← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فعد القتلة التي تكون بالسيف أكرم. ألا ترى أن بني أسدٍ يسمون عبيد العصا لما كان حجرٌ أبو امرئ القيس حين أوقع بهم قتلهم بها، لتكون قتلتهم ذميمة. وقد قتل كثير منهم بالجلاميد والصخور، ولذلك قال بعضهم: جلاميد أملاء الأكف كأنها ... رؤوس رجالٍ حلقت في المواسم وقال آخر: ولا نقاتل بالعص ... ي ولا نرامي بالحجاره إلا علالة أو بدا ... هة سابحٍ نهد الجزاره وإذا كان الأمر على هذا فمعنى التبجح أن تكون منيتهم بالسيوف ظاهرة. وأما قوله: لو بأبانين جاء يخطبها ... رمل ما أنف خاطبٍ بدم فإن الفحل الهجين إذا تعرض للناقة الكريمة قرع أنفه بالعصا وضرب وجهه بها، فهو من ذاك مأخوذ. صفونا فلم نكد وأخلص سرنا ... إناثٌ أطابت حملنا وفحول أشار بهذا الكلام إلى كرم المناصب والمناسب، وطيب المنبت والمغرس. فيقول: صفت أنسابنا فلم يشبها كدورةٌ. وخلص نكاحنا أمهاتٌ طيبت حملنا، وآباءٌ كرمت عروقنا. ويقال: كدر الماء يكدر كدراً وكدوراً وكدورةً، وهو أكدر وكدرٌ. وفي ضده صفا الماء يصفو صفواً؛ والصفاء الاسم. ومن أمثالهم: خذ ما صفا ودع ما كدر. والسر: النكاح. وسر الشيء: خالصه. ويجوز أن يكون قولهم سريةٌ فعلية من هذا. علونا إلى خير الظهور وحطنا ... لوقتٍ إلى خير البطون نزول يصف ترددهم في شرف المصعد والمنحدر، وكرم العنصر والمتحول، كما ذكر طهارة المنكح والمولد، وجلالة المعتلى والمستقر، فيقولك علونا في خير الظهور، أي حصلنا في أعلى المراتب من ظهور أكرم الآباء، وحدرنا منها لوقتٍ معلومٍ - يشير

стр. 72

إلى وقت الأطهار - نزولٌ إلى خير البطون من أشرف الأمهات. والمعنى أنا كرام الأطراف. وهذه الأبيات إذا تؤملت أدى التأمل منها إلى سلامة اللفظ والمعنى من كل معاب. وحصول الفخامة والجلالة لها في كل جانبٍ وبابٍ. فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهامٌ ولا فينا يعد بخيل ماء المطر أصفى المياه عندهم، فشبه صفاء أنسابهم بصفاء ماء المطر. والمزن: السحاب. وقوله: ما في نصابنا كهامٌ، أي ليس فينا كليل الحد، ولكن كلٌ منا ماضٍ نافذٌ، ولا فينا بخيل فيعد. وهو نفيٌ للبخل رأساً، وليس يريد أن فيهم بخيلاً ومع ذلك لا يعد. ومثله: ولا ترى الضب بها ينجحر أي ليس بها ضبٌ رأساً فينجحر، ومثل هذا كثير. ويقال كهم وكهم يكهم ويكهم كهامةً، فهو كهامٌ وكهيمٌ. يقال ذلك للرجل إذا ضعف، وللسيف إذا كل. ننكر إن شينا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول هذا مثل قول الآخر: وما يستطيعالاس عقداً نشده ... وننقضه منهم وإن كان مبرما يصف رياستهم وعلو كلامهم ونفاذ حكمهم، ورجوع الناس في المهمات إلى رأيهم، والاعتماد على تدبيرهم ومشورتهم. فيقول: نغير ما نريد تغييره من قول غيرنا، وأحدٌ لا يجسر على الاعتراض علينا، والإنكار لقولنا، انقياداً لهوانا، واقتداءً بحزمنا. وهذا كما قال الأعشى: كلٌ سيرضى بأن يلقى له تبعا إذا سيدٌ منا خلا قام سيدٌ ... قؤولٌ لما قال الكرام فعول

стр. 73

يشبهه قول حاتم: إذا مات منا سيدٌ قام بعده ... نظيرٌ له يغني غناه ويخلف وقول عروة: إذا مات منهم سيدٌ قام بعده ... على مجده غمر المروءة سيد وما أخمدت نارٌ لنا دون طارقٍ ... ولا ذمَّنا في النازلين نزيل أراد بقوله نارٌ لنا نار الضيافة. يقول: نديم إيقادها فلا تطفا دون طارق ليلٍ. والضيف إذا فارقنا حمدنا ولم يذممنا، لحسن توفرنا عليه، واحتفالنا عند سوق الخير إليه. والنزيل، كالرفيق والجليس والأكيل. والطروق يختص بالليل. وسمي النجم طارقاً لذلك. وأيامنا مشهورةٌ في عدونا ... لها غررٌ معلومةٌ وحجول يقول: وقعاتنا مشهورةٌ في أعدائنا معلومةٌ، فهي بين الأيام كالأفراس الغر المحجلة بين الخيل، يعرف بلاؤنا فيها، وحسن آثارنا عند النهوض لها. وهذا كما قال: ولما يكن يومٌ أغر محجل والتحجيل: أن يبيض من الأوظفة مواضع الحجل، وهو القيد والخلخال. فإذا ارتفع التحجيل حتى يبلغ الفخذين فما فوق فهو التجويف. قال طفيلٌ: شميط الذنابي جوفت فهي جونةٌ وأسيافنا في كل غربٍ ومشرقٍ ... بها من قراع الدار عين فلول مثله قول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلولٌ من قراع الكتائب

стр. 74

يقول: قد تفللت سيوفنا بما نضارب بها الأعداء، في مشارق الأرض ومغاربها. وقال: من قراع الدارعين، لأن الغرض أن يكون عدوهم على غاية الاحتراز منهم؛ وفي أكمل الاستعداد لهم. وقوله: في كل غربٍ ومشرقٍ ظرف لقراع الدارعين. أي بأسيافنا فلولٌ من القراع في كل غربٍ ومشرق. معودةً ألا تسل نضالهافتغمد حتى يستباح قبيل مثله قول الآخر: بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت وانتصب معودةً على الحال. ويجوز أن ترفع على أن تكون خبر ابتداءٍ مضمر، والعامل فيه إذا كان حالاً ما يدل عليه قوله: بها من قراع الدارعين فلول. فيقول: عودت سيوفنا ألا تجرد من أغمادها فترد فيها إلا بعد أن يستباح بها قبائل. ويقال: عودته كذا فتعوده واعتاده. والعادة من العود وهو الرجوع، ولذلك قالوا للمواظب على الشيء: هو معاودٌ له. وقوله فتغمد، يقال غمدت السيف وأغمدته، وأصله الستر، ومنه تغمده الله برحمته. سلي إن جهلت الناس عنا وعنكم ... وليس سواءً عالمٌ وجهول يروى: عنا فتخبري. كأنه استدل على تصحيح ما ادعاها من الخصال التي عددها بشهادة الناس له وتصديقهم مقاله. يقول: سلي الناس عنا إن جهلت ما حكيته من أفعالنا حتى تخبري فتؤمني به وتسكني إليه، فليس العالم بالشيء كالمخمن أو المجوز أو الشاك أو الحادس أو المقدر. والعلم قد يحصل بإخبار المخبرين كما يحصل بالمشاهدة، فلذلك دعاها إلى ما دعا من السؤال والكشف. وقوله: فتخبري ينتصب بأن مضمرة وهو جواب الأمر بالفاء. والسواء يكون مصدراً ووصفاً في معنى مستوٍ. يقال: هذا درهمٌ سواءٌ، أي مستوٍ؛ وهذا درهمٌ واء أي استواءً، كما تقول هذا درهمٌ تماماً، أي تم تماماً. وفي القرآن: " في أربعة أيامٍٍ سواءٍ للسائلين " أي مستويات، وقرى " سواءً " على المصدر كأنه قال: استواءً. حكى أبو الحسن الأخفش: هما سواءٌ وهما سواءان.

стр. 75

فإن بني الديان قطبٌ لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول القطب: الحديدة في الطبق الأسفل من الرحى يدور عليها الطبق الأعلى. وسمي قطب السماء لما يدور عليه الفلك. وعلى التشبيه قالو: فلانٌ قطب بني فلانٍ، أي سيدهم الذي يلوذون به، وهو قطب الحرب. الشميذر الحارثي قال الدريدي: شميذر: دابةٌ زعموا، ولا أحسبها عربيةً صحيحةً. قال البرقي: هذا الشعر لسويد بن صميعٍ المرثدي، من بني الحارث، وكان قتل أخوه غيلةً فقتل قاتل أخيه نهاراً في بعض الأسواق من الحضر. بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء العمير القوافيا الصحراء: اسم للمكان الواسع، وجمعه صحارٍ وصحرٌ. قال: أنيٌ مده صحرٌ ولوب وأصحر القوم: برزوا إليها، ومنه قيل لقيته صحرة بحرة، أي عياناً ومبارزةً. يقول: دعوا التفاخر في الشعر وبالشعر، فإنكم قصرتم بصحراء الغمير ولم تبلوا فيها فتنطلق ألسنتكم لدى المساجلة، وتستجيب قوافي الشعر لكم، إذا أردتم نظمها وإنشادها، عند المنافرة والمحاكمة، لأنكم أمتم قوافي الشعر ودفنتموها. فكما أن الميت لا يجيب إذا دعي، كذلك لا يجيبكم الشعر إذا أردتموه، مع سوء بلائكم، وقبح آثاركم. والقافية: آخر البيت المشتمل على ما بني عليه القصيدة. وقد يسمى البيت كما هو قافيةً. قال: وقافيةٍ مثل حد السنان ... تبقى ويذهب من قالها قال الأخفش: وتسمى القصيدة بأسهرها قافيةً. قال: فمن القوافي بعد كعب يحوكها

