← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فما أنفيك كي تزداد لؤماً ... لألأم من أبيك ولا أذلا يقول: لا أبرئك من أبيك طلباً لأن أنسبك إلى من هو ألأم منه وأذل لتزداد ذلاً ولؤماً؟ لأن أباك النهاية في هذين. وانتصب لؤماً على التمييز، واللام من لألأم تعلقة بفعل مضمرٍ، كأنه قال: ما أنفيك من أبيك وأدعوك لألأم منه، لأنه إذا نفاه من أبيه فقد جعله لغيره. ويجوز أن يحمل الكلام فيه على المعنى، فيتصور أنفيك بأدعوك، وبعدى تعديته. ومثله قول الله : " هل لك إلى أن تزكى ". وعلى هذا يحمل قول الفرزدق: قد قتل الله زياداً عني لما كان معناه صرفه الله عني. ومن أبيات الكتاب: إذا تغنى الحمام الورق هيجني ... ولو تعزيت عنها أم عمار لأنه تصور هيجني أنه ذكرني، فعدى تعديته. وقال آخر: أبوك حبابٌ سارق الضيف برده ... وجدي ياحجاج فارس شمرا يقول: أبوك الذي سرق برد ضيفه وغدر به وخانه، وجدي فارس هذا الفرس المعروف. وسارق الضيف برده، أصله سارق برد الضيف، لكنه أضافه إلى الضيف بناء على قولهم سرقت الضيف برده، والمراد سرقت من الضيف، لكنه لما حذف الجار تخفيفاً وصل الفعل فعمل فيه، ثم أضاف اسم الفاعل إليه. وعلى هذا يقال اخترت الرجال زيداً: وشمر فعلٌ في الأصل سمي به الفرس، لأنه ليس في الأسماء شيءٌ على فعلٍ. ومثله خضم، وهو لقبٌ للعنبر بن مازن. وحبابٌ يجوز أن يكون بدلاً وسارق الضيف خبراً، ويجوز أن يكون حبابٌ خبراً وسارق الضيف صفةً، وهذا أجود حتى يكون في مقابلة فارس شمر. كأن المراد: أبوك المعروف بذا الاسم،

стр. 212

وجدي المعروف بذا. ورواه بعضهم فارس شمر بكسر الشين، وقال: هو علمٌ مؤنث مثل امرأة تسميها قنب ودنب. بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدقٍ يلقهم حيث سيرا كما فضل جده على أبيه في البيت الأول فضل نفسه عليه في البيت الثاني. والمعنى أن المرء يتقيل أباه، فإذا كان جدي صالحاً فأنا صالح، وإذا كان أبوك صالحاً فأنت صالحٌ. وقوله ومن يكن لآباء صدقٍ يريد من كان ولد آباء كرامٍ عرف بهم حيث ذهب، والقيهم أني سار وظعن. واللام دخل في قوله لآباء صدقٍ لهذا المعنى. ومثاله: لئن كان للقبرين قبرٍ بجلقٍ ... وقبرٍ بصيداء التي عند حارب أي إن كان ولدهما. وصدقٍ يضاف إليه الواحد والجمع، والمؤنث والمذكر، ويراد به المدح. فإذا قلت ثوب صدقٍ ورجال صدقٍ، فالمعنى نعم الشيء ذاك، أي هو صادقٌ فيما يحمد فيه لا كاذبٌ. وإذا أردت أن تجعله نعتاً فتحت الصاد منه فقلت: هو الرجل الصدق، ويثني ويجمع ويؤنث. قال: مقذوذة الآذان صدقات الحدق فإن تغضبو من قسمة الله حظكم ... فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا يقول: إن تسخطتم ما قسمه الله، تعالى جده، لكم، وجعله نصيبكم، فلله كان أعلم بكم وبقدر استحقاقكم، لما فلم يركم أهلاً لأكثر منه. والمعنى: إن ما حصلتم عليه من البخس في القسمة، والنقص من المقدرة. والتأخر في المنزلة، حكمةٌ من الله ونصفةٌ، ولو زاد مستحقكم عليه لأعطاكم، فإنه العالم الحكيم في أفعاله وأقضيته. والبصير في صفة الله، تحقيقه العالم. وقال أبو النشناش إذا المرء لم يسرح سواماً ولم يرح ... سواماً ولم تعطف عليه أقاربه

стр. 213

يقال سرحت الماشية، إذا أخرجتها بالغداة إلى المرعى؛ وأرحتها، إذا رددتها بالعشي. فإن قال قائل: لم قال: ولم يرح سواماً والنكرة إذا أعيد ذكرها يجب تعريفها، بدلالة أنك تقول رأيت رجلاً بمكان كذا، فقال لي الرجل كذا؟ قلت: يجوز أن يكون نكرهما لأنه تصور المراح بما دخله من التناقص والتزايد، بالأخذ منه والرد إليه غير المسروح، وإذا كان كذلك فالثاني غير الأول. ويجوز أن يكون السوام الثاني غير الأول، وذاك أن المكثرين منهم كانوا يأمروان رعاءهم بأن يقتضبوا قطعةً من المال كيف اتفقت، ليحبسوها على الحقوق العارضة، سوى المؤن اللازمة، فكانت الغادية لما يقيمونها من النوب في ذلك غير الرائحة، والرائحة غير الغادية. وإذا كان كذلك فالسؤال ساقط. والمعنى: إذا الرجل لم يكن ذا مالٍ يسرح بعضه ويراح عليه بعضه، على حسب ما يتفق، ولم يكن له أقارب يتعطفون عليه ويرون من الفروض الواجبة الإحسان إليه، فالموت خيرٌ له. وجواب إذا في البيت الثاني. ويجوز أن يكون المراد بقوله ولم تعطف عليه أقاربه تعطف النصرة والإعزاز، فيكون المعنى إذا لم يكن غنياً ولم يكن مؤيداً بذويه فيعتز بهم، فالموت أصلح له من الحياة. وهذا المعنى أحسن. فللموت خيرٌ للفتى من قعوده ... عديماً ومن مولىً تدب عقاربه فللموت جواب إذا، لتضمنه معنى الجزاء. يقول: إذا الرجل لم يكن على ما وصفت فورود الموت عليه خير له من قعوده راضياً بفقره، وبإفضال مولى يؤذيه بالمن، ولا يخلص النعمة عنده من الشوائب. ودبيب العقارب كنايةٌ عن فعل الأذى والتحمد بالكلمات المكدرة. وانتصب عديماً على الحال. ويجوز أن يكون المعنى في قوله ومن مولىً تدب عقاربه أن يحصل الفساد بين العشيرة، والتدابر والاختلاف، فكلٌ يقصد صاحبه بالمساءة، ويبغي له الغوائل. وهذا المعنى يتلفق مع المعنى الثاني في البيت الذي قبله. ونائية الأرجاء طامسة الصوى ... خدت بأبي النشناش فيها ركائبه

стр. 214

انجرت نائية بإضمار رب، والواو داخلةٌ للعطف، ولم يصر بدلاً من رب بدلالة وقوع الفاء العاطفة موقعه وبل في نحو: فمثلك حبلى قد طرقت وبل بلدٍ ذي عقدٍ وإحباب يقول: ورب مفازةٍ بعيدة الأطراف، دارسة الأعلام، سارت بأبي النشناش فيها رواحله يطلب المال، ويكتسب المجد. وهذا الكلام تبجحٌ منه بأنه لم يتخذ الفقر ضجيعا، ولا الدعة حليفاً، بل رمى بنفسه نحو المرامي المتلفة، وطوحها في الموامي المعطبة. والأرجاء واحدها رجاً. والطامس: الدارس. ويقال طمس وطسم. والصوى: الأعلام، والواحدة صوةٌ، ومثله قوةٌ وقوى. ومعنى خذت: أسرعت، ومصدره الخديان. والركائب: جمع الركوبة، وهي المركوبة، ولا يتبع المثوف، بل يستعمل على انفرادها، ومثلها الحلوبة. وسائلةٍ بالغيب عني وسائلٍ ... ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه يقول: رب رجلٍ وامرأة سألا عني بظهر الغيب، لما تداخل القلوب من هيبتي، والإشفاق من وقعتي. ثم قال مستفهماً على طريق الإنكار: ومن يسأل الصعلوك، أي يجب ألا يسأل الصعاليك عن مذاهبهم وطرقهم، لأنها لا تعلم، إذ لم يكن يستقر بهم موضعٌ، ولم يكن يحوبهم بلدٌ ومذهبٌ يلزمونه أو يختصون به. وكان وجه الكلام أن يقول: ومن يسأل عن الصعلوك ليكون وفق قوله وسائلةٍ بالغيب عني، لكنه عدل عنه إلى ما قاله تأكيداً للمراد، وذلك أنه إذا كان سؤال نفسه عن مذهبه منكراً لاستبهامه عليه، فسؤال غيره عنه أبعد من الصواب. فلم أر مثل الفقر ضاجعه الفتى ... ولا كسواد الليل أخفق طالبه

стр. 215

يروى مثل الهم، هو مصدر هممت بالشيء، أي إذا هم يجب عليه أن ينفذه ولا يؤخره. ويقول: لم أر كالفقر يتخذه الفتى ضجيعا، أي يرضى به وبلزومه له ولم أر كسواد الليل أكدى راكبه والطالب فيه. والمعنى: يجب ألا يحصل واحدٌ منهما، لا الرضا بالفقر، ولا الإخفاق مع ركوب الليل. ويقال ضجع ضجعاً وضجوعاً واضطجع بمعنىً واحد، ومنه قيل للعاجز الضجعي والضجعة. وتسمى الكواكب التي لا تسير: الضواجع. والإخفاق: أن يغزو فلا يغنم، أو يرجو فيخيب. قال عنترة: فيخفق مرةً ويصيب أخرى ... ويفجع ذا الضغائن بالأريب وقوله أخفق طالبه، أي الطالب فيه. وهذا من إضافة الشيء إلى الشيء لكونه فيه. وقال آخر: ألا قالت الخنساء يوم سويقةٍ ... عهدتك دهراً طاوي الكشح أهضما يقول: قالت هذه المرأة يوم اجتماعنا في سويقةٍ: عهدتك زماناً ممتداً صغير البطن، مطوي الكشح والجنب. وإنما أنكرت سمنه وكثرة لحمه، فأجابها بالبيت الثاني. والهضم: انضمام الضلوع، وتقارب الجنبين. فإما تريني اليوم أصبحت بادناً ... لديك فقد ألفى على البزل مرجما يقول: إن كنت ترينني اليوم - وهو إشارةٌ إلى يومه وما يقربه منه - أصبحت مثقل النفس، مبدن الخلق لديك، أي في منظرك ومعتقدك، فإني إذا ركبت البزل وجدت عليها مرجما. والمرجم: الذي كأنه آلةٌ في رجم الأرض بأخفاف الإبل ووطء الأقدام. وينتصب مرجما على الحال. وقيل المرجم في السفر: البعيد في الغاية. وكما قيل رجلٌ مرجمٌ، قيل يدٌ مرجمٌ، ورجلٌ مرجمٌ، ولسانٌ مرجمٌ، قال الشاعر: شديد الرجام باللسان وباليد وإما، في أكثر الأحوال يلزم الفعل الواقع بعده إحد النونين الثقيلة والخفيفة، لأنه كما أكد حرف الشرط ب ما أكد الفعل المشترط به بالنون أيضاً. وها هنا جاء خالياً من النون.

