Полный текст (1 295 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
السعي والتجول معه، فتريح نفسك من الحل والترحال في طلبه، وتقعد عن التصرف وتحمل المشاق في حوزه واحتجانه، لأنا متى استفدنا قليلاً من الإبل بعدما تفيتنا الكثير منها تعود عليها سالكاً طريق أخيك الأسود بن يعفر، فتفنيه وتخلينا منه. وإنما قال تكون عليها لأنه لما لم يسع في تثميرها كان عليها لا لها. وقد جمع الشاعر بين سيرين في خرزة في قوله تكون عليها كابن أمك.
فقلت ولم أعى الجواب تبيني ... أكان الهزال حتف زيد وأربدا
أريني جواداً مات هزلاً لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلاً مخلدا
قوله ولم أعي الجواب، يقال: عييت الأمر وعييت به عياً، ورجل عيي وعي، وعيي عن حجته عيا. يريد: أجبتها ولم أعجز عن محاجتها: تأملي وانظري، هل كان الفقر والهزال سبب موت من مات من عشيرتنا، وأريني سخياً أماه الضر، منا أو من غيرنا، لعلني أهتدي بهديك وأعتقد مذهبك، وأئتمر لك فيما ترينه رشاداً، أو بخيلاً بقي في الدنيا وعاش ما أراد ليطلب بموافقته ما حصل له من الدوام، وانصرف عنه من الشقاء والفناء.
وقوله أريني جواداً أي دليني عليه وعرفيني مكانه. وقال أبو عبيدة في قوله: " أرنا مناسكنا " المراد علمنا، ويروى: لأنني أرى ما ترين، وهو بمعنى لعلني. يقال: ائت السوق لأنك تشتري لنا شيئاً، أي لعلك. ويقال أيضاً: أنك تشتري، وهذا كما تقول: علك ولعلك. ويقال في هذا المعنى: لعنك. وينشد بيت أبي النجم:
واغد لعنا في الرهان نرسله
وبعضهم ينشده: لأنا أي لعلنا. وإبدال الهمزة من العين والعين من الهمزة كثير لا ينكر.
وقال المقنع الكندي
نزل المشيب فأين تذهب بعده ... وقد ارعويت وحان منك رحيل
стр. 1192
كان الشباب خفيفة أيامه ... والشيب محمله عليك ثقيل
ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل
يعظ نفسه ويذكره ما انتهى إليه حاله في عيشه وتصرفه، فيقول: قد مسك الكبر، فأي طريق تسلك، وأي مذهب تذهب، وقد رجعت عن جهالتك، وارتدعت عن كثير مما كنت تلابسه بغباوتك، وقرب منك التحول من دار الفناء إلى دار البقاء، وقد كان أيام الشباب طيبة الممر، خفيفة المستقر، وأيام الشيب البادي كريهة الظهور، ثقيلة الأعباء والحمول؛ فعليك بما يجمع لك إلى الحمد ذخراً، وإلى ثناء الناس وشكرهم أجراً. واعلم أن البذل مما يفضل عنك ليس بسماحة، إنما الجود أن تعطى من قليلك، وتنفق من كفايتك. وقوله وما لديك قليل، يجوز أن يريد والذي لديك، ويكون ما مبتدأ ولديك صلته وقيليل خبره؛ ويجوز أن يكون ما نافية وقليل اسمه، ولدييك خبره. والمعنى حتى تجود بكل شيء لك فلا يبقى قليله أيضاً.
وقال جوية بن النصر
قالت طريفة ما تبقى دراهمنا ... وما بنا سرف فيها ولا خرق
إنا إذا اجتمعت يوماً دراهمنا ... ظلت إلى طرق المعروف تستبق
يقول: اشتكت هذه المرأة الحال في سرعة نفاذ ما يحصل عندهم من الورق والمال، وهم لا يسرفون في الإنفاق، ولا يخرقون في الإتلاف، فقالت: لا بركة مع سوء التدبير، ولزوم التضييع والتفريق. وتنسب قلة تلومه وخفة بقائه إلى ضعف النظر وعجز التدبير، وإرهاق التعجل ونقص التقصير. فقلت لها: إن دراهمنا إذا اجتمعت تسابقت إلى منافذ المعروف، وتلاحقت في مصارف الإجسان المألوف، فذلك سبب سرعة فنائها، وعجلة ذهابها لا غير. فقوله إذا اجتمعت ظرف لقوله ظلت إلى طرق المعروف تستبق. ويوماً ظرف لاجتمعت.
وقال زرعة بن عمرو
وأرملة تنوء على يديها ... من الضراء أو قصص الهزال
стр. 1193
خلطت بغثها سمنى فأضحت ... شريكة من يعد من العيال
يقول: رب امرأة منقطع بها سيئة الحال ضعيفة الحراك، إذا أرادت النهوض تعتمد على يديها، لتأثير الضر فيها، أو لإقصاص الهزال إياها، وهو دنو الموت منها - ويقال: أقصة كذا من الموت، أي أدناه - أنا خلطت بفقرها غناي، وبما رق من حالها كثافة حالي، فصارت تعد في جملة العيال، ومشاركة فيما أقتنيه من المال، لا تمايز يظهر لها، ولا تباين يوجب انقباضها. وقوله تنوء على يديها، أي تنهض، وهو في موضع الصفة لأرملة. وجواب رب خلطت بغثها سمنى. ويقال لحم غث بين الغثانة والغثونة، إذا كان مهزولاً. وقيل: كلام غث، على التشبيه، أي لا طلاوة عليه.
وأفنتني الليالي، أم عمرو ... وحلى في التنائف وارتحالي
وتربيتي الصغير إلى مداه ... وتأميلي هلالاً عن هلال
يقول: أفنى قواى نوائب الزمان، وتصاريف الليالي والأيام، وتنزلي في المفاوز والقفار، وتنقلي في مختلفات الأسفار، وتربيتي الطفل الرضيع إلى أن يبلغ ويجتمع، واليافع الكبير إلى أن يعلو ويستكمل، وتعليقي الأمل بشهر مستهل بعد شهر، وحول مؤتنف بعد حول. وإنما يصف ما عاناه، وامتحن به حالاً بعد حال، وتردد فيه فقاساه وقتاً بعد وقت، إلى أن تقضي عمره، ونفدت قوته.
ويشبه هذه الأبيات قول الأخر:
لقد طوفت في الآفاق حتى ... بليت وقد أنى لي لو أبيد
وأفناني ولا يفنى نهار ... وليل كلما يمض يعود
وشهر مستهل بعد شهر ... وحول بعده حول جديد
ومفقود عزيز الفقد تاتي ... منيته ومأمول وليد
وإن كان هذا أحسن استيفاء.
стр. 1194
وقوله وتاميلي هلالاً عن هلال، أي بعد هلال. ومما جاء فيه عن بمعنى بعد قولهم: سادوك كابراً عن كابر، لأن معناه كبيراً بعد كبير. والمراد: شغله أمله بما يتاح له في مؤتنف الأيام من الخير، والتمكن من المراد.
وقال عبد الله بن الحشرج
ألا كتبت تلومك أم سلم ... وغير اللوم أدنى للسداد
وما بذلي تلادي دون عرضي ... بإسراف، أميم، ولا فساد
يقول: خاطبتني هذه المرأة تعتب علي، واستعمال غير اللوم أقرب في تسديدي وإرشادي، إذ كان اللوم ربما يعود إغراءه، ولا سيما إذا تكلف فيما لا يستحق فيه، فما إعطائي مالي القديم في وقاية نفسي بإسراف فينكر، ولا بإفساد فأعتب. وقوله تلومك في موضع الحال، أي لائمة لك. وخاطب نفسه في البيت الأول، ثم نقل الاخطاب إلى الأخبار، على عادتهم في كلامهم.
فلا وأبيك لا أعطى صديقي ... مكاشرتي وأمنعه تلادي
ولكني أمرؤ عودت نفسي ... على علاتها جرى الجياد
محافظة على حسبي وأرعى ... مساعي آل ورد والرفاد
أخذ يخاطبها مجيباً عن كتابها، ومخبراً عن طرائقه وأخلاقه، فيقول: أنا وحق أبيك لا أرضى صديقي بأن أكشر في وجهه إذا لقيته - والكشر: إبداء الأسنان بالضحك - ثم أمنعه مالي وأحرمه خيري. وقوله وأمنعه عطف على أعطى، فرفعه. والمعنى: لا أكشر للصديق ولا أمنعه تلادي، يريد لا أضاحكه باسطاً من أمله، وقابضاً يدي عن بذله. زمثله في القرآن: " ولا يؤذن لهم فيعتذرون "، لأن المعنى لا يؤذن لهم ولا يعتذرون. ولو رويت وأمنعه بالنصب كان جائزاً، ويكون انتصابه بأن مضمرة، ويكون كقولهم: لا يسعني شيء ويعجز عنك. والمعنى: لا يسعني شيء عاجزاً عنك، فكذلك هذا وتقديره: ما
стр. 1195
أعطى صديقي مكاشرتي مانعاً له تلادي، أي لا يجتمع هذان في شيء: العجز لك والسعة لي، فكذلك لا يجتمع على صديقي مني الكشر والمنع. ويجوز في رفع أمنعه وجه آخر، وهو أن يكون على الإستئناف والانقطاع مما قبله، ويكون المعنى لا أعطي صديقي مكاشرتي وأنا أمنعه تلادي ومثله قول القائل: ما تأتيني وتحدثني، والمراد: ما تأتيني وأنت الآن تحدثني. والرفع أجود، ألا ترى أن القائل إذا قال: ما جاءني زيد وعمرو، كان دون قوله ما جاءني زيد ولا عمرو؛ لأن الأول يجوز أن يريد أنهما لم يجتمعا في المجيء، ولكن تفرد كل منهما عن صاحبه فيه، وفي الثاني إذا قال ولا جمعهما النفي، فلا يجيء على حال من الأحوال. وكذلك البيت، لو كان فيه حرف النفي لكان يمتنع حصول الكشر والمنع جميعاً على كل وجه، ووجه الرفع عليه يدور.
وقوله ولكني امرؤ عدوت نفسي، يريد أني جعلت من عادتها على ما يعرض لها من حوادث الدهر أن تجري في مكرماتها، أي في اكتساب مكرماتها، جرى الجياد السبق، لا الكودان البطاء. وقوله محافظة انتصب على انه مفعول له. فيقول: أفعل ذلك لأحفظ شرفي، وأرعى مكارم آبائي وأسلافي. وقوله أرعى حمله على المعنى فعطف على ما قبله وإن اختلفا، أي أفعل ذلك لأحافظ أرعى، محافظة على الشرف ورعياً لمساعي آل ورد. والمساعي واحدتها مسعاة، وهي السعي في تحصيل الكرم والجود. ويقال: هو يسعى لعياله، أي يكسب لهم. وقيل: السعي العمل في الكسب.
وقال رجل من بني سعد
ألا يكرب أم الكلاب تلومني ... تقول ألا قد أبكأ الدر حالبه
تقول: ألا أهلكت ما لك ضلة ... وهل ضلة أن ينفق المال كاسبه
يقول: لا متني هذه المرأة وقالت: قد قلل اللبن من يحلب الإبل - ومعنى أبكأ الدر: أتى به بكئاً. ويجوز أن يريد صادفه بكئاً، كما يقال: أحمدت فلاناً. والبك: قلة للبن. يقال: نافة بكئة، وهي ضد الغزيرة - فأنت في ضلال مادام تضييع المال منك ببال. فأجبتها وقلت منكراً عليها، وراداً لكلامها: وهل يسمى جامع المال إذا فرقه ضالاً، وكاسبه إذا أنفقه فيما يريده ويهواه مضيعاً. وانتصب ضلة على المصدر، وهو في موضع الحال، ويجوز أن يكون مصدراً لعلة، فيكون مفعولاً له.
