Полный текст (1 295 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
طرفا النهار ووقتا " الغارة " والضيافة، إلى أنه لا يتغير على علات الزمان ولما تغير له الإنسان من عارض ملال حادث، أو تضجر بمصارف أمر سانح.
وأرضك كل مكرمة بنتها ... بنو تيمٍ وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء
قوله " وأرضك "، يريد ما توطد له من مباني المجد والشرف بقومه وفصيلته، فجعله كالأرض له، وجعل مراعاته له من بعد وتوفره على ما يشيده بنفسه كالسماء له، وقد علم أن حياة الأرض وإضاءتها بما يأتى عليها من حيا السماء بنورها. فيريد أن عمارة مكارم آبائه كانت برمه لها، وبالمواد الذي يمدها بها، فلذلك زكت وربت، وثبتت على مر الأيام وعلت.
وقوله " إذا أثنى عليك المرء يوماً "، إن المثنى عليك لا يحتاج إلى قصدك به، لأنه متى تأدى إليك ثناؤه أنلته إحسانك، وأغنيته عن التعرض والقصد، وقطع المسافة دونك وحملالمشاق والجهد.
تبارى الريح مكرمةً ومجداً ... إذا ما الكلب أجحره الشتاء
يقول: يدوم عطاوك ويتصل، فكأنك تبارى الريح في هبوبهاأوان الجدب والقحط، وحين يقل صبر الكلب على الاعتساس والطوف، حتى يصير رابضاً في البيوت، ومستدفئاً بجوانب الأخبية والكسور. وقوله " إذا ما الكلب " ظرف لتبارى أي تفعل ذلك في مثل هذا الوقت. " مكرمة "، انتصب على أنه مفعول له، ويجوز أن يكون في موضع الحال.
وقال ابن عبدلٍ الأسدي
بينا هم بالظهر قد جلسوا ... يوماً بحيث ينزع الذبح
فإذا ابن بشر في مواكبه ... تهوى به خطارة سرح
فكأنما نظروا إلى قمر ... إو حيث علق قوسه قزح
بينا يستعمل في المفاجأة، وكذلك بينما. وكان شيخنا أبو علي ﵀ يقول: هو ظرف زمان، كأن الأصل كان: بين أوقات، فحذف المضاف إليه.
стр. 1227
والظهر: موضع. ويوماً انتصب على البدل من بيناهم، ويريد به المتصل من الأوقات، كما يقال فلانٌ يفعل كذا وكذا، وكان بالأمس يفعل كذا. والذبح: نبتٌ له اصل يفتش عنه ويخرج كالجزر، ويقشر عنه جلد أسود، وهو حلو يؤكل. وهذا أعني قوله " بحيث ينزع الذبح "، بيان للميقات المشار إليه.
وقوله " فإذا ابن بشر في مواكبه "، الفاء زائدة، لأن بينا وبينما يجيئان ولا فاء فيما يقع فيهما. على ذلك قوله:
فبينا يمشيان جرت عقابٌ ... من العقبان خائنةٌ طلوب
فأما " إذا " فقد ذكر سيبويه خاصة أن إذ تقع بعدهما ولم يذكر إذا. تقول: بينما نحن نسير إذ أقبل زيد. وكثير من النحويين والأصمعي ينكرون هذا ويقولون: لا حاجة إلى إذ وإذا، ويستشهدون بقول أبي ذؤيب:
بينا تعنقه الكماة وروغه ... يوماً أتيح له جريٌّ سلفع
وإذا رجعنا إلى الموجود فيما يختارونه هو الأكثر. واستشهد سيبويه بقوله:
بينما نحن بالكثيب ضحى ... إذ أتى راكبٌ على جمله
والبيت الذي نحن فيه جاء بإذا، فهو أغرب.
ومعنى تهوى به: تسرع. والخطارة: الناقة تخطر بذنبها نشاطا فعل الفحولة، أو تخطر في مشيها. والسرح: السهلة اليدين. فيقول: بين أوقات الناس جالسون بهذا المكان، حيث يقتلع هذا النبت، إذا ابن بشر وخلفه مواكبه، تسرع به نجيبة هكذا، فكأنما نظروا إلى قمر، أي لما اجتاز بهم شبهوه في إشراقه ونوره، وبهاء موكبه، بالقمر، أو نظروا إلى حيث يتراءى للناظرين قوس قزح. فقوله " أو حيث " يجوز أن يكون معطوفاً على قمر، فيكون المعنى: نظروا إلى قمر إلى مكان قوس قزح. ونكر قمراً لأن فائدة المعرفة والنكرة إذا وقع في مثل هذا المكان لا تتغير. ويجوز أن
стр. 1228
يكون " حيث " في موضع الظرف، كأنه قال: نظروا إلى القمر، أو نظروا حيث علق قوس قزح. وجعل قزح فاعلاً على اعتقاد من يعتقد أن قزح اسم شيطان، لهذا أخبر عن المضاف إليه من قولهم قوس قزح. وقد ورد في الخبر النهي عن هذا، وهو مشهور، وقال الخليل حكاية عن أبي الدقيش: تقزيحه: طرائقه، واحده قزحة، والجمع قزح. وذكر في الخبر أن فيه أماناً من الغرق. ويروى: " على قوسه قزح " من العلو. وعند النحويين أن قولهم قوس قزح كحمار قبان وماأشبهه. وإذا كان كذلك لم يصلح الإخبار عن المضاف إليه. وذكر بعضهم أنه يقال لقوس قزح: قوس قزيع، " وهو من " تقزع الفرس، إذا تشمر للعدو وخف.
وقال حاتم طيئ
متى ما يجىء يوماً إلى المال وارثي ... يجد جمع كفٍ غير ملأى ولا صفر
يجد فرساً مثل العنان وصارماً ... حساماً إذا ما هز لم يرض بالهبر
وأسمر خطيا كأن كعوبه ... نوى القسب قد أربى ذراعاً عالى العشر
قوله " جمع كف " هو القدر الذى يجمع عليه الكف من المال وغيره.
ويقال للمرأة الحامل: هي بجمعٍ، وكذلك للبكر منهن. والصفر: الخالى من الشيء. فيقول: متى جاء وأرثى بعد موتى يجد قدراً من المال لا يوصف بالكثرة ولا بالقلة، يجد فرساً ضامراً كالعنان فى إدماجه وضمره، وسيفاً قاطعاً إذا حرك في الضريبة لم يرض بالقطع، ولكن يتجاوزه ويخرج إلى ما وراءه، ورمحاً أسمر فى لونه وذاك أصلب، محولاً من الخط، وهو اسم جزيرةٍ يجلب منها الرماح. والكعوب: العقد. شبهها فى صلابتها بنوى القسب. والقسب: ضرب من التمر رديء غليظ النوى صلبها. وقوله " قد أربىذراعاً على العشر "، وصفه بأنه لم يكن طويلاً ولا قصيرا حتى لا يكن مضطرباً ولا قاصراً. بل يجرى مع الاعتدال. وقال الدريدي القسب البسر اليابس. ونوى القسب يشبه به أيضاً ما في جوف الحافر من النسور. قال:
له بين حواميه ... نسورٌ كنوى القسبِ
стр. 1229
وقصد الشاعر إلى أن ما يحصل له يجود به، فإذا مات لم يبق له إلا ما ذكره من آلات الحرب والغزو.
وقال آخر:
آل المهلب قومٌ خولوا شرفاً ... ما ناله عربيٌ لا ولا كادا
لو قيل للمجد حد عنهم وخالهم ... بما احتكمت من الدنيا لما حادا
إن المكارم أرواح يكون لها ... آل المهلب دون الناس أجسادا
وصفهم بأنهم أعطوا مجداً لم ينله قبلهم عربيٌ، ولا قرب من أن يناله، فهم متفردون به، لا ينبغي لغيرهم. ثم قال: لو قيل للمجد حد عنهم. يريد أنهم للمجد موضعٌ ومقرٌ لو كان يعقل ثم سيم تركه إياهم، وإخلاله بهم بما يحتكم من الدنيا، ويقترحه من أعراضها، لما تجنبهم، ولا عدل عنهم، وذاك لأن المجد رضيهم محلاَ، ورضوا هم بسكناه أهلاً. والقدر يجرى إلى القدر. وقد ألم بهذا المعنى البحتري في قوله:
أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول
ويقال: خالي فلان قبيلته، إذا تركهم وتحول عنهم. قال النابغة:
قالت بنو عامرٍ خالوا بني أسدٍ ... يابوس للجهل ضراراً لأقوام
معناه تاركوهم وفارقوهم.
وقوله " إن المكارم أرواح " جعل آل المهلب كالأجساد، والمكارم لها كالأرواح، كما جعلهم في الأول داراً، والمجد سكاناً، والروح لا يثبت إلا في جسمٍ على صفةٍ، كما أن الجسم لا يتصرف إلا بالروح الحاصل فيه مع القدرة فيريد أنهم مقار للمكارم، مصرفون في اكتساب المعالي، فالمكارم بهم تثبت وتبقى، كما أن تصرفهم واقتدراهم من بين الأجساد بها ولها.
стр. 1230
وقالت أخت النضر بن الحارث
الواهب الألف لا ينبغي به بدلاً ... إلا الإله ومعروفاً بما اصطنعا
تقول: إنه يفرق ما يفرق من ماله لا لطلب عوضٍ، ولا اجتذاب نفعٍ واجتلاب محمدة، ولكن يريد به التقرب إلى الله تعالى، وأن يفعل المعروف بما يصنعه، فهو يتلذذ بفعل المعروف، وباحتساب الأجر عند الله.