стр. 216

وقال آخر: ألا قالت العصماء يوم لقيتها ... أراك حديثاً ناعم البال أفرعا هذا في طريقة ما قبله. فيقول: قالت هذه المرأة لما التقيت معها: أعلمك عن قريبٍ ناعم الحال، تام شعر الرأس، لم يتسلط عليك صلعٌ، ولا حدث انحسار شعر، ولا شحوب لون، فكيف تغيرت مع قرب الأمد. وانتصب حديثاً على الظرف. وناعم البال، مفعولٌ ثانٍ من أراك. والأفرع: التام شعر الرأس، وجمعه فرعانٌ. والأصلع خلافه. فقلت لها لا تنكريني فقل ما ... يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا يقول: أجبتها وقلت: لا تستنكري ما رأيت من شحوب لوني، وانحسار الشعر عن رأسي، فما ينال الفتى السيادة حتى يستبدل بشبيبته شيباً، ووفور شعره صلعاً، وإلا بعد استحكام الرأي، واستنفاد العمر في اكتساب المجد. وقوله قل ما يفيد النفي هنا، وما تكون كافة لقل عن طلب الفاعل، وناقلةً له عن الاسم إلى الفعل، فإذا قلت: قل ما يقوم زيدٌ فكأنك قلت ما يقوم زيدٌ. يدل على ذلك أنهم قالوا: قل رجلٌ يقول ذاك إلا زيدٌ، وأجري مجرى ما يقول ذاك إلا زيد، وقالوا أيضاً: أقل رجلٍ يقول ذاك إلا زيد. وأنهم أجروا خلافه مجراه، فيقول: كثر ما يقول زيد. وعلى ذلك بيت الكتاب: .............. وقل ما ... وصالٌ على طول الصدود يدوم ويجوز أن يكون ما من قل ما يسود الفتى، مع الفعل في تقدير المصدر، كأنه قال: قل سيادة الفتى، أي ينزر استكمالها إلا مع هذه الحالة. ومثله قول لبيدٍ: قل ما عرس حتى هجته ... بالتباشير من الصبح الأول

стр. 217

لأنه ليس يريد نفي التعريس رأساً؛ إذا كان يعتاده قطاع الفلاة، وركاب الظلام، بل يريد عرس تعريساً قليلاً فهجته. ويقال: صلع صلعاً وصلعةً، وهو أصلع وصليعٌ. وللقارح اليعبوب خير علالةً ... من الجذع المرخى وأبعد منزعا هذا مثلٌ ضربه في تفضيل نفسه على شيخوخته وقد أدبه الكبر، ونازع الدهر وأبناءه أطراف الخطوب، ومرائر السيادة والعلو على الأحداث الذين لم يجربوا الأمور، والأغمار الذين لم يجاذبوا الشدائد، فيقول: للفرس المتناهي في القوة والسن، الذي يجري جريه الماء سهولة ونفاذاً، خيرٌ إبقاءً وأبعده غاية من ابن سنتين وهو مهمل لم يستغن به في ركوبٍ ونزول، ولم يرض بإسراجٍ وإلجام. واليعبوب: الفرس الكثير الجري، والجدول الكثير الماء. والعلالة: البقية من الجري وغيره، وها هنا يريد الجري. قال الشاعر: إلا علالة أو بدا ... هة سابحٍ نهد الجزاره فالبداهة: أول الجري، والعلالة: آخره. وقوله من الجذع المرخى يروي المرخى بكسر الخاء، والإرخاء: لين في العدو. قال: وإرخاء سرحانٍ وتقريب تتفل وإذا روى بفتح الخاء فهو المرسل المهمل النزوع إلى الغاية. وانتصاب علالة ومنزعا على التمييز. وقال شبيب بن عوانة قضى بيننا مروان أمس قضيةً ... فما زادانا مروان إلا تنائيا يقول: قضى بيننا هذا الرجل بحكومة تسخطناها، ولم نرض بها، إذ لم يقصد بها صلاح ذات البين، ولا تلافي جمع الشمل، فازددنا بها تبايناً عن الاصلاح

стр. 218

والمراجعة واختلافاً وتنائياً عن الالتئام والموافقة وتباعداً. وقوله أمس تقريبٌ لزمان فعله، ولم يرد اليوم الذي ولى يومه. وهذا كما تقول: فلانٌ بالأمس يفعل كذا وأمس معرفةٌ، وإنما بنى لتضمنه معنى الألف واللام. فلو كنت في الأرض الفضاء لعفتها ... ولكن أتت أبوابه من ورائيا يقول: لو كنت بالبدو لرددت حكومته وأبديت كراهتي لها، ولكني كنت أسيراً إذ كنت في الحضر حاصلاً في داره، وداخلاً تحت ملكته. ومعنى أتت أبوابه من ورائيا أي حالت مسالحه ومراصده بيني وبين مرداي. ووراء بمعنى قدام هنا، ومثله في القرآن: " وكان وراءهم ملكٌ ". وقال جميل فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي يا بثين لقوني فيك أي في معناك وبسببك. وقوله قد نذروا من صفة رجالاً، ولقوني خبر ليت. والمعنى تمنيت أن رجالاً فعلوا في معناك ما فعلوا من الهم بقتلي، وعقد النذر في سفك دمي، التقوا معي، ماذا كانوا يفعلون. وفي هذا الكلام إبهامٌ أنهم لا يجسرون على التعرض له، وفيه استهانةٌ بأقوالهم ومكايدهم، وإن كانوا قد بذلوا من القول ما بذلوا، وأضمروا فيه ما أضمروا. وقد فسر تهيبهم له، ونكوصهم عن الإقدام عليه في البيت الثاني. إذا ما رأوني طالعاً من ثنيةٍ ... يقولون من هذا وقد عرفوني يقول: إذا ما أبصروني مقبلاً عن عقبةٍ، طالعاً عليهم من طريقٍ إليهم مفضيةٍ، يتساءلون فيما بينهم بقولهم: من هذا، وإن كانوا عارفين بي. أي يتجاهلونني جبناً وإحجاماً. يقولون لي أهلاً وسهلاً ومرحباً ... ولو ظفروا بي ساعةً قتلوني نبه بهذا الكلام على تملقهم وإظهارهم بالنفاق ما لا يوافق باطنهم، عجزاً وضعف كيدٍ. والمعنى يستقبلونني بالتأهيل ويتلقونني بالترحيب عند الالتقاء، ولو أعطوا الظفر لأتوا علي وما أبقوا.

стр. 219

فكيف ولا توفى دماؤهم دمي ... ولا مالهم ذو كثرةٍ فيدوني يقال: أوفيته ووفيت له بكذا وأوفيت، وفي هذا بيان عذرهم في ترك الوفاء بالنذر، وتعجبٌ من أفعالهم عند اختلاف أحوالهم. فيقول: كيف يقدمون علي وليس في دمائهم كلهم وفاءٌ بدمي، ولا في مالهم اتساع، فإذا عجزت دماؤهم عن دمي فكيف يعطون ديتي. ويقال وديته أديه ديةً ووديا. وقال يحيى بن منصور وجدنا أبانا كان حي ببلدةٍ ... سوى ببن قيسٍ قيس عليلان والفزر سوى في موضع جرٍ على أنه صفةٌ لبلدةٍ. والمعنى وجدنا أبانا حل ببلدةٍ متوسطة لديار قيس بن عيلان وسعد بن زيد مناة. والمعنى حل بين مضر ونأى عن ربيعة، لأن قيساً والفزر من مضر. والفزر: لقبٌ لسعد بن زيد مناة. وقال الأخفش: سوى وسواءٌ في معنى العدل. وفي القرآن: " إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ". وفي موضع آخر: " اجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى "، أي مكاناً عدلاً. فلما نأت عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر فلما أسلمتنا عندً يوم كريهةٍ ... ولا نحن أغضينا الجفون على وتر يقول: لما خذلتنا عشيرتنا - وهم ربيعة - فيما نابتتا، وتباعدت بنصرتها ومعونتها عنا، وترخصت في القعود عن مساعدتنا، اكتفينا بأنفسنا فأقمنا بدار الحفاظ والصبر، واتخذنا سيوفنا حلفاء على الدهر، فما خذلتنا في يوم حربٍ وعند مدافعةٍ وجهدٍ، ولا نحن غمضنا جفوننا على وترٍ وحقدٍ. والمعنى: إنا وسيوفنا توافينا فيما عليه تعاقدنا، وتوازرنا فيما له تحالفنا، فبلغنا نحن أقصى المبالغ في طلب الأوتار، وانتهت هي إلى

стр. 220

أبعد النهايات في المعاونة والإحلاب. وهذا مثلٌ ضربه لا ستقلالهم فيما نهضوا فيه بعددهم وعدتهم، وبلائهم وصبرهم واستفنائهم عن القاعدين عن التحمل معهم والذب عنهم من عشيرتهم. وقوله: أنخنا كنايةٌ عن الإقامة والثبات في وجوه الأعداء، إلى أن وصلوا إلى المراد. ؟ وقال أبو صخرٍ الهذلي: رأيت فضيلة القرشي لما ... رأيت الخيل تشجر بالرماح جعل القرشي جنساً لا عيناً. والمعنى: رأيت فضيلة القرشيين حين قستهم إلى غيرهم عند اشتجار الخيل بالرماح، وانتظامها بها للطعن المختلف بينهم، المتردد فيهم. وجواب لما مقدمٌ، وهو رأيت في صدر البيت. يريد: عند هذا الأمر بأن فضلهم على الناس، وقوله تشجر كل شيءٍ دخل بعضه في بعض فقد تشاجر، ومنه سمي المشجب مشجراً، وتشاجر القوم بالرماح: تطاعنوا. ورنقت المنية فهي ظلٌ ... على الأبطال دانية الجناح انعطف رنقت على الفعل الذي تناوله لما. فيقول: ولما استدارت المنية وحلقت على رءوس الأبطال، فهي ظلٌ دانية الجناح من قمم رءوسهم. وهذا مثلٌ. والمعنى: لما أشرفت المنية عليهم إشراف الطائر على ما يريد إنكداره عليه، بانت فضيلتهم. ويقال: رنق الطائر في الهواء، إذا حلق واستدار، وجعل للمنية ظلاً تحقيقاً للاستعارة من الطائر، لأنه يوقع ظله في تلك الحالة. وجعل الجناح دانياً تأكيداً لطمع الموات في الفوز بالأرواح الاختلاس. وكذا الطائر في التحليق عند الانقضاض. وارتفع دانية الجناح وظلٌ جميعاً على أن يكونان خبرين لقوله هي، كما تقول: هذا حلوٌ حامضٌ، ويجوز أن يكون دانيةً صفة للظل، وأنثها على المعنى. ويجوز أن يروى دانية بالنصب على أن يكون حالاً.

