ازتهى، لأنه افتعل من الزهو، لكنه أبدل من التاء دالاً تقريباً للحرف من الزاي. وقوله " أن نكلمهم " أراد لأن نكلمهم، فحذف حرف الجر. و " أن " يفعل به ذلك كثيراً.
وقال ابنه مسور
حين عرض عليه سعيد بن العاص سبع ديات بأبيه فأبى. ويقال: هي لعمه:
أبعد الذي بالنعف نعف كويكب ... رهينة رمس ذي تراب وجندل
ألف الاستفهمام دخل ها هنا على معنى الإنكار، وتناول الفعل الذي في صدر البيت الثاني، لأن ألف الاستفهمام يطلب الأفعال. والمعنى: أذكر بالإبقاء بعد المدفون بنعف هذا الجبل - وهو ما استقبلك منه - المرهون في قبر ذي تراب وحجارة. والنعف، اشتق منه انتعف له، أي تعرض. والمناعفة: المعارضة من رجلين في طريقين يريد كل واحد سبق الآخر. وقيل النعف: المكان المرتفع في اعتراض. وقوله " رهينة " جعله اسماً فلهذا ألحق الهاء بها. والرمس: القبر. ويقال رهنته رهناً بمعنى رهنت عنده، وأصله من اللزوم والدوام ويقال هذا لك راهن. والأصل في الرمس: التغطية، يقال رمسته بالتراب؛ ومنه الرياح الروامس.
أذكر بالبقيا على من أصابني ... وبقياي أني جاهد غير مؤتل
يقول: أأسأم الإبقاء على من وترني؟ إبقائي عليه أني أجتهد في قتله، ولا أقصر. والإبقاء لا يكون الجهد، ولكن المعنى: يكون هذا مني عوضاً من ذاك. ومثله قول الآخر:
تحية بينهم ضرب وجيع
стр. 162
والبقيا: اسمٌ على فعلى، مبني من الإبقاء وفي معناه، والواو منه واو الحال، ولو لم يأت به لكان الكلام على الاستئناف والإنقطاع مما قبله. ويقال: لا آلو في كذا ولا آتلي، أي لا أقصر، ولا آلو كذا، أي لا أستطيعه.
فإلا أنل ثأري من اليوم أو غدٍ ... بني عمنا فالدهر ذو متطول
يقول مخبراً عن صبره وحسن رفقه في طلب الأمور، وأنه لا يتسلط عليه الملال وإن تراخى المطلوب، وتدافع الوقت في الحصول، فيقول: إن لم أدرك ثأري قريباً يا بني عمنا ففي الدهر تطاول، والزمان بتبديل الأبدال وتحويل الأحوال كافلٌ، وله ضامنٌ، وما يتعسر في وقتٍ يتيسر في آخر. وذكر اليوم والغد إشارةٌ إلى تقريب الوقت في المستقبل، كما يقال في الماضي: كان بالأمس يفعل كذا. ومتطول: مصدر مثل تطولٍ.
فلا يدعني قومي ليوم كريهةٍ ... لئن لم أعجل ضربةً أو أعجل
جزم " يدعني " بلا على أنه دعاءٌ، والمعنى: لا دعيت لكشف مكروه، ولا للدفع عن مظلومٍ، إن لم أعجل ضربة لمن وترني، أو يعجلها لي. والمعنى: إن لم أقتله أو يقتلني. وهذا الكلام وإن كان لفظه لفظ الدعاء فالمعنى معنى القسم. وقوله: " أو أعجل " أراد: أو لم أعجل لمثلها، فحذف. وفي هذا بيانٌ للتوعد بالإقدام، والتسرع إلى القتل أو الاستقتال بعد الإمكان.
أنختم علينا كلكل الحرب مرةً ... فنحن منيخوها عليكم بكلكل
هذا الكلام تهددٌ، وضمانٌ في أنه سيكافئهم على ما بدأوا. والمعنى: سنؤثر فيكم كما أثرتم فينا، وننزل الحرب بكم كما أنزلتموها بنا. ويقال: أنخت البعير فاستناخ وبرك. ولا يقال فناخ. وتقول في شدة التأثير: برك عليهم الدهر بكلكه، ووطئهم بمناسمه، وأنخى عليهم بجرانه. وهذا جعل الكلكل هو المناخ في صدر
стр. 163
البيت، وفي العجز جعل الحرب مناخةً بكلكلها. وكل ذلك أمثال، والمعنى من جميعها ظاهر.
وقال بعض بني جرمٍ من طيئ
إخالك موعدي ببني جفيفٍ ... وهالة، إنني أنهاك هالا
في قوله " إخال " ضرب من الاستهانة، يقول: أحسبك تهددني ببني جفيفٍ وبهالة. ثم أقبل على هالة فقال: إني أزجرك عن التحكك بنا، ونصرة من ينابذنا. ومثل هذا الكلام يسمى التفاتاً. والعرب قد تجمع في الخطاب أو الإخبار بين عدة، ثم تقبل أو تلتفت من بينهم إلى واحد لكونه أكبرهم، أو أحسنهم سماعاً لما يلقى إليه، أو أخصهم بالحال التي تنطق بالشكوى بينهم، فتفرده بكلام. على هذا بيت الهذلي:
أحيا أبا كن يا ليلى الأماديح
فقال أبا كن، ثم قال يا ليلى. ويقال: خلت أخال، وإخال طائيةٌ، فكثر استعمالها في ألسنة غيرها، حتى صار أخال كالمرفوض. والهالة: الدارة حول القمر، في اللغة، وإذا أنث خطابها فإنه جعلها قبيلةً، وإذا ذكرها فعلى إرادة رجلٍ هو أبو القبيلة، وإذا جمع فعلى المعنى. وفي جميع ذلك قد صرف كلامه.