стр. 1196
وإنما أعاد قوله تقول إيذاناً بتفننها في الملام، وتوسع مجالها في الكلام. وقوله هلى ضلة خبر مقدم، وأن ينفق المال في موضع المبتدأ. والتقدير: وهل إنفاق كاسب المال له ضلال.
وقال مزعفر
وإني لأسدي نعمتي ثم أبتغي ... لها أختها حتى أعل فأشفعا
وأجعل نعمي ما فعلت ذمامة ... علي وآتى صاحبي حيث ودعا
قوله وإني لأسدي نعمتي، يقول: إذا اصطنعت عند إنسان صنيعه، وأوليته لاتصال رجائه بي عارفة، لم أرض بإفرادها، لكني أطلب لها توابع ولواحق، حتى تصير النعمة عنده شفعاً لا وتراً، والإحسان إليه مكرراً لابدعاً، كل ذلك تلذذاً بالإفضال، وشهوة في إسداء العرف والإجمال. ويقال: شاة شافع، إذا كان معها ولدها. والعلل: الشرب الثاني. والنهل: الشرب الأول، فاستعاره لإتباع الصنيعة بمثلها.
واجعل نعمي ما فعلت ذمامة، أجعل: أسمي، من قول الله : " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إنائاً ". ويجوز أن يكون بمعنى أصير. كأنه يعتقد في الإحسان أنه إساءة. والذمامة: الذم. والذمام، بكسر الذال: الحرمة. والمعنى: أتذمم من نعماي عند غيري، لأن بالغاً ما بلغت أكون لنفسي مستقصراً، ولفعلي مستزيداً، فلا أعتد بما أسديه، ولا أتجمد بالإنعام فيه، ولكنه أعده كالوصمة التي يتذمم منها.
وقوله وآتى صاحبي حيث ودعا، يريد أن من يستغيث بي أجيبه وأغيثه أشد ما كان حاجة إلى حين ودع أهله وعشيرته، ليأسه من الدنيا وتوطينه النفس على الهلك والردى، فآتيه مستنقذاً ومحامياً، ومنتعشاً ومرامياً. وقوله حيث ودعا، يجوز أن يكون للزمان والمكان جميعاً. وقد تقدم القول فيه. وقد جعل ودع بمعنى مات، وبيت متمم يشهد له، وهو:
فقد بان محموداً أخي حين ودعا
стр. 1197
وإني بما يكفي من الزاد أهله ... أقابل بذل المال حلساء أجمعا
يقول: إن أقابل بما يكون فيه كفاية الأهل من الواد بذل حلسي المال كله. فقوله حلساه في موضع الجر على أن يكون بدلاً من المال، ويكون على لغة من يجعل المثنى بالألف في موضع النصب والجر. وأجمعا في موضع الجر، ويكون تأكيداً للمضمر المتصل بحلساه. ولك أن تجعله تأكيداً للمال. وأجود من هذا أن يجعل حلساه مرتفعاً بقوله بذل، فيكون فاعلاً. وقد أضاف المصدر إلى المفعول، كقولك: أعجبني ضرب زيد عمرو. وجعل الحلس باذلاً وإن كان الفعل لصاحبه، على السعة، ويكون التقدير: أني أقابل بما يكتفي به من الزاد أن يبذل حلسا المال جميع ما يحويانه، ويكون على هذا أجمع تأكيداً للمضمر المتصل بحلساه لا غير. والمعنى: إذا حصلت الكفاية لأهل الزاد فإني أنفض الوعاء الجامع للمال، وأفرق كل ما فيه، أي أقتصر على الكفاية، وما تعداه أعده فضلاً. والحلس: الواحد من أحلاس البيت. قال الخليل: وهو ما يبسط تحت حر المناع من مسح وجوالق ونحوهما.
وقال عارق الطائي
ألا حي قبل البين من أنت عاشقة ... ومن أنت مشتاق إليه وشائقه
ومن لا تواتي داره غير فينة ... ومن أنت تبكي كل يوم تفارقه
افتتح كلامه بألا، ثم قال: جدد عهدك بصاحبك وسلم عليه، قبل أن تحول النوى بينكما فيهيج شوقك تعشقك له، وبعد الدار منه، وتهييج شوقه لمثل ذلك، لأن جميع ما أقوله من مقتضيات صفاء المقة، واستحكام المحبة. وقوله ومن لا تواتي داره فينة الأحسن أن تفع الدار بتواتي، يريد من لا تقاربك داره إلا ساعة لا تطوعك الزيارة إلا فيها. والفينة: الوقت، ويكون معرفة ونكرة، وقد مر القول فيه، وأنه يجري مجرى الصفات في ذلك إذا جعلت أعلاماً كالحارث والعباس. ولك أن تنصب داره. والمعنى تبكيه أو تبكي عليه، وكذلك قوله تفارقه أريد تفارق فيه فحذف مفعول الفعلين، ولا يمتنع أن يجعل كل يوم مفعول تبكي. والمعنى تتأسف على كلي يوم تفارقه فيه، فتبكيه شوقاً إليه، إذ كان
стр. 1198
التوديع جمعك وإياه فيه. ويكتفي في هذا الوجه بالضمير العائد من تفارقه، فأما إضمار فيه في تفارقه فلا بد منه. وقوله من وقد كرره في البيتين جميعاً مراراً، يجوز أن يكون بمعنى الذي، والجمل بعده في صلته، كأنه قال: حي الذي أنت عاشقه والذي أنت مشتاق إليه وشائقه والذي أنت كذا. ويجوز أن يكون نكرة في معنى إنسان، ويكون الجمل بعده صفات له. يريد: حي إنساناً هذه صفاته. فأما تكريره له فهو على طريق التعظيم والتفخيم. وهكذا العادة فيما يهول أمره من مرجو أو مخوف.
نخب بصحراء النوية ناقتي ... كعدو رباع قد أمخت نواهقه
إلى المنذر الخير بن هند نزوره ... وليس من الفوت الذي هو سابقه
يقول: تسير ناقتي الخبب - وهو ضرب من العدو - في هذه الصحراء تحتي، عدو فرس، أو عير قد أربع. والإرباع بينه وبين القروح سنة، فكأنه أراد استحكام شبابه وقوته، إذ ليس بينه وبين النهاية وهي القروح إلا سنة. ومعنى أمخت نواهقه أي قد أطاعه العلف أو المرتع فصار لعظامه مخ، والنواهق: عظمان في الساق، وفي غير هذا المكان مايكتنف الخاشم من الدابة، والواحدة ناهقة.
وقوله إلى المنذر تعلق بتخب والخير من صفته، وهو الذي تأنيثه خيره. ولا يمتنع أن يكون مخففاً من الخير، كما يقال لين ولين، وهين وهين. ونزور في موضع الحال، ويريد المنذر بن ماء السماء. وقوله وليس من الفوت الذي هو سابقه أراد سابق به، وفي الكلام وعيد.
ولهذا الشعر قصته، وهو أن الملك كان غزا أرضاً فأخفق، وفي منصرفه عثر بطائفة من طيىء كانوا في ذمته وعهده، فأراد تجاوزهم فقال بعض ندمائه له: استغنمهم وأوقع بهم. فقال: إنهم في ذمتي! فلم يزل يقرب الأمر فيه معه حتى استباحهم. لذلك توعد فقال: ما سبق به لا يفوت تداركه.
فإن نساء غير ما قال قائل ... غنيمة سوء وسطهن مهارقه
ولو نيل في عهد لنا لحم أرنب ... وفينا وهذا العهد أنت مغالقه
стр. 1199
أكل خميس اخطأ الغنم مرة ... وصادف حياً دائناً هو سائقه
قوله غير ما قال قائل، يجوز أن يكون صفة لنساء. وقوله غنيمة سوء يرتفع على أن يكون خبر مبتدأ، كأنه قال: هن غنيمة سوء، حكاية لكلام القائل الذي ذكره. وإضافة الغنيمة إلى السوء يكون على طريق الإزراء والاستحقار. وقوله وسطهن مهارقه، الجملة في موضع خبر إن، فيكون المعنى إن نساء مخالفة صفتها لما قاله قائل، يعني من حسن في عين الملك الإيقاع بهن هن غنيمة سوء معهن كتب العهد والذمة اللذين يخرجن بهما عن كونهن غنيمة. فهذا وجه، ويجوز أن يكون غنيمة سوء خبر إن، ووسطهن مهارقه من صفة النساء، وقد فصل بين الصفة والموصوف بخبر إن، وغير ما قال قائل ينتصب على المصدر، فيكون مؤكداً للقصة، والتقدير: إن نساء وسطهن مهارقه غنيمة سوء، غير قول القائل المحسن الإيقاع بهن. ويجري هذا مجرى قولهم: هذا ولا زعماتك. أي هذا هو الحق لا ما تزعمه. ويكون المعنى: إن نساء معهن عهدك، ولا أقول ما قاله قائل حسن الإيقاع بهن، غنيمة سوء لا غنيمة صدق. والمهارق: جمع المهرق، وهو فارسية معربة. وكانت العرب تصقل الثياب البيض وتكتب فيها كتب العهود وما أرادوا إبقاءه على الدهر، وقوله ولو نيل في عهد لنا لحم أرنب وفينا يقبح عنده ما ارتكبه منهن. فيقول: ولو أصيب لحم أرنب فيما تشعله أذمتنا لوفينا به. ثم أنت أيها الملك تغالق هذا العهد، وتستجيز تخطيه، وتستحسن نقضه وترك الوفاء به. وقوله لحم أرنب ذكره تحقيراً وأنه صيد مستباح.
وقوله أنت مغالقة لك أن تروى معالقة بالعين. والمعنى: وهذا العهد الذي معهن متعلق بذمتك وفي رقبتك حتى تخرج منه. ومن روى مغالقه بالغين معجمة، يكون من غلق الرهن، أي أنت مفسده ومحتسبه تاركاً للوفاء به. وقوله أكل خميس لفظه استفهام ومعناه تقريع. فيقول: أكل جيش أخفق في وجه قدر الغنم فيه، وصادف في منصرفه حياً في طاعته يسوقه ويوقع به. أي إن ذلك غير مستجاز في السياسة والديانة، ولا مستحسن في المروءة؛ والغدر مغبته ذميمة، وعاقبته قبيحة دميمة.