стр. 221

؟ وقال بعض بني عبسٍ: أرق لأرحامٍ أراها قريبةً ... لحار بن كعبٍ لا لجرمٍ وراسب يقول: يرق قلبي بما تملكه من الرحمة، فانعطف من أجل أواصر أراها قريبةً مشتبكةً بيننا، من جهة الحارث بن كعبٍ، لا من جهة جرمٍ وراسبٍ. والحارث بن كعبٍ في نزارٍ، وجرمٌ وراسبٌ من قضاعة، وهم من اليمن، وكان الحارث بن كعب انتقلت إلى اليمن، ولم تكن منهم، فلهذا قال ما قال. وقيل: عيسٌ وضبة والحارث بن كعبٍ إخوةٌ لأم " ورخم الحارث في غير النداء وذاك في الشعر جائز ". وأنا نرى أقدامنا في نعالهم ... وآنفنا بين اللحى والحواجب ذكر المشابه الحاصلة بينهم تأكيداً للقربى والقرابة، الموجبة لما ذكر من الرقة والشفقة، على ما حدث فيهم من وقوع الفرقة، وسقوط التجاور والخلطة. فيقول: أرق للرحم القريبة، ولأنا نرى أقدامهم في النعال كأقدامنا، وآنفهم بين لحاهم وحواجبهم كآنفنا. وقال يبين اللحى ولم يقل لحاهم، لأنه بإضافة الأقدام والنعال اكتفى. وذكر الأطراف لأنها تظهر للعيون، والمشابه تعلق بها أكثر. وأخلاقنا إطاءها وإباءنا ... إذا ما أبينا لا ندر لعاصب جعل الشبه في البيت الأول في الخلق وها هنا في الخلق، تأكيداً للأمر. وكان يجب أن يقول وأخلاقنا أخلاقهم، فاعتمد على أن العطف على قوله أقدامنا يدل ويغني - لما يفيده من الاشتراك - ما يغنى في قولهم قام زيدٌ وعمروٌ، وإن زيداً منطلقٌ وعمروٌ. فكأنه قال: وأنا نرى أخلاقنا كأخلاقهم، إذا أعطينا أو أبينا. ثم ذكر ما دل على تشددهم بعد الامتناع فقال: وإذا أبينا لا نتسهل لمن يريد قهرنا. وأصل العصب الشد، ومنه العصابة. وضرع الحلوبة إذا اشتد الزمان بها، وساء خلقها فرفعت اللبن، يشد ويحتلب وإن ضجرت، لمساس الحاجة، واستيلاء الفاقة. وهذا الكلام مثلٌ ها هنا. ومثل البيت قول الآخر: لا يخرج الكره مني غير مأبيةٍ ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني

стр. 222

يريد: إن الإكراه لا يزيدنا إلا امتناعاً، والاقتسار لا يحصل منا إلا إباءً. ويشبه من حيث النظم قوله: إذا ما أبينا لا ندر لعاصب الالتفات. ألا ترى أنه ترك ما كان يطرده من القول وصار كأنه التفت فقال ذلك. ؟ وقال بعض شعراء حمير: من رأى يومنا ويوم بني التيم إذا التف صيقه بدمه ذكر أنها قيلت في وقعةٍ كانت بين حمير وعبد مناة وكلبٍ، وكانت على حمير، وقتل فيها علقمة بن ذي يزن. وقوله من رأى لفظه استفهامٌ، ومعناه التفظيع والتعظيم. وأراد باليوم الوقعة، لولا ذلك لما صلح أن يكون إذا ظرفاً له. ومثله قوله تعالى: " إذا نقر في الناقور. فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ " ألا ترى أن في قوله " يوم عسيرٌ " معنى فعلٍ، فصار يومئذ ظرفاً له، كأنه قال: فذلك النقر يومئذ نقر يومٍ عسير. فيقول: من شاهد يومنا مع بني التيم حين التف غبار الجو بالدم، وتندى به وابتل، حتى قل. والصيق: الغبار الجائل في الجو. وأضافه إلى اليوم لكونه فيه، والتفافه كان برشاش الدم القاطر من الجراح. ويقال صيقهٌ أيضاً: قال رؤية: يتركن ترب الأرض مجنون الصيق وصيقٌ: جمع صيقةٍ. لما رأوا أن يومهم أشبٌ ... شدوا حيازيمهم على ألمه قوله أشبٌ أي كثير الجلبة، ضيق الاختلاط، والمكان الأشب فيه شجرٌ ملتفٌ. وجواب لما شدوا. يقول: لما أحس بنو التيم بفظاعة الأمر واختلاط الشأن، وتضايق المجال والمكر، وطنوا أنفسهم على الألم، وشدوا حيزومهم للجهد. وتهيئوا للصبر على ما ابتلوا به وشقوا له. والحيزوم: الصدر، لأنه موضع الحزم والعزم، لاشتماله على القلب الذي هو موضعهما. ويسمى حزيماً أيضاً، كأنه الموضع الذي يشد بالحزام. والحزام من الحزم أيضاً. وشد الحيازيم مثل للصبر على ما

стр. 223

لحقهم. ويروى عن أمير المؤمنين ﵇: حيازيمك للموت ... فإن الموت لاقيك يريد أشدد حيازيمك. كأنما الأسد في عرينهم ... ونحن كالليل جاش في قتمه يقول: إن هؤلاء القوم يتمنعون على الأعداء، ويبطشون بهم، تمنع الأسد في أجمتها وبطشها منها، ونحن كالليل، يريد نحن في كثرتنا وهولنا وإحاطتنا بهم، وإدراكنا إياهم كالليل إذا جاش ظلمته، وتراكم سواده. والقتام والقتم والقتمة، يجيء في الظلمة والغبار والريح، وجاء الفعل منه فقيل قتم يقتم قتماً وقتاماً. وذكر بعضهم أنه أراد بالقتم القتام فحذف الألف، كما قال غيره ورواه قطربٌ: ألا لا بارك الله في سهيلٍ ... إذا ما الله بارك في الرجال ومصدر ما كان على فعل الفعل في الأكثر، فلا أدري لم أنكره حتى اعتذر بما ذكره. والعرين: الأجمة، أجمة الأسد، ثم يسمى مقتتل القوم عريناً. ويقال للرجل: هو عرنةٌ لا يطاق، إذا كان خبيثاً وقوله عرينهم موضعه موضع الحال، والأسد خبر مبتدإ محذوفٍ، كأنه قال كأنما هم الأسد في مقتتلهم، ونحن كالليل في هولنا وإدراكنا، ويكون قوله جاش في قتمه، في موضع الحال أيضاً، والأجود أن يكون قد معه مضمرةً، أي كالليل وقد جاش. لا يسلمون الغداة جارهم ... حتى يزل الشراك عن قدمه مدحهم بحسن المحاماة على الجار. وترك الإسلام له مدة بقائه فيهم. وقوله الغداة أشار بها إلى غداة اللقاء، أو صباح الغوار. وقوله حتى يزل الشرك عن قدمه فيه قلبٌ، والأصل زلت القدم عن الشراك. وهذا مثلٌ لموته، لأنه لا يلبسها بعده. واحتمل الكلام القلب لأن المعنى لا يخيل كما لا يخيل في قولهم: أدخلت الخف في رجلي، والقلنسوة في رأسي. وهذا كما يقال هريق جفانه، وصفر وطابه، وطوى حصيره، وخلى مكانه. والمعنى لا يسلمون الجار إلى أن يموت فيهم. ويجوز أن يكون الهاء من قدمه راجعاً إلى الشراك ويكون الكلام مثلاً لتفظيع الأمر،

стр. 224

وهذا كما يقال: زال السرج عن المعد وبلغ الحزام الطبيين وما أشبههما. والمعنى إلى أن يزلق الرجل عن مقره فلا يثبت في النعل، والمعنى إلى أن يبلغ الأمر كل مبلغٍ فظيع. ولا يخيم اللقاء فارسهم ... حتى يشق الصفوف من كرمه يقول: ولا يجبن عن اللقاء فارسهم فيحجم، ولا يضعف دونه فيحار، بل يقدم إقداماً تخرق الصفوف به عزة نفسٍ، وكرم عرقٍ. واللقاء ينتصب على المفعول، الأصل عن اللقاء، فلما حذف حرف الجر تخفيفاً وصل الفعل فعمل. ويجوز أن يكون ظرفاً كمطلع الشمس، أراد وقت اللقاء: وقوله " حتى شق الصفوف " يريد إلى أن يشقها كرماً منه، كأنه لا يرضى بأدون المنزلتين في اللقاء لنفسه، بل يأبى إلا النهاية والغلو. ويقال خام الرجل يخيم، إذا كاد كيداً فلم يفلح فيه، أو تقدم في الحرب فنكص ولم يظفر. قال الشاعر، وأنشده الخيل: رموني عن قسى الزور حتى ... أخامهم الإله بها فخاموا ويجوز أن يكون قولهم خيم بالمكان، إذا أقام، والخيمة واحدة الخيام، منه أخذا. وما برح التيم يعتزون وزر ... ق الخط تشفي السقيم من سقمه ما برح وما زال بمعنىً، وليس هذا من البراح من المكان. ألا ترى أن الله قال: " لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ". ومحالٌ أن يبلغ هذا الموضع، وهو لم يبرح من مكانه. وكأن الكلمة في اللغة تدل على معنى المجاوزة، ولذلك قيل: أبرحت رباً وأبرحت جاراً

стр. 225

أي جاوزت ما يكون عليه أمثالك من الخلال المرضية. والمعنى: ما زال بنو التيم ينتسبون ويدعون بيا لفلانٍ معتزين، أو بخذ الطعنة وأنا فلانٌ مدعين، والرماح المحمولة من الخط الزرق في ألوانها تشفي المتكبر من كبره، والعدو المخاتل من دائه. وقوله " السقيم " يجوز أن يكون كنايةً عن المنافق المداجي، كما قال الله تعالى لما وصفهم: " في قلوبهم مرضٌ ". ويجوز أن يكون يراد به الصلف التياه، كما يقال عند صفته: في طرفه شوس، وكما جاء في صفة السيوف: يداوى بها الصاد الذي في النواظر ويجوز أن يكون المعنى: والرماح في اختلافها تشفي الموتورين من أوتارهم وذحولهم. وجعل الفعل للرماح على المجاز والسعة. وقوله " وزرق الخط " الواو واو الحال. ويعتزون خبر ما برح. حتى تولت جموع حمير فالفل سريعٌ يهوي إلى أممه يريد: ما زالوا بهذه الحالة إلى أن انهزمت جيوش حمير، فصار المفول المنهزم مبادراً في السرعة إلى مقصده. وقوله الفل مصدرٌ في الأصل وصف في وهو موضوعٌ موضع المفعول، ولذلك جاز أن تقول رجلٌ فلٌ وقومٌ فلٌ ونسوةٌ فلٌ. ومثله رجل فرٌ، إلا أنه موضع موضع فارٍ، ويقع للواحد والجميع. وكم تركنا هناك من بطلٍ ... تسفى عليه الرياح في لممه موضع كم نصبٌ على المفعول من تركنا. يقول: وكثيراً تركنا في تلك المعركة من الأبطال وهم مصرعون معفرون في تلك المعركة، بادون للضياء والظلمة، تأتي الرياح بسفاها وتجعله في لممهم ولحاهم. وأشار بقوله هناك إلى معتزك القوم ومزدحم الطعن والضرب.