فإلا تنتهي يا هال عني ... أدعك لمن يعاديني نكالا
يقول: إن لم تنزجري عني ولم ترتدعي بكلامي، أجعلك لأعدائي عبرةً رادعة، وعقوبةً زاجرة. والنكال: اسم لما يجعل عبرة للغير، ويقال نكل ينكل، ونكل ينكل لغتان، الأولى تميمية والأخرى حجازية.
إذا أخصبتم كنتم عدواً ... وإن أجدبتم كنتم عيالا
يصفهم بالأشر والبطر وسوء الحفاظ، والتعجل إلى الشر، فيقول: إذا نلتم الخير وطاوعكم الوجد خرجتم لنا أعداء، ثم إن أثر فيكم الدهر، أو ضغطكم البؤس والضر، أويتم إلينا، ولحقتم بجملتنا، فاحتجنا إلى أن نمونكم.
стр. 164
وقال آخر:
اللؤم أكبر من وبرٍ ووالده ... واللؤم أكرم من وبرٍ وما ولدا
فضل اللؤم في اللفظ عليهم وعلى أسلافهم، والقصد به إلى تفضيله على أخلاقهم وأفعالهم وطباعهم، لأن الشرط تشبيه الأحداث بالأحداث، والذوات بالذوات. وإذا كان كذلك فقد حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كأنه قال: اللؤم أكرم من أخلاق وبرٍ وأخلاق والده، وقوله " ووالده " دخل فيه كل أبٍ لهم، كما دخل في قوله " وما ولدا " كل ولد لهم. واللؤم: خصالٌ منكرة، إذا اجتمعت سميت لؤماً، كدناءة النفس والآباء والبخل مردداً فيهم، والنظر في الأمور التافهة المخزية. ووبر في اللغة: دويبةٌ أصغر من السنور طحلاء اللون ترجن في البيوت، وجمعه وبارٌ. ويسمى بهان ثم جعلت للقبيلة. فإن قيل: لم لم يقلك ومن ولدا؟ قلت: أشار إلى الجنس وما يقع للأجناس.
قومٌ إذا ما جنى جانبهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
يقول: هم قومٌ إذا جر واحدٌ منهم جريرةً أمن جميعهم، لدقة أصولهم، ولؤم أحسابهم، أن يؤاخذوا كلهم بها، فكيف الواحد منهم. كأن القبيلة بأسرها لا يعدون بواءً لقتيلٍ فيقتلوا به، فالأمن الذي شملهم عند اتفاق الجنايات منهم لهذا. والقود: أن يقتل القاتل بالقتيل، فيقال: أقدته به. وإذا أتى الرجل صاحبه بمكروهةٍ فانتقم منه بمثلها، قيل: استقادها منه، وهذا كما قال الآخر:
من ذا يعض الكلب إن عضا
ونقله أبو تمام فقال:
أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرضٌ عززت به وأنت ذليل
اللؤم داءٌ لوبرٍ يقتلون به ... لا يقتلون بداءٍ غيره أبدا
стр. 165
أشار بهذا إلى أن مطامعهم الخسيسة ترديهم، وإسفافهم لها يعرضهم للقتل ويهلكهم، فقال: هذا داؤهم لا يقتلون إلا به، ولأن حين كان حائنٍ فيما يغلب به وعليه. ويجوز أن يريد أنه لما ترفع القصاص عنهم عند وقوع الجرائر منهم، كانت القتلة الكريمة فيهم أزهد، وعنهم أبعد، ولا يموتون إلا بدائهم الذي هو اللؤم. والموت قد يسمى قتلاً. وإنما أدخل هذه الأبيات في الباب لقوله " قومٌ إذا ما جنى جانيهم أمنوا " فلما ذكر من يجتهد في إدراك الثأر من جهته تيسر أو تعسر، ذكر أيضاً ما يضاده ممن يرغب عنه ويزهد في النيل منه، ترفعاً عن مكافأته. وهذا عادته في إتباع الشيء بضده، فأعلمه.
وقال آخر:
ألا أبلغا خلتي راشداً ... وصنوى قديماً إذا ما اتصل
قديماً، انتصب على الظرف لقوله خلتي. والمراد: أبلغا خليلي قديماً راشداً، وصنوى إذا ما انتسب. والصنوان: الفرعان يخرجان من أصلٍ واحدٍ. ويقال للأخوين هما صنوان، تشبيهاً بذلك، ولعم الرجل صنو أبيه. ويقال صنوٌ، وصنوانٌ في التثنية، وصنوانٌ في الجميع، ولا يعرف له نظير إلا قنوٌ. فيقول: راشدٌ خليلي القديم، ونسيبي القريب، فأبلغاه عني رسالةً. وفي جمعه بين خلتي وصنوي، وتأخيره قديماً إذا ما اتصل، ما ذكره أبو العباس المبرد ﵀، من أن العرب تلف الخبرين لفاً، ثم ترمى بتفسيرهما جملة، ثقة بأن السامع يرد إلى كل ما له.
بأن الدقيق يهيج الجليل ... وأن العزيز إذا شاء ذل
الباء دخل للتأكيد، وموضع أن مفعول ثانٍ من أبلغا. فيقول: أبلغاه أن صغير الأمور يجني الكبير، وأن العزيز من الرجال متى أراد عاد ذليلاً، بأن يعدو طوره، ويشتغل بما لا يهمه. ومثل هذا قولهم: " الشر يبدؤه صغاره "، وقول شاعرهم:
الحرب أول ما تكون فتيةٌ
стр. 166
وقول الآخر:
كم مطر بدؤه مطير
وأن الحزامة أن تصرفوا ... لحيٍ سوانا صدور الأسل
هذا الكلام تحذيرٌ وإنذار. يقول: وأبلغاه أن الحزم في صرف أعنة خيلكم إلى غيرنا، فإنكم لا تقومون لنا إذا هيجتمونا؛ والرأي في أن تعدلوا بصدور رماحكم إلى طعن من سوانا، فإنكم لا تكملون لدفاعنا، ولأن الكرة لا يخرج منا إلا إباءً وامتناعاً.