стр. 76

فلسنا كمن كنتم تصيبن سلةً ... فنقبل ضيماً أو نحكم قاضيا في هذا الكلام تعريضٌ بقومٍ أشار إليهم بقوله: كمن كنتم، وتصريحٌ للمخاطبين، ومجاهرةٌ بالقول، فهو يرميهم بالضعف وأنهم إذا نالوا من العدو شيئاً نالوه سرقةً. فيقول: لسنا كالذين كنتم تنالوهم سرقةً، فنلتزم لكم الضيم، أو ننصب حاكماً يقضي بيننا وبينكم. وأشار بالضيم إلى التغميض على ما يكون من سرقتهم. وكأن القوم الذين أشار إليهم وانتفى من أن يكون حاله كحالهم، كانوا يقابلون سرقتهم وتجاسرهم عليهم إما بالتغميض، وهو التزام الضيم عنده، وإما بالمرافعة إلى الحاكم ونصب المتوسط، والعجز في حكمه. وانتصاب نقبل على أنه جواب النفي بالفاء. ويقولون: في بني فلانٍ سلةٌ، أي سرقةٌ. وانتصاب سلة على أنه مصدرٌ في موضع الحال، والتقدير: تصيبونهم سالين وساقين. ولكن حكم السيف فيكم متسلطٌ ... فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا يقول: متى عدوتم طوركم، أو خرجتم من حدكم، فإنا نسلط السيف عليكم، ولا نرضى إلا بحكمه فيكم. فمتى رضي رضينا، وفي طريقته قوله: ونشتم بالأفعال لا بالتكلم وقد ساءني ما جرت الحرب بيننا ... بني عمنا لو كان أمراً مدانيا دل بقوله: لو كان أمرا مدانيا على أنه لم يسؤه ما جنت الحرب بينهم، لأنه وقع بالاستحقاق. ألا ترى أنه قال ساءني ذلك لو كان الأمر المؤدي إليه أمراً مدانياً، وكنا نعرف للاحتمال فيه موضعاً، وللصبر عليه مجالاً ومذهباً. فأما والشان مستفحلٌ، وتعديكم متفاقمٌ، فإنه لا يسوءني. وقوله: لو كان أمراً مدانيا، أراد لو كان الأمر أمراً أمماً لساءني. وإذا كان كذلك فجواب لو متقدم، وتلخيصه: لو كان ما ترددنا فيه قريباً لساءني ما جنته الحرب بيننا، ولكن الآن لم يسوء. وهذا تعظيم لما كان منهم إليهم، وكالاعتذار عن الأخذ بالفضل عليهم، وترك الصفح عنهم. فإن قلتم إنا ظلمنا فلم نكن ... ظلمنا ولكنا قد أسأنا التقاضيا

стр. 77

رواه بعضهم: فإن تزعموا أنا ظلمنا. والزعم في دفع الدعوى أبلغ، وإنما نبه بهذا الكلام على أنه لا يعد ما عوملوا به ظلماً، مع كون ابتدائه منهم، وإن كان فيه سرفٌ. فيقول: إن ادعيتم علينا أنا ظلمناكم فإنا لم نظلمكم، مع عدوانكم، وسبقكم إلى الشر وتهييجه، ولكنا أسأنا في تقاضيكم الحق، وإيفائكم الجزاء، حين استخرجنا بالعنف والقهر، ومجاوزة الأدنى من الأمرين إلى الأقصى. فكأنه سمى ما عده أولئك ظلماً سوء تقاضٍ. والظلم قيل فيه: إنه وضع الشيء في غير موضعه، ولذلك قيل للأرض الصلبة إذا حفرت: مظلومةٌ، وللسقاء إذا تنوول ما فيه قبل إدراكه: ظليمٌ. وقيل: الظلم: انتقاص الحق. قوله فلم نكن ظلمنا إذا كان من حكم الجواب أن يكون طبقاً للابتداء ومبنياً عليه، فمن الواجب عليه كان أن يقول: فإن قلتم إنا كنا ظلمنا. ألا ترى أنا نقول في قول الله تعالى: " وما كان الله ليعذبهم " إنه كان جواب قائلٍ قال كان الله سيعذبهم. فنفى على حد الابتداء وطريقته، ولكن الشاعر حذف من الابتداء كنا، لأن ما في الجواب يدل عليه. وداك بن نميل المازني قال البرقي هو وداك بن سنان ين نميلٍ: رويد بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا عداً خيلي على سفوان رويداً: تصغير إروادٍ، وهو مصدر أرودت فلاناً، على طريق الترخيم، وانتصابه بفعلٍ مضمرٍ دل عليه لفظه. وأكثر ما يجيء تصغير الترخيم يجيء في الأعلام، وقد يجعل رويداً اسماً لارفق، فيبنى حينئذ كما يبنى أخواته من أسماء الأفعال على ذلك ما جاء في المثل من قولهم: رويد يعلون الجدد. وقد تزاد كاف الخطاب عليه فيقال: رويدك، على ذلك قولهم: رويدك الشعر يغب وقوله: بعض وعيدكم انتصب بفعلٍ مضمرٍ دل عليه رويد، لأن مع استعمال الرفق كفاً عن بعض الوعيد، فكأنه لما قال أرودوا يا بني شيبان قال: كفوا بعض الوعيد. وهذا تهكمٌ وسخريةٌ. وقوله: تلاقوا، الجزم على أنه جوابٌ للأمر الذي دل عليه رويداً. وإنما جعل للأمر الجواب لأنه ضمن معنى الجزاء والشرط. وسفوان: اسم

стр. 78

ماءٍ قالوا هو من البصرة على أميالٍ. ومعنى البيت مفهوم. وقوله غداً لم يشر به إلى اليوم الذي يلي يومه، وإنما دل على تقريب الأمر، فكأنه قال: تلاقوا خيلي قريباً على هذا الماء. تلاقوا جياداً لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتداني الوغى، أصله الجلبة والصوت، وكذلك الوعى بالعين غير معجمة. قال: كأن وعى الجموش بجانبيها وجياد ها هنا: جمع جوادٍ، يقال فرسٌ جواد: عتيقٌ، وخيلٌ جيادٌ: عتاقٌ. وفي غير هذا المكان يكون جمع جيد. وتلاقوا بدل من تلاقوا الأول. نبه بهذا على أن المراد بالخيل الفرسان، على عادتهم في قولهم الخيل والرجل. قال الله تعالى: " وأجلب عليهم بخيلك ورجلك "، ولهذا قال فيما بعده: تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم. ويجوز أن يكون أراد بالخيل الدواب، ووصفها بأنها لا تجبن عن الوغى، لدوام ممارستها له، وتعودها إياه. ثم خبر في قوله: تلاقوهم عن أربابها، فيقول: ارفقوا تلاقوا فرساناً كراماً لا تمل الحروب ولا تعدل عنها إذا ابتكرت في مضيقٍ منها، تتلاحم فيه الفرسان وتتدانى فيه الأبطال والشجعان. وإنما قال ذلك لأنه مع التداني لا يكون إلا التجالد، وعنده تثكل الأمهات. والمأزق: المضيق، وكان أصله من الأزق في الحرب، فهو مفعلٌ منه. تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يد الحدثان قوله على ما جنت يريد على جنايةٍ. وموضعه نصبٌ على الحال، والعامل فيه عرفوا. أو تلاقوا. يقول: تلاقوا من بلائهم ما يستدل به على حسن صبرهم وثباتهم في جلادهم، هذا مع تحامل الزمان عليهم، وسوء تأثير الدهر فيهم. وأصل الصبر: الحبس، ومنه قتل فلانٌ صبراً. وحدث الدهر وأحداثه وحدثانه وحوادثه: نوازله.

стр. 79

مقاديم وصالون في الروع خطوهم ... بكل رقيق الشفرتين يمان مقاديم: جمع مقدامٍ. ويشبه هذا البيت قوله: إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا للتضارب وقد مر مثله، لكن في هذا قلباً، وذاك أنه قال: وصالون خطوهم بكل رقيق الشفرتين، وكان الواجب أن يقول: كل رقيق الشفرتين يخطوهم. ألا ترى أنه قال: إذا قصرت أسيافنا وصلناها بخطانا؟ وقال الآخر: نصل السيوف إذا قصرت بخطونا ومثل هذا البيت في القلب بل في تبيين جواز القلب، وقول حميد بن ثورٍ: نصل الخطى بالسيف والسيف بالخطى ... إذا ظن أن السيف ذا الأثر قاصر إذا استنجدوت لم يسألوا من دعاهم ... لأية حربٍ أم بأي مكان هذا مثل قوله: لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا والمعنى: إنا لا نطلب العلل على المستنجد توصلاً إلى دفعه أو مطله، ولكنا نعجل غوثه على كل حالٍ. والاستنجاد: الاستصراخ. ورجل منحادٌ: معوان، وقد أنجدني، ويقال هو نجدٌ من قومٍ أنجاد. ومثله قول الآخر: كنا إذا ما أتانا صارخٌ فزعٌ ... كان الصراخ له قرع الظنابيب سوار بن المضرب السعدي من سعد بني تميم. وقال البرقي: من سعد بني كلابٍ. فلو سألت سراة الحي سلمى ... على أن قد تلون بي زماني

стр. 80

سراة الناس: خيارهم. وشراة الإبل بالشين معجمةً: كرامها. وقد مر ذكره. وقال الخليل: السرو: سخاءٌ في مروةٍ. وسرا يسرو فهو سريٌ وقومٌ سراةٌ، ولم يجيء على فعلةٍ غيرها. يعني أن فعلة يختص بها الصحيح في الجمع دون المعتل، وذلك كالفجرة والفسقة. وتلون الزمان يشير به إلى تصاريفه بالخير والشر، والنفع والضر. فيقول: لو بحثت هذه المرأة بالسؤال عن أحوالي على تبدل الأبدال، وتغير النفع والضر بي فما مضى، وتنقل الأحداث على مرةً بعد أخرى. وجواب لو يجيء من بعد قوله: أن تلون، وأن إذا وصل بالماضي أفاد حدثاً ماضياً، وإذا وصل بالمستقبل أفاد حدثاً مستقبلاً. لخبرها ذوو أحساب قومي ... وأعدائي فكل قد بلاني قوله: لخبرها جواب لو. وأحساب: جمع حسبٍ، وهو ما يحسب ويعد عند التفاخر. لو سألت لأنبأها بخبري أشراف قومي، وأماثل أعدائي، فكلٌ منهم قد خبرني. يشير بهذا الكلام إلى أن زعماء قبيلته وذوي الشرف من رهطه، يعترفون له بالفضل، ويشهدون له بما يكسبه جميل الذكر، وأن أعداءه على ما قاسوه من وقعاته بهم، وكابدوا من بدراته فيهم، لا يجحدون تبريزه، ولا ينكرون تقديمه. ومن اعترف له بالفضل مواليه ومعاديه، وصدقه في دعواه أقاربه وأجانبه، فهو النهاية في الكمال، والغاية عند البحث عن الفعال. وقوله: فكلٌ قد بلاني اعتراضٌ حصل بين خبر ومفعوله، وهو قوله بذبي الذم والفاء دخلت معلقةً لجواب الجملة بها. بذبي الذم عن حسبي بمالي ... وزبونات أشوس تيحان الباء من قوله بذبي تتعلق بقوله لخبرها. وكأن الإخبار بحسن دفاعه عن حسبه بماله، وكرم محافظته على شرفه وحاله، من تزكية ذوي الأحساب من عشيرته وثنائهم عليه، والإنباء بدفعه معرة الأشوس التيحان، من إخبار أعدائه وشهادتهم له. فكما أجمل في الأول أجمل في الثاني، ثقة بأن مسامع عند التفصيل يرد كلاً إلى موضعه. وإنما خص ذوي الأحساب من قومه لأن شهادتهم أوجه، والتحاسد لهم أشمل، والقرين بمقارنه أعلم. وقوله: زبونات فعولات من الزبن، وهو الدفع. والتيحان: العريض المقدام، وهو فيعلان بفتح العين، ولا يجوز أن يروى بكسرها، لأن فيعلان لم يحيء في الصحيح فيبنى المعتل عليه قياساً. وفيعلٌ كسيدٍ من الأبنية المختصة