стр. 226

؟ وقال حسان بن نشبة: ونحن أجرنا الحي كلباً وقد أتت ... لها حميرٌ تزجي الوشيج المقوما يقول: أدخلنا في جوارنا هذه القبيلة، وضمنا لها الذب عنها وسلامتها على ما يعرض لها، وقد قصدت لها حمير بعددها وعدتها، تسوق نحوها الخيل المطهمة، والرماح المنقفة. والوشيج أصله عروقٌ، ثم جعل للرماح أنفسها. وجعلها مثقفةٍ، ليرى عنايتهم بإعداد الآلة لزمان المقاتلة. تركنا لهم شق الشمال فأصبحوا ... جميعاً يزجون المطي المخزما لهم يعني لحمير. والعرب تجعل الشمال كنايةً عن الشؤم. فمن أمثالهم: صبحناهم فغدوا شأمةً ويقولون: خليناهم والجانب الأشأم، وخليناهم والناحية الشؤمي. فكأنهم يقولون ذلك للمنهزم وإن كان مأخذه في الشق الأيمن، لأن الشؤم معه والإدبار، أي طريق أخذ، ومسلكٍ توجه. وهذا كما يقال: فلانٌ مني باليمين، وفلانٌ بالشمال، وفلانٌ بعلياء عندي، وفلانٌ في المهابط؛ إذا جعلت منزلته عليةً أو متسفلةً. ومعنى البيت: خلينا لهم في الانهزام شق الشؤم وجانبه، فأصبحوا يزجون مطاياهم مخزمةً حسرى كالةً لا يبقى على وجاها، ولا يتقي حفاها والخزم: الشد والقطع. ويقال شراك مخزوم، أي مقطوعٌ. فلما دنوا صلنا ففرق جمعهم ... سحابتنا تندى أسرتهم دما يقول، لما قربوا في الالتقاء، صلنا عليهم وبطشنا بهم، فبدد شملهم جيشنا الذي كأنه سحابةٌ تندى طرائقها دماً. جعل السحابة ترشح بالدم لما كثر سفكهم له. وتندى في موضع الحال. وانتصب دماً على التمييز. ويقال: ندى يندى ندىً. والأسرة: الأوساط والطرائق، واحدها سررٌ، ويستعمل في بطون الأودية أيضاً. فغادرن قليلاً من مقاول حميرٍ ... كأن يخديه من الدم عندما

стр. 227

يقول: تركت الخيل في تجوالها منهم رئيساً مصروعاً، قد سال الدم على خذيه فكأنهما خضبا بالعندم، وهو دم الأخوين. والمقول بلغة أهل اليمن: القيل، والمقاول والمقاولة جمعه، وهم الأقوال والإقبال. وقيلٌ مخففٌ من قيلٍ، فهو من الواو أيضاً، ومعناه هو الذي ينفذ قوله، ويعتمد أمره ونهيه. ووصف به الملك كما وصف بالهمام، لما كان إذا هم بالشيء فعل، لا يرد ولا يدفع. وقيل للسلان مقولٌ لما كان آلةً في القول. أمر على أفواه من ذاق طعمها ... مطاعمنا يمججن صاباً وعلقما يقول: صارت مطاعمنا مرة على أفواه من ذاقها، حتى إنها تمج بعد ذواقها صاباً وعلقماً، والصاب: شجرةٌ لها لبنٌ إذا أصاب العين حلبها. والعلقم: شجرٌ مرٌ، وقيل هو الحنظل. حكى أن العلقمة المرارة. ويقال علقم الحنظل. إذا أدرك مرارته. وقوله: " يمججن " حالٌ للأفواه، والتقدير أمر مطاعمنا على أفواه الذائقين طعمها، ماجةً صاباً وعلقماً، أي إذا ذاقت رمت بما هو كهذين. والمعنى: إذا خبرنا حصل منا على ما هو كذلك. وجاز في طعمها الإضمار قبل الذكر؛ لأن الكلام يحتمل نية التقديم والتأخير، لما كان رتبة الفاعل وهو مطاعمنا التقديم، ورتبة المفعول وما يجري مدراه التأخير، وهو على أفواه من ذاق طعمها. وفي طريقة هذا البيت قول الآخر: فإن نغمز مفاصلنا تجدنا ... غلاظاً في أنامل من يصول والطعم: الذوق، والمطاعم: جمع المطعم. ويقال هو حسن المطعم، أي طيب الطعام. ؟ وقال في ذلك أيضاً: وإني وإن لم أفد حياً سواهم ... فداءٌ لتيمٍ يوم كلبٍ وحميرا يقول: أنا وإن كنت أربأ بقدري، وأرفع نفسي أن أجعلها فداءً الغيري، أفدي تيماً بها؛ لما كان منهم من حسن البلاء يوم اجتماع كلبٍ وحمير للقتال. وجواب الشرط، وهو قوله " إن لم أفد " قد اشتمل عليه الكلام، لأن المعنى: إن لم أفد غيرهم ترفعاً، فإني أفديهم تشكراً.

стр. 228

أبوا أن يبيحوا جارهم لعدوهم ... وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا أبا، الفعل لبني التيم. يقول: امتنعوا من أن يخلوا بين جيرانهم قبيلة كلبٍ وبين أعدائهم حمير، وقد ارتفع غبار الموت حتى التف في الجو. وأراد بالجار والعدو الكثرة، إذ كان المراد بهما القبيلتين، وإنما أضاف النقع إلى الموت تهويلاً، ويجوز أن يريد بالموت الحرب. وتكوثر: تفوعل من الكثرة، يريد تراكم الغبار والتفافه. وهذا الذي أشار إليه بقوله تكوثر من التراكم، جعله بعضهم كالسحاب، وجعله بعضهم يسد عين الشمس حتى ظهرت له الكواكب، وحتى صار النهار بسببه كالليل. وتجاوز المتنبي جميع ذلك، حتى بلغ حداً من الإفراط مسنشنعاً فقال: عقدت سنابكها عليها عثيراً ... لو تبتغي عنقاً عليه أمكنا وإذا أردت بالموت المنية يكون المراد: كأن الموت أثار الرهج في سلب النفوس حتى كثف في الهواء. وهذا مثلٌ. سموا نحو قيل القوم يبتدرونه ... بأسيافهم حتى هوى فتقطرا يعني بني تيمٍ. يقول: ارتفعوا نحو رئيس القوم مستبقين إليه بأسيافهم فتناولوه حتى سقط. ومعنى تقطر: وقع على أحد قطريه. والقطران: الجانبان. وفي الكلام اختصارٌ، كأنه قال: ابتدروه بالأسياف وضربوه حتى سقط، فحذف ضربوه. وموضع يبتدرونه نصبٌ على الحال، وتعلق حتى بالمحذوف الذي بينته. وكانوا كأنف الليث لا شم مرغماً ... ولا نال قط الصيد حتى تعفرا الأسد أحمى الحيوان أنفاً، ويبلغ من عجبه بنفسه أنه لا يتواضع لأكل صيد غيره. ونسب الأنفة إلى الأنف كما ينسب الحمية إليه. يقال: هو أحمى أنفاً من فلان، وآنف أنفاً منه، وحمى فلانٌ أنفه من كذا، أي أنف منه ولم يرض به. وحسن في الكناية عن الإباء والتصون عن الدناءة والمذلة قوله: " لا شم مرغماً " بعد ذكر الأنف. فيقول: وكان بنو التيم في التمنع كالليث الذي لا يغمض على قذى، ولا يشم مرغماً ومذلاً، ولا يصبر لشيءٍ على هوان، ولا يعطف على مكرهٍ وصغارٍ، ولا ينال الصيد قط حتى يكون هو المعفر. والعفر: التراب. هذا إذا رويت " قط الصيد

стр. 229

حتى تعفرا " وقال ذلك لأنه فيما يتصيده لا يرضى بالاختلاس، ولا يعتمد على صيد غيره والإصابة منه. ويروى: ولا نال فظ الصيد حتى تعفرا. والفظ: ماء الكرش. ويقال افتظظت الكرش، إذا استخرجت ذلك الماء منه. والمعنى: ولا نال الفظ من بطن الصيد حتى يتعفر أي يسقط في العفر ويتمكن منه. والأسد يبدأ من الصيد بحشو بطنه، فلذلك خص الفظ. والثميلة خلاف الفظ، لأنه اسمٌ لما يبقى في البطن من العلف والرطبٍ. وقط في الماضي كأبداً في المستقبل، وهو معرفةٌ مبنيٌ كأمس، وأبداً نكرةٌ كغداً. ولا نال ولا شم في معنى لم يشم ولم ينل. ومثله قوله تعالى: " فلا صدق ولا صلى ". ؟ وقال هلال بن رزينٍ وبالبيداء لما أن تلاقت ... بها كلبٌ وحل بها النذور يقول: لما تلاقت كلبٌ وحمير بالبيداء وأدركوا الأوتار، فحل بها النذور وسقطت الأقسام عن الحالفين بها لإدراكهم الآثار. وجواب لما يجوز أن يكون ما دل عليه قوله " فحانت حمير " أو قوله " وحل بها النذور ". ويجوز أن يكون قوله " أجادت وبل مدجنةٍ "، وهو أول البيت الرابع، وعند من يجوز زيادة الحروف في مثل هذا المكان يكون " حل بها النذور " أو فحانت " الجواب، فيكون الفاء والواو مقحمةً، وهكذا يقولون في قول الله تعالى: " حتى إذا جاءوها وفتحت أبوبها " عندهم الواو زائدة، والمراد فتحت، وقول امرئ القيس: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى يقولون: المراد انتحى، والواو زائدة. فحانت حميرٌ لما التقينا ... وكان لهم بها يومٌ عسير

стр. 230

يقول: هلكت حمير عند الالتقاء، لأن الدبرة كانت عليهم لا لهم، وكان لهم بالبيداء يومٌ صعبٌ. ويقال: يومٌ وأمرٌ عسرٌ وعسيرٌ، والفعل منه عسر بالضم وعسر بالكسر، ويقال هو العسر واليسر، والعسري واليسري. وأيقنت القبائل من جنابٍ ... وعامر أن سيمنعها نصير يقول: وتيقنت جابٌ وعامرٌ بطون بني كلبٍ أنه سيذب عنها نصيرٌ ظهيرٌ، ومعينٌ قويٌ. ويعني بالنصير بني التيم. وجعل اللفظ نكرةً ليكون أبلغ في تعظيم النصرة، لأنه أراد نصيرٌ من النصار، أي كاملٌ في معناه. وجعلهم كلهم نصيراً لا نصاراً. لاتفاق كلمتهم وأهوائهم. وقوله " أن سيمنعها " أن مخففةٌ من الثقيلة، واسمه محذوف، يريد: أنه سيمنعها والسين في الفعل لئلا تلتبس المخففة بالناصبة للفعل. والهاء الذي أظهرته ضمير الأمر والشأن. أجادت وبل مدجنةٍ فدرت ... عليهم صوب ساريةٍ درور يقال: هذا يوم دجنٍ، أي يوم إلباس غيمٍ. والدجنة: الظلمة، وليلةٌ مدجانٌ. فيقول: أتت سحابة الجيش بمطرٍ جود، فوبلت وبل مدجنةٍ - أي سحابةٍ لها ظلامٌ، لكثافتها وقربها من الأرض - فصبت عليهم المنايا در ساريةٍ، أي سحابةٍ تسري ليلاً. والدرور، هي الكثيرة الدر. ويرتفع على أنه فاعل درت. وصوب مصدرٌ من غير لفظه، كأنه قال صابت درورٌ صوب ساريةٍ. وجعل ما في العجز من هذا في مقابلة ما في الصدر، من قوله " أجادت وبل مدجنةٍ " كأنه قال: أجادت الخيل وبل مدجنةٍ فدرت درور الموت در سارية، فالسارية بإزاء المدجنة لا غير. وكل ذلك مثلٌ لتكثير الشر، وتفظيع البلاء والقتل. وفي هذه الطريقة قول النابغة: ومعلقين على الجياد حليها ... حتى تصوب سماؤهم بقطار وذكر بعضهم أن أجادت ودرت فعلان جمعا للدرور، فهو كما يقال قام وقعد زيدٌ. قال: والدرور: حربٌ تدر بالدماء. ويقال: جادت وأجادت بمعنىً واحدٍ؛ والمراد جادت درورٌ فدرت عليهم كوبل مدجنةٍ، وكصوب ساريةٍ. والأول أقرب وأكشف وأصح.

