Полный текст (1 295 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أنشد:
وما زودوني غير سحق عباءةٍ ... وخمس ميءٍ منها قسيٌ وزائف
وقال: يريد ومنها زائف. وهذا كما تقول زيدٌ منطلقٌ وعمرٌو، والمعنى وعمرو منطلق، فحذف اكتفاءً بالخبر عن الأول، وعلماً بأن المنعطف ذلك حاله. قال: فإن أمكن اجتماع الصفتين لموصوفٍ واحد استغني عن إضمار من، ذلك كقولك صاحباك منهما ظريفٌ وكريمٌ.
منهم ليوثٌ لا ترام وبعضهم ... مما قمشت وضم حبل الحاطب
يقول: من الرجال رجالٌ كالأسود عزة وأنفةً، لا يطلب اقتسارهم واهتضامهم، ومنهم متقاربون كالقماش واللفائف، جمعوا على ما اتفق من شيءٍ إلى شيء. كأنه لم يقنعه ذلك التشبيه وتلك القسمة، فاستأنفهما على وجهٍ آخر. وقوله " وبعضهم مما قمشت " ينوب فيه ذكر بالبعض عن قوله " ومنهم "، لأن من للتبعيض فاستغنى به. وقوله " وضم حبل الحاطب " كقول الآخر:
وكلهم يجمعهم بيت الأدم
قال الأصمعي: لأن بيت الأدم يجمع الجيد والرديء، على تقارب بينهما، ففيه من كل جلدٍ رقعةٌ. وكذلك الحاطب يجمع في حبله الجيد والرديء، والرطب واليابس، على تدانٍ بينهما. فإن قيل: وما الفائدة في إعادة التقسيم والتشبيه؟ فالجواب أن يقال: كأنه صنفهم في الأولى من حيث اختلفوا عنده في الأعمال والأخلاق، وعلى توهم تباعدٍ بينهم، بدلالة قوله من الرجال أسنةٌ ومنهم مزندون لا يعتد بحضورهم. وبين الصفتين تفاوتٌ عظيم، وتباين شديدٌ. وصنفهم في الأخرى من حيث اختلفوا فيها على توهم تقاربٍ بينهم؛ لأن فيمن يقمش من لا يباين المباينة الفاحشة، ولا يخالف المخالفة المنكرة.
وقال آخر:
أقول لنفسي حين خود رألها ... مكانك لما تشفقي حين مشفق
стр. 247
يقال: خود رأله، للمذعور المرتاع: والرأل. فرخ النعام. وهذا مثلٌ. والتخويد: ضربٌ من السير سريع. والتخويد والوخد والخدي متقاربة المعنى، في أنها تفيد ضروباً من المشي، ويوصف بجميعها النعام. ويقال في هذا المعنى " زف رأله "، لأن الزفيف ضربٌ من العدو سريعٌ أيضاً. وفي هذه الطريقة قولهم " طار طائره ". ويقولون: " هو أنفر من نعامٍ "، و " أشرد من ظليم ". ومعنى البيت: إني أثبت نفسي عند ما يبده من ذعر الحرب، ويفجأ من روعة القتال، فأخاطب نفسي إذا همت بالإحجام، أو وسوس إليها وجوب الانهزام: الزمي مكانك لم تذعري وقت ذعرٍ. وقوله " مكانك " أمرٌ، وهو موضوعٌ موضع الفعل الذي عمل فيه، ومكتفىً به عنه، فهذا إيجابٌ. وقوله " لما تشفقي حين مشفق " تأنيسٌ، أي لم تخافي وقت مخافةٍ. فهما كلامان. والإشفاق: الذعر، وقد يختلط بالنصح ويتجرد عنه. قال الله تعالى: " إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ".
مكانك حتى تنظي عم تنجلي ... عماية هذا العارض المتألق
يقول: أستأني وأترفق، وأقول في تلك الحالة، تماسكي يا نفس واحفظي مكانك إلى أن يتبين لك عن أي شيءٍ تنكشف لك ظلمة هذا العارض المتشقق بالبرق. والعارض، أصله في السحاب، وها هنا أراد به الجيش. وجعل التألق مثلاً للمعان الأسلحة. ويقال ائتلق البرق أي تلألأ، وتألق. والعماية: الظلمة والهبوة. ويروى: " غياية هذا العارض " وهي في طريق العماية لأنهما من الغي والعمى، وقد توسع فيهما. وإنما طلب من النفس الصبرإلى ذلك الوقت، لأن من ثبت في الحرب إلى انكشاف الحال فيه فقد أعطاها حقها.
وقال موسى بن جابرٍ
وقلت لزيدٍ لا تترتر فإنهم ... يرون المنايا دون قتلك أو قتلي
الترترة: العجلة. وحكى الدريدي أنها كثرة الحركة، فهي كالتلتلة. وروى الحديث: " تلتلوه ومزمزوه " بالراء واللام جميعاً. ويروى " لا تبربر "، والبربرة؛ كثرة
стр. 248
الكلام، وكذلك الثرثرة بالثاء، ورجلٌ ثرثارٌ. ويقال: ما أكثر بربرتهم، إذا ماجوا في الكلام. ومنه سمي البربر: جنس من المغاربة، وكذلك البزبزة بالزاي: كثرة الحركة. وقد روى: " لا تبزبز ". ويقال ما أكثر بزبزتهم، ورجل بزبازٌ وبزابزٌ، إذا كان يكثر حركاته ويخف فيقول: لا تعجل يا زيد، أو لا تكثر كلامك ولا تضطرب، فإن القوم يرون الصبر على المنايا ويخف عليهم ويقل عندهم إذا ثبت فيه قتلك أو قتلي لهم. وانتهزوا في تحصيل أحدهما فرصهم. ويكون " يرون " في هذا الوجه من الرأي، كما يقال فلانٌ يرى في دينه أو في مروته كذا، أي يتخذه مذهباً ويدوم عليه. ويجوز أن يريد بيرون المنايا: يقاسون الشدائد، ويذوقون المنايا، ولم يصلوا بعد إلى قتلي أو قتلك. ويكون معنى " دون قتلك " كما يقال " دون هذا الأمر خرط القتاد "، وكما قال بشرٌ:
ومن دون ليلى ذو بحار ومنور
ومعنى يرى كما يقال لو علمت ماذا رأيت من فلانٍ، يراد أي شيءٍ مارست وكايدت. والكلام في المعنى الأول تصويرٌ لحال القوم في عداوتهم، ونهىٌ عن المعاجلة معهم، وبعثٌ على مصابرتهم ومحاذرتهم. وعلى المعنى الثاني يكون تثبيتاً لصاحبه وتشجيعاً، وتسكيناً منه وتصبيراً، فيكون مثل قوله:
أقول لنفسي حين خود رألها
وأن أبا تمامٍ تصور هذا المعنى، فلذلك ألحق الأبيات بما يليها.
فإن وضعوا حرباً فضعها وإن أبوا ... فعرضة عض الحرب مثلك أو مثلي
يقول: إن حطوا الحرب أو اطرحوها، وراموا المسالمة والمتاركة فيها، فاتبعهم في ذلك واقتد بهم، وإن أبوا إلا الشر فالقوي على عضاض الحرب والصبور على
стр. 249
لزامها مثلك أو مثلي، والمعنى: أنا وأنت. وهذا كما يقال: مثله لا يعتاض منه، والمعنى هو لا يعتاض منه. ويقول: فلانٌ عرضة الشر، إذا كان قوياً عليه.
وإن رفعوا الحرب العوان التي ترى ... فشب وقود الحرب بالحطب الجزل
جعل الرفع في مقابلة الوضع من البيت الأول، والمعنى: إن هيجوها. والعوان: التي قوتل غيها مرة بعد أخرى، فتقادم وتطاول لبثها، واتصل هيجانها، واتسع نفيانها. وهذا على التشبيه بالعوان من النساء. فهو كما وضعها غيره لما أراد ابتداءها وجدتها أنها فتاةٌ وبكرٌ، فقال:
الحرب أول ما تكون فتيةٌ ... تسعى بنزتها لكل جهول
وقد استعملوا البكر والعوان في الحاجات أيضاً، فقال: هي بكر حاجاتي، وحاجتي بكرٌ، وحاجتك عوانٌ. يقول: وإن أججوا نار الحرب العوان التي تشاهد واستجاشوا لها، وأثاروا كوامنها، فاستجش أنت أيضاً وأوقد نارها بالحطب الغليظ الجزل.
وقال أيضاً:
إذا ذكر ابنا العنبرية لم تضق ... ذراعي وألقى باسته من أفاخر
قوله: " لم تضق ذراعي " مثل، ويقال ذرعي. قال الخليل: الذراع اسمٌ جامعٌ لكل ما يسمى يداً من الروحانيين. يقول: إذا ذكر هذان الرجلان من آبائي اتسع نطاق افتخاري، ورحب مجالي وباعي، ولم تعيني غلبة من أساجله، ولم يقعد بي ذكرهما عن الارتقاء في الفخر إلى ما لا يطلع له من أوازنه وأكايله، حتى ألقاه باسته دون وجهه لتوليه وإعراضه. وذكر الاست تقبيحٌ لفعله عند النكوص والانهزام، وتشنيعٌ عليه في التولي والإدبار.
هلالان حمالان في كل شتوةٍ ... من الثقل ما لا تستطيع الأباعر
يقول: هما في الاشتهار واعتلاء الشأن، واستضاءة الناس بنورهما، والانتفاع بمكانهما، بمنزلة هلالين؛ ويتكلفان عند كل جذبٍ ومحلٍ، من الأثقال والأعباء، ما
стр. 250
لو صارت أجراماً لعجز عن النهوض بها وتحملها البعران. فإن قيل: إذا كان قصده في تحمل الأثقال إلى قرى الضيف، ونحر الجزور وقسمتها في المسير، والصبر على المؤن، والنهوض بالكلف، فكيف قال حمالان من الثقل ما لا يستطيع الأباعر؟ وكيف مثل ما يثقل على القلوب من الغرامات والحقوق، بالأوفار التي تثقل على الظهور؟ قلت: إنما يريد أن تلك المؤن والتكاليف التي يلتزمها، ويسعى بها وفيها، لو جسمت ثم حملت، لكانت الجمال لا تستقل بها، ولا تقوى عليها، فهذا وجهٌ. ويجوز أن يكون لما قال حمالان في كل شتوةٍ من الثقل، جعل لفقه ما لا تستطيع الأباعر، إذ كانت الجمال وأشباهها هي التي لحمل الأثقال خلقت، وبها اشتهرت، وليكون في اللفظ توافقٌ، مع الأمن من عارض الالتباس. ويكون هذا كما قال غيره:
ألا هلك امرؤٌ ظلت عليه ... بجنب عنيزةٍ بقرٌ هجود
سمعن بموته فظللن نوحاً ... قياماً ما يحل لهن عود
ألا ترى أنه لما كان قد كنى عن النساء بقوله " بقرٌ هجود " عبر عن إمساكهن عن الطعام تحزناً بقوله " ما يحل لهن عود " إذ كانت البقر وما يجانسها من البهائم تعتلف العود وما يكون كالعود. وليس ذلك إلا لطلب الموافقة في اللفظ، مع الأمن من اللبس. فأما قول لبيدٍ:
فإذا جوزيت قرضاً فاجزه ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل
فمعناه إنما يعرف النعم وما يجب لها من شكر المنعم أرباب العقول وذوو التمييز، لا البهائم. فمتى أزلت إليك نعمةٌ فكن من المجازاة عليها بمرصدٍ، فإن معرفة ذلك والأخذ به من تمام العقل، ويوحبه المميزون وأولو الحجى، لا غيرهم مما لا تمييز له، ولا معرفة بذلك عنده. وذكر الجمل مكتفياً وإن كان القصد جنسه أو أجناس مثله. وفي طريقة ما نحن فيه قول أبي تمام إلا أنه فصل بين المنزلتين،
стр. 251
وهو:
والصبر بالأرواح يعرف فضله ... صبر الملوك وليس بالأجسام
وقال:
ألم تريا أني حميت حقيقتي ... وباشرت حد الموت والموت دونها
الحقيقة: الخصلة التي يحق على الإنسان حمايتها. وقال الخليل: الحقيقة: ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه. وقوله " ألم تريا " تقريرٌ للغير على ما كان من بلائه. يقول: ألم تعلما أني ذببت عما يجب على الذَّبُّ عنه، وباشرت الموت بنفسي، والموت دون حماية الحقيقة. يريد أن المحافظة على الشرف أشق من اقتحام الموت والاستقتال، لأنه يحتاج أن يصبر فيه من المكاره على ما لا يحد ولا يحصر، ويتكلف له من المشاق ما لا يعد ولا يضبط. فهذا وجه. والضمير من قوله " دونها " يرجع إلى ما دل عليه حميت من الحماية والحفظ. ويجوز أن يكون قوله " والموت دونها " أي قريبٌ من الحقيقة التي دفعت عنها أو من الحماية التي التزومتها، وحائلٌ بيني وبينها، ويكون هذا بياناً لكيفية مباشرته لحد الموت ومشافهته إياه على سمت القرب، والواو من قوله " والموت " واو الحال. وإذا جعلت المعنى الأول فيكون الكلام بياناً لتفضيل حماية الحقائق على مباشرة المنايا.