стр. 81

بالمعتل. ومثل تيحان هيبانٌ، وهما صفتان حكاهما سيبويه بالفتح، ومثالهما من الصحيح قيقبانٌ وسيسبانٌ. وتيحانٌ، من تاح له يتوح ويتيح لغتان، إذا أشرف وتهيأ. ورجلٌ متيحٌ، ويقال قلبٌ متيحٌ أيضاً. وأتيح له كذا. ومثل الزبون البيوت، وهو السقيط، والهم المبايت لصاحبه. يقال زبنتهم الحرب، وحربٌ زبونٌ وطحونٌ. والزبنية واحد الزباني من هذا. وفعليةٌ من الأبنية التي تلزمها الهاء. والأشوس: الذي يعرف في نظره الغضب والحقد، ثم استعمل في المتكبر والمهيب. وإني لا أزال أخا حروبٍ ... إذا لم أجن كنت مجن جان في هذه الطريقة قول الآخر: ولم يجنها لكن جناها وليه ... فآسى وآداه فكان كمن جنى ويروى: وأنى لا أزال أخا حروبٍ فيعطف على بذبي الذم، ويكون موضعه جراً، ويكون هذا مما شهد به الأعداء له أيضاً. فإن كسرت إني فهو على الاستئناف والانقطاع عما قبله. والمعنى: إني ألبس الحروب وأمارسها دائماً، فإذا لم يكن لي من أحوالي وزماني ما يبعثني على مجاذبة الأعداء ومدافعتهم، طلبت من قد شقي بمثل ذلك، فدافعت دونه وحاميت عليه، لأني لا أصبر على حال السلامة والسلم. ومثله قول الآخر: وما إن تراه الدهر إلا مغرراً ... بنفسٍ أبت إلا صعاب المراكب آخر: ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... فطعنت تحت كنانة المتمطر يقال: تمطر الرجل، إذا أسرع. ويقال مطر به، وقطر به، إذا بادر. وأراد بالخيل الفرسان، كأنه يخاطب بهذا الكلام من شهد معه المعركة، فخيره بمعاملته المتمطر الذي عهده، وقوله: تحت كنانة أشار به إلى المقتل. وهذا المتمطر كأنه كان بارزه، أو أراد أن يبادر إلى أمرٍ، فحال بينه وبينه. والكنانة من الكن: الستر، لأنه يصان بها النبل.

стр. 82

ولقد رأيت غداة شلن عليكم ... شول المخاض أبت على المتغبر يروى: ولقد رأيت الخيل شلن عليكم، أي شاثلة. والتقدير: وقد شلن. وأراد بالخيل ها هنا الدواب، وهي تشول بأذنابها إذا اشتد عدوها؛ ويستدل بذلك منها على قوة ظهرها. فيقول: لقد رأيتكم منهزمين والخيل تعدو عليكم رافعة أذنابها، رفع النوق الحوامل لها إذا طلب حلب غبر لبنها. والغبر: البقية تبقى من اللبن في الضرع. ويقال تغبرت الغبر، كما يقال تحلبت المحلوب. والمخاض لا واحد لها من لفظها، وهي اسم مفرد موضوع للنوق الحوامل، والواحد من غير لفظها: خلفة. وقوله: أبت على المتغبر قد معه مضمرة، وهو واقع موقع الحال. أراد: رأيت الخيل شائلة أذنابها عليكم شول المخاض آبية على المتغبر. ومن روى: ولقد رأيت غداة فقد أضمر مفعول رأيت، وهو الخيل. وساغ ذلك، لأن قوله ولقد شهدت الخيل - وإن أريد به الفرسان - يدل عليه. ونطاعن الأبطال عن أبنائنا ... وعلى بصائرنا وإن لم نبصر ذكر الأبناء كتابة عن الحرم، كما قال الآخر: نقاتل الأبطال عن بنينا والبصائر: جمع بصيرة، وهو ما يستدل به الرجل من رأيه وعقله على ما يغيب منه. وعلى ذا سميت الطريقة من الدم بصيرة، لأنه يستدل بها على الجرح، وفسر قوله: راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأي على الوجهين جميعاً. فإذا جعلتها بصائر الرأى يكون المعنى خلفوا آراءهم وطرحوها، كما يقال تركت الرأى بموضع كذا وكذا، وجلعت غداً مني على ظهر. ومعنى وبصيرتي يعدو بها عتد وأي أن رأيه معه نافذ مستمر، وإذا جعلتها بصائر الدم يكون المعنى أنهم مهزومون مكلومون في ظهورهم وأقفائهم، فدماؤهم على أكتافهم. ومعنى وبصيرتي يعدو بها عتد وأى في هذا الوجه أن دمي سالم في نفسي

стр. 83

وفرسي يعدو بي. ومعنى البيت: إنا ندافع عن حرمنا وحريمنا، وعلى ما يعترض في الوقت، نفعل ذلك وإن لم نبصر عاقبة الأمر، ولم نتتبعها بالفكر فيها، وتأمل نتائجها، فنعلم موادها. وهذا شأن الفتاك فيما يمشونه من أحكام الحرب وينفذونه، ويفتلونه من أسباب الجذاب والنزاع ويبرمونه. وقد قيل في هذا البيت إنه كما حكي عن مسيلمة حي قال لبني حنيفة: قاتلوا عن أحسابكم، فأما الدين فلا دين. وكأن المعنى على هذا: وعلى بصائرنا في الحرب عند المحافظة على الشرف وإن لم نبصر أمر الدين. وهذا بعيد متعسف، وإذا تأملته ظهر لك. وفي الطريقة الأولى قول القطامي: وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه إتباعا وسمعت بعض أصحاب المعاني يقول: المعنى إنا نقاتل الأبطال جرياً على عادة الناس عند نظرهم لدنياهم ودينهم، في الذب عن الحرم والعشيرة والشرف، وعلى الأديان والاعتقادات والبصائر، وإن لم نبصر وجهاً واحداً من هذه الوجوه نقاتل أيضاً، لأن همنا القتل والقتال. قال: فحذف مفعول وإن لم نبصر لأن المراد مفهوم. وكذلك حذف جواب إن، لأن فيما تقدم دليلاً عليه. القطري بن الفجاءة المازني لا يركنن أحد إلى الأحجام ... يوم الوغى متخوفاً لحمام قصده إلى البعث والتحضيض، علىالتغرير بالنفس والتعريض. ألا ترى أنه يحث بهذا الكلام على ترك الفكر في العواقب، ورفض التحرز خوفاً من المعاطب. وينبه على أن الحذر لا ينجي من القدر، وأن الأجل إذا جاء لم تغن معه قوة الأمل، فيقول: لا يميلن أحد إلى هجر الإقدام، والسكون إلى الإحجام في الحرب متخشعاً من الموت. والإحجام: مطاوعة حجمت أي كففت ودفعت. فهو كالإكباب في أنه لمطاوعة كببت. ويقال حجمت البعير، إذا خطمته بما يمنعه من العض، ويسمى ذلك الشيء الحجام.

стр. 84

فلقد أراني للرماح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي الدريئة تهمز ولا تهمز، فتجعل من الدرء وهو الدفع، ومن الدرى وهو الختل، ولهذا سميت الدابة التي يختل بها الصيد ليمكن فيرمى: درية، والحلقة التي يتعلم عليها الطعن دريئة. ويمكن حمل البيت عليهما جميعاً. فإذا جعلت الدريئة الحلقة يقول: لا يفعلن ذلك أحد وليعتبر بحالي، فلقد رأيت نفسي في غير وقت وحال، وكأني للرماح بمنزلة الحلقة التي يتعلم عليها الطعن، فتأتيني الرماح من جوانبي كلها ثم سلمت. وإنما اقتصر على ذكر اليمين والقدام لأنه يعلم أن اليسار في ذلك كاليمين. فأما الظهر فإن الفارس لا يمكن منه أحداً. وإذا جعلت الدرية الدابة الموصوفة يكون المعنى: فلقد أراني وقد اتقي بي فصرت سترة لغيري من الطعن، كما تكون تلك الدابة سترة للصائد والطعن يتناولني. وعلى هذا يكون معنى للرماح من أجل الرماح. والأول أحسن. وقوله: من عن يميني من تعلق بفعل دل عليه قوله أراني دريئة للرماح، وهو تأتيني وما يجري مجراه. وعن من قوله عن يميني اسم ها هنا، وليس بحرف. والمعنى من جانب يميني، ومثله قول الأعشى: من عن يمين الحبيا نظرة قبل وقول الآخر: من عن يمين الدار والحائط حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكناف سرجي أو عنان لجامي وقوله أو عنان لجامي، أو ها هنا ليست للشك، وإنما هل التي يراد بها أحد الأمرين على طريق التعاقب، أي إما ذا وإما ذا. ولك أن تريد الجمع، لأن أصل أو الإباحة. وهذا كما يسأل الرجل فيقال له: ما كان طعامك في بلدك؟ فيقول: الحنطة، أو الأرز. والمعنى أحد هذين، على أن يكون كل واحد منهما بدلاً من صاحبه أو الجميع. ومعنى البيت: انتصبت للرماح حتى خضبت بما سال من دمي إما عنان

стр. 85

لجامي وإما جوانب سرجي، أي على حسب ما اتفق من الطعن. فالعنان لما سال من أعاليه، وجوانب السرج لما سال من أسافله. ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام الجذوعة قبل الإثناء بسنةٍ، والدهر لجدته يسمى جذعاً، وكذلك يقال لمن يرى في أمر على حالةٍ واحدة: هو جذعٌ فيه. وانتصاب جذع البصيرة على أنه حالٌ وهو نكرةٌ. والمعنى ثم انصرفت مع ما وصفت من حالي واتفق مع ضيق المجال علي، وقد نلت ما أردت من الأعداء ولم ينالوا مني ما أرادوا، وأناعلى بصيرتي الأولى لم يبد لي في الاقتحام، ولا غلب في اختياري التطرف والانحراف، بل صار إقدامي في الحرب قارحاً لطول ممارستي، وتكرر مبارزتي، وإن كان بقي رأيي فيه جذعاً. وهذا يريد به ما يترقى فيه الإنسان من التدرب والتمرن عند مزوالة الأعمال، ومن بقاء ولوعه بها، وحرصه عليها على حده في أول الشأن. وكما جعل هذا القروح والجذوعة: البصيرة والإقدام، قال أبو تمام: كهل الأناة فتى الشذاة فنقله كما ترى، واقتدى به البحتري فقال: إقدام غرٍ واعتزام مجرب وقد أشار الأعشى إلى كل ذلك في قوله: تمهل في الحرب حتى امتهن وفي طريقته قول أبي الغول: ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا للحرب حيناً بعد حين

