Полный текст (1 295 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ولا تنبو حدوده عن شيء تلاقيه. وفي هذه الطريقة قول جرير:
وليس لسيفي في العظام بقيةٌ ... وللسيف أشوى وقعةً من لسانيا
والمضارب: جمع مضربٍ، وهو الموضع الذي يضرب به من السيف.
وقال بعض بني فقعس
يا أيها الراكبان السائران معاً ... قولا لسنبس فلتقطف قوافيها
الراكب: اسمٌ لمن ركب حيواناً إلا الفرس، فإنه يقال لراكبه فارسٌ متى أطلق. ومعاً، انتصب على الحال، ومعناه مصطحبين ومجتمعين. فيقول: يا أيها السائران المصطحبان، قولا لهذه القبيلة لتترك قول الشعر، أو تتوقف قليلاً حتى تتباطأ قوافيها عني. وفي هذا الكلام ضربٌ من الاستهزاء بهم، وإشارةٌ إلى التجبر والتعلي عليهم. والقطوف من الدواب: الذي في خطوه بطء مع تقارب. وجعل فعل الأمر للقوافي على السعة والمجاز. وسنبس هم المأمورون. وهذا كما يقال في النهي: لا أربنك ها هنا، والمخاطب هو المنهي، لأن المعنى: لا تكن ها هنا فأراك. ثم بين الشاعر الوجه الذي أوجب منه اطراح الافتخار ورفض الهجاء له، فقال:
إني امرؤٌ مكرمٌ نفسي ومتئدٌ ... من أن أقاذعها حتى أجازيها
يقول: إني رجلٌ أربأ بقدري عن مكايلتهم، وأترفع عن موازنتهم، وأتوقف عن ملاحاتهم، طلباً لمجازاتهم. والتقدير: لا أقاذعها لكي أجازيها، لأن حتى الداخلة على الفعل مرةً يكون بمعنى كي، ومرة يكون بمعنى إلى أن. ويجوز أن يكون المعنى: لا أقاذعها إلى أن أجازيها، أي أولاً أجازيها فعلاً لأرى القدرة عليها، ثم حينئذ أجازيها بالكلام. والأول أحسن. ثم أخذ يقتص ما كان منهم لما طلب مكافأتهم بالفعل. والمقاذعة: المفاحشة. ويقال قذعته، إذا رميته بالفحش. ومتئدٌ: مفتعلٌ من التؤدة، وهي الرفق.
لما رأوها من الأجزاع طالعةً ... شعثاً فوارسها شعثاً نواصيها
يقول لما رأوا الخيل بارزةً لهم ومفاجئةً إياهم من أجزاع الوادي - وهي جوانبها - مغبرة النواصي مغبرة الفرسان. وجواب لما فيما بعده. ويقال شعث شعثاً وشعوثةً، وهو أشعث وشعثٌ. وأضمر الخيل في قوله " لما رأوها " وإن لم يجر لها ذكرٌ، لأن الحالة الحاضرة تدل عليه. ويجوز أن يكون تقدم ذكرها فيما ترك من أبياته.
стр. 177
لاذت هنالك بالأشعاف عالمةً ... أن قد أطاعت بليلٍ أمر غاويها
يقول: التجأت في ذلك الوقت إلى قلل الجبال وأعالي الهضاب، عارفة سوء اختيارها في تحككها بي، وتعرضها بالشعر لي، وأنها قد ائتمرت لغواتها بليلٍ. وذكر الليل ها هنا إشارةٌ إلى حيرتها فيما أتته من تركها الرشاد، وقبولها مشورة الغواة. والأشعاف: جمع الشعفة، وهي أعلى الجبل، وأعلى كل شيء، ولذلك قيل شعفة القلب لرأسه عند معلق النياط. وهنالك ظرف، ويكون للزمان والمكان جميعاً، وزيادة اللام تكون للتأكيد فيه، كأن البعد فيما يشار إليه بهنالك أبلغ مما يكون فيما يشار إليه بهناك. وهذا على طريقة ما تقوله في ذلك وذاك. وقوله " أن قد أطاعت " أن فيه مخففة من الثقيلة، أي عالمة أنها قد أطاعت. ويقولون لما لا يعمل بتثبيتٍ وحسن تدبر: " هذا أمرٌ قد قدر بليل ". وعلى هذا قوله تعالى: " بيت طائفةٌ منهم غير لذي تقول ".
وقال آخر في ابنٍ له
لا تعذلي في حندجٍ إن حندجاً ... وليث عفرينٍ لدي سواء
يخاطب لائمة عذلته في التوفر على ابنه حندجٍ واختصاصه إياه واستخلاصه، وذكر الخليل أن حندجاً في اللغة: رملةٌ طيبة تنبت ألواناً من النبات. فيقول: لا تلوميني في أمر حندجٍ، إن حندجاً وليث هذه المأسدة متساويان عندي. وقد قيل في ليث عفرين: إنها هي التي تصيد الذباب وثباً، فشبهه في كيده ومكره به، وقد وصف الخبيث المنكر بالعفر والعفرية وعفرني، ويقال أيضاً للأسد عفر وعفرني. وقيل هو أشد عفارة، واستعفر فلانٌ. وحكى الأصمعي أن ليث عفرين دابة كالحرباء يتحدى الراكب ويضرب بذنبه. وقيل عفرين: موضع نسب إليه، وقيل عفرين: فعلين من العفر، وهو التراب، لأن عادة الأسد أن لا يصيب من فريسته حتى يعفره، يشهد لذلك قول الآخر في صفته:
ولا نال قط الصيد حتى تعفرا
стр. 178
وذكر بعضهم أن ليث عفرين كقولهم: ليث ليوثٍ، لأنه يقال للمنكر الداهية عفرٌ، ويوصف به الأسود والرجال. ويكون على هذا عفرين جمع جمع السلامة كالأقورين، ومر بي أن قولهم ليث عفرين يستعمل في المدح والذم وسواء: مصدرٌ في الأصل وصف به.
حميت على العهار أطهار أمه ... وبعض الرجال المدعين جفاء
يبين في هذا الكلام انتفاء الريب عن مشابهته له. وتقيله إياه، وأنه لا يشك في كونه من صلبه، فيقول: حفظت أطهار أمه عن الزناة، لأني اخترتها من بيت العفة، وأرومة الكرم، ومغرس النجابة، والعتق والشهامة ودعواي حقٌ، وبعض دعاوى المدعين كالذي يعلو السيل ويحتمله من سقط الأرض. والمراد بقوله: وبعض دعاوى الرجال، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والعهر والعهور: الفجور. ويجوز أن يريد بقوله " حميت على العهار " ما أراد امرؤ القيس بقوله:
وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
أي بفرط غيرتي وكمال رجوليتي وتمام محاسني. وإنما خص الأطهار لما في المحيض من الاعتزال، وكما قال الآخر:
دون النساء ولو باتت بأطهار
وذكر بعضهم أن المراد بقوله جفاءٌ: وبعض الرجال محمولٌ دعيٌ، فهو كالجفاء لا يعند به. والصحيح الأول.
فجاءت به سبط العظام كأنما ... عمامته بين الرجال لواء
يقول: جاءت الأم بهذا الولد وهو تام العظام مديد القامة، فكأن قامته رمح، وكأن عمامته إذا توسط الرجال لواء محمول عليه. وأحسن صنعةً منه قول مسلمٍ، وإن
стр. 179
كان هذا سليماً من العيب.
يقوم مع الرمح الرديني قامةً ... ويقصر عنه طول كل نجاد
وفي طريقته قول الآخر:
يكاد يساوي غارب الفحل غاربه
وقال آخر
إذا كان أولاد الرجال حزازةً ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
إذا يتضمن معنى الجزاء، ولهذا احتاج إلى الجواب فجعل بالفاء. فيقول: إذا كان الأولاد تقطيعاً في الصدور وتحزيزاً في القلوب، لعقوقهم واستعمالهم الجفاء في موضع البر مع آبائهم، فأنت العسل مشوباً بالماء العذب. وقد وصف بعضهم كلاماً فقال: " هو السحر الحلال، والعذب الزلال ". ويشير الشاعر إلى سهولة جانبه، وحسن طاعته، ودماثة خلقه. وقال الخليل: الحزازة: وجعٌ في القلب من غيظٍ أو أذًى. والحزاز أيضاً كذلك، وأنشد بيت الشماخ:
وفي الصدر حزازٌ من اللوم حامز
لنا جانبٌ منه دميثٌ وجانبٌ ... إذا رامه الأعدء ممتنع صعب
خاطب في الأول ثم عدل في الثاني إلى الإخبار، وهذا عادتهم إذا افتنوا في كلامهم، نظموا أو نثروا، لما في التحول من سهولة تجاوب الألفاظ، وتلاؤم طرائق النظام. فيقول: لنا من هذا الولد خلق سجيح، ومذهبٌ في البر فسيح، فهو هينٌ لينٌ
стр. 180
معنا، وللأعداء منه إذا طلبوه أو جربوه جانبٌ خشنٌ مدفعٌ، وطريق صعب متلفٌ، وخلقٌ وعرٌ شرسٌ. ولم يقل وللأعداء جانب ولكن عطف الثاني على الأول، بمعنى أن أحدهما لاجتذاب الخير، والآخر لدفاع الشر. فكأن التقدير: ولنا منه جانب معدٌ للأعداء ذلك صفته، فصار الجانبان لهم في اللفظ، والقسمة ثابتة في المعنى. والدماثة: سهولة الخلق ولين الجانب. ويروى " ممتنعٌ صعب "، و " متلفةٌ صعب "، والمعنى ظاهر.
وتأخذه عند المكارم هزةٌ ... كما اهنز تحت البارح الغصن الرطب
البارح: ريحٌ حارةٌ تجيء من قبل اليمن. فيقول: تملكه عند اكتساب المكارم أريحية يهتز عندها اهتزاز الغصن الرطب، الذي جرى الماء فيه، إذا هبت عليه البارح. و " كما اهتز " أراد كاهتزاز. وقوله " تحت البارح " حسنٌ جداً، لأن الريح تعلو الغصون في مرورها. وقد نسبوا البارح إلى النجوم إذا ذكروا الأنواء. قال:
أيا بارح الجوزاء ما لك لا ترى ... عيالك قد أمسوا مراميل جوعا
هذا يقوله بعض المتلصصة. وعيالها: السراق، وذلك أن البارح تحمل الغبار وتدرس الآثار، فتجسر المتلصصة على السعي، وتمكنهم السرقة.
وقال آخر:
وفارقت حتى ما أبالي من النوى ... وإن بان جيرانٌ علي كرام
يروى: " من انتوى " وهو افتعل من النوى، وهي الوجهة المنوية للقوم، أو البعد. يقول: ألفت مفارقة الوطن والإخوان شيئاً بعد شيء، واعتدت التباعد عنهم يوماً بعد يوم، حتى لا أبالي من انتوى منهم أو نأى، وإن كرموا علي عند المجاورة. ومن روى: " لا أبالي من النوى " فمعناه لا أحتفل به، والأول أحسن. فإن قيل: كيف تعلق " حتى " بفارقت؟ وما معناه؟ قلت: أراد تكررت المفارقة علي وقتاً بعد وقتٍ، وحالاً بعد حالٍ، إلى أن صرت لا أبالي بالفراق. فمعنى حتى: إلى أن. وقوله " فارقت " مستصلحٌ للقليل والكثير فانصرف إلى الكثير، بدلالة أن المتمرن بالبلاء قديماً، والمتحكك به كثيراً، هو الذي يستهين به كثيراً، دون من مارسه يسيرا، وعالجه حديثاً.