؟
وقالت صفية بنت عبد المطلب
ألا من مبلغٌ عني قريشاً ... ففيم الأمر فينا والإمار
لنا السلف المقدم قد علمتم ... ولم توقد لنا بالغدر نار
وكل مناقب الخيرات فينا ... وبعض الأمر منقصة وعار
الرسالة التي تطلب إبلاغها، وترتاد من تضعها على لسانه فيحتملها، قولها " ففيم الأمر فينا "، وما في الاستفهام إذا اتصل بحرف الجر يحذف الألف ٌ من آخره، تقول: فيم وبم. وقد تقصى القول فيه من قبل. كأن هذه المرأة تستبطء قبيلتها قريشاً. فتقول: من يبلغهم عني لماذا كان الأمر فيهم والتشاور، والاقتداء والترافع، حتى صار الناس تبعاً، ومالكم تنقبضون فيما يجب عليكم السعي فيه، ولنا الشرف الرفيع والسلف القديم، وقد علمتموه علماً خالياً من الشك، بريئاً من الشبهة، ولم يعرف غدر لنا بجارٍأو ذي محرم، وقدت من أجله لنا نار. وكانت العرب إذا أرادت تشهير غدر غادر حتى يتجنبه الناس أوقدت ناراً في يفاع هضبةٍ، ونصبت لواء عند مجمع لهم أو سوقٍ عظيمة، وينادون: هذه نار فلان الغادر ولواؤه!! يشهرون أمره ويقبحون صورته على هذا يحمل قول زهير:
وتوقد ناركم شزراً ويرفع ... لكم في كل مجمعةٍ لواء
ولا يمتنع أن يراد بإيقاد النار قيام الناس وقعودهم، وتفاوضهم للغدرة إذا ظهرت من الغادر، وما يثور من الفضيحة والذكر القبيح، فيكون هذا مثل قول أبي
стр. 1231
ذؤيب:
تحرق ناري بالشكاة ونارها
والأول أشهر.
وقوله " وكل مناقب الخيرات فينا "، تريد أن معالم الخير ومواسم الفضل فيهم، لا يدفعها دافع، ولا يختلط بها تنقص من عائب. ومنقبة: مفعلة من النقابة وهي المعرفة. فتقول: فينا أنواع الخير والشر، معلومة للناس، وبعض ما يذكر من الأمور عار على صاحبه ونقص في شأنه، إذ كان لا يسلم على المجاذبين.
وقال المتوكل الليثي
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... ممن على الأحساب يتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
يقاربه قول الآخر:
لسنا إذا ذكر الفعال كمعشرٍ ... أزرى بفعل أبيهم الأبناء
وقد مضى القول فيه مشروحاً.
وقال طريح بن إسماعيل
طلبت ابتغاء الشكر فيما فعلت بي ... فقصرت مغلوباً وإني لشاكر
وقد كنت تعطيني الجزيل بديهةً ... وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر
فأرجع مغبوطاً وترجع بالتي ... لها أول في المكرمات وآخر
стр. 1232
يقول: غمرني إحسانك، وغلبني برك واعتناؤك، لا جرم أني لما طلبت مقابلتك بالشكر على صنيعك بي، صرت كالمفرط مغلوباً وأنا مجتهد في الشكر، بالغ إلى أقصى الغايات في النشر، لكن إحسانك كثرني وخلفني بالبعد من غايته، لأنك كنت تعطيني الكثير من المال مبتدئاً لا عن سؤالٍ تقدم، ولا عن ذكرٍفي نفسك تردد، ومع ذلك كنت تستحقر عطاياك وتذدريها، وأنا أستكثرها وأعجز نفسي عن ضبطها وإحصائها، وأبلغ بها مبالغ المكثرين المتكلفين، ثم أرجع مغبوطاً عنك مرموقا، ومحسدا في الناس مذكورا، وترجع بخصلالكرم والسبق إلى الغاية المطلوبة، التي لها عند طلاب المكارم أول ييتدأ به، وآخر ينتهى إليه.
وقال حبيب بن عوف
فتى زاده السلطان في الحمدر غبة ... إذا غير السلطان كل خليل
يقول: لم يبطرك الغنى ولا أطغتك السلطنةونيل أسباب العلى في الدنيا، لكنها زادتك رغبة في الخير واكتساب الحمد بين الناسإذا غير مساعدة القدر، ومطاوعة الجد والجدة كل خليل لصاحبه.
والسلطان في غير هذه: الحجة، وقيل اشتقاقه من السليط: الزيت.
وقال ابن الزبير، يمدح محمد بن مروان
لا تجعلن مبدناً ذا سرةٍ ... ضخماً سرادقة وطئ المركب
كأغر يتخذ السيوف سرداقاً ... يمشي برايته كمشي الأنكب
قوله " مبدناً "، أي سمينا عظيم البدن، ويروى " مثدناً "، وهو العظيم الثندوة وعلى ما يقتضيه بناء الفعل يكون ثندوة مقلوبة والأصل ثدوةٌ، فعلوة، فأما ثندوةٌ بضم الأول والهمز فهو بناءٌ آخر. فكأنه يخاطب إنساناً فقال: لا تجعلن صاحباً لك همته في الأكل وتسمين البدن، وتحسين الهيئة والسحنة، فترى مركبه وطيئاً، وسرادقة
стр. 1233
ضخما، وجماله باهراً ومنظره رائعا، كرجلٍ كريم سرادقة ظلال السيوف، وقد غشيت بما تفيء عليه، ثم يمشي قدام أتباعه وأصحابه برايته مشي الأنكب. والأنكب: الذي أحد منكبيه أشرف من الآخر. وهذا تصويرٌ في التشبيه. وإنما يتحمل الراية بنفسه إذا لم يأمن عثرة حامله وإسقاطه إياها عند ما يغشاه من الذعر، فهو يمشي بها لينظر أصحابه إليها فيثبتون معه، ويحاربون على مراده وهواه.
فتح الإله بشدةٍ قد شدها ... ما بين مشرق أهلها والمغرب
جمع ابن مروان الأغر محمدٌ ... بين ابن الأشتر وبين المصعب
يقول: فتح الله تعالى على يده بما توحده به من فضله، وسعيه وجده، ما بين أقاصي الشرق والغرب، بحملةٍ حملها في جوانبها، ثم جمع بين قتل الأشتر ومصعب بن الزبير، فأراح العباد والبلاد منهما، وأزاح عن الإسلام والمسلمين شرهما وفتنتهما. وإنما قال " بشدة " لما تعجل وترادف من الأمور في نهضاته، وتسرع وترافد من كسر الجمهور عندما تكلف من مداراتهوقوله " أشترهم " أضافه إلى من كان يدين له، ويدخل تحت طاعته وهواه.
وقال الكميت في مسلمة بن عبد الملك
فما غاب عن حلمٍ ولا شهد الخنا ... ولا استعذب العوراء يوماً فقالها
يدوم على خير الخلال ويتقي ... تصرفها من شيمةٍ وانفتالها
وتفضل أيمان الرجال شماله ... كما فضلت يمنى يديه شمالها
يقول: ما أخل هذا الممدوح بالأخذ بالحلم، وترك السفه والجهل في مشهدٍ من المشاهد، وعند حضور أمر من الأمور، ولا استحسن الفاحشة فرضى بها أو تولاها، ولا استطاب اللفظ بالكلمة القبيحة فتفوه بها يوماً أو توخاها، لكنه يدوم على
стр. 1234
الخصال المحمودة، والأخلاق الشريفة، ويتقي انصرافه عن شيمةٍ زكيةٍ عرف بها، وذهابه عن طبيعةٍ رضية فيقال تسخطها أو رفضها، فهو في درجات المجد يسمو ويصعد، وعلى مطالع الشرف يعلو ويغلب.
والانفتال: مطاوعة فتلته فتلا، وهو الانصراف والالتواء. والعوراء: الكلمة القبيحة. والعورة: السوءة وكل ما يستحيا منه.
وقوله: " وتفضل أيمان الرجال شماله "، يقول: تزيد في الفضل والإفضال شمال هذا الرجل على أيمان الرجال كلهم وتعلو عليها، كما غلبت اليمنى من يديه الشمال. والضمير من " شمالها " يرجع إلى اليمنى، أى كما غلبت يمينه شماله غلبت شماله أيمان الرجال كلهم. ويكون هذا كقول الآخر:
وما فضل الجواد على أخيه ... إذا اجتهدا وكل غير آل
فبرز سابقا إلا كفضل ال ... يمين من اليدين على الشمال
فهذا وجه، والأجود أن يجعل الضمير من الشمال عائدا إلى الرجال، فيكون المعنى: كما فضلت يمناه شمال الرجال كلهم. يريد أن زيادة شماله على أيمانهم في الظهور مثل زيادة يمينه على شمائلهم في الظهور.
وما أجم المعروف من طول كره ... وأمرا بأفعال الندى وافتعالها
وتبتذل النفس المصونة نفسه ... إذا ما رأى حقا عليه ابتذالها
قوله " ما أجم "، أى ما كره فعل المعروف حتى كان ينصرف عنه وإن طال تكرره على يده، ودام اكتسابه له، بل يزداد على مر الأيام رغبة فيه، وولوعا به. ويقال: فلان أجم من الطعام، إذا عافه وانصرفت نفسه عنه.
وقوله: " وأمرا بأفعال الندى " عطفه على المعروف، ويريد: ولم يأجم الأمر بفعل الندى واكتسابه له، كأنه كان يبعث الغير عليه، ويتولى فعله بنفسه.
وقوله " ويبتذل النفس المصونة نفسه ". نصب " نفسه " على البدل من النفس. ويكون المعنى أنه إذا رأى ابتذال نفسه المصونة واجبا عليه، وحقا ملازما له، يبتذلها ولا يصونها. وإنما يريد أنه يفعل ذلك في الشدائد وعند احتماء البأس. وهذا كما روي في الخبر: " كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ ". ويروى " نفسه " بالرفع، ويكون فاعل تبتذل. ويريد بالنفس المصونة كرائم أصحابه وأمواله، فالمعنى أنه لا
стр. 1235
يبقى ذخيرة من ذخائره إذا وجب إنفاقها، ولا يصون نفسا عزيزة عليه من كرائمه إذا وجب ابتذالها.
بلوناك في أهل الندى ففضلتهم ... وباعك في الأبواع قدما فطالها
فأنت الندى فيما ينوبك والسدى ... إذا الخود عدت عقبة القدر مالها
يقول: خبرناك في جملة من يدعي الندى وزمرتهم، فغلبتهم وسبقتهم، كما بلونا بسط يدك، واتساع باعك عند البذل في الأبواع كلها قديما، فغلبها في الطول. وقوله " فضلتهم "، هو للمبالغة؛ يقال: فاضلته ففضلته أفضله.
ولذلك تعدى وإن كان فضل الشىء إذا زاد لا يتعدى. ومن شرط فعل في المبالغة أن يجعل مستقبله على يفعل إذا كان صحيحا، وإن كان في الأصل يجىء مفتوح العين أو مضمومه أو مكسوره. وكذلك قوله " فطالها " إنما تعدى وطال الذي هو ضد قصر (لا يتعدى) لأنه من طاولته فطلته أطوله. والمعتل في هذا المعنى يجرى على أصله، يقال: باكيته فبكيته، إذا غلبته في البكاء، وطاولته فطلته، إذا غلبته في الطول. وإنما لم يغيروا المعتل لئلا يلتبس بنات الواو ببنات الياء. ولا يجيء هذا في كل فعل.