стр. 86

الحريش، ويروى للعباس بن مرداسٍ: شهدن مع النبي مسوماتٍ ... حنيناً وهي دامية الحوامي الحوامي من الحماية، وهي المنع. وكما جعلوا للحوافر حوامي سموا ما بطوى به البئر من الحجارة وغيرها ليحمي جوانبها من التشعث والتهدم: حوامي. يصف خيلاً فيقول: حضرت حنيناً مع النبي، ﷺ وعلى آله، معلماتٍ وقد دميت جوانب حوافرها لكثرة العدو، ولما لحقها من التعب. وكان رسول الله ﷺ غزا هوازن بوادي حنين، ورئيس هوازن مالك بن عوفٍ النصري، وهو اليوم الذي قتل فيه دريد ابن الصمة الجشمي. وإنما قال مسوماتٍ لأنهم أعلموا أنفسهم بعلاماتٍ ليبين بها فضل كل منهم وبلاؤه. والسيماء: العلامة، وقد فسر قوله تعالى: " والخيل المسومة " على ذلك. وكذلك قوله تعالى في موضع آخر: " سماهم في وجوههم من أثر السجود ". ووقعة خالدٍ شهدت وحكت ... سنابكها على البلد الحرام أصل الحك صدم جسمٍ بآخر وترديده عليه ليؤثر فيه. وتوسعوا فيه فقالوا: حك هذا الأمر في صدري، لما يتردد في خاطرك. وهو يتحكك بفلانٍ أي يتعرض له، حتى إنهم يقولون للشيء الخفي: هو حكيك نحيت. ويعني خالد بن الوليد بن المغيرة. وأشار بهذا إلى فتح مكة، وإنما نسبها إلى خالد لأن النبي ﷺ استعمل خالداً يوم الفتح على الخيل فلقي قريشاً بالخندمة، فقاتلهم وهزمهم. فيقول: وحضرت أيضاً وقعة خالدٍ يوم الفتح، وحكت أطراف حوافرها بأرض الحرم. والمراد بيان طول ممارستها للحروب والوقعات، وترددها في تحمل أعباء الشر والمشقات. نعرض للسيوف بكل ثغرٍ ... خدوداً ما تعرض للطام

стр. 87

مثله: نهيبن النفوس وهون النفو ... س يوم الكريهة أوقى لها يقول: نبتذل في الحروب أنفسنا طلباً لصيانتها، ونستقتل فنتعرض ولا نتقبض عنها، بل نبذل لها وجوهنا التي هي حرم النفوس، ولو عرض علينا في السلم والسلامة بذلها للطام، لأنفنا منه وامتنعنا. والمعنى: نتلقى السيوف بخدودنا إذا كسبنا ذكراً، وإن صناها عن الأذى اليسير. وأكشف من هذا وأشرف قول الآخر: ويبتذل النفس المصونة نفسه ... إذا ما رأى حقاً عليه ابتذالها ولست بخالعٍ عني ثيابي ... إذا هر الكماة ولا أرامي الثياب يعني بها السلاح، وهذا كما يسمى بزاً. ألا ترى قول الآخر: بز أمرئٍ مستسلمٍ حازمٍ وقول الهذلي: فوقر بزٌ ما هنالك ضائع يعني السيف. وهذا يحتمل وجهين: يجوز أن يكون المعنى لا أنزع ثيابي وقت هرير الأبطال تشمراً وتخففاً ثم لا أبلي ولا أجتهد، ولكن إذا وطنت نفسي على الشر تقصيت أبلغ ما يكون منه بأبلغ ما يكون من بلائي. وموضع ولا أرامي نصبٌ على الحال، أي لا أفعل ذلك غير مرامٍ. ويعني بالمراماة مدافعة الخصم ومجاهدته بكل ممكن ومعرض. وليس يريد الرمي بالنبال. وقد توسعوا في الرمي والمراماة حتى استعمل في الافتخار، واستعير لتأثير الدهر والشيب ولنظر المحبوب المفتتن. ويجوز أن يكون نفي الأمرين جميعاً فقال: لا أخلع ثيابي تخفيفاً عن نفسي من التولي

стр. 88

والانهزام عند هرير الشجعان، ولا أرامي أيضاً، يعني الرمي بالنبال، ولكن أتلقى الشر وأصدمه بوجهي. ويشهد لهذا أول البيت التالي له، وإنما قال ذلك لأن المرماة تكون من بعيد فتخطئ وتصيب، وعند المكافحة تثكل الأمهات. ولكني يجول المهر تحتي ... إلى الغارات بالعضب الحسام العضب: القطع والمنع، ثم قيل سيفٌ عضبٌ، أي قاطعٌ، كما قيل ضيفٌ في الضائف. وقال الخليل: سمي السيف حساماً لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ عداوته. وقوله: بالعضب، أي ومعي العضب، وهو في موضع الحال. ومعنى البيت ظاهر. ابن زيابة التيمي مأخوذٌ من زيب الرجل. نبيث عمراً غارزاً رأسه ... في سنةٍ يوعد أخواله جعل غرز الرأس كنايةً عن الجهل والذهاب عما عليه وله من التحفظ. ونبئ وأنبئ مما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل. فعمراً انتصب على أنه مفعول ثانٍ. وغارزاً، انتصب على أنه مفعولٌ ثالث، ورأسه انتصب من غارزاً. وأراد بالسنة: الغفلة، وهي ما يحدث من أوائل النوم في العين ولم يستحكم بعد. وهذا من أحسن التشبيه وأبلغ التعريض. والإيعاد إذا كان على وصف حقيقٌ بالتهجين. يدل على ذلك قوله. وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنةٌ وليس بنائم وقد فصل الله تعالى بينهما بقوله: " لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ ". والفعل وسن يوسن وسناً. وموضع يوعد نصبٌ على الحال. ومعنى غارزاً رأسه: مدخلاً؛ ومنه الغرز بالإبر. ويقال: غرز فلانٌ رجله في الغرز، أي في الركاب. وتوسعوا حتى قالوا: اغترز فلانٌ في ركاب القول. وتلك منه غير مأمونةٍ ... أن يفعل الشيء إذا قاله

стр. 89

هذا الكلام تهكمٌ وسخريةٌ، وفي طريقته قول الآخر: وأما أخو قرطٍ فلست بساخرٍ ... فقولا ألا يا اسلم بمرة سالما قال هذا ومرة معرض لكل بلاء. أن يفعل موضعه رفعٌ على البدل من قوله وتلك منه. والمعنى تلك الخصلة لا يؤمن وقوعها من عمروٍ، وهو فعله لما يقوله. الرمح لا أملأ كفي به ... واللبد لا اتبع تزواله هذا التمدح منه تعريضٌ بخصمه وإزراءٌ بفروسيته، وإشارةٌ إلى أن أضداد هذه الأوصاف مجتمعة فيه. فيجوز أن يكون المعنى: إني لا أقتصر من تعاطي أنواع السلاح على الرمح فقط، ولكني أجمع في الاستعمال بينها. وهذا كما يقال: ملأ كفه من كذا فليس فيه موضعٌ لغيره. ويجوز أن يكون المعنى: إني أستعمل رمحي بأطراف أصابعي لحذقي واقتداري، ولا آخذه بجميع كفي. وهذا كما يقال: أقبصه ولا أقبضه؛ لأن القبص: الأخذ بأطراف الأصابع، والقبض بالكف كلها. ومثله قول الآخر: لبيقاً بتصريف القناة بنانيا وقوله: واللبد لا أتبع تزواله أراد: ألزم ظهر دابتي، وإن مال اللبد لم أمل معه. وهذا كما قال أبو النجم: أدرك عقلاً والرهان عمله ... ثقفٌ أعاليه وقارٌ أسفله أي كأنه يلصق الأسفل بظهر الفرس فلا يزول ولا يميل. والدرع لا أبغي بها ثروةً ... كل امرئٍ مستودعٌ ماله لولا أن قصده في التمدح إلى التعريض بالمختبر عنه لكان لا معنى لهذا الكلام. ألا ترى أن قوله: والدرع لا أبغي بها ثروة وقد فسر على أنه يجوز أن يكون المراد: لا أقتني الدرع لكي أتجر فيها فأتمول. وترك التجارة في الأسلحة ليس فيه

стр. 90

كبير تمدح. ويجوز أن يكون المعنى: لا أعدها سبباً في ارتفاق المغانم فأثرى، ويكون كقول عنترة: يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم وقوله: كل امرئٍ مستودعٌ ماله، يريد به: المال ودائع عند الناس، ولا بد من ارتجاعها والتقاضي بها وإن أمهلوا مدةً، فلم أتجر في درعي أو لم البسها لتغنم الأنفال بها، والمال هذه حاله عند أربابه. ويكون هذا كما قال الآخر: وما المال والأهلون إلا ودائعٌ ... ولا بد يوماً أن ترد الودائع ويجوز أن يكون ما من قوله ماله بمعنى الذي، فيكون المعنى: كل امرئ مرتهنٌ بأجله، وبالذي كتب له، ولا يمتنع أن يكون أشار بما إلى ما يقتنى من أغراض الدنيا. ويروى: كل امرئٍ مستودعٌ ماله بكسر الدال، والمعنى أن ما يجمعه المرء بكسبه إذا جاء محتوم القضاء يتركه لغيره لا محالة، فلم أرغب فيه وفي ادخاره، وأزهد في اكتساب المحامد والمعالي؟ وهذا الكلام نهايةٌ في التنقص ممن عرض به، وغايةٌ في الطعن عليه، والقدح في عادته. ويروى: والدرع لا أبغي بها نثرةً، وهي الواسعة. والمعنى: إني أكتفي من الدرع ببدنةٍ، فلا أطلب ما يفيض فيضاً، ويجب مع هذه الرواية والتفسير أن يكون معنى المصراع الثاني: كل امرئٍ مرتهنٌ بأجله، وممهلٌ ليومه. آليت لا أدفن قتلاكم ... فدخنوا المرء وسرباله هذا البيت لم أجده في نسخٍ كثيرة، فيغلب في ظني أنه ليس من الاختيار. وعلى ما به فله قصةٌ مشهورةٌ زعموا. وهي أنه يروى فيه أن واحداً من المخاطبين كان أحدث في حربٍ حضرها خوفاً على نفسه، فعرض الشاعر بهم وذكرهم سوء بلائهم، وضعف ثباتهم. وإنما يريد أنهم إذا صرعوا في المعركة عثر منهم إن لم يطيبوا على مثل ما فعله ذلك الواحد المعرض به، أو استدل بالرائحة عليه فافتضحوا. وهذا تهكمٌ

стр. 91

أيضاً وتعييرٌ بالاتفاق السيء. وآليت معناه حلفت ولفظه لفظ الخبر، والمعنى معنى القسم. وربما قالوا: آليت على نفسي. الحارث بن همام الشيباني أيا ابن زيابة إن تلقني ... لا تلقني في النعم العازب النعم يذكر ويؤنث، والتذكير فيه أغلب. وفائدته في الإفراد الإبل في الأكثر، وإذا جمع دلت على الأزواج الثمانية. يعرض بأنه راعٍ فيقول: يا ابن زيابة إنك لا تجدني راعياً يبعد في المرعى بإبله. والمعنى أنت كذلك، ويقال: مالٌ عازبٌ وعزبٌ، إذا بعد عن أهله. وروضٌ عازبٌ: بعيد المطلب. وتلقني يشتد بي أجردٌ ... مستقدم البركة كالراكب قوله: وتلقني عطفه على الجواب، لأنه يصلح أن يكون جواباً. ألا ترى أنه لو قال: إن تلقني تلقني كذا، لصلح؟ يقول: تلقاني يعدو بي فرسٌ قصير الشعر، متقدم الصدر، مشرفٌ كالراكب، اي إشرافه إشراف الراكب لا المركوب. ويشتد: يفتعل من الشد، وهو العدو. ويقال: استقدم وتقدم، واستأخر وتأخر، بمعنى. والبركة، كسر باؤها عند اتصال الهاء بها، لولا ذلك لقيل بركٌ بفتح الباء. فأجابه ابن زيابة يا لهف زيابة للحارث ال ... صابح فالغانم فالغانم فالآيب يجوز أن يكون أورد هذا الكلام ساخراً متهانفاً، ومستهزئاً متهكماً، فوصفه بهذه الصفات وكان الأمر بخلافه، ويقرب هذا أن ما قبل هذه المقطوعة في مثل هذه الطريقة. ويجوز أن يكون ذكر ما كان منه على الحقيقة، فهو يتحسر لما رأى من فلاحه في غزاته، وسلامته في مآبه. ويقولك يا حسرة أمي من أجل هذا الرجل فيما ارتفع له من المراد في الغزو، وجمع له من السلامة والوفر. والصابح، يجوز أن