стр. 181
فقد جعلت نفسي هي النأى تنطوي ... وعيني على فقد الصديق تنام
جعلت نفسي، بمعنى طفقت وأقبلت، ولذلك لا يتعدى. فيقول: أخذت نفسي تصبر على النأي، وتنطوي على الفراق، فلا يظهر منها جزعٌ، ولا تبوح بشكوٍ، وعيني تنام على فقد الصديق منهم فلا تسهر، ولا تبكي فتذرف وهكذا النفس إذا وطنت على الشدائد، وتمرنت بالمصائب. وقوله: " تنطوي " أصل الطي الثني والقبض، ومنه الطاوي والطيان.
وقال آخر:
روعت بالبين حتى ما أراعٍ له ... وبالمصائب في أهلي وجيراني
يقول: فزعت بالفراق مرةً بعد أخرى، وثانيةً بعد أولى، حتى صرت لا أرتاع له، وواظبت المصائب علي واتصلت في الأهل تارةً، والإخوان أخرى، حتى صارت الرزايا بالإلف كأنها مرازي وعطايا. والكلام في حتى واتصاله ومعناه على ما تقدم.
لم يترك الدهر لي علقاً أضن به ... إلا اصطفاه بنأيٍ أو بهجران
يقول: لم أدخر لنفسي علقاً نافست فيه إلا زاحمني الدهر عليه فاستأثر بهن إما بإيقاع بعدٍ بيننا، أو إحداث هجرانٍ توسطنا. وأصل العلق: المال الكريم، وجمعه أعلاقٌ وعلوقٌ. واستعاره ها هنا.
وقال طفيل الغنوي
وما أنا بالمستنكر البين إنني ... بذي لطف الجيران قدماً مفجع
يقال: نكر وأنكر واستنكر بمعنىً واحدٍ. فيقول: أنست بفراق الأحبة بعد نفرتي، وببعد ذوي اللطف عقب قلقي، وذلك لأني فجعت بالخلطاء والجيران قديماً، حتى صار كالعادة المألوفة. وقوله " بذي لطف الجيران " أراد بلطيف الجيران، أي باللطيف منهم. وقدماً ظرف للمفجع.
стр. 182
جديرٌ بهم من كل حيٍ صحبتهم ... إذا أنسٌ عزوا علي تصدعوا
يقول: أنا خليقٌ بالبين من كل حيٍ أجاورهم إذا استوقفت قربهم، واستحليت الكون معهم، حتى لا يعز علي أناسٌ إلا تفرقوا عن كثبٍ. والأنس: الطائفة من الناس. يقال: رأيت معه أنساً كثيراً، أي ناساً. تصدعوا: تفرقوا. ومنه يقال تصدعت الأرض بفلانٍ، إذا تغيب هارباً.
وقال الراعي
وقد قادني الجيران حيناً وقدتهم ... وفارقت حتى ما تحن جماليا
يقول: جذبني الخلطاء زماناً وجذبتهم، حتى كنت في حكم من لا يصبر عنهم، ولا ينفك منهم، كالقائد للشيء وهو مقودٌ له، لن من كان هذه صفته مع شيءٍ فهو يلزمه ولا يفارقه. والآن فارقتهم فلا أحن إليهم، ولا أنزع نحوهم. ونسب الحنين إلى جماله وإن كان المراد النفس، لأنها في الحنين أقل صبراً حتى ربما تهيم على وجوهها، وتند عن صواحبها، طلباً للإلف، وجرياً مع الهوى. وعلى هذا قال من قال في مخاطبة راحلته وقد رآها:
فإني مثل ما تجدين وجدي ... ولكن أصحبت عنهم قروني
رجاؤك أنساني تذكر إخوتي ... ومالك أنساني بوهبين ماليا
يقول: أملي فيك أنساني الفكر في إخوتي وأهل بيتي، وطمعي في مالك أنساني مالي بوهبين. وهذا قاله لأنه يرى أن رجاءه فيه لتحققه صار مؤثراً على ذكر وطنه وعشيرته، وأن ما طمع فيه من ماله لما كان أكثر مما ملكه بوهبين صار منسياً له.
وهذه القطوعات بما اشتملت عليه من الفظاظة والقسوة، وذكر قلة الفكر في الأوطان والأحبة، وتناسي العهود والأذمة، ومفارقة الأماكن المألوفة. والحلل المورودة، وشكوى النفس إلى التنائي والغربة، دخلت في باب الحماسة. وبمثل هذه المناسبة دخل فيه كثير من نظائرها. وستدل عليها إذا انتهينا إليها.
стр. 183
وقال آخر:
وإنا لتصبح أسيافنا ... إذا ما اصطحبن بيومٍ سفوك
يروى " تصبح " بفتح الباء على ما لم يسم فاعله، فيكون المعنى: إنا لتسقى أسيافنا الصبوح بيومٍ سفوكٍ إذا ما اصطحبن. ومن روى " لتصبح " بكسر الباء فخبر تصبح في الثاني، وهو " منابرهن بطون الأكف ". والمعنى: إنا لتصير أسيافنا إذا شربت الصبوح في يوم سفوكٍ للدماء بهذه الحالة. ونسبة السفك إلى اليوم مجازٌ لما كان يقع فيه، فهو كقولهم: نهاره صائمٌ.
منابرهن بطون الأكف ... وأغمادهن رءوس الملوك
أراد أنها تنتضى فتخطب واعظةً للأعدء زاجرةً، ومنذرةً للكماة محذرةً، لكن منابرهن أكف الضاربين، وأغمادها إذا أغمدت رءوس الملوك المعظمين. وهم يتبجحون بقتل الملوك وقتالها. ويقرب من هذا قوله:
يكون جفيرها البطل النجيد
وقوله:
من عهد عادٍ كان معروفاً لنا ... أسر الملوك وقتلها وقتالها
والمنابر: مواضع النبر، وهو الصوت، لأنها نصبت للخطب والمواعظ والتحميدات.
لا يمنعنك خفض العيش في دعةٍ ... نزاع نفسٍ إلى أهلٍ وأوطان
يقول: لا يزهدنك اشتياقك إلى السكن، وحنينك إلى الوطن، في إيثار سعة العيش ورغده مع الراحة والسكون. ويروى: " نزوع النفس " والنزوع اشتهاره في الكف عن الشيء، والنزاع في الشوق، وإن كان جائزاً وقوع أحدهما موقع الآخر في التشوق. ويقال ناقةٌ منازع ونزوعٌ. وقد أنزعوا، أذا حنت إبلهم. والنزع: الجذب، ويقال: خرج نازع يدٍ، إذا خرج عن الطاعة.
стр. 184
تلقى بكل بلادٍ إن حللت بها ... أهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيران
هذا تسليةٌ للنفس عن الأهل. يقول: تجد بكل بلد تنزل به أهلاً بدلاً من أهلك، وجيراناً بدلاً من جيرانك. والعرب تقول: هذا بذاك، أي هو عوضٌ منه. وإنما ضمن أبو تمام هذه الأبيات باب الحماسة، لما قدمته من أنها صادرةٌ عن قسوةٍ شديدةٍ، وقلة فكرٍ في التحول عن الإلف والعادة، ولأن ترك الوطن والإحلال بالعشيرة يضم إلى القتل وتلف النفس، فالصبر عليه كالصبر على القتل. ألا ترى قوله تعالى: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم ".
وقال بعض بني أسدٍ
إلا أكن ممن علمت فإنني ... إلى نسبٍ ممن جهلت كريم
يقول: إن لم أكن ممن عرفتهم بالشرف، فإني أنتمي إلى شرفٍ كريم ممن جهلتهم. كأنه يريد: ليس الاعتبار بما تعدينه شرفاً أو تعرفينه نسباً، لكن الاعتبار بحصول الكرم على أي وجهٍ حصل، وحوز المجد وإن جهله من جهل. وقوله " إلى نسبٍ " يتعلق بفعل مضمرٍ، كأنه قال: فإنني أنتمي إلى نسبٍ.
وإلا أكن كل الجواد فإنني ... على الزاد في الظلماء غير شتيم
يقول: إن لم أكن النهاية في الجود فإني لا أشتم بسبب الزاد في الليلة المظلمة، فلا أذم لصرفي الصيف عن نفسي بالعلل الكاذبة في الشتوة القحطة. وقد اشتمل قوله " على الزاد في الظلماء " على ما بينا وأكثر منه. وهذا الذي خبر به عن نفسه هو الجود، لكنه أراد أن يرى من نفسه ترك ادعاء النهايات، والأخذ بالاقتصاد في الحالات، وإن كان تناهى من حيث اقتصد. ويقال زيدٌ الشجاع كل الشجاع، والمعنى أنه الكامل في معناه. ومن هذا الباب قوله : " وإنا أو وإياكم لعلى هدى أو في ضلالٍ ". وهذا كلام من نظر لنفسه وغيره، وتبين ما عليه وله، فأثبت ما أثبت في أحسن معرضٍ، ودفع ما دفع بألطف تعريضٍ. وتعلق على من قوله: " على الزاد " بشتيم وإن كان مضافاً إليه، لأنه أجري غير مجرى لا،
стр. 185
لأنهما للنفي، فحمل الكلام على المعنى فكأنه قال: إنني على الزاد لا أشتم. ونزيد هذا شرحاً فيما بعده.
وإلا أكن كل الشجاع فإنني ... بضرب الطلى والهام حق عليم
هذا كالبيت الذي قبله. يقول: إن لم أكن النهاية في الشجاعة، والمعنى إن لم يكن فعلي النهاية فيما يفعله الشجاع، فإنني عالمٌ حقاً بضرب الرءوس والطلى. والمتناهي في الشجاعة لا يتعدى فعله هذا، لكنه سلك طريقته فيما قبله. الطلى: الأعناق وأعراضها، والواحدة طليةٌ. والباء من قوله " بضرب الطلى " تعلق بقوله عليم.
فإن قيل: كيف ساغ ذلك والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف؟ قلتك لما كان قوله " حق عليم " لا زيادة فيه إلا التوكيد لم يعتد بالمضاف، فحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ، فكأنه قال: إنني بضرب الطلى عليمٌ جداً. ويجري هذا المجرى إجازتهم لقول القائل أنت زيداً غير ضاربٍ، مع امتناعهم من إجازة أنت زيداً مثل ضاربٍ، لما كانت معنى غيرٍ معنى لا، فحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ، حتى كأنه قيل: أنت زيداً لا ضاربٌ. فاعلمه، وبالله التوفيق.