وجدت بنفسٍ لا يجاد بمثلها ... وقلت اطمئني حين ساءت ظنونها
يصف ابتذاله نفسه فيما تعناه على حاجةٍ من العشيرة إلى بقائها، وحلولها من القلوب محل ما يضن بها، فيوجب صيانتها. يقول: تسخيت بنفس لا يتسخى بمثلها كرماً وعزةً، وشرفاً وأبهةً، وقلت تثبيتاً لها: اسكني واصبري عند استيلاء الرعب عليها، واختلاف الظنون بها. وهذه إشارةٌ إلى ما يلحق النفس في الأول من الالتقاء، للوهلة العارضة، والفجعة المروعة. ومثله:
أقول لنفسي حين خود رألها ... مكانك لما تفقي حين مشفق
وما خير مالٍ لا يقي الذم ربه ... ونفس امرئٍ في حقها لا يهينها
стр. 252
لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى الإنكار الذي يجري مجرى النفي، يقول: أي خيرٍ في مالٍ لا يصون صاحبه من ذمٍ وعارٍ، ولا يحميه من لحقوق تهجننٍ وشنارٍ؟ وأي شيء غناء نفس لا يبتذلها صاحبها في استيفاء حقوقها، ولا يتعبها في الدفاع دون حقائقها؟ وهذا الكلام تبرؤٌ من التحمد بما كان منه من إنفاق المال، وابتذال النفس. ومثله قول الآخر:
ويبتذل النفس المصونة طائعاً ... إذا ما رأى حقاً عليه ابتذالها
وقال:
ذهبتم فلذتم بالأمير وقلتم ... تركنا أحاديثاً ولحماً موضعا
يخاطب قومه ويلومهم على ما كان منهم من القعود عن نصرته، والنكوص عن مشايعته، واعتلالهم عند اعتذارهم من ذلك بالمعاذير المشوبة بالكذب، التجأتم إلى الأمير وقلتم تركنا قومنا يقولون ولا يفعلون، وعند تسلط الأعداء عليهم لا يمتنعون منهم ولا يدافعون، فهم كاللحم المبضع على خوان الجزارن تمتد الأيدي على توضعه إليه، وتتعلق الأطماع بتناوله وأخذه. ويكون هذا كقول الآخر:
رضوا بصفات ما عدموه جهلاً ... وحسن القول من حسن الفعال
هذا إذا رويت " تركنا " بفتح التاء، وإن رويت بضم التاء كان المعنى: ادعيتم علينا فيما نابنا، وعندما هممتم به من مفارقتنا وخذلاننا، أنا تركنا أحدوثةً للناس قبيحةً، يقومون ويقعدون بذكرنا، وأذلاء مهتضمين لا دفاع بنا، ولا امتناع من مذمةٍ في طباعنا. والموضع: المقطع المفرق في مواضع.
فما زادني إلا سناءً ورفعة ... وما زادكم في الناس إلا تخضعا
يقول: لم يزدني فعلكم وقولكم عند اعتلالكم في مفارقتكم إلا ارتفاع محلٍ، وسمو حالٍ، وجلالة قدرٍ، ولم يزدكم في الناس إلا تراجعاً وتذللاً، وتصوراً بالقبيح وتسقطاً، لأن من لا يصلح لعشيرته وأقربيه، وفصيلته وذويه، لم يسكن إليه البعيد الذي يؤويه، والمستعان به لما يرتجيه.
فما نفرت جنى والفل مبردي ... ولا أصبحت طيري من الخوف وقعاً
стр. 253
وهذا يحتمل وجوها: يجوز أن يريد لم ينخزل لما أتيتم وأخبرتم أصحابي الذين هم كالجن، ولا فل لساني الذي هو كالمبرد، ولا ذعر جأشي فصار طيرى واقعةً. ويكون الأول كقول الآخر:
عليهن فتيانٌ كجنة عبقر
وتشبيه اللسان بالمبرد وحد السيف أكثر من أن يحتاج له إلى شاهد. وقد قيل في " نفرت جني " إنه مثل لفلتاته وبدراته، ويكون هذا كما وصف امرؤ القيس فرسه بالمرح وحدة القلب فقال:
به طائفٌ من جنةٍ غيرٍ معقب
وإن ذكره المبرد مثلٌ لصلاحه، وإن ذكره الطير مثلٌ لصيته وذكره الذاهب في الناس. ويجوز في هذا الوجه أن يريد به ذكاءه ونشاطه وشهامته، فقد قيل في ضده: هو ساكن الطائر، وكأن على رءوسهم الطير. ويجوز أن يشير بالجن إلى ما يدعيه الشعراء من أن لكل واحدٍ منهم تابعاً من الجن يستعين به فيما يجز به، ويجعل المراد بالمبرد في هذا الوجه اللسان لا غير. ويجوز أن يريد بالطير سراياه وطوائف خيله التي يطيرها للغارات والارتباء، وتجسس الأخبار وغيرها.
وقال حريث بن جابرٍ
لعمرك ما أنصفتني حين سمتني ... هو الشمع المولي وأن لا هوى ليا
العمر والعمر لغتان، ولا يستعمل في القسم إلا بفتحي العين. وأنصفتني: أعطينني النصفة والنصف. ويقال انتصفت من فلانٍ، أي استوفيت حقي منه كاملاً حتى صرت أنا وهو على النصف سواءً. ومعنى سمتني: جشمتني خطةً من الشر. ويقال أيضاً: سام فلانٌ فلاناً، إذا داوم علي وألح في شيءٍ. يقول: وبقائك ما أعطيتني النصفة حين عرضت على الرضا بأن يكون لك هوىً مع مولاك، حتى تنتقم له وتذب دونه، وألا يكون لي هوىً مع مولاي وأخلى بينه وبين أعدائه. قوله " وأن لا هوى ليا " أراد: وأنه لا هوى ليا.
стр. 254
إذا ظلم المولى فزعت لظلمه ... فحرك أحشائي وهرت كلابيا
يبين كيف يتعصب لمواليه، وكيف يأنف من اهتضام يلحقهم، يقول: إذا اهتضم حليفٌ لي أو ابن عمٍ، ذعرت لامتهانه واهتضامه، فاضطرب أحشائي ونبحت كلابي. والمعنى: لم أعتد الهضيمة فيمن يتصل بي، ويتسبب إلي، فإذا اتفق وقوعها صارت كلابي تنبح، وأخذت نفسي تقلق. فيجوز أن يكون تحركت أحشاؤه لو جيب قلبه وخفقانه، ونبحت كلابه لتهيئه للانتقام، وتدججه في السلاح له، وتجمع أصحابه وإعدادهم الخيل والرجل لإغاثته. والكلب ينكر أصحابه إذا رآهم بهذه الأحوال فينبح. أنشد الأصمعي في مثله:
أناسٌ إذا ما أنكر الكلب أهله ... حموا جارهم من كل شنعاء مظلم
ووجهٌ آخر، وهو أن يكون تحركت أحشاؤه لاضطرابه في جمع من يجمع، وإعداد ما يعد، والمتسرع في الشيء يلحقه ذلك، ومثله.
أشارت له الحرب العوان فجاءها ... يقعقع بالأقراب أول من أتى
فقعقعة الأقراب كتحرك الأحشاء وأكثر. ويكون معنى فزعت أغثت على هذا. ومثله قوله:
حللنا الكثيب من زرود لنفزعا
أي لتغيث. ويجوز أن يكون أراد بالكلام الأصحاب، ويكون مثل قول الهذلي:
ولا هرها كلبي ليبعد نفرها ... ولو نبحتني بالشكاة كلابها
فقد فسر في بعض الوجوه على هذا. وكذلك قول تأبط شراً:
ليلة صاحوا وأغروا بي كلابهم
стр. 255
فسر على ذلك أيضاً.
وقال البعيث بن حريثٍ
خيالٌ لأم السلسبيل ودونها ... مسيرة شهرٍ للبريد المذبذب
خير الابتداء محذوف، كأنه قال: خيالٌ لهذه المرأة أتاني أو زارني، وبيني وبينها مسيرة شهرٍ للبريد المسرع المتعجل. كأنه استطرف من الخيال ما كان يستطرقه من المرأة لو زارت. وقوله " البريد المذبذب " كما يقال للسائق الحاث طاردٌ. ألا ترى قوله يصف فرساً:
ويسبق مطروداً ويلحق طارداً
لأن المذبذب والمذبب الأصل فيهما واحدٌ، يرجع إلى الطرد والاستعجال. والمسرع المستعجل يتذبذب، أي يضطرب. فأما قوله تعالى: " مذبذبين بين ذلك " فهو من صفة المنافقين، ومعناه مطرودين بين المؤمنين والكافرين، فليسوا بمقبولين عند واحدة من الفرقتين. ومثل ذب وذبذب، كب وكبكب. فإن قيل: لم نكر فقال خيالٌ لأم السلسبيل؟ قلت: يجوز أ، يكون كان يرى خيالها على هيئاتٍِ مختلفة، فاعتقد لاختلاف هيئته أنه عدة خيال، فلذلك نكره، كأنه قصد إلى واحدٍ منها، ومثله:
خيالٌ لزينب قد هاج لي ... نكاساً من الحب بعد اندمال
فقلت لها أهلاً وسهلاً ومرحباً ... فردت بتأهيلٍ وسهلٍ ومرحب
حكى ما دار بينه وبين الخيال. والخيال يذكر ويؤنث. ونبه بكلامه على أنه أظهر لها قبولاً حسناً، وبشراً وطلاقةً، فعل المتشوف لها، المتشوق إلى لقائها، وأنه تلقاها بالترحيب والتأهيل ساعة طلوعها، فأجابته بمثل ذلك. وانتصب أهلاً بفعلٍ مضمرٍ كأنه قال أتيت أهلاً لا غرباء، وسهلاً من المنازل لا حزناً، ورحباً من الأماكن لا ضيقاً: والتأهيل: مصدر أهلته أي قلت له أهلاً. وكان يجب أن يقول فردت بتأهيل وتسهيل وترحيبٍ، لو أتى بالكلام على حدٍ واحدٍ، لكنه أتى في بعضه بحكاية اللفظ،
стр. 256
وفي بعضه ببناء الأخبار. وقال سيبويه: إذا قال الراد وبك أهلا، فإنما يقول: أنت عندي بمنزلة من يقال له هذا لو جئتني. وإنما قال هذا لأن الحال لا تقتضي من الزائر أن يصادف المزور عنده ذلك، فحمل الكلام - وقد اعتيد فيه ما ذكره - على أنه يراد لو جئتني لكنت بهذا المنزلة.
