Полный текст (1 295 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
الحكم وتصعباً. وإنما افتخر بأن حلمهم موجود ثابت ما لم يساموا خسفاً، فإن عدل بهم عن طريق النصفة، وأروا في معاملتهم عسفاً، كان جهلهم معداً، وزائداً على كل ما يقدر فيعد عداً.
وقوله تزن الجبال رزانة الوزن: مثقال كل شيء، ثم كثر حتى قيل: هو راجح للوزن، أي راجح الرأي والعقل؛ وهو يزن كذا، أي هو على وزنه؛ وهو أوزن قومه، أي هو أرجحهم وأوجههم.
وقال إياس بن الأرت
إني لقوال لعافي مرحباً ... وللطالب المعروف إنك واجده
وإني للما أبسط الكف بالندى ... إذا شنجت كف البخيل وساعده
قوله عافى أصله عافوني، لكن الواو والياء إذا اجتمعا فأيهما سبق الآخر بالسكون يقلب الواو ياءً، ثم يدغم الأول في الثاني، وكسر الفاء لمجاورته للياء. وانتصب مرحباعلى المصدر، وقد وقع وهو يجري مجرى الجمل لمكان العامل فيه معه موقع المفعول من قوله قوال. وانعطف عليه قوله " وللطالب المعروف إنك واجده " كأنه قال: وقوال للطالب المعروف إنك واجده. فقوله إنك واجده واقع في مثل قوله مرحباً. والمعنى أن العفاة وطلاب العرف إذا نزلوا بي تلقيتهم بالترحيب والإكرام، وتلطيف القول في الإنزال، وأقول: إنكم تجدون ما تطلبون، لامنع ولاحرمان، ولادفاع ولامطال؛ لأني إذا تقبضت أكف البخلاء فلم تنبسط، وقصرت سواعدهم عن الامتداد في البذل فلم تطل، تنديت وعلت على أكف السؤال كفي فبسطت، لأن معروفي دار وخيري مبذول. وقوله: " لمما أبسط الكف " أي لمن الأمر أني أبسط الكف بالندى، ف " أبسط " شرح المبهم بلفظة ما. و " إذا شنجت " ظرف لأبسط، ويشير إلى زمان السوء، وشمول المحل، وظهور البخل.
لعمرك ما تدري أمامة أنها ... ثنى من خيال ما أزال أعاوده
فشقت على صحبي وعنت ركائبي ... وردت على الليل قرناً أكابده
стр. 1157
لعمرك: مبتدأ وخبره محذوف، وقد مضى القول فيه فيما تقدم. فيقول: وبقائك، ما تعلم هذه المرأة أن خيالها يأتيني ثنىً، أي مرة بعد أخرى. وفي الحديث: " لاثنى في الصدقة "، أي لاتؤخذ في السنة مرتين. وقوله " ماأزال أعاوده " يريد أني ممتحن بمجيئها، لأنها تراجعني فتصرفني عن أسبابي، وتعوقني عن مهماتي. والمعنى أنها غافلة عما أكابده من خيالها في المنام، ومن ملازمة ذكرها لي عند الانتباه، لأنها لاتجد مثل وجدي، فلا الذكر يهيج الشوق، ولا الفكر يجدد الطيف. وهذا الكلام تشك منه وتعتب على صاحبته، يدل عليه قوله " فشقت على صحبي "، يعني الخيال؛ وذاك لأنه لما سهر بعث أصحابه على النهوض معه والانبعاث في السير مساعدين له، فهذا معنى الشقة عليه. وقوله " وعنت ركائبي " جمع ركوبة، وهي تجري مجرى الأسماء في انفرادها عن الموصوف، لايقال ناقة ركوبة. والمعنى: أتعبت رواحلي، لأن أزعجتها للسير، وبعثتها من القرار، وحلت بينها وبين الراحة. وقوله " وردت على الليل قرناً أكابده " أي جعلتني ممتطياً لليل، ومتخذاً قرناً لي أزاوله وأجاذبه، أي أشاقه وأناصبه. وأصله من الكبد، في قوله تعالى: " لقد خلقنا الإنسان في كبد "، أي في شدة ومشاقة. وقال الخليل: يقال كابدت ظلمة الليل بكابد شديد، أي مكابدة شديدة. وكل هذا الكلام تبجح منه عندها بأنها تملكه على غفلتها عنه، وانفراده بالبث فيها، فخيالها يصرفه التصريف الذي وصف. وانتصب قرناعلى الحال.
وقال آخر:
أثنى على بما لا تكذبين به ... يا بكر أي فتى للضيف والجار
إني أجاور ما جاورت في حسبي ... ولا أفارق إلا طيب الدار
قوله " بما لاتكذبين به " أي لاتصادقين بذكره كاذبة. يقال: خبرني فلان فأكذبته، أي وجدته كاذبا. والمعنى: ليكن ثناؤك على حقا، وبما لايستسرفه معه ولا يستنكره مخبره. ثم علمها فقال: قولي يا بكر، أي فتىً كنت للجار إذا استجار، والضيف إذا استضاف.
стр. 1158
وقوله " إني أجاور ما جاورت في حسبي "، يريد أن من صاحبته مجاوراً له يجدني حسيباً في فعالي، كريماً عند مقالي. هذا مدة الجوار، ثم إن فارقته فارقته والدار تنطق بالثناء علي، فأخباري تستطاب في السماع إذا شهدت. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
إذا كنت في دار فحاولت تركها ... فدعها وفيها إن رجعت معاد
وقوله في حسبي أي معي حسبي، فموضعه نصب على الحال. وإذا جاور ومعه حسبه منعه مما لايحسن. ألا ترى قوله تعالى في صفة المؤمنين: " وإذا مروا باللغو مروا كراماً "، أي الكرم منهم من التعريج على اللغو. ويقال: جاءنا فلان في درع، أي عليه درع، والعامل فيه لا أفارق. وقوله " أي فتى " مبتدأ وخبره مضمر، كأنه قال: أي فتى أنت؟ وقد جعل الطيب كنايةً عن الكريم؛ على ذلك قوله تعالى: سلام عليكم طبتم فادخلوها، أي كرمتم.
وقال آخر:
كم من لئيم رأينا كان ذا إبل ... فأصبح اليوم لامعط ولا قار
ولويكون على الحداد يملكه ... لم يسق ذا غلة من مائه الجاري
كم موضعه نصب على المفعول من رأينا. يريد: رأينا كثيراً من اللئام يملكون نفائس الأموال وكرامها، ثم ماتوا عنها أو أزيلت نعمهم وحيل بينهم وبينها، فصاروا من بعد لا هم معطون ولا فارون، أي عادوا وقد تغيرت حالهم، فلا يرجى ذلك من جهتهم. وقوله فأصبح اليوم وكان ذا إبل، كل ذلك مردود على لفظ لئيم، وإن كان من حيث المعنى يفيد الكثرة.
وقوله ولو يكون على الحداد، يريد: ولو ولى فيض الحداد، وهو اسم بحر، ممتلكاً له أيام غناه لما برد غليل رجل حران، ولا سقاء ماء لفيه، لبخله وقسوة قلبه. ومعنى على الحداد، أي متولياً له ومدبراً أمره، يقال: من عليكم؟ أي من يأمر عليكم ويلكم. وإذا كان كذلك فقوله على الحداد يتم الكلام به، لأنه خبر يكون،
стр. 1159
ويملكه في موصع النصب على الحال. وقوله لا معط معط في موضع المبتدأ كأنه قال: لا هو معط. والكلام بعث على البذل والسخاء، وأن المال في الدنيا بعرض الحوادث ملقي، وعلى طريقي النوائب، فلا يبقى لمالكه، كما أن مالكه لا يبقي له، فما يقدمه في اجتلاب شكر واكتساب أجر هو الباقي له، دون ما يخلفه فيقتسمه الوارث بعده فائزين به وذامين له.
وقال حسان بن ثابت
المال يغشى رجالاً لا طباخ لهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي
أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودي فأجمعه ... ولست للعرض إن أودي بمحتال
قوله لا طباخ لهم، أي لاخير عندهم. ويقال: هذا لحم لا جباخ له، أي لا دسم له. وشاب مطبخ، أملاً ما يكون شباباً وأرواه. وطبخ الغلام، إذا ترعرع وعمل. والدندن: المسود من الكلاء لقدمه ويبسه. والمعنى أن المرء لا يؤتى الغنى لفضل فيه وغناه لديه، وإنما ذلك لمقادير قدرت على حسب ما عرفه الله تعالى جده، وهو الذي يغني ويقني من مصالح خلقه. وإذا كان كذلك فقد يتفق حصول المال عند من لا يستحقه بفضل أوتيه، أو ذمام وجب له، بل يكون كالسيل يمتد من المذانب والتلاع حتى يقف حاصلاً في أصول يابس الكلاء ومسوده، في أنه لا ينتفع به ولا يرد خيراً على جامعه، كما لا ينتفع الدندن البالي بما يغشى أصوله من ماء المطر. وفي مثل هذا قول الراعي:
وخادع المجد أقوام لهم ورق ... راح العضاه به والعرق مدخول
وقد أخذ أبو تمام هذا المعنى فقال وأحسن:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي
стр. 1160
وقوله أصون عرضي بمالي، يريد أني أجعل المال واقية لحسبي ونسبي، فأصونه ولا أدنسه بتثميره وتوفيره، وإن تقلدت العار له واكتسبت الإثم الفاحش في، فلا بارك الله في المال بعد النفس، لأن المال يحتاج إليه لتنتفع به النفس، ولتتنزه عن المعايب والمقاذر بإنفاقه. فأما قوله بارك فأصله من اللزوم، ومنه برك البعير، إذا لزم مكانه. فمعنى بارك الله فيه: بقاه الله. وعلى ذلك قول المسلمين: تبارك الله: أي بقي ودام، فهو تفاعل في معنى فعل لا تكلف فيه، تعالى الله عن ذلك. وقوله أحتال للمال إن أودي فأجمعه، يريد أن المال إذا استهلكه منفقه أمكن الاعتياض منه، ونفذ الاحتيال في جمعه وتثميره، وإذا هلك العرض فلا طريق إلى رده إلى ما كان عليه، ولا استطاعة في تنقيته من درن العار وقد جعل وقاية للمال.
وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي
دعوت إليها فتية بأكفهم ... من الجزر في برد الشتاء كلوم
إذا ما اشتهوا منها شواء سعى لهم ... به هذريان للكرام خدوم
فإلا أكن عين الجواد فإنني ... على الزاد في الظلماء غير شتيم
وإلا أكن عين الشجاع فإنني أرد سنان الرمح غير سليم
إليها، يعني إلى راحلته. وجعل الفتية مكلومي الأكف عندما يتولونه من قسمة الجزور وتفصيل أوصالها، لأنهم لا يهتدون إلى المفاصل، ولم يزاولوا نحر الإبل وجزرها قبل ذلك. فيقول: جمعت على قسمة ناقتي فتياناً قد تكلفوا ما دعوتهم إليه تكرماً، وإن لم يكن ذلك من شأنهم، ولا صار منهم ببال، لكن شدة الزمان، وتناهي الضر في الجيران وطوائف الناس فرض على أمثالهم تجشم فعله لهم، وحسن توليه فيهم.