وقوله " فأنت الندى فيما ينوبك والسدى "، يريد ترطبه للمعروف وتندى كفه في العطاء عند يبوس المحل، واشتداد الجدب. والندى والسدى هما بمعنى واحد. وقد قيل الندى بالنهار والسدى بالليل.
وقوله " إذا الخود عدت "، يريد أنه يفعل ذلك في الوقت الذي تعد عقيلة الحي وكريمة القوم مالها الذي تعيش منه وتعتمده، ما يرد عليها من المرق في القدر إذا استعيرت. وهذا كانوا يفعلونه في تناهى القحط، وفي شدة الزمان، وعند إسنات الناس. وكما يسمى المردود في القدر عقبة سمى عافيا قال الكميت:
وجالت الريح من تلقاء مغربها ... وضن من قدره ذو القدر بالعقب
وقال آخر:
فلا تسأليني واسألي ما خليقتي ... إذا رد عافى القدر من يستعيرها
стр. 1236
وخص الخود لكرمهاا ونعمتها وكرامتها في ذويها وقال الخليل: الخود: المرأة الشابة ما لم تصر نصعا. وقال الدريدي: الخود: الفتاة الناعمة؛ لم نبن منه فعل.
وقال الأعجم يمدح عمر بن عبيد الله
أخ لك ليس خلنه بمذق ... إذا ما عاد فقر أخيه عادا
أخ لك لا تراه الدهر إلا ... على العلات بساما جوادا
المذق: اللبن وقد خلط به الماء، فاستعاره للمودة. ويقل: فلان يمذق الود، وهو يماذقنى. فيقول: صداقة هذا الأخ صافية من الشوائب، لأنه لا ينطوي لك على غل ولا حقد، ولا سوء دخلة، ولا فساد طوية، وإذا أعطى راجية أغناه، فإن راجعه الفقر لكثرة مؤنه، وتزايد غاشيته، أو لتحامل نوائب الزمان عليه، وجد على خلقهوماله محملا، فعاد بالإحسان إليه. ثم لا تراه على تغير الزمان، واختلاف الأحوال، إلا ضحوكا طلق الوجه، جوادا طيب النفس. وبسام: بناء المبالغة، ولم يبن على بسم، لأن البناء على بسم باسم. ويقال: بسم، وابتسم، وتبسم.
وقالت امرأة من بنى مخزوم
إن تسألى فالمجد غير البديع ... قد حل في تيم ومخزوم
قوم إذا صوت يوم النزال ... قاموا إلى الجرد اللهاميم
من كل محبوك طوال القرى ... مثل سنان الرمح مشهوم
قولها " غير البديع " انتصب على الحال، وإنما تخاطب امرأة. فتقول: إن سألت الناس عن مقر المجد ومسكنه، فقد حل غير مستبدعولا مستنكر، في بني تيم ومخزوم، وهم قوم إذا تداعى الأبطال يوم النزال، وصاح المستغيث بناصره عند
стр. 1237
القراع، قاموا إلى خيل قصار الشعور عراب، كرام سراع. ولهاميم الإبل: غزارها. ولهاميم الناس: أسخياؤهم.
وقولها " من كل محبوك طوال القرى "، تريد: من كل فرسٍ محكم الخلق، مشرفٍ طويل الظهر، خفيف نافذٍ فى العدو، كأنه سنان رمحٍ. والمسهوم: الذي قد أثر الغزو فيه ولوحه سموم الحرب والحر. هذا إذا رويته " مسهوم " بالسين غير معجمة، ومن رواه " مشهوم " بالشين معجمةً فمعناه حديد القلب؛ ومنه الشيهم: اسم القنفذ، للشوك الذي في ظهره وقالت أخرى:
ألا إن عبد الواحد الرجل الذى ... ينيلك ما طالبت والوجه وافر
تقول: يعطي قبل أن يسأل ويبزل الوجه له. ويشبهه قول الآخر:
أهنأ المعروف ما لم ... يبتذل فيه الوجوه
ويقال: نلت الشيء أناله نيلاً، وأنالنيه فلان. والنيل والنول يتقاربان فى المعنى وإن كان بناءاهما مختلفين، يقال: نلته أنوله نولاً، فهذا من النوال، ونولته وتناول الشيء، وما كان نولك أن تفعل كذا، أي ما كان ينبغى لك
وقالت الخنساء
دل على معروفه وجهه ... بورك هذا هادياً من دليل
تحسبه غضبان من عزه ... ذلك منه خلق لا يحول
ويل أمه مسعر حربٍ إذا ... ألقى فيها وعليه الشليل
قولها " دل على معروفه وجهه "، تريد طلاقة وجهه وتهلله عند تعرض السائل له، وفرحه وبشاشته به إذا حصل عنده، ثم قال: بارك الله في هذا الدليل من بين
стр. 1238
الأدلاء، يعني وجهه. وأصل البركة النماء والزيادة، وقيل هو من اللزوم والثبات، ومنه برك البعير. وانتصب " هادياً " على الحال.
وقولها " تحسبه غضبان من عزه "، هم - أعثى العرب - يشبهون الحيي الكريم بالمشتكي من علة، والعزيز المنيع بالمتغضب من عزةِ. ولا غضب في هذا كما أنه لا علة ثم، وإنما يراد في العزيز إباء النفس وأبهة النبل، كما أنه يراد في الحيي لين الجانب، والانخزال من الكرم. وقولها " ذلك منه خلقٌ لا يحول "، يريد أنه طبع على ذلك، فلا يزول عنه ولا يتحول منه.
وقولها " ويل أمه مسعر حربٍ " انتصب مسعر على التمييز، وقد مر القول في ويل أمه. والكلام تعجب وتعظيم. والمسعر من أبنية الآلات، يراد أنه كالآلة في إيقاد نار الحرب إذا ألقي فيها وقد تدجج في السلاح. والشليل: الدرع.
وقالت امرأةٌ من إياد
الخيل تعلم يوم الروع إذا هزمت ... أن ابن عمرٍو لدى الهيجاء يحميها
لم يبد فحشاً ولم يهدد لمعظمةٍ ... وكل مكرمةٍ يلفى يساميها
تعني بالخيل الفرسان. تريد: قد تيقنوا أنه إذا اتفق عليهم كسرٌ، وأثر فيهم ردع في يوم حرب، لا يدفع عنهم ولا يذب دونهم إلا ابن عمرٍو، فهم ساكنون إليه، ومعتمدون عليه عند استعارنار الروع والاصطلاء بحرها، لأنه جابرٌ كسرهم، ومخمدٌ جمرهم.
وقولها " لم يبد فحشاً " تريد أنه لا يعرف القبيح، فلا يظهر في أفعاله وأقواله كما يستهجن أو يستفحش، ثم إذا مني بخصلةٍ فظيعة لا يهد لها، ولا يحار فيها، بل يصبر ويثبت، ويحسن حديثه في أفواه الناس لخروجه منها ويعذب؛ وكل مكرمةٍ تسنح، ومأثرةٍ على القرب والبعد تتفق وتعرض، تراه تطمح عينه إليها، وتحرص نفسه على جمع يده عليها، لعلو همته، وكمال خصاله. وقولها " يساميها " في موضع الحال أي مسامياً لها، ولك أن تروي " يلقى " بالقاف، و " يلفى " بالفاء، ومعناهما قريب.
стр. 1239
المستشار لأمر القوم يحزبهم ... إذا الهنات أهم القوم ما فيها
لا يرهب الجار منه غدرةً أبداً ... وإن ألمت أمورٌ فهو كافيها
وصفته بجزالة الرأي، وبراعة النفس والعقل، وأن المرجع فيما يدهم القوم إليه، والمعتمد عندما يهجم فيهمهم عليه، فهم يستضيئون بتدبيره في ظلم الخطوب ويستكشفونه ما يتغشاهم من دواهي الأمور. والهنات: جمع هنةٍ، وهي كالكناية عن المنكرات، ولا تستعمل في الخير البتة. وقولها " أهم القوم " أي جعل من همهم. وموضع يحزبهم نصبٌ على الحال.
وقولها " لا يرهب الجار منه غدرةً " تصغه بحسن الوفاء فيما يعقد للجار من ذمةٍ، ويعطيه من عهد وموثقةٍ. فيقول: جاره آمنٌ لا يخاف ختلاً ولا مكراً وإن نزلت به أمور خارجة من الجوار فهو يقوم بها ويتكفل بالكفاية فيها. وانتصب " أبداً " على الظرف، وهو في المستقبل بمنزلة قط في الماضي.
стр. 1240
باب الصفات
قال بعضهم:
وهاجرةٍ تشوي مهاها سمومها ... طبخت بها عيرانةً واشتويتها
مفرجةً منفوجةً حضرميةً ... مساندةً سر المهارى انتقيتها
أراد بالهاجرة الوقت الذي يهجر السير له إذا قام قائم الظهيرة وغلب الحر فيه. وهي فاعلة بمعنى مفعولة. والمها: بقر الوحش. فيريد أن حرها يشوي الوحش ويطبخها. وقوله " طبخت بها عيرانة " يعني بتلك الهاجرة. والعيرانة: الناقة تشبه العير. و " شويتها " أي سرت عليها حتى أنضاها الهواجر وحسرها وأذهب لحمها، فصارت كالمحترقة. والمفرجة: هي التي بعدت مرافقها عن زورها واتسعت آباطها وفرجت ما بين قوائمها، فهي فتلاء المرفق لا يصير حازاً ولا ناكتاً ولا ضاغطاً. والمنفوجة: الواسعة الجنبين. والحضرمية هي التي حصلت من نسل إبل حضرموت، وهي قرية بالشأم. والمساندة: القوية الظهر وسر المهارى، أي خيارها. والمهارى: جمع مهرية وهي المنسوبةإلى مهرة بن حيدان، أي من نتاجه. وانتقيتها، أي اخترتها. والمراد أنه قاعٌ للمفاوز في الهواجر، مبتذلٌ لنفسه وراحلته لا يبقي عليهما في حرٍ، ولا يقيهما من سمومٍ وتعب. وقوله " تشوي مهاها سمومها " في موضع الصفة للهاجرة. وقوله " طبخت " جواب رب.