معاذا الإله أن تكون كظبية ... ولا دمية ولا عقيلة ربرب
معاذ انتصب على المصدر. والمعنى أستعيذ بالله أو أعوذ به معاذاً. كأنه أنف وصار يربأ بصديقته أن تكون في الحسن بحيث تشبه بالظبي أو الظبية أو بالصورة المنقوشة، أو بكريمةٍ من بقر الوحش، إذ كانت هذه الأشياء عنده دونها، وقاصرةً عن رتبتها. وقد سلك من المتقدمين امرؤ القيس هذه الطريقة فقال:
كان دمي سقفٍ على ظهر مرمرٍ ... كسا مزبد الساجوم وشياً مصوراً
غرائر في كنٍ وصونٍ ونعمةٍ ... يحلين ياقوتاً ودراً مفقرا
فشبه الدمى بالنساء لا النساء الدمى. ومما يستحسن من هذه الطريقة قول أبي تمام:
كأنما جاد مغناه فغيره ... دموعنا يوم بانوا وهي تنهمل
لأنه شبه الأمطار المغيرة لرسوم الديار بدموع العشاق. في إثر الأحباب يوم الفراق. والعقلية: الكريمة من النساء والدر وكل شيء. والربرب: القطيع من البقر.
ولكنها زادت على الحسن كله ... كمالا ومن طيبٍ على كل طيب
يقال: زدته فزاد وازداد جميعاً. وكمالاً ينتصب على التمييز، والمعنى أنها يزيد حسنها على كل حسنٍ كمالاً، لأنه لا حسن إلا وتدخله نقيصةٌ، سوى حسنها. وكذلك كل الطيب يتخلله حطيطة إلا طيبها. و " من طيبٍ " أي وزادت من طيبها على كل طيبٍ طيباً. والغرض أن يبين لم أنكر لها تشبيهها بغيرها، فقال: هي تترفع عن ذلك: إذ كانت جامعةً للمحاسن، مستحقة للوصف بالكمال، وإذ كان كل واحدٍ من تلك الأشياء استبد بصفةٍ دون صفةٍ، ويتفرد بنوعٍ دون نوع.
وإن مسيري في البلاد ومنزلي ... لبالمنزل الأقصى إذا لم أقرب
стр. 257
يقول: مكاني الذي أسير فيه من البلاد، وموضعي الذي أنزل فيه، لا بعد المنازل، وأوضع المساير، إذا لم يلحقني فيها تقريبٌ وتعظيم. وقوله " أقرب " بمعنى أكرم وأدنى، على طريق الإعظام. وليس يريد تقريب المسافة به. ويجوز أن يكون المعنى إذا لم أقرب كنت بمنزلة المطرود المنفي، وإن كنت مقيما دانياً. وكان الواجب أن يقول لبالمنزل والمسير؛ فاكتفي بأحدهما. وآثر المنزل بالذكر لأن النزول لا يكون إلا بعد السير. ودل بهذا الكلام على أنه لا يرضى في متصرفاته إلا بما يقضي بتبجيله، ويفضى إلى اصطفائه والرفع منه؛ وأنه لا يصبر على الهوان والجفاء حيث سار ونزل، بل يطلب إكرامه وإلا انتقل وتحول.
ولست وإن قربت يوماً ببائع ... خلاقي ولا قومي ابتغاء التحبب
يقول: لست وإن أدنيت وبجلت ببائع نصيبي من شرفي، وموضعي من عشيرتي، طلباً للتحبب على من أجاوره وأعاشره، أو تهالكا في تعليق الطمع بمن أرجوه وآمله. والخلاق: الحظ والنصيب من الصلاح. ويقال: ما لفلانٍ خلاقٌ، إذا لم يكن له رغبةٌ في الاستصلاح واكتساب الخير. وانتصب " ابتغاء التحبب " على أنه مفعولٌ له.
ويعتده قومٌ كثير تجارةً ... ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي
يقول: ويعد ما تبرأت منه وأنفت من فعله كثيرٌ من الناس تجارةً رابحة، وصفقةً مفيدة نافعةً، وأنا يدفعني عنه ويزهدني فيه شرفي وديانتي. وهذا القول يجوز أن يكون تنزيها لنفسه، وتزكية لفعاله وخلقه فقط، وأن يكون القصد منه التعريض بغيره. وهذه الأبيات وإن كان في جملتها ما ليس من الباب فإنه كره تبديدها لسلامتها من العاب، ووفور حظها من الانتخاب.
دعاني يزيدٌ بعد ما ساء ظنه ... وعبسٌ وقد كانا على حد منكب
ما قدمه توصلٌ إلى بيان مراعاته أمر العشيرة، والتعطف على القريب وقت الحاجة، والتمسك بما يوجبه الكرم والحرية. يقول: دعاني هذا الرجل وصاحبه مستغيثين، بعد سوء ظنه بعشيرته وبي لما أسلف من الشر، وقدم من العقوق والإيذاء، وقد كانا أشرفا على حد الهلاك. هذا إذا رويت بفتح الكاف منكب، والمعنى: شافها حد الشر وحرفه، ولا يأمنان اقتحامه وتوسطه. ويقال صابه نكبٌ من الدهر ومنكبٌ ونكبةٌ ونكوبٌ كثيرةٌ، ومنه قيل حافرٌ نكيبٌ ومنكوبٌ، إذا أثر فيه
стр. 258
حجرٌ أو غيره. ويروى " على حد منكب " بكسر الكاف، والمعنى: كانا مهاجرين لي. يقال: فلانٌ معي على حد منكبٍ، أي كلما رآني التوى ولم يتلقني بوجهه، وتنكب عني؛ أي اجتنبني. والمنكب من كل شيء: جانبه وناحيته. ومثله قولهم: فلانٌ يلقاني على حرفٍ؛ وهو منحرفٌ عني ومتحرفٌ. ويجوز أن يريد بقوله " بعد ما ساء ظنه " بعد تسلط اليأس والقنوط من الحياة عليه.
وقد علما أن العشيرة كلها ... سوى محضري من خاذلين وغيب
دل بهذا الكلام على الضرورة الداعية إلى الاستعانة به، والاستظهار بدعوته وإجابته. يقول: استغاثا بي متيقنين أن كل عشيرتهما إذا لم أحضر من بين شاهدٍ لا ينصر، وغائبٍ لا يحضر وأن الكفاية لا توجد إلا عندي، والنصرة لها لا تحصل إلا بسعيي. وقوله " من خاذلين وغيب " أراد ومن بين غيب، فاكتفى بمن الأول عن الثاني، وقد مر القول في مثله مشروحاً. ومعنى سوى ها هنا معنى بدلٍ ومكانٍ. وذكر المحضر والمراد النفس؛ كأنه قال: وقد علما أن العشيرة كلها بدلاً مني ومكاني، من خاذلٍ وغائبٍ.
فكنت أنا الحامي حقيقة وائلٍ ... كما كان يحمي عن حقائقها أبي
يقول: أعنتهما على ضعف رجائهما، وتسلط الظنون السيئة عليهما، جارياً على الغاية الموروثة عن أسلافي، ومقتدياً في الذب عن العشيرة، والمواظبة على حماية الحقية، بآبائي. ويقال: حميت الحقيقة وحميت عن الحقيقة، وهو يحمي عليه ويحامي عليه.
وقال المثلم بن رياح
من مبلغٌ عني سناناً رسالةً ... وشجنة أن قوما خذا الحق أودعا
يقول: من يؤدي عني رسالةً إلى هذين الرجلين، بأن ارضيا الحق وقوما واستوفياه، أو اتركاه فما لكما غيره وإن تسخطتماه. وهذا توعدٌ واستهانةٌ. وقوله " أن قوما " أن مخففة من أن الثقيلة والمراد: أنه قوما. ومثله قولهم في: أما إن جزاك الله خيراً، ويجوز أن يكون أن المفسرة، كأنه فسر الرسالة بقوما خذا الحق. ومثله قولهم: أتفخر على أن أصحابك اكثر من أصحابي. وأن هذه تجري مجرى أي في أنه
стр. 259
يفسر به. ولو قال قوما وخذا الحق، فأتى بحرف العطف كما قال الله تعالى: " قم فأنذر. وربك فكبر " كان أفصح. وقد جاء مثله بغير العاطف كثيراً. وقوله " قوما " ليس المراد به فعل القيام، لكنه وصلةٌ في الكلام، وقد بين فيما مضى أمثاله. ويجوز أن يكون قوله خذا الحق على طريق التهكم والسخرية. أي إن قدرتما على أخذ الحق المدعى فخذا. ويجوز أن يكون المعنى: ترككما ما سميتماه حقاً، وطلبكما له عندي سواء على الحقيقة.
سأكفيك جنبي وضعه ووساده ... وأغضب إن لم تعط بالحق أشجعا
يقول: أكفيك ما يمسني ويخصني، ولا أضايقك فيما يرجع نفعه وضره إلي. وذكر وضع الجنب والوساد مأخوذٌ من المثل السائر في المعتني بالشيء المتعهد له، وهو قولهم: " أمٌ فرشت فأنامت ": والمعنى: لا أكلفك عنايةً بأمري، ولا أؤاخذك بمصالح أسبابي: ومتى لم تناول مولاي أشجع الحق، ولم تعامله فيما بينكما بالحق والعدل، غضبت له وانتقمت؛ لأن في تضييع حق المولى والأخذ بالتغميض فيه لازم العار، وفي استعمال التغابي فيما يتعلق بي واطراحي المناقشة والمشاحة فيه باقي الصيت والجمال. قوله " إن لم تعط بالحق " قيل فيه مفعول تعط الثاني محذوفٌ، ومعنى بالحق: بالعدل والإنصاف. كأنه قال: تعط أشجع ما يجب له بالحق. وقيل أراد بتعط تعامل فعداه تعديته. وقيل بالحق هو المفعول الثاني، لكنه زاد الباء فيه تأكيداً، كما قال الآخر:
سود المحاجر لا يقرأن بالسور
ويغلب في نفسي أن الشاعر قال وأغضب إن لم تعطيا الحق أشجعا، لأنه بني الرسالة على أن تكون متوجهةً نحو اثنين: سنانٍ وشجنة. ومخاطبته من بعد أحدهما في قوله سأكفيك، على عادتهم في الافتنان والتصرف، لا يمنع من الرجوع إلى ما بني كلامه عليه من ذكر الاثنين. وهذا ظاهرٌ لمن تأمله.
стр. 260
تصحيح الردينيات فينا وفيهم ... صياح بنات الماء أصبحن جوعا
يريد: تختلف الرماح المنسوبة إلى هذه المرأة بيننا وبينهم بالطعن، فصياحها كصياح بنات الماء إذا جاعت. وهذا كما حكى الآخر وقع القنا والسيف عند الطعن والضرب، فقال:
والطعن شغشغةٌ والضرب هيقعةٌ
ويعني ببنات الماء طيور الماء. وهذا كما يقال في الوحش: بنات الفلا، وللنوائب: بنات الدهر.