стр. 1161
وقوله إذا ما اشتهوا منها شواء، يريد: زإذا انبسطوا للتناول وتواضعوا وأظهروا في المعاون اهتزازهم فنشطوا، سعى في اتخاذ الشواء لهم وتهيئته رجل خفيف السعي، كثير الألطاف، حسن الخدمة للكرام، عارف برسومهم في اكتساب المكرمات. ويعني به نفسه.
وقوله: فإلا أكن عين الجواد، يريد إن لم أكن كل الجواد والجامع لأسباب السخاء، فإنني لا أشتم في الظلماء بعلة الزاد وحبسه عن مريده؛ وإن لم أكن حق الشجاع، والتام الآلات في المصاع، فإني أجر الرمح في المطعون وأرد سنانه كسرا. وليس الجود ولا الشجاعة إلا ما ذكره، ولكنه أراد أن تكون دعواه قاصرة عن الغاية المرموقة، ليكون أحسن في الأحدوثة، وأدخل في العقل، وأقرب في الذكر. وقد مر القول في مثله في باب الحماسة أشبع من هذا.
والهذريان والهيذار: الكثير الكلام فيما يحمد. والهذر والمهذار: الكثير الكلام في كل باب.
وقال آخر:
وسع بمدك ماء اللحم تقسمه ... وأكثرالشوب إن لم يكثر اللبن
وسع به وتلت حول حاضره ... إن الكريم الذي لم يخله الفطن
قوله بمدك مصدر مددت القدر، إذا أكثرت مرقها. ويقال: مددت الدواة أيضاً، إذا كثر مرق قدرك ليتسع لغاشيتها، وأكثر خلط اللبن إن لم يكثر في نفسه ولم يتسع لوارده. والشوب: مصدر شاب يشوب، إذا خلط وهذا مثل ما سار به المثل، وهو مثل الماء خير من الماء. وأصله أن رجلاً استسقى غيره لبناً، فقال: إنه مثل الماء، أي فضلة بقيت من لبن مشوب. فقال المستسقي: مثل الماء خير من الماء. يريد أن المشوب من اللبن خير من الماء القراح. ومثله قول الآخر:
نمد لهم بالماء من غير هونهم ... ولكن إذا ما ضاق شيء يوسع
وقوله وسع به وتلفت حول حاضره يريد كثره والتفت فيمن حولك من جار ومحتاج، ولا تنتظر بما تفرقه السؤال والطلب، ولكن ليكن من نفسك باعث على
стр. 1162
تمييز المحتاج، والنظر له، والإفضال عليه؛ لأن الكريم هو الذي لا يخليه فطنه، والتفاته ونظره. واللؤم: سوء التغافل.
وهذا كما قال الآخر:
إن الكريم من تلفت حوله ... وإن اللئيم دائم الطرف أفود
وقال آخر
إذا هي لم تمنع برسل لحومها ... من السيف لاقت حده وهو قاطع
ندافع عن أحسابنا بلحومها ... وألبانها إن الكريم يدافع
ومن يقترف خلقاً سوى خلق نفسه ... يدعه وترجعه إليه الرواجع
قوله إذا هي لم تمنع، يعني الإبل. فيقول: إذا لم يكن في النوق لبن تحمي نفوسها به من العقر عند نزول الضيفان لاقت حد السيف وهو يجزرها ويقطعها. ومثله قول الآخر:
وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها ... على الضيف يجرح في عراقيبها نصلي
وأبلغ منهما قول الآخر:
فتى لا يعد الرسل يقضي ذمامه ... إذا نزل الأضياف أو تنحر الجزر
وقوله ندافع عن احسابنا بلحومها، يريد بإطعام لحومها، وسقى ألبانها لأن عادتنا تفرض علينا المدافعة عن الكرم، والمحاماة على الشرف، وذلك خلقنا الذي ننشأ عليه، وننبت فيه، ومن يتعاط خلقاً مستجداً مخالفاً لما ألفه وتعوده يفارقه ويرجع إليه الخلق الأول. ومثله قول الآخر:
كل امرىء راجع يوماً لشيمته ... وإن تخلق أخلاقاً إلى حين
والقرف يكون من الذنب والجرم، يقال: هو يقترف ذنباً، أي يأتيه ويفعله، ويقال أيضاً: هو يقترف لعياله، أي يكتسب. واقترف حسنة، أي اكتسبها. وقوله:
стр. 1163
وترجعه إلى الرواجع، يقال: رجع فلان من كذا رجوعاً، ورجعته أنا رجعاً، ومثله صد وصددته، وكسب وكسبته.
وقال مضرس بن ربعي
وإني لأدعو الضيف بالضوء بعدما ... كسا الأرض نضاح الجليد وجامده
لأكرمه إن الكرامة حقه ... ومثلان عندي قربه وتباعده
أبيت أعشيه السديف وإنني ... بما قال حتى يترك الحي حامده
يقول: إني أدعو الضيف بإيقاد النار وإعلاء ضوئها، عند اشتداد البرد، وامتساء الأرض من جامد الماء، ومنتضح الجليد أي نداه الذي يبسه البرد، لأقضى حقه بإكرامه وإلطافه. والنضح كالنضح، إلا أن النضح له أثر. والعين تنضح بالماء، وكذلك الكوز. والنضيح: العرق، لأن جرم الإنسان ينضح به. وسمى أبو ذؤيب الهذلي ساقي النخل نضاحاً، كما سمى البعير الذي يستسقي عليه الماء: الناضح، فقال:
.....................كما ... يسقي الجذوع خلال الدور نضاح
وقوله ومثلان عندي قربه وتباعده، يريد في النسب. أي يتساوى عندي تمازحه وتواشجه، وتنائيه وتباينه؛ لأن الواجب له على أقيمه لا أتحمد لذلك عليه، لأن إكرام الضيف فرض على ذي المروءة، ومسقط الفرض عن نفسه لا يستحق من الناس اعتداداً.
وقوله أبيت أعشيه السديف فالسديف: شحم السنام. والمراد: أبقى ليلتي مطعماً له خيار ما عندي ويحضرني من شطب السنام، ثم إن اقترح على شيئاً أعده نعمة تتجدد له يستوب منى حمداً وشكراً عليها، وذلك له طول مقامه إلى أن يفارقني، ويترك عشيرتي.
وقال حماس بن ثامل
ومستنبح في لج ليل دعوته ... بمشبوبة في رأس صمد مقابل
стр. 1164
فقلت له أقبل فإنك راشد ... وغن على النار الندى وابن ثائل
المشبوبة: النار، وتوسعوا فقيل: شببت الحرب، كما قيل شببت النار. ولج الليل: معظم ظلمته، وكذلك لج البحر. والصمد: الجبل أو الأرض المرتفعة. جعل ناره في يفاع مقابل لسمت الضيف، فدعاه بها لما أعلاها ورفعها حتى اهتدى لها. وهذا مثل ما قد شرحته.
وقوله فقلبت له أقبل فإنك راشد أي قويت نفسه في النزول، وأريته استبشاري له وانتظاري إياه. ألا ترى أنه قال: وإن على النار الندى وابن بامل. ولولا اشتهاره بالطول والإفضال لما قال ذلك. وهذا مثل قول الأعشى:
وبات على النار الندى والمحلق
وداع دعا بعد الهدو كأنما ... يقاتل أهوال السري وتقاتله
دعا بائساً شبه الجنون وما به ... جنون ولكن كيد أمر يجاوله
يعني بالداعي مستنبحاً طلب بعد أن مضى من الليل قطعة من يغيثه ويستنقذه من هول الليل، وبلاء الضر، حتى كأنما كان يقاتل أسباب السري لشدة الأمر عليه، وتقاتله، أي بلغ الحال به حداً رأى السري تغالبه عن نفسه، وتصارعه عنها.
وقوله دعا بائساً يعني كلباً ذا بؤس لضرر القحط، ويكون على هذا مفعولاً. ويجوز أن ينتصب على الحال للداعي، أي دعا وهو ذو بؤس. ويجوز أن يريد دعا دعاء عن بؤس يشبه الجنون. فأما تكريره للدعاء فهو لتهويل الأمر وتفظيع الشأن. وانتصب شبه الجنون أي دعاء يشبه الجنون، فهو صفة للمصدر المحذوف. قال: وليس به جنون، لكنه يكابد أمراً، ويعاني مشقة وضراً، فهو يطلب الخلاص من محنة
стр. 1165
لا طريق للمخلص الا على ذلك الوجة. وتحقيق الكلام: ليس به جنون، ولكن به كيد أمر يطلب دفعه والسلامة منه.
فلما سمعت الصوت ناديت نحوه ... بصوت كريم الجد حلو شمائله
فأبرزت ناري ثم أثقبت ضوءها ... وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
يقول: جمعت في تلقيه وإغائته بين الأسباب التي يستنزل بها الضيف، ويستقبل بها الجيران؛ لإشالته من صرعته، واشتلائه من محنته، فناديته بنفسي على رفع من صوتي، وهو صوت رجل كريم الأصل، حلو الطبائع، سهل الجانب، حسن الاشتمال على الضيف، وجعلت ناري في براز، وهو المرتفع من الأرض. ومثل البراز البرز. وقال:
يظل على البرز البفاع كأنه
قال: ثم أيدتها بثقوب يرتفع الضوء له، ويقوى به، وأخرجت كلبي من مقره، وهو لشدة البرد ملازم للبيت لا يخرج، كل ذلك فعلته تقريباً للأمر على الضيف، وتسهيلاً لهدايته. وقوله وهو في البيت داخله في البيت موضعه خبر الابتداء وليس بلغو، وداخله خبر ثان، والهاء من داخله يعود إلى البيت كأنه قال: وهو مستقر في البيت داخل فيه، ولا يمتنع أن يكون داخله في موضع البدل من قوله في البيت، ويكون كقولك زيد داخل البيت وخارجه.
فلما رآني كبر الله وحده ... وبشر قلباً كان جما بلا بله
فقلت له أهلاً وسهلاً ومرحباً ... رشدت ولم أقعد إليه أسائله
يقول: لما رآني هذا الضيف قال: الله أكبر! استبشاراً واغتباطاً بما تعجل له من الفرح، وفرح قلباً كانت غمومه مجتمعة عليه يأساً من الخير في مثل مكانه، وطمعاً فيما يستبقيه من حياته؛ فقلت له: أتيت أهلاً لا غرباء، ووردت سهلاً من الأفنية لا حزناً، وتعمدت رحباً من الأماكن لا ضيقاً، وصحبت الرشاد في عدولك إلى لا الضلال، ورافقت السعادة لا الشقاء والهلكة، ولم أقعد إليه مسائلاً عن أخباره وعما أداه إلى أرضي في انتقالاته، بل عمدت إلى الاحتفال له، وقصرت سعيي على ما يقتضيه إنزاله، وعلى تهيئة القرى والأنزال له. وانتصب وحده علىالمصدر، لأنه موضوع موضع الإيجاد، أي أوحد الله إيحاداً.