стр. 1200
وكنا أناساً دائنين بغبطة ... يسيل بنا تلع الملا وأبارقه
فأقسمت لا أحتل إلا بصهوة ... حرام عليك رمله وشقائقه
قوله دائنين، أي آخذين بالطاعة، مغتبطين بما لنا من الذمة. ويكون بغطبة في موضع الحال. وروى: دائبين، وهو أقرب، ويكون من الدؤوب. والمعنى إنا كنا نسير مغتبطين آمنين فرحين حيث شئنا. ويدل على هذا قوله يسيل بنا تلع الملا وأبارقه. وإنما يقتص حالهم قبل معاهدته لهم، ومعاقدته الذمة بينه وبينهم. والملا: الصحراء. والتلعة: مسيل ماء، وجمعها تلع، كجوزة وجوز. والأبارق: جمع الأبرق، وهي المواضع التي قد ألبست حجارة سوداً. ومنه حبل أبرق، إذا كان ذا لونين سوداً وبياض. وقوله لا أحتل إلا بصهوة، يقول: حلفت لا انزل إلا بعيداً من أرضك، وخارجاً من ملكتك، في صهوة أو في مكان عال تحرم عليك جوانبه وآفاقه. والشقائق: جمع شقيقة، وهي رملة بين أرضين. ورمله ترتفع بحرام، أي يحرم عليك. ولك أن تروى حرام عليك رمله فيكون خبراً مقدماً، ورمله مبتدأ، والجملة في موضع الصفة للصهوة.
حلفت بهدي مشعر بكراته ... تخب بصحراء الغبيط درادقه
لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم ... لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه
يقول: أقسمت بقرابين الحرم وقد اعلمت لكراته بعلامات الإهداء. والإشعار، هو أن يطعن في أسنتها فيسيل الدم الدم عليها، فيستدل بذلك على كونه هدياً. وجعل الهدى دالاً على الجنس وما بعده صفته. وقوله تخب بصحراء الغبيط درداقه، يريد سوقها نحو البيت. والدرداق: صغار الإبل. والخبب: ضرب من السير. وجواب القسم لأنتحين للعظم، والئن فيها بين القسم والمقسم له موطئة للقسم. فيقول: آليت إن لم تغير أيها الملك بعض صنيعك، ولم تتدارك ما فاتنا من عدلك ووفائك، لأقصدن في مقاتلتك كسر العظم الذي صرت أعرفه فينتزع العظم منه. جعل تقبيحه لما أتاه وشكواه كالعرق، وهو انتزاع اللحم وما بعده، إن لم يغير معاملته، تأثيراً في العظم نفسه. وقد أحسن في التوعد، وفي الكناية عن فعله وعما يهم به بعده. وقوله
стр. 1201
ذو أما لغتهم وهو في معنى الذي، وأنا عارقة من صلته، وقد مضى الكلام في مثله.
وقال برج بن مسهر
مرت من لوى المروت حتى تجاوزت ... إلي ودوني من قناة شجونها
إلى رجل يزجى المطي على الوجى ... دقاقاً ويشقي بالسنام سمينها
فللقوم منها بالمراجل طبخة ... وللطير منها فرشها وجنينها
اللوى: مسترق الرمل. والمروت: فعول من المرت، وهو الأرض التي لا تنبت شيئاً. وقال الدريدي: هو المكان القفر. وقناة: موضع. وشجونها: جوانبها المتقاربة ونواحيها. والشجون أيضاً: الأشجار الملتفة المتداخلة. والشواجن، واحدتها شاجنة، وهي المواضع التي فيها الشجون. ومن التداخل والالتفاف قولهم: الحديث ذو شجون. وإنما يخبر عن خيال زاره.
وقوله إلى رجل، تعلق إلي بسرت. ويعني بالرجل نفسه، ويزجى المطي، أي يسوقها. والوجى: الحفا؛ أي لا يبقى عليها ولا يرفق بها، لكنه يديم السير عليها ولا يقبها مع الحفا ولا يبقى عليها مما يهلكها. ودقاقاً انتصب على الحال، أي ضوامر مهازيل. ويشقى بالسنان سمينها، أي بالسنان له، فحذف الضمير لأنه لا يخيل. والمعنى أنه لا ينحر سمان الإبل للعفاة والضيوف. وقوله فللقوم منها بالمراجل طبخة منها رجع الضمير إلى قوله سمينها، لأنه أراد بها الجنس، وهذا إخبار عن حالتها وقد جزرت. فيقول: للوارد منها طبخة في المراجل، وللطير فرثها والولد الذي في بطنها.
وقال ملحة الجرمى
فتى عزلت عنه الفواحش كلها ... فلم تختلط منه بلحم ولا دم
كأن زرزور القبطرية علقت ... علائقها منه بجذع مقوم
стр. 1202
يمدحه بالرزانة والعقل، ونقاء الجسم من العيب، وصفاء السبب والنسب من الفحش ومعنى عزلت نحيت منه في جانب. ويقال: هو بمعزل عن هذا الأمر والأصحاب، فيقول: بعدت عنه الفواحش كلها وصرفت، وجعل بينه وبينها حاجز حتى لا تمازج ولا تخالط، ولا تداني ولا تشابك. والقبطرية: جنس من الثياب رفيع. ومعنى البيت أنه طويل القامة مديد الجسم، فكأن زرور القميص من هذا الجنس من الثياب علقت منه على جذع مقوم. أراد أن طول جذع هكذا. وهم يتمدحون بامتداد القوام، والبسطة في الأجسام.
عملس أسفار إذا استقبلت له ... سموم كحر النار لم يتلثم
إذا ما رمى أصحابه بجبينه ... سرى ليلة الظلماء لم يتهكم
كأن قرادي زوره طبعتهما ... بطين من الجولان كتاب أعجم
العملس: الجريء المقدام، ويوصف به الذئاب، وكذلك السلمع ويوصف به الخبيث من الذئاب والكلاب. ويقال: هو عملس دلجات، أي قوي على السير. وزاد اللام في قوله إذا استقبلت له تأكيداً، والأصل استقبلته. وجواب إذا لم يتلثم وهو العامل فيه. فيقول: هو في السفر بهذه الصفة مبتذلاً نفسه لا يتوقى من السمائم، ولا يتخشى منأنواع المهالك، فإذا قابلته السموم المحرقة إحراق النار لم يصن وجهه منها، ولا جعل على محياه لثاماً. واللثام: رد المرأة قناعها على انفها، وقد تلثمت، وتلثم الرجل بعمامته. والملثم ما حول الفم، وقيل الأنف وما حوله، والفام: رد القناع على الفم، وقيل أيضاً: هو مثل اللثام لا فرق بينهما.
وقوله إذا ما رمى أصحابه بجبينه أراد أنهم إذا قدموه ليهتدوا به وهم يسرون في ليلة شديدة الظلام هائلة لم يجبن ولم يتكذب، ولكن تقدمهم وقادهم على عادته.
وقوله كأن قرادي زوره طبعتهما وصفهما بالصغر، ثم شبههما بطابعين من طين الجولان، ويقال إنه أسود، تولي طبعهما كاتب من كتاب العجم. وخصهم لأنهم حينئذ كانوا أحذق بالكتابة وأسبابها. وهم يتمدحون بالهزال وقلة اللحم. والطبع: الختم. والطابع: الخاتم. وحكى: هذا طبعان الأمير، أي طينه الذي يختم به
стр. 1203
وقال بعضهم:
إنك يا ابن جعفر نعم الفتى
ونعم مأوى طارق إذا أتى
ورب ضيف طرق الحي سرى
صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى
إن الحديث جانب من القرى
ثم اللحاف بعد ذاك في الذرى
يخاطب بهذا الكلام عبد الله بم جعفر بن محمد الصادق ﵃، فيقول: نعم الفتى أنت، أي محمود في الفتيان أنت ومحمود دارك وفناؤك، مأوى الطراق إذا وردوا. وقوله مأوى طارق أضافه إلى النكرة لأن القصد بطارق إلى الجنس، واسم الجنس في مثل هذا المكان وأن تنكر فائدته فائدة المعارف، وإذا كان كذلك كان قولك مأوى طارق بمنزلة مأوى الطراق. والمحمود هو المخاطب. ويجب أن يكون في نعم ضمير يعود إلى المخاطب، وقد اشمل عليه قوله نعم الفتى ونعم مأوى طارق، لأن فائدة نعم الرجل، محمود في الرجال. فكأنه قال: إنك محمود في الفتيان يا ابن جعفر. وقد قيل في قول القائل: زيد نعم الرجل: إنه لما كان القصد بالرجل إلى الجنس، وكان زيد منهم، اكتفى بكونه منهم من ضمير يعود إليه.
وقوله ورب ضيف طرق الحي سرى، يريد ليلاً؛ لأن السرى لا يكون إلا بالليل فالسري في موضع ظرف، واسم الزمان محذوف معه، وهو كقولك: جئتك مقدم الحاج وما أشبهه. فيقول: رب ضيف أتى الحي راجياً وجود القرى عنده، أنزلته فصادف في فنائك زاداً عتيداً، وحديثاً مؤنساً، وإكراماً مبراً. وقوله ما اشتهى في موضع الظرف، فهو كقوله:
أحدثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع
стр. 1204
لأن في قوله ما اشتهى المعنى الذي عليه قوله تعلم نفسي أنه سوف يهجع. وقوله إن الحديث جانب من القرى، يقول: تأنيس الضيف بملح من الحديث من أسباب القرى وشرائطه، وخصاله التي تكمله وتفضله. وقوله ثم اللحاف بعد ذاك في الذرى، إشارة إلى إكرامه بما يفترش له ويمهد به موضعه. والذرى: الكنف.
وقال الشماخ
وأشعث قد قد السفار قميصه ... وجر شواء بالعصا غير منضج
دعوت إلى ما نابني فأجابني ... كريم من الفتيان غير مزلج
يصف مضيفاً. والأشعث: الذي يبتذل نفسه ولا يصونها عن التعمل، فيصير مقطوع القميص في السفر، لتحمله عن أصحابه أثقال المهن، حتى يتشعث طواهره، ويغبر شعره، وترث ثيابه، ويختل أمره. وقوله: وجر شواء إشارة إلى توليه من خدمة الرفقاء والأصحاب مالا يكون من عمله. وجعل الشواء غير مدرك لتعجله وحرصه على تقديم أمرهم والتسرع في إطعامهم. ويجوز أن ينتصب غير على أن يكون حالاً للنكرة - وهو أجود الروايتين - حتى لا يكون قد فصل بين الصفة والموصوف بالأجنبي منهما، وهو قوله بالعصا، لأن التعلق بينهما يقارب التعلق بين الصلة والموصول.
وقوله: دعوت إلى ما نابني، أي استغثت به وطلبت منه الإغاثة على ما نابني من حدثان الدهر فأجابني منه كريم من الفتيان غير ضعيف الممة، ولا مؤخر عن الغاية البعيدة. وأصل التزليج من قولهم قدح زلوج، أي سريع في الإجابة. أي إذا وقف على حد مكرمة وأشرف على الفوز بمنقبة لم يزلج عنه ولم يدفع منه، لأن الزلج السرعة في المشي وغيره. وكل زالج سريع، ومنه مزلاج الباب للخشبة التي يغلق بها.
فتى يملأ الشيزى ويروى سنانه ... ويضرب في رأس الكمي المدجج
فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة ... ولا في بيوت الحي بالمتولج
стр. 1205
يقول: هذا المدعو المستغاث به فتى يملأ الجفان المتخذة من الشيزى للضيوف والرفقاء، ويروى سنان رمحه من دماء الأعداء، وإذا بارزه في الحرب القرن التام السلاح، الكمي بين الصحاب، غلبه وركبه، وأتى عليه فأسقطه، وهو فتى لا يرضي لنفسه في دنياه بأقرب الهمتين، وأدون المعيشتين، ولكن يطلب غايات الكرم ونهايات الفضل، ولا يداخل بيوت الحي والمجاورة، ولا يخالط النساء للريبة والمعازلة. يصفه بالعفة والجد، وصيانة النفس، وارتفاع الهمة والهم عما يزيل الحشمة، ويدنس المروءة.