فطرت بها شجعاء قرواء جرشعاً ... إذا عد مجد العيس قدم بيتها
وجدت أباها رائضيها وأمها ... فأعطيت فيها الحكم حتى حويتها
стр. 1241
قوله " فطرت بها " قيل أراد به حثثتها واستعجلتها في السير، فيكون طرت بها بمعنى أطرتها على هذا، كما يقال ذهبت بزيد وأذهبته بمعنى، ويجوز أن يكون المراد أني انتزعتها من عيون الباعة والمشترين، واختلستها وفزت بها، بدلالة أنه قال " وأعطيت فيها الحكم حتى حويتها ". والشجعاء: الجريئة القلب، وانتصب على الحال. والقرواء: الطويلة الظهر. والجرشع: المنتفخة الجنبين.
قوله " إذا عد مجد العيس " يريد إذا ذكرت مفاخر العيس ومناسبها قدم نسلها وقبيلها الذي يؤويها.
وقوله " وجدت أباها رائضيها وأمها " فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بمفعول وجدت الثاني، والمعنى: وجدت أباها وأمها رائضين لها، كأنها نتجت مروضةً مؤدبةً، فما حمد منها حصل لها وراثةً لا تعلما.
وقوله " أعطيت فيها " أي بذلت في تملكها ما احتكم بائعها واقترحه واستام بها، حتى حصلتها.
وقال عنترة بن الأخرس
لعلك تمنى من أراقم أرضنا ... بأرقم يسقي السم من كل منطف
تراه بأجواز الهشيم كأنما ... على متنه أخلاق بردٍ مفوف
الأراقم: الحيات. والكلام دعاءٌ على المخاطب وإن كان لفظه ترجياً وتأميلاً. ومعنى تمنى تمتحن. يقال: مني بكذا، أي بلي به وقاسى شره. ومعنى " يسقي السم من كل منطف " يريد من كل مقطر، لأن نطف الماء معناه قطر. وسمي الماء نطفةً لذلك. يريد أنه يرشح بالسم، فسموم جلده تقطر به. ولعل: طمعٌ وإشفاق. كذا قال سيبويه. ويستعمل بأن وبغير أن. يقال: لعلك أن تفعل كذا، كما تقول لعلك تفعل كذا.
وقوله " تراه بأجواز الهشيم " فالهشيم: اليابس من الأشجار والنبات، والقصد إلى النبات هنا. يقول: تراه يتخلل الهشيم ويتوسط أثناءه، فكأن على متنه بجلده الذي سلخه قطع بردٍ وشيه كالفوف، وهو البياض الذي يظهر في أظافير الأحداث. وجعله سالخاً ليكون أخبث.
стр. 1242
كأن بضاحي جلده وسراته ... ومجمع ليتيه تهاويل زخرف
أراد أنه ملون الجلد. والضاحي: البارز للشمس في الأصل، والمراد به هنا ظاهر الجلد. والتهاويل: ما يعلق من العهون على الإبل، ولا واحد له من لفظه، والقياس تهوالٌ، كما يقال تجفاف وتجافيف. والزخرف: كل ما حسن به شيء، وأصله الذهب. فشبه بارز جلد الحية وظهره ومجمع صفحتي عنقه لاختلاف ألوانها بالتهاويل التي تزخرف بها الإبل.
كأن مثنى نسعةٍ تحت حلقه ... بما قد طوى من جلده المتغضف
إذا نسل الحيات بالصيف لم يزل ... يشاعر باقي جلبةٍ لم تقرف
شبه غضون حلقه لما انطوى من جلده المتكسر لكونه فاضلاً عن لحمه، وذلك لكثرة سمه بنسعةٍ مثنية جعلت تحت حلقه، ويقال: إن الحيات إذا اجتمعت سمومها وكثرت دقت وهزلت، لأن سمها ينقص لحمها، فلذلك يفضل جلدها عن حجمها فيتغضف، أي يثنى، والغضف: انكسارٌ في الأذن.
وقوله " إذا نسل الحيات " يريد أنه بخبثه يقاتل سائر الحيات، سوء خلقٍ منه وعرامةً، فإذا انتشرت الحيات في الصيف لا يزال يمارس ويطاول بواقي جلب منه لم تقشر عنه، لأنه في مقاتلة الحيات يحصل على جروح طول الصيف وتيبس عليه جلبها. وقوله " يشاعر باقي جلبةٍ "، ويروى " يساعر " بالسين، من قولهم كلب سعرٌ، أي كلبٌ. وفي القرآن قوله تعالى: " في ضلال وسعر "، أي جنون. ومنه ناقةٌ مسعورة: لا تستقر قلقاً، ومن قولهم: عنقٌ مسعرٌ أي طويل. وأن تروى " يشاعر " بالشين المعجمة أحسن، تجعله من الشعار الذي هو خلاف الدثار. ويقال: جلب الجرح وأجلب، إذا يبس الدم عليه.
وقال ملحة الجرمي
أرقت وطال الليل للبارق الومض ... حبياً سرى مجتاب أرض إلى أرض
نشاوى من الإدلاج كدري مزنه ... يقضي بجدب الأرض ما لم يكد يقضي
تحن بأجواز الفلا قطراته ... كما حن نيبٌ بعضهن إلى بعض
стр. 1243
قوله " أرقت "، يريد سهرت، ولا يكون الأرق إلا بالليل. فيقول: فارقني النوم وطال ليلي من أجل سحابٍ فيه برقٌ يومض، أسرى ليلاً وقد قطع أرضاً إلى أرض. والومض: مصدرٌ كالوميض، وهو لمعان البرق. وقد وصف به. ويقال: ومض وأومض. وانتصب " حبياً " على الحال، وهو المشرف. والعامل فيه إن شئت البارق، وإن شئت الومض. و " مجتاب أرضٍ "، أي قاطعها، وانتصابه على الحال، والعامل سرى.
وقوله " نشاوى من الإدلاج " رده على قطع السحاب. ألا ترى أنه قال في البيت الأول " للبارق الومض "، ثم قال " نشاوى من الإدلاج ". وهو جمع نشوان. يريد أن أقطاعه لسراه صارت كالسكارى تميل من جانبٍ إلى جانب، وتنعطف من أرضٍ إلى أرض. كأنه جعل حال الساري من السحاب كحال الساري من الإنسان. وقوله " كدري مزنه " مبتدأ، و " يقضي بجدب الأرض " في موضع الخبر، و " ما لم يكد " مفعول يقضي. وجعل في لونه كدرةً لكثرة مائه وارتوائه. والمعنى أن الكدري منه يحكم للمجدب من الأرض، ويقسم من المطر له ما لم يكد يقضي به لنفسه، ولم يقرب من قسمه له كأنه يصب لجدب الأرضأكثر مما يتحكم به لو حكم، ويختاره لو خير. ولك أن تروى " ما لم تكد تقضى " بالتاء؛ ترده على الأرض. وقال بعضهم: هذا كما يقال: أعطاني الأمير ما لم يكد يعطيه لأحد، وسمح لى بما لم يكد يسمح به لأحد. والأول أحسن وأغرب. وقال بعضهم: أخبر أن هذا السحاب إذا أتى على أرض مجدبة لم يفارقها مطرها حتى يهريقبها من الماء ما يكون فيه عهد ووليفي دفعة واحدة، وفراغه من هذا لا يكون سريعا هينا. كأن حاجة السحاب في الأرض المجدبة إحياؤها وإخصابها من مطرة واحدة، فلما فعل قضى وطره، ولم يكد يقضيه إلا بعد بطء.
وقوله " تحن بأجواز الفلا قطراته " أى نواحيه. والقطر: الجنب. ويقال: قطره، إذا ألقاه على قطره. ويقال في معناه قترا أيضا بالتاء. يريد أن جوانبه تتجاوب بالرعد، فكأنها تحن إلى مواضع لها قد ألفتها، فهى تشتاقها وتتشوف. ثم شبه حنينها بحنين الإبل وقد فرقت بعد اجتماع، فتحانت وتهادرت.
ويقرب من هذا قول الهذلى:
يجش رعدا كهدر الفحل يتبعه ... أدم تعطف حول الفحل ضحضاح
стр. 1244
كأن الشماريخ الأولى من صبيره ... شماريخ من لبنان بالطول والعرض
تبارى الرياح الحضرميات مزنه ... بمنهمر الأوراق ذى قزع رفض
أعالى السحاب بأعالى هذا الجبل وأنوفه التى تتقدم منه، وقال " الأولى " تخصيصا لما كان من صبيره خاصة، وقال " بالطول والعرض " ليبين وجه التشبيه.
وقوله " تبارى " أى تحاكى وتسامى الرياح الشامية سحبه بمطر سامى الأعالى. ويقال للسحابة إذا ألحت بالمطر فى موضع: ألقت عليه أرواقها.
ويقال للرجل إذا ألقى همه على الشئ ونفسه: ألقى عليه أرواقه. لذلك قال تأبط شرا:
ألقيت ليلة خبت الرهط أرواقى
والقزع: قطع من السحاب متفرقه، والواحدة قزعة. وقال الخليل: القزع قطع من السحاب رقيقة كالظل. وعلى ما قاله يكون الإشارة من الشاعر إلى السحاب إلى وصفه وقد هراق ماءه فرق. قال الخليل: ولذلك قيل: شعر مقزع، أى خفيف. والرفض: المرفض المتفرق، وكأن الأصل فيه الرفض، محرك الفاء، والجميع الأرفاض، فسكن. ويجوز أن يكون وصف بالمصدر، لأنه يقال رفضت الشىء رفضا، والمرفوض رفض. والمعنى أن مزنه وهو السحاب، تحاكى الرياح الهابة من ناحية الشأم - يشير إلى الشمال - بمطر ذا صفته من سحاب كذلك.
يغادر محض الماء ذو هو محضه ... على إثره إن كان للماء من محض
يروى العروق الهامدات من البلى ... من العرفج النجدى ذوباد والحمض
أصل المحض اللبن الحامض بلا رغوة، ثم استعمل في الحسب وغيره، يقول: يترك خالص الماء الذى هو خالصة السحاب وصافيته، ويخلفه في مسايل الأودية على إثره. وإنما يشير إلى ما تقطع ورق من ماء المطر بنضد الأحجار، وأصول الأشجار، حتى صفا من شوائب الكدورة، وقر في المناقع وقرارات الأودية.
стр. 1245
وقوله " إن كان للماء من محض "، لأن ماء المطر جنس واحد إذا لم يختلط به غيره لا يختلف. وقد مر القول فى ذو وأنه بمعنى الذى فى لغة طيئ، فقوله: " ذو باد "، أى الذى باد، وهو فى موضع الجر، لكنه لا يغير عن بنيته.
وقوله " يروى العروق الهامدات من البلى "، يريد أنه أحيا ما أشرف على اليبس من عروق الشجر البالية خلتها وحمضها، وأعادها غضة مرتوية. والهمود أبلغ من الخمود.