فإن كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل
العرب تقول: " سيد القوم أشقاهم ". ولذلك قال شاعرهم:
وإن سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلعها طويل
فيقول: إن رمت سيادتنا من وجهها، وبالآلات التي يحتاج إليها في تحصيلها، تم لك ذلك؛ وإن كنت للكبر فاذهب فاحسب أنك سيدٌ، فإنك لا تكون. هذا إذا رويت " فخل " بفتح الخاء. وإن رويت " خل " بضمها فالمعنى: اذهب وتكبر، فإنا لن ننقاد لك، واستعمال البغي والصلف والكره لا يزيدنا إلا إباءً عليك، وتمادياً في اللجاج معك. والخال: الكبر. واختال الرجل فهو مختالٌ وخالٌ أيضاً. قال الشاعر:
إذا تجرد لا خالٌ ولا بخل
ويقال خال يخول ويخال خولاً وخالاً، وفي الظن يقال خال يخال لا غير. وقوله " فاذهب " أمرٌ من قولك ذهب يقول كذا. وعلى هذا قول الشاعر:
فاذهب فما بك والأيام من عجبٍ
стр. 167
وكذلك قولك للغريم: قم فأعطني حقي. فالأمر في الحقيقة بالعطية لا بما سواه. وأجري مجراه قولهم: أخذ يتمسك بكذا، وطفق يتحدث بكذا، وجعل يشتمني. وخرجوا في التوسع إلى أن قالوا: قام يهزأ بي، وقعد يظن أنه أمير. وليس القصد إلى فعله القيام والقعود، ولكن زيادةً كالتصوير للحال والتأكيد للقصة.
وقال بعض بني أسد
كلا أخوينا إن يرع يدع قومه ... ذوي جاملٍ دثرٍ وجمعٍ عرمرم
يقوله رجلٌ اقتتل فريقان من قومه على بئرٍ، فيقول: كلا صاحبينا إن يفزع يستغث بقومٍ ذوي عددٍ وعدةٍ. والجامل: الإبل، وهو اسم صيغ للجمع. والدثر: الكثير. والعرمرم: الجيش العظيم. وعرام الجيش: حدهم وكثرتهم. وانتصب " ذوي " على الحال. والجزاء مع جوابه خبر المبتدأ، وهو كلا.
كلا أخوينا ذو رجالٍ كأنهم ... أسود الشرى من كل أغلب ضيغمٍ
يقول: كل واحدٍ من صاحبينا مؤيدٌ برجالٍ كأنهم أسود هذه المأسدة، من كل ليثٍ غليظ العنق، شديد. وضيغمٌ: فيعلٌ من الضغم، وهو العض. وكلا موحد اللفظ، موضوع للمثنى؛ لكن المراد به هنا كل واحدٍ.
فما الرشد في أن تشتروا بنعيمكم ... بئيساً ولا أن تشربوا الماء بالدم
يدعوهم إلى المصالحة، ويعرفهم أنه لا خير في ماءٍ، يصلون إليه بإراقة دماءٍ؛ ويزهدهم في خصبٍ ونعيمٍ، يحصل عن عيشٍ بئيسٍ، فيقول: ليس الصلاح والنجاح في أن تستبدلوا بنعيمكم بؤساً، وبسلامتكم هلاكاً، ولا أن تشربوا الماء بسفك الدماء. والبئيس، يكون مصدراً كالبؤس، ويوضع في مقابلة النعيم كما فعله هذا، ويكون صفةً، على هذا قول الهذلي:
ومعي لبوسٌ للبئيس كأنه ... روقٌ بجبهة نعاجٍ مجفل
وهو الرجل الشجاع ذو البأس.
стр. 168
وقال حريث بن عنابٍ
تعالوا أفاخركم: أأعيا وفقعس ... إلى المجد أدنى أم عشيرة حاتم
يقول: هلموا أنافركم: أهؤلاء البطون أقرب إلى المجد أم رهط حاتم؟ وبنو أعيا: من بني سعد بن قيس، وبنو فقعس: حيٌ من بني أسد. وروى بعضهم: " أأعيار فقعسٍ "، يريد رؤساء فقعسٍ. ورغم أن أعيا لا يعرفه اسم قبيلةٍ، وأن هذا تصحيف استدركه. فأما إنكاره لأعيا قبيلةً فلا وجه له لأن بني أعيا من قبائل سعد بن قيس، وهو مشهورٌ ذكره النسابون وغيرهم، ووهب بن أعيا بن طريفٍ الأسدي، معروفٌ معدود في الأعلام. وأما من طريق النظم فلأن تكون القبيلة مقابلةً بمثلها، ومذكورةً في المنافرة معها - أحسن من أن يقابل الأفراد بالقبيلة. و " أعيار " إشارةٌ إلى الأفراد، لأنه يراد بها الرؤساء. يقال: هو عير قومه، أي سيدهم. هذا وقد رجعنا إلى نسخٍ مختلفات المصادر، فوجدناها متوافقةً في تحملها " أعيا وفقعس ". وإذا كان كذلك لا يجوز العدول عما قاله الشاعر إلى ما لم يقله. وقوله " أأعيا وفقعسٌ " استفهام في الأصل نقل عن بابه، والمعنى: أنافركم بالقضية التي تكون نتيجة هذا الاستفهام، وقوله " أدنى إلى المجد " لم يثنه وإن كان خبراً عن اثنين، لأنه افعل الذي يتم بمن، وقد دخل عليه الاستفهام، فيجب أن يستوي فيه الواحد والاثنان، والمذكر والمؤنث. وهذا الكلام لو أتى به على وجهه لكان: أم عشيرة حاتم أدنى إلى المجد منهم، لكنه حذف إذ كان المراد مفهوماً. وإنما جاء على حرف الاستفهام ليبصروا ضلالتهم. وفي طريقته بيت جرير:
هلموا نحاكمكم ففي الحكم مقنعٌ ... إلى الغر من آل البطاح الأكارم
والتقدير: أنافركم أيهم أمجد وأعرف. وحاتمٌ المذكور هو حاتم بن عبد الله الطائي. و " تعال " كان يقوله من هو في رابيةٍ للمتسفل، لأنه تفاعل من العلو، فكثر استعماله حتى جرى مجرى هلم، فصار المتسفل يقوله عند الدعاء المستعلي.