وقوله ولا في بيوت الحي، جعل في بيوت تبييناً، وقد حصل الاكتفاء بقوله المتولج، فيكون موقعه منه كموقع بك بعد مرحباً، لئلا يحصل تقديم الصلة على الموصول، وإن شئت جعلت الألف واللام في قوله المتولج للتعريف، لا بمعنى الذي، فلا يحتاج إلى تقدير الصلة في الكلام. وقد مر نظائره.
стр. 1206
باب المدح
وقال يزيد الحارثي
وإذا الفتى لاقى الحمام رأيته ... لولا الثناء كأنه لم يولد
وأتيت أبيض سابغاً سرباله ... يكفي المشاهد غيب من لم يشهد
يقول: إذا أخلى الفتى مكانه من الدنيا وانقضى عمره، فانتقل من الأولى إلى الأخرى، فلولا ثناء الناس عليه، وذكره بالجميل الذي يقدمه ويسديه، لنسي وقته وأمده، وصار حكمه من لم يولد فيعرف يومه وغده، لكن باقي الذكر ونامي العهد والرسم، بما ينشر من حديث حسن وقصة، ويحمد من عادة وسنة، هو الذي يصير به في حكم الحي الذي لم يمت، والمشهود الذي لم يفت. وقد توصل بهذا الكلام إلى إطرائه من يتشكره والثناء عليه، وهو قوله وأتيت أبيض سابغاً سرباله، يريد: وزرت رجلاً كريماً حراً، نقى الحسب من العيوب، واسع العطاف والقميص، لباسه لباس الرؤساء والسادة. وقوله يكفي المشاهد يريد أنه ينوب في مجالس الكبار عمن لا يحضرها، فيحسن المحضر، ويقصر لسان المغتاب. ومثله قول الآخر:
إنا لنذكر والرماح تنوشنا ... تحت العجاجة ما يقال ضحى الغد
стр. 1207
وقال دريد بن الصمة
تراه خميص البطن والزاد حاضر ... عتيد ويغدو في القميص المقدد
وقد مرت هذه الأبيات مشروحة.
وقال آخر:
كريم رأى الإفتار عاراً فلم يزل ... أخا طلب للمال حتى تمولا
فلما أفاد المال عاد بفضله ... على كل من يرجو جداه مؤملا
الإفتار: نقيض الإكثار. يقال فلان مكثر، وفلان مقتر. وكذلك التقتير عقيب التكثير. ويقال: قتر على أهله وأقتر، إذا ضيق عليهم في الإنفاق، وفي القرآن: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا "، قرى بضم الياء وفتحها على اللغتين. يقول: لما رأى في ماله القصور والعجز عن مدى همه، رأى ذلك عاراً ومنقصة، فلم يزل يمتطي المراكب الشاقة طالباً للمال، ويدبم الحل والترحال في كسبه وجمعه، حتى إذا استغنى ونال مناه، لم ينفرد به دون مؤمليه، ولك يجعله مقصوراً على لذاته ومباغيه، ولكن عاد يفضل عليهم، وأقبل يشركهم فيه ويعطيهم. ويقال أفاد بمعنى استفاد. والجدا والجدوى: العطية.
لما أتى يزيد بن عبد الملك بآل الملهب قام " كثير " بيد يديه فقال:
حليم إذا ما نال عاقب مجملاً ... أشد العقاب أو غفا لم يثرب
فعفوا أمير المؤمنين وحسبة ... فما تحتسب من صالح لك يكتب
أسلموا فإن تغفر فإنك أهله ... وأفضل حلم حسبة حلم مغضب
стр. 1208
يصفه بكرم النفس وكظم الغيظ، واستعمال الحلم في وقته، والانتقام من الأعداء بأشده في إبانه وحينه. فيقول: إذا نال الجاني عليه، أو العدو المكاشح له، عاقبه وهو مجمل، أي لا يشتط ولا يسرف، ولكن ينتهج طرق العدل في الانتقام، ويقصد الحق في إقامة الحد عند التمكن واللزام، وذلك أشد ما يعاقب به مثله، أو عفا عنه غير موبخ على ذنبه، ولا مكدر نعمته في عفوه. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: " لا تثريب عليكم ": لا تخليط ولا إفساد. وقال غيره: لا تعيير ولا توبيخ.
وقوله فعفواً أمير المؤمنين طلب وسؤال، عفواً على المصدر. فيقول: اعف وقد قدرت، واحتسب عند الله بما تأتيه، فهو مكتوب لك إلى يوم فاقتك، ومدخر إلى مجازاتك، فكما تعفو يعفى عنك. وقوله أساءوا فإن تغفر، اعتراف بالذنب، واستعطاف بالغفر. فيقول: إن تجافيت عن إساءتهم واستعملت ما أنت أهله من العفو عنهم، فإن ذاك هو المرجو منك، والمعتاد من نظرك، وأفضل الحلم احتساباً وأجراً حلم المغيظ، والمضجر الممتلك.
فروى أن يزيد لما قرع سمعه هذه الأبيات قال: لولا أنهم قدحوا في الملك لعفوت عنهم.
وقال يزيد بن الجهم
تسائلني هوازن أين مالي ... وهل لي غير ما أنفقت مال
فقلت لها هوازن إن مالي ... أضر به الملمات الثقال
أضر به نعم ونعم قديماً ... على ما كان من مال وبال
يقول: تباحثني هذه القبيلة عن حالي، وتسائلني عن وجوه غناي، ومصارف مالي. وهذا إخبار عنهم وعن مباحثتهم واستكشافهم في إنكارهم. وقوله وهل لي استفهام على طريق النفي، كأنه قال: ومالي مال إلا ما أتلفته ووضعته حيث اخترته. وهذا اعتراض بين الابتداء من هوازن في السؤال وبين ما أتى به في الجواب، وهو
стр. 1209
قوله فقلت لها هوازن. وانتصب غير على أنه استثناء مقدم، كلأنه لم يعتد بما فضل له عن مآربه، وبقي عنده في جواب مطالبه. والمعنى أنه لا مال له إلا ما انفقه وقدمه لا ما يسأل عنه.
وقوله فقلت لها هوزان، يريد أجبتهم وقلت: مالي أفناه ما نزل بي من الملمات الفادحة، والنوائب المجحفة، وأضر به قولي في جواب السؤال والوارد: نعم، إيجاباً لهم، وإسعافاً بمقترحاتهم. وهذه اللفظة وبال على الأموال معروف فيما تقادم من الأزمان. وانتصب قديماً على الظرف، والعامل فيه ما اشتمل عليه قوله على ما كان من مال وبال.
ونعم: حرف وضع للإيجاب، ونقيضه لا. وقد جعله الشاعر على هيئته منقولاً إلى باب الأسماء، فهو فاعل لأضر، ومبتدأ في قوله ونعم قديماً والخبر وبال.
فأما قول أبي تمام:
تقول إن قلتم لالا مسلمة ... لأمركم ونعم إن قلتم نعما
فقد عيب عليه نعما، وليس كما ظن، لأنه لما نقلها وجعلها اسماً نصبها بقلتم، على حد قولك: قلت خيراً وقلت شراً. ويجوز أن يكون قديماً انتصب على الصفة المتقدمة، أي نعم وبال قديم على الأموال، فلما قدمه نصبه. ومثله:
لمية موحشاً طلل
وقال أعرابي
ألا فتى نال العلا بهمه
ليس أبوه بابن عم أمه
ترى الرجال تهتدي بأمه
стр. 1210
قوله ألا فتى تمن، وألف الاستفهام دخل على لا النافية لهذا المعنى، ولذلك حذف التنوين من فتى. ومعنى نال العلا بهمه أي صرف همه، وشغل نفسه بما ابتنى به العلا، وعمر به مكارم قومه وذويه. وقوله ليس أبوه بابن عم أمه، هو المعنى الذي ورد به الخبر: اغتربوا لا تضووا، لأنهم كانوا يعتقدون أن الولد إذا حصل بين متشاركين في النسب متقاربين، جاء ضاوياً. وقوله ترى الرجال تهتدي بأمه، أي تراهم يطؤون عقبه ويقدمونه فيهتدونن بقصده، ويقتدون برسمه، لرياسته وفضله.
وقال ابن المولى، ليزيد بن حاتم
وإذا تباع كريمة أو تشتري ... فسواك بائعها وأنت المشتري
وإذا توعرت المسالك لم يكن ... منها السبيل إلى نداك بأوعر
يقول: إذا قامت سوق المكارم، وثار رهج المغانم بين طلاب المعالي وتجار المحامد، فغيرك من حاضريها يزهد في حوز المكرمات، ويرفع يده عنها، فكأنه يبيعها؛ وأنت تحصلها وتجمع يدك عليها، وتفوز بابتياعها وإن كان بأغلى الأثمان، وأثقل السيم، فلا رغبة إذا نظرنا في مجامع المجد، واعتبرنا فيها دواعي طلاب الثناء والحمد، كرغبتك. وقوله: تباع أو تشتري، أو بمعنى الواو، فهو كما يكتب في العقود: وكل حق له داخل أو خارج.
وقوله وإذا توعرت المسالك، يريد وإذا اشتد الزمان وانسدت الطرق إلى من يتندى ويشتهر بفعل المعروف، لشمول القحط وإمحال الناس، فعادت مسالك الجود وعرة لا يمكن قطعها، ولا الوصول إلى أسباب الخير منها، كنت قريب المأخذ، سهل الفناء، حسن الإقبال على مجتديك، جميل الاشتمال على قصادك وزائريك، فلا تستحزن أرضك، ولا يستوعر جنابك. وتوعرت، من قولهم: طريق وعر، أي غليظ. وقد وعر يوعر. وطريق أوعر، من هذه اللغة.
стр. 1211
وإذا صنعت صنيعة أتمتها ... بيدين ليس نداهما بمكدر
وإذا هممت لمعتفيك بنائل ... قال الندى فأطعته لك أكثر
يا واحد العرب الذي ما إن لهم ... من مذهب عنه ولا من مقصر
قوله وإذا صنعت صنيعة، يقول: وإذا اتخذت عند إنسان يداً وأزللت إليه نعمة، فإنك لا تخدجها ولا تترك ترتيبها، لكنك تكملها وتقوم بعنراتها، مصونة منالمن والتكدير، صافية من الشوائب والتعذير؛ ومتى نويت لمجتديك الإفضال عليه اقتضاك كرمك والندى الذي هو همك وسدمك، وقالا وأنت تطيعمها وتوجب مرسومهما: أكثر له ليستغني عن غيرك، ويخلص المن لك. وقوله يا واحد العرب، يجوز أن يتصل بقول الندى ويكون الشاعر حاكياً، ويجوز أن يتصل بمخاطبة الشاعر، والقصد في الدعاء التخصيص والإطراء. والمعنى أنه واحد العرب لا نظير له فيهم، فهو المنظور إليه من بينهم، فلا معدل عنه في المهمات، ولا مقصر دونه في الملمات. والمقصر: الكف والإمساك.