وبات الحبى الجون ينهض مقدما ... كنهض المدانى قيده الموعث النقض
الحبى من السحاب: المشرف المتراكم. والجون؛ الأسود هنا، وجعله كذلك لا رتوائه وكثرة مائه. وقوله " ينهض مقدماً " انتصب مقدماً على الحال، يريد أن سير السحاب لثقله وحركاته مثل سير هذا البعير وحركته؛ ثم وصفه. والمدانى قيده: الذي قصر عقاله وضيق عليه قيده. ولم يرض بذلك حتى جعله سائراً في الوعث، وهي الأرض اللينة الكثيرة التراب والرمل؛ والسير فيها يصعب. ويقال في الدعاء: " اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر "، يراد شدته وصعوبته. ويقال: أوعث، إذا صار في الوعثاء، كما يقال أسهل إذا صار في السهل. ثم لم يرض بعد ذلك أيضاً حتى جعله نقضاً، وهو المهزول الضعيف. ويقال نقضت البعير نقضاً، والمنقوض نقضٌ.
وقد زاد في هذا الوصف على الأعشى لما قال - وإن كان الأعشى يصف امرأة بالنعمة والترفة، وهذا يصف سحابة ثقيلة -:
تمشي الهوينى كما يمشي الوجى الوجل
لأن هذا جعل البعير مداني القيد أيضاً.
стр. 1246
باب السير والنعاس
وقال حطيم
وقال وقد مالت به نشوة الكرى ... نعاساً ومن يعلق سرى الليل يكسل
أنخ نعط أنضاء النعاس دواءها ... قليلاً ورفه عن قلائص ذبل
فقلت له كيف الإناحة بعدما ... حدا الليل عريان الطريقة منجلى
مفعول قال أول البيت الثاني، وهو: أنخ نعط ". وقوله: " وقد مالت به نشوة الكرى "، والواو واو الحال. والنشوة: السكر. والكرى: النوم. وانتصب " نعاساً " على أنه مصدر في موضع الحال.
وقوله " ومن يعلق سرى الليل يكسل " اعتراض بين الفعل ومفعوله. ويعلق في معنى يتعلق. والسرى: سير الليل خاصة، وأضافه إلى الليل فقال سرى الليل، تأكيداً. ومعنى البيت: وقال رفيقي وقد انتشى من الكرى وصار يتميل ولا يستقيم وهو ناعس، ومن يمارس السير ويهاجر النوم يتسلط عليه الكسل: أنخ راحلتك نداو المطايا التي أنضاها النعاس وهزلها الجهد، دواءها من الراحة والنوم، وسكن من قلائص مهازيل، ووسع ما ضيقت عليها من أوقاتها. والقلوص في الإبل بمنزلة الجارية في الناس. والذبل: جمع ذابل. والترفيه: التوسيع والتنفيس. ويقال: رفهت البعير، إذا تركت الحمل عليه، وعيشٌ رافهٌ ورفيهٌ: فيه رفاهةٌ وخصبٌ. وانتصب قليلاً على الظرف، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، كأنه قال نعطها دواءها إعطاء قليلاً، أو وقتاً قليلاً. والأنضاء: جمع النضو، وهو المهزول.
стр. 1247
وقوله " فقلت له كيف الإناحة "، يريد كيف الوصول إلى النزول وقد أصبحنا وساق الليل صبح واضح الطريقة، متكشف الشريعة، يجلى الظلام فيه ويفرق. يريد أن الرأي وقد انصرم الليل أن نتبلغ إلى الماء الذي نقصده ثم ننزل. آخر:
وفتيان بنيت لهم ردائي ... على أسيافنا وعلى القسي
فظلوا لائذين به وظلت ... مطاياهم ضوارب باللحي
فلما صار نصف الظل هناوهنا نصفه قصم السوي يقول: رب فتيان أثر فيهم الحر، ومالوا إلى النزول، فبنيت لهم ما أظلهم على الأسياف والقسي، وقد غشيت بردائي فظللوا من نهارهم ملجئين إليه ولائذيم من الحر به، وبقيت مطاياهم لتأثير أواره فيها، وإحراقها بتوقد الهاجرة عليها، تضرب بلحيها على الأرض، فلما زال قائم الظهيرة وصار الظل نصفين لا شطط في انقسامه ولا اعوجاج في سويه. وجواب لما منتظر. وقوله " هنا " انتصب على الظرف، وقد وقع موقع خبر صار.
وسمعت شيخنا أبا علي الفارسي ﵀ يقول: ليس هنا من لفظ هنا في شيء، ووزنه فعلل مثل جعفر، فهو رباعي، وهنا ثلاثي. كأن أصله هنن، فأبدلوا من إحدى نوناته الألف هرباً من التضعيف.
وقوله " قسم السوي " انتصب على المصدر، والمراد وقد قسم قسم الإنصاف. ودل على الفعل قوله " نصف الظل هنا ".
والسوي أكثر ما يجيء في آخره هاء التأنيث: السوية، قال الشاعر:
ألا إن السوية أن تضاموا
ويجوز أن يريد بالسوي المسوي، كما جاء في الخبر: " لا تحل الصدقة لغنىٍ، ولا لذي مرة سوي ".
دعوت فتى أجاب فتى دعاه ... بلبيه أشم شمردلي
стр. 1248
فقام يصارع البردين لدناً ... يقوت العين من نومٍ شهي
فقاموا يرحلون منفهاتٍ ... كأن عيونها نزح الركي
قوله " دعوت " جواب لما من قوله " فلما صار نصف الظل "، وهو العامل فيه، لكونه علماً للظرف. وقوله " أجاب فتى دعاه " يريد أجابني، لأنه هو الداعي له. وقوله " بلبيه " أراد أجاب بالتلبية، أضاف لبي إلى ضمير المجيب، وحكى ما لفظ به. ولبيك، من قولهم: ألب بالمكان، إذا أقام به، وهذه اللفظة مثنى، والتثنية فيها إيذانٌ بأن المراد إلبابٌ بعد إلباب، لأن قد تفيد التكثير، فكأن المراد: دوامٌ على طاعتك، وإقامة عليها مرة بعد آخرى. قال سيبويه: انتصابه على المصدر كانتصاب سبحان الله، ولا ينصرف كما لا ينصرف سبحان. وقال يونس: إنه واحدٌ غير مثنى، والياء فيه كالياء في عليك ولديك، وأنشد الخليل وسيبويه عن العرب، قول القائل:
فلبي فلبي يدي مسور
وموضع الحجة أنه لو كان كلدي وعلي لكان يجيء بالألف إذا أضيف إلى الظاهر، كما تقول لدى زيدٍ وعلى عمرو، والشاعر قال: لبي يدي.
وقوله " أشم " في موضع الجر على أن يكون بدلاً من الضمير المتصل بلبيه.
وأصل الشمم الطول في الأنف، لكنه جعل لفظة أشم كناية عن الكريم. والشمردل: الطويل. وزاد ياء النسبة في آخره توكيداً للوصفية، فهو كقول رؤبة:
أطرباً وأنت قنسري ... والدهر بالإنسان دواري
يريد قنسراً ودواراً، فزاد الياء لمثل ذلك.
ومراد الشاعر: لما انقسم الظل هذا الانقسام، وخف احتدام الوقت واشتد أمر الحر على مواصل السير والسري، دعوت فتىً أجابني بلبيك، كريمٍ مديد القامة، تام
стр. 1249
الخلقة، فقام ولما لحقه من التعب والكلال وترك النوم يتمايل، فكأنه يصارع برديه. وهو لين الأعطاف، يهتز اهتزاز الرمح اللدن، وهو ينفي عن عينه نوماً لذيذاً تمكن " منها "، فهو لها قوت وقوام " وينفضها منه شيئاً بعد شيء. وإنما قال ذلك لأنه لم يكن استوفى من الراحة والنوم ما يكتفي ويتماسك له " إذ كان هيجه وبعثه للارتحال قبل ذلك. وقوله " وقاموايرحلون " يريد: قام هو وأصحابه يرحلون رواحل لهم قد اسقطها واستنفد قواها السير المتصل الحثيث، فهي غائرة العيون، ساقطة القوى، قد دخلت مقلها في أقفائها، فكأن عيونها آبارٌ نزحت مياهها. ويقال: نفهت نفسه ونفهتها أنا. والنزح: جمع نزيح.
آخر:
ولقد هديت الركب في ديمومةٍ ... فيها الدليل يعض بالخمس
مستعجلين إلى ركي آجنٍ ... هيهات عهد الماء بالإنس
يريد أنه يتعسف البلاد، ويركبها بأصحابه، وهو هاديهم، وأنه ورادٌ للمياه التي انقطع الناس عنها فلا يردها إلا السباع والطير. ولا خلاف بينهم أن القطا أهدى الطير، وأن الذئب أهدى السباع، وهما السابقان إلى المياه، لذلك وصفهما الشعراء وضربوا الأمثال بهما. والركب: ركبان الإبل. والديمومة: المفازة، واشتقاقه من دمه، أي أهلكه، وهو يجري مجرى مهلكة ومفازةٍ، والياء فيه زائدة. وقوله " يعض بالخمس "، يقال عض كذا، وعض على كذا، وعض بكذا، قال:
فعض بإبهام اليمين ندامةً
وقال غيره:
عض على شبدعه الأريب
في القرآن: " عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ".وإنما جعل الدليل يفعل ذلك لخوفه الهلاك والضلال على نفسه ومن معه. ويريد بالخمس، الأصابع، وهي مؤنثة، لذلك قيل: السبابة، والدعاءة، والوسطى.