إلى حكمٍ من قيس عيلان فيصلٍ ... ومن آخر حيي ربيعة عالم
стр. 169
قيل: أراد بأحد الحكمين عامر بن الظرب وبالآخر دغفلاً النسابة. والفيصل: الذي يفصل الأمور، والياء دخلته لتلحقه ببناء جعفر، كما أن الضيغم فيعلٌ من الضغم، والبناءان بحصول الياء فيهما صارا صفتين بعد أن كانا مصدرين، لأن فصلاً من دون الياء مصدر فصل، كما أن ضغماً من دون الياء مصدر ضغم، فلما حصل الياء فيهما وصف بهما وأفادا مبالغةً في المعنى. ألا ترى أن فيصلاً يفيد ما لا يفيده فاصلٌ، وكذلك ضيغمٌ يفيد ما لا يفيد ضاغم، فاعلمه.
ضربنا حتى إذا قام ميلكم ... ضربنا العدى عنكم ببيضٍ صوارم
قام له بمعنى تقوم وترك الخلاف، وقام عليه بمعنى داوم ولازم. والقرآن: " إلا ما دمت عليه قائماً ". يقول: قد عنا كم بالمكروه، حتى إذا بان لنا فيئتكم واستقامتكم، حينئذٍ ذببنا الأعداء عنكم بسيوفٍ قواطع. والمعنى: نعاملكم بمعاملة الأعداء، فإذا استقمتم لنا وذهب الخلاف عنكم، ضممناكم إلى أنفسنا، وحمينا عليكم مع الأولياء.
فحلوا بأكنافي وأكناف معشري ... أكن حرزكم في المأقط المتلاحم
في جمعه للأكناف ظهور تجبرٍ فيهم، وأخذ بالتعلي عليهم. يقول: انزلوا بجنابي وجناب عشيرتي، وتحصنوا بفنائي وفناء قومي أكن كهفكم في المضيق من الحرب المتلاصق. والمتلاحم، يجوز أن يكون من اللحام، لأن كل شيء كان متبايناً ثم تلازم يقال فيه: التحم وتلاحم، ويجوز أن يكون من الملحمة، لأن أهلها يتلاحمون فيها. يقال: لحمته فهو لحيمٌ، أي قتلته. قال الهذلي:
فلا ريب أن قد كان ثم لحيم
стр. 170
فقد كان أوصاني أبي أن أضيفكم ... إلي وأنهى عنكم كل ظالم
نبه بهذا الكلام على استعلائه عليهم قديماً وحديثاً، وأنهم كانوا لهم كالخول والتبعٍ، وأن الأسلاف كانت توصي الأخلاف بهم لتطاول أيامهم في جنبتهم، واكتناف العناية بهم من ماضيهم وغابرهم.
وقال إبراهيم بن كنيفٍ النبهاني
تعز فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس على ريب الزمان معول
الخطاب بهذا الكلام للنفس على طريق التسلية، فيقول: تصبر فإن الصبر بالرجل الكريم أحسن من التخشع فيما لا يحسن الخضوع فيه وله. والأصل في الصبر الحبس، ومنه قولهم: قتل فلانٌ صبراً. وقوله " وليس على ريب الزمان معول "، يريد به أن الأحداث لا تقف على شيء بحكم واحد، ولكنها تتنقل وتتبدل، فلا متكل عليها، ولا معتمد على عهدها، فهي كما تحسن تسيء، وكما تدوي تداوى، وكما تجمع تفرق. وقوله " تعز " هو من عزا الرجل وعزي الرجل، إذا صبر عزاءً، ورجل عزيٌ أي صبورٌ. وفي بناء تفعل زيادة تكلف، ودلالة على فرط تعمل. والمعول: المحمل والمتكل. والحر أصله الأعتق من كل شيء والأكرم، ولذلك قيل لما بدا من الوجه في اللقاء: حر الوجه. قال الشاعر:
لقد شان حر الوجه طعنة مسهر
فإن تكن الأيام فينا تبدلت ... ببوسى ونعمى والحوادث تفعل
قوله " والحوادث تفعل " يسمى اعتراضا، ومثل هذا من الاعتراض يزيد القصة تأكيداً، وهو ها هنا حائلٌ بين الجزاء وجوابه، لأن جواب إن تكن قوله " فما لينت منا قناةً صليبة " وحسن الكلام به جداً إذا كان تأكيداً لما يقتصه من تحول الأحوال،
стр. 171
وتحقيقاً لما شكاه من ريب الزمان، وبعثاً على التسلي، وأخذ النفس بالتأسي. فيقول: إن كانت الأيام دارت فينا بالنعماء مرةً وبالبأساء أخرى - وهذا عادة الدهر وحوادثه - فما غيرت منا شيئاً.