وقال عمرو بن شأس
أرادت عراراً بالهوان ومن يرد ... عراراً لعمري بالهوان فقد ظلم
المضمرة في أرادت رابة عرارٍ، فقال والده عمروٌ: أرادت امرأتي إهانة عرارٍ والاستخفاف به، ومن يطلب ذلك في مثله فقد وضع الشيء في غير موضعه. فإن قيل: هل تفصل بين قوله أرادت عراراً بالهوان وبين قوله لو قال أهانت عراراً؟ قلت: بلى، لأن معنى أرادته بالهوان أرادت كونه لها وصحبته إياها باستعمال الهوان معه، فيجوز أن يكون الهوان واقعاً، ويجوز أن يكون غير واقعٍ. ومعنى إهانته: ابتذلته وأذلته. فهو إخبارٌ لوقوع الفعل به فيما مضى. ويجوز أن يكون معنى ظلم: تحيف حقه وبخسه.
стр. 186
فإن كنت مني أو تريدين صحبتي ... فكوني له كالسمن ربت له الأدم
نقل الكلام عن الإخبار إلى الخطاب، على عادة تفننهم. يقول: إن كنت تهوين هواي، أو تريدين الكون معي ومصاحبتي، وإن انطويت في حبه مخالفتي، فكوني له في تصنعك كأنك موافقة الظاهر للباطن، جاريةٌ معه على الحد من حسن العشرة، وإظهار الميل والمودة. والسمن إذا رب نحيه لم يتغير. يريد فلا تتعيري أنت أيضاً. ومعنى ريت له أي من أجله، والأدم: جمعٌ، يقال أديمٌ وأدمٌ. وله نظائر قليلة: إهابٌ وأهبٌ، وأفيقٌ وأفقٌ، وعمودٌ وعمدٌ.
وإن كنت تهوين الفراق ظعينتي ... فكوني له كالذئب ضاعت له الغنم
يقول: وإن كنت تؤثرين مفارقتي وتميلين إلى التباين عني فأسيئي عشرته وكوني له كالذئب ضاعت الغنم من أجل وقوعه فيها. والمعنى عاشريه عشرته لها. ويجوز أن يريد بقوله " ضاعت له الغنم " فاتته الغنم بعد أن أمكنته. والسبع إذا شارف فريسته ثم فاته كان ذلك مهيجاَ له، وداعياً إلى الفساد فيما يمكنه.
وإلا فسيري مثل ما سار راكبٌ ... تجشم خمساً ليس في سيره أمم
هذا كما يقال عن طريق الوعيد إو إظهار الزهد لمن يؤمر شيئاً: اعمل كذا وكذا وإلا فدعهما ولا تعمل أحدهما فلا حاجة لنا فيه. يقول: وإلا فلا تحسني إلي وفارقيني من وقتك. وهذا إظهارٌ لزهده فيها، واطراح تكلف الاشتراطات معها. ثم قال: ليكن سيرك سير الراكب تكلف ورود الماء لخمسٍ، وليس في سيره قصدٌ ولا قربٌ. وقوله " مثل ما سار راكبٌ " أي سيراً يشابه سيره. وقوله " تجشم " من صفة راكب. والأمم: القرب، ويقال أمري من أمركم أممٌ. ويروى: " ليس في سيره يتم " أي إبطاء.
فإن عراراً إن يكن ذا شكيمةٍ ... تلاقينها منه فما أملك الشيم
يقول: إن عراراً إن يكن ذا سوء خلقٍ تمنين به وتشقين بمقاساته، فإني لا أملك تغيير الطبائع والخلائق. وكأنه جوابٌ لاعتذارها من قلة الملاءمة بينهما. والشكيمة: الحد والشدة. ويقال: إنه لشديد الشكيمة، أي شديد العارضة. ويجوز أن يكون
стр. 187
شكيمة اللجام - وهي الحديدة المعترضة منه في الفم - مأخوذاً منه والجميع الشكائم.
وإن عراراً إن يكن غير واضحٍ ... فإني أحب الجون ذا المنكب العمم
يقول: وإن ولدي عراراً إن لم يكن وضيء الوجه ممسوحاً بالجمال، فإني أحبه على سواده وتمام خلقه. وهذا كأنه إسقاطٌ لقول من يزيف ابنه ويعيره القبح والدمامة. وكان عرارٌ هذا أحد الفضلاء، وتوجه عن المهلب بن أبي صفرة إلى الحجاج رسولاً في بعض فتوحه، فلما مثل بين يدي الحجاج لم يعرفه، وازدراه، فلما استنطقه أبان وأعرب ما شاء، وبلغ الغاية والمراد في كل ما سأل، فأنشد الحجاج: " أرادت عراراً بالهوان ... " الأبيات متمثلاً، فقال عرارٌ: أنا أيد الله الأمير عرارٌ! فأعجب به وبذلك الاتفاق. وفي هذه الطريقة قول المأمون لإبراهيم بن المهدي:
إن يكن للسواد فيك نصيبٌ ... فبياض الأخلاق منك نصيبي
والعميم والعمم: الطويل التام من كل شيء. والجون الأسود ها هنا، ويجعل من الأضداد.
وقال آخر
لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أقاس الدجى في حندس الظلم
يروى: " ولم أجب في الليالي جندس الظلم ". والمبتدأ بعد لولا يحذف خيره أبداً، ويستغنى بجواب لولا عنه. والتقدير: لولا أميمة مانعةٌ لم أجزع. فيقول: لولا ابنتي أميمة لم أخف الفقر ولم أرحل في طلب المال، ولم أركب الليل، فكنت أجوب ظلماءه، وأكابد أهواله. والحندس: شدة الظلمة، وقد اشتق منه الفعل، فقيل: حندس الليل فهو محندسٌ. ومعنى لم أجب: لم أقطع. وقاطع المواضع المظلمة كأنه قاطعٌ للظلمة. ومن روى " ولم أقاس الدجى " يريد أهوالها. وإضافة الحندس إلى الظلم كإضافة البعض إلى الكل، أي في الشديد من الظلم. ويقال تحندس الرجل، إذا ضعف وسقط.
стр. 188
وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم
يقول: زادني حرصاً على الدنيا ورغبة في العيش فيها، علمي بذل اليتيمة وقد جفاها أقاربها، واطرحها أهلوها. وموضع " يجفوها " من الإعراب نصبٌ على الحال لليتيمة، والعامل فيه ذل اليتيمة. والتقدير: زادني معرفتي بذل اليتيمة إذا جفاها ذووها رغبةً في العيش ومهلة العمر.
أحاذر الفقر يوماً إن يلم بها ... فيهتك الستر عن لحمٍ على وضم
قوله " أن يلم بها " موضعه نصبٌ على البدل من الفقر. والمعنى: أحاذر إلمام الفقر بها فيكشف الستر عمن لا دفاع به، فتناوله من شاء بما شاء. والعرب تقول: " النساء لحمٌ على وضمٍ إلا ما ذب عنه ". والوضم: خوان الجزار والخباز، وموضعه ميضمةٌ، والجميع مواضم.
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً ... والموت أكرم نزال على الحرم
يقول: تحب ابنتي بقائي لها، وأنا أود موتها إشفاقاً عليها، وخوفاً من ابتذالٍ يلحقها، وابتلاءٍ بمن لا يعرف لها ما يعرف لمثلها، ثم قال: والموت أكرم نزالٍ على الحرم، كما قيل: نعم الختن القبر ودفن البنات من المكرمات. وانتصف شفقاً على أنه مفعول له.
أخشى فظاظة عمٍ أو جفاء أخٍ ... وكنت أبقى عليها من أذى الكلم
هذا تفسير قوله أهوى موتها شفقاً يريد: أشفق من مغالظة عمٍ لها، أو جفوة أخٍ تلحقها، وأنا كنت أبقي عليها من إيذائها بالكلم فضلاً عن غيرها من الأفعال. يقال: رجلٌ فظٌ، إذا كان قاسي القلب غليظ القول. والكلم: جمع كلمةٍ. ومعنى: أذى الكلم الأذى الذي يلحق من الكلم.
وهذه الأبيات مع ما يشبهها لما ضادت ما قبلها في تضمنها رقة القلب، والتعطف على الولد والأهل، أتبعها بها. وكل ذلك كالعارض ثم يعود إلى ما بني عليه الباب. وهذا عادة أبي تمام في أبواب هذا الاختيار. ويشبهها قول الآخر:
لقد زاد الحياة إلي حباً ... بناتي إنهن من الضعاف
стр. 189
أحاذر أن يرين البؤس بعدي ... وأن يشربن رنقاً بعد صاف
وأن يعرين إن كسي الجواري ... فتنبو العين عن كرمٍ عجاف
وقال خطاب بن المعلى
أنزلني الدهر على حكمه ... من شامخٍ عالٍ إلى خفض
يقول للدهر حكمٌ معروفٌ، وطريقٌ مألوفٌ، في رفع الوضيع، وحط الرفيع، فأجرى حكمه على، وأنزلني عن رتبةٍ عاليةٍ إلى منزلةٍ منخفضةٍ، والخفض: ضد الرفع، وهو مصدرٌ وضع موضع المفعول. يريد إلى مكان منخفض.
وغالني الدهر بوفر الغنى ... فليس لي مالٌ سوى عرضي
يروى: عالني ومعناه غلبني، ويروى: غالني ومعناه أهلكني بارتجاع عواريه من المال، واستلاب ما كنت وفرت به من العتاد، فمالي مالٌ سوى نفسي، وليس النفس من المال في شيءٍ. وموضع سوى نصبٌ على أنه استثناءٌ خارجٌ، وهذا الاستثناء يتأكد به انتفاء الغنى. ومثله قوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلولٌ من قراع الكتائب
ويجوز أن يكون المعنى: ليس لي غنىً سوى غنى نفسي، فحذف المضاف، والمعنى: إن نفسي غنيةٌ فلا تطمع في المكاسب الوضيعة، ولا تتدنس بالمآكل الخبيثة. وقوله بوفر الغنى أي بسلب وفر الغنى، فحذف المضاف. ويتعلق الباء منه بقوله غالني. والوفر: كثرة المال، وأضافه إلى الغنى، لأن المراد المال الذي يحصل به الغنى. وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى مناسبة بينهما، سواءٌ كان له أو عليه، أو معه أو فيه، أو من أجله، أو مما يليه. ويجوز أن يكون موضع بوفر الغنى نصباً على الحال للدهر، كما تقول: فاتني فلانٌ بكذا، والمعنى فاتني مستصحباً له. ومثله: جاء في أطمارٍ، أي لابساً لها. ويجوز أن يكون حمل الكلام على المعنى، فعدى غالني تعدية فجعني، لأنه في معناه فكأنه قال: فجعني بوفر الغنى وأصابني.