стр. 1250
وقوله " مستعجلين إلى ركيٍ آجنٍ "، أراد: مبادرين إلى بئرٍ متغيرة الماء، فلما وردوها بعيدة العهد بالإنس، لأن المفازة التي يقصدها بالوصف كانت غير مسلوكةٍ لهم إلا في النادر، وإنما يرد الماء بها الطير والوحش. وارتفع " عهد الماء " بقوله هيهات، وهو اسم لبعد. والمراد ركيٌ متغير بعد عهد مائه بالإنس. وقد روى عهد الماء بالأمس " ويكون على هذا عهد الماء مرتفعاً بالابتداء، وبالأمس خبره. وأتى بلفظة " هيهات " على طريق الاستبعاد، كأنه قال: إلى ركيٍ آجنٍ بعد المطلوب والمبتغى. ثم قال " عهد الماء بالأمس "، أي كان الماء في وقتٍ متقادمٍ. والرواية الأولى أصح وأجود وأحسن. وفي طريقته قول الشماخ:
وماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين
ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين
وقال ذو الرمة:
وماء بعيد العهد بالناس آجنٍ ... كأن الدبا ماء الغضا فيه يبصق
وردت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماءٍ محلق
مستعجلين فمشتوٍ ومعالجٌ ... نقباً بخف جلالةٍ عنس
ومهومٍ ركب الشمال كأنما ... بفؤاده عرضٌ من المس
أعاد لفظ " مستعجلين " تأكيداً، والأول منهما حال للركب. وقوله " فمشتوٍ " مبتدأ وخبره مضمر. كأنه قال على الاستئناف: فمنهم مشتوٍ ومنهم معالجٌ نقباً، ومنهم مهومٌ. وذكره للمشتوي وغيره ليري ضيق الوقت، وأن آرابهم لم تقض فيه عند نزولهم: من الأكل وإصلاح عواض السفر، إلى سائر ما أحاط التعداد به ودل عليه، فإنه أزعجهم وهيجهم للارتحال. والنقب: الحفى. والجلالة: الناقة العظيمة الجسم. والعنس: الصلبة.
وقوله " ومهوم " أراد: ورب رجلٍ نائمٍ لما نبهه ركب شماله لغلبة النوم عليه، وكأنما بقلبه عرضٌ من الجنون. والمراد بقوله " ركب الشمال " أنه أخطأ في القصد. ومن قولهم ركب شؤمهوركب الشق الأشأم، للعادل عن سواء السبيل، وللمنهزم والمخطئ. ويجوز أن يريد بقوله: " ركب الشمال " شمال نفسه، والراكب إذا لم يزغ من شرطه أن يركب من يمين نفسه وشمال مركبه، ومتى ركب من شمال نفسه
стр. 1251
ويمين مركوبه كان معكوس الركوب. ويجوز أن يريد: ركب الشمال مرة واليمين أخرى، فاكتفى بذكر أحدهما. والمعنى: لا يبالي على أي جنبيه سقط، لغلبة النعاس عليه.
وفي هذه الطريقة قول لبيد:
قلما عرس حتى هجته ... بالتباشير من الصبح الأول
يلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي المصل
يتمارى في الذي قلت له ... ولقد يسمع قولي حي هل
آخر:
وهن مناخات يحاذرن قولةً ... من القوم أن شدوا قتود الركائب
تكاد إذا قمنا يطير قلوبها ... تسربلنا ولوثنا بالعصائب
قوله " هن مناخات "، يريد الأبل. و " يحاذرن " في موضع الصفة أي خائفة محاذرة. وقوله " من القوم " اتصل بقولةً. و " أن شدوا " في موضع المفعول لقولة. وأن مخففةٌ من الثقيلة واسمه مضمر. والمراد أن الأمر والشأن شدوا قتود ركائبكم. " وشدوا " بما بعده في موضع الخبر. ويريد أن مطاياهم وهي مناخةٌ في ركائبها خائفات قول منادى القوم تهيئوا للانفصال وشدوا على رواحلكم الرحال.
ثم قال " تكاد إذا قمنا يطير قلوبها " أي قلوب الإبل، أي أنها لما استشعرت من هو السير ولما تخونها وأثر في قواها من الكلال والتعب، إذا رأتنا نتسربل ونلف عمائمنا على رءوسنا، تكاد تطير قلوبها انزعاجاً وخوفا، لعلمها بما تكابده وتعانيه.
آخر:
حبسن في قرح وفي داراتها
سبع ليالٍ غير معلوفاتها
حتى إذا قضيت من بتاتها
وما تقضي النفس من حاجاتها
حملت أثقالي مصمماتها
غلب الذفارى وعفرنياتها
стр. 1252
قرح: موضع. ويريد بالدارات دارات الرمل. ودرارات العرب نيف وعشرون، قد ذكرناها في موضع آخر. وانتصب " سبع ليال " على الظرف. و " غير معلوفاتها " في موضع الحال، والمراد: غير معلوفاتٍ فيها، لكنه قدر الظرف تقدير المفعول الصحيح، وحذف في. والبتات: المتاع. والمصممات هي التي لا ترغو. والغلب: الغلاظ الأعناق. والذفارى: جمع الذفرى، وهي الحيد النائي عن يمين النقرة وشمالها. والعفرنيات: الصلبة السريعة، والواحدة عفرناتٌ. فيقول: حبست هذه الإبل في هذا الموضع، وفي دارات رمالها ليالي سبعاً غير مستوفيةٍ من علفها حظوظها وكفايتها، حتى إذا أصلحت أحوالها، وفرغت من قضاء حاجات نفسي فيها وفي غيرها، ومن رفيقٍ وصاحب، حملت أثقالي صابراتها في السير، وهي التي لا ترغو ولا تشكو، وقد غلظت أعناقها، وعادتها أن تخف في السير وتسرع.
والبتات: المتاع. والبتات، بكسر الباء: جمع البت، وهو الكساء. وانعطف " وما تقضي النفس " على بتات، يريد: وما تقضيه النفس من مهماتها.
وقوله " حملت أثقالي " جواب إذا، والمصممات: الصابرات على السير الماضيات، وهي لا ترغو.
وغلب الذفارى، انتصب على البذل من مصمماتها.
فانصلتت تعجب لانصلاتها
كأنما أعناق سامياتها
بين قروري ومرورياتها
قسي نبعٍ رد من سياتها
كيف ترى مر طلاحياتها
والحمضيات على علاتها
يبتن ينقلن بأجهزاتها
والحادي اللاغب من حداتها
قوله " فانصلتت " أي مضت جادة حتى تعجب لمضيها، وكأن أعناق اللاتي تسمو بأعينها، وترفع رءوسها، وتمد في المسير أضباعها، بين هذه المواضع قروري
стр. 1253
وما حولها، من الأرضين التي لا نبات فيها، في طولها وتجردها - قسيٌ نبعيةٌ رد ما عطف من أطرافها.
ثم قال: " كيف ترى مر طلاحياتها " على طريق التعجب منها، والإعجاب بها. وطلاحٌ بكسر الحاء: جمع طلحة، ويقال إبل طلاحيةٌ، إذا ألفت الطلح وأكلته، وقياسه إذا كسرت الطاء طليحة، لأن الجمع يرد إلى واحده، وهو صفة في النسب. قال الفراء في طلاحي إذا نسب إلى الطلح: هو بمنزلة أذانيٍ ورؤاسي، وأنافي، وإنما هذه النسبة تكون للأعضاء، فشبه طلاحيٌ به إذ كان ملازماً له، فصار كأنه منه. وقال غيره: قيل طلاحيٌ كما قيل نباطيٌ، وهو منسوب إلى النبط، وكيفما كان فإنه لم يجيئ على القياس الأكثر، وما هو الأصل. وقال الكسائي: إذا اشتكت الإبل بطونها عن أكل الأراك قيل: إبلٌ أراكي، وإن كان من الطلح قيل طلاحي بفتح الحاء مقصوراً.
وقوله " والحمضيات "، أراد ومر الحمضيات على علاتها، أي على ما يعترض لها من الأسباب الباعثة والمانعة، والأحوال المهيجة والمبطئة. وحرك الميم من الحمضيات لأن هذا مما غير في النسب. وقال أبو العباس المبرد: يقال حمضٌ وحمض، وإذا صح هذا فقد جاء على وجهه.
وقوله " يبتن ينقلن بأجهزاتها " أي ينقلن أجهزاتها، فزاد الباء تأكيداً وهو جمع الجمع، يقال جهازٌ وأجهزة وأجهزات، وهي الأمتعة.
وقوله " والحادي اللاغب " عطف الحادي على موضع " بأجهزاتها "، أي وينقلن الحادي والمعي لدوام حدائها. ويروى " بالغضويات "، وهي التي ترعى الغضا. قال:
فما وجد ملياع الهوى غضويةٍ ... بلوذ الشرى في غلةٍ وهيام
وقال حكيم بن قبيصة
لعمر أبي بشرٍ لقد خانه بشر ... على ساعةٍ فيها إلى صاحبٍ فقر
فمنا جنة الفردوس هاجرت تبتغي ... ولكن دعاك الخبز أحسب والتمر
стр. 1254
ذكر المدائني " في كتاب العققة "، أن هذا الشعر لحكيم بن ضرار الضبي، قاله لابنه وكان غزا وترك أباه. وذكر غيره أنه حكيم بن قبيصة، وأن ابنه كان فارقه مهاجراً البدو إلى الأمصار. يقول: وبقاء أبي بشرٍ - يعني نفسه - لقد خانه بشر، يعني ابنه، في وقتٍ كان يشتد فقره إليه. يشير إلى أوان كبرتهٍ وضعفه، وتعليقه الرجاء بالانتفاع به وتحمله أعباء المؤن عنه في ظعنه وإقامته. فقوله " على ساعة " في موضع الحال، وتعلق على بفعل مضمر، كأنه قال: مشرفاً على وقت هكذا. وقوله " إلى صاحب " في موضع النصب على الصفة المتقدمة، لأن المراد: فيها فقر إلى صاحبٍ، وصفة النكرة إذا قدمت عليه صارت حالا. على هذا قوله:
لمية موحشاً طلل
وقوله " فما جنة الفردوس " جنة انتصب على أنه مفعول تبتغي، وتبتغي في موضع الحال، والتقدير: ما هاجرت مبتغياً جنة الفردوس. ووجه هذا الكلام نحو الابن معيراً. يريد أن الذي دعاك إلى الهجرةنهمة بطنك، ورغبتك في أطعمة الحضر، لا الدين وطلب الآخرة، إذ كان ذلك يفرض عليك طاعة أبويك، وطلب رضاهما. وقوله " أحسب " قد حذف فيه مفعولاه، فهو كقول الآخر:
ترى حبهم عاراً علي وتحسب
وفي الكلام مع التعيير تقريع وتهكم وسخريٌ.