وقال المعذل
جزى الله فتيان العتيك وإن نأت ... بي الدار عنهم خير ما كان جازياً
هم خلطوني بالنفوس وأكرموا ال ... صحابة لما حم ما كنت لاقياً
كان المعذل أخذ بجرم، فكفل عليه النهس بن ربيعة العتكي، وكان حيث كفل عليه: دفع إليه فحمله على فرس وبغل، وأمره أن ينجو بدمه، وأسلم نفسه مكانه، فقال المعذل: اختر أن أمتدحك أو أمتدح قومك. فاختار امتداح قومه، فقال: تولى الله عني جزاء فتيان التعيك، فقابلهم بخير ما يجازي به مستحقاً لجزاء، وإن بعدت عنهم، وتناءت داري عن دارهم.
ثم أخذ يقتص ما عومل به فذكرهم وقال: هم الذين خلطوني بأنفسهم، وأسقطوا الحشمة بيني وبينهم، فجعلوني أشاركهم في خيرهم، ولا أتفرد بالضير فيهم؛ ثم إنهم صاحبوني مصاحبة كريمة لما قدر لي ما كنت أكابده، فضموني إلى أنفسهم متكفيلن بي، وصابرين على المكروه دوني، ثم فكوا أسري وأبلغوني مأمني.
стр. 1212
فإن قيل: ما فائدة قوله وإن نأت بي الدار عنهم؟ قلت: أراد أنه لا يشكرهم مقارضاً ولا طامعاص فيؤثر فيما هو الغرض فيه فرب الدار وبعدها، بل يؤدي حق نعمة، ويقضي لازم فريضة وقوله لما حم يجوز أن يكون ظرفاً لأكرموا. ومعنى حم فدر.
هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغاليا
طعامهم فوضى فضاً في رحالهم ... ولا يحسنون السر إلا تناديا
كأن دنانيراً على قسماتهم ... إذا الموت للأبطال كان تحاسيا
ذكر ما شاهدهم عليه في مجاورتهم، ويجرون عليه في عاداتهم ومصارفهم، وينتقلون فيه أوقات حفلهم، وعند خلوتهم، وقيما ينوبهم من نائبة تخصهم أو تهمهم. فقوله يفرشون اللبد بضم الياء، أي يجعلون اللبد فراشاً لظهر كل رمكة وثابة، وكل فحل كريم سباح في عدوه، غلاب لمباريه في الغلو، سباق في الرهان يحوز قصب التقدم والعلو.
ويقال: ى فرشت الفراش وأفرشنيه فلان، وافترشت الأرض والمرأة. وروى بعضهم: هم يفرشون بفتح الياء، وقال: أراد يفرش للبد على كل طمرة، فحذف الجار. قال: ويقال فرشت ساحتي الآجر وبالآجر.
وقوله يبذ المغاليا إن ضممت الميم جاز أن يراد به السهم نفسه أو فرس يغاليه. وجاز أن يراد به الرافع يده بالسهم يريد به أقصى الغاية. ويقال: بيني وبينه غلوة سهم، كما يقال قيد رمح وقاب قوس. وإن فتحت الميم يكون جمعاً للمغلاة، وهي السهم يتخذ للمغالاة. والمعنى يسبق في غلوته. ومراد الشاعر أن سعيهم مقصور على تفقد الخيل وخدمتها، والتفرس على ظهورها. وقوله طعامهم فوضى فضاً فوضى من فوضت الأمر إليك. والفضا من فضت الأرض، إذا اتسعت؛ ومنه الفضاء، وأفضيت إليه بكذا. والمعنى أن الطعام عندهم وفيهم لا يكال ولا يوزن، ولا يقتسم ولا يفرز، بل يأكله في رحالهم كل من احتاج إليه، غير ممنوع عنه. وقوله ولا يحسنون السر إلا تنادياً، أي لا ريبة في أقوالهم وأفعالهم فيخفضوا الصوت بما يتخاطبون به، فعلى هذا يكون تنادياً مستثنى، ويكون التقدير: لا يحسنون السر لكنهم يتنادون. ويجوز أن يكون تنادياً في موضع
стр. 1213
الحال، ويكون من باب:
تحية بينهم ضرب وجيع
وأعتبوا بالصيلم، وما أشبههما.
وقوله كأن دنانيراً على قسماتهم فالقسمة: الوجه. ويقال: وجه مقسم، إذا وفى كل جزء منه حظه من الحسن يريد أن الشدائد لا تكسر شوكتهم ولا تغض أبصارهم ولا تغيض مياه وجوههم، بل يزدادون على طول المراس والجذاب حسناً ونشاطاً. فكأن سحناتهم غشيت بالدنانير إشراقاً ونوراً، في وقت تتحامى الأبطال فيه الموت. وهذا مثل للشدة وقد وطنت النفوس عليها، وذللت لها. أي تشرب الشجعان كؤوس الموات حسوات.
وقال بعضهم:
وزاد وضعت الكف فيه تأنساً ... وما بي لولا أنسة الضيف من أكل
وزاد رفعت الكف عنه تكرماً ... إذا ابتدر القوم القليل من الثفل
وزاد أكلناه ولم ننتظر به ... غداً إن بخل المرء من أسوأ الفعل
يصف وفور عقله وحسن تأتيه في تقلب الأحوال به، وذهابه مع الكرم أني اعتمد، ومع من تصرف. فيقول: رب زاد وضعت كفي فيه إيناساً للمجتمعين عليه، وتأنساً بمؤاكلتهم، ولكي ينشطوا بكوني معهم، ويطرحوا الحشمة لانضمامي إليهم، لولا ذلك لكنت غير محتاج إليه، ولزهدت في التناول منه. وقوله أنسة الضيف، يقال انس وأنسة كما يقال: بعد وبعدة، وشقاء وشقاوة، ومنزل ومنزلة، ودار ودارة.
ورب زاد أمسكت عن أكله، وانقبضت عن الاجتماع مع آكليه مؤثراً لغيري به، وتوسيعاً على متناوليه، في وقت من الزمان يرى القوم يتبقون إلى القليل من سقط
стр. 1214
الزاد، لعزته وشدة حاجتهم إليه، وبعد عهدهم بأطايبه، ورب زاد أفنيناه وتوسعنا فيه، غير مفكر في مستأنف الزمان، ولا خائف من عواصف الحدثان، ولو بقيناه لعد ذلك من فعلنا بخلابه، والبخل من أسوأ أفعال المرء وأقبحها. وانتصب تأنساً على أنه مصدر في موضع الحال. وقوله مناكل في موضع الرفع لأنه اسم ما، والنفي بما تناوله من حديث لولا. وكذلك قوله تكرماً في موضع الحال، وإذا ابتدر ظرف لرفعت، وهو جوابه. وقوله لم ننتظر به غداً أي لم ننتظر باستيفائه غداً، أي مجيء الوقت الذي نسميه غداً.
وقال بعضهم:
لقل عاراً إذا ضيف تضيفني ... كا كان عندي إذا أعطيت مجهودي
جهد المقل إذا أعطاك نائله ... ومكثر في الغنى سيان في الجود
اللام من لقل جواب يمين مضمرة، وفاعل قل ما كان عندي. وعاراً انتصب على التمييز، وهو مما نقل الفعل عنه، كأنه كان لقل كا كان عندي، فنقل قل وجعله لقوله ما كان، واشبه عاراً المفعول فنصبه. وقوله إذا أعطيت ظرف لقوله: قل ما كان عندي. وإذا ضيف تضيفني، ظرف لقوله: إذا اعطيت مجهودي. وتلخيص الكلام: لقد قل عار ما كان عندي إذا أعطيت منه مجهودي إذا ضيف تضيفني. والمعنى: لا عار في القليل الذي عندي إذا اعطيت مجهودي في الوقت الذي يتضيفني الضيف. ومثل هذا البيت فيما اجتمع فيه من الظرفين قول الآخر:
علام تقول الرمح يثقل ساعدي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
وقوله جهد المقل مبتدأ، وعطف مكثر على المقل، وقد حذف المضاف منه، والمراد وجهد مكثر في الغنى، فاكتفى بالأول عن الثاني، وسيان خبر المبتدأ، كأنه قال: جهد المقل إذا أعطاك ما عنده وجهد مكثر في الغنى مثلان في أحكام الجود وشرائطه، لأن كلاً منها قتل مجهوده. وإنما قلنا هذا لأنكإن لم تضمر في قوله ومكثر المضاف تكون قد جمعت بين الحدث وهو جهد المقل، وبين الذات وهو مكثر فجعلتهما سبين. والشرط أن يضم الحدث إلى الحدث، والذات إلى الذات. وقوله في الغنى في موضع الصفة لكثر، كأنه قال ومكثر غنى.
стр. 1215
وهذا كما تقول: جاءني رجل في جبة، تريد وعليه جبة، ةتحقيقه: جاءني رجل لابس جبة.
وقد تبين من البيت الثاني معنى البيت الأول، واعتذاره من القليل الذي يعطيه إذا ضاف ضيف.
وقال خلف بن خليفة
عدلت إلى فخر العشيرة والهوى ... إليهم وفي تعداد مجدهم شغل
إلى هضبة من آل شيبان أشرفت ... لها الذروة العلياء والكاهل العبل
إلى النفر البيض الأولاء كأنهم ... صفائح يوم الروع أخلصها الصقل
إلى معدن العز المؤيد والندى ... هناك هناك الفضل والخلق الجزل
قوله والهوى إليهم مبتدأ وخره قد اعترض بين صدر البيت وعجزه، والواو واو الحال. والمعنى: وهواي معهم؛ لأن إلى بمعنى مع، كما يقال هذا إلى ذاك. ويجوز أن يعطف والهوى على فخر العشيرة، فيكون المراد عدلت إلى الافتخار بهم، وإلى الهوى معهم. فيقول: صرفت همي إلى ذكر مفاخر العشيرة، وهواي معهم، وتركت غيره لأن في عج مجدهم وإحصائه ما يشغلني عن غيره. ثم كرر إلي مفخماً ومعظماً، فقال: إلى هضبة من شأنها كذا، وإلى النفر الذين من شأنهم كذا، وإلى معدن العز الذي من أمره كذا. والمراد بجميع ما ذكر العشيرة وإن اختلفت العبارات عنها. وقوله أشرفت لها الذروة العلياء، يعني هضبة العز. فيقول: علت لهذه الهضبة ذروة شامخة وكاهل ضخم، يريد عظم الهضبة وسموقها واتساع جوانبها.
وقوله إلى النفر البيض يعني آل شيبان. ذكر عزهم وكنى عنه بالهضبة، والقصد إلى أنهم الملجأ والمعقل. والأولاء في معنى الذين، وما بعده من صلته، ويمد ويقصر، فيقال الأولاء والأولى. وأراد بالبيض الكرام المنقي الأحساب. وقوله كأنهم صفائح يوم الروع، يجوز أن يضيف صفائح إلى يوم الروع، ويريد تشبيههم في نفاذهم وقدودهم بالسيوف المعدة ليوم الروع، لا المعاضد وما يبتذل في العوارض سوى الحرب. ولك أن تنصب يوم على الظرف. يريد صفائح مصقولة
стр. 1216
جردت يوم الروع، وأعملت وأنفذت. وعلى الوجهين جميعاً يكون أخلصها الصقل من صفة الصفائح.
وقوله إلى معدن العز المؤيد معنى المؤيد المقوي بمواده التي تصرف إليه، لحسن مراعاتهم ومحافظتهم على المجد. ولك أن تروى المؤبد بالباء، ويكون المعنى العز الدائم الثابت على مر الأيام. وقوله والندى لك أن تجره معطوفاً على العز وتصير هناك مكرراً، والفضل مبتدأ وهناك خبره، وقد كرر الخبر تفخيماً وتعظيماً. وكما يكرر الخبر يكرر المبتدأ، تقول: زيد زيد عاقل، وزيد عاقل عاقل. ولك أن تجعل والندى مبتدأ ويكون هناك الأول خبره، والواو واو الحال، ويكون هناك الفضل مستأنفاً.