стр. 1166
فقمت إلى برك هجان أعده ... لوجبة حق نازل أنا فاعله
بأبيض خطت نعله حيث أدركت ... من الأرض لم تخطل على حمائله
يقول: وقمت إلى إبل باركة بالفناء، كريمة بيض، أعدت لواجب حق ينزل بي. وزاد الهاء في وجبة للمرة الواحدة، ويجوز دخولها لهذا المعنى في المصادر كلها، وقد شرحت القول في لفظه هجان ووقوعه بلفظه للواحد والجمع. وقوله بأبيض تعلق الباء منه بقوله قمت. واللام من قوله لوجبة حق متعلق بقوله أعده، وموضع الجملة صفة للبرك، كما أن قوله أنا فاعله صفة للحق. والمعنى: قمت وقد تقلدت سيفاً مصقولاً، تخط حديدة جفنه في الأرض إذا أدركتها خطأ؛ وليس ذلك لأن حمائله اضطربت علي أو قصرت قامتي عن ارتدائها لطولها، ولكن تختط حيث تدرك، لارتفاع أرض أو عارض حال. والحمائل: جمع الحمالة. وإذا طال النجاد خطل على لابسه واضطرب. وافتخارهم بامتداد القامة وطول الحمالة معروف. والنعل: الحديدة التي يغشى بها أسفل الجفن. وعلى ذلك قوله:
طويل نجاد السيف ليس بجيدر
فجال قليلاً واتقاني بخيره ... سناماً وأملاه من الني كاهله
بقرم هجان مصعب كان فحلها ... طويل القرى لم يعد أن شق بازله
قوله جال قليلاً انتصب قليلاً على الظرف، أي زمناً قليلاً. وفاعل جال هو البرك. ويجوز أن ينتصب قليلاً على انه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: جال جولاً قليلاً؛ فأقام الصفة مقام الموصوف. لأن المراد مفهوم. والمعنى: لما بصر البرك بي ثارت من مباركها، لما يغشاها من الخوف المعتاد لها واضطربت، ثم انقتني - أي جعلت بيني وبينها - بأتمكها سناماً، وأملاها من الني كاهلاً. والني: الشحم واللحم. وانتصب سناماً على التمييز. وارتفع قوله كاهله بفعل مضمر دل عليه وأملاه، كأنه قال وأملاه من الني قال امتلأ كاهله. ويشبه قول الآخر في إضمار الفعل، وإن كان ناصباً وذاك رافعاً،
стр. 1167
وهو:
وأضرب منا بالسيوف القوانسا
وانتصاب القوانس بفعل مضمر دل عليه وأضرب منا، كما ان ارتفاع الكاهل بفعل دل عليه: وأملاه. وقوله بقرم هجان أعاد حرف الجر فيه، وهو بدل من قوله: بخيره سناماً. ومثله في إعادة حرف الجر في المبدل قوله تعالى: " قال الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ". والهجان، وصف به الواحد هاهنا، فهو في زنة قولهم: ناقة دلاث، وخمار. وفي قوله برك هجان وصف الجمع به، فهو كظراف وحسان. والمصعب: الفحل الكريم الذي لا يبتذل في العوارض، بل يقصر على الفحلة. وقال الخليل: هو الذي لم يركب قط ولم يمسه حبل. ويقال أصعب الفحل فهو مصعب، وبه سمى الرجل إذا كان مسوداً مصعباً. وقوله كان فحلها رجع الضمير إلى البرك، أي كان هذا القرم فحل هذه البرك، وهو طويل الظهر لم يتجاوز بازله أن انشق اللحم عنه. يعني أنه كان في غاية ما يراعي من شبابه وقوته. والبزول: في السنة التاسعة. والمعنى أنه لم يعد هذه الحالة إلى ما وراءها، فكان يضعف.
فخر وظيف القرم في نصف ساقه ... وذاك عقال لا ينشط عاقله
بذلك اوصاني أبي وبمثله ... كذلك أوصاه قديماً أوائله
خر: سقط، يخر خروراً. وخر الماء يخر خريرا. في الطلام إضمار، كأنه قال اتقاني بخيره فعرقبته فخر وظيفه. ويروى: فحز وظيف القرم في نصف ساقه، وفاعل حز يكون السيف، أي عقرتها فعمل السيف في وظيفة وأندره من نصف ساقه، وذلك شد عاقله لا ينشط، أي لا يحتاج إلى إحكامه وإبرامه لأنه لا يقع إلا مبرماً. ويقال نشطت العقد تنشيطاً، إذا أحكمته؛ وأنشطته، إذا حللته. وعقد عليه بأنشوطة، إذا جعله مهيئاً للحل مقربا أمره فيه. ومما يجري مجرى المثل: " كأنما أنشط من عقال ". وذكر بعضهم أن الشاعر سها فوضع نشط موضع أنشط؛ لأن المراد ذاك عقال
стр. 1168
عاقله لا يحله ولا ينقض مايبرم منه. وكلام الشاعر سليم من العيب قويم. والمعنى فيه ما ذكرت. وقوله بذلك أوصاني أبي وبمثله، يعني في أمر الضيف أتي، بذا الفعل الذي وصفت وصاني أبي وبما يماثله. ثم قال: كذلك أسلافه أوصوه قديماً. وموضع كذلك نصب على الحال، وانتصب قديماً على الظرف، والمعنى أني لم أرث ذلك عن كلالة، وإنما ورثناه أباً عن أب وخلفاً عن سلف.
وقال النابغة الذبياني
له بفناء البيت سوداء فخمة ... تلقم أوصال الجزور العراعر
بقية قدر من قدور تورثت ... لآل الجلاح كابراً بعد كابر
تظل الإماء يبتدرن قديحها ... كما ابتدرت سعد مياه قراقر
أراد بالسوداء قدراً. والفخمة: الضخمة. تلقم: تحتوي وتبتلع لعظمها أعضاء الجزور موفرة. والعراعر: الضخم السمين، وجمعه عراعر، بفتح العين. ومثله جوالق وجوالق. وعرعرة الجبل: معظمه. فيقول: لهذا الرجل بإزاء القوم وفناء الدار منهم، قدر هذه صفتها من العظم، وتضمن أعضاء الجزور موربة لم تنتقص، وهي بقية قدر من قدور تورثت من أسلافهم آل الجلاح كبيراً بعد كبير، ورئيساً بعد رئيس، ولم يوجد كابرا في معنى كبير إلا في هذا المكان. وقد بين بذكر لفظة بعد أن عن في قوله كابراً عن كابر بمعنى بعج. وكان أبو علي ﵀ يقول قولهم كابراً ليس باسم الفاعل، كالقاعد والقائم والجالس، وإنما هو اسم صيغ للجمع، كالباقر والجامل. والمراد كبراء بعد كبراء.
وقوله تظل الإماء يبتدرن قديحها، يريد وقت القسمة، أي يستبقين طول النهار إليها، وإلى تناول الغرفات منها، استباق بني سعد مياه هذا المكان. وقراقر: موضع فيه ماء لقضاعة، وهو فراطة بين أحيائهم، أي شرع لا تناوب فيه، بل يفوز، بل يفوز السابق إليه. فشبه تبادر الإماء نحو القدر بتبادر بطون سعد إلى تلك المياه. والقديح: فعيل بمعنى مفعول، وهو المرق المقدوح.
стр. 1169
وقال الفرزدق
وداع بلحن الكلب يدعو ودونه ... من الليل سجفا ظلمة وغيومها
دعا وهو يرجو أن ينبه إذ دعا ... فتى كابن ليل حين غارت نجومها
بعثت له دهماء ليست بلقحة ... تدر إذا ما هب نحساً عقيمها
قوله داع بلحن الكلب، يعني مستنبحاً تكلف نبيح الكلب في صوته، ولحن لحنه، وفعل ذلك إذ حال بينه وبين المناظر من الليل ستران من الظلم، والتباس الغيوم. وإنما قال سجفا ظلمة وغيومها تأكيداً، كما قيل: " ظلمات بعضها فوق بعض " ولهذا لم يرض بذلك حتى أضاف إليه ظلمة السحاب أيضاً المغطية للكواكب.
وقوله دعا وهو يرجو أن ينبه إذ دعا، يقول: استنبح، وهو يؤمل أن ينتبه لدعائه وينبعث فتى كغالب، حين غارت النجوم بالليل، والأهوال متراكمة، وظلم الليل والسحاب متراكبة، واستيدت فرج السماء وآفاق الجو. كأن الضيف تمنى أن يتفق له إجابة كإجابة غالب، وهو ابن ليلى، فاتفق أن هيىء له إجابة الفرزدق. يشهد لذلك قوله: بعثت له دهماء، يعني بها قدراً. وكشف عن مراده بقوله ليست بلقحة، أي ليست هي بناقة، وإنما هي قدر تدر مرفتها إذا هب عقيم الرياح بالنحس. ويعني به الدبور، لأنها لا تلقح، وبها هلكت الأمم السالفة. وجواب رب المضمرة في قوله داع قوله بعثت له دهماء. وقد اعترض بينهما بيت.
كأن المحال الغر في حجراتها ... عذارى بدت لما أصيب حميمها
غضوب كحيزوم النعامة أحمشت ... بأجواز خشب زال عنها هشيمها
محضرة لا يجعل الستر دونها ... إذا المرضع العوجاء جال بريمها
جعل المحال، وهي فقر الظهر، والواحدة محالة، في نواحي القدر وجوانبها لسمنها وبياضها مع تضمن القدر السوداء لها، وإحاطتها بها، كأبكار النساء، وقد لبسن ثياب السلاب لما أصبن بحميمهن، فيبدون بيض الوجوه، سود الثياب. وقد أحكم القول في أصل عذارى في غير هذا الموضع.
стр. 1170
وقوله غضوب، يريد غليانها وهزتها، ثم شبه إشرافها بحيزوم النعامة، كما قال الآخر:
نعامة حزباء تقاصر جيدها
وجعلها قد أوقد تحتها النار بحطب جزل أفرد عنها دقاقها وا تهشم من ورقها، والقصد في هذا إلى تعظيم النار الموقدة تحتها لكبرها.
وقوله محضرة أي لا يمنع منها أحد ولا تقنع بما يسترها عن العيون إذا أمحل الزمان، واشتد القحط، وصارت المرأة المرضع قد اعوج خلقتها فجال عليها وشاحها، لانحسار اللحم عنها، وتأثير الهزال فيها. والبريم: خيط يفتل من صوف أبيض وأسود يشد في أحقى الصبيان لتدفع العين به عنها. وثل ما وصف قول الراعي:
إن أقسم قدري وهي بارزة ... إذ كل قدر عروس ذات جلباب
وقوله: إذا المرضع العوجاء جال بريمها ظرف لقوله محضرة، أو لقوله لا يجعل الستر دونها وفيهما جواب إذا. والحجرات: النواحي، واحدتها حجرة، ويقال: قعد حجرة، فيجعل ظرفاً. وإحماش النار: إلهابها. وأحمشت القدر، إذا أشبعت وقود النار تحتها حتى تغلى، ومنه حمش الشر والغضب، إذا اشتد. وقوله بأجواز خشب، جوز كل شيء: وسطه. وإنما أراد الغلاظ من الحطب.