стр. 92

يكون في معنى مصبحٍ، كما قال: حين لاحت للصابح الجوزاء والغارة وقتها الغداة، فلذلك قال: للحارث المصبح عندنا والغانم منا. والترتيب الذي يفيده الفاء جارٍ على سننه، كأنه أراد للحارث الغازي نحونا والغانم منا - والغنم بعد الغزو - فالآيب إلى قومه - والأوبة بعد الاستغنام. ويجوز أن يكون الصابح من صبحت القوم، إذا أتيتهم صباحاً. وفي المثل السائر صبحناهم فغدوا شأمةً. وهذا الوجه أوجه وأجود. واعلم أن الصفة إذا جاءت للتبيين وإزالة اللبس عن الموصوف، فالوجه أن يعمد إلى أخصها بالموصوف، وأحقها بالبيان والشرح، حتى تغني عن العدول عنها إلى غيرها من الصفات. فإن اتفق بعد ذلك لبسٌ حينئذٍ يزال بما يضم إليه. وإذا جاءت للتعظيم أو التهجين فإنه قد يوالي بين عدةٍ منها بحروف النسق ومن دونها: تقول: جاءني زيدٌ الظريف الكاتب الفاضل العالم: وإن أتيت بالواو العاطفة متخللةً له ساغ، فإن قيل: إذا كانت الصفة هي الموصوف، والشيء لا يعطف على نفسه، فكيف جاز عطف بعض الصفات على بعض؟ قلت: تغاير المعاني الحاصلة بها وقوة اتصال بعضها ببعضٍ في بابي الصلة والصفة، سوغ ذلك في ألفاظها. والله لاو لاقيته خالياً ... لآب سيفانا مع الغالب أقسم بالله فيقول: والله لو لقيته منفرداً عن أشياعه لحصل سيفانا للغالب منا. وذكر السيفين والمراد جميع ما معهم من بزهما وسلاحهما، لعلو شأنهما. وجعل الفعل للسيفين على المجاز. والمعنى: لو خلوت به لقتلته أو قتلني. أنا ابن زيابة إن تدعني ... اتك والظن على الكاذب

стр. 93

قوله: والظن على الكاذب يجري مجرى الأمثال، ويكون مبنياً على ما قال لبيد، وهو: واكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل والمعنى: كلٌ منا يحدث نفسه ويكذبها، ثم الظن على من لا يتحقق أمله. ويجوز أن يريد: أنا المعروف المشهور، إن دعوتني لمبارزتك جئتك، فإن كنت تظن غير هذا فظنك عليك، لأنك تكذب نفسك فيما تتوهمه من قعودي عنك، أو نكولي عن الإقدام عليك. ويجوز أن يكون المعنى: إن تدعني أجبك، فإن ظننت أن تكون الغالب فظنك عليك، لأنك تكذب نفسك. الأشتر النخعي بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس الوفر: المال الكثير. والعبوس: الكلوح عن غضبٍ، وتوسعوا فقالوا: يومٌ عبوسٌ، أي شديدٌ. وهو جبسٌ عبسٌ، في اللئيم. وهذا من الأيمان الشريفة، واللفظ لفظ الخبر، وظاهره الدعاء، ومحصوله القسم. فيقول: ادخرت مالي ولم أفرقه فيما يكسب لي حمداً، فعل البخلاء، وزهدت في اكتساب المعالي والمآثر زهد الأدنياء، وتلقيت الأضياف بوجه رجلٍ كالحٍ إن لم أفعل كذا. ومثله في اليمين قول النابغة: إذاً فلا رفعت سوطي إلي يدي إن لم أشن على ابن حربٍ غارةً ... لم تخل يوماً من نهاب نفوس شن الغارة معجمةً، وسنها معجمةٍ: صبها. وأصل جميعها في الماء، ثم حصل التوسع فيها. يقول: تصورت بتلك الصورة التي ذكرتها وأقسمت بها، إن لم أصب

стр. 94

على هذا الرجل خيلاً لا تخلو يوماً من اختلاس نفوسٍ، وانتهاب آجال. وسمى الخيل غارةً لما كانت من قبلها تكون. وموضع لم تخل يوماً نصب على الصفة للغارة، أي خيلاً جرت عادتها بذلك. والنهاب يجوز أن يكون مصدر ناهبته ويستعمل في المغاورة والمماراة، ويجوز أن يكون جمع النهب. وجواب إن لم أشن فيما تقدم. خيلاً كأمثال السعالي شزباً ... تعدو ببيضٍ في الكريهة شوس الشزب: الضمر. والشوس: جمع أشوس. ويقال شاس يشوس وشوس يشوس، إذا عرف في نظره الغضب أو الكبر. وانتصب خيلاً على أنه بدلٌ من غارةً. وشبه الخيل في ضمرها وسرعة نفاذها بالجن. وانتصب شزباً على أنه صفةٌ للخيل، لأن قوله كأمثال، أيضاً صفة. ويجوز أن يكون حالاً للمضمر في كأمثال السعالي. والمعنى: خيلاً تشابه السعالي في حال شزوبها وضمرها. وقوله: تعدو ببيضٍ أيضاً صفةٌ، إما لقوله شزباً، وإما للأول تعدو برجالٍ كرام، متكبرين في الحرب، ذوي أنفةٍ. وإذا جمع بين مفرداتٍ وجملٍ في الوصف، فالترتيب المختار تقديم المفردات على الجمل، وقد جاء البيت على ذلك، والعرب تجعل البياض كنايةً عن الكرم، كأنها تريد نقاء العرض. على ذلك قوله: أمك بيضاء من قضاعة ... وكما فعلوا هذا جعلوا الغر كنايةً عن الكرام، وربما قالوا غرانٌ. أما قولهم: بيض الوجوه فالمراد أنهم لم يفعلوا شيئاً يشينهم فيغير لونهم عند ذكره. وقد قالوا في ضده: أوجههم كالحمم، وسود الوجوه. وأما الشوس فكما وصف به الرجال وصف به الخيل أيضاً، والمراد به عزة النفس. وقوله في الكريهة للحوق الهاء بها ألحق بباب الأسماء، ويستعمل في نوازل الدهر وشدائد الأمر. وهو ظرفٌ إن شئت لما دل عليه قوله بيضٌ من الكرم، وإن شئت لقوله شوسٌ. والكرم في الكرائه: نزاهة النفس عن لوازم العار. حمى الحديد عليهم فكأنه ... ومضان برقٍ أو شعاع شموس

стр. 95

شعاع الشمس: انتشار ضوئها. ويقال: أشعت الشمس: انتشر شعاعها. يقولك حميت الأسلحة يوم الوغى لصبرهم وثباتهم، وطول مقامهم. ثم شبه لمعانها بومضان البرق أو شعاع الشمس، وجمع الشموس لاختلاف مطالعها. والومضان: مصدر ومض، وكذلك الومض والوميض. ويقال في فعله أومض أيضاً. معدان بن جواسٍ الكندي ودخل هذان البيتان فيالباب لما اشتملا عليه لفظاً ومعنىً من الفظاظة والقسوة. إن كان ما بلغت عني فلامني ... صديقي وشلت من يدي الأنامل قوله صديقي يجب أن يريد به الكثرة لا الواحد. وقال: شلت يده شللاً. وهذا من الجنس الأول في أن لفظه لفظ الخبر، والمعنى معنى الدعاء، والمراد القسم. وقوله فلامني لامني في موضع رفع على أنه خبر ابتداءٍ محذوفٍ، كأنه قال: فأنا لامني. والفاء مع ما بعده جواب إن. والمعنى: إن كان ما أدى إليك عني حقاً ففعلت ما استحققت به لوم الصديق، واسترخت أصابعي. فإن قيل: اليمين والشرط كيف يصح؟؟ قلت: هذا كلام مبطلٌ لما ادعي عليه، نافٍ له، فاليمين تناولت نفي ما أثبت فيه، ودفع ما قرف به. ودل على ذلك فحوى الكلام. ويجوز في كان أن يكون التامة لا الناقصة، فيكتفي بالفاعل ولا يحتاج أن يضمر بعده حقاً. والمعنى إن وقع ما بلغت عني وحدث. وتخصيصه للأنامل لأن أكثر المنافع بها. وجاز إضمار خبر كان إذا جعلتها ناقصةً لأن في الكلام والحال دليلاً عليه، ولأن دخوله على المبتدأ والخبر، فكما يحذف الخبر في ذلك الباب يحذف هنا. وكفنت وحدي منذراً بردائه ... وصادف حوطاً من أعادي قاتل وحدي انتصب على المصدر، وهو في موضع التوحد. وفي النحويين من يجعله وإن كان معرفةً في موضع الحال. يقول: وفجعت بمنذرٍ وأحوجت إلى أن أباشر تكفينه وتجهيزه بنفسي - وهذا ما يزيد المصاب كلماً وداءً - وصادف ابني من أعدائي من لا يبقي عليه. وأعادي بناه على الفتح لخفته، ولأنه الأصل في ياء

стр. 96

الضمير إذا حرك. وعلى هذا تقول: هؤلاء بني ومعطي، وهذا قاضي. وأعادي يجوز أن يكون أفاعل وأضافه، ويجوز أن يكون أفاعيل كأبابيت وخففه، كما خفف أثافٍ ثم أضافه. ويجوز أن يكون لما رام الإضافة اجتمع ثلاث ياءاتٍ فحذف مدة أفاعيل. عامر بن الطفيل الكلابي طلقت إن لم تسألي أي فارسٍ ... حليللك إذ لاقى صداءً وخثعما جعل الإقسام عليها بما يضيق طريقها في التجوز والإهمال، لما ولاها البحث والسؤال. هذا إذا جعلت الكلام دعاءً. يقول: ينت من زوجك إن لم تفشي بالسؤال عن أحواله حين لاقى هاتين القبيلتين، هل أبلى في ملاقاتهما، وكيف ثبت في وجوههما. ويجوز أن يكون طلقت وعيداً توعدها به إن لم تنته إلى مرسومها. والحليل: الزوج، سمي بذلك لنه يحال صاحبته. وخثعم هو خثعم بن أنمارٍ. والخثعمة: التلطخ بالدم. ويقال: كانوا تحالفوا فغمسوا أيديهم في دم بعيرٍ نحروه واجتمعوا عليه فسموا خثعماً. ومفعول تسألي محذوفٌ، المراد تسألي الناس. وقوله أي فارس هو المسألة، وهو في موضع المفعول أيضاً. وجواب الشرط مقدم، كأنه قال: إن لم تسألي الناس عن هذه المسألة فأنت مطلقةٌ من بعد، أو فجعل الله خاتمة أمرك كذلك. أكر عليهم دعلجاً ولبانه ... إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمحما أجمل في اقتصاص بلائه، ثقةً بأن بحثها واستقصاءها يأتي على تفاصيله. يقول: أعطف فرسي دعلجاً عليهم، حالاً بعد حالٍ، وكراً بعد فرٍ، وغذا اشتكى من كثرة وقوع الطعن بصدره حمحم. وجعل الفعل للصدر على المجاز والسعة لكونه موقع الطعن. هذا إذا رويت: ولبانه بالرفع، لأن بعض الناس روى ولبانه بالنصب، كأنه فر من أن يكون الاشتكاء والتحمحم للبان على كثرة نسبة الاشتكاء إلى الأعضاء الآلمة. فوقع فيما هو أقبح؛ لأن المراد أكر عليهم فرسي، فلا معنى لعطف اللبان عليه. وسمعت من يجعله من باب تكرير البعض من الكل بالعطف عليه، وإن