وقوله الخلق الجزل الجزالة مستعملة في الرأي والخلق، وفي القرآن: " وإنك لعلى خلقٍ عظيم "، فاستعمل العظم أيضاً.
أحب بقاء القوم بالمصر إنهم ... متى يظعنوا عن مصرهم ساعةً يخلو
عذابٌ على الأفواه ما لم يذقهم ... عدوٌ وبالأفواه أسماؤهم تحلو
عليهم وقار الحلم حتى كأنما ... وليدهم من تاجل هيبته كهل
إذا استجهلوا لم يعزب الحلم عنهم ... وإن آثروا أن يجهلوا عظم الجهل
قوله " أحب بقاء القوم بالمصر " يصف به كثرة خيرهم وعموم النفع بمكانهم في مقامهم، وسكون الناس إليهم، وقيام مرواتهم وسياساتهم في أوطانهم ومظانهم، فيقول: أحب لبثم في دورهم ومواضعهم، فإنهم متى ارتحلوا عن مصرهم ساعةً خلا وصار في حكم ما لم يختط من البلاد ولم يؤهل بالقطان والسكان، لأن عمارته كانت بهم، ودخل في عداد الأمصار بسكناهم. وانجزم " يخلو " لأنه جواب الشرط، وهو متى يظعنوا، لكنه أطلق فزاد ما يلحق للإطلاق في قوله تخلو. قالوا: وهاهنا ليست التي كانت لام الفعل، وإنما هي كالواو التي في قولك:
أيتها الخيامو
стр. 1217
وبمثل هذا القول في لم نرمي، ولم يخشى، إذا وقعت في القافية، فيصير الألف كألف " الجرعا "، والياء كياء " الأيامي ". وعلى هذا القول في:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
الياء فيه للاطلاق، فأما من قال:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
وولا ترضاها ولا تملق
ومن هجو زبان لم يهجو ولم يدع
فالياء والواو والألف لاماتٌ بقيت في موضع الجزم، لأن المحذوف للجزم عنده من هذه الأفعال وأشباهها حركاتٌ كانت في النية اتثقل اللفظ بها في موضع الرفع مع حروف المد، ثم حذفت حروف المد ليكون الفعل مجزوماً أنقص لفظاً منه وهو غير مجزوم، فعند الضرورة أثبتها ولم يكن مخطئاً، إذ لم يكن سقوطها إعراباً، ويكون الياء على هذا القول في قوله " ألا انجلي " لام الفعل أيضاً.
وقوله " عذابٌ على الأفواه ما لم يذقهم " ما في موضع الظرف. أراد أن طعمهم حلوٌ إلا على أفواه العداة، لأن أخلاقهم تشمس عند الأعداء فيخشن جانبهم لهم، ويمر مذاقهم على أفواههم إذا ذاقوهم. وقد جمع بين الطعم والذكر، لذلك اعاد ذكر الأفواه فقال: وبالأفواه، كانه قصد في الأول الإنباء عن كرم طبعهم ولين أخلاقهم عند التجربة، وفي الثاني أنه يستحلى ذكرهم فيطيب في المسمعة، لشمول إحسانهم، وكثرة محاسنهم، فتقوم الشهادات بفضلهم في الحالتين.
стр. 1218
وقوله " عليهم وقتر الحلم "، أراد أنهم يحلمون في المعاملة، ويتوقرون مع من يجر الجرائر عليهم، فصغارهم لهيبتهم في النفوس كالكهول من غيرهم؛ وإن حملوا على جهلٍ في وقتٍ، بأن يصير مجاذبهم عادياً طوره، لم يفارقهم الحلم أيضاً، بل يكافئون المسيء على قدر إساءته. ثم إن آثروا استعمال الجهل لأمرٍ يوجب ذلك فاستمروا فيه واشتطوا عظم البلاء بهم فلم يطاقوا.
ويقال أثرت الشيء وآثرت بمعنى.
هم الجبل الأعلى إذا ماتناكرت ... ملوك الرجال أو تخاطرت البزل
ألم تر أن القتل غالٍ إذا رضوا ... وإن غضبوا في موطنٍ رخص القتل
لنا فيهم حصنٌ حصينٌ ومعقلٌ ... إذا حرك الناس المخاوف والأزل
لعمري لنعم الحي يدعو صريخهم ... إذا الجار والمأكول أرهقه الأكل
وصفهم بعلو الشان وارتفاع االمكان، فقال: هم الركن الأرفع، والطود الأمنع، وقت مداهاة الرجال بعضهم بعضاً، ومناكدة الأملاك حالاً فحالاً، فلا يغالب رأيهم، ولا يحللعقدهم، ولا يبلغ غورهم، ولا يستقصر مكرهم. فقوله " تناكرت " تفاعل من النكر الداهية؛ وهو حسن. ويجوز أن يكون تفاعل من الإنكار، فيكون تناكرت ضد تعارفت، أي ينكر بعضهم بعضاً، لما ينطوي عليه كلٌ لصاحبه من سوء الرأي وإضمار الشر.
وقوله " أو تخاطرت البزل " هو تفاعل من الخطران، وهو إشالة الأذناب وإدارتها عند الهياج، وهذا إشارةٌ إلى المتحاربين المتجاذبين إذا تدافعوا بأركانهم، كما أن قوله " تناكرت ملوك الرجال " يريد إذا تداهوبمكايدهم. فيريد أنهم يعلون رؤساء الناس قولاً وفعلاً، ومطراً ودهياً.
وقوله " ألم تر أن القتل غالٍ إذا رضوا "، يريد أن من أوى إليهم واستنام إلى جانبهم، فاستعطف هواهم وحصل رضاهم، أمنن وأعز فلا يلحقه قصدٌ، وسلم على الدهر فلا يجري عليه جور؛ ومن عدل عنهم واستن في سنن غضبهم، عرض بنفسه وتعجل الطمع من كل أحدٍ فيه، فقتله يسهل ويرخص إذا قتل المتعزز بهم يصعب أو يغلو ثم قال: " لنا فيهم حصنٌ حصين "، يصف ما عمهم من الأنمنة فيهم وبمكانهم. فيقول: هم لنا معقلٌ حريز وحصن حصين، في وقتٍ يقلق الناس فيه، لاستيلاء الخوف عليهم، واستعلاء القحط والبالاء فيهم. والأزل: الضيق.
стр. 1219
وقوله " لعمري لنعم الحي "، المحمود بنعم محذوف، كأنه قال: إذا استغاث بهم الصريخ وهو المستغيث فاستصرخهم أجابوه ونصره، فنعم الحي وقد دعوا، إذا الجار مأكولٌ ومطموع فيه، وإذا اشتد الزمان ففني الزاد وعز الطعام. وقوله " الجار " مبتدأ وأرهقه الأكل في موضع الخبر. واكتفى بالإخبار عنه وإن كان عطف المأكول عليه، كأنه قال: إذا الجار أرهقه الأكل والمأكول كذلك.
ويشبهه قول الآخر في الإخبار عن المعطوف عليه دون المعطوف:
فإني وقياراً بها لغريب
وقد مر مثله.
ومعنى أرهقه الأكل ضيق عليه وغشيه. وقد قيل: أكلت فلاناً، إذا غلبته وقهرته. وكني عن المستضعف باللحم والشحم فقيل: ترك فلانٌ لحماً على وضمٍ، وفلان شحمةٌ للمتبلغ. قال الشاعر:
فلا تحسبني يا ابن أزنم شحمةً ... تزردها طاهي شواء ملهوج
سعاةٌ على أفناء بكر بن وائلٍ ... وتبل أقاصي قومهم لهم تبل
إذا طلبوا ذحلاً فلا الذحل فائتٌ ... وإن ظلموا أكفاءهم بطل الذحل
مواعيدهم فعلٌ إذا ما تكلموا ... بتلك التي إن سميت وجب الفعل
بحورٌ تلاقيها بحورٌ غزيرةٌ ... إذا زخرت قيسٌ وإخوتها ذهل
قوله: سعاة على أفناء كر " السعي يستعمل على وجوه، وكذلك السعاية. ويقال للمصدق الساعي، والمصدر السعاية. وهو يسعى على قومه، إذا قام بأمورهم. والمسعاة في الكرم والجود. والشاعر يرد أنهم يذبون عنها ويسعون في مصالحهم وحفظ ذممهم. وقوله " وتبل أقاصي قومهم " تبل يؤكد مات قبله. والمعنى ذحل الأباعد من قومهم كذحل المختص بهم، لأنهم يتشمرون في الانتقام والانتصار فيهما على حدٍ واحد.
стр. 1220
وقوله " إذا طلبوا ذحلاً فليس بفائت "، يقال: طلبت عند فلانٍ ذحلاً، إذا رمت مكافأته على عداوةٍ منه أو جناية. وأراد أنهم إن وتروا لا يفوتهم إدراك الوتر، وإن وتروا غيرهم من أكفائهم وظلموهم لم ينتصف منهم، ولم يدرك الثأر من جهتهم.
وقوله " مواعيدهم فعل "، أراد أنهم ينجزون الوعد ويصدقون الأقوال بالفعل، وأن هذا دأبهم في الخصال التي إذا سميت موعوداً بها وذكرت، قال الناس يجب مع القول فعلها، استبعاداً للوفاء.
وقوله " بحور تلاقيها بحور غزيرة "، يريد أنهم في أنفسهم كالبحور كثرة وسماحاً، واتساعاً وعزة، فإذا لاقتها بحور قيسٍ وذهلٍ زاخرةً فقد كمل الأمر وتناهى العز، واطرد الماء، وطما التيار حتى لا يطاق.
وقال آخر:
عادوا مروءتنا وضلل سعيهم ... ولكل بيت مروءةٍ أعداء
لسنا إذا ذكر الفعال كمعشرٍ ... أزرى بفعل أبيهم الأبناء
يشبهه قول الآخر:
لا يملكون عداوةً من حاسدٍ ... وحذاء كل مروءةٍ حسادها
وقول الآخر:
إن العرانين تلقاها محسدةً ... ولا ترى للئام الناس حسادا
وقوله " وضلل سعيهم " أي نسب إلى الضلال لما لم يلحقوا شأوهم.
وقوله " لسنا إذا ذكر الفعال كمعشرٍ " يريد: لا نعتمد على مناسبنا، وعلى ما قدمه أسلافنا من المفاخر والمساعي، لكنا نعمر ما شيدوه، ونستحدث بأفعالنا ما يقويه ويكثره، ولا يصير مزرياً به.