стр. 190
أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي
قوله بما يرضي يدل على أنه أضمر مع قوله أبكاني الدهر شيئاً يكون في مقابلته، وحذف لأن المراد مفهومٌ. والمعنى أبكاني الدهر بما يسخط. وقوله يا ربما المنادى فيه محذوف، كأنه قال: يا قوم ربما. وهذا النداء على وجه التحسر والتوجع من معاملة الدهر وسوء تنقله. وقوله ربما ما هذه دخلت كافة لرب العمل، ومخرجه لها إلى أن تصير مشتركة حتى جاز وقوع أضحكني بعده. ومثله قوله تعالى: " ربما يود الذين كفروا ". ومعنى البيت: أبكاني الدهر بما أسخطني، ويا قوم ربما أضحكني الدهر فيما مضى بما أرضاني. وفي طريقته قول الآخر:
فإن تسكن الأيام أحسن مرةً ... إلى فقد عادت لهن ذنوب
لولا بنياتٌ كزغب القطا ... رددن من بعضٍ إلى بعض
بنياتٌ في موضع المبتدأ، وجاز الابتداء به لكونه محدوداً بما اتصل به من الصفات. وجواب لولا لكان لي مضطربٌ واسعٌ وهو أول البيت الذي يليه، واستغنى به عن خير المبتدأ، والتقدير: لولا بنياتٌ صفاتهن هذه مانعةٌ لي لفعلت. ومعنى البيت: لولا بنياتٌ لي صغيراتٌ كفراخ القطا التي عليها الزغب - وهو الشعر اللين لصغرهن - اجتمعن لي في مدةٍ يسيرةٍ، فمن ثانيةٍ بعد أولى، وواحدةٍ إلى جنب أخرى فكثرن - لكان كذا. ومثله:
تجمعن من شتى ثلاثاً وأربعاً ... وواحدة حتى اجتمعن ثمانيا
أى جئن متوالياب. ويروى: " رددن من بعضي إلى بعضي "، بفتح الراء من رددن وإضافة البعض، والمعنى: قوسنني وحنين ظهري. ويجوز في الرواية الأولى أن يكون المعنى أن هذه البنات زوجن فرددن مع بناتٍ لهن صغار. ويقال: ابنتك مردودة، أي مطلقةٌ. وإلي في موضع مع، يقال هذا إلى ذلك أي معه. ويكون " من بعضٍ إلى بعض " في موضع الحال، أي رددن مع غيرهن. وقد شبه لحطيئة وغيره
стр. 191
الأولاد بزغب القطا، فقال:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ ... زعب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر
يجوز أن يروى رددن على ما لم يسم فاعله. ومن بعضي إلى بعضي مضافين. والمعنى: كن في صلبي، فلما ولدتهن صرن في كبدي فهي تحترق عليهن لفرط شفقتي.
لكان لي مضطربٌ واسعٌ ... في الأرض ذات الطول والعرض
المضطرب يكون الاضطراب، ويكون موضع الاضطراب. يقول: لولا خوفي من ضياعهن وإبقائي عليهن، لكان لي مجالٌ واسعٌ، ومذهبٌ فسيحٌ في الأرض الطويلة العريضة. وإنما تلومت ولزمت مكاني هذا لهن وبسببهن.
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
يقول: محل أولادنا من أنفسنا فيما بيننا وإن كانت ماشية على الأرض محل الأكباد من الأجواف. " الولد فلذةٌ من الكبدي "، أي قطعةٌ. وقوله " تمشي على الأرض " في موضع الحال للأولاد، وبيننا ظرفٌ لتمشي. والتقدير: أولادنا وهي ماشيةٌ على الأرض بيننا أكبادنا. وقوله " إنما " يدخل لتحقيق الشيء على وجه مع نفي غيره عنه.
؟؟؟؟؟
وقال حيان بن ربيعة
لقد علم القبائل أن قومي ... ذوو جدٍ إذا لبس الحديد
يقول: شهدت القبائل أن قومي يجدون في الحرب إذا تدجج أهلها في الأسلحة، ويبلون فيها ولا يقصرون. و " إذا لبس الحديد " ظرفٌ لقوله ذوو جدٍ كأنه قال: إنهم يجتهدون في ذلك الوقت. وأن قومي مع ما بعده سد مسد مفعولى علم.
стр. 192
وأنا نعم أحلاس القوافي ... إذا استعر التنافر والنشيد
يقول: ويشهدون أيضاً أنه نعم أصحاب القوافي وأربابها نحن، إذا التهبت نار التفاخر والتناشد والتحاكم. والحلس، أصله البرذعة وما يلي الظهر تحت الرحل، ثم يستعمل على طريق التشبيه على وجهين: يقال في الذم: فلانٌ كالحلس الملقى، فيمن لا غناء عنده ولا كفاية إذا حزبه أمرٌ. ويقال فيمن لزم ظهور الخيل: هم أحلاسها؛ وهذا إذا مدحوا بالفروسية. ثم قالوا: ما هذا من أحلاس فلانٍ، أي ليس من آلاته. وقد مر بي أيضاً أنه يقال للكفل الذي ليس بفارسٍ: هو كالحلس. وأحلاس البيت: ما يلقى تحت حر متاعه:
وأنا نضرب الملحاء حتى ... تولى والسيوف لنا شهود
يقول: وشهدوا أيضاً أنا نضارب الكتيبة البيضاء لكثرة سلاحها فنغلبهم حتى تولى منهزمةً، وسيوفنا لها حاضرةٌ نكتسحهم بها في الهرب أيضاً، والملحاء من الملح، وهو البياض. يقال: كبش أملح. ويروي " نضرب الملحاء " بضم الراء. ويقال: ضاربته فضربته أضربه، أي غلبته في الضراب.
؟
وقال الأعرج المعنى
؟ أنا أبو برزة إذ جد الوهل
خلقت غير زملٍ ولا وكل
يريد أنا الذي لشهرته تغنى كنيته عن صفاته وذكر أحواله، وقت اشتداد الخوف. فإن قيل: ما العامل في قوله " إذ وجد "؟ قلت: ما دل عليه قوله أنا أبو برزة من المعنى الذي بينته هو العامل - ومثله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
стр. 193
وقوله خلقت غير زملٍ، أي غير ضعيف ولا جبان يتكل على غيره فيما ينوبه. والزمل والزمال والزميلة: الضعيف. والوكل: الذي يتكل على غيره.
ذا قوةٍ وذا شبابٍ مقتبل
لا جزع اليوم على قرب الأجل
الموت أحلى عندنا من العسل
يقول: خلقت قوياً مقتبل الشباب، لم تبلني السنون، ولم يضعفني ما مسني من النوائب والهموم. فإن قيل: ما الزيادة في قوله ذا قوةٍ على قوله غير زمل؟ قلت: يجوز أن يكون ذا قوة مصروفاً أي الرأي، وغير زمل مصروفاً إلى البنية. ويجوز أن يكون المراد بذا قوةٍ الجلادة، لأن ليس من كان غير ضعيف كان جلداً. واقتبال الشباب: ألا يرى أثر من الكبر معه.
وقوله لا جزع اليوم يقول: استقلتنا يومنا، فلا نجزع على دنو الأجل فيه إن دنا، لأن الموت إذا غشينا فيما نطلبه، أحلى طعماً عندنا من طعم العسل، وقوله " اليوم " ظرف لقرب الأجل، وعلى قرب الأجل، خبرٌ للا. ويجوز أن تجعل اليوم خبراً على قرب الأجل تبييناً له أو حالاً. وإن جعلته خبراً بعد خبرٍ، كما نقول: هذا حلوٌ حامضٌ، جاز أيضاً. وذكر بعض المتأخرين أنه لا يجوز أن يكون معنى على هنا معناها في قولك جزعت على كذا، أي أشفقت عليه، لأنه غير الغرض المقصود. ألا ترى أن معناها لا جزع اليوم من الموت على أن الأجل قريبٌ منا، فإذا قرب منا فلم نجزع منه فما ظنك بنا إذا بعد عنا. وأنا أقول: وإن من البيان لسحراً، وإن من الغوص على المعاني لمثله دراً.
ردوا علينا شيخنا ثم بجل
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
ننعي ابن عفان بأطراف الأسل
стр. 194
يعني بالشيخ عثمان بن عفان ﵁. المعنى: إنا طالبون بدمه، فإذا أدركنا ثأره فحسبنا ذاك. وهذا معنى قوله ثم بجل. وموضع بجل رفعٌ على الابتداء وخبره مضمر، كأنه قال: ثم بجلنا ذلك، أي حسبنا ذلك. وثم عاطفةٌ لجملةٍ على جملةٍ. وقال لبيدٌ:
بجلي الآن من العيش بجل
وحكى الأخفش أن بجل ساكنةٌ أبداً. يقولون بجلك، كما يقولون قطك وقدك، إلا أنهم يقولن بجلى ولا يقولون بجلني كما يقولون قطني وقدني، وهو القياس مع مجيئه على السكون. وانتصاب بني ضبة بفعل مضمر، والقصد فيه المدح والاختصاص. وخبر المبتدأ الذي هو نحن أصحاب، والتقدير: نحن - أذكر بني ضبة - أصحاب الجمل. وهذا الكلام ينبه به على أنهم مجدون في طلب دم عثمان ﵁، لأن الذين خرجوا مع عائشة ﵂ وقاتلوا يوم الجمل كان دعواهم طلب الثأر. ولو قال نحن بنو ضبة لكان يسقط فخامة المدح وتعظيمه، وكان يصير أصحاب صفةً وبنو خبراً، وكان يجوز أن يكونا جميعاً خبرين، ويجوز أن يكون أصحاب بدلاً من بنو. وقوله ننعي ابن عفان كان عادتهم إذا مات رئيسٌ فيهم عظيم الشأن والمحل أن يطوف واحد منهم على القبائل، ويصعد الروابي المطلة عليهم، والآكام المرتفعة بمحالهم ويقول: نعاء فلاناً؟! يريدون تشهير أمره، وتعظيم الفجع به، وربما أرخوا بموته. فيقول: نحن نجعلا بدل هذا الفعل أن نطلب دمه بأطراف الرماح. وهذا معنىً حسن.
؟ وقال آخر:
داو ابن عم السوء بالنأي والغنى ... كفى بالغنى والنأي عنه مداويا
يقول: عالج ما بينك وبين ابن عم السوء من التضاغن والتباين، والتغابط والتحاسد، بالبعد منه، والاستغناء عنه. ثم قال: وكفى بهما من مداوٍ معه. وهذا يجري مجرى الالتفات، وهو تنبيهٌ على أنهما الغاية فيم يحسم به شره، ويدفع به
стр. 195
ضيره. وموضع بالغنى رفعٌ بكفي. ومداوياً يجوز أن يكون حالاً ويجوز أن يكون تمييزاً، وهو أحسن، ومثله: " كفي بالله شهيداً ". والكلام يجري أيضاً مجرى التأكيد فيما دعا إليه، والتحقيق لغناء ما أشار به.
جزى الله عنا محصناً ببلائه ... وإن كان مولاي القريب وخاليا
محصنٌ المذكور، هو ابن عمه الذي تأذى به فدعا عليه. يقول: جزاه الله بفعله فينا، إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، وإن كان متصل النسب بطرفي أبي وأمي.
يسل الغنى والنأي أدواء صدره ... ويبدي التداني غلظة وتقاليا
السل: النزع. والأدواء: جمع الداء. وهذا مثل ما روى: " أن مر ذوي القربات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا "، وزاد عليه أيضاً بما شفع النأي به من ذكر الغنى. ونبه أيضاً على أن في التداني تحاسداً يبدو معه القلى والقسوة لأن الكلام كالتعليل للأمرين اللذين رغب في أحدهما وزهد في الآخر، وهما التداني والتنائي. والمثل السائر: " فرق بين معدٍ تحاب " مثل البيت.
