Полный текст (1 295 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قال النابغة:
لئن كان للقبرين قبرٍ بجلقٍ
والكلام لفظه لفظ الخبر والمعنى معنى القسم. وهذا من الأيمان الشريفة. ويروى: " لشر الناس ". والمعنى: أنا شر الناس إن أحمل هؤلاء القوم بياتاً على حالةٍ منكرةٍ، وخطةٍ صعبة، لا يستقر عليها، ولا يثبت على ظهرها.
وفي هذه الطريقة قول الآخر:
لقد حملت قيس بن عيلان حربنا ... على يابس السيساء محدودب الظهر
فقوله نابية الظهر مثل قول هذا محدودب الظهر، أي ظهرها يجفو لنتوه ونبوه فيقلق راكبها ولا يقر، وجواب الجزاء الفاء في قوله وإني لشر الناس.
وحتى يفر الناس من شر بيننا ... ونقعد لا ندري أننزع أم نجري
تعلق حتى بفعلٍ مضمرٍ، كأنه قال: وأديم ذلك لهم حتى يفر الناس، أي إلى أن يفر الناس. والمعنى: إني لا أزال أتمادى في اللجاج والشر، وأترقى في درجات النزاع والحرب، حتى يسقيل الناس من مشاركتنا وملابستنا فيما نزاوله، ويستعفوا من التوسط بيننا وردنا عما نقتحمه، وينفضوا أيديهم من استطلاحنا ونتحير نحن أيضاً ونرتبك إذا توسطنا أمورنا فلا ندري أنقصر ونكف، أم نجري فننفذ. وهذا إلمامٌ بما سار به المثل في قصة السالئة للسمن، وبقول الشاعر:
وكنت كذات القدر لم تدر إذ غلت ... أتنزلها مذمومةً أم تذيبها
وفي المثل السائر: " اختلط الخائر بالزباد ". وقوله " لاندري " في موضع الحال.
стр. 282
وقال أبي بن حمام المري
تمنى لي الموت المعجل خالدٌ ... ولا خير فيمن ليس يعرف حاسده
فخل مكاناً لم تكن لتسده ... عزيزاً على عبسٍ وذبيان ذائده
يقول: ود لي الموت الوحي السريع الإتيان خالدٌ، حسداً منه وبغضاً، ومنافسة في الرياسة وحقداً. ثم قال متسلياً: ولا خير فيمن لا حاسد له، لأن الحسد من توابع الفضل ومسبباته. ومثل هذا قول الآخر:
إن يحسدوني فإني غير لأئمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
وقد شرح القول فيه. وقوله " فخل مقاماً " أقبل على خالدٍ مبكتاً له ومقصراً به، يعرفه أنه يحسده فيما لا يصلح له ولا يستكفي مثله فيه، فقال: اترك مقاماً تزل قدمك عنه، وتسقط رتبتك دونه، وانس مكاناً لا تسده بكفايتك، ولا تقوم فيه بغنائك، وبعز المدافع دونه على طوائف عبس وذبيان - وإنما يريد رياسة العشيرة - وخل القيام بأمر عبسٍ وذبيان إذ لست من رجال ذلك. وقوله " لتسده " اللام فيه لام الجحود، وهي لام الإضافة، والفعل بعده ينتصب بأن مضمرةً ولا يظهر البتة.
وقال أيضاً:
لست بمولى سوءةٍ أدعى لها ... فإن لسوءات الأمور مواليا
مولى سوءةٍ: متوليها وصاحبها. ويجوز أن يكون من الولي: القرب أي لا أقاربها ولا أدانيها: وقوله " أدعى " من الدعاوة والدعوة، وهي النسبة. يقول: لا أتعاطى قبيحاً، ولا أتولى مخزيةً فأنسب إليها، وأعرف بها، فإن لمقابح الأمور أرباباً غيري. وهذا انتفاءٌ من الأدناس، وتبرؤٌ من المقابح، وتعريضٌ بأن ما يتنزه عنه حاصلٌ في مجاذبه وملازمٌ له.
ولن يجد الناس الصديق ولا العدى ... أديمي إذا عدوا أديمي واهيا
يقول: إني صحيح الأصل، تقي العرض، فلو تعاون في الكشف عما أدعيه والبحث دونه أصدقائي وأعدائي، ومن يرى التغميض على ما ينكره، أو التشهير
стр. 283
والتنديد بما يثيره، لما وجدوا غميزةً، ولا ظفروا بنقيصة. وذكر الأديم مثلٌ للعرض والأصل. والعد والإحصاء كنايةٌ عن الفحص والتنقير.