وقال شريح بن الأحوص
ومستنبح يبغي المبيت ودونه ... من الليل ظلمة وكسورها
رفعت له ناري فلما اهتدى بها ... زجرت كلابي أن يهر عقورها
فبات وإن أسرى من الليل عقبة ... بليلة صدق غاب عنها شرورها
стр. 1171
يريد: رب مستضيف بالنباح يطلب لنفسه مكاناً يبيت فيه، وقد سقط عنه كلف السير، وأسباب الجهد، وحجز بينه وبين الليل سجفاً ظلمة وكسورها. والسجف: الستر، وتكسر السين منه وتفتح. والكسور: جمع الكسر، وهو جانب البيت. قال الخليل: الكسر والكسر: الشقة السفلى من الخباء، يرفع أحياناً ويرخي أحياناً، وكذلك من كل قبة وغشاء، حتى يقال لناحيتي الصحراء كسراها. ولما استعار السجف لتراكم الظلمة استعار الكسور لها أيضاً، كأنه جعل الليلة كالبيت لظلامها وقد أرخى سجفاه وألبس كسراه، فأظلم داخله. وجواب رب قوله فعت له ناري، والواو من قوله ودونه واو الحال. وقوله فلما اهتدى بها يريد لما رفعت النار فأبصرها وأقبل نحوي منعت كلابي من أن يهر في وجهه عقورها. والعقور، يريد به السيئة الخلق منها، المولعة بالعقر. فإن قيل: ولم يجعل في كلابه العقور حتى احتاج إلى زجره عن ضيفه؟ قلت: كأنه كان في الكلاب ما لم يكن يلزم الفناء، وإنما يكون مع الراعي في السرح للحفظ، فاتفق أن حضر مع كلاب الحي، فلذلك احتاج إلى زجره.
وقوله فبات وإن أسرى من الليل عقبة خبر بات بليلة صدق وجواب إن الجزاء ما اشتمل عليه البيت. فيقول: مكث الضيف عندي في ليلة صدق لا نحس فيها ولا شر، والراحة تعاوده، والسلامة تلزمه وتتلقاه، وإن كان قد سرى عقبة منها، أي طائفة. وانتصب عقبة على الظرف، وأصلها أن يتعاقب اثنان على البعير، فإذا ركب أحدهما مشى صاحبه، ثم كثر استعماله فأجرى مجرى النوبة والفرصة، فيقال: سار عقبة كم يقال سار نوبة. وقال الخليل: العقبة فرسخان؛ وهما يتعاقبان الركوب بينهما. وقوله أن يهر في موضع النصب على البدل من كلابي. وقد تقدم القول في ليلة صدق وما أشبهه:
وقال مسكين الدرامي
كأن قدور قومي كل يوم ... قباب الترك ملبسة الجلال
كأن الموفدين لها جمال ... طلاها الزفت والقطران طال
بأيديهم مغارف من حديد ... أشبهها مقيرة الدوالي
стр. 1172
جعل قدور قومه متبجحاً بها، منصوبة في كل وقت. وجعلها لكبرها مشبهة بخر كاهات الترك وقد جللت وألبست أغطية سوداء. وقوله كأن الموفدين لها، يريد المزاولين لها في نصبها وإنزالها، وطبخها وتهيئتها. والموفد: المشرف على الشيء العالي له. وانتصب ملبسة الجلال على الحال. وشبه الموفدين في سواد ثيابهم وتدنسها بالغمر وتلطخها بالدرن بجمال مطلية بالقطران. والزفت، عهو القار، وقال الدريدي: أصله معرب، وقد تكلمت العرب به كثيراً، وفي الحديث: نهى عن الدباء والمزفت. ويقال: طلاه كذا وبكذا، فهو مطلي.
وقوله بأيديهم مغارف من حديد جعل القدور كالأنهيار او البحور، والمغارف لها كالدوالي المقيرة، لاحتمالها الماء من الأنهار وصبها إلى أعاليها. وجعل المغارف سوداً لما علق بها في الممارسة من سواد القدور والنار، ومن زهومة اللحم والشحم. وقوله أشبهها مقيرة الدوالي، يقال: شبهته كذا وبكذا. وموضع الجملة رفع على الصفة للمغارف.
وقال آخر:
أعاذل بكيني لأضياف ليلة ... نزور القرى أمست بليلاً شمالها
أعامر مهلاً لا تلمني ولا تكن ... خفياً إذا الخيرات عدت رجالها
بكيني، أي أكثري البكاء لي وكرريه، من أجل أضياف ليلة قليلة القرى، لإمساك الناس عن الإنفاق، وإعوازهم الزاد، وقد أمست ريح الشمال فيها ذات بلل وشفان للندى البرد، فإذا ورودوا فقدوا حسن تفقدي لهم، وتوفري عليهم. وقوله أعامر مهلاً جمع على نفسه لائمة ولائماً، فيقول: يا عامر رفقاً في عتبك علي، ولومك إياي، واقتج بي في طلب السمو والاستعلاء على الأفران. فأما انتقاله عن ذكر اللائمة إلى مذكر، فمثله قول تأبط شرا:
يامن لعذالة خذالة أشب ... حرق باللوم جلدي أي تحراق
стр. 1173
ثم قال:
عاذلتا إن بعض اللوم معنفة ... وهل متاع وإن أبقيته باق
والمراد بيان تعاون العشيرة في اللوم والإنكار، وتساعد رجالهم ونسائهم على الوعظ والإنذار. وقوله ولا تكن خفياً، يريد اتخذني إسوة واعمل على أن تكون ساكي الذكر، عالي الصيت، حتى لا يخفي إذا عدت رجال الخيرات أمرك، ولا ينمحي إذا بانت الصالحين أثرك. وأشار بالخيرات إلى الخصال الصالحة والخلال الشريفة. وواحدتها خيرة. وليست هذه التي تكون في موضع أفعل من كذا ومعناه، كقولك فلان خير من فلان، بل هي الواردة في قوله : " فيهن خيرات حسان ". وفي قول الشاعر:
وأمها خيرة النساء علي ... ما خان منها الدحاق والأنم
أرى أبلي تجزي مجازي هجمة ... كثير وإن كانت قليلاً إفالها
مثا كيل ما تنفك أرحل جمة ... ترد عليهم نوقها وجماله
قوله أرى إبلي تجزي يقول: أجد إبلي تقضي عني وتحصل في النيل منها وتورد الحقوق إياها محاصل هجمة، وهي القطعة من الإبل بين الستين إلى المائة. والجزية من هذا، وهي الخراج الموضوع، لأنها قضاء لما عليه أخذ. وفي القرآن: " واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً "، أي لا تقضي ولا تغنى. وفي الحديث: " كان رجل يداين الناس، وله كاتب ومتجاز ". وقوله: وإن كانت قليلاً إفالها، يريد وإن كانت ضعيفة النسل، قليلة العدد. والإفال: صغار الإبل واحدها أفيل، وإنما قلت إفالها لذهاب التثمير والزكاء عنها، ولكونها محبسة بالأفنية، مقصورة على الحقوق، مصروفة إلى أرزاق العفاة. يشهد لذلك قوله مثاكيل، وهي جمع مثكال: التي تثكل أولادها كثيراً؛ لأن ربها يفصل دائماً بينها وبين أولادها بالنحر تارة وبالهبة أخرى. وقوله ما تنفك أرحل جمة، أي لا تزال أرحل جماعة منزله. وفي الحديث: " إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال ". أي لا يزال مأوى جماعة تصرف إليهم إذا وردوا ذكورها وإناثها. أما إناثها فللحلب، وأما ذكورها فللنحر.
стр. 1174
وأصل الجمة الجماعة ترد في سؤال تحمل الديات عنهم إذا ثقلت، أو السعي في صلح أو الدم بين عشائر. قال:
وجمة تسألني أعطيت
وجعله اسم الجماعة من الناس وإن وردوا لغير ذلك القصد.
وقال جابر بن حباب
وإن يقتسم مالي بني ونسوتي ... فلن يقسموا خلقي الجميل ولا فعلي
أهين لهم مالي وأعلم أنني ... سأورثه الأحياء، سيرة من قبلي
وما وجد الأضياف فيما ينوبهم ... لهم هند علات الزمان أبا مثلي
يقول: إن اقتسم مالي لأولادي وأزواجي وبناتي، وفازوا بما أخلفه فيهم فلن يقتسموا ما تفردت به من خلق كريم أعده لزواري، وفعال شريف أقيمه لعفاتي، وأديمه لمن يعتلق حبلى، أو يتصل سببه ونسبه بسبب ونسبي. وقوله أهين لهم مالي، يريد أني أبذله وأبتذله، لعلمي بأن ما أبقيه للأحياء سيرة من تقدمني فليس بمال لي، وأن الذي يختص بملكي هو ما أتولى تفريقه وإنفاقه في الوجوه المحمودة عندي. وانتصب سيرة على المصدر مما دل عليه قوله سأورثه الأحياء، كانه قال: أسير فيما أتركه من مالي سيرة أسلافي والناس قبلي. يقال: سار سيرة حسنة؛ يشار بها إلى الحال في السيرة المعتادة. ثم أجرى مجرى الشيم والعادات. وقال القطامي:
وسارت سيرة ترضيك منها ... يكاد وسيجها يشفي الصداعا
وقوله وما وجد الأضياف فيما ينوبهم، يريد بيان مكانه من مآرب أضيافه، وأنهم لا يعتاضون فيما ينوبهم عند الزمان وتغيره وإمكان العلات في البخل وأهله اباً مثله إذا فقدوه. وجعل نفسه أباً على عادتهم في تسمية المضيف أبا المثوى. على
стр. 1175
ذلك قال أبو العيال الهذلي:
أبو الأضياف والأيتا ... م ساعة لا يعد أب
ويجوز أن يكون المراد بعلات الزمان تحوله وتبدله.
وقال حاتم
وعاذلة قامت علي تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها
أعاذل إن الجود ليس بمهلكي ... ولا يخلد النفس الشحيحة لومها
قوله وعاذلة انجر بإضمار رب، وجوابه يجوز أن يكون قامت علي وتلومني في موضع الحال، ويجوز أن يكون الجواب محذوفاً، كأنه قال: قلت لها: أعاذل إن الجود ليس بمهلكي، لأن قامت علي من صفة العاذلة. وقوم كأني إذا أعطيت مالي أضيمها اعتراض وقع بين رب وجوابه. والمجرور برب أكثر ما يجيء موصوفاً. ويجوز أن يكون قوله كأني إذا أعطيت مالي أضيمها الجواب.
ثم أقبل عليها يخاطبها، وهذا تشبيه يجري مجرى تصوير الحال في إخراج الخافي إلى البيان، فيقول: رب لائمة على تعتب وتوبخ، كأني أبخس حظاً لها إذا بذلت مالي، أو أغصبها حقاً من حقوقها، لتناهي ظلامها - قلت لها: إن ما أعتده من البذل والسخاء لا يقرب منيتي عن أمدها، ولوم النفس البخيلة، لا يديم بقاءها في دنياها، فإذا كان الجود يفنى والبخل لا يبقي ولا يقنى وكان في السخاء إقامة المروءة واكتساب الأكرومة، وادخار الشكر واقتناء الأجر، فالعقل يوجب الأخذ به، والحزم يقتضى الزهد في غيره.
وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها
ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه علىالنفس خيمها
يقول: إن أخلاق الفتى مذكورة بعد موته، ومترددة في المجالس مع اسمه، فإن حسنت عند الفحص حمدت، وإن قبحت في السمع ذمت. هذا وعظامه بالية قد صارت رمة في لحده، ومغيبة عن المشاهدة ضمن قبره. ومن تكلف ما ليس من
стр. 1176
خلقه، أو استبدع خيماً ليس من شأنه، فارقه المستحدث، وعاوده المستقدم. ومثله:
ومن يبتدع خلقاً سوى خلق نفسه ... يدعه فترجعه إليه الرواجع
ويقال فلان كريم الخيم، أي الطبيعة. وقال أبو عبيدة: هو فارسية معربة.