فما لينت منا قناةً صليبةً ... ولا ذللتنا لذي ليس يجمل
ذكر القناة مثلٌ، وقد مضى الكلام في مثله. وأبين ما يستشهد به في اسعارتها للإباء والتشدد قوله:
كانت قناتي لا تلين لغامزٍ ... فألانها الإصباح والإمساء
وهذا البيت بيانٌ لفائدة الصبر الذي دعاه إليه، وبعث نفسه عليه، لأن الصابر على الشدائد حقيق بألا يتذلل لما لا يحسن به، ولا تجمل الأحدوثة فيه عنه، وألا يتلين لما كان يتصلب له من قبل. فإن قال قائلٌ: فإذا كان غاية الصبر ومعناه هذا، فإلى أي شيء دعا نفسه بقوله: تعز فإن الصبر بالحر أجمل؟ وقد خبر عن نفسه بأنه آخذ بما هو حقيقته؟ قلت: يجوز أن يكون معنى " تعز " دم على التعزي، ويكون بناء الأمر لما هو الحال، ولا يريد استئنافه، كما أن قول الله : " يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله " معناه دوموا على الإيمان. ويجوز أن يكون أمر نفسه في المستقبل بما كان عادتهم في المستقدم.
ولكن رحلناها نفوساً كريمةً ... تحمل ما لا يستطاع فتحمل
يجوز أن يكون معنى رحلناها رحلنا لها نفوساً، والضمير للحوادث، ويكون هذا كقولهم كلتك وكلت لك، ووزنتك ووزنت لك، ويكون نفوساً مفعولاً لرحلنا. ويجوز أن يكون الضمير أعنى ضمير المنصوب في " رحلناها " للنفوس، على أن يكون مفعولاً. وأتى بالضمير قبل الذكر، ثم جعل قوله نفوساً بدلاً منها، على طريق التبيين. وقوله " ولكن " حرفٌ يستدرك بها بعد النفي، فيكون المعنى ما تذللنا للنوائب
стр. 172
ولكن هيأنا لها نفوساً تأنف من الرضا بالدنية، فلا تنسى كرمها، وتكلف أمور لا تنهض بها فتتكلفها. وفي وصف النفوس بالكرم إشارةٌ إلى الظلف والعفة، والتأبي من المخزية، ومجانبة الريبة، والنفور من كل قبيحة. ولذلك قال الله في صفة المختارين من عباده المزكين: " والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً ". فأما قوله: " رحلناها " في الاستعارة، فكما يقال استحملت فلاناً نفسي، وركبتني ظلاماتٌ وما أشبهها. وحكى: هو يرحله بما يكرهه، أي يركبه؛ ولا رحلتك بالسيف، أي لا علوتك.
وقال آخر:
وكم دهمتني من خطوبٍ ملمةٍ ... صبرت عليها ثم لم أتخشع
يقول: مراراً كثيرة فاجأتني خطوبٌ شديدةٌ، ونزلت بي، فحبست نفسي عليها، وتجلدت لها، فلم يظهر في مناظري خشوعٌ، ولا بدا من جوارحي خضوع. وموضع كم على هذا التأويل ظرفٌ. " ومن " على طريقة الأخفش تكون زائدة، لأنه يجوز زيادة " من " في الواجب، ويستدل من المسموع بقول بعضهم: " قد كان من مطرٍ فخل عني " وبغيره. فكأنه قال: كم مرةً دهمتني خطوبٌ كثيرة. ويكون قوله صبرت عليها صفةً للخطوب. ويجوز أن يكون كم في موضع الابتداء، ومن خطوب هو بيانٌ له، وقد فصل بينهما بخبره، وهو دهمتني، وتقديره كم من خطوبٍ دهمتني، أي كثيرٌ من الخطوب. فأما فائدة العطف بثم من قوله " ثم لم أتخشع " فهو إبانة الاستمرار في الصبر، وإن طالت المهلة إلى أن انكشفت تلك الملمات العارضة وانفرجت. ومعنى دهمتني: فاجأتني، ومنه الدهم ودهماء الناس.
فأدركت ثأري والذي قد فعلتم ... قلائد في أعناقكم لم تقطع
يقول: أصبت ما طلبته، وتقاضيت به ممن كان لي عنده ثأر أو وترٌ، فاستنزلته عنه، وما فعلتم من القعود عن نصرتي، وخذلاني فيما نابني لزمكم، فكأنها قلائد وأطواقٌ لا تنحل عنكم ولا تنقطع. وهذا تحقيقٌ للزوم العار لهم فيما أتوا. ومثله قول بشر:
وقلدها طوق الحمامة جعفر
стр. 173
يصف غدرةً ارتكبوها. ومثله القرآن: " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة "
وقال عويف القوافي
ذهب الرقاد فما يحس رقاد ... مما شجاك ونامت العواد
يقول: طار النوم فلا يعرف له أثرٌ، مما دهاك وحزبك، ونام الذين كانوا يعودونك ولم يسهروا لك. والمعنى: إني اختصصت فيك بما عرى منه عوادك، وتحملت من الجزع ما سقط عنهم وخف عليهم. والرقاد والرقود: النوم بالليل، وعرف الأول تعريف الجنس، ونكر الثاني لأنه أراد نوعاً من الجنس، كأن المراد: ذهب النوم على اختلافه حتى ما يرى لنوعٍ منه مختصٍ أثرٌ.
لما أتاني عن عيينة أنه ... أمست عليه تظاهر الأقياد
قوله " لما أتاني " ظرف لقوله " نخلت له نفسي " لن لما إذا وليه الفعل الماضي، كان علماً للظرف، وفسر بحين. والمعنى: حين تساقط إلى عن هذا الرجل وتأدى أنه أسر وقيد بقيدٍ بعد قيد، فارقني ما كنت أخامره وأنطوي عليه من التنكر له، وأزلت عن نفسي ما استجفيته فيه، لأن الكريم يرق لمثله من الكرام عند النوازل. ومعنى التظاهر: أن يصير الشيء فوق الشيء فيقوى. ويقال: ظاهر بين ثوبين، إذ لبس أحدهما فوق الآخر. وقوله تعالى: " وإن تظاهرا عليه " معناه تعاونا، ومنه قولهم: هو ظهرٌ ظهيرٌ، أي قويٌ في الاستغاثة.