أقرصٌ تصلى ظهره نبطيةٌ ... بتنورها حتى يطير له قشر
أحب إليك أم لقاحٌ كثيرةٌ ... معطفةٌ فيها الجليلة والبكر
هذا الاستفهام أتى به على طريق التبكيت، وليريه الخطأ فيما اختاره من الحضر إلى البدو، ومن ترك والده والعصيان له أشد ما كان حاجةً إليه. فقال: أقرصٌ تنضجه في التنور امرأةٌ خبازة نبطية حتى يصير له قرافة تتقشر عنه، أحب إليك أم نوق حوامل كثيرة قد عطفت على أولادها، وفيها الجلالة الكبيرة والأفتاء القوية. يريد أن فعله فعل من لا يفرق بين هاتين الخصلتين، ولا يميز الرجحان في أي جانبيهما يكون
стр. 1255
فيختاره. ويقال: صليت الشواء، إذا شويته. وأصليته وصليته، إذا ألقيته في النار. ويقال أيضاً صلى عصاه، إذا أرادها على النار، فهو مثل أكرمته وكرمته وأفرحته وفرحته. وفي القرآن: " إلا من هو صال الجحيم ". ويقال: تصليت حر النار واصطليته.
كأن أدواي بالمدينة علقت ... ملاءً بأحقيها إذا طلع الفجر
كأن قرى نملٍ على سرواتها ... يلبدها في ليل سارية فطر
استمر في وصف اللقاح، لأن تفخيم أمرها يزيد في بيان الخطإ فيما اختاره. وشبه ضروعها بمزادٍ مملوء. والأحقي: جمع حقوٍ، وهو من الإنسان معقد الإزرار من كل ناحية، ومن غيره مما يحلب مواضع الضروع. والمعنى أنها بالغدوات وقد حلفت من الليل، كأنما علقت بمواضع ضروعها أدواي مملوءة ماءً. وانتصب " ملاء " على الحال.
وقوله " كأن قرى نملٍ على سرواتها " يشبه قول الآخر:
إلى سراةٍ مثل بيت النمل ... غنيةٍ من وبرٍ وخمل
والسروات: الأعالي. وقرية النمل ربما ترى كأعظم جثوةٍ، ولذلك شبه ارتفاع أسنمتها وكثرة اللحم والشحم عليها بها. ومعنى يلبدها يصلبها والسارية: السحابة تسرى ليلاً.
وقال واقد بن الغطريف
وكان مريضاً فحمي الماء واللبن:
يقولون لا تشرب نسيئاً فإنه ... وإن كنت حراناً عليك وخيمٌ
لئن لبن المعزى بماء مويسلٍ ... بغاني داءً إنني لسقيم
النسئ: الرثيئة. والحران: الشديد العطش. وعليك من صفة وخيم، وقد قدمه فانتصب على الحال. ومويسل: تصغير مأسلٍ الذي ذكره امرؤ القيس في قوله:
وجاراتها أم الرباب بمأسل
стр. 1256
فيما أظن يريد: قال الناس وهم يحمونني الماء واللبن: لا تشربهما وإن اشتد حمى كبدك، وغليل جوفك، فإنه يثقل عليك، ويزيد في ألمكمن العارض لك. فقلت مجيباً لهم: إن كان اللبن ممزوجاً بماء هذه العين يورثني خبالاً، ويسكبني إتخاماً، وهو غذائي ومساك قوتي منذ كنت، إنني لمتناهي السقم والله. فأطلق لفظة سقيم، والمراد المبالغة، وفعيل من أبنيتها.
ومثل هذا مما رمى به هذا المرمى قول الآخر، وقد مر في باب النسيب:
لئن كان يهدي برد أنيابها العلى ... لأفقر مني إنني لفقير
فهذا بإزاء ذاك، وهو على منهاجه. ومعنى " بلغى داءً " كسبني وأنزل بي. وقوله " بماء مويسلٍ "، الباء أفاد الجمع والاختلاط. ويقولون: خذ كذا بكذا، والمعنى مجموعاً إليه ومخلوطاً به.
؟ وقال حندج بن حندج:
في ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصول
لا فارق الصبح كفي إن طفرت به ... وإن بدت غرةٌ منه وتحجيل
لساهر طال في صولٍ تململه ... كأنه حيةٌ بالسوط مقتولٌ
جعل الليل كالمجسمات حتى صار ذا طول وعرض عنده. وقال: " تناهى العرض والطول " لأنه قد علم أنهما لليل، كما أنك تقول: زيد حسن الوجه، لأنه علم أنه لم يرد إلا وجهه. والمعنى أن في ليل هذا المكان بلغ الطول والعرض نهايتهما وغايتهما، حتى وقفا لا مستزاد فيهما، فكأنماليل صولٍموصولٌ بجنسه كله، فليس ينقطع ولا ينكشف.
وقد قال أبو تمام الطائي مستطيلاً ليوم:
بيوم كطول الدهر في عرض مثله
стр. 1257
ومن كلام الناس: عشنا زمناً طويلاً عريضاً، والدهر الطويل العريض. وكل ذلك تشبيه بالأجسام. وعلى ما فسرناه يتعلق الجار من قوله: في ليل صولٍ بتناهي. وقد استعمل العرض منفرداً عن الطول والمراد به السعة؛ على ذلك قوله تعالى: " فذو دعاء عريض "، وقوله : " وجنةٍ عرضها السموات والأرض ".
وقوله: " لا فارق الصبح كفي "، يجوز أن يكون دعاء، يريد: إن ظفرت بالصبح فلا فرق الله بيني وبينه، كما يقال: لا بارك الله في الكفار، ويجوز أن يكون إخباراً. والمعنى أنه يتشبث به فلا يخليه للزوال. وهذا على التشوق له والتبرم بليله. والليل في الاستعمال بإزاء النهار على الإطلاق، والليلة بإزاء اليوم. وهذا يدل على أنه لم يقصد إلى ليلة واحدة، وإنما أراد: الليل في صول هكذا علي.
وقوله " إن بدت غرةٌ منه وتحجيل "، يريد تباشيره ممتزجةً بالظلام، كأنه جرى على عادة الناس في قولهم للمتشوف المتوقع: إن ظفرت بزيد أو رأيت وجهه فعلت كذا، والمراد إظهار الفاقة إليه وشدة التشوف له، وطول الملازمة له إذا ظفرت به. والغرة والتحجيل معروفان. وقد قيل: صبح أقرح، مأخوذ من القرحة، لأنه بياض في سواد. وقوله " لساهر "، واللام تعلق بقوله " وإن بدت ". ويعنى بالساهر نفسه، كما أراد بذكر الغرة والتحجيل نفس الصبح. والتململ: القلق والانزعاج. وإنما تقلقل على فراشه لأرقه واستطالته لليل، ثم شبه نفسه في التوائه واضطرابه بحيةٍ قتل بالسوط فطال اضطرابه لطول ذمائه.
متى أرى الصبح قد لاحت مخايله ... والليل قد مزقت عنه السرابيل
ليل تحير ما ينحط في جهة ... كأنه فوق متن الأرض مشكول
نجومه ركد ليست بزائلة ... كأنما هن في الجو القناديل
قوله " متى أرى الصبح " لفظه استفهام ومعناه التمني والتطلع، واستبعاد المنتظر المترقب. ومخايله: ما يتبين به دنوه. كأنهأظهر ما عليه النفس من ضجره بالليل واسراحته للصبح. ولك أن تروي " والليل " بالنصب، ويكون مردوداً على الصبح وداخلاً تحت متى أرى. ولك أن تروي " والليل " بالرفع ويكون الواو للحال، ويرتفع الليل بالابتداء. و " قد مزقت " في موضع الخبر، ويعني بالسرابيل الظلام.
стр. 1258
ثم جعل الليل لامتداده واتصال دوامه كالمتحير كواكبه عن المسير. القائم على حدٍ لا يزول عنه " ولا يحول "، ولا يجنح ولا يميل.
والمشكول: المقيد. وهذا المعنى هو الذي يؤمه امرؤ القيس في قوله:
كأن الثريا علقت في مصاصها ... بأمراس كتانٍ إلى صم جندلٍ
وشبه النجوم في إضاءتها بالقناديل، وإنما يعلو ضوء الكواكب ويزهر عند تراكم الظلام واستحكامه. والركد: جمع الراكد. وجعل الكواكب في الجو لأنه توهمها كالقناديل المعلقة.
ما أقدر الله أن يدني على شحطٍ ... من داره الحزن ممن داره صول
الله يطوي بساط الأرض بينهما ... حتى يرى الربع منه وهو مأهول
قوله " ما أقدر الله " لفظه تعجبٌ ومعناه الطلب والتمني. وكان الواجب أن يقول: ما أقدر الله على أن يدني، فحذف الجار، ومثل هذا الحذف يكثر مع أن لطوله بصلته. والشحط: البعد، شحط شحطاً وشحوطاً. قال:
والشحط قطاعٌ رجاء من رجا
لكنه حرك الحاء. ويقال: منزلً شاحط وشحيط. وموضع " على شحطٍ " نصب على الحال.
وقوله " الله يطوي بساط الأرض بينهما " البساط: الأرض الواسعة. وجعل الكلام لما يتمناه، ويطلب قربه ويتشهاه، على أنه إخبارٌ عن الشيء وقد وقع. وكل ذلك تحقيقٌ لما يؤمله ويسأله. وهذا كما يجعل الدعاء على لفظ الخبر، كأنه لقوة الأمل يجعل المطلوب في حكم ما قد حصل. وقوله " حتى يرى الربع منه "، يعني الربع بالحزن ممن هو مقيمٌ بصولٍ.
стр. 1259
؟؟؟ وقال حميدٌ الأرقط
قد أغتدى والصبح محمرٌ الطرر
والليل يحدوه تباشير السحر
وفي تواليه نجومٌ كالشرر
بسحق الميعة ميال العذر
الطرر: جمع الطرة، وهي الناحية والحرف، ومنه أطرار الوادي. وفي المثل: " أطري فإنك ناعلة "، أي أركبي أطرار الطريق. والبغداديون يروونه: " أظري " بالظاء معجمةً، والمعنى أركبي الظرر، وهي حجارةٌ محددة يصعب المشي عليها. فيقول: أبتكر - والصبح محمرٌ الأرجاء والنواحي، والليل قد تجلى بما يطرده مقدمات السحر وعلاماته، وفي مآخيره ومدارس آثاره من الظلام نجومٌ تتوقد كأنها شرر النار - بفرسٍبعيد غور النشاط، يضطرب عذره على خديه وجبهته. والميعة: النشاط. وجعله سحقاً لاتصاله ودوامه. والسحق: البعد. ونخلةٌ سحوقٌ، منه، أي طويلةٌ. والعذر: الخصل من الشعر. والعذر أيضاً: علامةٌ تعقد في ناصية الفرس السابق من العهن، والواحدة عذرةٌ. وقال الخليل: الميعة: ميعة الشباب والحضرأولهما. وروى السكري: " بمشعل الميعة " وهو من إشعال النار والقصب.