وقال آخر:
أكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف صحابي حين حاجتنا معا
أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا
يقول: إذا اجتمعت مع أصحابي على طعام لم تزاحم كفى أكفهم، بل آثرتهم بما يروق من الزاد فقلبته العين، واصطفاه القصد، وانقبضت ليستأثروا به دوني إذا كانت حاجتنا متوافقة، وأيدي الآكلين متواردة؛ وأبقى ليلتي صغير البطن، ضامر الجنب، والزاد ممكن، والمشتهي مساعد، فلا أتضلع شبعاً خشية من ذم يلحق، أو عار يلزم. وقوله أن أتضلعا، أي مخافة أن أتضلع. ويقولون: هو الحصن أن يرام ويراد: هو الذي يحصن من أن يرام. قال لبيد:
وهم العشيرة أن يبطىء حاسد
أي تعاشروا وتعاونوا مخافة أن يبطئهم حاسد.
وحذف حرف الجر يكثر مع أن.
وقوله حين حاجتنا معاً حاجتنا مبتدأ، ومعاً سد مسد الخبر، وإن كان في موضع الحال، لأن المصادر إذا ابتدىء بها وقعت الأحوال أخباراً لها، كقولك: ضربي زيداً قائماً. وكذلك المضاف إلى المصدر تقول: أكثر ضربي زيداً قائماً. وانتصب حين على الظرف وقد أضيفت إلى الجملة بعده، والعامل فيه أكف يدي.
стр. 1177
وإني لأستحي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وصف حسن أدبه في مواكلة رفيقه ولفه، وأنه لا يستأثر بما يعجب من الزاد، ولا تظهر منه نهمة وحرص، بل يستحي من أن برى ما يلي يده من الزاد خالي المكان. وليس لأحد أن يقول إن إنقباضه يؤدي إلى انقباض أكيله، وذلك مذموم، وإنما المحمود أن ينبسط في الأكل ويبسط من أكيله وذلك أنه قد بين الغرض في البيت الذي بعده، لأنه قال:
وإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم....
فبين أن إبقاءه جانبه من الزاد مشغولاً ليس مع حاجة إليه، ولا عن إمساك يؤدي إلى ما ذكرته، فيصير ذلك سبباً في إنقباض من يواكله، وإنما يريد ما يجري به من عادة الناس من إظهار الشره والذهاب فيه إلى حد السرف، حتى يمد يده إلى ما يلي غيره، ويتخطى أيدي الناس. وهذا ظاهر. وموضع أجمع من الإعراب جر على أن يكون تأكيداً للذم، وهو إلى التأكيد أحوج من قوله منتهى، لأنه متناول للجنس والعموم، وما يفيده في الجنس أولى. وقوله نالا منتهى الذم، كأن الأجود أن يأتي المضارع في جواب الشرط، وقد حصل مضارعاً وظهرت الجزمية فيه، لكنه أتى به ماضياً للضرورة.
وقد ألم بهذه الطريقة المرقش فقال في الغزل:
وإني لأستحي فطيمة جائعاً ... خميصاً وأستحس فطيمة طاعما
وإني لأستحييك والخرق بيننا ... مخافة أن تلقى أخا لي لائماً
ألا ترى أنه أجمل ما فصله هذا الشاعر في قوله: أستحيي طاعماً، وجائعاً. هذا مع البعد بينه وبين صاحبته. ويجوز أن يريد بقوله مكان يدي من جانب الزاد أقرعا، ويجوز أن يريد بقوله مكان يدي من جانب الزاد أقرعا، أنه يكثر الزاد حتى يسعه وجماعتهم ويفضل أيضاً، والأول أحسن. وأصل الفرع ذهاب شعر الرأس من داء. وحكى أنه قل نعامة تسن إلا قرعت؛ لذلك قيل: نعام قرع. والسول يجوز أن يكون من سلت أسأل، لغة هذيل في سأل. ويجوز أن يكون لين همزته وأصله الهمزة. ويجوز أن يكون من سولت له نفسه كذا، إذا زينت له. وسول له الشيطان كذا، إذا أرخى حبله فيه وفي القرآن: " الشيطان سول لهم ".
стр. 1178
وقال الهذلي:
سح نجاء الحمل الأسول
فوصف السحاب بالول لتدليه واسترخائه، لكثرة مائه.
وقال آخر:
أما والذي لا يعلم السر غيره ... ويحي العظام البيض وهي رميم
لقد كنت أختار القرى طاوى الحشا ... محافظة من أن يقال لئيم
وإني لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم
أقسم بالله تعالى المطلع على الضمائر، العالم بخفيات الأمور، والمحيي للأموات بعد أن رمت عظامها وبليت يوم النشور، بأنه يختار إطعام الضيف وإيثاره بالزاد وهو محتاج إليه قد اضطمر حشاه من الجوع، لئلا ينسب إلى اللؤم، وليحافظ على الشرف القديم. ويروى: لقد كنت أختار الخوى. والخوى: خلاء الجوف من الطعام، وخلاء الدار من السكان. فأما من روى: أختار القرى فمعناه ظاهر، يريد أختار إقامة القرى، فحذف المضاف. وبعضهم رواه: لقد كنت أختار القوى وزعم أنه مقصور من القواء؛ وليس بشيء.
وقوله: وإني لأستحيي يميني وبينها وبين فمي داجي الظلام، فقد زاد فيه على ما تقدم في المقطوعة قبله، لأنه ذكر أنه يستحي من نفسه ويده وهو لا ثاني له، في الليلة الظلماء، وإنما يريد تعوده ما يستحسن في الأكل، ويختار في الإطعام، فإذا تفرد جرى على عادته إذا تجمع. وانتصب محافظة على أنه مفعول له. وطاوى الحشا، انتصب على الحال، ويجوز أن يريد إن لم يرني الضيف فيما آتيه عند الأكل للظلام الشامل، ولم يبن له ما أترك، فإنس أستحي م يدي فلا أحجن ولا أستأثر. والأول أحسن. والبهيم: الظلم، وأصله الذي لاشية فيه ولا وضح، أي لون كان، وأراد به هنا تأكيد السواد، لأن قوله داجي الظلام أفاد الإظلام.
стр. 1179
وقال رجل من آل حرب
باتت وتلحاني على خلق ... عودته عادة والجود تعويد
قالت أراك بما أنفقت ذا سرف ... فيما فعلت فهلا فيك تصريد
قلت اتركيني أبع مالي بمكرمة ... يبقى ثنائي بها ما أورق العود
إنا إذا أتيتنا أمر مكرمة ... قالت لنا أنفس حربية عودوا
يقول: بقيت هذه المرأة ليلتها تعتب علي وتذمني في عادة نشأت عليها، وخليقة تخلقت بها، والجود عادة وإلف. وقوله والجود تعويد اعتراض دخل في أثناء الحكاية عنها، فقالت لي: أراك تسرف في الإنفاق، وتجري إلى ما يقوم له مالك في التقدير، ن ولا يفي به وجدك عند التحصيل، فهلا فطمت نفسك عنها، وجريت على سنن يساعدك عليه حالك، ولا تعجز عنه مقدرتك. والأصل في التصريد تقليل الشرب. يقال: سقاه سقية مصردة.
وقوله قلت اتركيني، أي أجبتها بأن خليني وابتياع المكارم بمالي، ليبقى ثناء الناس علي أبداً بها، ومدة إيراق الشجر. فما أورق العود، في موضع الظرف. وقوله ثنائي بها أضاف المصدر إلى المفعول، والمراد ثناء الناس علي. وقال أبع مالي، والمال ثمن المبيعات، لأن المتبايعين كل منهما يبيع ويشتري. وقوله إنا إذا ما أتينا أمر مكرمة، يقول: من شأننا أن لا نرضلى في ابتناء المكارم، وإسداء المعروف والصنائع بالإيحاد فيها، والاكتفاء بالوتر عند فعلها، ولكنا نشفع ونعاود، ونتبع الأكرومة بأختها فنطابق.
وقوله عودته عادة انتصب عادة على المصدر، لأنها وضعت موضع التعويد، كما يوضع الطاعة موضع الإطاعة، يدل على أن ذلك هو المراد قوله والجود تعويد. ويقال: تعودت كذا واعتدته واستعدته وأعدته بمعنى، وفحل معيد ومعاود، أي معتاد للضراب، وإنما قال أنفس حربية تبجحا بأسلافه، وإظهاراً بأن من كان منهم لا يأتي عرقه ونجره إلا الكرم.
стр. 1180
وقال أبو كدراء العجلي
ياأم كدراء مهلا لا تلوميني ... إني كريم وإن اللوم يؤذيني
فإن بخلت فإن البخل مشترك ... وإن أجد أعط عفواً غير ممنون
يخاطب امرأته وقد تضجر بملامتهاولذعة إنكارها وعتابها، فيقول: رفقاً فيما تسلكينه، وكفا عما أولعت به، فإني نشأت على الكرم فلومك يؤذيني ولا يغني عنك شيئاً؛ لأني لا أقابله بالقبول، وقد يؤدي الإفراط في القول إلى الزيادة في الولوع، ولأني إن بخلت فالمبخول به مشترك بيني وبين ورثتي، وإن أجد أعط مالي عفواً، أي تسمحنفسي نفسي به فلا أكون مجهوداً، ولا أمتن على من يأخذه، لأني أقضي بالبذل لذة ومأربة، وأمضى هوى لي في مصارف ومنية، مستخلصاً من شركة غيري، ومقتسماً في وجوه إرادتي وبذلي.
وقوله فإن البخل مشترك إن شئت جعلته على حذف المضاف، ويكون المراد: فإن ذا البخل. وإن شئت جعلته المفعول، كما يقال الخلق والمراد المخلوق، ودرهم ضرب والمراد مضروب. والممنون يجوز أن يكون من المن، وهو القطع، أي أديم ذلك إدامة من يتصرف في ملكه لا من يتصرف في مشتركه. ويجوز أن يكون من المن والأذى. وقال بعضهم: أراد بقوله إن البخل مشترك، أن الناس أكثرهم بخال، فيكون لي شركاء. وهذا كلام معتذر من البخل لا كلام ذام له. ومع ذلك فعجز البيت يبتعد عنه ولا يلائمه، وقد أبان عما ذكرته فيما يليه، لأنه قال:
ليست بباكية إبلي إذا فقدت ... صوتي ولا ورائي في الحي يبكيني
بنى البناة لنا مجداً ومكركة ... لا كالبناء من الآجر والطين
يقول: إني لا أبقى على إبلي ولا أبقى منها ما يفضل عن إفضالي، فإذا مت عنها وفقدت صوتي في زجرها والأمر بتفريقها، فإنها لا تبكيني؛ وكذا وارثي لايحصل شيئاً من إرثي فلا تراه يندبني. ثم قال: إن أسلافي بنوا لي مجداً وكرماً، فأحتاج أن أقتدي بهم وأعمر خططهم، وإن لم يكن كالبناء المبني من الطين والآجر، لأن المكارم تسترم فتدعو إلى تفقدها، بخلاف ما تنفقد به المصانع إذا استرمت.