стр. 97

كان داخلاً فيما دخل فيه على وجه الاختصاص وتفخيم الشأن، كقوله : " من كان عدو الله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ". قال: ووجه الاختصاص أن الذكر بصدره، كان أن الأنثى بعجزه. والدعلج: المرح في السير والتردد، ويوصف به الفرس والبعير والحمار، وذكر بعضهم أنه يقال في الضب الهائج ايضاً. وقد أحسن عنترة كل الإحسان حين سلك هذا السبيل فقال: فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرةٍ وتحمحم زفر بن الحارث الكلابي وكنا حسبنا كل بيضاء شحمةً ... ليالي قارعنا جذام وحميرا حكى الأصمعي في الأمثال: ما كل بيضاء شحمةً، ولا كل سوداء تمرة. والمعنى: ليس كل ما أشبه شيئاً ذلك الشيء. ومعنى البيت: ظننا لما التقينا مع جذام وحمير أن سبيلهم سبيل سائر الناس، وأنا سنقهرهم قهراً قريباً ثم وجدناهم بخلاف ذلك، لكون أصلهم من أصلنا. واجتماعهم فيما تميزنا فيه عن سائر الناس معنا، وجذام أبو هذه القبيلة فسميت به، وأصله الجذم: القطع، وبه سمي الداء المعروف جذاماً، وقيل للمقطوع اليد: أجذم. وحكى بعضهم: ما سمعت له جذمةً ولا زجمةً، أي كلمةً، لتقطع الصوت بها عند النطق. والقرع: ضرب الشيء بغيره، ثم توسعوا فقالوا: قرعت باطله بحقي، وقرع الشارب جبهته بالإناء إذا استوفى ما فيه. فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعضٍ أبت عيدانه أن تكسرا بعضه، انتصب على البدل من النبع. وجواب لما قوله أبت. وتكسر أصله تتكسر. والشاعر اعترف بأن أصل أولئك نبعٌ، كما أن أصلهم نبعٌ، النبع خير الأشجار التي يتخذ منها القسي وأصلبها، كما أن الغرب شرها وأرخاها، فجعلت العرب تضرب المثل بهما في الأصل الكريم واللئيم، حتى إن بعض المحدثين

стр. 98

قال: هيهات أبدى اليقين صفحته ... وبان نبع الفخار من غربه فيقول: لما قرعنا أصلهم بأصلنا أبت العيدان من التكسر. والمعنى أن كلامنا أبى أن ينهزم عن صاحبه. فالعيدان مثلٌ للرجال، والنبع مثلٌ للأصل. ولما لقينا عصبةً تغلبيةً ... يقودون جرداً للمنية ضمرا يقال تغلبيٌ وتغلبيٌ والكسر أكثر، ومن فتح فلتوالي الكسرات والياءين. وهذا كما قالوا: نمريٌ فردوا من فعلٍ إلى فعلٍ. يقول: لما لقينا جماعةً من بني تغلب يقودون للحرب خيلاً ضمراً قصار الشعور. وجواب لما فيما بعد، وهو سقيناهم. وإنما احتاج إلى الجواب متى كان علماً للظرف، لأنه يجيء لوقوع الشيء لوقوع غيره. وجعل الخيل جرداً لأن العراب منها تكون كذلك. واللام من قوله للمنية يجوز أن يتعلق بيقودون، ويجوز أن يتعلق بقوله ضمراً، أي ضمرت لها. سقيناهم كأساً سقوها بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا يقول: قابلناهم بمثل ما بدءونا به من سقي كأس الموت، لكن القتل كان فيهم أعم، ولهم أشمل. وجعل ذلك فيهم كالصبر منهم عليه. ويقرب أن يكون قول الله تعالى: " فما أصبرهم على النار " على هذا الوجه. كأن النار حقت عليهم ووجبت، بما كان منهم من المعصية، فجعل ذلك فيهم كالصبر منهم عليه، ولذلك قال بعض المفسرين في معناه: ما أعملهم بعمل أهل النار. كأن إصرارهم على ذلك العمل كالصبر منهم على النار. ورد الآية إلى البيت وإجراء القول فيها على هذا الحد غريبٌ حسنٌ. وقوله: أصبر أي أصبر منا، وأفعل الذي يتم بمن يحذف منه من في باب الخبر دون الوصف. وساغ ذلك لأن الخبر كما يجوز حذفه بأسره لقيام الدلالة عليه يجوز حذف بعضه أيضاً له.

стр. 99

عمرو بن معد يكرب حكى ابن أعرابي: قالوا معد يكرب لأنه عدا الفساد. والكرب: الفساد. ولما رأيت الخيل زوراً كأنها ... جداول زرعٍ خليت فاسبطرت اسبطرت: امتدت، والسبطر والسبط بمعنى واحد. يقول: لما رأيت الفرسان منحرفين للطعن، وقد خلوا أعنة دوابهم وأرسلوها، وقرطوا آذانها بها، فكأنها أنهار زرعٍ أرسلت مياهها فامتدت بها. والتشبيه وقع على جري الماء في الأنهار لا على الأنهار، كأنه شبه امتداد الخيل في انحرافها عند الطعن بامتداد الماء في الأنهار، وهو يطرد ملتوياً ومضطرباً. وكما وصف الخيل في انحرافها بزورٍ وصفت أيضاً بنكبٍ، فقال بعضهم: لأعدائنا نكبٌ إذا الطعن أفقرا فالنكب: جمع أنكب، وهو الذي ينحط أحد منكبيه عن الآخر، كما أن الزور جمع أزور، وهو المعوج الزور. وهذا من التشبيه الحسن الصائب. وقوله: خليت فاسبطرت جعلاً للجداول على المجاز والسعة، لأن المياه هي التي تخلى وتمتد. وهذا كما يقال نهرٌ جارٍ، وإن كان الماء هو الذي يجري. فجاشت إلى النفس أول مرةٍ ... وردت على مكروهها فاستقرت فجاشت إلى النفس أول مرة. اعترض بعضهم فقال: لولا أنه جبن لما جاشت إليه النفس. قال: ومثله في الرداءة قول عنترة: إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي

стр. 100

هلا قال كما قال العباس بن مرداس: أشد على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها قال الشيخ: وليس الأمر كما توهم، لأن ما ذكره عمروٌ وعنترة بيان حال النفس، ونفس الجبان والشجاع على طريقةٍ واحدةٍ فيما يدهمها عند الوهلة الأولى، ثم يختلفان: فالجبان يركب نفرته، والشجاع يدفعها فيثبت. فأما قول العباس ابن مرداس فليس مما ذكراها بسبيلٍ، وإنما هو بيان الحالة الثانية وما يعزم عليه بعد الاعتصام والمراجعة والتمسك. فاعلمه الله إن شاء الله. قوله: أول مرةٍ وذات مرةٍ، لا يكونان إلا ظرفين؛ لأن مرةً ليس باسمٍ للزمان لازمٍ، وإنما هو مدخلٌ عليه. فإذا قلت مرةً فإنما حقيقتها فعلةً واحدةً، ويجوز أن يكون وقتاً واحداً. ويجوز أن يكون الفاء في فجاشت زائدةً، في قول الكوفيين وأبي الحسن الأخفش، ويكون جاشت جواباً للما. والمعنى: لما رأيت الخيل هكذا خافت نفسي وثارت. وطريقة جل أصحابنا البصريين في مثله أن يكون الجواب محذوفاً، كأنه قال: لما رأيت الخيل هكذا فجاشت نفسي وردت على ما كرهته فقرت، طعنت أو أبليت. ويدل على ذلك قوله: علام تقول الرمح يثقل ساعدي إذا أنا لم أطعن، فحذف طعنت أو أبليت لأن المراد مفهومٌ. وهذا كما حذفوا جواب لو رأيت زيداً وفي يده السيف! وعلى هذا الكلام على المذهبين في قوله تعالى: " حتى إذا جاءوها وفتحت " أبوابها، وفي قول امرئ القيس: فلا أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبتٍ ذي قفافٍ عقنقل وحذف الجواب في مثل هذه المواضع أبلغ وأدل على المراد وأحسن، بدلالة أن المولى إذا قال لعبده: والله لئن قمت إليك وسكت، تزاحمت عليه من الظنون المعترضة للوعيد ما لا يتزاحم لو نص من مؤاخذته على ضربٍ من العذاب. وكذلك إذا قال المتبجح: لو رأيتني شاباً وسكت، جالت الأفكار له بما لم تجل به لو أتى بالجواب.

стр. 101

علام تقول الرمح يثقل ساعدي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت ما في الاستفهام إذا اتصل بحرف جر يحذف الألف من آخره تخفيفاً، على ذلك فبم وبم ولم، إلا إذا اتصل ما بذا فقلت: بماذا ولماذا، لأنه يترك على تمامه. وقوله: تقول الرمح يروى بفتح الحاء وضمها، فإذا نصبت فلأنك جعلت تقول في معنى تظن. وهم - عند الخطاب والكلام استفهام - يحملون القول على الظن. على ذلك قوله: فمتى تقول الدار تجمعنا أي متى تظن ذلك فتقول، فجعل القول يدل على الظن لما كان القول ترجمة عن الظن. والخطاب والاستفهام يحتملان ما لا يحتمل غيرهما. وإذا رفعت الرمح فالقول متروكٌ على بابه، والرمح يرتفع بالابتداء، والكلام حكايةٌ، وما بعد القول إذا كان كلاماً مفيداً يحكى. ومعنى البيت: على أي شيءٍ ولأي وجهٍ تقول: أحمل الرمح فيثقل ساعدي إذا لم أعمله إذا حصل الكر من الخيل بعد الفر، واشتد عليهم الأمر. والمعنى بأي حجةٍ أحمل السلاح إذا لم أبل في الحرب ولم أستعمله في وقته. وهذا الكلام إسقاطٌ للتبجح بالبلاء الذي كان منه أيضاً. وقوله: إذا أنا لم أطعن أي لم يثقل ساعدي الرمح في وقت تركي الطعن زمان كر الخيل، فإذا الأول ظرفٌ لقوله يثقل، وإذا الثاني ظرفٌ لقوله لم أطعن. لحا الله جرماً كلما ذر شارقٌ ... وجوه كلابٍ هارشت فاز بأرت ازبأر: انتفش حتى ظهر أصول شعره. قال: فهو ورد اللون في ازبئراره ... وكميت اللون ما لم يزبئر كلما انتصب على الظرف، ووجوه انتصب على الشتم والذم، والعامل فيه فعلٌ مضمرٌ وهو أذكر. كأنه شبه وجوههم بوجوه الكلاب في الحالة المذكورة. ويجوز أن يكون انتصابه على البدل من قوله جرماً. ومعنى لحا الله: قشر الله، أي فعل بهم غداة كل يومٍ، أذكر قوماً يشبهون الكلاب إذا واثبت غيرها وساورت،