لففنا البيوت بالبيوت فأصبحوا ... بني عمنا من يرمنا يرمنا معا
يقول: استأنفنا حالةً جامعةً لنا ولعشيرتنا، فاستبدلنا بالتباين اجتماعاً، وبالتزايل اختلاطاً، وبالتنافر تأنساً، وبالتشارد تألفا، حتى صرنا يداً واحدةً على المنابذين، ولسانا واحداً على المخالفين، فمن رمى واحداً على المخالفين، فمن رمى واحداً منا فقد رمى جميعنا. هذا إذا رويت: " من يرمنا يرمنا معا ". ومن روى: " من يرمهم يرمنا معا " يكون المعنى في اجتماع الكلمة أبين. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
فأمسي كعبها كعباً وكانت ... من الشنآن قد دعيت لعابا
وقال آخر:
يا زمل إني إن تكن لي حادياً ... أعكر عليك وإن ترغ لا تسبق
يقول: إن تخلفت عني حتى يكون مكانك مكان الحادي من البعير أعطف عليك. وإن تقدمتني هارباً حتى تصير كالهادي لي مستعملاً الخداع والرواغ معي لم تفتني. والمعنى: إني أدركك على كل حالٍ. وقد أحسن النابغة في
стр. 261
قوله:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
ويقال عكر واعتكر بمعنى عطف، وإنه لعكارٌ في الفتن، إذا كان ثابت القدم.
إني امرؤٌ تجد الرجال عداوتي ... وجد الركاب من الذباب الأزرقٍ
يقول: إني رجلٌ ينال أعدائي من عداوتهم لي ما ينال الإبل من الذباب الأزرق، وهذا الجنس من الذباب يتأذى به الإبل تأذي الحمر بالنعر أو أشد. وعداوتي ينتصب على المفعول. كأنه قال: يجد الرجال من عداوتي، فحذف حرف الجر ووصل الفعل فعمل. يدل على ذلك قوله. " وجد الركاب من الذباب ". ومثله:
أستغفر الله ذنباً لست محصيه
وقوله " عداوتي " يجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل، أي عداوتي لهم، ويجوز أن يكون مضافاً إلى المفعول، أي عداوتهم لي ومعنى تجد تحزن، ولذلك كان الوجد مصدره. ويجوز أن يكون تجد بمعنى تعلم، ويكون عداوتي المفعول الأول ووجد الركاب المفعول الثاني. والمعنى: إن عداوتهم لي تقلقهم وتنزيهم، فيعلمها الرجال مثل وجد الركاب من هذا الجنس من الذباب؛ أي ينالون منها ما ينال تلك منهم. ويحصل في البيت تجنيسٌ حينئذ.
وقال الحصين بن الحمام
فقلت لهم يا آل ذبيان مالكم ... تفاقدتم لا تقدمون مقدما
يقول: قلت لهؤلاء القوم: ما لكم تحجمون ولا تقدمون، فقد بعضكم بعضاً ولا اهتدى أحدكم إلى الآخر. وهذا الكلام تضجرٌ منه بهم لما تخاذلوا ولم يكونوا عند الظن فيهم. ووضع مقدماً موضع الإقدام، وساغ ذلك لأن مصادر الكلمات
стр. 262
الصادرة عن أصلٍ واحدٍ يوضع بعضها موضع البعض لداعٍ يدعو إذا لم يكن ثم مانعٌ. وإنما قلت هذا لأن قدم يكون مرةً متعدياً، ومرة يكون بمعنى تقدم ولا يتعدى، ومقدماً ها هنا مصدر ما لا يتعدى، فهو مثل تقدم لو قاله، ومنه مقدمة الجيش، يراد متقدمته. وقوله " تفاقدتم " اعتراضٌ بين ما لكم وبين لا تقدمون، وهو دعاءٌ عليهم. ومثله في الأمرين جميعاً قول الآخر:
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وإن كان هذا دعاء خيرٍ.
مواليكم مولى الولادة منهم ... ومولى اليمين حابساً متقسماً
إنما قسم المولى هذه القسمة لأن المولى له مواضع في استعمالهم، منها المولى في الدين: وهو الولي. على ذلك قول الله تعالى: " ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم "، وقول النبي ﵇: " من كنت مولاه فعليٌ مولاه "، وقوله ﵇: " مزينة وأسلم وغفارٌ موالي الله ورسوله ". ومنها العصبة وبنو العم، وهو الذي سماه الشاعر مولى الوالدة. ومنها الحليف، وهو من انضم إليك واعتز بعزك وامتنع بمنعك، وهو سماه مولى اليمين؛ لأنه يقسم له عند الانضمام بذلك، وهو المعتق لك ينتسب بنسبك، وأنت مولاه وذاك مولاك. وهم يقولون: إن المولى لا يكاد يفضل الصميم، قال:
وليس أبير كم كأبير سوءٍ ... وما جعل الموالي كالصميم
يقول تداركوا الذين ينتسبون بالولاء، ولاء النسب، وولاء الحلف والنصرة، فكلٌ منهم ذو حبسٍ على الشر متقسم الحال، متوزع المال مغارٌ عليه، فما لكم لا تمتعضون ولا تنكرون.
وقوله: " حابساً " في معنى محبوسٍ؛ لكنه أخرجه مخرج النسب؛ أي ذو حبسٍ، وانتصابه على الحال. وقوله " مواليكم " على هذا انتصب بفعل مضمرٍ، كأنه قال: أغيثوا مواليكم وتداركوا. ويروى " حابسٌ قد تقسما ". وقيل هو اسمٌ علم، وارتفاعه
стр. 263
على أنه بدلٌ من مولى اليمين، وقد تقسما في موضع الخبر. واكتفى بالإخبار عن الموليين لأن الموالي انقسموا إليهما.
وقلت تبين هل ترى بين واسطٍ ... ونهى أكفٍ صارخاً غير أعجما
يروى " فارساً غير أخرما "، كأنه أقبل على واحد منهم فقال: تأمل هل ترى بين هذين الموضعين فارساً غير منقطع. المعنى: أنهم يتواترون أرسالاً في الصراخ غير متجمعين له، بل يتبع بعضهم بعضاً في أرضكم ودياركم يستنصرون فلا ينصرون، فما لكم لا تأنفون. ومن روى: " صارخاً غير أعجما " فمعناه مستغيثاً لا يجاب، فكأنه أعجم لا يفهم قوله. يريد: تبين فإنك لا ترى إلا فارساً أخرم، أو صارخاً أعجم. والأعجم: الذي لا يفصح. والصارخ والصريخ واحد، ويقال صرخ فأصرخته، أي استغث فأغثته. وفي القرآن: " ما أنا بمصرخكم " والصرخة تستعمل في الفزع والمصيبة. وفي المثل " له صرخة الحبلى ". والخرم: القطع، ومنه أخرم الكتف، وهو محزٌ في طرف عيرها.
من الصبح حتى تغرب الشمس لا ترى ... من الخيل إلا خارجياً مسوما
أي ابتدأ الأعداء بغيرون وينهبون، وهؤلاء يصرخون ويستغيثون، من وقت الغداة إلى أن غابت الشمس، فلا ترى من الخيل إلا ما خرج بنفسه لا أولية له كمثله، وقد أعلم بعلامة ليعرف بلاء صاحبه. وقوله: " من الصبح "، وضع من فيه موضع منذ، لأن منذ في الأزمنة بمنزلة من في الأمكنة. ومثله قول زهير:
أقوين من حججٍ ومن دهر
وقال الأصمعي: الخارجي: كل متناه في جنسه، فائق نظراءه في معناه. والمسوم من السيما، وهي العلامة، وفي القرآن: " سيماهم في وجوههم ".
عليهن فتيانٌ كساهم محرقٌ ... وكان إذا يكسو أجاد وأكرما
стр. 264
يقول: على هذه الخيل رجال كساهم محرقٌ، أي دروعهم وسائر أسلحتهم مما كان يكسوهم، ويجعله خلعة: وكان محرقٌ إذا كسا الأسلحة أتى بها جيدةً كريمة. ومحرقٌ: لقبٌ لعمر وبن هندٍ، وكان أحرق قوماً من تميم حين أجج النار بأوارة، فلقب به، وقال بعضهم: لقب بذلك لأنه كان إذا عاقب عاقب بالنار. وقوله " إذا يكسو " اعتراضٌ بين الفعل وهو يكسو وبين المفعول به وهو " صفائح بصرى " من البيت الثاني. ويقال أجاد الشيء بمعنى جاء به جيداً، وبمعنى جوده. وكذلك أكرمه يكون بمعنى أتى به كريما، وبمعنى أتى به كريما، وبمعنى كرمه. وقد توسعوا في كسا وإن كان أصل الكسوة اللباس، فقيل: اكتسى الأرض بالنبات، على التشبيه، فقال رؤبة يصف الثور والكلاب:
وقد كسا فيهن صبغاً برزغا
أي كسا الكلاب دماً طرياً. وقال بعضهم في وصف نبالٍ:
وزرقٍ كستها ريشها مضرحيةٌ
أي قذذها من ريش مضرحيٍ. فعلى هذا قوله " كساهم محرق ".
صفائح بصرى أخلصتها قيونها ... ومطرداً من نسج داود مبهما
صفائح انتصب على أنه مفعولٌ ثان من كساهم محرقٌ. وبصرى: قريةٌ بالشام تطبع بها السيوف. فيقول: كساهم محرقٌ سيوفاً بصريةٌ، اتخذها طباعوها من خالص الحديد، ودروعاً لينةً سهلة سلسةً، متتابعة السرد، تطرد ولا تختلف، داودية. والصفائح: جمع صفيحة، وهي كل سيفٍ عريضٍ أو خشبةٍ عريضة. ويقال سيف مصفحٌ أيضاً، أي عريض، كأنه زيد في صفحتيه، أي جانبيه. ويقال أصفح بسيفه، أي ضرب بصفحه. ومعنى أخلصتها: أتت بها خالصة الحديد. واستعمل الكسوة في السيف كما يستعمل فيه البز. قال:
فوفر بزٌ ما هنالك ضائع
стр. 265
يريد السيف. ووصف الدرع بالاطراد لتتابع سردها على حدٍ واحد، لا اختلاف في حلقها، ولا تفاوت في نظمها. وجعلها مبهماً لإحكامها.
فلما رأيت الصبر قد حيل دونه ... وإن كان يوماً ذا كواكب مظلماً
يقول: لما رأيت الأمر مستفحلاً، والخطب عظيما مستفظعاً، والصبر عاماً لنا كلنا، مغلوباً عليه ممنوعاً، صبرنا نحن من بين أصحابنا على عادتنا المعهودة منا، ووطنا أنفسنا على الشر. ويجوز أن يريد بقوله " لما رأيت الصبر قد حيل دونه " لما رأيت الوقت وقتاً يعال فيه الصبر، ويجال بين طالبيه وبينه. وقوله " وإن كان يوماً ذا كواكب مظلماً " اعتراضٌ بين لما وجوابه، وهو شرطٌ في وقوع الصبر منهم يترجم عن الحال. أي صبرنا وإن كان اليوم يوماً مظلماً ترى فيه الكواكب ظهراً، لانسداد عين الشمس بغبار الموت. وجواب الجزاء استغنى عنه بجواب لما. وروى بعضهم: " وأن كان يوماً " بفتح الهمزة على أن يكون أن مخففة من الثقيلة، والمراد وأنه كان اليوم يوماً ذا كواكب. وهذا الراوي لعله لم يعرف الاعتراضات والفصاحة فيها، والتبس المعنى عليه أيضاً.
صبرنا وكان الصبر منا سجيةً ... بأسيافنا يقطعن كفاً ومعصما
يقول: حملنا أنفسنا على المكروه، وحبسناها في مجال الموت والشر، وكان ذلك منا عادةً وطبيعةً. وقوله " أسيافنا " يجوز أن يتعلق الباء منه بصبرنا، واعترض بينهما قوله " وكان الصبر منا سجيةً "، إذ كان أراد أن يبين أن ذلك الفعل ليس بمستبدعٍ ولا مستنكرٍ من أخلاقهم. ويجوز أن يتعلق بما دل عليه " وكان الصبر منا سجيةً ". ويقطهن في موضع الحال للأسياف على الوجهين جميعاً. وفي طريقته قول نهشل بن حريٍ:
ويوم كأن المصطلين بحره ... وإن لم يكن نارٌ قعودٌ على جمر
صبرنا له حتى يبوخ وإنما ... تفرج أيام الكريهة بالصبر
نفلق هاماً من أناسٍ أعزةٍ ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
يقول: نشقق هاماتٍ من رجالٍ يكرمون علينا ويعزون، لما يجمعنا وإياهم من الأحوال الوكيدة، والحرم القوية بالأنساب والأسباب، وهم كانوا أشد عقوقاً وأتم
стр. 266
ظلماً، بما اطرحوه من مراعاة الحقوق، وبدءوا به من تناسي العهود، واستعجلوه من البغي، وسلكوه من سنن الغي. ويروى أن يزيد ابن معاوية لا ﵀ تمثل بهذا البيت لما وضع بين يديه رأس الحسين ابن علي ﵄.