стр. 1221
وقال أعشى ربيعة
يمدح عبد الملك بن مروان: ويقال إنه دخل عليه فقال: يا أبا المغيرة، ما بقي من شعرك؟ فقال: لقد بقي منه وذهب. على أني أنا الذي أقول. ثم أنشد هذه الأبيات:
وما أنا في حقي ولا في خصومتي ... بمهتضمٍ حقي ولا قارعٍ قرني
ولا مسلمٌٍ مولاي عند جنايةٍ ... ولا خائفٌٍ مولاي من شرِّ ما أجني
قوله " في حقي " أي فيما استحقه من الناس كافةً، من الصيانة والتمييز، لما توحدت به من فضلٍ ومزية. وقوله " بمهتضم حقي " يريد به حقوقه عند الناس. فيقول: إني فيما أجاذب فيه الغير وأنازعه، وفي طلب حقوقي إذا حلت لي عندهم، وفيما يجب لي عند المزاولات والمحاكمات من التبجيل عليهم، لا أبخس ولا أظلم، ولا أدفع ولا أهان. وقوله. " ولا قارعٍ قرني "، ويريد أنه لا يأمنني فيشتغل عني بأسبابه ومصارفه، ولكن يكون أبداً خائفاً مني، ومشغولاً بي وحذراً من الإيقاع به.
وقوله " ولا مسلمٍ مولاي عند جناية " يريد بقوله مولاي أجناس ما يسمى مولىً من حليفٍ ونسيب، ومنتمٍ بولاءٍ بعيدٍ أو قريب. فيقول: إني لا أخذل أحداً منهم عند جنايةٍ يجتنيها، أو جريمةٍ يجترمها، بل أنصره وأستنقذه كيف ما أمكن، سهل أو تعذر، ثم إني لا أجر الجرائر عليهم فيؤاخذوا بي وبما تكتسبه يدي، لأن ما يرجع إلي من النوائب أقوم في وجهه، وأحتال في نقضهودفعه، سواءٌ على حق ذلك في مالي أو في نفسي.
وإن فؤاداً بين جنبي عالمٌ ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني
وفضلني في الشعر واللب أنني ... أقول على علمٍ وأعرف من أعني
وأصبحت إذ فضلت مروان وابنه ... على الناس قد فضلت خير أبٍ وابن
يقول: إني اكتسبت من مشاهداتي والأخبار الواقعة إلي، الصادقة في مواردها، المتواترة على ألسن حملتها ما صار قلبي به عالما ومتميزاً، فلا يلتبس على وجوه
стр. 1222
الحق وحدوده، ولا صنوف الصدق وفنونه، فإذا قلت الشعر قلته على علمٍ بمرافقه وأساليبه، ومعرفة المقول فيه ومستحقه، فلا أكذب في الأخبار ولا أتزيد في الأوصاف، ولكن أعطي كل منعوتٍ حقه من القول والوصف، وأقسم لكل منوهٍ به قسطه من التقريظ والمدح، فمن أجل ذلك أصبحت إذ فضلت مروان وابنه عبد الملك على الناس قد فضلت خير والدٍ وولد، فلا يقال كذب أو أخطأ، أو اشتبه عليه أو شبه له، فلم يأت بالحق، ولم يقتصر على الصدق.
وقوله " وإن فؤاداً " جعله نكرةً لأنه باتصال قوله " بين جنبي " به اختص، حتى علم أنه قلبه من بين القلوب.
وقال في سليمان بن عبد الملك
أتينا سليمان الأمير نزوره ... وكان امرأً يحبي ويكرم زائره
إذا كنت في النجوى به متفرداً ... فلا الجود ولا البخل حاضره
كلا شافعي سؤاله من ضميره ... عن الجهل ناهيه وبالحلم آمره
يقول: قصدت هذا الرجل، وكان لحسن تعطفه وكرم تألفه، وكمال احتفافه بزائريه، وجمال إقباله على عفاته ومجتديه، ينيل الحباء مؤمليه على أبلغ ما تعلق الرجاء به وفيه.
وقوله " إذا كنت في النجوى به متفردا " فالنجوى: المسارة. فيقول: إذا وقعت في خاطره، وتفردت بمناجاته، فالجود نصب عينيه، والبخل غائبٌ عن همته، لا يحتاج إلى باعث ولا شافع، ولا مذكر ولا عاطفٍ.
وقوله " كلا شافعي سؤاله من ضميره " جعل السؤال من سانح فكرهوجائل صدره شافعين، وزعم أن كلاً منهما ينهاه عن البخل، ويأمره بالإفضال والبذل. وهذا على طريقتهم في أن الإنسان له نفسان عندما يحضره من الفعال والمقال، فأحدهما يأمره بالفعل، والآخر ينهاه ويبعثه على الترك، فقال هذا الشاعر: إن نفسي هذا الممدوح هما يشفعان لوراد حضرته، ورواد سيله ومطره، فكلٌ يدعو إلى الإسداء
стр. 1223
إليه، ويبعث على الإفضال عليه. ومثله:
إذا ائتمرت نفساه في السر خاليا
والنجوى مصدر، ويستعمل وصفاً فيقع على الواحد والجمع، وقد مضى القول فيه.
وقال المتوكل الليثي
مدحت سعيداً واصطفيت ابن خالدٍ ... وللخير أشبابٌ بها يتوسم
فكنت كمجتسٍ بمحفاره الثرى ... فصادف عين الماء إذ يترسم
يقول: اخترت من بين الناس ابن خالد وقرظت في شعري سعيداً، وللخير حدودٌ ووجوهٌ بها يتبين رسمه وعلامته، فكنت في اصطفائي إياهما، وصرفي ثنائي إليهما، كرجلٍ يتطلب الماء بمحفاره من ثرى الأرض، فصادف عينه ومنبعه، إذ تتبع أثره ورسمه. والمعنى: أصبت في القصد والاختيار، ووضعت الثناء موضعه من الإيثار، فسيق الخير إلي من مطلبي، وحصل التوفر علي من مقصدي. فأما من روى " محتسٍ " فهو مفتعل من الحس. والمحفار: اسم الآلة التي يحفر بها، كالمعول وما أشبهه. وهذا مثل واستعارة. ومن روى " كمجتسٍ " بالجيم، فهو مفتعلٌ من الجس. والتحسس والتجسس يتقاربان. ومعنى يترسم: يتتبع رسومه.
فإن يسأل الله الشهور شهادةً ... تنبئ جمادى عنكم والمحرم
بأنكما خير الحجاز وأهله ... إذا جعل المعطي يمل ويسأم
يصف دوام بذلهم في فصول السنة، واتصال جدواهم في شهور الضيق والسعة، وفي الجدب والخصب، وعند شمول الحر والبرد. وجمادى من أزمان القحط والضر، والمحرم من الأشهر الحرم، فيقول: إن استشهد الله تعالى أوقات السنة وأهلة الشهور شهدت لكم، وأخبرت عنكم بأنكما خير أهل الحجاز بذلاً وإفضالاً، وحسن تفقد وإحساناً، في الوقت الذي ترى المعطي يمل الإعطاء، ويتبرم بالسؤال، فيصير ذلك داعيةً له إلى الإمساك والكف.
стр. 1224
وقوله " إذا جعل المعطي " إذا ظرفٌ لما دل عليه قوله " خير الحجاز ". وجعل بمعنى طفق وأقبل، فلا يتعدى. والسآمة فوق الملال.
وقال نصيب في عمر بن عبيد الله بن معمرٍ
والله ما يدري امرؤٌ ذو جنابةٍ ... ولا جار بيتٍ أي يوميك أجود
أيومٌ إذا ألفيته ذا يسارةٍ ... فأعطيت عفواً منك أم يوم تجهد
أقسم بالله أنه لا الغريب المجانب ولا القريب المجاور يعلم أي يومي هذا المسموح أكثر سخاء وأتم إفضلاً. وجعل الجود لليوم على طريقة قوله تعالى " بل مكر الليل والنهار " لما كان فيهما. وعلى حد قول الناس: نهاره صائٌم، وليله قائم.
وقوله: " أيوم إذا ألفيته " تفضيل لما أجمله. ومعنى ألفيته ألفيت فيه، فحذف الجار وجعل اليوم مفعولاً على السعة.
وقوله: " ذا يسارة "، يقال يسار ويسارة، كما يقال ذكر وذكرى، ومكان ومكانةٌ.
وقوله: " أم يوم تجهد "، يريد أم يوم تجهد فيه، فأضاف اليوم إلى الفعل وأوصل الفعل بنفسه. والمعنى: لا يعلم الغريب المنتائى عنك، ولا القريب المتدانى منك، أي وقتيك أكثر سخاء وخيراً، أيوم تلفى في موسراً فتعطى ما تعطيه عفواً، أم يوم توجد فيه معسراً فتعطى ما تعطيه مجهوداً متعباً. يريد: أنه لا يبين أحد وقتيه من الآخر، كما لا يبين إحدى حالتيه من الأخرى. ويروى " أيوماً إذا ألفيته ذا يسارة ... أم يوم تجهد " ويكون هذا مردوداً على المعنى، لأنه لما أراد بقوله أي يوميك أجود " أي جوديك أفضل، قال: " أيوماً " أي أجودك في يومٍ إذا ألفيت فيه موسراً أم جودك في يوم تكون فيه مجهوداً معسراً.
وإن خليليك السماحة والندى ... مقيمان بالمعروف ما دمت توجد
مقيمان ليسا تاركيك لخلةٍ ... من الدهر حتى يفقدا حين تفقد
стр. 1225
جمع بين السماحة والندى، لأن السماحة هو سهولة الجانب في الإعطاء، وطيب النفس به.
وقوله " مقيمان " أي ثابتان، من قوله تعالى " إلا مادمت عليه قائماً ".
ومنه أقام بالمكان، أي جعل لنفسه ثباتاً. ومنه قوام الأمر، أي دوامه. وما دمت ظرفٌ. فيقول: السماحة والندى يقيمان بسبب معروفك وله، ويدومان ما دمت ثابتاً وقائماً. وإنما قال بالمعروف كما يقال: فلان مقيمٌ بمكان كذا، أي يجعل قيامه به وثباته. فكذلك جعل قيامه بالمعروف على هذا الوجه.
وقوله " مقيمان ليسا تاركيك لخلةٍ "، يريد: هما مقيمان بسبب معروفك، وثابتان لك ولمكانك، لا يفارقك لخلةٍ من خلات الدهر تعرض، ولا لفقر يحصل، إلى أن يفقدا وقت فقدك.
وقال أميمة بن أبى الصلت
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرعٌ ... لك الحسب المهذب والسناء
خليلٌ لا يغيره صباحٌ ... عن الخلق اللجميل ولا مساء
قوله " أأذكر حاجتي أم قد كفاني ". يقول: أي الأمرين أعتمد منك؟ لأن أم هذه هي المعادلة لألف الاستفهام والمفسرة بأي. فيقول: ألقى حاجتي قبلك إليك، وأنهى قصتي المرفوعة إليك، ام أعتمد اكتفائي بكرم فطنتك، وذكاء معرفتك، وحسن التفاتك إلى المعلقتين بحبلك، والراجين لخيرك وفضلك، لأن ملاك خلقك الحياء، فإذا توصل تابعلكبعرض وجهه عليك، صار ذلك مهيجاً لحيائك، وداعياً إلى الفكر فيما أحوجه إليك، وسائقاً إلى قضاء مأربته لديك؛ ولأن محافظتك على أولى المواتوالحرم، تبعثك على صيانتهم، وتحميهم من ابتذالٍ يلحقهم، إذ كنت الفرع لأصلٍ يجمع إلى الحسب المنقى، والمجد المزكى، علو همة وارتفاع منزلة.
وقوله " خليل " ارتفع بأنه خبر مبتدأ مضمر، كأنه " قال ": أنت خليلٌ لا تغيره الأوقات عما ألف من بره، وعهد من كرمه. وأشار في قوله: الصباح والمساء، وهما
стр. 1226
طرفا النهار ووقتا " الغارة " والضيافة، إلى أنه لا يتغير على علات الزمان ولما تغير له الإنسان من عارض ملال حادث، أو تضجر بمصارف أمر سانح.