стр. 231

فولوا تحت قطقطها سراعاً ... تكبهم المهندة الذكور يقول: انهزمت حمير مسرعين تحت صغار البرد، ولم يصبروا إلى كباره، والسيوف الهندية تسقطهم لوجوههم. ويقال هندت السيف، إذا نسبته إلى الهند. وقال أبو عمرو: وهندت السيف، إذا أحددته. وذكر الدريدي في القطقط أنه ضربٌ من المطر، ولم يحده. وموضع تكب نصبٌ على الحال، وما قدمناه في القطقط قول الخيل. ؟ وقال جزء بن ضرارٍ أتاني فلم أسرر به حين جاءني ... حديث بأعلى القنتين عجيب تقديره: أناني حديثٌ عجيب بأعلى القنتين، فلم أسرر به حين جاءني. وإنما استعجب من الحديث لتضمنه ما كرهه، فكان يرده بما يقوى في أمله من ضده. وقد اجتمع فعلان أتاني وجاءني، فأعمل الأول. ومثله قول الآخر: ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيماً..................... تصاممته حتى أتاني يقينه ... وأفزع منه مخطئٌ ومصبب تصاممته، أراد تصاممت عنه، حتى أتاني يقينه، أي الجلي الواضح منه. وأفزع يجوز أن يكون معناه صادف الفزع فلا يقتضي مفعولاً، ويجوز أن يكون أفزع الغير فيكون مفعوله محذوفاً. ومعنى البيت: تكلفت الصمم عن ذلك الخبر حتى جاء ما لم يمكن رده، لكون الشبه منتفيةً عنه، واتفق المخطئ والمصيب على تصحيحه، وصادفا الفزع فيه، أو أفزعا الغير منه. ومثل قوله " تصاممته " في انحذاف حرف الجر منه قول الآخر: وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني

стр. 232

يريد: لقضى علي. وفي القرآن: " وإذا كالوهم أو وزنوهم "، يريد كالوا عليهم أو وزنوا عليهم. وأضاف اليقين إلى ضمير الخبر لأنه يريد المتيقن منه. وحدثت قومي أحدت الدهر فيهم ... وعهدهم بالحادثات قريب فإن يك حقاً ما أتاني فإنهم ... كرامٌ إذا ما النائبات تنوب قوله " حدثت " يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فالأول قام مقام الفاعل وضميره التاء، والثاني قومي، والثالث أحدث الدهر فيهم أحداثاً. وكما قال الآخر: وإن تكلمك تبلت يريد تبلت كلامها. ويجوز أن يكون أجرى قوله " أحدث الدهر فيهم " مجرى نكى الدهر فيهم، فاستغنى عن المفعول. وقوله: " وعهدهم بالحادثات قريب " يجوز أن يكون من جملة ما بلغ وأنبئ به، ويجوز أن يكون الواو للحال، كأنه نكى الدهر فيهم وحالهم قرب العهد بحوادثه، ويجوز أن يكون جارياً مجرى الاعتراض بين ما قبله وما بعده، وحقيقة معناه تصديقه لما خبر به، وأن قومه من الكرام الذين لا يسلمون على الدهر، بل يولع بالتأثير فيهم كما قال:؟ أرى الدهر يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد وإذا عزل هذا الاعتراض يكون الكلام: وحدثت قومي أحدث الدهر فيهم، فإن يك حقاً ما أتاني. ومعنى البيتين: أنبئت أن قومي نكى الدهر فيهم، وحمل أثقاله عليهم، فإن كان ما بلغت حقاً من إخناء الدهر عليهم، وسوء تأثيره فيهم، فإن أخبارهم كريمة في النوائب إذا نابتهم، ونفوسهم عزيزة تأبى الانقياد لما لا يحسن، والمطاوعة فيما يشين ولا يزن. وجواب فإن يك حقاً ما دل عليه قوله فإنهم كرامٌ،

стр. 233

لأن معناه فإنهم يصبرون صبر الكرام. ومثله قوله تعالى: " إن تعذبهم فإنهم عبادك "؛ لأن المعنى: فإنك تملكهم وتقدر عليهم. فقيرهم مبدي الغنى وغنيهم ... له ورق للسائلين رطيب يقول: محتاجهم متجملٌ، وبما لا تناله مقدرته ولا ينهض وسعة متكثرٌ، وظاهره الغنى اكتفاءً بما يملكه، وتصنعاً لم ن يرمقه؛ وغنيهم له إفضال على العفاة، ومعروفٌ عند السؤال، يحيون في جنابه، ويعيشون في كنفه وظلاله. وقوله " له ورقٌ " مثلٌ ضربه للندى، وأصله ها هنا ورق الشجر، وبه عيش المال: الإبل والغنم. وإذا لم يمنعوا من الورق عاش الناس في فنائهم. هذا الأصل، ثم يتمثل به بعد لغيره من ضروب المنافع، ووجوه المرازئ. وسلك في هذه الاستعارة والتمثيل مسلك زهير حيث يقول: وليس مانع ذي قربى ولا رحمٍ ... يوماً ولا معدماً من خايطٍ ورقا ويقال: ورقت الشجرة وأورقت، وشجرة وريقةٌ، إذا كثر ورقها والوراق: زمن خروج الورق، كالصرام والجداد. ذلو لهم صعب القياد وصعبهم ... ذلولٌ بحق الراغبين ركوب يقول: من كان سهل الجانب منهم تراه متعسراً إذا سيم الضيم، متصعباً في التزام الظلم والجور؛ والأبي الخشن الخلق منهم معترفٌ بحق الراغبين، يركب به ولا يمنع، ويقاد له ولا يأبى. وقوله ركوبٌ، هو في معنى مفعول ها هنا. والذلول: الوطئ الظهر، والذُّل والذل يرجعان إلى السهولة والوطاءة، وإن كان كلٌ تفرد بمعنىً يتميز عن صاحبه بمايضاده. ألا ترى أن ضد الذل باضم العز، وضد الذل بالكسر الصعوبة. إذا رنقت أخلاق قومٍ مصببةٌ ... تصفى بها أخلاقهم وتطيب يقول: إذا كدرت المصائب أخلاق الناس فتغيرت، حتى لا يصير عليها محمل، ولا إليها من النوائب ملجأٌ، فإن أخلاق هؤلاء تصفى بها ولها وتطيب عند تحاملها؛ كأنهم كلما ازدادوا امتحاناً بالدهر ازدادوا طلاقةً وهشاشةً، ولين معطفٍ ولدونةً،

стр. 234

ونهوضاً بالأعباء، وصبراً لدى الأواء. ويقال ماءٌ رنقٌ ورنقٌ، وما في عيشه رنقٌ أي كدر. ومن يغمروا منهم بفضلٍ فإنه ... إذا ما انتمى في آخرين نجيب أصل الغمر التغطية، ومنه قولهم: دخل في غمار الناس. والنجيب: الكريم من الناس والخيل والإبل، ولذلك قيل للمختار من كل شيء المنتجب، وقد نجب الرجل نجابةً، وأنجب: أتى بأولادٍ نجباء. يقول: والمغمور الخامل منهم، لظهور الفضل عليه، إذا انتسب في قومٍ آخرين عد نحيباً. ومثله قول الآخر: يسود ثنانا من سوانا وبدؤنا ... يسود معداً كلها ما تدافعه وإن كان هذا زائداً على ذلك. وحذف مفعول " يغمروا " لأنه لا يلتبس. أراد ومن يغمروه، أي المفضول فيهم إذا انتمى في غيرهم كان فاضلاً. وقال القاطمي من يكن الحضارة أعجبته ... فأي أناسٍ باديةٍ ترانا الحضارة تكسر منه الحاء وتفتح، وكذلك البداوة تكسر منه الباء وتفتح. والمراد بالحضارة أهل الحضارة، فحذف المضاف، يدل على ذلك قوله " فأي أناس باديةٍ "، لأن التفضيل إنما يصح بين الحضريين والبدويين. وأي هذه تضاف إلى النكرة، ولا تضاف إلى أكثر من الذي جعلته خبراً، لأنك تريد صفته. ألا ترى أنك تقول مررت برجلٍ أي رجل، وأي رجلٍ أخوك إذا جعلته خبراً يكون مخرج الكلام المدح والتعجب، كأنك قلت: نهايةٌ في الرجولية أخوك. فعلى هذا قوله فأي رجالٍ باديةٍ. فيقول: من أعجبه رجال الحضر؛ فأي رجال بدوٍ نحن، إذا حصلت الرجال. والمعنى: أي أناسٍ نحن وإن كنا من أهل البدو. والمراد التمدح والتعجب. ومن ربط الجحاش فإن فينا ... قناً سلباً وأفراساً حسانا

стр. 235

يقول: ومن ارتبط الحمر واقتناها، وكان عيشه منها، فإنا أرباب الغزو، وآلاتنا رماحٌ طوالٌ، وخيلٌ رائقة عناقٌ. والجحش من أولاد الحمر كالمهر في الخيل، والجمع الجحاش والجحشة. والسلب: الطوال، والواحد سلوبٌ. وكن إذا أغرن على جنابٍ ... وأعوزهن نهبٌ حيث كانا يقال: عوز الرجل كذا عوزاً، مثل عدم، وأعوزه الدهر؛ أفقره. وأعوز الرجل: ساءت حاله، وهذا لا يتعدى. يقول: كانت هذه الخيل إذا أغارت على ما حولها من القبائل فبددت شملها، وخوفت آمنها، وصارت تأخذ حذرها، وتتقيها بالبعد عنها؛ حتى أعوزها النهب حيث كان النهب، لمعاودتهم الغارة وقتاً وبعد وقتٍ، وإدامتهم إياها، وإلحاحهم بها. وقوله " إذا أغرن " ظرفٌ لقوله أغرن من البيت الذي يليه، وهو جوابٌ له، والجملة خبر كن. أغرن من الضباب على حلولٍ ... وضبة إنه من حان حانا وأحياناً على بكرٍ أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا الضباب يشتمل على ضبة وضبيبٍ، وحسلٍ وحسيل، فلذلك سموا الضباب. يقول: أغارت على أقاربهم وعلى الحلات النازلة حولهم وفيهم، لأن من قدر له الحين فقد أدركه. والمعنى: إنهم لا عتيادهم الغارة لا يصبرون عنها، حتى إذا أعوزهم الأباعد عطفوا على الأقارب. ألا ترى أنه تمم ذلك بقوله: وأحياناً على بكرٍ أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا وقوله: " إنه من حان حانا " يسمى الالتفات، كأنه التفت إلى إنسانٍ فقال: إنه من هلك بغزونا فقد هلك. وقوله " على بكرٍ " تعلق بفعلٍ مضمرٍ دل عليه ما تقدم فيما قبله، كأنه قال: وأحياناً أغرن على بكر. وقال الأعرج المعني أرى أم سهلٍ ما تزال تفجع ... تلوم وما أدري علام توجع يقول: أرى هذه المرأة تتفجع تارةً وتتوجع أخرى، تعتب على وتلوم، وما أدري من أي شيءٍ شكواها، وفي أمرٍ توجه على عتبها، لأني لا أتعاطى منكراً فاستحق به ذلك: وقد مر الكلام في علام وأشباهه. وقوله: " ما زال " يريد به اتصال تلك الحالة منها، لأن ما زال الدوام الماضي، وما يزال هو مستقبل ما زال، فيصير