نخلت له نفسي النصيحة إنه ... عند الشدائد تذهب الأحقاد
يقول: أصفت عند ذلك نفسي له النصح، لأن الضغائن تفارق عند الشدائد. وهذا الكلام هو بيان علة مفارقة ضغنه ورجوعه إلى سلامة الصدر له. وقد ذكر فيما
стр. 174
بعده ما يدل على حسن الإنصاف من النفس، والاعتراف بالفضل للغير. ويجوز أن يروى " أنه " بفتح الهمزة، والمعنى لأنه عند الشدائد. وإذا روي بالكسر يكون على الاستئناف.
وذكرت أي فتى يسد مكانه ... بالرفد حين تقاصر الأرفاد
مصدر ذكرت في هذا الذكر بضم الذال، لأنه بالقلب. وقوله " بالرفد "، يريد ببذل الرفد، فحذف المضاف. يقول: أجلت في فكري، وقلت في حديث نفسي: لو خلى مكانه من كان يسد مسده، ومن يعطي عطاءه عند تقاصر العطايا وتراجع المعونات. وهذا إشارةٌ إلى زمان الجدب والقحط وقت تنافس الناس في المتملكات، والدفع عنها بإعداد العلات. والمعنى: إن مثله لا يوجد ولا يظفر به في مثل ذلك الوقت، فإذا كان كذلك فكيف يسمح المنصف به لدهره، أو كيف ينطوي الصدر على السلو عنه والخلو منه، مع شدة الحاجة إليه. ويقال: رفدت الرجل رفداً إذا أعطيته، ثم سمي العطية رفداً بكسر الراء، وجمعه الأرفاد. وأرفدته محكيٌ لكنه ليس بالمتخير. وتقاصر، أصله تتقاصر فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، وهو في موضع الجر بإضافة حين إليه.
أم من يهين لنا كرائم ماله ... ولنا إذا عدنا إليه معاد
أم هذه هي المنقطعة، والاستفهام دخل في الكلام على طريق التوجع والتلهف لما جرى على عيينه المذكور. والمعنى: لو فقدناه من كان يبذل لنا عقائل أمواله، ومتى شئنا وجدنا عنده معاداً فلا يمل السؤال، ولا يغب النوال؛ وهذا الكلام تنبيهٌ على أنه كان يديم الإحسان، ولا يحول عطاء يومه دون عطاء غده. وقوله " كرائم ماله "، جمع كريمةٍ، وقد أجري مجرى الأسماء حتى جاء في الحديث: " إذا جاءكم كريمة قومٍ فأكرموه ".
وقال بشر بن المغيرة
جفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... وأمسى يزيد لي قد ازور جانبه
стр. 175
أراد بالأمير المهلب بن أبي صفرة. والمغيرة أخوه، ويزيد ابنه. وقائل هذا الشعر بشر بن المغيرة، وهو أحد الفرسان المشتهرين، فيقول: جفاني عمي المهلب، وأبي المغيرة، وصار يزيد ابن عمي لاقتدائه بهم منحرفاً عني، غير مائلٍ إلي. والازورار: الانحراف، وهو من الزور: تنو أحد شقي الصدر واطمئنان الآخر: ويقال رجل أزور، وامرأةٌ زوراء.
وكلهم قد نال شبعاً لبطنه ... وشبع الفتى لؤمٌ إذا جاع صاحبه
أراد بالكل الاتحاد لا الجميع. يقول: كل واحد منهم قد نال من الدنيا وأعراضها قدر ما يشبعه ويمكنه الاكتفاء به، ثم قال: وشبع الإنسان لؤمٌ إذا لم يشرك صاحبه فيه فبقي جائعاً. أي هو كذلك في ذلك الوقت، وعلى تلك الحالة. والشبع لا يكون لؤماً، لكن التفرد به من دون ذويه على حاجةٍ منهم إليه بكونه، فرمى بالكلام على ما ترى لأن المراد منه مفهوم. والفرق بين الشبع والشبع، أن الشبع بسكون الباء: القدر الذي يشبع، والشبع بفتح الباء: الامتلاء من الطعام، وقد استعمل الشبع في غير الطعام فيقال: أشبعت الثوب صبغاً، وكذلك في كل ما وفرته من القول وغيره، حتى قيل تشبع الرجل، إذا تكثر.
فيا عم مهلاً واتخذني لنوبةٍ ... تلم فإن الدهر جمٌ نوائبه
قوله " مهلاً " معناه رفقاً ودع العجلة. ويحرك الهاء منه فيقال ائت كذا على مهلٍ ومهلٍ جميعاً. ويقال: ما بي عن كذا مهلٌ، أي إني فيه مستعجل. وفي هذا بعض التوعد والتطنز وإن كان ظاهره أنه يستعطف المهلب ويعرفه أن الدهر ذو غيرٍ وذو ألوان فلا يؤمن بوائقه؛ وأنه قد يحتاج إلى المستغنى عنه لحادثةٍ تحدث. فيقول: ادخرني لنوبةٍ تنزل، وهي المصيبة أو النكبة، ولا تطرحني اغتراراً بالأمن، فإن الدهر كثير النوائب، وشيك التحول. وقوله " يا عم " حذف الياء منه لوقوعه موقع ما يحذف في هذا الباب، وهو التنوين، ولأن باب النداء باب إيجاز، ولأن الكسرة تدل عليه.
أنا السيف إلا أن للسيف نبوةً ... ومثلي لا تنبو عليك مضاربه
يفضل نفسه في نفاذه في الأمور ومضائه، على السيف؛ فقال أولاً: أنا السيف، أي أشبهه، ثم تلافى فقال: إلا أن السيف ربما نبا عن الضريبة وكبا، ومثلي لا تكل
стр. 176
ولا تنبو حدوده عن شيء تلاقيه. وفي هذه الطريقة قول جرير:
وليس لسيفي في العظام بقيةٌ ... وللسيف أشوى وقعةً من لسانيا
والمضارب: جمع مضربٍ، وهو الموضع الذي يضرب به من السيف.