أعان على الدهر إذ حك بركه ... كفى الدهر لو وكلته بي كافياً
هذا الكلام شكايةٌ مما عامله به محصنٌ، وتصريح بأذاه، فيقول: لم يرض بالقعود عني وإسلامي للدهر حتى صار عوناً له علي، لما أخذ يؤثر تأثيره، ويلقي كلكله وجرانه. ثم قال منتقلاً عن الأخبار عنه إلي مخاطبته، وإظهاراً للجزع من فعله. لو اتخذت الدهر وكيلاً واعتمدت عليه، دون أن تباشر مساءتي بفعلك لكفاك. ومثل هذا القول، أعني كفى الدهر، يسمى التفاتاً. وقوله كافياً يجوز أن يكون تمييزاً، ويجوز أن يكون في موضع المصدر، أراد: كفى الدهر لو وكلته بي كفايةً. واسم الفاعل يقع موقع موقع المصدر كثيراً كما يقع المصدر موقع اسم الفاعل. ومثله قول
стр. 196
بشر:
كفى بالنأي من أسماء كاف
فقوله كافٍ في أحد الوجوه مصدرٌ لكنه لم ينصبه، وجعله كقول الآخر:
كأن أيديهن بالقاع القرق
في ترك إعراب المعتل في موضع النصب أيضاً، إذ كان من العرب من يستثقل الفتحة في الياء، والتقدير: كفى النأي من أسماء كافيا، أي كفايةً. وقد جاء في المثل: " أعط القوس باريها "، بسكون الياء في باريها، ولم يرو أحدٌ باريها بالفتح، فليس يجوز إلا مات حكى، لأن الأمثال لا تغير.
؟ وقال رجلٌ من بني كليبٍ
وحنت ناقتي طرباً وشوقاً ... إلى من بالحنين تشوقيني
انتصب طرباً على أنه مصدرٌ في موضع الحال، أو على أنه مفعولٌ له. وأول البيت خبرٌ عن راحلته، وآخره خطابٌ لها. وقوله تشوقيني حذف نونه استثقالاً لاجتماع نونين، والأصل تشوقينني. ومثله في الحذف قول الآخر:
يسوء الفاليات إذا فليني
يريد فلينني. والمعنى: اشتكت ناقتي حانةً لطربها وشوقها. ثم أخذ يخاطبها منكراً عليها ما ظهر منها فقال: تشوقينني بحنينك إلى من؟ أراد أنه مع حصول اليأس يجب ألا تحن ولا تشوق. ويجوز أن يكون المعنى تعظيم المشتاق إليه، فكأنه قال: تشوقينني إلى من بحنينك؟ أي إلى إنسانٍ وأي إنسان؟ ومن من قوله إلى من في هذا الوجه يكون نكرةً غير موصوفةٍ وإن كان الكلام خبراً، وفي المعنى الأول يكون من
стр. 197
استفهاماً. وتقول: مررت بما صالحٍ، ومررت بمن كريمٍ. تريد بإنسانٍ كريمٍ. وقد حمل قوله : " مثلاً ما بعوضة "، على أن معناه مثلاً شيئاً بعوضة. والطرب: خفةٌ تعتري لعارض سرورٍ أو همٍ:
فإني مثل ما تجدين وجدي ... ولكن أصحبت عنهم قروني
هذا الكلام اعترافٌ بالحب، وتسويغٌ لحنين الناقة وإن كره التذكير الحاصل منه. والشجو المنتج عنه. وقوله مثل ما تجدين يجوز أن يكون خبراً مقدماً والمبتدأ وجدي، فيكون التقدير: إنى وجدي مثل ما تجدين، والجملة خبر إن. ويجوز أن يكون مثل خبر إن، ووجدي بدلٌ من ياء الضمير المتصل بإنى، كأنه قال: إن وجدي مثل ما تجدين. وما بمعنى الذي، وتجدين من صلته، والضمير العائد إليه محذوف، كأنه قال: مثل ما تجدينه، أي مثل الوجد الذي تجدينه. ويجوز أن يكون ما مع الفعل في تقدير مصدرٍ، كأنه قال: إنى وجدي مثل وجدك. والأصل في إنى إنني، لكنه حذف نونه لاجتماع ثلاث نونات، ويجوز أن يكون لم تأت بنون العماد كما لم يؤت به في لعلي وليتي، والمعنى إن وجدي مثل وجدك، ولكن تابعتني نفسي باليأس منهم، وأنت لا تعرفين اليأس. والإصحاب: الانقياد. والقرون والقرونة: النفس. ويقولون: أخذت قروني من هذا الأمر، أي رفضته واطرحته.
رأوا عرشي تثلم جانباه ... فلما أن تثلم أفردوني
يقول: رأوا عزي قد تهدم جانباه، وانهد ركاناه، فلما صار أمري كذلك تركوني وحيداً، وقعدوا عن مشايعتي ومتابعتي، فدعتني الحال إلى مفارقتهم، والتحول عنهم. والعرش: سرير الملك، وقوام أمر الرجل وعزه، فإذا زال قيل: ثل عرشه وتثلم. وقد ألم في هذا بقول أوسٍ:
وهم لمقل المال أولاد علةٍ
وبقوله:
بنو أم ذي المال الكثير
стр. 198
هنيئاً لابن عم السوء أني ... مجاورةٌ بني ثعل لبونى
أني في موضع الفاعل لهنيئاً، ومجاورةٌ ارتفع على أن يكون خبر أن، ولبوني في موضع الرفع على أنها فاعلةٌ لمجاورة، وبني ثعلٍ مفعولٌ به. والمعنى: ليهنئ ابن العم السوء بعدي عنهم، ومجاورة لبوني لغيرهم. واللبو ن: الناقة التي بها لبنٌ. ويجوز أن يرتفع مجاورةٌ على أنه خبرٌ مقدمٌ، والمبتدأ لبوني والجملة كما هي تكون خبر أن. ويجوز أن يكون لبوني بدلاً من الضمير المتصل بأني، والخبر مجاورةٌ. والمعنى والتقدير أن لبوني مجاورةٌ بني ثعلٍ. وهذا الكلام إنباء أن ما حصل من بعده عن العشيرة كانوا يتمنونه، فقال هنأ الله أبناء عمي ما أرادوه وفازوا به. ويجوز أن يكون وعيداً وتهكماً.
وقال رجل من بني أسد
وما أنا بالنكس الدني ولا الذي ... إذا صدعني ذو المودة أحرب
النكس أصله في السهام، ونقل إلى الضعيف من الرجال. يقال نكسته نكساَ ثم يسمى المنكوس نكساً، كما يقال نقضته نقضاً ثم يسمى المنقوض نقضاً بكسر النون. كأن السهم انكسر فوقه فنكس فسمي نكساً. فيقول: ما أنا بالمستضعف اللئيم، ولا الذي إذا انحرف عنه من يواده دعا بالويل والحرب فقال: واحرباه. وفي طريقته.
ولا أقول إذا ما خلةٌ صرمت ... يا ويح نفسي من شوقٍ وإشفاق
ويجوز أن يكون معنى أحرب: أغتاظ. ومنه قوله:
إني إذا الشاعر المغرور حر بني
وهذا أسلك في طريقة العربية؛ وكان يجب أن يقول: ولا الذي إذا صد عنه ذو المودة يحرب، حتى يكون في الصلة ما يعود إلى الموصول، لكنه لما كان القصد في الإخبار إلى نفسه وكان الآخر هو الأول، لم يبال برد الضمير على الأول وحمل الكلام على المعنى، لأمنه من الإلتباس. وهو مع ذلك قبيحٌ عند النحويين، حتى إن أبا
стр. 199
عثمان المازني قال: لولا اشتهار موده وكثرته لرددته. ومثله:
أنا الذي سمتن أمي حيدره
ولكنني إن دام دمت وإن يكن ... له مذهبٌ عني فلى عنه مذهب
يقول: أملك نفسي وودي في مصادقة الأخلاء، فإن داموا لي على العهد دمت لهم، ولزمت الوفاء معهم، وإن رأوا ذهاباً عني وميلاً إلى غيري ذهبت عنهم، وملت إلى غيرهم. ويروى: ولكنني ما دام دمت ويكون موضع ما دام ظرفاً، وخبر لكن دمت. وفي الأولى يكون الجزاء وجوابه خبراً. وفي طريقته قول لبيد:
فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولخير واصل خلةٍ صرامها
ألا إن خير الود ودٌ تطوعت ... به النفس لا ودٌ أتى وهو متعب
يقول: خير الود ما جاء عفواً من غير جهدٍ، ولا إكراه نفس وطبع، بل يبعثه الميل، ويحكمه الخلوص؛ فأما المتعب من المودات، والمشوب بالتعمل والتكلف، فلا طائل فيه. ومثله قول بعضهم:
ولا خير في ود امرىءٍ متكارهٍ ... عليك ولا في صاحبٍ لا توافقه
وقول الآخر:
إذا أنت لا يثنيك إلا شفاعةٌ ... فلا خير في ودٍ يكون بشافع
وقال أبو حنبلٍ الطائي
لقد بلاني على ما كان من حدثٍ ... عند اختلاف زجاج القوم سيار
стр. 200
ارتفع سيارٌ بقوله بلاني. واللام في لقد تؤذن بيمينٍ. يقول: لقد خبرني هذا الرجل على ما اتفق من حدثٍ، واعترض من شرٍ، فعرف حسن بلائي عند اختلاف القنا بالطعن. وذكر الزجاج، والمراد الرماح بكمالها، ومثله قول الآخر:
الواطئين على صدور نعالهم
وإنما يوطأ النعل كلها. ويقال: زججته بالرمح، إذا زرقته.
حتى وفيت بها دهماً معقلةً ... كالقار أردفه من خلفه قار
يقول: صبرت لماعز من أمرٍ، وتعسر من وفاءٍ وأداءٍ، لأخرج مما به تكفلت، من العهدة التي فيها دخلت. وقد كان أبو حنبل تضمن لسيار إبلاً له بأعيانها أو شرواها، أي مثلها، فيقول: أخذ سيارٌ ينتظر مذا يكون مني فيما تضمنت حتى وفيت بإبله سوداً مشدودة بعقلها، كأنها في سوادها قارٌ عولي بقارٍ. وهذا يراد به تأكيد السواد. ويقال ردفته وأردفته، إذا جئت بعده. وردفكم وردف لكم، أي تبعكم وجاء بعدكم. وانتصب دهماً على أنه حالٌ للإبل. وفائدة قوله كالقار تصويرٌ للإبل بألوانها. ومعنى لقد بلاني حتى وفيت، أي انتظر ما يكون من البلاء في وفائي عندما ضمنت، وصار يحربني إلى أن وفيت. وفائدة قوله معقلةً، أنه سلمها في مباركها آمنةً. ويجوز أن يكون أراد إبلاً متقدماتها ومتأخراتها سودٌ، فلذلك قال كالقار أردف بقارٍ، ويجوز أن يكون أراد بالقار جمع قارةٍ، وهي الجبال، فشبهها بها في عظمها.