ولما رأيت الود ليس بنافعي ... عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما
فلست بمبتاع الحياة بذلةٍ ... ولا مرتق من خشية الموت سلما
قوله " إلى الأمر الذي كان أحزما " جعل الحزم للأمر كما جعل له العزم في قوله تعالى: " فإذا عزم الأمر "، فكل ذلك مجازٌ واتساعٌ. وصلح أن يريد بقوله أحزم، أحزم من غيره، لوقوعه خبراً، لأنه كما يجوز حذف الخبر بأسره إذا دل دليلٌ عليه، كذلك يجوز حذف ما يتم به منه إذا لم يلتبس بغيره، ولم يختل الكلام بسببه. وقوله " لما رأيت الود " حذف المضاف فيه وأقام المضاف إليه مقامه، كأنه قال: لما رأيت مراعاة الود ومحافظته، أو إظهار الود وإبقاءه. ومعنى البيت: لما رأيتهم لا يرتدعون عن ركوب الرأس، والمجاذبة إلى أقصى ما في الطوق من اللجاج والشر، قصدت إلى ما كان أجمع للحزم معهم من مكاشفتهم، وترك الإبقاء عليهم؛ لأن ظهور التعادي والتكاشف خيرٌ من ركوب الغرور مع التشابك. ويلاحظ هذا البيت قول الآخر:
إذا حاجةٌ عزتك لا تستطيعها ... فدعها لأخرى لينٍ لك بابها
وقوله " فلست بمبتاع الحياة بسبةٍ "، يقال ابتاع الشيء بمعنى اشترى، وإن كان بعته بمعنى اشتريته وبعته جميعاً. والسبة: الخصلة التي يسب بها، فهي كالهجنة والعرة. يقول: فعلت ذلك، فإنني لست ممن يطلب العيش مع الذل، ولا ممن يرتقي في الأسباب خوفاً من الموت، بل الميتة الحسنة على ما يتعقبها من الأحدوثة الجميلة آثر عندنا، وأوقع من هوانا، من العيشة الذميمة على ما يخالطها من الرضا بالدنية.
وقال بشامة بن الغدير
ولقد غضبت لخندفٍ ولقيسها ... لما ونى عن نصرها خذالها
стр. 267
خندفٌ. لقبٌ لليلى امرأة الياس بن مضر، لقولها لزوجها يوماً: ما زلت أخندف في أثركم - والخندفة: مشية كالهرولة - فقال لها: وأنت خندفٌ. فلزمها، فصارت مضر نسلين: أحدهما ولد قيس بن عيلان، والآخر خندفٌ. ويروى أن رجلا على عهد الزبير بن العوام ظلم. فنادى: يالخندف. فخرج الزبير وبيده السيف، وهو يقول: خندف أيها المخندف، والله لئن كنت مظلوما لأنصرنك. يقول: عضبت لنسلي مضر خندفٍ وقيسٍ، لما ونى عن معاونتها والنهوض لها نصارها. ويقال ونى يني ونياً، وهو وانٍ. وإنما قال: خذالها ولم يقل نصارها، لأنه وصفهم بما آل إليه أمرهم. وهذا كما يقال قتلت فتيل بني فلان؛ وقد مضى له أشباهٌ وأمثال. فكأن الشاعر تبرع بما كان منه من المدافعة دونهم والمقاتلة عنهم، فلذلك تحمد به. وقال غضبت لهم لما رأيت من وجب نصرتهم عليه خذلهم. وجواب لما ونى، ما هو صدر البيت.
دافعت عن أعراضها فمنعتها ... ولدي في أمثالها أمثالها
هذا تفسير للغضب الذي ذكره وبيان نتيجته. والعرض: النفس، ويستعمل في الحسب. يقول: ذببت عنها ومنعت الأعداء منها، ولدي في أمثالها من القبائل أمثال هذه النصرة. هذا وجه، ويجوز أن يريد ولدي في أمثال هذه النصرة أمثال هذه القصيدة. والقرائن التي تسوغ رد الضميرين إلى جميع ما ذكرناه حاضرةٌ في الكلام قوية.
إني امرؤٌ أسم القصائد للعدى ... إن القصائد شرها أغفالها
هذا يمكن الاستدلال به على صحة المعنى الثاني، ومعنى " أسم القصائد ": أعلمها بما يصير كالسمة عليها، حتى لا تنسب إلى غيري، وحتى يعرف منها السبب الذي خرجت عليه، فمن سمعها عرف قصتها؛ ولهذا قال إن القصائد شرها أغفالها، أي شر الشعر ما لا ميسم لقائله والمقول فيه عليه. ويقال دبةٌ غفلٌ، إذا عرى من الأعلام. وسمعت من يقول في البيت إنه مقلوبٌ، والمراد أسم العدي بقصائدي، كما قال الآخر:
جعلت له فوق العرانين ميسماً
стр. 268
والأول أكشف وأصح، بدلالة أن الغفل جعله من القصائد، فكذلك الموسوم يجب أن يكون منها.
قومي بنو الحرب العوان بجمعهم ... والمشرفية والقنا إشعالها
يروى " والمشرفية بالجر " ويكون معنى البيت قومي إخوان الشر الفظيع، وأبناء الحرب التي قوتل فيها مرةً بعد أخرى، فصارت عواناً بعد أن كانت بكراً، أي رفعت من حالٍ إلى حالٍ أشد منها، ويكون هذا مثل قول الآخر:
فلسنا من بني جداء بكرٍ ... ولكنا بنو جد النقال
وعلى ما ذكرنا يتم الكلام بقوله العوان؛ ثم قال " بجمعهم " أي باجتماع قومي واجتماع آلات الحرب اشتعلت نارها. والباء من بجمعهم يتعلق بقوله إشعالها. ويروى " والمشرفية " بالرفع، ويكون على هذه الرواية تمام الكلام عند قوله بجمعهم؛ لأن الباء منه حينئذٍ يتعلق بقوله العوان. والمعنى: قومي بنو الحرب التي عونت، أي صارت عواناً بهم، وباجتماع جيشهم؛ ثم استأنف الكلام؛ فقال: " والمشرفية والقنا "، والمراد واشتعال نارها بالرماح والسيوف المشرفية. وهذا الكلام - أعني والمشرفية - وإن استؤنف به فمن صفة الحرب. وقيل في المشرفية إنها نسبت إلى المشارف، وهي قوىً معروفة تجلب منها وتطبع بها. ويقال: أشعلت النار في الحطب، وأشعلت الخيل في الغارة، وأشعلته غضباً.
ما زال معروفاً لمرة في الوغى ... عل القنا وعليهم إنها لها
ما زال لدوام الماضي، وارتفع عل القنا على أنه اسمه، وخبره معروفاً. والمعنى: سقى الرماح عللاً بعد نهلٍ عادةٌ معروفةٌ لهم، فيما تقادم من الأيام إلى الآن إذا حضروا الحرب. والعل والعلل: الشربة الثانية، ويقال: عل إبله يعلها فعلت هي. وأنهلت الإبل، إذا سقيتها أولاً، فنهلت، إذا شربت في أول الورود حتى رويت. ومثل هذا البيت قول الآخر:
نهلنا من دماء بني لؤيٍ ... وأنهلنا القنا حتى روينا
стр. 269
وتوسعوا في الاستعمال حتى سموا منازل السفر على المياه مناهل. وإنما قال: " وعليهم إنهالها " لأنه كأنه جعل ذلك واجباً عليهم.
من عهد عادٍ كان معروفاً لنا ... أسر الملوك وقتلها وقتالها
وضع من قي قوله " من عهد عادٍ " موضع منذ لقوتها وكثرة تصرفها وتمكنها في باب الجر، وأداء معنى الابتداء، ومثله قول الله تعالى: " لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يومٍ أحق "، وقول الراجز:
من غدوةٍ حتى كأن الشمسا ... بالأفق الغربي تطلي ورسا
ومعنى البيت أنه نبه على مجاذبتهم للملوك والعلية، لا للأذناب والسفلة. والقتال في ترتيب الفعل مسابق للأسر والقتل، لكنه لم يبال بتأخيره في ترتيب اللفظ، لأن الواو لا يوجب في العطف ترتيباً، إنما هو موضوعةٌ للجمع فقط، وتبجح أيضاً بأن ذلك قديمٌ فيهم منذ زمن عادٍ لا حديثٌ.
وقال أرطاة بن سهية
ونحن بنو عمٍ على ذاك بيننا ... زرابي فيها بغضةٌ وتنافس
يقول: نحن أبناء عمٍ، وعلى ما بيننا من القربى والقرابة فرشت بيننا بسط شرٍ تشتمل على تباغضٍ وتحاسدٍ. وذكر الزرابي مثلٌ ها هنا، وهي البسط، واحدها زربيةٌ وزربىٌ، وقال أبو عبيدة: وهي في لغةٍ أخرى الشواذكين: وأنشد لذي الرمة:
ترديت من أفواف نورٍ كأنها ... زرابي وارتجت عليك الرواعد
وفي القرآن: " ونمارق مصفوفةٌ. وزرابي مبثوثةٌ "؛ أي مفرقة في المجالس. ويقال: اطو بساط الشر بيني وبينك. ويقولون أيضاً: أعطاني فلانٌ في بساط كلامه كذا، أي فيما بسط منه. وقال الخليل في الزرابي: إنها القطوع الحيرية الرقيقة. وفي كلام بعض الفصحاء: " فرشت بيننا قطوع التمائم ". فعلى هذا استعمل هذا الشاعر الزرابي. فأما قوله " على ذاك بيننا "، فإنما أشار بذلك إلى ما
стр. 270
جمعهم من سبب العمومة ونسبها. ويروى: " على ذات بيننا، زرابي " كأنه أراد بذات بينهم خالصة النسب والقرابة، ثم جعل فوقها ما قد غمرها وسترها من زراني الفساد. ويروى:
.............. على ذاك بيننا ... تناء وفينا بغضةٌ وتنافس
والمعنى: وعلى ما يجمعنا من الرحم ينأى بعضنا عن البعض، ومع ذلك بيننا تدابرٌ وتباغضٌ، وتهاجر وتقاطع. كأنهم جعلوا التنائي مداواةً في إزالة ما بينهم فلم ينفع.