وأرضك كل مكرمة بنتها ... بنو تيمٍ وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء
قوله " وأرضك "، يريد ما توطد له من مباني المجد والشرف بقومه وفصيلته، فجعله كالأرض له، وجعل مراعاته له من بعد وتوفره على ما يشيده بنفسه كالسماء له، وقد علم أن حياة الأرض وإضاءتها بما يأتى عليها من حيا السماء بنورها. فيريد أن عمارة مكارم آبائه كانت برمه لها، وبالمواد الذي يمدها بها، فلذلك زكت وربت، وثبتت على مر الأيام وعلت.
وقوله " إذا أثنى عليك المرء يوماً "، إن المثنى عليك لا يحتاج إلى قصدك به، لأنه متى تأدى إليك ثناؤه أنلته إحسانك، وأغنيته عن التعرض والقصد، وقطع المسافة دونك وحملالمشاق والجهد.
تبارى الريح مكرمةً ومجداً ... إذا ما الكلب أجحره الشتاء
يقول: يدوم عطاوك ويتصل، فكأنك تبارى الريح في هبوبهاأوان الجدب والقحط، وحين يقل صبر الكلب على الاعتساس والطوف، حتى يصير رابضاً في البيوت، ومستدفئاً بجوانب الأخبية والكسور. وقوله " إذا ما الكلب " ظرف لتبارى أي تفعل ذلك في مثل هذا الوقت. " مكرمة "، انتصب على أنه مفعول له، ويجوز أن يكون في موضع الحال.
وقال ابن عبدلٍ الأسدي
بينا هم بالظهر قد جلسوا ... يوماً بحيث ينزع الذبح
فإذا ابن بشر في مواكبه ... تهوى به خطارة سرح
فكأنما نظروا إلى قمر ... إو حيث علق قوسه قزح
بينا يستعمل في المفاجأة، وكذلك بينما. وكان شيخنا أبو علي ﵀ يقول: هو ظرف زمان، كأن الأصل كان: بين أوقات، فحذف المضاف إليه.
стр. 1227
والظهر: موضع. ويوماً انتصب على البدل من بيناهم، ويريد به المتصل من الأوقات، كما يقال فلانٌ يفعل كذا وكذا، وكان بالأمس يفعل كذا. والذبح: نبتٌ له اصل يفتش عنه ويخرج كالجزر، ويقشر عنه جلد أسود، وهو حلو يؤكل. وهذا أعني قوله " بحيث ينزع الذبح "، بيان للميقات المشار إليه.
وقوله " فإذا ابن بشر في مواكبه "، الفاء زائدة، لأن بينا وبينما يجيئان ولا فاء فيما يقع فيهما. على ذلك قوله:
فبينا يمشيان جرت عقابٌ ... من العقبان خائنةٌ طلوب
فأما " إذا " فقد ذكر سيبويه خاصة أن إذ تقع بعدهما ولم يذكر إذا. تقول: بينما نحن نسير إذ أقبل زيد. وكثير من النحويين والأصمعي ينكرون هذا ويقولون: لا حاجة إلى إذ وإذا، ويستشهدون بقول أبي ذؤيب:
بينا تعنقه الكماة وروغه ... يوماً أتيح له جريٌّ سلفع
وإذا رجعنا إلى الموجود فيما يختارونه هو الأكثر. واستشهد سيبويه بقوله:
بينما نحن بالكثيب ضحى ... إذ أتى راكبٌ على جمله
والبيت الذي نحن فيه جاء بإذا، فهو أغرب.
ومعنى تهوى به: تسرع. والخطارة: الناقة تخطر بذنبها نشاطا فعل الفحولة، أو تخطر في مشيها. والسرح: السهلة اليدين. فيقول: بين أوقات الناس جالسون بهذا المكان، حيث يقتلع هذا النبت، إذا ابن بشر وخلفه مواكبه، تسرع به نجيبة هكذا، فكأنما نظروا إلى قمر، أي لما اجتاز بهم شبهوه في إشراقه ونوره، وبهاء موكبه، بالقمر، أو نظروا إلى حيث يتراءى للناظرين قوس قزح. فقوله " أو حيث " يجوز أن يكون معطوفاً على قمر، فيكون المعنى: نظروا إلى قمر إلى مكان قوس قزح. ونكر قمراً لأن فائدة المعرفة والنكرة إذا وقع في مثل هذا المكان لا تتغير. ويجوز أن
стр. 1228
يكون " حيث " في موضع الظرف، كأنه قال: نظروا إلى القمر، أو نظروا حيث علق قوس قزح. وجعل قزح فاعلاً على اعتقاد من يعتقد أن قزح اسم شيطان، لهذا أخبر عن المضاف إليه من قولهم قوس قزح. وقد ورد في الخبر النهي عن هذا، وهو مشهور، وقال الخليل حكاية عن أبي الدقيش: تقزيحه: طرائقه، واحده قزحة، والجمع قزح. وذكر في الخبر أن فيه أماناً من الغرق. ويروى: " على قوسه قزح " من العلو. وعند النحويين أن قولهم قوس قزح كحمار قبان وماأشبهه. وإذا كان كذلك لم يصلح الإخبار عن المضاف إليه. وذكر بعضهم أنه يقال لقوس قزح: قوس قزيع، " وهو من " تقزع الفرس، إذا تشمر للعدو وخف.
وقال حاتم طيئ
متى ما يجىء يوماً إلى المال وارثي ... يجد جمع كفٍ غير ملأى ولا صفر
يجد فرساً مثل العنان وصارماً ... حساماً إذا ما هز لم يرض بالهبر
وأسمر خطيا كأن كعوبه ... نوى القسب قد أربى ذراعاً عالى العشر
قوله " جمع كف " هو القدر الذى يجمع عليه الكف من المال وغيره.
ويقال للمرأة الحامل: هي بجمعٍ، وكذلك للبكر منهن. والصفر: الخالى من الشيء. فيقول: متى جاء وأرثى بعد موتى يجد قدراً من المال لا يوصف بالكثرة ولا بالقلة، يجد فرساً ضامراً كالعنان فى إدماجه وضمره، وسيفاً قاطعاً إذا حرك في الضريبة لم يرض بالقطع، ولكن يتجاوزه ويخرج إلى ما وراءه، ورمحاً أسمر فى لونه وذاك أصلب، محولاً من الخط، وهو اسم جزيرةٍ يجلب منها الرماح. والكعوب: العقد. شبهها فى صلابتها بنوى القسب. والقسب: ضرب من التمر رديء غليظ النوى صلبها. وقوله " قد أربىذراعاً على العشر "، وصفه بأنه لم يكن طويلاً ولا قصيرا حتى لا يكن مضطرباً ولا قاصراً. بل يجرى مع الاعتدال. وقال الدريدي القسب البسر اليابس. ونوى القسب يشبه به أيضاً ما في جوف الحافر من النسور. قال:
له بين حواميه ... نسورٌ كنوى القسبِ
стр. 1229
وقصد الشاعر إلى أن ما يحصل له يجود به، فإذا مات لم يبق له إلا ما ذكره من آلات الحرب والغزو.
وقال آخر:
آل المهلب قومٌ خولوا شرفاً ... ما ناله عربيٌ لا ولا كادا
لو قيل للمجد حد عنهم وخالهم ... بما احتكمت من الدنيا لما حادا
إن المكارم أرواح يكون لها ... آل المهلب دون الناس أجسادا
وصفهم بأنهم أعطوا مجداً لم ينله قبلهم عربيٌ، ولا قرب من أن يناله، فهم متفردون به، لا ينبغي لغيرهم. ثم قال: لو قيل للمجد حد عنهم. يريد أنهم للمجد موضعٌ ومقرٌ لو كان يعقل ثم سيم تركه إياهم، وإخلاله بهم بما يحتكم من الدنيا، ويقترحه من أعراضها، لما تجنبهم، ولا عدل عنهم، وذاك لأن المجد رضيهم محلاَ، ورضوا هم بسكناه أهلاً. والقدر يجرى إلى القدر. وقد ألم بهذا المعنى البحتري في قوله:
أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول
ويقال: خالي فلان قبيلته، إذا تركهم وتحول عنهم. قال النابغة:
قالت بنو عامرٍ خالوا بني أسدٍ ... يابوس للجهل ضراراً لأقوام
معناه تاركوهم وفارقوهم.
وقوله " إن المكارم أرواح " جعل آل المهلب كالأجساد، والمكارم لها كالأرواح، كما جعلهم في الأول داراً، والمجد سكاناً، والروح لا يثبت إلا في جسمٍ على صفةٍ، كما أن الجسم لا يتصرف إلا بالروح الحاصل فيه مع القدرة فيريد أنهم مقار للمكارم، مصرفون في اكتساب المعالي، فالمكارم بهم تثبت وتبقى، كما أن تصرفهم واقتدراهم من بين الأجساد بها ولها.
стр. 1230
وقالت أخت النضر بن الحارث
الواهب الألف لا ينبغي به بدلاً ... إلا الإله ومعروفاً بما اصطنعا
تقول: إنه يفرق ما يفرق من ماله لا لطلب عوضٍ، ولا اجتذاب نفعٍ واجتلاب محمدة، ولكن يريد به التقرب إلى الله تعالى، وأن يفعل المعروف بما يصنعه، فهو يتلذذ بفعل المعروف، وباحتساب الأجر عند الله.
؟
وقالت صفية بنت عبد المطلب
ألا من مبلغٌ عني قريشاً ... ففيم الأمر فينا والإمار
لنا السلف المقدم قد علمتم ... ولم توقد لنا بالغدر نار
وكل مناقب الخيرات فينا ... وبعض الأمر منقصة وعار
الرسالة التي تطلب إبلاغها، وترتاد من تضعها على لسانه فيحتملها، قولها " ففيم الأمر فينا "، وما في الاستفهام إذا اتصل بحرف الجر يحذف الألف ٌ من آخره، تقول: فيم وبم. وقد تقصى القول فيه من قبل. كأن هذه المرأة تستبطء قبيلتها قريشاً. فتقول: من يبلغهم عني لماذا كان الأمر فيهم والتشاور، والاقتداء والترافع، حتى صار الناس تبعاً، ومالكم تنقبضون فيما يجب عليكم السعي فيه، ولنا الشرف الرفيع والسلف القديم، وقد علمتموه علماً خالياً من الشك، بريئاً من الشبهة، ولم يعرف غدر لنا بجارٍأو ذي محرم، وقدت من أجله لنا نار. وكانت العرب إذا أرادت تشهير غدر غادر حتى يتجنبه الناس أوقدت ناراً في يفاع هضبةٍ، ونصبت لواء عند مجمع لهم أو سوقٍ عظيمة، وينادون: هذه نار فلان الغادر ولواؤه!! يشهرون أمره ويقبحون صورته على هذا يحمل قول زهير:
وتوقد ناركم شزراً ويرفع ... لكم في كل مجمعةٍ لواء
ولا يمتنع أن يراد بإيقاد النار قيام الناس وقعودهم، وتفاوضهم للغدرة إذا ظهرت من الغادر، وما يثور من الفضيحة والذكر القبيح، فيكون هذا مثل قول أبي
следующие страницы →