قد كان سيرٌ فحلوا ع حمولتكم ... إني لكل امرئ من جاره جار
يقول: وجب السير للخوف والحذر قبل هذا الوقت، وأما الساعة وقد بلغتم المأمن في جواري فحلوا عن أجمالكم، إني لكل رجل منكم جار بدلاً من جاره الأول. والعرب تقول: هذا من ذاك، وهذا بذاك أي عوضٌ. وفسر قول الشاعر:
ليت لنا من ماء زمزم شربةً ... مبردةً باتت على الطهيان
стр. 201
على أن المعنى ليت لنا بدلاً من ماء زمزم شربةً. ويقولون: فلانٌ لك من الجار جارٌ، ومن النديم، ومن الأكيل أكيلٌ. ويحتمل أن يكون معناه: أني لكل رجلٍ مجيرٌ ممن يجاوره، أي ممن يدانيه بسوءٍ، والأول أجود وأصوب. والحمولة: جمع حملٍ، ودخلت الهاء فيه توكيداً لتأنيث الجمع. والحمولة: الأبل التي يحمل عليها، وهي فعولةٌ كالقتوبة، والركوبة، ولا يجري على الموصوف، لا يقال دابةٌ حمولة.
وقال يزيد بن حمان السكوني
إني حمدت بني شيبان إذ خمدت ... نيران قرمي وفيهم شبت النار
الحمد: الثناء على الرجل بما فيه من الخصال المرتضاة. وبهذا المعنى فارق الشكر، لأن الشكر لا يكون إلا على صنيعة. فيقول: لما رأيت بني شيبان عند إمحال الأرض وإجدابها، وإقتار الناس وإضاقتهم، ويوقدون نار ضيافتهم ويقيمونها، وإن كانت نيران غيرهم خامدة متروكاً إشعالها، أثنيت عليهم، ونشرت فضيلتهم. وقال نيران قومي وإن أراد غيرهم معهم، تفضيلاً لهم على قومه، وإيذاناً بالصدق في مخبره، فبدأ بذكر قومه وذويه. ويروي: نيران قوم، والأول أجود.
ومن تكرمهم في المحل أنهم ... لا يعلم الجار فيهم أنه الجار
حتى يكون عزيزاً من نفوسهم ... أو أن يبين جميعاً وهو مختار
يقول: من تكلفهم الكرم كأنهم لا يرضون في مثل ذلك الوقت بما طبعوا عليه وجبلوا، حتى تكلفوا أكثر منه، أنهم يحلون جارهم من العناية به والاتحاف والإحسان إليه والاصطناع، محلاً يتشكك من بعد في نفسه: هل هو جارهم أم من صميمهم. وعلى هذا يتعلق حتى من قوله حتى يكون عزيزاً بالمعنى الذي دل عليه قوله لا يعلم الجار فيهم أنه الجار، أي يعاملونه بهذه المعاملة إلى أن يكون عزيزاً فيما بين ظهرانيهم، أو يختار مفارقتهم. والمعنى: ذلك له فيهم، ما اعتز بجوارهم، أو مال إلى فراقهم. ويجوز أن يكون قوله من نفوسهم في موضع الحال، وعزيزاً خبر
стр. 202
كان. وإن جعلت عزيزاً في موضع الحال ومن نفوسهم خبراً جاز. والمعنى: حتى يكون كأنه من أصلهم، كما قال الله : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم "، والمعنى من جنسكم ومن بطانتكم. ويجوز أن يكون البيت مضمناً، ويكون معنى لا يعلم الجار فيهم أنه جار، أن الجار لا يكون قد أحس بمجاورته لهم حتى يتفقدوه هذا التفقد، ويحلوه هذا المحل. وقوله أو أن يبين جميعاً انتصب جميعاً على الحال، والمعنى أو أن يفارق وهو مجتمع الحال غير منتشرها، ومختار لذلك غير مضطر إليه. ومثل هذا بيت زهير:
ضمنا ما له وغدا جمعا ... علينا نقصه وله النماء
وقبل بيت زهير هذا قوله:
وجار سار معتمداً إلينا ... أجاءته المخافة والرجاء
فجاور مكرماً حتى إذا ما ... دعاه الضيف وانقطع الشتاء
ضمنا ما له وغدا جميعاً................................
فقد علمت اشتمالها على ما ذكره هذا الشاعر وتفردها بما زاد عليه من المعنى. ويجوز أن يكون حتى بمعنى كي، فيكون المراد لا يعلم الجار لحسن توفرهم عليه، وتوحدهم إياه باتخاذ الصنائع لديه أنه جار، لكي يكون عزيزاً مدة مقامه، أو يفارقهم مختاراً، موفور المال، مصون الحال.
كأنه صدع في رأس شاهقة ... من دونه لعتاق الطير أوكار
يقول: كأن الجار لتمنعه بهم، وتعززه حين استظهر على الزمان بمكانه فيهم، وعل احترز عن طلابه في رأس قلة شامخة أوكار عتاق الطير دونه، وهو أرفع منها وأحصن. فالتشبيه تناول ما ذكرت من التمنع والتحصن. ويعني بعتاق الطير: العقبان وما أشبهها من أحرار الطير، وما يتخذ الوكور في الجبال. وإلى هذا أشار الهذلي في قوله:
حتى انتهيت إلى فراش عزيزة ... سوداء روثة أنفها كالمخصف
стр. 203
يعني وكر عقاب. والصدع والصديع: الفتي من الأوعال، وقيل هو للربوع وقد استعمل في الربعة من الرجال.
وقال آخر:
نزلت على آل المهلب شاتياً ... غريباً عن الأوطان في زمن محل
يقول: أويت لما تغربت عن أوطاني داخلاً في الشتاء، ممتحناً بالجدب والقحط، ملجأً إلى الاستعانة على الزمان بغيري، إلى آل المهلب بن أبي صفرة ونزلت فيهم. ثم أخذ يقتص ما رأى فيهم. ويقال زمن محل، وصف بالمصدر، وزمن ما حل وزمن ممحل. والأصل في المحل: انقطاع المطر ويبس الكلا. ويقال أرض محل وأرض محول، وصف بالجمع، كأنه أجرى على أقطاع الأرض، كما يقال: ثوب مزق.
فما زال بي إكرامهم واقتفاؤهم ... وإلطافهم حتى حسبتهم أهلي
يقول: لم يزالوا يؤثرونني بالإحسان والحسنى، ويختصونني بإسداء الجميل والنعمى، ويلتزمون لي من الإكرام والتقريب، والإدناء والترحيب، حتى ظننتهم عشيرتي، وتشككت في اغترابي منهم، وبعد نسبي عنهم. ومن الإقتفاء القفي، وهو المكرم من الضيوف والسكن، والقفاوة. قال:
يعطي دواء قفي السكن مربوب
وقال جابر بن ثعلب الطائي
وقام إلى العاذلات يلمنني ... يقلن ألا تنفك ترحل مرحلاً
يقول: انتصب اللواءم عاتبات علي، سائقات العنف إلي قائلات: ألا تزال ترحل ارتحالاً فلا تستقر بك دار، ولا يقرب لك مزار، ولا يحط عن راحلة رحل.
стр. 204
ومرحلاً انتصب على المصدر، كما تقول: أما تنفك تخرج مخرجاً وتبعد مبعداً. ومعنى ترحل تشد الرحل. وموضع يلمنني موضع الحال، ويقلن في موضع البدل من يلمنني.
فإن الفتى ذا الحزم رام بنفسه ... جواشن هذا الليل كي يتمولا
في الكلام اختصار، كأنه قال: فأجبتهن فقلت: إن الفتى الحازم يحمل نفسه المشقات، ويرمي بنفسه المتالف الصعبات، ويمتطي الأهوال، كي ينال الأموال، غير مفكر في ظلمة ليل، ولا مستصعب لركوب خطب. وقوله: جواشن هذا الليل يعني صدورها وأوائلها. والليل بإزاء النهار في الاستعمال، والليلة بإزاء اليوم. والإشارة بهذا على طريق التقريب. وهم يستعيرون الجواشن والهوادي والصدور والنحور والأعناق والرؤوس لأوائل الأمور، كما يستعيرون الأعجاز والأدبار والأعقاب والأذناب لآواخرها.
ومن يفتقر في قومه بحمد الغنى ... وإن كان فيهم واسط العم مخولاً
افتقر فعل مفتقر وفقير جميعاً، استغنى به عن فقر. يقول: من ناله الفقر بين عشيرته وأهليه حمد الغنى، وصار عنده المطلوب والمتمنى، وإن كان معطوفاً عليه مكرماً، ومع ما فيهم مخولاً. وقوله: واسط العم سطة الحسب: كرمه، والفعل منه وسط. قال:
وقد وسطت مالكاً وحنظلاً
ويقال: فلانٌ وسيطٌ في قومه: جليلٌ، وفلان واسط القوم، وهو أوسطهم أي أشرفهم.
كأن الفتى لم يعر يوماً إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكاً إذا ما تمولا
هذا الكلام بعث على التجوال، وتحضيضٌ في اكتساب المال، فيقول: إذا اقتنيت بعد فقرك، واكتسيت عن عريك، فكأنك ما كنت قط فقيراً ولا عرياناً.
стр. 205
والمعنى: إن من استبدل بعسره يسراً، ونال عقب ضيقه رخاء، فكأنه ما سبق إليهما، ولا زوحم فيهما. وفي طريقته ما بعده، وهو: ولم يك في بوسٍ. والصعلوك: الفقير.
ولم يك في بوس إذا بات ليلةً ... يناغي غزالاً ساجي الطرف أكحلا
يقول: وإذا استمتع ليلةً بمناجاة إنسانٍ كأنه غزالٌ في طرفه فترٌ، وفي عينه كحلٌ، فكأنه ما كان ذا بوسٍ قط. أي تعفى النعمة على آثار الضر، وتمحوها حتى تنسى. وقوله ولم يك في بوس قد مر الكلام في حذف النون منها تخفيفاً. والمناغاة: المغازلة، وأصله من النغية، وهي الصوت اللطيف، والنغمة الحسنة الخفية، ولذلك يفسر المناغاة على المسارة. والساجي: الساكن، يقال ليلٌ ساجٍ. قال:
يا حبذا القمراء والليل الساج
وقال بعض بني طيئ
إن أدع الشعر فلم أكده ... إذ أزم الحق على الباطل
قوله إذ أزم ظرفٌ لقوله أدع. وتقدير الكلام: إن أدع الشعر إذ أزم الحق على الباطل فلم أكده. ويريد بالحق كبرته وشيخوخته، وما أخذ به النفس عنده من مراعاة الحق، والرجوع عن الهزل إلى الجد. وأراد بالباطل الصبا واللهو وما يتبعهما مما يعد سفها وقوله فلم أكده أصله من حفر فأكدى، إذا بلغ الكدية، فتعذر عليه الحفر وإنباط الماء. والكدية: مكانٌ صلبٌ يعني الحافر. ويقال أيضاً: حفر فأجبل، إذا بلغ جبلاً. وتوسعوا فيه فقالوا: أكدى في الشعر والعطاء. وفي القرآن: " وأعطى قليلاً وأكدى ". وقالوا أيضاَ: فلانٌ بلغ الناس كديته، أي كان يعطي ثم أمسك. ومعنى البيت: إن تركت الشعر حين تحملت وارعويت، وصار الحق عاضاً على باطلتي، والحلم مانعاً من جهالتي، فلم أتركه عن عجزٍ لاحقٍ، وإفحامٍ حاصلٍ. والازم: العض، وتوسع فيه، فقيل: نعم الدواء الأزم، يريدون الحمية.