وقال بعض بني فقعس
يا أيها الراكبان السائران معاً ... قولا لسنبس فلتقطف قوافيها
الراكب: اسمٌ لمن ركب حيواناً إلا الفرس، فإنه يقال لراكبه فارسٌ متى أطلق. ومعاً، انتصب على الحال، ومعناه مصطحبين ومجتمعين. فيقول: يا أيها السائران المصطحبان، قولا لهذه القبيلة لتترك قول الشعر، أو تتوقف قليلاً حتى تتباطأ قوافيها عني. وفي هذا الكلام ضربٌ من الاستهزاء بهم، وإشارةٌ إلى التجبر والتعلي عليهم. والقطوف من الدواب: الذي في خطوه بطء مع تقارب. وجعل فعل الأمر للقوافي على السعة والمجاز. وسنبس هم المأمورون. وهذا كما يقال في النهي: لا أربنك ها هنا، والمخاطب هو المنهي، لأن المعنى: لا تكن ها هنا فأراك. ثم بين الشاعر الوجه الذي أوجب منه اطراح الافتخار ورفض الهجاء له، فقال:
إني امرؤٌ مكرمٌ نفسي ومتئدٌ ... من أن أقاذعها حتى أجازيها
يقول: إني رجلٌ أربأ بقدري عن مكايلتهم، وأترفع عن موازنتهم، وأتوقف عن ملاحاتهم، طلباً لمجازاتهم. والتقدير: لا أقاذعها لكي أجازيها، لأن حتى الداخلة على الفعل مرةً يكون بمعنى كي، ومرة يكون بمعنى إلى أن. ويجوز أن يكون المعنى: لا أقاذعها إلى أن أجازيها، أي أولاً أجازيها فعلاً لأرى القدرة عليها، ثم حينئذ أجازيها بالكلام. والأول أحسن. ثم أخذ يقتص ما كان منهم لما طلب مكافأتهم بالفعل. والمقاذعة: المفاحشة. ويقال قذعته، إذا رميته بالفحش. ومتئدٌ: مفتعلٌ من التؤدة، وهي الرفق.
لما رأوها من الأجزاع طالعةً ... شعثاً فوارسها شعثاً نواصيها
يقول لما رأوا الخيل بارزةً لهم ومفاجئةً إياهم من أجزاع الوادي - وهي جوانبها - مغبرة النواصي مغبرة الفرسان. وجواب لما فيما بعده. ويقال شعث شعثاً وشعوثةً، وهو أشعث وشعثٌ. وأضمر الخيل في قوله " لما رأوها " وإن لم يجر لها ذكرٌ، لأن الحالة الحاضرة تدل عليه. ويجوز أن يكون تقدم ذكرها فيما ترك من أبياته.
стр. 177
لاذت هنالك بالأشعاف عالمةً ... أن قد أطاعت بليلٍ أمر غاويها
يقول: التجأت في ذلك الوقت إلى قلل الجبال وأعالي الهضاب، عارفة سوء اختيارها في تحككها بي، وتعرضها بالشعر لي، وأنها قد ائتمرت لغواتها بليلٍ. وذكر الليل ها هنا إشارةٌ إلى حيرتها فيما أتته من تركها الرشاد، وقبولها مشورة الغواة. والأشعاف: جمع الشعفة، وهي أعلى الجبل، وأعلى كل شيء، ولذلك قيل شعفة القلب لرأسه عند معلق النياط. وهنالك ظرف، ويكون للزمان والمكان جميعاً، وزيادة اللام تكون للتأكيد فيه، كأن البعد فيما يشار إليه بهنالك أبلغ مما يكون فيما يشار إليه بهناك. وهذا على طريقة ما تقوله في ذلك وذاك. وقوله " أن قد أطاعت " أن فيه مخففة من الثقيلة، أي عالمة أنها قد أطاعت. ويقولون لما لا يعمل بتثبيتٍ وحسن تدبر: " هذا أمرٌ قد قدر بليل ". وعلى هذا قوله تعالى: " بيت طائفةٌ منهم غير لذي تقول ".
وقال آخر في ابنٍ له
لا تعذلي في حندجٍ إن حندجاً ... وليث عفرينٍ لدي سواء
يخاطب لائمة عذلته في التوفر على ابنه حندجٍ واختصاصه إياه واستخلاصه، وذكر الخليل أن حندجاً في اللغة: رملةٌ طيبة تنبت ألواناً من النبات. فيقول: لا تلوميني في أمر حندجٍ، إن حندجاً وليث هذه المأسدة متساويان عندي. وقد قيل في ليث عفرين: إنها هي التي تصيد الذباب وثباً، فشبهه في كيده ومكره به، وقد وصف الخبيث المنكر بالعفر والعفرية وعفرني، ويقال أيضاً للأسد عفر وعفرني. وقيل هو أشد عفارة، واستعفر فلانٌ. وحكى الأصمعي أن ليث عفرين دابة كالحرباء يتحدى الراكب ويضرب بذنبه. وقيل عفرين: موضع نسب إليه، وقيل عفرين: فعلين من العفر، وهو التراب، لأن عادة الأسد أن لا يصيب من فريسته حتى يعفره، يشهد لذلك قول الآخر في صفته:
ولا نال قط الصيد حتى تعفرا
стр. 178
وذكر بعضهم أن ليث عفرين كقولهم: ليث ليوثٍ، لأنه يقال للمنكر الداهية عفرٌ، ويوصف به الأسود والرجال. ويكون على هذا عفرين جمع جمع السلامة كالأقورين، ومر بي أن قولهم ليث عفرين يستعمل في المدح والذم وسواء: مصدرٌ في الأصل وصف به.