стр. 236

لا متداد الحال. فإن قيل: أليس زال ضد دام فكيف يفيد وهو للنفي معنى الدوام؟ قلت لما دخل ما النافية عليه تغير معناه إلى الإيجاب، لأن نفي النفي إيجاب، فعاد إلى معنى الدوام. وقوله: " تلوم " في موضع الحال، أي تفجع لائمةً، وقوله: " ما أدري علام "، يريد وما أدري ما يقتضي هذا السؤال. تلوم على أن أعطي الورد لقحةً ... وما تستوي والورد ساعة تفزع يقول: تعيب علي في إيثاري فرسي الورد بلبن لقحتي - وهي الناقة التي بها لبنٌ - وما تستوي هي مع الورد ساعة الفزع ووقت الغارة. وقوله " الورد " منصوب على أنه مفعولٌ معه. يريد: لا تستوي هي مع الورد. ولو أراد ما تستوي هي وما يستوي الورد لم يكن يجوز إلا الرفع، والعامل في هذا المعمول لا يعمل بتوسط الواو بينهما. وإذا أردت تجريد الفعل على ما يدل عليه قوله تستوي، يكون تقديره إذا أظهرته عاملاً فيه: وما تساوى الورد. وعلى هذا قولهم: استوى الماء والخشبة لأن المعنى ساوى الماء الخشبة. فإن قيل: كيف قال ولا أدري علام نوجع، ثم أتبعه بقوله تلوم على أن أعطي الورد لقحةً، وهل كذب نفسه؟ فالجواب أن قوله ما أدري إنكارٌ وتفظيعٌ للشأن، والمتضجر بالشيء يقول ذلك وإن كان عالماً. وروى بعضهم " والورد " بالرفع وكان الأجود أن يقول: وما تستوي هي والورد، لأن عطف الظاهر على المضمر المرفوع ضعيفٌ حتى يؤكد. ويكون المعنى: وما تستوي أم سهلٍ وفرسي في ذلك الوقت، لاختلاف غنائهما، ولأن قصارى تلك الهرب والدهش، وغناء فرسي كونه عدةً للدفاع والذب. والأول أجود وأفصح وأسلم. إذا هي قامت حاسراً مشمعلةً ... نخيب الفؤاد رأسها ما تقنع هذا بيان الحال ساعة الفزع، وموضع إذا نصبٌ على أنه بدلٌ من ساعة تفزع، ويكون على ذلك قوله " هنالك يجزيني الذي كنت أصنع " من البيت الذي يليه منقطعاً، وإن كان بيان علة إيثاره باللبن وانتفاء المساواة بينه وبن المرأة. والمعنى: وما تساوي هذه المرأة الفرس إذا هي قامت بلا قناعٍ، جادةً في العدو، منخوبة القلب، طائرة اللب، لا خمار عليها ولا قناع، لدهشها في احتمارها، وذهابها عن عادتها وإلفها. وقوله " مشمعلةً " أي جادةً في العدو. وانتصب " رأسها " لأنه مفعولٌ مقدمٌ. ويجوز أن

стр. 237

يكون " إذا هي قامت " استئناف كلامٍ، وحينئذٍ يكون جواب إذا قوله هنالك يجزيني الذي كنت أصنع. وقمت إليه باللجام ميسراً ... هنالك يجزيني الذي كنت أصنع يقول: وقمت إلى فرس في تلك الحال، مهيئاً له باللجام، للدفاع والقتال. ثم قال: في ذلك الوقت يجزيني ما أعامله به الساعة من إيثارٍ بلبنٍ، وتضميرٍ وصنعة. وقوله " ميسراً " أي مهيئاً. وفي القرآن: " فسنيسره للعسرى ". هنالك إشارةٌ إلى الوقت، ويستعمل في المكان. ويقال هناك أيضاً فيهما. والعامل فيه ها هنا يجزيني. وقال حجر بن خالدٍ كلبيةٌ علق الفؤاد بذكرها ... ما إن تزال ترى لها أهوالاً يقول: علق الفؤاد بذكر امرأةٍ كلبيةٍ، لا تزال تقاسي من أجلها أهوالاً، وتتحمل مشقاتٍ. قوله " علق الفؤاد بذكرها " يجوز أن يكون أراد علق ذكرها بالفؤاد فقلب، لأن المراد مفهومٌ، ويكون كقول الآخر: علق الأحشاء من هندٍ علق وكما يقال علق بقلبه علاقته. ويجوز أن يكون جعله الفؤاد تابعاً للذكر فكأنه تعلق به. وكل شيءٍ وقع موقعه قبل علق معالقه. وجعل صدر البيت على الإخبار عنها، ثم نقل الكلام إلى مخاطبة نفسه. ويجوز أن يكون استمر في الإخبار عنها ويكون المعنى: علقها الفؤاد فلا تزال هي تقاسي أنت بسببها أهوالاً. و " إن " من قوله " ما إن " زيدت لتأكيد النفي. فاقني حياءك لا أبا لك إنني ... في أرض فارس موثقٌ أحوالا أقبل يخاطب المرأة فقال: الزمي حياءك، أي لا تفعلي ما يقال نسي الحياء معه واطرح، إنني محبوسٌ في أرض فارس سنين لا أبا لك. وقوله " لا أبا لك " بعثٌ وتحضيض، وليس بنفيٍ للأبوة، وخبر لا محذوف، لأن المعنى لا أباك، ودخلت

стр. 238

اللام مؤكدةً للإضافة، لأن هذه إضافةٌ لا تخصص، فساغ تأكيدها باللام، ولو كانت الإضافة مخصصةً لكان لا يعمل في أبا لك. وتقدير الخبر: لا أبا لك موجود. ويقال: قنى يقنى، وأقنى: أمرٌ منه. وقنا يقنو. قال المتلمس: كذلك أقنو كل قطٍ مضلل وإنما قال إنني موثقٌ ولم يكن قد أسر وأوثق، لعلمه بما يؤول إليه في مقصده أمره، كأنه لما وطن نفسه على ترك التحامي والاتقاء علم أن أحسن العاقبتين فيه الأسر، فذكره. ويكون هذا كقول الآخر: قد يتمت بنتي وآمت كنتي فهذا وجهٌ، ويجوز أن يكون قال هذه الأبيات بعد الأسر. وإذا هلكت فلا تريدي عاجزاً ... غساً ولا برماً ولا معزالا ليس قصده في هذه الوصاة إلى أن يبعثها على تخير الرجال، أو يرشدها لوجوه الانتخاب، وإنما المراد: اطلبي مثلي. وهو يعلم أنها لا تظفر بمن يماثله أو يقاربه. والغسُّ: الضعيف. قال: فطعنة لا غسٍ ولا بمغمر والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر، لضيق صدره وتبرمه بما يلتزم في مثله. والمعزال: الذي لا يحمل السلاح، ويتناهى اعتزاله ورفضه إياه. والأعزل مثله. ومثل هذا قول ابن أحمر: فإما زال سرجٌ من معدٍ ... وأجدر بالحوادث أن تكونا فلا تصلي بمطروقٍ إذا ما ... سرى في القوم أصبح مستكينا إذا شرب المرضة قال أوكى ... على ما في سقائسك قد روينا واستبدلي ختناً لأهلك مثله ... يعطي الجزيل ويقتل الأبطالا

стр. 239

يقال: اعتاصى مني لأهلك ختناً مثل ذلك الختن، يعطي عطاءً جزلاً، ويقتل الأبطال بطلاً فبطلا. ومثله يرتفع بالابتداء، وما بعده في موضع الخبر له، والجملة في موضع الصفة للختن، ولا يجوز نصب " مثله ". غير الجدير بأن تكون لقوحه ... رباً عليه ولا الفصيل عيالا هذا أيضاً من صفة الختن. يقول: لا يكون خليقاً بأن يكون مملوكاً لماله لا مالكاً، ويحل الفصيل منه محل العيال لا محل المال. وهذا كما قال الآخر: فلا والله ما لبني بربٍ ... ولا لحمى علي ولا سلائي واللقوح صفةٌ، يقال ناقةٌ لقوحٌ إذا كان بها لبنٌ، وجمعه لقحٌ قال الخليل: فإذا أرادوا استعمالها على حد الأسماء قالوا لقحةً، يقال: هذه لقحة فلان، للناقة الحلوب - ولا يقال ناقةٌ لقحةٌ - والجميع لقاحٌ. وقال ابن رميضٍ العنبري باتوا نياماً وابن هند لم ينم باتٍ يقاسيها غلامٌ كالزلم يقول: مكث الناس نائمين في ليلهم، وهذا الرجل لم ينم، لأنه كان بيت للغارة، ثم قال " بات يقاسيها "، أي يعاني الغارة كيف يوقعها ويدبرها متى يأخذ فيها، غلامٌ مدمج الخلق خفيفٌ ثقفٌ مشمرٌ، كأنه قدحٌ. يعني ابن هندٍ. والزلم بفتح الزاء وضمها: القدح كان يستقسم به. قال الله تعالى: " وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسقٌ ". ويجوز أن يكون المضمرين في باتوا المغار عليهم. خدلج الساقين خفاق القدم قد لفها الليل بسواقٍ حطم بصفة بأنه غليظ الساقين، ولوطئه الأرض صوتٌ، ولقدمه خفقٌ، وهو سرعة الخطو مع ضرب الأرض بها، كأنه يشير بهذا إلى ثباته وقوته في العمل والسير،

стр. 240

وشدة بلائه وصبره على الكد. وقوله " قد لفها " يريد الإبل. وجعل الفعل لليل على المجاز. والمعنى: جمعها برجل متناهى القوة، عنيف السوق، يكسر الطرائد بعضاً على بعض، لقلة رفقه وكثرة عسفه، ولأنه قليل الفكر فيها إذ كانت حصلت بالغارة، فإن سلمت فهي غنمٌ، وإن تلفت فليست بغرمٍ، فالعوض منها بالقرب. وقوله " حطم " بناءٌ للمبالغة، وهو من الحطم الكسر. ليس براعي إبلٍ ولا غنم ولا بجزارٍ على ظهر الوضم يقول: لا يرفق هذا الرجل بوسائقه رفق الرعاة، ولا رفق الجزار، وذلك أن الراعي مكتري لاستصلاح مرعيه، وحفظ ما ضم إليه بجهده، والجزار لا يستهلك ماله ولا يعنف عنف من لا يبالي به. وهذا صفة المغوار القليل الفكر في فساد ما يحويه منها، الذاهب عن استبقائها، لا يبالي كيف استوسقت، وعلى أي حالةٍ تحصلت. وقال جعفر بن علبة الحارثي ألا لا أبالي بعد يومي بسحبلٍ ... إذا لم أعذب أن يجيء حماميا يقول: اشتقيت من أعدائي يوم سحبلٍ - وهو اسم وادٍ - وأدركت آثاري عندهم فلا أبالي بدنو موتى بعده إذا لم يعذبني الله تعالى تبارك اسمه، إذ كنت نبت أمنيتي، وقضيت مأربتي. والذي تناوله قوله " لا أبالي " هو أن يجيء حماميا. ويقال لا أبالي كذا ولا أبالي بكذا. وإذا لم أعذب ظرفٌ للا أبالي، أي لا أبالي بالموت إذا سلمت من عذاب الله . وإنما أتى بإذا رجاء أن يكون الأمر كذلك. وقد مضى القول في أبالي وأصله وما استقر عليه في الاستعمال، وأن قولهم لا أباليه بالةً أصله عند سيبويهً بالية فخفف. وقد ذهب غيره إلى أنها مقلوبة، ويقول في بالةٍ إنها فعلةٌ، وإن ألفها منقلبة عن واو، وأن أبالي كان أباول أي لا أكاثر، ثم وضع موضع لا أحفل ولا أكثرت. وللترجيح والنظر في المسألة موضعٌ غير هذا.