كأنه يوم الرهان المحتضر
وقد بدا أول شخصٍ ينتظر
دون أثابي من الخيل زمر
ضارٍ غدا ينفض صئبان المطر
قوله " كأنه يوم الرهان "، يريد: كأن هذا الفرس يوم السباق وقد حضره الناس فصار يوماً مشهوداً. والمحتضر: الذي يحضره الناس. ويروي " يوم الرهان المبتدر ".
стр. 1260
والأنابي: الجماعات، وليس لها واحد، وقيل واحدها أثبية، أفعولة من الثبة، وهي الجماعة الكثيرة؛ ومنه تثبيت الثناء، إذا أكثرته. والمعنى: كأنه وقد جاء في هذا اليوم سابقاً وأول طالعٍ ينتظر دون جماعات من الخيل " جاءت " زمرةً بعد زمرة، صقر قد ضرى بالصيد، ابتكر وقد مطر الليل، فهو ينفض صغار القطر وكباره عن ريشه، وهو شديد الإلحاح في طلب الصيد بعدالانقضاض عليه.
عن زف ملحاحً بعيد المنكدر
أقنى يظل طيره على حذر
يلذن منه تحت أفنان الشجر
من صادق الوقع طروحٍ بالبصر
بعيد توهيم الوقاع والنظر
كأنما عيناه في حرفي حجر
بين مآقٍ لم تخرق بالإبر
قال الدريدي: الزف صغار الريش كالزغب. وقال قومٌ: لا يكون الزف إلا للنعام إلا على وجه التشبيه. والملحاح: بناء المبالغة من ألح. أي يلح في الصيد على نفسه. ويجوز أن يكون من لحت عينه ولححت؛ إذا التصقت أجفانها بالرمص، كأنه يلتصق بالصيد التصاقاً شديداً من هذا قولهم: هو ابن عمي لحاً، أي لاصق النسب. وقوله " بعيد المنكدر " يقال: انكدر، وانصلت، وخات، وانقض بمعنى. وهذا كما قال الآخر:
ضارٍ يضري بطري اللحم ... أكدر كالجلمود يوم الرجم
إذا تقضى من أعالي النجم ... ضم جناحيه انخراط السهم
وقوله " أقتى " القنا يستحب في الصقورة والشواهين، وكذلك طول المنسر، وقصر الذنب، وغوؤر العينين، وبعد ما بين المنكبين. وقال " تظل طيره على حذر "، أراد ما عرفه من الطير أو رآه، فلذلك أضاف إليه. والمعنى يخافه فيحذره، ويلوذ منه بغصون الأشجار فيستخفي فيه، وهو صادق الوقع، أي لا يكذب فيه، بعيد المطلب
стр. 1261
والنظر، شديد المواقعة والبغت. ويقال طرفٌ مطرحٌ، أي بعيد النظر، ورمحٌ مطرحٌ، أي طويل، وفحلٌ مطرحٌ: بعيد موقع الماء في الرحم.
ومثل قوله " يلذن منه تحت أفنان الشجر " قول الآخر:
رأى أرنباً سنحت بالفضاء ... فبادرها ولجات الخمر
وقوله " كأنما عيناه في حرفي حجر "، أي في جانبي حجرٍ، يعني رأسه، ونفسه بين مأقٍ لم تخط، أي لم يصطد فكان في العليم تخاط عيناه. والمآقي جمع مؤقٍ مثل معقٍ، وبعد القاف ياء زائدة، فهو من الفعل فعلوٌ، نقلت إلى فعل. وفي هذه اللفظة لغاتٌ كثيرة، وقد علمتها مسألةً وشرحتها.
стр. 1262
باب الملح
قال بعضهم:
يقول لي الأمير بغير نصحٍ ... تقدم حين جد بنا المراس
وما لي إن أطعنتك من حياةٍ ... وما لي بعد هذا الراس راس
ذكر أبو العباس المبردأن المهلب بن أبي صفرة قال يوماً وقد حميت نائرة الحرب بينه وبين الخوارج، لأبي علقمة اليحمدي: أمددنا بخيل اليحمد وقل لهم: أعيرنا جماجمكم ساعةً. فقال: أيها الأمير، إن جماجمهم ليست بفخار فتعار، وأعناقهم ليست بكراثٍ فتنبت. وقال لحبيبكر على القوم!! فقال: " يقول لي الأمير بغير نصحٍ ".
وقوله " جد بنا المراس " أي اشتد. والمراس: المجاذبة والمدافعة.
وقالت امرأة
فقدت الشيوخ وأشياعهم ... وذلك من بعض أقواليه
ترى زوجة الشيخ مغمومةً ... وتمسي لصحبته قاليه
стр. 1263
فلا بارك الله في عرده ... ولا في غضون استه البالية
وإن دمشق وفتيانها ... أحب إلينا من الجاليه
نكحت المديني إذ جاءني ... فيالك من نكحةٍ غاليه
له ذفرٌ كصنان التيوس ... أعيا على المسك والغاليه
الكلام دعاءٌ على الشيوخ وإظهار القلى لصحبتهم والكون معهم.
وأرادت بالأشياع من يرضى مناكحتهم، أو يتعصب لهم، أو يهوى هواهم. وقولها " وذلك من بعض أقواليه " إيذانٌ منها بأن لها في الشيوخ وذمهم طرائق من القول، وألواناً من الوصف. وما أظهرته جزءٌ من تلك الجملة. والعرد: الفرج. وقال الخليل: هو الشديد المنتصب من كل شيء، ومنه ترٌ رعدٌ.
وقولها " ترى زوجة الشيخ مغمومةً " بيانٌ للعلة في الدعاء والذم. والغصون: جمع غصنٍ، وهو تكسر الجلد وتثني فضوله على الشيخ لبلاده.
وقولها " وإن دمشق "، كان هواها ثم. وكان يجب أن تقول: أحب إلينا من الجالية وفتيانها، فاكتفت بما ذكرت، إذ كان مرادها مفهوماً.
وقولها " يا لك من نكحةٍ غالية " لفظها لفظ النداء، والمعنى التعجب. وإنما قالت من نكحة غالية، لتبين أنها مكروهة كما يكره ما يشترى بغلاء. والذفر: شدة النتن هنا، ويكون الطيب أيضاً. والدفر، بالدال غير معجمة، لا يكون إلا للنتن. والصنان: ريح الإبط، ومنه الصن: بول الوبر. قال جرير:
بصن الوبر تحسبه الملابا
وقولها: " أعيا على المسك " موضعه من الإعراب نصبٌ على الحال للمضمر في أعيا. ومفعول أعيا محذوفٌ، أي أعجز ذلك االذفر ما يستعمل من الطيب.
وقال آخر:
من أينا تضحك ذات الحجلين
стр. 1264
أبدلها الله بلونٍ لونين
سواد وجهٍ وبياض عينين
الحجل: الخلخال. وفي الكلام هزؤٌ وإزراء، ثم دعا عليها بأن يغير الله لونها ويبدلها منه لونين. وقال بعضهم " بلونٍ لونين " هو كقولك بدلك بالشباب هرماً وضعفاَ، وبالعز حخضوعاً وقلة ناصر. وشرح هذا أنه جعل اللون منتظماً للألوان، ثم أبدل منها السواد والبياض. ويجوز أن يريد بقوله " بلون " لونها المعروف، أي أبلها مما خلقت عليه من لونٍ لونين آخرين، ثم فسرهما.
آخر:
أعوذ بالله من ليلٍ يقربني ... إلى مضاجعةٍ كالدلك بالمسد
لقد لمست معراها فما وقعت ... مما لمست يدي إلا على وتد
في كل عضوٍ لها قرنٌ تصك به ... جنب الضجيع فيضحي واهي الجسد
الدلك: الغمز والفرك. بقال دلكت السنبل فانفرك قشره عن حبه. والمسد: الحبل، وأصله من الفتل. ويقال: مسدت الحبل مسداً، والحبل ممسود ومسدٌ، كما يقال نفضت الشيء نفضاً، والشيئ منفوضٌ ونفض. قال:
ومسدٍ أمر من أيانق
أي حبل فتل من جلود النوق. فأما قوله تعالى: " في جيدها حبلٌ من مسد ". فقيل: المسد ليف المقل. ولا يمتنع أن يكون الليف مسداً بما يؤول إليه من الفتل عند اتخاذ الحبل، ثم استمر الاستعمال به فقيل له المسد وإن لم يمسد.
وقوله " لقد لمست معراها " يريد مسحت ظاهر بدنها فما وقعت يدي مما مسحته عنها إلا على الأوتاد. ييصفها بالهزال وتعري العظام من اللحم، حتى صار لها حجومٌ فأشبهت الأوتاد. وقوله " في كل عضو لها قرنٌ " العِضو والعُضو لغتان،
стр. 1265
والمراد بالقرن نتو عظامها. والصك: الدفع. يقال: صكه، إذا ضربه بحجرٍ أو غيره. وصك البازي صيده، إذا ضربه بكفه يحطه، قال:
إذا اجتمعوا علي فخل عني ... وعن بازٍ يصك حباريات
آخر:
وإذا مررت به مررت بقانصٍ ... متشمسٍ في شرقةٍ مقرور
للقمل حول أبي العلاء مصارعٌ ... من بين مقتولٍ وبين عقير
وكأنهن لدى دروز قميصه ... فذٌ وتوءم سمسمٍ مقشور
ضرج الأنامل من دماء قتيلها ... حنقٍ على أخرى العدو مغير
تشمس: جلس في الشمس. ويقال شمس يومنا وأشمس، إذا اشتدت شمسه. والشرقة والمشرقة بمعنىً، وهما المكان الذي يتشرق فيه. والفذ الفرد. والتوءم: اثنان. وقد بسطنا القول فيه في شرح الفصيح.
ويقال ضرجت الثوب، إذا صبغته بالحمرة خاصة، فضرج وانضرج. ومنه قيل تضرج الخد عند الخجل، إذا احمر. والحنق: المغتاظ الشديد الغيظ.
آخر:
خبروها بأنني قد تزوج ... ت فظلت تكاتم الغيظ سرا
ثم قالت لأختها ولأخرى ... جزعاً ليته تزوج عشرا
وأشارت إلى نساءٍ لديها ... ما ترى دونهن للسر سترا
ما لقلبي كأنه ليس مني ... وعظامي أخال فيهن فترا
يقال: خبرته كذا وبكذا. والكتم: نقيض الإعلان. ويقال: كاتمت، إذا كان الكتمان من اثنين. وقد حذف المفعول الأول من تكاتم. ويجوز أن تكون تكاتم
следующие страницы →