ونحن كصدع العس إن يعط شاعباً ... يدعه وفيه عيبه متشاخس
العس: القدح الضخم. والشعب، يستعمل في الجمع والتفريق. ويقال أيضاً: تفرق شعبهم. والشاعب ها هنا: مصلح القداح. يقول: استحكم الفساد بيننا حتى لا يقبل صلحاً ولا صلاحا، وتفاقم الانصداع حتى لا يلتحم تبايناً وتدافعاً، فلن تعود الحال إلى ما كانت وإن أمسكنا عن إثارة الشر والزيادة فيه زماناً، وتصنعنا في الاحتمال والمقاربة إبقاء على الحظ من المراجعة وإدناءً، بل يكون ما بيننا كالشق في القدح، إن أعطى شاعباً تركه والعيب ظاهر فيه، غير منكتم ولا خافٍ. والمتشاخس: المتفاوت المتباين. ومنه قولهم: تشاخست أسنانه من الكبر، إذا احتلفت. قال الخليل: هو أن يسقط بعضها ويميل بعضها. وقيل الشخس في الأصل فتح الفم للتثاؤب. ويجوز أن يريد بقوله " وفيه عيبه ": ومعيبه هكذا. وفي طريقته قول الآخر:
ومن الموالي ضب جندلةٍ ... نخر المودة ظاهر الغمر
وقد أحسن أبانٌ اللاحقي في مزدوجته حين قال:
وإنما مودة الأشرار ... في وهيها كمثل الفخار
يصيبه أدنى يد فينكسر ... وليس يرحى شعبه إذا جبر
كفى بيننا ألا ترد تحيةٌ ... على جانبٍ ولا يشمت عاطس
يروى " يشمت " بالشين والسين، وهما بمعنى واحد، وسمعت أبا عليٍ الفارسي يقول في اشتقاق التسميت بالسين غير معجمة - وهو قولك للعاطس: يرحمك الله - فقال: كأنه إذا عطس لحقته نفضةٌ في جسمه، فإذا دعا الداعي له فكأنه رده إلى سمته
стр. 271
وهديه. وقال في التشميت بالشين معجمة: كأنه التثبيت من الشوامت وهي القوائم. يقول: يكفيك من الشر الراتب بيننا أنه لا ترد تحية الواحد منا - يريد جواب تسليمه - وإن كان الالتقاء معه عن عفر كالالتقاء مع الأجانب والغرباء، وأنه إذا عطس واحدٌ لا يتلقى بالدعاء له على ما استمر وعرف من عادة الناس في تناديهم وتجاورهم. وقوله " كفى بيننا " هو بين الذي كان ظرفاً، فنقله إلى باب الأسماء. ومثله قول الله : " لقد تقطع بينكم " وقال الشاعر:
كأن رماحهم أشطان بئرٍ ... بعيد بين جاليها جرور
ويجوز أن يروى " أن لا ترد " بالرفع، وكذلك " ولا يشمت " على أن تجعل أن مخففةً من الثقيلة. ويكون المراد أنه لا ترد تحيةٌ. ومثله قوله تعالى: " أفلا يرون أن لا يرجع "، بالنصب والرفع.
وقال عقيل بن علفة
نتاهوا واسألوا ابن أبي لبيدٍ ... أأعتبه الضبارمة النجيد
يقول: كفوا عما أنتم عليه من تهييج الشر، وأمسكوا عن الشر في تأريث نار الحرب، واسألوا هذا الرجل: هل أرضاه الأسدى القوي الغليظ الشديد لما تحكك به، وهل وفاه ما استحقه عليه. كأنه جعل إنزاله السوء به والزيادة عند تكرهه له إعتاباً، على التهكم والسخرية. ومثله في ذلك قول بشرٍ:
غضبت تميمٌ أن تقتل عامرٌ ... يوم النسار فأعتبوا بالصيلم
والضبارمة، قال الخليل: هو الجرئ على الأعداء. وسمي الأسد ضبارماً. قال: ويقال هو الأسد الوثيق الخلق، المكتنز اللحم. ويجوز عندي أن يكون من معنى المضبر لا من لفظه، فيكون من باب دمثٍ ودمثرٍ، ودلامصٍ ودلاصٍ وسبطٍ وسبطرٍ. والنجيد: ذو النجدة، وهي البأس والشدة.
ولستم فاعلين إخال حتى ... ينال أقاصى الحطب الوقود
стр. 272
حذف مفعول قوله فاعلين، وهو ما دل عليه قوله في البيت قبله " تناهوا " كأنه قال: ولستم فاعلين التناهي. يقول: ما أرى أنكم تنتهون إلى ما رسمت، أو تقبلون كلامي الذي إليه أشرت، حتى يعظم الخطب، ويبلغ البلاء أقصى مبالغ الجهد، فيتعدى الأقارب إلى الأباعد، ويتأدى من السقيم إلى البرئ. وذكر الحطب والوقود ها هنا مثلٌ لتفاقم الشأن واستفحاله، واتساع المكروه واشتماله. وقد مضى القول في " إخال " وكسر الهمزة منه.
وأبغض من وضعت إلى فيه ... لساني معشرٌ عنهم أذود
يقول: إني متعطفٌ على عشيرتي وإن كانوا مسيئين إلي، متكرمٌ معهم وإن كانوا متحاملين علي، فأبغض إنسانٍ أذكره وأتناوله بلساني متنقصاً له، قومٌ أدفع عنهم في وقتي، وأحامي عليهم في ظاهري أمري. وفي البيت تقديمٌ وتأخيرٌ، وأصل ترتيبه: أبغض من وضعت لساني فيه إلى قومٌ هكذا شأني معهم. وهذا تنبيهٌ على أن الرشاد في المحافظة على حرم ذوي الرحم وإن كانوا منابذين. فمن من قوله " أبغض من " نكرةٌ موصوفةٌ، وصفته وضعت لساني فيه الجملة. وقد فصل بين بعضها والبعض الآخر بقوله " إلي " وهو أجنبي منها. وهذا في الصفة أقرب منه في الصلة، فاحتماله فيه أقرب. ومثل هذا قول جرير:
فلو شاء قومي كان حلمي فيهم ... وكان على جهال أعدائهم جهلي
ومعنى أذود: أدفع، ومنه سمي اللسان المذود، وهذا كما سمي المفصل.
ولست بسائلٍ جارات بيتي ... أغيابٌ رجالك أم شهود
يحتمل وجهين: أحدهما أن يتبجح بتعففه في جاراته، وأنه لا يتطلب مفارقة القيمين بهن، بمرصداً للتمكن منهن، فيكون ذلك باعثاً للسؤال عن رجالهن، ليغتنم الخلوة بهن. والثاني أن يريد رفع الطمع عن جيرته، وقلة الفكر في تتبع أحوالهم، عند حضورهم وغيبتهم، إذ لم يكن همه في النيل منهم، ومشاركتهم فيما يتجدد لهم من خير، فعل المسف للمطامع الدنية. ويكون هذا كما قال الآخر:
وإذا أتى من وجهه بطريقه ... لم أطلع مما وراء خبائه
وهذا أوجه، لأن ذكر العفة قد جاء من بعد.
ولست بصادرٍِ عن بيت جاري ... صدور العير غمره الورود
стр. 273
هذا يشهد لما اخترناه في تفسير ما قبله، فيقول: وإذا دعاني الجار إلى بيته يكرمني ببره، ويشركني في خيره، لا أنصرف عنه والطمع فيه بحاله، والاستغنام للحقير من ماله وطعامه على حده، انصراف العير عن الماء وقد غمره الورود. والتغمير كالتصريد، وهو شربٌ دون الري ومنه الغمر: القدح الصغير، وقال الخليل: يتكايل به الماء في المهامه. وأنشد:
تكفيه حزه فلذٍ إن ألم بها ... من الشواء ويروى شربه الغمر
وقيل في غمره معناه أرواه من الغمر: الماء الكثير، فيكون المعنى: إني لا أتهالك على طامه فعل المنهوم الخسيس الهمة فاتضلع، لكني آكل أكلاً كريماً. وهذا المعنى أقرب عندي.
ولا ملقٍ لذي الودعات سوطى ... ألاعبه وريبته أريد
هذا مثل قول الآخر:
لا آخذ الصبيان ألثمهم ... والأمر قد يغري به الأمر
وفي طريقته أيضاً قول الآخر:
أحب صبي السوء من أجل أمه ... وأبغضه من بغضها، وهو حادر
أي حسن الخلق: يصف عفته فيقول: لا ألقي سوطي بين يدي الصبي الذي في عنقه عوذٌ وتمائم لصغره، ألاعبه في الظاهر، وأضمر التودد إلى أمه وأطلب الخلوة بها لاشتغاله. وهذا إذا رويت: " وربته أريد "، وقوله ألاعبه في موضع الحال. ويروى: " وريبته " وهو أكشف. ورأيت من يقصر الأبيات الثلاثة على صفة العفة عن الجارات، وأن يكون كل بيتٍ منها لمعنىً أحسن وأولى.
وقال محمد بن عبد الله الأزدي
لا أدفع ابن العم يمشي على شفاً ... وإن بلغتني من أذاه الجنادع
стр. 274
الشفا: حرف الشيء. ويمشي في موضع الحال. والبيت يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المعنى إذا أشفى ابن عمي على بلاءٍ وشرٍ يخاف عليه منه، ويخشى عطبه فيه، فإني لا أدفع في صدره تحاملاً عليه ليقتحمه، ولا أزج به فيه لأغرقه. ويجوز أن يريد: إذا انحرف عني مهاجراً لي ومشى على جانبٍ من المؤانسة معي لا أنفره، ولا أتمم استيحاشه بما أثير من كوامن غيظه، وإن بلغني الدواهي عنه، وقاسيت الشدائد من التأذي به. أي لا أنتهز الفرصة في مكاشفته وإن اتصل بالسوء تعرضه، ودام فيما يعن اعتراضه. والجنادع في الأصل تستعمل في هوام الأرض، تستعمل كنايةً عن ضروب المكاره وأنواع الأذى. ومن قولهم: " بدت جنادعه والله جادعه ". وهذا كما استعاروا العقارب فقالوا: دبت عقاربه. وقال الخليل: الجنادع: جنادب في حجرة الحشرات يخرجن إذا كان الحافر يبلغ أقصاها. ومنه قيل في المثل: " جاءت جنادع الشر "، أي أوائله. واستعمل في الكلام أيضاً فقيل جنادع القول لما يسوء منه. ويجوز في قوله " يمشي على شفاً " وجهٌ آخر حسنٌ، وهو أن يكون يمشي في معنى ينم ويحطب. وفي المثل: " هو أضرب من مشي بشفةٍ ". وكأنه مأخوذٌ من قوله تعالى " مشاءٍ بنميمٍ "، ويكون على هذا قوله " على شفاً " متعلقاً بمضمر، كأنه قال: يفعل ذلك كأئناً على شفاً أو حاصلا؛ والمعنى منحرفاً: أي لا أدفعه عن التحريش والنميمة قهراً وعنفاً، ولكن أعطفه بالحسنى.
ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه ... لترجعه يوماً إلي الرواجع
قوله " أواسيه " أي أجعله إسوة نفسي، فأقاسمه مالي وملكي: يقول: لكني أتناسى ذنوبه وهفواته، وأتغابى جرائمه وزلاته، وأحسن التأتي في أثناء ذلك لمواساته، عند ما أنتظر من فيئته وعطفته، حتى يرده إلى ما كان عليه من قبل دواعي الأحوال، وتشابك الأرحام، ورواجع العقب، ولواحق السبب. وهذا الذي وصفه هو الغاية في الإبقاء والاستبقاء.
وحسبك من ذلٍ وسوء صنيعةٍ ... مناواة ذي القربى وإن قيل قاطع
يقول: كافيك من سوء الفعل واكتساء الذل، أن تناوئ أقاربك وإن كانوا قاطعين عاقين، مهاجرين مصارمين. وإنما قال " من ذلٍ " لأن عز الرجل بعشيرته، ومن
стр. 275
أمات نفسه الحظ منهم فقد ذل. والمناواة أصلها الهمز، واشتقاقها من النوء: النهوض. كأن المتعاد بين يناهض كلٌ صاحبه إما بنفسه، وإما بعقيدته ونيته. وقوله " سوء صنيعةٍ " جعل الصنيعة اسما فهي كالكريهة. وقوله " وإن قيل قاطع " ارتفع قاطع على أنه خبر ابتداءٍ مضمر، كأنه أراد وإن قيل هو قاطع. وفي طريقته قول الحطيئة:
فأبقوا لا أبا لكم علهيم ... فإن ملامة المولى شقاء
وروى بعضهم: " وأن قيل " بفتح الهمزة، كأنه يعطفه على قوله مناواة، والمعنى حسبك من الأمرين المذكورين مناواة الأقارب، وقول الناس هو قاطعٌ عاقٌ. والأول أجود وأشبه بما اقتصه وتصرف فيه.