стр. 241

تركت بجنبي سحبلٍ وتلاعه ... مراق دمٍ لا يبرح الدهر ثاويا أخذ يقتص ما هون عليه الموت من فعله، فيقول: تركت بجانبي هذا الوادي ومسايل مياهه مصبوب دمٍ، يلزم ذلك المكان على مرور الأيام فلا يبرح. وقوله " ثاويا " من ثوى بالمكان، إذا أقام. يقال ثوى وأثوى جميعا. وقوله " مراق دمٍ " يجوز أن يريد موضعا أريق به دمٌ، كما يجوز أن يريد به دماً مراقاً، ولكنه إذا أريد به الموضع يكون لا يبرح من صفة الجم، ويجوز أن يريد به رجلاً أريق دمه ويحكون كقولك هو حسن وجهٍ. وذكر بعضهم أن المراد مراق دمٍ لا يزال ذكره باقيا على الدهر فحذف المضاف. والتلاع: جمع تلعةٍ، وهي أرضٌ مرتفعة يتردد فيها السيل إلى بطن الوادي. ومن الاستعارة الحسنة: فلانٌ لا يوثق بسيل تلعته، إذا كان غير صدوقٍ في أخباره. إذا ما أتيت الحارثيات فانعني ... لهن وخبرهن أن لا تلاقيا هذا كلام رجل يوئس أحبته من نفسه لاستقتاله، أو لأنه مني بما لم يرج الخلاص منه. فقال: إذا زرت نساء بني حارثة فاذكر موتى لهن، وأعلمهن أنه لا التقاء بيني وبينهن. فقوله " أن لا تلاقيا " أن مخففةٌ من أن الثقيلة، واسمه مضمرٌ، وتلاقيا نصبٌ بلا وخبره محذوف، والمراد لا تلاقي لنا، والهاء في أنه ضمير الشأن والأمر، والجملة خبر أن. وهذا البيت مع ما بعده لمالك بن الريب فيما أظن، وانضما إلى أبيات جعفر بن علبة على سبيل الغلط. وقود قلوصي في الركاب فإنها ... ستضحك مسروراً وتبكي بواكيا يقول: وأكثر قود ناقتي حالاً بعد حالٍ، فإن الأعداء يشمتون إذا استدلوا بها ويضحكون سروراً، والأصدقاء ذوات الشفقة يغتمون فيبكون توجعاً. وهذا الكلام تحزنٌ وتحسرٌ. وقوله " ستضحك مسروراً وتبكي بواكيا " من باب وصف الشيء بما يؤول إليه، ومثله قولهم: خرجت جوارجه. وقول الفرزدق: قتلت قتيلاً لم ير الناس مثله والقلوص، قال الخليل: هي الناقة الباقية على السير، لا تزال قلوصاً حتى تبزل. وإنما سميت قلوصاً لطول قوائمها ولم تجسم بعد.

стр. 242

وقال آخر: لعمري لرهط المرء خيرٌ بقيةً ... عليه وإن عالوا به كل مركب خبر " لعمري " مضمرٌ ولا يجوز إظهاره، وهو قسمٌ، ولا يجوز أيضاً فيه إلا فتح العين، ولرهط جوابه. والرهط يقع على ما دون العشرة، ولهذا دخل عليه من الأسماء أسماء الآحاد فقيل ثلاثة رهطٍ. ومثله نفرٌ، ولو كان يقع على الكثير لما جاز لك فيه ألا ترى أنك لا تقول ثلاث إبلٍ. وانتصاب " بقيةً " على التمييز، وموضع " وإن عالوا به " نصبٌ على الحال للرهط، وجواب الشرط فيما دل عليه قوله " خيرٌ بقيةٍ ". وقوله " كل مركب " يريد به كل مركبٍ مذمومٍ. وعاليت بفلانٍ بمعنى أعليته. ومعنى البيت: وبقائي، لعترة الرجل أحسن إبقاء عليه، وأكثر حشمةً له، وإن أركبوه مراكب صعبةً مكروهة، وأنزلوه منازل حزنةً مذمومةً. من الجانب الأقصى وإن كان ذاغنيً ... جزيلٍ ولم يخبرك مثل مجرب تعلق " من " بقوله خيرٌ بقيةٍ، لأن معناه أفعل الذي يتم بمن. يقول: هم أحسن إبقاءً عليه من الغريب الأبعد، وإن كان الرجل محتشما في نفسه غنياً، ومعظماً مهيباً. وقوله " وإن كان ذا غنًى " في موضع الحال أيضاً. والجانب يراد به الجنس لا واحدٌ بعينه. وقوله " ولم يخبرك مثل مجربٍ " يجري مجرى الالتفات، وهو توكيد للخبر الذي أورده، وتحقيقٌ لما أنبأ به وشرحه، وأن ما قاله قاله عن تجربةٍ وخبرةٍ، لا عن سماعٍ وخبر. إذا كنت في قومٍ ولم تك منهم ... فكل ما علفت من خبيثٍ وطيب هذا الكلام تحذير من الاغترار بالأجانب، والاستنامة إلى ناحيتهم، وبعثٌ على طلب موافقتهم وترك الخلاف عليهم، بعد الحصول فيهم، وأن استعمال الإدلال معهم، والأخذ بالمضايقة في إيفائهم والاستيفاء منهم غير واجبٍ. ويروى: " في قومٍ عدًى لست منهم " ويكون معنى لست منهم: وأنت لا تهوى هواهم. والعدى يقع على الواحد والجميع، يقال رجلٌ عدًي، وقومٌ عدًى، أي بعدٌ غرباء. وقوله " كل ما علفت " مثلٌ. ومثله: ولا تطعمن ما يعلفونك

стр. 243

وكأن العلف مختصٌ بهذا المعنى؛ فإني لم أجده في غيره. وقال البرج بن مسهرٍ فنعم الحي كلبٌ غير أنا ... رأينا في جوارهم هنات هذا الكلام تهكمٌ وسخريةٌ. وجاز أن يأتي به بلفظ المدح لأنه بما بعده تبين الغرض؛ فيكون أبلغ في الهزء. والهنات: الأمور المنكرة، ولا تستعمل إلا في الشر، وهي جمع هنةٍ، وإنما يكنى بها عن المحقرات، كأنه يرى الإبقاء والمجاملة، ويجري الأمر على المداجاة وترك المجاهرة. وقد يجمع هنةٌ على هنواتٍ، فمن رد اللام في الجمع رده في النسبة أيضاً، ومن لم يرده فهو في النسبة بالخيار، إن شاء قال هنيٌ وإن شاء قال هنويٌ. فيقول: قبيلة كلبٍ محمودةٌ في الأحياء، غير أنا منينا في جوارهم بدواهٍ وبلينا بمنكراتٍ. والاستثناء في هذا المكان يكون منقطعا. وكان فارق قومه طيئاً مراغماً وجاور كلباً فلم يحمد جوارهم ففارقهم ذاماً لهم. ونعم الحي كلبٌ غير أنا ... رزينا من بنين ومن بنات يريد مثل ما أراد في البيت الأول من السخرية. ومعنى رزينا: أصبنا ببنين وبناتٍ. ويقال فلانٌ مرزأٌ في ماله فيكون مدحاً، وفلانٌ مرزأٌ في أهله فيكون ترحماً وتوجعاً. ومثل هذا التهكم قول الآخر: فدًى لسلمى ثوباى إذ دنس ال ... قوم وإذ يدسمون ما دسموا فالتفدية ها هنا كالمدح بنعم ثم. وقوله " من بنين " من دخل للتفضيل، كأنه قال: رزينا أناساً من بنين وبناتٍ، ومفعول رزينا محذوف، ويجوز أن يكون ذاد من في الواجب على ما أجازه الأخفش وحكاه عنهم من قولهم: " قد كان من مطرٍ فخل عني "، فيكون المراد رزينا ببنين وبناتٍ. فإن الغدر قد أمسى وأضحى ... مقيماً بين خبت إلى المسات

стр. 244

يقول زارياً عليهم ومبيناً: إنه نالهم ما نالهم لأن الغدر مقيمٌ فيما بين ديارهم، ومما انطوى عليه أحشاؤهم: وفائدة قوله أمسى وأضحى بيان اتصال الوقت. وقوله " فإن الغدر " الفاء ربط الجملة التي بعدها بما تقدم ورتبها عليه، كأنه قال: قاسوا ما قاسوه في جوارهم فإنهم غادرون. وخبتٌ والمسات: ماءان لكلبٍ. يقول: الغدر مقيمٌ في كلبٍ بين هذين، أي في أول ديارهم وآخرها. تركنا قومنا من حرب عامٍ ... ألا يا قوم للأمر الشتات هذا الكلام اقتصاصٌ لحاله، وإظهارٌ للتأسف على مجاورة كلبٍ، والتندم على ما اتفق من مفارقة العشيرة: وقوله " يا قوم للأمر الشتات " تعجبٌ. والشتات: مصدرٌ وصف به. واللام في الأمر لام الإضافة، لكن فائدته ما ذكرناه من التعجب، وأتى به مع المدعو. وقد يقال يا لزيدٍ فيكون المنادى محذوفاَ. وهذه اللام تدخل مفتوحةً في المنادى ويراد به الاعتزاء، كقولك يا لبكرٍ ويا لتميمٍ. فيقول: انتقلنا عن قومنا وفارقناهم منذ زمن الحرب التي اتفقت بيننا عاماً أول. ثم أخذ يستعطفهم، ويتذمم من مراغمتهم، ويظهر الحاجة إليهم فقال: يا قوم أقبلوا لما تشتت من أمرنا، واختل من حالنا. وقوله " من حرب عامٍ " جعل من بدل من، لأنه في المكان مثله في الزمان، كما قال زهيرٌ: أقوين من حججٍ ومن دهر وأخرجنا الأيامى من حصونٍ ... بها دار الإقامة والثبات يقول: أخرجنا النساء اللاتي صرن أيامي من مقر عزهن، ودار أمنهن، إلى جوار كلب، حتى اتفق عليهن من الأعداء ما اتفق، ومن حلول الرزايا ومقاساة الهنات بهن ما أقلق. ووصف النساء بما آل إليه أمرهن من الإيمة، وإن كن وقت الإخراج ذوات بعولٍ. ومثله قول الآخر: ستضحك مسروراً وتبكي بواكيا

стр. 245

وفي القرآن: " إني أراني أعصر خمراً ". وأيامى: جمع أيمٍ، ويقع على الرجل والمرأة. والفعل منه آم، أي بقي بلا زوجٍ. وهو من الفعل فيعلٌ، وجمعه أيايم على فياعل. وأيامى مقلوبٌ كأنه قدم اللام على العين فصار أيامى على فيالع، ثم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فانقلبت ألفاً. فإن نرجع إلى الجبلين يوماً ... نصالح قومنا حتى الممات هذا إظهار رغبةٍ في الرجوع إلى العشيرة، ومعاودة الوطن والمحلة. يقول: إن اتفق لنا عودةٌ إلى بلادنا تركنا الخلاف على ذوينا، وأقمنا بها إلى انقضاء الأجل، واستنفاد المهل. ويعني بالجبلين أجأ وسلمى: جبلي طيئ. وقوله " حتى الممات " أراد به إلى حين الممات، فحذف المضاف. والممات يكون مصدراً، وإن جعلته اسماً للحين فلا حذف. وقال موسى بن جابرٍ لا أشتهي يا قوم إلا كارهاً ... باب الأمير ولا دفاع الحاجب يصف بهذا الكلام ميله إلى البدو، وتفضيله رجاله على رجال الحضر، فيقول: لا أتمنى ورود باب الأمراء، ومدافعة الحجاب، ولا أعلق شهوتي بهما إلا على كرهٍ وعن داعيةٍ عارضةٍ؛ إذ كنت ألفت الصحاري والبراري، وصاحبت بها من لا تملكني معه حشمةٌ، ولا يصدني دونه عزة. وانتصب " كارهاً " على الحال. ومن الرجال أسنةٌ مذروبةٌ ... ومزندون شهودهم كالغائب يقول: من الرجال رجالٌ كالأسنة المطرورة، أي يمضون في الأمور ويفصلونها نفاذ الأسنة؛ ومنهم مزندون. والمزند: المبخل المقلل. ووقيل الزند ضرب به المثل في القلة. يقال: " زندان في مرقعةٍ "، ثم قيل هو مزندٌ مشتقاً منه. وقوله " شهودهم كالغائب " أي لا غناء عندهم، ولا دفاع بهم، فحضورهم كغيبتهم. وأراد بالغائب الكثرة لا التوحيد. وكان من حق التقسيم أن يقول: ومنهم مزندون، لكنه اكتفى بمن الأول. ومثله قول الله تعالى: " منها قائمٌ وحصيدٌ ". وسمعت أبا عليٍ الفارسي رححمه الله يقول: كل صفتين تتنافيان وتتدافعان فلا يصح اجتماعهما لموصوفٍ لا بد لإضمار من معهما إذا فصل جملةٌ بهما، متى لم يجيء ظاهرا، ثم