стр. 102

فانتفشت وتجمعت للوثب؛ وتلك الحالة من أحوالها أشنع وأنكر: وهذا تحقيقٌ للشبه، وتصويرٌ لقباحة المنظر. والذرور في الشمس أصله الانتشار والتفريق. قال: كالشمس لم تعد سوى ذرورها أي طلوعها وانتشار ضوئها. قال الخليل: المهارشة من الكلاب وغيرها كالمحارشة. ويقال: فلانٌ يهارش بين الكلبين. فلم تغن جرمٌ نهدها إذ تلاقيا ... ولكن جرماً في اللقاء ابذعرت جرمٌ ونهدٌ: قبيلتان من قضاعة. ومعنى ايذعرت: تفرقت. وأضاف نهداً إلى ضمير جرمٍ، لاعتماده كان عليها، واعتقاده الاكتفاء بها. والمعنى لم تنصرها فكانت تكتفي بها وتغنى، ولكن جرماً انهزمت، وهامت على وجهها فمضت، واصطلت نهدٌ بنار الحرب، فمست حاجتها إلى من يؤازرها، ويناهض الأعداء معها. ظللت كأني للرماح دريةٌ ... أقاتل عن أبناء جرمٍ وفرت يقول: بقيت نهاري منتصباً في وجوه الأعداء، والطعن يأتيني من جوانبي، وكأني للرماح بمنزلة الحلقة التي يتعلم عليها الطعن، أذب عن جرمٍ وقد هربت هي. ويجوز أن يكون: كأني للرماح صيدٌ. فقد حكى أبو زيد أنه يقال للصيد خاصةً دريةٌ، غير مهموزةٍ، ودرايا؛ كأن هذا من دريت أن ختلت. فأما الدابة التي يستر بها من الصيد، فإذا أكثب رمي من خلفها، فذكر أبو زيدٍ أنها تسمى دريئة الصيد، بالهمز. قال: ويقال: درأتها نحو الصيد وإلى الصيد وللصيد، إذا سقتها. وكأن هذا من الدرء، وهو الدفع. وقد تسمى تلك الدابة الذريعة والسيقة والقيدة. وأنشدت عن أبي العباس المبرد، ﵀، أنشدنيه حمزة بن الحسن، قال: أنشدنيه علي بن سليمان الأخفش عنه: إذا نصبنا لقومٍ لا ندب لهم ... كما تدب إلى الوحشية الذرع الذرع: جمع ذريعة، كصحيفة وصحف. وإن جعلت كأني في موضع الحال فأقاتل في موضع الخير لظللت حينئذ.

стр. 103

فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت النطق استعمل في الكلام وغيره، ولذلك قيل منطق الطير، ثم توسعوا فقالوا: نطق الكتاب بكذا. يقول: لو أن قومي أبلوا في الحرب واجتهدوا لافتخرت بهم، وذكرت بلاءهم، ولكن رماحهم أجرت لساني، كما يجر لسان الفصيل. وجعل الفعلين للرماح لأن المراد مفهومٌ في أن التقصير كان منهم لا منها. والإجرار: أن يشق لسان الفصيل للرماح فيجعل فيه عويدٌ لئلا يرضع أمه. وقد استعمل الإجرار في الرمح إذا تكسر في المطعون. قال: أجره الرمح ولا تهاله وفي طريقه قوله: أنطقتني رماحهم قول الآخر: أقول وقد شدوا لساني بنسعةٍ ... أمعشر تيمٍ أطلقوا عن لسانيا لأن المعنى أحسنوا إلي ينطلق لساني بشكركم. ؟ سيار بن قصيرٍ الطائي لو شهدت أم القديد طعاننا ... بمرعش خيل الأرمني أرنث جواب لو، أرنت. يقال رن وأرن بمعنىً واحد. ومرعش من ثغور أرمينية. وأم القديد، قيل هي امرأته. والخيل ينتصب من قوله طعاننا. ومعنى البيت: لو حضرت هذه المرأة مطاعنتنا بمرعش خيل هذا الرجل الأرمني لولولت وضجت، إشفاقاً علينا، لكثرتهم وقلتنا. والباء من قوله بمرعش تعلق بطعاننا، وهو ظرف مكان له قد عمل فيه. وإنما قلت هذا لئلا يتوهم أنه تعلق بشهدت، وأنه في موضع الحال للخيل أو للمطاعنين، فيكون قد فصل به بين الصلة والموصول، وهما طعاننا وخيل الأرمني. عشية أرمي جمعهم بلبانه ... ونفسي وقد وطنتها فاطمأنت

стр. 104

لبان الفرس: صدره. ويقال: وطنت نفسي على كذا فتوطنت، أي حملتها عليه فذلت. وانتصب عشية على أنه ظرفٌ لطعاننا. ويجوز أن يكون ظرفاً لشهدت، ولا يجوز أن يكون ظرفاً لأرمي؛ لأن أرمي أضيفت عشية إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. ومعنى البيت: عشية أحمل على القوم ولا أبالي إن كانت علي أو لي، لأني وطنت نفسي على الشر فألفته وسكنت إليه. فمن روى: ونفسي قد وطنتها يكون الواو للحال، ونفسي يرتفع بالابتداء، ووطنتها في موضع الخبر. ومن روى: ونفسي وقد وطنتها فإن نفسي يكون في موضع الجر عطفاً على بلنانه، أي أرمي جيشهم بنفسي وفرسي، ويكون قد وطنتها في موضع الحال. وتحقيق الكلام: وقد وطنتها على الشر فسكنت إليه، ورضيت به. ومثله قول عنترة: ما زلت أرميهم بقرحة مهري ... ولبان لا وكلٍ ولا هياب وقول الآخر: ما زلت أرميهم بثغرة نحره ... وفارسه حتى ثأرت ابن واقد ولاحقة الآطال أسندت صفها ... إلى صف أخرى من عدىً فاقشعرت إنما نكر قوله عدىً لينبه به على اختلافهم وكثرتهم، وأن ذلك لتوفر فضائلهم، وتظاهر عزهم ورياستهم، إذ كان الحسد يتبع ذلك، ولأنهم يترون من لا يذل لهم، ولا يهوى هواهم. يقول: ورب خيلٍ قد لحقت بطونها بظهورها، وارتفعت جنوبها إلا متونها، أنا أملت صفها إلى صف خيلٍ مثلها من الأعداء، فخافت لقلتنا وكثرتهم. وأصل الاقشعرار تقبض الجلد وانتصاب الشعر، وقد تكلم الناس في قول امرئ القيس: والقلب من خشيةٍ مقشعر فقال بعضهم: الاقشعرار لا يصح في القلب، لأنه يخبر به عما عليه شعرٌ، ولا شعر على القلب. وقال غيره: إنما هو كنايةٌ عن الوجل، ولما كان الاقشعرار يقع عنده كني به عنه. وإذا كان كذلك فكأنه قال: والقلب من خشيةٍ وجل.

стр. 105

بعض بني بولان من طيئٍ بولان فعلان، من قولهم رجلٌ بولةٌ، إذا كان كثير البول. والبوال: داءٌ يصييب الغنم فيبول حتى يموت. نحن حبسنا بني جديلة في ... نارٍ من الحرب جحمة الضرم جديلة من الجدل، وهي فيما زعموا أمهم. والجدل: الفتل. قال الدريدي: جديلة من قولهم امرأةٌ مجدولةٌ، إذا كانت قضيفةً. ويقال ضرمت النار، إذا التهبت، تضرم ضرماً. ولهذا ما تلتهب به النار سريعاً من الحطب قيل له الضرام. فيقول: حبسنا هؤلاء القوم على نارٍ من الحرب شديدة الالتهاب. والجحمة: مصدر جحمت النار فهي جاحمةٌ، إذا اضطرمت؛ ومنه الجحيم. قال: وصفت النار بالجحيم لحمرتها، ولذلك سميت عين الأسد جحمةً، لأنها تتراءى بالليل كأنها نار. وقال الدريدي: الجحمة العين، لغةٌ يمانيةٌ. وعين الأسد خاصة في كل اللغات الجحمة. نستوقد النبل بالحضيض ونص ... طاد نفوساً بنت على الكرم قوله نستوقد النبل من فصيح الكلام، كأنه جعل خروج النار من الحجر عند صدمة النيل استيقاداً منهم. والوقد، توسعوا فيه حتى قيل قلبٌ وقادٌ. فإن قيل: هلا قال نستقدح النبل، فكان أصح؟ قلت: الذي قاله أفصح؛ وقد قيل زندٌ ميقادٌ، إذا كان سريع الوري. وقال الخليل: كل ما تلألأ فقد وقد، حتى الحافر. يقول: تنفذ سهامنا في الرمية حتى تصل إلى حضيض الجبل فتخرج منه النار لشدة رمينا، وقوة سواعدنا، ونصيد بها نفوساً مبنية على كرمٍ. أي نقتل الرؤساء ومن تكرم نفسه وتعز حياته. وقوله بنت أصله بنيت، فأخرجه على لغة طيئٍ، لأنهم يقولون في بقي بقى، وفي رضي رضى. ولهذا قال بعضهم: على محمرٍ ثوبتموه وما رضى وقالوا في بادية: باداة، كأنهم يفرون من الكسرة بعدها ياءٌ إلى الفتحة، فتنقلب الياء ألفاً. والحضيض: قرار الأرض عند سفح جبلٍ. والنبل لا واحد له من لفظه.