وقال آخر:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
الضمير في " يحسدوني " لطائفةٍ من الناس خصهم بالإخبار عنهم، وقصدهم بالكلام. فيقول: إن نافسوني وحسدوني، ورمقوا النعمة علي بعين التسخط. فإني لا أولمهم ولا أعتب عليهم، إذ كان التنافس والحسد يتبعان الفضل، وإذ كان من قبلنا اعتاد بعضهم من بعضٍ مثل ما نراه بسبب الفضل. وقد أحسن كل الإحسان من قال:
وإذا سرحت الطرف حول قبابه ... لم تلق إلانعمةً وحسودا
فأما قوله " قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا ". فمثله قول عمر بن أبي ربيعة:
وقديماً كان في الناس الحسد
وقبلي جعله لغواً، ومن الناس تبيينٌ، وقد حسدوا خبر المبتدأ.
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظاً بما يجد
стр. 276
هذا الكلام دعاءٌ لنفسه وعلهيم، على طريق التسلي وقلة الاحتفال، ولأن الحاسد يرفع الخامل من الفضل وينود به. فيقول: أدام الله لي ما أنا عليه من الفضل، ولهم ما هم عليه من الحسد، ومات أكثرنا لغيظه بما يجد. وقوله " ومات أكثرنا " الأكثر هم الحسدة، لأنه - وإن أدخل نفسه فيمن أضاف الأكثر إليه - واحدٌ. وقوله " بما يجد " حذف المفعول، والمعنى بما يجده في نفسه من الحسد، أو بما يجده من النعمة والفضل عند المحسود. وحدثني أبو عبد الله حمزة بن الحسن قال: سمعت أبا الحسن علي بن مهدي الكسروي يقول: أنا قد تتبعت من دواوين الشعراء قديمهم ومحدثهم فوجدت أبا تمامٍ الطائي متفرداً بمعنى قوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا التخوف للعواقب لم يزل ... للحاسد النعمى على المحسود
غير مسبوقٍ إليه. وعندي أنه أخذه من فحوى لهذين البيتين وإن كان زاد عليه.
أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدراً منها ولا أرد
قوله " يجدوني " كان يجب أن يقول يجدونني؛ لأن الفعل في موضع رفعٍ، لكنه حذف النون تخفيفاً. وكان يجب أن يقول لو جرى على حكم الصلة: يجدونه، حتى يكون في الصلة ضمير يعود إلى الذي. وإنما جاز أن يجيء وليس فيه ما يعود إلى الذي وإن كان صلةً له، لأن الذي خبر أنا، وهو المبتدأ شيءٌ واحدٌ، فلما كان الأول والثاني شيئاً واحداً لم يبال أن يرد الضمير الذي يجب رجوعه إلى الثاني إلى الأول. ومثل هذا ما نسب إلى أمير المؤمنين ﵇:
أنا الذي سمتن أمي حيدره
فقال سمتن ولم يقل سمته. وقد مضى القول في مثله فيما تقدم مستقصىً، ومعنى البيت: أنا الذي صرت غصة في صدورهم قد نشبت فلا تصدر ولا ترد، أي صارت لازمةً لا تسوغ ولا تؤوب. وقوله " صدراً " مصدرٌ في موضع الحال. و " لا أرتقي " إن جعلت في صدورهم لغواً يكون في موضع المفعول الثاني، وإن جعلت في صدوهم مفعولاً ثانياً كان لا أرتقي حالا.
стр. 277
وقال آخر:
الشيء يبدؤه في الأصل أصغره ... وليس يصلى بكل الحرب جانيها
يبدؤه أي يبدأ منه، فحذف حرف الجر ووصل الفعل فنصب. يقول: أوائل الأمور ضعيفةٌ، ومبادئها صغيرةٌ حقيرة، ثم تستحكم على مر الأيام وتصرف الأحوال فتعظم. وهذا كما قال الأخر:
الحرب أول ما تكون فتيةٌ ... تسعى بنزتها لكل جهول
وفي طريقته قول الآخر:
كم مطرٍ بدؤه مطير
وقوله " وليس يصلى بنار الحرب جانيها " يروى: " بجل الحرب " والمعنى: لا يصطلي بنار الحرب ومعظمها من يكتسبها ويوقدها فقط، بل يحصل بالمشاركة فيها ويمنى ببلواها، من لم ينقل خطوته في بعثها، ولم يسع في تهييجها.
والحرب يلحق فيها الكارهون كما ... تدنو الصحاح إلى الجربى فتعديها
يقول: شر الحرب يعدي إعداء الجرب، فترى الكاره لها يلتحق بها وإن كان غير حازمٍ لها، وتلقى البعيد منها يصطلي بحرها وإن لم يذكها ولم يشيع موقدها. وفي هذا التشبيه خروج المشبه من الكمون إلى الظهور، ومن الخفاء إلى البروز، حتى يتجلى لمتأمله والمفكر فيه على بعده في التصور تجلي القريب في العرف والاعتياد. وهذا هو غاية المراد من التشبيهات.
إني رأيتك تقضي الدين طالبه ... وقطرة الدم مكروهٌ تقاضيها
هذا البيت يصلح أن يكون مدحاً، فيكون المعنى: إني رأيتك تخرج إلى المدينين سريعاً من دينهم عليك، غير مدافعٍ بما في ذمتك لهم ولا مماطلٍ، فإذا
стр. 278
طولبت بدمٍ أو نوزعت في ذحل، شق تقاضيك به وتعذر، وتصعب نيله من جهتك وتعسر. فعلى هذا قوله " مكروهٌ تقاضيها "، معناه مروهٌ تقاضيك بها. ويصلح أن يكون ذماً، فيكون المعنى: إني رأيتك بأهون سعيٍ وأقرب طلبٍ تخرج من الأوتار والدماء إلى طلابها، فلا كلفة في نيلها وإدراكها من جهتك، والتقاضي بالدم عسرٌ صعبٌ إلا إذا كان عندك وقبلك، فما ذلك إلا لضعف كيدك ومهانة نفسك، وقصور آبائك. والدين في هذا الوجه يراد به الوتر والدم. وقوله " مكروهٌ تقاضيها " يعني تقاضي غيرك بها. ومثل قوله مكروهٌ تقاضيها فيما أضيف إليه قول لبيدٍ:
باكرت حاجتها الدجاج بسحرةٍ
لأن المعنى باكرت حاجتي إليها.
وقال شريح بن قرواشٍ
لما رأيت النفس جاشت عكرتها ... على مسحل وأي ساعة معكر
يقول: لما تحركت حميتي وغلب نفسي، حتى كادت تثور من مقرها فتجري أنفةً وامتعاضاً، عطفتها على صاحبي مسحلٍ وفي أي وقتٍ معطفٍ فعلت ذلك. وهذا تفظيعٌ للشأن، وتفخيمٌ للأمر. فإذا رويت " وأي ساعة معكرٍ " بالرفع يكون مبتدأ وخبره محذوف، كأنه قال: وأي ساعة معكر ومكر تلك الساعة. وإذا رويته بالنصب يكون ظرفاً، ويكون العامل فيه مضمراً، كأنه قال: وعكرت أي وقت معكر. ومعنى عكر: عطف. ويقال: هو عكارٌ في الفتن. وجواب لما " عكرتها ".
عشية نازلت الفوارس عنده ... وزل سناني عن شريح بن مسهر
عشية انتصب على أن يكون بدلاً من قوله وأي ساعة معكر إذا نصبت أيا، وإن رفعته فانتصاب عشية على أن يكون ظرفاً والعامل فيه فعلٌ مضمرٌ دل عليه ما قبله، كأنه قال عكرت عشية. ولا يكون العامل نازلت، لأنه مضافٌ إليه وبيانٌ للوقت، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. فيقول: عطفت عليه ذاباً عنه ومدافعاً دونه، عشية منازلتي الفرسان بحضرته، وحين زل سنان رمحي عن ابن مسهرٍ، وإنما زل
стр. 279
السنان عنه وسلم من طعنته لأنه كان لبس درعاً تحت ثيابه وهو لا يشعر، فكأنه يعتذر ويتلهف.
وأقسم لولا درعه لتركته ... عليه عوافٍ من ضباعٍ وأنسر
قوله أقسم يمينٌ، والمحلوف به محذوف، وهو لفظة الله. ولكثرة مجيئها مع أقسم صار وهو محذوف كالمنطوق به، وجواب القسم استغني عنه بحديث لولا، لأنه فيه. والمعنى أنه بين العذر فيما اتفق عليه، فقال لولا درعه التي استظهر بها، وظاهر بثوبه فوقها، لتركته بطعنتي مقتولاً، وعوافي السباع والطير تأتيه وتنال منه. ويقال عفاه واعتفاه بمعنىً واحد.
وهل غمرات الموت إلا نزالك ال ... كمي على لحم الكمى المقطر
هذا الكلام بيان ما تكلفه عند التعطف على مسحلٍ، وتصويرٌ لهول ما ركبه وعاناه من عظيم البلاء في نصرته. ولهذا جعل النفي بلفظ الاستفهام، فقال: وما شدائد الموت إلا منازلتك الكمي فوق لحم الكمي، أي فوق جيف القتلى. ولولا أن هل في طريق النفي ها هنا لما جاء بعده إلا. والمقطر: الملقى على أحد قطريه، وهما الجانبان. ولقطر اختصاصٌ بالعبارة عن الإسقاط والصرع. على ذلك قول عمرو بن معد يكرب:
ما قطر الفارس إلا أبا
ومن المحكي عنهم في المعنى الذي قصده هذا الشاعر، أنه سئل بعضهم: ما أشد ما رأيته فيما زاولته من الحروب؟ فقال: " الزلق على العلق ". وفي طريقته قول الآخر:
يطأن من القتلى ومن قصد القنا ... شربجاً فما يجرين إلا توهما
وقال طرفة الجذيمي
يا راكباً إما عرضت فبلغن ... بني فقعسٍ قول امرئٍ ناخل الصدر
стр. 280
يخاطب واحداً من الركبان غير معينٍ، ويكلفه إن عرض لبني فقعسٍ أن يبلغهم عنه قول رجلٍ ناخل الصدر ناصح الجيب، صادق الود. وإنما نكر المدعو لأمرين: أحدهما شدة اهتمامه بالرسالة وتحميلها رسولاً كائناً من كان. والثاني أنه أراد أن يضع رسالةً ظاهرها أنها أودعت متحملاً، علماً بأن الرسالة بنفسها إذا ضمنت الشعر وعقدت به ستبلغ على أفواه الرواة. وقوله " ناخل الصدر " يريد مصفى ما في الصدر، فحذف المضاف. أو يريد ناخل الصدر لما يعيه فجعل الفعل للصدر توسعاً، والمعنى أنه موافق الظاهر للباطن. ويقال: نخلت الود والنصح لفلانٍ، إذا أخلصتهما.
فو الله ما فارقتكم عن كشاحةٍ ... ولا طيب نفسٍ عنكم آخر الدهر
يقول: أحلف أني لم أوثر فراقكم لعداوةٍ لازمةٍ لكشحي، وبغضاء متمكنةٍ من طويتي، ولا لسلو نفسٍ عنكم وسخاء قلب بكم آخر الدهر. وهذا الكلام إظهار ميلٍ إلى إصلاح ذات البين لو تساعدت الأحوال، ومعذرةٌ أقامها فيما قصده من مراغمتهم، وآثره في مهاجرتهم ومفارقتهم، وإبانةٌ عن الأمر في أن الباعث على ما اتفق لم يكن من سوء خلةٍ، وانطواء على حسدٍ وقطيعةٍ. وإنما قرن السلو بقوله آخر الدهر ليري أن ذلك التقدير ليس بحاصلٍ ولا واقعٍ أبداً، وهذا كما يقال لا أفعل كذا ما دامت السموات والأرض.