стр. 246

أنشد: وما زودوني غير سحق عباءةٍ ... وخمس ميءٍ منها قسيٌ وزائف وقال: يريد ومنها زائف. وهذا كما تقول زيدٌ منطلقٌ وعمرٌو، والمعنى وعمرو منطلق، فحذف اكتفاءً بالخبر عن الأول، وعلماً بأن المنعطف ذلك حاله. قال: فإن أمكن اجتماع الصفتين لموصوفٍ واحد استغني عن إضمار من، ذلك كقولك صاحباك منهما ظريفٌ وكريمٌ. منهم ليوثٌ لا ترام وبعضهم ... مما قمشت وضم حبل الحاطب يقول: من الرجال رجالٌ كالأسود عزة وأنفةً، لا يطلب اقتسارهم واهتضامهم، ومنهم متقاربون كالقماش واللفائف، جمعوا على ما اتفق من شيءٍ إلى شيء. كأنه لم يقنعه ذلك التشبيه وتلك القسمة، فاستأنفهما على وجهٍ آخر. وقوله " وبعضهم مما قمشت " ينوب فيه ذكر بالبعض عن قوله " ومنهم "، لأن من للتبعيض فاستغنى به. وقوله " وضم حبل الحاطب " كقول الآخر: وكلهم يجمعهم بيت الأدم قال الأصمعي: لأن بيت الأدم يجمع الجيد والرديء، على تقارب بينهما، ففيه من كل جلدٍ رقعةٌ. وكذلك الحاطب يجمع في حبله الجيد والرديء، والرطب واليابس، على تدانٍ بينهما. فإن قيل: وما الفائدة في إعادة التقسيم والتشبيه؟ فالجواب أن يقال: كأنه صنفهم في الأولى من حيث اختلفوا عنده في الأعمال والأخلاق، وعلى توهم تباعدٍ بينهم، بدلالة قوله من الرجال أسنةٌ ومنهم مزندون لا يعتد بحضورهم. وبين الصفتين تفاوتٌ عظيم، وتباين شديدٌ. وصنفهم في الأخرى من حيث اختلفوا فيها على توهم تقاربٍ بينهم؛ لأن فيمن يقمش من لا يباين المباينة الفاحشة، ولا يخالف المخالفة المنكرة. وقال آخر: أقول لنفسي حين خود رألها ... مكانك لما تشفقي حين مشفق

стр. 247

يقال: خود رأله، للمذعور المرتاع: والرأل. فرخ النعام. وهذا مثلٌ. والتخويد: ضربٌ من السير سريع. والتخويد والوخد والخدي متقاربة المعنى، في أنها تفيد ضروباً من المشي، ويوصف بجميعها النعام. ويقال في هذا المعنى " زف رأله "، لأن الزفيف ضربٌ من العدو سريعٌ أيضاً. وفي هذه الطريقة قولهم " طار طائره ". ويقولون: " هو أنفر من نعامٍ "، و " أشرد من ظليم ". ومعنى البيت: إني أثبت نفسي عند ما يبده من ذعر الحرب، ويفجأ من روعة القتال، فأخاطب نفسي إذا همت بالإحجام، أو وسوس إليها وجوب الانهزام: الزمي مكانك لم تذعري وقت ذعرٍ. وقوله " مكانك " أمرٌ، وهو موضوعٌ موضع الفعل الذي عمل فيه، ومكتفىً به عنه، فهذا إيجابٌ. وقوله " لما تشفقي حين مشفق " تأنيسٌ، أي لم تخافي وقت مخافةٍ. فهما كلامان. والإشفاق: الذعر، وقد يختلط بالنصح ويتجرد عنه. قال الله تعالى: " إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ". مكانك حتى تنظي عم تنجلي ... عماية هذا العارض المتألق يقول: أستأني وأترفق، وأقول في تلك الحالة، تماسكي يا نفس واحفظي مكانك إلى أن يتبين لك عن أي شيءٍ تنكشف لك ظلمة هذا العارض المتشقق بالبرق. والعارض، أصله في السحاب، وها هنا أراد به الجيش. وجعل التألق مثلاً للمعان الأسلحة. ويقال ائتلق البرق أي تلألأ، وتألق. والعماية: الظلمة والهبوة. ويروى: " غياية هذا العارض " وهي في طريق العماية لأنهما من الغي والعمى، وقد توسع فيهما. وإنما طلب من النفس الصبرإلى ذلك الوقت، لأن من ثبت في الحرب إلى انكشاف الحال فيه فقد أعطاها حقها. وقال موسى بن جابرٍ وقلت لزيدٍ لا تترتر فإنهم ... يرون المنايا دون قتلك أو قتلي الترترة: العجلة. وحكى الدريدي أنها كثرة الحركة، فهي كالتلتلة. وروى الحديث: " تلتلوه ومزمزوه " بالراء واللام جميعاً. ويروى " لا تبربر "، والبربرة؛ كثرة

стр. 248

الكلام، وكذلك الثرثرة بالثاء، ورجلٌ ثرثارٌ. ويقال: ما أكثر بربرتهم، إذا ماجوا في الكلام. ومنه سمي البربر: جنس من المغاربة، وكذلك البزبزة بالزاي: كثرة الحركة. وقد روى: " لا تبزبز ". ويقال ما أكثر بزبزتهم، ورجل بزبازٌ وبزابزٌ، إذا كان يكثر حركاته ويخف فيقول: لا تعجل يا زيد، أو لا تكثر كلامك ولا تضطرب، فإن القوم يرون الصبر على المنايا ويخف عليهم ويقل عندهم إذا ثبت فيه قتلك أو قتلي لهم. وانتهزوا في تحصيل أحدهما فرصهم. ويكون " يرون " في هذا الوجه من الرأي، كما يقال فلانٌ يرى في دينه أو في مروته كذا، أي يتخذه مذهباً ويدوم عليه. ويجوز أن يريد بيرون المنايا: يقاسون الشدائد، ويذوقون المنايا، ولم يصلوا بعد إلى قتلي أو قتلك. ويكون معنى " دون قتلك " كما يقال " دون هذا الأمر خرط القتاد "، وكما قال بشرٌ: ومن دون ليلى ذو بحار ومنور ومعنى يرى كما يقال لو علمت ماذا رأيت من فلانٍ، يراد أي شيءٍ مارست وكايدت. والكلام في المعنى الأول تصويرٌ لحال القوم في عداوتهم، ونهىٌ عن المعاجلة معهم، وبعثٌ على مصابرتهم ومحاذرتهم. وعلى المعنى الثاني يكون تثبيتاً لصاحبه وتشجيعاً، وتسكيناً منه وتصبيراً، فيكون مثل قوله: أقول لنفسي حين خود رألها وأن أبا تمامٍ تصور هذا المعنى، فلذلك ألحق الأبيات بما يليها. فإن وضعوا حرباً فضعها وإن أبوا ... فعرضة عض الحرب مثلك أو مثلي يقول: إن حطوا الحرب أو اطرحوها، وراموا المسالمة والمتاركة فيها، فاتبعهم في ذلك واقتد بهم، وإن أبوا إلا الشر فالقوي على عضاض الحرب والصبور على

стр. 249

لزامها مثلك أو مثلي، والمعنى: أنا وأنت. وهذا كما يقال: مثله لا يعتاض منه، والمعنى هو لا يعتاض منه. ويقول: فلانٌ عرضة الشر، إذا كان قوياً عليه. وإن رفعوا الحرب العوان التي ترى ... فشب وقود الحرب بالحطب الجزل جعل الرفع في مقابلة الوضع من البيت الأول، والمعنى: إن هيجوها. والعوان: التي قوتل غيها مرة بعد أخرى، فتقادم وتطاول لبثها، واتصل هيجانها، واتسع نفيانها. وهذا على التشبيه بالعوان من النساء. فهو كما وضعها غيره لما أراد ابتداءها وجدتها أنها فتاةٌ وبكرٌ، فقال: الحرب أول ما تكون فتيةٌ ... تسعى بنزتها لكل جهول وقد استعملوا البكر والعوان في الحاجات أيضاً، فقال: هي بكر حاجاتي، وحاجتي بكرٌ، وحاجتك عوانٌ. يقول: وإن أججوا نار الحرب العوان التي تشاهد واستجاشوا لها، وأثاروا كوامنها، فاستجش أنت أيضاً وأوقد نارها بالحطب الغليظ الجزل. وقال أيضاً: إذا ذكر ابنا العنبرية لم تضق ... ذراعي وألقى باسته من أفاخر قوله: " لم تضق ذراعي " مثل، ويقال ذرعي. قال الخليل: الذراع اسمٌ جامعٌ لكل ما يسمى يداً من الروحانيين. يقول: إذا ذكر هذان الرجلان من آبائي اتسع نطاق افتخاري، ورحب مجالي وباعي، ولم تعيني غلبة من أساجله، ولم يقعد بي ذكرهما عن الارتقاء في الفخر إلى ما لا يطلع له من أوازنه وأكايله، حتى ألقاه باسته دون وجهه لتوليه وإعراضه. وذكر الاست تقبيحٌ لفعله عند النكوص والانهزام، وتشنيعٌ عليه في التولي والإدبار. هلالان حمالان في كل شتوةٍ ... من الثقل ما لا تستطيع الأباعر يقول: هما في الاشتهار واعتلاء الشأن، واستضاءة الناس بنورهما، والانتفاع بمكانهما، بمنزلة هلالين؛ ويتكلفان عند كل جذبٍ ومحلٍ، من الأثقال والأعباء، ما

стр. 250

لو صارت أجراماً لعجز عن النهوض بها وتحملها البعران. فإن قيل: إذا كان قصده في تحمل الأثقال إلى قرى الضيف، ونحر الجزور وقسمتها في المسير، والصبر على المؤن، والنهوض بالكلف، فكيف قال حمالان من الثقل ما لا يستطيع الأباعر؟ وكيف مثل ما يثقل على القلوب من الغرامات والحقوق، بالأوفار التي تثقل على الظهور؟ قلت: إنما يريد أن تلك المؤن والتكاليف التي يلتزمها، ويسعى بها وفيها، لو جسمت ثم حملت، لكانت الجمال لا تستقل بها، ولا تقوى عليها، فهذا وجهٌ. ويجوز أن يكون لما قال حمالان في كل شتوةٍ من الثقل، جعل لفقه ما لا تستطيع الأباعر، إذ كانت الجمال وأشباهها هي التي لحمل الأثقال خلقت، وبها اشتهرت، وليكون في اللفظ توافقٌ، مع الأمن من عارض الالتباس. ويكون هذا كما قال غيره: ألا هلك امرؤٌ ظلت عليه ... بجنب عنيزةٍ بقرٌ هجود سمعن بموته فظللن نوحاً ... قياماً ما يحل لهن عود ألا ترى أنه لما كان قد كنى عن النساء بقوله " بقرٌ هجود " عبر عن إمساكهن عن الطعام تحزناً بقوله " ما يحل لهن عود " إذ كانت البقر وما يجانسها من البهائم تعتلف العود وما يكون كالعود. وليس ذلك إلا لطلب الموافقة في اللفظ، مع الأمن من اللبس. فأما قول لبيدٍ: فإذا جوزيت قرضاً فاجزه ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل فمعناه إنما يعرف النعم وما يجب لها من شكر المنعم أرباب العقول وذوو التمييز، لا البهائم. فمتى أزلت إليك نعمةٌ فكن من المجازاة عليها بمرصدٍ، فإن معرفة ذلك والأخذ به من تمام العقل، ويوحبه المميزون وأولو الحجى، لا غيرهم مما لا تمييز له، ولا معرفة بذلك عنده. وذكر الجمل مكتفياً وإن كان القصد جنسه أو أجناس مثله. وفي طريقة ما نحن فيه قول أبي تمام إلا أنه فصل بين المنزلتين،
следующие страницы →