стр. 1181
وقال عتبة بن بجير
لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزال مقنع
أحداثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع
يقول: إذا نزل الضيف بي فإني أوثره بأشرف مكان من بيتي، وأعز فراش لي، ولم يشغلني عنه لا الأهل ولا الولد، فأخدمه وأؤنسه، وأبسط منه وأخرفه، وكل ذلك من شرط القرى وإن لم يكن طعاماً؛ ومع ذلك تعلم نفسي وقت هجوعه فلا أمله ولا أتعبه، ولا أشغله عن راحته ولا أضجره. فإن قيل: كيف تحمد بقوله أحدثه إن الحديث من القرى، وقد قال غيره في إنزال الضيف ولم أقعد إليه أسائله؟ قلت: ليس قوله أحدثه مما انتفى منه ذاك في قوله ولم أقعد إليه أسائله؛ لأن ذاك أشار إلى ابتداء النزول، وذلك وقت الاشتغال بالاحتفال له أولى. وهذا يريسد أنه يحدثه بعد الإطعام، كأنه يسامره حتى تطيب نفسه، فإذا رآه يميل إلى النوم يخليه. قال الأصمعي: من سنة العرب أن الغريب منهم إذا نزل فصادف هشاشة وفكاهة أيقن بالتكرم وحسن التفقد، وإن رأى إعراضاً والنواء عرف ابتذالاً وحرماناً. فلذلك قال إن الحديث من القرى.
وقال عمرو بن أحمر الباهلي
ودهم تصاديها الولائد جلة ... إذا جهلت أجوافها لم تحلم
ترى كل هر جاب لجوج لهمة ... زفوف بشلو الناب هوجاء عيلم
أراد بالدهم قدوراً سوداً. ومعنى تصاديها تداريها وتمارسها في الغضب والإنزال وإعداد الآلات لها. والولائد: الجواري. والجلة: الكبار العظام. وقوله إذا جهلت أجوافها، يريد إذا غلت وأرزمت. فعد ذلك جهلاً منها. وقال
стр. 1182
أجوافها جمعاً على ما حوله. وقوله لم تحلم أراد لم تسكن بالهويني لعظمها.
وقوله ترى كل هر جاب، فالهر جاب: الضخم الثقيل. واللجوج هي التي إذا استعرت النار تحتها لجت. واللهمة: الكبيرة التي تلتهم الأوصال الموفرة، والأعضاء الموربة. وقوله زفوف بشلو الناب أي لسعتها ترمي جوانبها بأشلاء الناب وتزف بها. والزفيف: ضرب من السير. والهوجاء: التي كأن بها هوجاً وجنوناً. والعيلم: الواسعة الكثيرة الأخذ من المرق، كالعيلم من الآبار.
لعا لغط جنح الظلام كأنها ... عجاريف غيث رائح متهزم
إذا ركدت حول البيوت كأنما ... ترى الآل يجري عن قنابل صيم
اللغط: الصوت، يعني هزتها في الغليان. وانتصب جنح الظلام على الظرف، يريد أنها تغلي إذا جنح الظلام بالعشى، وذاك وقت الضيافة، وكأن لغطه صوت رعد من غيث ذي تعجرف. والعجارف: شدة وقوع المطر وتتابعه، يريد أنه هبت الريح فيه وصار له هزمة أي صوت. شبه صوت القدر في غليانها بصوت الرعد من سحاب هكذا.
وقوله إذا ركدت حول البيوت رجع إلى صفة القدور كلها، فيقول: إذا نصبت فتثبتت على الأثافي حول البيوت وقد أشبعت وحفلت باللحوم والدسوم، تراها تبرق إهالتها، وتتلألأ تلألؤ الآل، وقد جرى على متون خيول واقفة، فساعده بريق السلاح. والقنابل: الجماعات من الخيل، حدها قنبلة. والصيم: جمع صائم، وهو القائم. والصوم قيام بلا عمل. وصام الفرس على المعلف، إذا لم يعتلف.
وقال المرار الفقعسي
آليت لاأخفي إذا الليل جنني ... سنا النار عن سار ولا متنور
فيا موقدجي ناري ارفعاها لعلها ... تضيء لسار آخر الليل مقتر
يقول: أخذت على نفسي مولياً ومقتسماً، أني لا أخفي إذا الليل سترني بظلامه ضوء ناري عن سار يبغي مبيتاً، ولا ناظر إلى نار ليهتدي بها،
стр. 1183
ثم ترك الإخبار عن نفسه، وأقبل يخاطب موقدي ناره فقال ارفعاها، أي اجعلاها في يفاع ومكان مشرف، فعسى أن تضيء لسار مرمل فقير في آخر الليل، وقد كابد ما كابد من أوله، فخلص إلينا، واهتدى بنارنا. والمتنور: الناظر إلى النار. وإنما قال فيا موقدي ناري على عادتهم في جعل مزاولي الأمور اثنين اثنين. على ذلك قول الآخر:
ترى جازرية يرعدان
وكما قالوا في الحلب البائن والمستعلي، وفي الاستقاء القابل والمستقي.
ولعل يعد مع أفعال المقاربة وإن كان حرفاً. والمقتر: الفقير. ويقال قتر وأقتربي بمعنى. وقد يجعل المقتر نقيض المكثر.
وماذا علينا أن يواجه نارنا ... كريم المحيا شاحب المتحسر
إذا قال من أنتم ليعرف أهلها ... رفعت له باسمي ولم أتنكر
فبتنا بخير من كرامة ضيفنا ... وبتنا نهدي طعمة غير ميسر
قوله وماذا علينا، أي أي ضرر يلحقنا في أن يتوجه إلى نارنا رجل كريم الوجه، هزيل المعري، قد ظهر أثر الضر على متحسره، أي حيث يتحسر الثوب عنه، كالوجه وسائر مالا يغطيه. وقوله كريم المحيا ضد قولهم: لئيم المقذ، لأن المحيا هو الوجه، فأضيف الكرم إليه. والمقذ: منتهى الشعر من القفا، فأضيف اللؤم إليه، وقد قيل: حر الوجه، وعبد لامقذ، وعبد القفا. وقوله إذا قال من أنتم، يريد أنه يتعرف لينظر هل على النار من يكرم قراه ويطيب النزول عليه. وقوله رفعت له باسمي جواب إذا، أي عرفته اسمى إذا سأل، ولم ألبس نفسي خمولاً، ثقة بأنه يرضاني لنزوله، ولأنهم كانوا ير وزون المستضاف بالكلام، لينظروا ماذا يكون منه من استهلال واهتزاز، أو ازورار وانقباض.
стр. 1184
وقوله فبتنا بخير من كرامة ضيفنا، يريد: احتفلنا لضيفنا فشركناه في الخير المعد له، وبقينا ليلتنا نهدي إلى الجيران من فواضل الطعام والزاد عنا وعن ضيفنا، وذلك غير ميسر، أي لم يكن مما ضرب عليه بالقداح وتياسرناه أي اقتسمناه، بل كان مما نجشم للضيف لا يشركنا أحد فيه.
وقال عروة بن الورد
أرى أم حسان الغداة تلومني ... تخوفني الأعداء والنفس أخوف
لعل الذي خوفتنا من أمامنا ... يصادفه في أهله المتخلف
يقول: لما هممت بالسفر وجعلته مني ببال اعترضت هذه المرأة علي وأقبلت تلومني وتحذرني الأعداء في الوجه الذي أردت تيميمه، ونفسي أشد أشد خوفاً لأنها حساسة حذرة، لكني تجلدت لها وأجبتها بأن الذي أنذلاتناه من قدامنا، والسمت الذي هو نيتنا وطيتنا، لعله يلقاه المتخلف عن السعي في طلب الرزق المقيم في أهله راضياً بأدون العيش؛ لأن الحذر لا يغني عن القدر، وقد يؤتى الإنسان من ناحية أمنه، ويصادف فيه ما لا يصادفه الخائف من ناحية خوفه. وقوله خوفتنا حذف الضمير العائد إلى الذي منه، استطالة للاسم بصلته. وقوله من أمامنا، يريد من حيث نأتمه، والوجه الذي نتوجه إليه، وذلك قدامه لا شك. وموضع يصادفه رفع على أن يكون خبر لعل، وفي أهله تعلق الجار منه بفعل مضمر وموضعه نصب على الحال، أي يصادفه المتخلف مقيماً في أهله ومستقراً.
إذا قلت قد جاء الغنى حال دونه ... أبو صبية يشكو المفاقر أعجف
له خلة لا يدخل الحق دونها ... كريم أصابته حوادث تجرف
يقول: إذا اتفق لي في مقصد من مقاصدي ما أقدر فيه حصول الغنى وجواز الاعتماد عليه في مباغي الدنيا، ووعدت نفسي له ومن أجله بالاكتفاء عند الفكر في مؤن العيال، حال بيني وبينه اجتداء صاحب عيلة، ووالد صبية، ظاهر الفقر، سيء الحال، يشكو زمانه وتأثير الضر فيه، وعليه مما يتألم منه شواهد تمنع دخول حق دون خلته، وتأبى أن يقال في شيء من المفاقر هو أولى منه. فكأنه يعني بالحق نسيباً
стр. 1185
أو جاراً أو متحرماً بحرمة، لأنه متى قوبل حاله بحال من ذكره لم يوجب تقديمه عليه، ولم يستحق العدول عنه إليه. هذا من طريق الوجوب له، ثم هو في نفسه يرجع إلى كرم ومروءة، ويستظهر بعنوان نعمة وترفة، وقد نابته نوائب تجرف المال، أي تتويه جملة لا تزيله شيئاً بعد شيء، كما يكال الشيء أو يوزن، فعهده به قريب، والتوفر عليه متعين مفروض، فإذا التزمت له واجبه، وآثرته بصرف ما في يدي إليه، عدت محتاجاً كما كنت، وساعياً في الطلب كما ابتدأت. وقوله كريم من صفة أبو صبية، وقد تابع بين صفات من مفرد وجملة.
وقال يزيد بن الطثرية
إذا أرسلوني عند تقدير حاجة ... أمارس فيها كنت عين الممارس
ونفعي نفع الموسرين وإنما ... سوامي سوام المقترين المفالس
يقول: إذا أرسلني عشيرتي في مهم لهم يقدرون ارتفاعه بي وبسعيي، ويؤملون انتفاعهم به عند اجتهادي، فاعتمدوا مزاولتي، ووثقوا بالنجاح لدى ممارستي، كنت فيه حق الممارس، لا أجع فيه ولا أفرط ولا أقصر، بل زدت على ظنهم بي، وتجاوزت الغاية التي يقفون فيها من رجائي، فنفعي نفع المكثرين وإن كان مالي الراعية مال المفلسين المقترين. وقوله المفالس، الإفلاس: لفظة عربية وإن كثر التداول لها في ألسنة العامة. وكان الأصل في أفلس الرجل أن يصير صاحب فلوس بعد أن كان صاحب أموال. وتفليس الحاكم معروف، وهو من هذا، كأنه ينسبه إلى ذلك، فهو كالتعديل والتنسيق. والسوام من قولهم: سامت الماشية تسوم، وهي سائمة. والمراس: مزاولة الشيء، ويقال: مرس الحبل، إذا نشب في البكرة عند الاستقاء. ويقال لمن يرده إلى موضعه أمرس فهو ممرس. على ذلك قوله:
بئس مقام الشيخ أمرس أمرس
ثم يقال في الصبور على طلب الشيء القوى: هو مرس، وشديد الممارسة والمراس. وقوله أمارس فيها في موضع الجر على أن يكون وصفاً لحاجة.