ولكنني كنت امرأً من قبيلةٍ ... بغت وأتتني بالمظالم والفخر
هذا كشف العذرة وذكر السبب الموجب للمجانبة والفرقة، فيقول: ولكنني كنت رجلاً من قبيلةٍ خرجت عن طريق التواصل إلى طريق التقاطع بما استعملته من البغي والشقاق، وتعاطته معي من الظلم والعناد، حتى تداعت مباني التواشج والتحاب، وانفصمت عرى العلائق بيننا والتواد، وعيل الصبر، بما لحق من الهضم، وحرج الصدر، لما تلاحق حالاً بعد حالٍ من الاستخفاف والذل.
فإني لشر الناس إن لم أبتهم ... على حالةٍ حدباء نابية الظهر
انتقل عن الخطاب إلى الإخبار حين توعدهم، وإن كان الكل من جملة الرسالة. ويروى: " لشر الناس " بكسر اللام، والمعنى أنا ابن شر الناس، كما
стр. 281
قال النابغة:
لئن كان للقبرين قبرٍ بجلقٍ
والكلام لفظه لفظ الخبر والمعنى معنى القسم. وهذا من الأيمان الشريفة. ويروى: " لشر الناس ". والمعنى: أنا شر الناس إن أحمل هؤلاء القوم بياتاً على حالةٍ منكرةٍ، وخطةٍ صعبة، لا يستقر عليها، ولا يثبت على ظهرها.
وفي هذه الطريقة قول الآخر:
لقد حملت قيس بن عيلان حربنا ... على يابس السيساء محدودب الظهر
فقوله نابية الظهر مثل قول هذا محدودب الظهر، أي ظهرها يجفو لنتوه ونبوه فيقلق راكبها ولا يقر، وجواب الجزاء الفاء في قوله وإني لشر الناس.
وحتى يفر الناس من شر بيننا ... ونقعد لا ندري أننزع أم نجري
تعلق حتى بفعلٍ مضمرٍ، كأنه قال: وأديم ذلك لهم حتى يفر الناس، أي إلى أن يفر الناس. والمعنى: إني لا أزال أتمادى في اللجاج والشر، وأترقى في درجات النزاع والحرب، حتى يسقيل الناس من مشاركتنا وملابستنا فيما نزاوله، ويستعفوا من التوسط بيننا وردنا عما نقتحمه، وينفضوا أيديهم من استطلاحنا ونتحير نحن أيضاً ونرتبك إذا توسطنا أمورنا فلا ندري أنقصر ونكف، أم نجري فننفذ. وهذا إلمامٌ بما سار به المثل في قصة السالئة للسمن، وبقول الشاعر:
وكنت كذات القدر لم تدر إذ غلت ... أتنزلها مذمومةً أم تذيبها
وفي المثل السائر: " اختلط الخائر بالزباد ". وقوله " لاندري " في موضع الحال.
стр. 282
وقال أبي بن حمام المري
تمنى لي الموت المعجل خالدٌ ... ولا خير فيمن ليس يعرف حاسده
فخل مكاناً لم تكن لتسده ... عزيزاً على عبسٍ وذبيان ذائده
يقول: ود لي الموت الوحي السريع الإتيان خالدٌ، حسداً منه وبغضاً، ومنافسة في الرياسة وحقداً. ثم قال متسلياً: ولا خير فيمن لا حاسد له، لأن الحسد من توابع الفضل ومسبباته. ومثل هذا قول الآخر:
إن يحسدوني فإني غير لأئمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
وقد شرح القول فيه. وقوله " فخل مقاماً " أقبل على خالدٍ مبكتاً له ومقصراً به، يعرفه أنه يحسده فيما لا يصلح له ولا يستكفي مثله فيه، فقال: اترك مقاماً تزل قدمك عنه، وتسقط رتبتك دونه، وانس مكاناً لا تسده بكفايتك، ولا تقوم فيه بغنائك، وبعز المدافع دونه على طوائف عبس وذبيان - وإنما يريد رياسة العشيرة - وخل القيام بأمر عبسٍ وذبيان إذ لست من رجال ذلك. وقوله " لتسده " اللام فيه لام الجحود، وهي لام الإضافة، والفعل بعده ينتصب بأن مضمرةً ولا يظهر البتة.
وقال أيضاً:
لست بمولى سوءةٍ أدعى لها ... فإن لسوءات الأمور مواليا
مولى سوءةٍ: متوليها وصاحبها. ويجوز أن يكون من الولي: القرب أي لا أقاربها ولا أدانيها: وقوله " أدعى " من الدعاوة والدعوة، وهي النسبة. يقول: لا أتعاطى قبيحاً، ولا أتولى مخزيةً فأنسب إليها، وأعرف بها، فإن لمقابح الأمور أرباباً غيري. وهذا انتفاءٌ من الأدناس، وتبرؤٌ من المقابح، وتعريضٌ بأن ما يتنزه عنه حاصلٌ في مجاذبه وملازمٌ له.
ولن يجد الناس الصديق ولا العدى ... أديمي إذا عدوا أديمي واهيا
يقول: إني صحيح الأصل، تقي العرض، فلو تعاون في الكشف عما أدعيه والبحث دونه أصدقائي وأعدائي، ومن يرى التغميض على ما ينكره، أو التشهير
стр. 283
والتنديد بما يثيره، لما وجدوا غميزةً، ولا ظفروا بنقيصة. وذكر الأديم مثلٌ للعرض والأصل. والعد والإحصاء كنايةٌ عن الفحص والتنقير.
وإن نجاري يابن غنمٍ مخالفٌ ... نجار اللئام فابغنى من ورائيا
النجار: الأصل. وهذا تعريضٌ بالمخاطب، يقول: أصلي مخالفٌ لأصول الأدنياء، فاطلبني للمفاخرة إذا غبت عنك أو فتك. فأما إذا حضرت فإنك لا تقاومني ولا يستقيم لك مساجلتي. هذا إذا جعلت وراء بمعنى خلف، فإن جعلته بمعنى قدام يكون بمعنى ابغنى إذا تقدمتني. ومن طلب من تخلف عنه من قدامٍ لا يدركه. والكلام على هذا يكون تهكماً وسخريةً. فالمعنى في الأول والثاني: إنك لا تلحق شأوى فاطلبني طلب المعذر واليائس.
ويجوز أن يكون يريد: إني كريم الأصل، رفيع المحل، على الرتبة، ومن كان كذلك لا يظفر به، ولا يصطاد مثله إلا بالخضوع له والانقياد بالتذلل بين يديه، فا بغنى وأنت تابعٌ لي، وواطئٌ عقبي، حتى تنالني، وإلا لم تبلغ مرادك مني. ويقال: فلانٌ من وراء فلانٍ، إذا كان ناصراً له، وتابعاً. وأنشد ابن السكيت:
لعمرك ما كان القرنبى ورهطه ... بعمي ولا خالي ولا من ورائيا
وقال: المعنى ولا ناصرى. فأما قولهم الله من ورائك، فالمعنى طالبك ومترصدٌ لمكافأتك. فعلى القول الأخير يكون من ورائي في موضع الحال لضمير الفاعل في ابغ.
وسيان عندي أن أموت وأن أرى ... كبعض رجالٍ يوطنون المخازيا
ارتفع سيان على أنه خبر مقدم لقوله " أن أموت وأن أرى "، والمعنى: مثلان عندي موتي وأن أرى كمن يألف المخازي ويرضاها وطناً ومأوىً، ولا يأنس إلا بها، ولا يرجع إلا إليها. وهذا تعريضٌ بالمخاطب أيضاً. والسي: المثل. قال:
فإيا كم وحية بطن وادٍ ... هموز الناب ليس لكم بسي
ولست بهيابٍ لمن لا يهابني ... ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا
стр. 284
يقول: لا أحتشم من لا يحتشمني، ولا أتهيبه إذا لم يتهيبني، ولا أرى من إعظام المرء وإجلاله ما لا يراه لي، لكني أوازن الناس في أفعالهم، وأجازيهم على قدر استحقاقهم. وقوله " ما لا يرى ليا " حذف مفعول يرى تخفيفاً، وهذا الحذف سائغٌ إن جعلت ما معرفةً فكان ما بعده صلةً، أو جعلته نكرة فكان صفة.
إذا المرء لم يحببك إلا تكرهاً ... عراض العلوق لم يكن ذاك باقيا
انتصب قول " تكرها " على أنه مصدرٌ في موضع الحال، والتقدير إلا متكرهاً. وانتصب " عراض العلوق " على أنه مصدرٌ مما دل عليه قوله " لم يحببك إلا تكرهاً "، لأن المعنى إذا الرجل عارضك في الحب عراض العلوق لم يكن ذلك الحب باقياً ولا ثابتاً. والعلوق، هي المرأة التي ترأم ولدها وتلسنه حتى يأنس بها، فإذا أراد ارتضاع اللبن منها ضربته وطردته. قال:
وما نحني كمناح العلو ... ق ماتر من غرةٍ تضرب
ويشبه البيت الذي نحن في تفسيره قول الأخر:
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رئمان أنفٍ إذا ما ضن باللبن
؟؟
وقال لعنترة بن شدادٍ
يذبب وردٌ على إثره ... وأمكنه وقع مردىً خشب
هذا ورد بن حابسٍ طلب نضلة الأسدي بوترٍ كان له عنده. فيقول: تسرع هذا الرجل في إثر الهارب منه، واستحث فرسه في لحاقه، فمكنه منه عدو فرسٍ صلبٍ كأنه مرداةٌ. والمردى: صخرة يكسر بها النوى وغيره. ومعنى خشبٍ خشنٌ. ويقال خشبت الشيء خشباً فخشب. والخشب من السيف: الذي بدئ طبعه فلم يلن بعد. وقوله " وقع مردىً " هو من وقعت الحديدة، إذا ضربتها بالميقعة، كأن الفرس كان يضرب الأرض بحوافره ضرب الحديد بالميقعة. ومن
стр. 285
هذا قول الهذلي ساعدة:
وحوافرٌ تقع البراح كأنما ... ألف الزماع بها سلامٌ صلب
فمعنى تقع البراح، أي تقرعه. وروى الجمحي هذا البيت:
................. كأنما ... ألف الزماع ردى سلام صلب
وقال: ردى صخرةٍ، شبه الأنف بها، فعلى هذه الرواية يحصل التوافق بين بيتي عنترة وساعدة الهذلي في اللفظ أيضاً.
يتابع لا يبتغي غيره ... بأبيض كالقبس الملتهب
التتابع والمتابعة يستعملان في اطراد الشيء واستمراره على حدٍ واحدٍ. على هذا قوله:
وعراضة السيتين توبع بريها
ومفعول يتابع محذوفٌ، ويجوز أن يكون الفعل للرجل ويجوز أن يكون للفرس. كأن المراد: يتابع الركض أو العدو. وموضع لا يبتغي نصبٌ على الحال. والباء من قوله " بأبيض " يجوز أن يريد به سيفاً. والقبس: النار. شبهه بها في بريقها ولمعانها ويجوز أن يريد به رجلاً كريما، ويكون على هذا " يتابع " للفرس. وشبهه بالنار لذكائه ونفاذه. واستعمال البياض في الكرم ونقاء العرض كثيرٌ معروف، على ذلك قول الآخر:
أمك بيضاء من قضاعة.......
فأما معنى قوله " يبتغي غيره " فيجوز أن يكون أن همته كانت موكولةً به لا بشيءٍ من الغنائم والأموال. وكأنه ألم بقوله:
أغشى الوغى وأعف عند المغنم
ويجوز أن يريد أن قصده في الطلب كان إليه لا إلى غيره من الناس.
следующие страницы →