حميت على العهار أطهار أمه ... وبعض الرجال المدعين جفاء
يبين في هذا الكلام انتفاء الريب عن مشابهته له. وتقيله إياه، وأنه لا يشك في كونه من صلبه، فيقول: حفظت أطهار أمه عن الزناة، لأني اخترتها من بيت العفة، وأرومة الكرم، ومغرس النجابة، والعتق والشهامة ودعواي حقٌ، وبعض دعاوى المدعين كالذي يعلو السيل ويحتمله من سقط الأرض. والمراد بقوله: وبعض دعاوى الرجال، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والعهر والعهور: الفجور. ويجوز أن يريد بقوله " حميت على العهار " ما أراد امرؤ القيس بقوله:
وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
أي بفرط غيرتي وكمال رجوليتي وتمام محاسني. وإنما خص الأطهار لما في المحيض من الاعتزال، وكما قال الآخر:
دون النساء ولو باتت بأطهار
وذكر بعضهم أن المراد بقوله جفاءٌ: وبعض الرجال محمولٌ دعيٌ، فهو كالجفاء لا يعند به. والصحيح الأول.
فجاءت به سبط العظام كأنما ... عمامته بين الرجال لواء
يقول: جاءت الأم بهذا الولد وهو تام العظام مديد القامة، فكأن قامته رمح، وكأن عمامته إذا توسط الرجال لواء محمول عليه. وأحسن صنعةً منه قول مسلمٍ، وإن
стр. 179
كان هذا سليماً من العيب.
يقوم مع الرمح الرديني قامةً ... ويقصر عنه طول كل نجاد
وفي طريقته قول الآخر:
يكاد يساوي غارب الفحل غاربه
وقال آخر
إذا كان أولاد الرجال حزازةً ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
إذا يتضمن معنى الجزاء، ولهذا احتاج إلى الجواب فجعل بالفاء. فيقول: إذا كان الأولاد تقطيعاً في الصدور وتحزيزاً في القلوب، لعقوقهم واستعمالهم الجفاء في موضع البر مع آبائهم، فأنت العسل مشوباً بالماء العذب. وقد وصف بعضهم كلاماً فقال: " هو السحر الحلال، والعذب الزلال ". ويشير الشاعر إلى سهولة جانبه، وحسن طاعته، ودماثة خلقه. وقال الخليل: الحزازة: وجعٌ في القلب من غيظٍ أو أذًى. والحزاز أيضاً كذلك، وأنشد بيت الشماخ:
وفي الصدر حزازٌ من اللوم حامز
لنا جانبٌ منه دميثٌ وجانبٌ ... إذا رامه الأعدء ممتنع صعب
خاطب في الأول ثم عدل في الثاني إلى الإخبار، وهذا عادتهم إذا افتنوا في كلامهم، نظموا أو نثروا، لما في التحول من سهولة تجاوب الألفاظ، وتلاؤم طرائق النظام. فيقول: لنا من هذا الولد خلق سجيح، ومذهبٌ في البر فسيح، فهو هينٌ لينٌ
стр. 180
معنا، وللأعداء منه إذا طلبوه أو جربوه جانبٌ خشنٌ مدفعٌ، وطريق صعب متلفٌ، وخلقٌ وعرٌ شرسٌ. ولم يقل وللأعداء جانب ولكن عطف الثاني على الأول، بمعنى أن أحدهما لاجتذاب الخير، والآخر لدفاع الشر. فكأن التقدير: ولنا منه جانب معدٌ للأعداء ذلك صفته، فصار الجانبان لهم في اللفظ، والقسمة ثابتة في المعنى. والدماثة: سهولة الخلق ولين الجانب. ويروى " ممتنعٌ صعب "، و " متلفةٌ صعب "، والمعنى ظاهر.
وتأخذه عند المكارم هزةٌ ... كما اهنز تحت البارح الغصن الرطب
البارح: ريحٌ حارةٌ تجيء من قبل اليمن. فيقول: تملكه عند اكتساب المكارم أريحية يهتز عندها اهتزاز الغصن الرطب، الذي جرى الماء فيه، إذا هبت عليه البارح. و " كما اهتز " أراد كاهتزاز. وقوله " تحت البارح " حسنٌ جداً، لأن الريح تعلو الغصون في مرورها. وقد نسبوا البارح إلى النجوم إذا ذكروا الأنواء. قال:
أيا بارح الجوزاء ما لك لا ترى ... عيالك قد أمسوا مراميل جوعا
هذا يقوله بعض المتلصصة. وعيالها: السراق، وذلك أن البارح تحمل الغبار وتدرس الآثار، فتجسر المتلصصة على السعي، وتمكنهم السرقة.
وقال آخر:
وفارقت حتى ما أبالي من النوى ... وإن بان جيرانٌ علي كرام
يروى: " من انتوى " وهو افتعل من النوى، وهي الوجهة المنوية للقوم، أو البعد. يقول: ألفت مفارقة الوطن والإخوان شيئاً بعد شيء، واعتدت التباعد عنهم يوماً بعد يوم، حتى لا أبالي من انتوى منهم أو نأى، وإن كرموا علي عند المجاورة. ومن روى: " لا أبالي من النوى " فمعناه لا أحتفل به، والأول أحسن. فإن قيل: كيف تعلق " حتى " بفارقت؟ وما معناه؟ قلت: أراد تكررت المفارقة علي وقتاً بعد وقتٍ، وحالاً بعد حالٍ، إلى أن صرت لا أبالي بالفراق. فمعنى حتى: إلى أن. وقوله " فارقت " مستصلحٌ للقليل والكثير فانصرف إلى الكثير، بدلالة أن المتمرن بالبلاء قديماً، والمتحكك به كثيراً، هو الذي يستهين به كثيراً، دون من مارسه يسيرا، وعالجه حديثاً.
следующие страницы →