стр. 1186
وقال سالم بن قحفان، وقد عاتبته امرأته
لقد بكرت أم وليد تلومني ... ولك أجترم جرماً فقلت لها مهلاً
فلا تحرقيني بالتلامة واجعلي ... لكل بعير جاء طالبه حبلاً
فلم أر مثل الإبل مالاً لمقتن ... ولا مثل أيام العطاء لها سبلاً
يقول: ابتكرت هذه المرأة لائمة لي وعاتبة علي من غير جناية جنيته واكتسبتها، ولا جريمة اجترمتها وقدمتها، فقلت لها: رفقاً في قولك لا خرقا، وصبراً على مضضك واقتصاداً؛ ولا تحرقيني بنار عتبك، وسلطان غيظك، ولكن اتبعي مرادي، واهتدي بهديي، واثقة بأن الصواب في فعلي وقولي، وجوامع الخير مقرونة بعفوي بعفوي وجهدي، واجعلي لكل بعير نصصت عليه لسائل حبلاً، ليقتاده به، مشاركة لي في الكرم وابتغاء الصلاح، وموافقة فيما أوثره من وجوه الاصطناع، لا يظهر منك تكره، ولا اشتطاط وتسخط. واعلمي أني لم أر مالاً مثل الإبل لمن يقتضي خيراً، ويدخر أجراً، ولا مثل أوقات العطاء سبيلاً لها وممراً. ويجوز أن يريد بقوله مالاً لمقتن أي لمن يجمع ما يقتنيه ويجعله الأصل في يساره وغناه. وبعد ذلك فتحويلها إلى العفاة برمتها أعود عليهم وأرد، وأبقى في حالهم وأغنى. والاقتنا: اتخاذ الشيء للنفس لا للبيع. ويقال: هذه إبل قنية، وهذه مال قنيان، لما يتخذ للنسل لا للتجارة. ويقال قنا يقنو، لغتان، ومن الثانية قولهم: أقنى حياءك. ومن الأولى قوله:
كذلك أقنو كل قط مضلل
فرمت إليه امرأته بخمارها وقالت: صيره حبلاًلبعضها وأنشأت تقول:
حلفت يميناً يا ابن قحفان بالذي ... تكفل بالأرزاق في السهل والجبل
стр. 1187
تزال حبال مبرمات أعدها ... لها ما مشي يوماً على خفه جمل
فأعط ولا تبخل إذا جاء سائل ... فعندي لها عقل وقد زاحت العلل
يقول: أقسمت يميناً بالله الذي تضمن الأرزاق لمرتزقها، وفطر الخلق الذي اخترعهم في سهل الأرض وحزنها، لا تزال من جهتي حبال مستحصدة معدة لإبلك التي صرفتها في مصارف بذلك مدة الدهر، اقتداء بك، ودخولاً تحت طاعتك. فالمتكفل بالأرزاق هو الله تعالى في أقطار الأرض، وقد وثقنا بتفضله والتعيش من فضله. وقولها تزال حذفت حرف النفي منه لأمنها من الالتباس، وقد مر القول فيه في غير موضع.
وقولها فأعط ترغيب منها وتحضيض، أي توسع في البذل منها، ودع البخل بها، فلا اعتراض عليك، ولا مرادة معك، والعقل من جهتي معدة، والعلل معي مرتفعة. ويقال: أزحت العلة في كذا فزاحت، أي أزلتها فزالت. وحكى الدريدي: زاح الشيء يزيح ويزوح زيحاً وزيحاناً، أي تحريك عن مكانه. وزحته فانزاح، وأزحته فزاح، وهو مزوح ومزاح. وقولها ما مشى يوماً في موضع الظرف، والعامل فيه لا تزال حبال.
وقال الأقرع بن معاذ
إن لنا صرمة تلفى محبسة ... فيها معاد وفي أربابها كرم
نسلف الجار شرباً وهي حائمة ... ولا تبيت على أعناقها قسم
ولا تسفه عند الحوض عطشتها ... أحلامنا وشريب السوء يحتدم
الصرمة: القليل من المال، ويريد بالمحبسة أنها مناخة بالفناء لا تسام في المراعي. وقوله فيها معاد أي أنها تحتمل ما تحمل من مؤن العفاة عوداً على بدء. وقوله في أربابها كرم أي في ملاكها صدر وحسن صبر على ما يتعريهم من حقوق السؤال والمجتدين.
стр. 1188
وقوله نسلف الجار شرباً وهي حائمة الحائمة: العطاش؛ يقال: هو يحوم حول الماء. إذا دار حوله. وهو حائم لائب، إذا اشتد عطشه وحام حول الماء. فيقول: نقدم الجار على انفسنا عند سقي الإبل وإن كانت إبلنا عطاشاً، كأنا نجعل الزيادة على نصيبه كالسلف عنده. ويقال: أسلفت كذا وسلفت جميعاً. وقوله ولا تبيت على أعناقها قسم يعني الأيملن التي يؤك بها المعاذير والعلل عند المنع والبخل. فيقول: لا تبيت صرمتنا وقد لزمها كفارة يمين احتجزت بها عن البذل. ولك أن ترى: تسلف الجار بالتاء، حتى يكون الإخبار في العجز والصدر عن الإبل، والحال لا تلتبس في أن ذلك كله لأربابها.
وقوله ولا تسفه عند الحوض عطشتها، أي لا تستخف حاجتها إلى الماء أحلامنا فنبطش بشركائنا في الورد، ونفعل ما يفعله المتعزز والمقتدر من الهضيمة في الشرب، لأن شريب السوء هو الذي يتحفظ ويغضب فيحتدم. والاحتدام: شدة الإحماء. قال الأعشى:
وهاجرة حرها محتدم
وقال يزيد بن الجهم الهلالي
لقد أمرت بالبخل أم محمد ... فقلت لها حتى على البخل أحمدا
فإني أمرؤ عودت نفسي عادة ... وكل امرىء جار على ما تعودا
يقول: أمرتني هذه المرأة بالإمساك عند البذل: والإبقاء على المال، فقلت لها حتى على البخل وابعثي عليه إنساناً أحمد لك وأرضي بوعظك مني، فيكون أحمد مفعولاً، وقد نابت الصفة عن الموصوف. ويروى: حثى على الجود أحمدا ويكون قوله أحمد منتصباً بإضمار فعل، كأنه لما قال حثى على الجود نوى ائتى ما هو أحمد لك. وهذا كما يقال: وراءك أوسع لك، واتق الله أعود لك. وفي القرآن: " انتهوا خيراً لكم ". ومن روى حثى على البخل، يجوز أن يكون أحمد اسماً علماً لولد لها أو قريب منها، فقال: أبعثي ذلك على البخل من
стр. 1189
دوني، لأني لا أصغي إليك ولا أئتمر لك، فقد تعودت منذ كنت عادة فطمي عنها ومنعي منها يتعذر ويبعد، وكل رجل سيجري على عادته، وما هو من هجيراه وسمته.
أحين بدا فر الرأس شيباً وأقبلت ... إلى بنو غيلان مثنى وموحداً
رجوت سقاطي واعتلالي ونبوتي ... وراءك عني طالقاً وارحلي غدا
ألفت الاستفهام وإن كان المراد بها التوبيخ والتقريع، يطلب الفعل وهو رجوت. فيقول: أرجوت مني بعد اشتعال الشيب في رأسي اتباعي لك، وقبولي منك، وبعد أن ألف الناس مني طريقة أجرى عليها وقد أقبلت بنو غيلان شرعاً نحوي اثنين اثنين، وواحداً واحداً، من طرق مختلفة، ووجوه مفترقة، وقد علقوا آمالهم بي، يكون مني نبؤ عنهم، واعتلال عليهم، وزوال عن السنة المعروفة فيهم ومعهم، إلى غيرها. وقوله سقاطي، يقال لمن لم يأت مأتى الكرام: هو يساقط. قال الشاعر:
كيف يرجون سقاطي بعد ما ... جلل الرأس مشيب وصلع
والمعنى: كيف أملت مساقطتي عند هذا الدأب مع اجتماع هذه الأحوال، ومع تجربتي وكمالي، اذهبي عني بائنة مني وارحلي غداً. وقوله وراءك ظرف في الأصل، وقد جعله اسماً للفعل. والمراد: ابعدي عني. وعطف عليه وارحلي وهو فعل، وهذا يبين قوة الظروف إذا جعلت أسماء للأفعال، لأنه لولا ثباتها في النيابة عن الأفعال والاستغناء بها عنها، لما جاز عطف الفعل عليها؛ وذلك أن المعطوف والمعطوف عليه في حكم المثنى، والتثنية لا تحسن إلا بين متوافقين، فكذلك العطف. ومثنى وموحد مما عدل في النكرة، فلا ينصرف في المعرفة والنكرة جميعاً، لكونه معدولاً عن أسماء الأعداد وعن الإفراد إلى التكرير. وطالقاً انتصب على الحال من قوله وراءك عني، ولم يقل طائقة لأنه أخرجه مخرج النسب.
وقال آخر:
إني وإن لم ينل مالي مدى خلقي ... فياض ما ملكت كفاي من مال
стр. 1190
لا أحبس المال إلا ريث أتلفه ... ولا تغيرني حال إلى حال
يقول: أنا وإن كان مالي لا يقوم بمؤني، وكان عاجزاً عن غاية خلقي، وقاصراً دون مدى بذلي وإفضالي، فإني أصب ما تملكه يداي فييض فيضاً لا أمنعه طالباً له كيف يتوسل، وبماذا يتوصل، إذ كنت لا أحبس المال ولا أخزنه إبطاءه إلا قدر الوقت في إتلافه وتفرقته، ولا تنقلنيحالة تعرض عن حالي الأولى فيما أعتاده وآلفه. يريد أنه مستمر فيما يجري عليه كيف واتاه الزمان، وأداره الأحوال. وقوله إلا ريث في موضع الظرف من لا أحبس.
وقال سوادة اليربوعي
لقد بكرت مي على تلومني ... تقول ألا أهلكت من أنت عائلة
ذريني فإن البخل لا يخلد الفتى ... ولا يهلك المعروف من هو فاعله
يقول: اغتدت هذه المرأة إلى لائمة وقائلة: لقد أهلكت من تكفله وتمونه، إذا كنت بعرض الفقر، لتضييعك ما تملكه، وسرفك فيما تبذله. فأجبتها وقلت: ارتكيني على عادتي، فإن البخل بالمال لا يبقى صاحبه، والبذل لا يميت معتاده. وقد مضى مثل هذا.
وقال حطائط بن يعفر أخو الأسود
تقول ابنة العتاب رهم حربتنا ... حطائط لم تترك لنفسك مقعداً
إذا ما أفدنا صرمة بعد هجمة ... تكون عليها كابن أمك أسودا
رهم ارتفع على البدل من ابنة العتاب، وحطائط منادى مفرد. ويقولون: ما ترك فلان لك مقاماً ولا مقعداً، أي لم يبق لك ما يمكنك الإقامة والقعود له به. والصرمة: الفليل من الإبل. والهجمة أكثر منها، لأنها تقع على الثلاثين أو الأربعين. فيقول: عاتبتني هذه المرأة في إنفاقي وإفضالي، وقالت: أفقرتنا يا حطائط، وأزلت تجملنا، وجنيت على نفسك أيضاً، إذ لم تترك من المال ما تكتفي به، وتستغني عن
стр. 1191
السعي والتجول معه، فتريح نفسك من الحل والترحال في طلبه، وتقعد عن التصرف وتحمل المشاق في حوزه واحتجانه، لأنا متى استفدنا قليلاً من الإبل بعدما تفيتنا الكثير منها تعود عليها سالكاً طريق أخيك الأسود بن يعفر، فتفنيه وتخلينا منه. وإنما قال تكون عليها لأنه لما لم يسع في تثميرها كان عليها لا لها. وقد جمع الشاعر بين سيرين في خرزة في قوله تكون عليها كابن أمك.