стр. 206
قد كنت أجريه على وجهه ... وأكثر الصد عن الجاهل
يقول: كنت أجري الشعر على حقه وكنهه، وأقرضه مستمراً فيه على حده أيام شبابي، وقبل ارتداعي، ومع ذلك كنت أكثر الإعراض عن الجهال، وأتصون عن مكايلتهم وموازنتهم. وهذا يجري مجرى قول الآخر:
إني امرؤٌ مكرمٌ نفسي ومتئدٌ ... من أن أقاذعها حتى أجازيها
والمعنى أربأ بقدري عن مقارضة الشعر، ومجاذبة السفهاء، ولكن إن دعت الحال معهم، والضجر بهم، إلى المجازاة مع مراجعة الحلم، فبالفعل لا بالقول، وعلى هذا كنت قبل هذا الأوان مع الجهال.
وقال آخر:
زعم العواذل أن ناقة جندبٍ ... بجنوبٍ خبتٍ عريت وأجمت
يقول: قال اللوائم عاتبةً على جندبٍ، ومنكرةً لتودعه وميله إلى الراحة والخفض وترك السفر: إن ناقته حط عنها رحلها، وأزيل كلالها، فهي جامةٌ بجنوب خبتٍ: والخبت، أصله ما اطمأن من الأرض. ويقال أخبت الرجل، إذا صار في الخبت؛ وتوسع فيه فقيل للمتأله الخاشع: هو مخبتٌ.
كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن لج وذلت
أبطل قولهن فذكر أنهن لو رأين منزلنا ومبركنا بهذا البلد، لقلن لج جندبٌ في السير وذلت الناقة. ويجوز أن يكون قوله مناخنا لم يشر به إلى إناخةٍ وإلى موضعٍ لها، وإنما يكون كقوله:
فإن المندى رحلة وركوب
فيكون المعنى: لو رأين ما جعل بدلاً لناقتنا في موضع الإناخة لقلن ذلك. ومثله:
تعليقها الإسراج والإلجام
стр. 207
أي جعل الإسراج بدلاً مما كان يعلق عليه. ويقرب منه قوله:
لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرعٌ بالنواقيس
وإنما شاهد وقتهما فذكرهما به، ولم يكن ثم دجاجٌ ولا نواقيس.
وقال الراعي
كفاني عرفان الكرى وكفيته ... كلوء النجوم والنعاس معانقه
عرفان: اسم صاحبه. فيقول: نام هذا الرجل وكفاني الاشتغال بالنوم، وكلأت النجوم وارتقبتها، وكفيته السهر، وقد لازم النعاس وعانقه. فإن قيل: كيف كفاه الكرى؟ قلت: هذا على مطابقة الكلام، فلما قال كفيتة مراعاة النجوم ونبت عنه فيها، قال: كفاني الكرى، وإن كانت نيابة ذلك عنه في الكرى لا يصح. ويروى: " كفاني عرفان الكرى وكفيته "، أي معرفة الكرى وليس بمرتضى.
فبات يريه عرسه وبناته ... وبت أريه النجم أين مخافقه
هذا تطنزٌ من القول، لأن الساهر لا يعلم من حال النائم أنه يحلم أو لا يحلم. وإنما نبه بهذا الكلام على استحكام نومه وتلذذه به، إذ كانت الأحلام لا تحصل للنائم إلا عند ذلك. ولما قال بات يريه النوم امرأته وأولاده، قال في مقابلته على الطريقة التي في البيت الأول: وبت أريه النجم. وهذا الجنس يكثر في كلام البلغاء، ومثله قول الله : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ". و " إنما نحن مستهزئون. الله يستهزئ بهم ".
وقول الشاعر:
دناهم كما دانوا
وقد مر جميعه مستقصى.
стр. 208
وقال آخر:
فلست بنازلٍ إلا ألمت ... برحلي أو خيالتها الكذوب
حذف مفعول نازلٍ لأن المراد مفهومٌ، كأنه قال: لا أنزل منزلاً. ومثله قول الله : " فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا "، أي العذاب. والإلمام: زيارةٌ لا لبث معها. يقول: لا أنزل محلاً إلا رأيت هذه المرأة ملمةً برحلي، أي متصورةً لي بهذه الصورة، تشوقاً مني وتحفياً. هذا في حال اليقظة وعند فراغ البال والاشتغال بحال النفس. أو رأيت خيالتها الكذوب القليلة الوفاء إذا نمت. ويقال خيالٌ وخيالةٌ، كما يقال مكانٌ ومكانةٌ. وجعلها كذوباً لما لم يتحقق فعلها وقولها. والمعنى: إني لا يخليني منها لا النوم ولا اليقظة، ولا يلفتني عنها لا الرخاء ولا الشدة، وفي هذه الطريقة قول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعاتٍ وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظرٌ عالٍ
وقال الأصمعي في قول الآخر:
ألبس بصيراً من رأى وهو قاعدٌ ... بمكة أهل الشام يختبزونا
هو على التشوف والتحفي.
فقد جعلت قولص ابني سهيلٍ ... من الأكوار مرتعها قريب
جعلت ها هنا بمعنى طفقت وأقبلت، ولذلك لا يتعدى. والقلوص: الفتية من الإبل، ومرتعها قريب في موضع الحال. يقول: أقبلت قلوص هذين الرجلين قريبة المرتع من رحالهم، قصيرة المسرح في رواحهم، لأنه لما لحقها من الكلال والإعياء، لم تقدر على التباعد في المرعى والارتياد.
كأن لها برحل القوم بواً ... وما إن طبها إلا اللغوب
يقول: كأن لهذه الناقة ولدا برحل القوم، تتعطف عليه، ولا تتباعد عنه، وما داؤها إلا الإعياء. ومثل هذا قول الآخر:
من الكلال لا يذقن عودا ... لا عقلاً تبغي ولا قيوداً
стр. 209
والطب أصله العلم، والمراد به ها هنا الداء الذي يعلم ويعرف. والبو، أصله: جلد فصيلٍ يحشى تبناً لتدر الأم عليه.
وقال آخر:
إن كنت لا أرمي وترمي كنانتي ... تصب جانحات النبل كشحي ومنكبي
هذا مثلٌ. والمعنى: إذا لم أقصد في خاص أمري، ثم قصدت فيمن يشمله عنايتي، عاد ذلك القصد بالشر والمساءة علي، وصرت كأني أنا المقصود. والجائحات: المائلات، وروى بعضهم جائحات النبل وهي المستأصلات المهلكات. ويقال جاحه واجتاحه بمعنى. وليست هذه الرواية بجيدة، لأن الغرض ما ذكرته من أن من يمسه أمره إذا قصد كان كنفسه. فإن قيل: فلم خص الجانحات؟ قلت: المراد فيما ضرب المثل له: إني رميت إذا رميت الجعبة المعلقة علي، لأن بعض السهام يصيبه وبعضها يصيبني. وإذا كان كذلك فلا بد من ذكر الجانحات. والنبل: اسم صيغ للجمع. والكنانة: ما يغطي به الشيء في الأصل، واختص بها الجعبة وهو من الكن، كالستارة من الستر. وفي القرآن: " وقالوا قولبنا في أكنة ". وقد فصل بين كننت واكتننت، فجعل اكتننت لما يضمر في القلب من الحديث والسر، وكننت لما يستر بشيء. وذكر الدريدي أن الكنانة لا يكون إلا للنبل، ويكون من أدمٍ، فإذا كانت من خشبٍ فهو جفيرٌ، وإن كانت من قطعتين مقرونتين فهي قرنٌ، والجعبة تكون للنبل والنشاب جميعاً.
أفيقوا بني حزنٍ وأهواؤنا معاً ... وأرحامنا موصولةٌ لم تقضب
يقول: اصحوا بني حزنٍ من سكرة جهلكم، وانتبهوا من رقدة غفلتكم، الأهواء بعد متفقةٌ، وأسباب الرحم موصولةٌ، لم يتسلط عليها العقوق، ولم يقطعها الجفاء والنبو. والمعنى: كفوا عما أنتم عليه من سيئات التقاطع والتدابر، قبل تفاقم الخطب، واستفحال الشأن. والقضب: القطع، ومنه قيل للسيف المقضب والقضيب. وقوله معاً في موضع الخبر، أي مجتمعةٌ.
стр. 210
فإن تبعثوها تبعثوها ذميمة ... قبيحة ذكر الغب للمتغبب
يقول: إن هيجتم الحرب هيجتموها مذمومةً قبيحة ذكر العاقبة لمن يتتبع العواقب فيتدبرها، ويتعهد المصاير فيتأملها. ويقال تغببت الأمر كما يقال تعقبته، أي تفقدت عاقبته وغبه. والغب أصله في ورود الماء والزيارة، وهو ينوب في أسماء الأظماء وغيرها عن الثلث. فأما قولهم: زر غباً تزدد حباً فالمهلة فيه أوسع.
سآخذ منكم آل حزنٍ لحوشبٍ ... وإن كان مولىً لي وكنتم بني أبي
إنما قال هذا لأن بني عمه ضربوا مولىً له، فيقول: سأنتقم منكم يا آل خزنٍ وإن كنتم بني أعمامٍ، وكان حوشبٌ مولى محالفةٍ وجوارٍ. وفي طريقته قول الآخر:
فإن غضبت فيها حبيب بن حبتر ... فخذ خطة ترضاك فيها الأباعد
وروى بعضهم: وإن كان مولائي وكنتم، والبصريون لا يجوزون مد المقصور، لأنه إدخال زيادةٍ على كلامهم، ويجوزون قصر الممدود، لأنه حذفٌ للتخفيف، وردٌ إلى الأصل. وحوشبٌ عند النحويين أنه مما لم يجيء إلا بزيادة الواو، وأنه مثل كوكب. وحكى الخارزنجي أن حشباً اسم رجلٍ، وأنه يقال أحشبني كذا، أي أحشمني.
وقال جميلٌ
أبوك أبوك أريد غير شكً ... أحلك في المخازي حيث حلا
ارتفع أبوك بالابتداء، وكرره تأكيداً، وأربد بدلٌ منه، وخبر المبتدأ أحلك. وانتصب غير على المصدر، وهو مما يؤكد به ما قبله. ومثله حقاً وما أشبهه. والمعنى أن لؤم أبيه موروث، وأنه اقتداءً بسلفه قد أنزل ابنه منزله في المخازي والقبائح، حقاً لا مرية فيه.