стр. 106

وقال رويشد بن كثيرٍ الطائي يأيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسدٍ ما هذه الصوت المطية من المطا، وهو الظهر. ويقال مطاه وامتطاه، إذا ركبه. وللحوق الهاء به صار اسماً، وقد مر مثله. ويروى: بلغ بني أسدٍ. وقوله: ما هذه الصوت الجملة في موضع المفعول، وارتفع الصوت على أنه عطف البيان. يخاطب الراكب السائق لمطيته بإعجالٍ، يسأله أن يبلغ بني أسدٍ عنه عن طريق الفحص والاستعلام: ما هذه الجلبة. وهذا الكلام تهكمٌ وسخرية، لأنه هو الذي أثار عليهم ما اهتاجوا له، وجلب عليهم ما أشكاهم. وإنما قال ما هذه الصوت، والصوت مذكر، لأنه قصد به إلى الصيحة والجلبة. وهذا كما قال حاتمٌ: أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم العذر يريد المعذرة. وكما قال الآخر: وكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوصٍ كاعبان ومعصر فأنث الشخوص لأنه قصد بها إلى النفوس. وحكي عن أبي عمرو ابن العلاء أنه سمع بعضهم يقول: جاءنه كتابي فاحتقرها. قال أبو عمرو: فقلت: أتقول جاءته كتابي؟ قال: نعم، أليست هي صحيفة؟ وقد قيل: لما كانت الشخوص شخوص النساء أنث العدد. وقوله: الراكب المزجي الراكب يقع على راكب البعير خاصةً؛ لأن راكب الخيل يقال له فارس. والمزجي، يقال زجا الشيء يزجو زجواً وزجاءً، وأزجيته أنا وزجيته، إذا استحثثته. ومنه زجاء الخراج. وفي هذا الكلام دلالةٌ على أنه ليس يقنعه ما أوقعهم فيه. ألا ترى أنه يتوعد بالاستئصال إن لم يصح عذرهم. ويجوز أن يكون المراد بقوله ما هذه الصوت مالذي يتأدى إلي عنكم، ويتحدث به الناس من شانكم وقصتكم. ويقال: ذهب صوت هذا الأمر في الناس للتحدث به، وذهب صيت بني فلانٍ في الناس إذا ذكروا بالخير. فكأنه على هذا يوهمهم أنه لم يصح

стр. 107

عنده ما يقال، وأنهم إن لم يقيموا المعذرة والدلالة على براءة الساحة حينئذ عاقبهم. وهذا المعنى في نهاية الحسن. وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... قولاً يبرئكم إني أنا الموت مفعول بادروا محذوف، كأنه قال: بادروا العقاب بالعذر، أي سابقوه. يقول: قل لهم: سارعوا بالعذر فيما ركبتموه واطلبوا قولاً يبرئ ساحتكم، إني أنا حتفكم إن لم تفعلوا، أي أقرب حينكم، وأسعى في هلاككم إن لم تفعلوا. ويقال: لمس والتمس في معنى طلب. على ذلك قول الله تعالى حاكياً عن مسترقة السمع: " وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً "، أي طلبناها. وقال الشاعر: ألام على تبكيه ... وألمسه فلا أجده ويبرئكم في موضع الصفة للقول، أي قولاً مبرئاً لكم من الذنب. إن تذنبوا ثم يأتيني يقينكم ... فما علي بذنبٍ عندكم فوت قوله بذنبٍ أي بسبب ذنبٍ، وقد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كأنه قال بجزاء ذنبٍ، ويقال: لا فوت عليك في كذا، كما يقال لا بأس عليك. والمعنى: لا يفوتك. وفي هذا الكلام إيذانٌ بأنه مستعملٌ الأناة والحلم معهم، ثقةً بأنهم لا يفوتونه. يقول: إن تجرموا ثم يصح عندي تعمدكم في إجرامكم وتيقنكم ما يلحقكم من لائمةٍ وعيبٍ وأنكم أقدمتم مستهينين، وبمن يأخذكم نكيره غير حافلين، فما يفوتني مكافأتكم، ولا يعييني مؤاخذتكم ومحاسبتكم. وروي: ثم يأتيني يقيتكم وفسر على وجهين: أحدهما أن المعنى ثم تأتيني خياركم وأماثلكم، يقيمون معذرة أنفسهم، ويبينون أنهم لم يساعدوكم لا بالراي ولا بالفعل. وهذا كما يقال: فلانٌ من بقية أهله، أي من أفاضلهم. والآخر أن يكون المعنى: ثم تأتيني بقيتكم الذين لم يذنبوا متنصلين بأنهم قد فارقوكم وأسلموكم، لعظيم جنايتكم، وخلعوا ربقة النصرة والمعاونة لكم.

стр. 108

أنيف بن حكمٍ النبهاني جمعنا لهم من حي عوف بن مالكٍ ... كتائب يردي المقرفين نكالها الكتيبة من الجيش: ما جمع فلم ينتشر. وقوله: يردي مع ما بعده في موضع الصفة للكتائب. يقول: جمعنا لهؤلاء القوم جيوشاً من خلص العرب تهلك عقوبتها الذين في نسبهم هجنةٌ أو إقرافٌ إذا بركوا عليهم. وهذا يجوز أن يكون تعريضاً بمنابذيه ووعيداً لهم. والإقراف يكون من قبل الفحل، والهجنة من قبل الأم. وذكر المقرفين ولم يذكر الهجناء لأنهم وإن كانوا يأخذون مأخذهم في أنه لا يخلص نسبهم، ولا يصفو سببهم، فنافيهم أشد نقداً، ومزيفهم أنكر دفعاً. وكان عنترة العبسي هجيناً فقال: إن امرؤٌ من خير عبسٍ منصباً ... شطري وأحمي سائري بالمنصل نافياً للإقراف، فجعل أحد شطريه من خير عبس، وجعل الباقي يحميه من الذم باستعمال السيف يوم الروع، وحسن البلاء في الحرب، حتى يلحقه بالخلص، ولا تقعد به هجنته عن الدخول في زمرة الصرحاء. لهم عجزٌ بالحزن فالرمل فاللوى ... وقد جاوزت حي جديس رعالها الرعيل: قطعةٌ من الخيل متقدمةٌ، وتوسعوا فقالوا: أراعيل الرياح. ويقال: استرعل فلانٌ، أي خرج في الرعيل الأول. يقول: سوابق هذه الكتائب وأوائلها قد جاوزت بلاد طسمٍ وجديس، ولواحقها قد شحنت بها هذه المواضع. وبين بلاد حي جديس والبقاع التي ذكرها مسافةٌ بعيدة. واللوى، حيث يرق الرمل فيخرج السائر فيه إلى الحزن. وطسمٌ وجديسٌ: أمةٌ من العرب بادوا وانقرضوا. وقيل أراد بالحيين جدساً وجديساً، وذكرهم والقصد إلى ديارهم وبلادهم، ورتب المواضع الذي عددها بالفاء، وجعل أعجاز الكتائب فيها تكثيراً لها. وتحت نحور الخيل حرشف رجلةٍ ... تتاح لغرات القلوب نبالها

стр. 109

رجلةٌ موضوعةٌ لأدنى العدد، بدلالة أنك تقول: ثلاثة رجلةٍ. ومن عادتهم أن يقدموا الرجالة عند تعبئة الجيش، ليستندوا إلى الفرسان. وقوله: وتحت نحور الخيل حرشف رجلةٍ أراد قطعة من الرجالة. ومعنى تتاح: تقدر وتهيأ. ويقال: تاح له كذا وأتحته أنا؛ رجلٌ متيحٌ. وموضعه جرٌ على الصفة لرجلةٍ. فيقول: تحت صدور الدواب قطعةٌ من الرجالة تقدر نبالها للقلوب الغافلة، أي لا يشعر بهم فإذا نبالهم تعمل هذا العمل. والحرشف، الأصل فيها أن تستعمل في الجراد، ثم استعير للجماعة من الرجالة على التشبيه، وقال امرؤ القيس: كأنهم حرشفٌ مبثوثٌ ... بالجو إذ تبرق النعال وغراتٌ: جمع غرة، وهي صفةٌ، يقال رجلٌ غرٌ وغريرٌ، وجاريةٌ غرةٌ وغريرةٌ، ومصدر الغرارة. أبى لهم أن يعرفوا أنهم ... بنو ناتقٍ كانت كثيراً عيالها هذا الكلام من صفة الكتائب. وأن يعرفوا في موضع المفعول لأبى، وفاعلة قوله أنهم بنو ناتقٍ. وقوله كانت من صفة الناتق. يقول: منع لهم معرفة الضيم كثرتهم وترادفهم. والناتق: المرأة الكثيرة الأولاد. وجعل العيال كنايةً عن الأولاد، وهو جمع عيل، كجيد وجياد. يقال: عند فلانٍ كذا عيلاً، وهو معيلٌ ومعيلٌ: كثير العيال. والفعل من ناتقٍ نتقت تنتق نتقاً. فلما أتينا السفح من بطن حائلٍ ... بحيث تلاقى طلحها وسيالها الباء من قول بحيث تعلق بفعلٍ دل عليه أتينا، كأنه قال: حصلنا بحيث تلاقى طلحها وسيالها. وموضعه من الإعراب نصبٌ على الحال للمضمرين في أتينا. والسفح: أسفل الجبل، ولاشتهاره بما وضع له أغنى عن إضافته إلى الجبل. والطلح والسيال: شجران. فيقول: لما بلغنا أسفل الجبل من بطن هذا الوادي بحيث التقى هذان الجنسان من الشجر. وهذا إشارةٌ منه إلى موضع العراك والقتال. وجواب لما فيما بعده. دعوا لنزارٍ وانتمينا لطيئٍ ... كأسد الشرى إقدامها ونزالها

стр. 110

انتمينا: انتسبنا، أي قالوا يا لنزارٍ، وقلنا نحن: يا لطيئٍ، مشابهين للأسود. وقوله كأسد الشرى حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كأنه قال: وكإقدام أسد الشرى إقدامها ونزالها وجاء الحذف لأنه لا يلتبس وجه التشبيه بغيره. ومعنى دعوا لنزار: انتسبوا إلى نزار. وهذا الاعتزاء الذي أشار إليه قد يفعله الفارس عند الطعن والضرب أيضاً، يقول الواحد منهم: خذها وأنا من بني فلان، وأنا فلان بن فلان. فلما التقينا بين السيف بيننا ... لسائلةً عنا حفيٍ سؤالها الإحفاء يكون في السؤال عن الشيء، ويكون في طلب الشيء من الغير، وهو المبالغة فيهما، والذي بينه السيف هو حسن بلاء أحد الفريقين وزيادته فيما يحمد من الصبر والثبات على صاحبه. وقد حذفه من اللفظ لأن المفاعيل تحذف كثيراً إذا دل الدليل عليها. ومعنى قوله: لسائلةٍ عنا حفيٍ سؤالها أن الإحفاء في السؤال والاسقتصاء في البحث، مما يزداد معه بينات الأحوال، وجليات الأمور. وجعل الحفي للسؤال على المجاز والسعة. وفسر قوله تعالى: " يسألونك كأنك حفيٌ عنها ": كان المعنى كأنك عالمٌ بها، لما كان الإحفاء في المسألة حقيقاً بأن يؤدي إلى العلم بالمسئول عنه. والسائلة يجوز أن يريد بها قبيلةً، ويجوز أن يريد بها امرأةً. وجعل قوله السيف كنايةً عن أنواع السلاح، بدلالة أنه أعاد ذكر استعمال السيف فما بعده، لما فصل أحوالهم وفسر مقاماتهم فقال: ولما عصينا بالسيوف. ولما تدانوا بالرماح تضلعت ... صدور القنا منهم وعلت نهالها يقول: ولما تقاربنا باستعمال الرماح رويت القنا من دمائهم، وصار الناهل منها عالاً. والنهل: الشرب الأول، والعلل: الشرب الثاني كأنهم عاودوا الطعن وكروا حالاً بعد حال. والتضلع، حقيقته أن يستعمل فيما له ضلعٌ، وعند الارتواء تنتفخ الأضلاع، واستعاره ها هنا. ويقال: تضلع شبعاً، وتحبب رياً. وخص الصدور لأن الصدور لأن الطعن بها. ويقال عل إبله يعل ويعل، فعلت هي. وإن شئت على هذا رويت: وعلت نهالها، وإن شئت رويت: وعلت. ولما عصينا بالسيوف تقطعت ... وسائل كانت قبل سلماً حبالها
следующие страницы →