فقلت ولم أعى الجواب تبيني ... أكان الهزال حتف زيد وأربدا
أريني جواداً مات هزلاً لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلاً مخلدا
قوله ولم أعي الجواب، يقال: عييت الأمر وعييت به عياً، ورجل عيي وعي، وعيي عن حجته عيا. يريد: أجبتها ولم أعجز عن محاجتها: تأملي وانظري، هل كان الفقر والهزال سبب موت من مات من عشيرتنا، وأريني سخياً أماه الضر، منا أو من غيرنا، لعلني أهتدي بهديك وأعتقد مذهبك، وأئتمر لك فيما ترينه رشاداً، أو بخيلاً بقي في الدنيا وعاش ما أراد ليطلب بموافقته ما حصل له من الدوام، وانصرف عنه من الشقاء والفناء.
وقوله أريني جواداً أي دليني عليه وعرفيني مكانه. وقال أبو عبيدة في قوله: " أرنا مناسكنا " المراد علمنا، ويروى: لأنني أرى ما ترين، وهو بمعنى لعلني. يقال: ائت السوق لأنك تشتري لنا شيئاً، أي لعلك. ويقال أيضاً: أنك تشتري، وهذا كما تقول: علك ولعلك. ويقال في هذا المعنى: لعنك. وينشد بيت أبي النجم:
واغد لعنا في الرهان نرسله
وبعضهم ينشده: لأنا أي لعلنا. وإبدال الهمزة من العين والعين من الهمزة كثير لا ينكر.
وقال المقنع الكندي
نزل المشيب فأين تذهب بعده ... وقد ارعويت وحان منك رحيل
стр. 1192
كان الشباب خفيفة أيامه ... والشيب محمله عليك ثقيل
ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل
يعظ نفسه ويذكره ما انتهى إليه حاله في عيشه وتصرفه، فيقول: قد مسك الكبر، فأي طريق تسلك، وأي مذهب تذهب، وقد رجعت عن جهالتك، وارتدعت عن كثير مما كنت تلابسه بغباوتك، وقرب منك التحول من دار الفناء إلى دار البقاء، وقد كان أيام الشباب طيبة الممر، خفيفة المستقر، وأيام الشيب البادي كريهة الظهور، ثقيلة الأعباء والحمول؛ فعليك بما يجمع لك إلى الحمد ذخراً، وإلى ثناء الناس وشكرهم أجراً. واعلم أن البذل مما يفضل عنك ليس بسماحة، إنما الجود أن تعطى من قليلك، وتنفق من كفايتك. وقوله وما لديك قليل، يجوز أن يريد والذي لديك، ويكون ما مبتدأ ولديك صلته وقيليل خبره؛ ويجوز أن يكون ما نافية وقليل اسمه، ولدييك خبره. والمعنى حتى تجود بكل شيء لك فلا يبقى قليله أيضاً.
وقال جوية بن النصر
قالت طريفة ما تبقى دراهمنا ... وما بنا سرف فيها ولا خرق
إنا إذا اجتمعت يوماً دراهمنا ... ظلت إلى طرق المعروف تستبق
يقول: اشتكت هذه المرأة الحال في سرعة نفاذ ما يحصل عندهم من الورق والمال، وهم لا يسرفون في الإنفاق، ولا يخرقون في الإتلاف، فقالت: لا بركة مع سوء التدبير، ولزوم التضييع والتفريق. وتنسب قلة تلومه وخفة بقائه إلى ضعف النظر وعجز التدبير، وإرهاق التعجل ونقص التقصير. فقلت لها: إن دراهمنا إذا اجتمعت تسابقت إلى منافذ المعروف، وتلاحقت في مصارف الإجسان المألوف، فذلك سبب سرعة فنائها، وعجلة ذهابها لا غير. فقوله إذا اجتمعت ظرف لقوله ظلت إلى طرق المعروف تستبق. ويوماً ظرف لاجتمعت.
وقال زرعة بن عمرو
وأرملة تنوء على يديها ... من الضراء أو قصص الهزال
стр. 1193
خلطت بغثها سمنى فأضحت ... شريكة من يعد من العيال
يقول: رب امرأة منقطع بها سيئة الحال ضعيفة الحراك، إذا أرادت النهوض تعتمد على يديها، لتأثير الضر فيها، أو لإقصاص الهزال إياها، وهو دنو الموت منها - ويقال: أقصة كذا من الموت، أي أدناه - أنا خلطت بفقرها غناي، وبما رق من حالها كثافة حالي، فصارت تعد في جملة العيال، ومشاركة فيما أقتنيه من المال، لا تمايز يظهر لها، ولا تباين يوجب انقباضها. وقوله تنوء على يديها، أي تنهض، وهو في موضع الصفة لأرملة. وجواب رب خلطت بغثها سمنى. ويقال لحم غث بين الغثانة والغثونة، إذا كان مهزولاً. وقيل: كلام غث، على التشبيه، أي لا طلاوة عليه.
وأفنتني الليالي، أم عمرو ... وحلى في التنائف وارتحالي
وتربيتي الصغير إلى مداه ... وتأميلي هلالاً عن هلال
يقول: أفنى قواى نوائب الزمان، وتصاريف الليالي والأيام، وتنزلي في المفاوز والقفار، وتنقلي في مختلفات الأسفار، وتربيتي الطفل الرضيع إلى أن يبلغ ويجتمع، واليافع الكبير إلى أن يعلو ويستكمل، وتعليقي الأمل بشهر مستهل بعد شهر، وحول مؤتنف بعد حول. وإنما يصف ما عاناه، وامتحن به حالاً بعد حال، وتردد فيه فقاساه وقتاً بعد وقت، إلى أن تقضي عمره، ونفدت قوته.
ويشبه هذه الأبيات قول الأخر:
لقد طوفت في الآفاق حتى ... بليت وقد أنى لي لو أبيد
وأفناني ولا يفنى نهار ... وليل كلما يمض يعود
وشهر مستهل بعد شهر ... وحول بعده حول جديد
ومفقود عزيز الفقد تاتي ... منيته ومأمول وليد
وإن كان هذا أحسن استيفاء.
стр. 1194
وقوله وتاميلي هلالاً عن هلال، أي بعد هلال. ومما جاء فيه عن بمعنى بعد قولهم: سادوك كابراً عن كابر، لأن معناه كبيراً بعد كبير. والمراد: شغله أمله بما يتاح له في مؤتنف الأيام من الخير، والتمكن من المراد.
وقال عبد الله بن الحشرج
ألا كتبت تلومك أم سلم ... وغير اللوم أدنى للسداد
وما بذلي تلادي دون عرضي ... بإسراف، أميم، ولا فساد
يقول: خاطبتني هذه المرأة تعتب علي، واستعمال غير اللوم أقرب في تسديدي وإرشادي، إذ كان اللوم ربما يعود إغراءه، ولا سيما إذا تكلف فيما لا يستحق فيه، فما إعطائي مالي القديم في وقاية نفسي بإسراف فينكر، ولا بإفساد فأعتب. وقوله تلومك في موضع الحال، أي لائمة لك. وخاطب نفسه في البيت الأول، ثم نقل الاخطاب إلى الأخبار، على عادتهم في كلامهم.
فلا وأبيك لا أعطى صديقي ... مكاشرتي وأمنعه تلادي
ولكني أمرؤ عودت نفسي ... على علاتها جرى الجياد
محافظة على حسبي وأرعى ... مساعي آل ورد والرفاد
أخذ يخاطبها مجيباً عن كتابها، ومخبراً عن طرائقه وأخلاقه، فيقول: أنا وحق أبيك لا أرضى صديقي بأن أكشر في وجهه إذا لقيته - والكشر: إبداء الأسنان بالضحك - ثم أمنعه مالي وأحرمه خيري. وقوله وأمنعه عطف على أعطى، فرفعه. والمعنى: لا أكشر للصديق ولا أمنعه تلادي، يريد لا أضاحكه باسطاً من أمله، وقابضاً يدي عن بذله. زمثله في القرآن: " ولا يؤذن لهم فيعتذرون "، لأن المعنى لا يؤذن لهم ولا يعتذرون. ولو رويت وأمنعه بالنصب كان جائزاً، ويكون انتصابه بأن مضمرة، ويكون كقولهم: لا يسعني شيء ويعجز عنك. والمعنى: لا يسعني شيء عاجزاً عنك، فكذلك هذا وتقديره: ما
стр. 1195
أعطى صديقي مكاشرتي مانعاً له تلادي، أي لا يجتمع هذان في شيء: العجز لك والسعة لي، فكذلك لا يجتمع على صديقي مني الكشر والمنع. ويجوز في رفع أمنعه وجه آخر، وهو أن يكون على الإستئناف والانقطاع مما قبله، ويكون المعنى لا أعطي صديقي مكاشرتي وأنا أمنعه تلادي ومثله قول القائل: ما تأتيني وتحدثني، والمراد: ما تأتيني وأنت الآن تحدثني. والرفع أجود، ألا ترى أن القائل إذا قال: ما جاءني زيد وعمرو، كان دون قوله ما جاءني زيد ولا عمرو؛ لأن الأول يجوز أن يريد أنهما لم يجتمعا في المجيء، ولكن تفرد كل منهما عن صاحبه فيه، وفي الثاني إذا قال ولا جمعهما النفي، فلا يجيء على حال من الأحوال. وكذلك البيت، لو كان فيه حرف النفي لكان يمتنع حصول الكشر والمنع جميعاً على كل وجه، ووجه الرفع عليه يدور.
وقوله ولكني امرؤ عدوت نفسي، يريد أني جعلت من عادتها على ما يعرض لها من حوادث الدهر أن تجري في مكرماتها، أي في اكتساب مكرماتها، جرى الجياد السبق، لا الكودان البطاء. وقوله محافظة انتصب على انه مفعول له. فيقول: أفعل ذلك لأحفظ شرفي، وأرعى مكارم آبائي وأسلافي. وقوله أرعى حمله على المعنى فعطف على ما قبله وإن اختلفا، أي أفعل ذلك لأحافظ أرعى، محافظة على الشرف ورعياً لمساعي آل ورد. والمساعي واحدتها مسعاة، وهي السعي في تحصيل الكرم والجود. ويقال: هو يسعى لعياله، أي يكسب لهم. وقيل: السعي العمل في الكسب.
وقال رجل من بني سعد
ألا يكرب أم الكلاب تلومني ... تقول ألا قد أبكأ الدر حالبه
تقول: ألا أهلكت ما لك ضلة ... وهل ضلة أن ينفق المال كاسبه
يقول: لا متني هذه المرأة وقالت: قد قلل اللبن من يحلب الإبل - ومعنى أبكأ الدر: أتى به بكئاً. ويجوز أن يريد صادفه بكئاً، كما يقال: أحمدت فلاناً. والبك: قلة للبن. يقال: نافة بكئة، وهي ضد الغزيرة - فأنت في ضلال مادام تضييع المال منك ببال. فأجبتها وقلت منكراً عليها، وراداً لكلامها: وهل يسمى جامع المال إذا فرقه ضالاً، وكاسبه إذا أنفقه فيما يريده ويهواه مضيعاً. وانتصب ضلة على المصدر، وهو في موضع الحال، ويجوز أن يكون مصدراً لعلة، فيكون مفعولاً له.
следующие страницы →