стр. 211
فما أنفيك كي تزداد لؤماً ... لألأم من أبيك ولا أذلا
يقول: لا أبرئك من أبيك طلباً لأن أنسبك إلى من هو ألأم منه وأذل لتزداد ذلاً ولؤماً؟ لأن أباك النهاية في هذين. وانتصب لؤماً على التمييز، واللام من لألأم تعلقة بفعل مضمرٍ، كأنه قال: ما أنفيك من أبيك وأدعوك لألأم منه، لأنه إذا نفاه من أبيه فقد جعله لغيره. ويجوز أن يحمل الكلام فيه على المعنى، فيتصور أنفيك بأدعوك، وبعدى تعديته. ومثله قول الله : " هل لك إلى أن تزكى ". وعلى هذا يحمل قول الفرزدق:
قد قتل الله زياداً عني
لما كان معناه صرفه الله عني. ومن أبيات الكتاب:
إذا تغنى الحمام الورق هيجني ... ولو تعزيت عنها أم عمار
لأنه تصور هيجني أنه ذكرني، فعدى تعديته.
وقال آخر:
أبوك حبابٌ سارق الضيف برده ... وجدي ياحجاج فارس شمرا
يقول: أبوك الذي سرق برد ضيفه وغدر به وخانه، وجدي فارس هذا الفرس المعروف. وسارق الضيف برده، أصله سارق برد الضيف، لكنه أضافه إلى الضيف بناء على قولهم سرقت الضيف برده، والمراد سرقت من الضيف، لكنه لما حذف الجار تخفيفاً وصل الفعل فعمل فيه، ثم أضاف اسم الفاعل إليه. وعلى هذا يقال اخترت الرجال زيداً: وشمر فعلٌ في الأصل سمي به الفرس، لأنه ليس في الأسماء شيءٌ على فعلٍ. ومثله خضم، وهو لقبٌ للعنبر بن مازن. وحبابٌ يجوز أن يكون بدلاً وسارق الضيف خبراً، ويجوز أن يكون حبابٌ خبراً وسارق الضيف صفةً، وهذا أجود حتى يكون في مقابلة فارس شمر. كأن المراد: أبوك المعروف بذا الاسم،
стр. 212
وجدي المعروف بذا. ورواه بعضهم فارس شمر بكسر الشين، وقال: هو علمٌ مؤنث مثل امرأة تسميها قنب ودنب.
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدقٍ يلقهم حيث سيرا
كما فضل جده على أبيه في البيت الأول فضل نفسه عليه في البيت الثاني. والمعنى أن المرء يتقيل أباه، فإذا كان جدي صالحاً فأنا صالح، وإذا كان أبوك صالحاً فأنت صالحٌ. وقوله ومن يكن لآباء صدقٍ يريد من كان ولد آباء كرامٍ عرف بهم حيث ذهب، والقيهم أني سار وظعن. واللام دخل في قوله لآباء صدقٍ لهذا المعنى. ومثاله:
لئن كان للقبرين قبرٍ بجلقٍ ... وقبرٍ بصيداء التي عند حارب
أي إن كان ولدهما. وصدقٍ يضاف إليه الواحد والجمع، والمؤنث والمذكر، ويراد به المدح. فإذا قلت ثوب صدقٍ ورجال صدقٍ، فالمعنى نعم الشيء ذاك، أي هو صادقٌ فيما يحمد فيه لا كاذبٌ. وإذا أردت أن تجعله نعتاً فتحت الصاد منه فقلت: هو الرجل الصدق، ويثني ويجمع ويؤنث. قال:
مقذوذة الآذان صدقات الحدق
فإن تغضبو من قسمة الله حظكم ... فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا
يقول: إن تسخطتم ما قسمه الله، تعالى جده، لكم، وجعله نصيبكم، فلله كان أعلم بكم وبقدر استحقاقكم، لما فلم يركم أهلاً لأكثر منه. والمعنى: إن ما حصلتم عليه من البخس في القسمة، والنقص من المقدرة. والتأخر في المنزلة، حكمةٌ من الله ونصفةٌ، ولو زاد مستحقكم عليه لأعطاكم، فإنه العالم الحكيم في أفعاله وأقضيته. والبصير في صفة الله، تحقيقه العالم.
وقال أبو النشناش
إذا المرء لم يسرح سواماً ولم يرح ... سواماً ولم تعطف عليه أقاربه
стр. 213
يقال سرحت الماشية، إذا أخرجتها بالغداة إلى المرعى؛ وأرحتها، إذا رددتها بالعشي. فإن قال قائل: لم قال: ولم يرح سواماً والنكرة إذا أعيد ذكرها يجب تعريفها، بدلالة أنك تقول رأيت رجلاً بمكان كذا، فقال لي الرجل كذا؟ قلت: يجوز أن يكون نكرهما لأنه تصور المراح بما دخله من التناقص والتزايد، بالأخذ منه والرد إليه غير المسروح، وإذا كان كذلك فالثاني غير الأول. ويجوز أن يكون السوام الثاني غير الأول، وذاك أن المكثرين منهم كانوا يأمروان رعاءهم بأن يقتضبوا قطعةً من المال كيف اتفقت، ليحبسوها على الحقوق العارضة، سوى المؤن اللازمة، فكانت الغادية لما يقيمونها من النوب في ذلك غير الرائحة، والرائحة غير الغادية. وإذا كان كذلك فالسؤال ساقط. والمعنى: إذا الرجل لم يكن ذا مالٍ يسرح بعضه ويراح عليه بعضه، على حسب ما يتفق، ولم يكن له أقارب يتعطفون عليه ويرون من الفروض الواجبة الإحسان إليه، فالموت خيرٌ له. وجواب إذا في البيت الثاني. ويجوز أن يكون المراد بقوله ولم تعطف عليه أقاربه تعطف النصرة والإعزاز، فيكون المعنى إذا لم يكن غنياً ولم يكن مؤيداً بذويه فيعتز بهم، فالموت أصلح له من الحياة. وهذا المعنى أحسن.
فللموت خيرٌ للفتى من قعوده ... عديماً ومن مولىً تدب عقاربه
فللموت جواب إذا، لتضمنه معنى الجزاء. يقول: إذا الرجل لم يكن على ما وصفت فورود الموت عليه خير له من قعوده راضياً بفقره، وبإفضال مولى يؤذيه بالمن، ولا يخلص النعمة عنده من الشوائب. ودبيب العقارب كنايةٌ عن فعل الأذى والتحمد بالكلمات المكدرة. وانتصب عديماً على الحال. ويجوز أن يكون المعنى في قوله ومن مولىً تدب عقاربه أن يحصل الفساد بين العشيرة، والتدابر والاختلاف، فكلٌ يقصد صاحبه بالمساءة، ويبغي له الغوائل. وهذا المعنى يتلفق مع المعنى الثاني في البيت الذي قبله.
ونائية الأرجاء طامسة الصوى ... خدت بأبي النشناش فيها ركائبه
стр. 214
انجرت نائية بإضمار رب، والواو داخلةٌ للعطف، ولم يصر بدلاً من رب بدلالة وقوع الفاء العاطفة موقعه وبل في نحو:
فمثلك حبلى قد طرقت
وبل بلدٍ ذي عقدٍ وإحباب
يقول: ورب مفازةٍ بعيدة الأطراف، دارسة الأعلام، سارت بأبي النشناش فيها رواحله يطلب المال، ويكتسب المجد. وهذا الكلام تبجحٌ منه بأنه لم يتخذ الفقر ضجيعا، ولا الدعة حليفاً، بل رمى بنفسه نحو المرامي المتلفة، وطوحها في الموامي المعطبة. والأرجاء واحدها رجاً. والطامس: الدارس. ويقال طمس وطسم. والصوى: الأعلام، والواحدة صوةٌ، ومثله قوةٌ وقوى. ومعنى خذت: أسرعت، ومصدره الخديان. والركائب: جمع الركوبة، وهي المركوبة، ولا يتبع المثوف، بل يستعمل على انفرادها، ومثلها الحلوبة.
وسائلةٍ بالغيب عني وسائلٍ ... ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه
يقول: رب رجلٍ وامرأة سألا عني بظهر الغيب، لما تداخل القلوب من هيبتي، والإشفاق من وقعتي. ثم قال مستفهماً على طريق الإنكار: ومن يسأل الصعلوك، أي يجب ألا يسأل الصعاليك عن مذاهبهم وطرقهم، لأنها لا تعلم، إذ لم يكن يستقر بهم موضعٌ، ولم يكن يحوبهم بلدٌ ومذهبٌ يلزمونه أو يختصون به. وكان وجه الكلام أن يقول: ومن يسأل عن الصعلوك ليكون وفق قوله وسائلةٍ بالغيب عني، لكنه عدل عنه إلى ما قاله تأكيداً للمراد، وذلك أنه إذا كان سؤال نفسه عن مذهبه منكراً لاستبهامه عليه، فسؤال غيره عنه أبعد من الصواب.
فلم أر مثل الفقر ضاجعه الفتى ... ولا كسواد الليل أخفق طالبه
стр. 215
يروى مثل الهم، هو مصدر هممت بالشيء، أي إذا هم يجب عليه أن ينفذه ولا يؤخره. ويقول: لم أر كالفقر يتخذه الفتى ضجيعا، أي يرضى به وبلزومه له ولم أر كسواد الليل أكدى راكبه والطالب فيه. والمعنى: يجب ألا يحصل واحدٌ منهما، لا الرضا بالفقر، ولا الإخفاق مع ركوب الليل. ويقال ضجع ضجعاً وضجوعاً واضطجع بمعنىً واحد، ومنه قيل للعاجز الضجعي والضجعة. وتسمى الكواكب التي لا تسير: الضواجع. والإخفاق: أن يغزو فلا يغنم، أو يرجو فيخيب. قال عنترة:
فيخفق مرةً ويصيب أخرى ... ويفجع ذا الضغائن بالأريب
وقوله أخفق طالبه، أي الطالب فيه. وهذا من إضافة الشيء إلى الشيء لكونه فيه.
وقال آخر:
ألا قالت الخنساء يوم سويقةٍ ... عهدتك دهراً طاوي الكشح أهضما
يقول: قالت هذه المرأة يوم اجتماعنا في سويقةٍ: عهدتك زماناً ممتداً صغير البطن، مطوي الكشح والجنب. وإنما أنكرت سمنه وكثرة لحمه، فأجابها بالبيت الثاني. والهضم: انضمام الضلوع، وتقارب الجنبين.
فإما تريني اليوم أصبحت بادناً ... لديك فقد ألفى على البزل مرجما
يقول: إن كنت ترينني اليوم - وهو إشارةٌ إلى يومه وما يقربه منه - أصبحت مثقل النفس، مبدن الخلق لديك، أي في منظرك ومعتقدك، فإني إذا ركبت البزل وجدت عليها مرجما. والمرجم: الذي كأنه آلةٌ في رجم الأرض بأخفاف الإبل ووطء الأقدام. وينتصب مرجما على الحال. وقيل المرجم في السفر: البعيد في الغاية. وكما قيل رجلٌ مرجمٌ، قيل يدٌ مرجمٌ، ورجلٌ مرجمٌ، ولسانٌ مرجمٌ، قال الشاعر:
شديد الرجام باللسان وباليد
وإما، في أكثر الأحوال يلزم الفعل الواقع بعده إحد النونين الثقيلة والخفيفة، لأنه كما أكد حرف الشرط ب ما أكد الفعل المشترط به بالنون أيضاً. وها هنا جاء خالياً من النون.
следующие страницы →