وإن نجاري يابن غنمٍ مخالفٌ ... نجار اللئام فابغنى من ورائيا
النجار: الأصل. وهذا تعريضٌ بالمخاطب، يقول: أصلي مخالفٌ لأصول الأدنياء، فاطلبني للمفاخرة إذا غبت عنك أو فتك. فأما إذا حضرت فإنك لا تقاومني ولا يستقيم لك مساجلتي. هذا إذا جعلت وراء بمعنى خلف، فإن جعلته بمعنى قدام يكون بمعنى ابغنى إذا تقدمتني. ومن طلب من تخلف عنه من قدامٍ لا يدركه. والكلام على هذا يكون تهكماً وسخريةً. فالمعنى في الأول والثاني: إنك لا تلحق شأوى فاطلبني طلب المعذر واليائس.
ويجوز أن يكون يريد: إني كريم الأصل، رفيع المحل، على الرتبة، ومن كان كذلك لا يظفر به، ولا يصطاد مثله إلا بالخضوع له والانقياد بالتذلل بين يديه، فا بغنى وأنت تابعٌ لي، وواطئٌ عقبي، حتى تنالني، وإلا لم تبلغ مرادك مني. ويقال: فلانٌ من وراء فلانٍ، إذا كان ناصراً له، وتابعاً. وأنشد ابن السكيت:
لعمرك ما كان القرنبى ورهطه ... بعمي ولا خالي ولا من ورائيا
وقال: المعنى ولا ناصرى. فأما قولهم الله من ورائك، فالمعنى طالبك ومترصدٌ لمكافأتك. فعلى القول الأخير يكون من ورائي في موضع الحال لضمير الفاعل في ابغ.
وسيان عندي أن أموت وأن أرى ... كبعض رجالٍ يوطنون المخازيا
ارتفع سيان على أنه خبر مقدم لقوله " أن أموت وأن أرى "، والمعنى: مثلان عندي موتي وأن أرى كمن يألف المخازي ويرضاها وطناً ومأوىً، ولا يأنس إلا بها، ولا يرجع إلا إليها. وهذا تعريضٌ بالمخاطب أيضاً. والسي: المثل. قال:
فإيا كم وحية بطن وادٍ ... هموز الناب ليس لكم بسي
ولست بهيابٍ لمن لا يهابني ... ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا
стр. 284
يقول: لا أحتشم من لا يحتشمني، ولا أتهيبه إذا لم يتهيبني، ولا أرى من إعظام المرء وإجلاله ما لا يراه لي، لكني أوازن الناس في أفعالهم، وأجازيهم على قدر استحقاقهم. وقوله " ما لا يرى ليا " حذف مفعول يرى تخفيفاً، وهذا الحذف سائغٌ إن جعلت ما معرفةً فكان ما بعده صلةً، أو جعلته نكرة فكان صفة.
إذا المرء لم يحببك إلا تكرهاً ... عراض العلوق لم يكن ذاك باقيا
انتصب قول " تكرها " على أنه مصدرٌ في موضع الحال، والتقدير إلا متكرهاً. وانتصب " عراض العلوق " على أنه مصدرٌ مما دل عليه قوله " لم يحببك إلا تكرهاً "، لأن المعنى إذا الرجل عارضك في الحب عراض العلوق لم يكن ذلك الحب باقياً ولا ثابتاً. والعلوق، هي المرأة التي ترأم ولدها وتلسنه حتى يأنس بها، فإذا أراد ارتضاع اللبن منها ضربته وطردته. قال:
وما نحني كمناح العلو ... ق ماتر من غرةٍ تضرب
ويشبه البيت الذي نحن في تفسيره قول الأخر:
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رئمان أنفٍ إذا ما ضن باللبن
؟؟
وقال لعنترة بن شدادٍ
يذبب وردٌ على إثره ... وأمكنه وقع مردىً خشب
هذا ورد بن حابسٍ طلب نضلة الأسدي بوترٍ كان له عنده. فيقول: تسرع هذا الرجل في إثر الهارب منه، واستحث فرسه في لحاقه، فمكنه منه عدو فرسٍ صلبٍ كأنه مرداةٌ. والمردى: صخرة يكسر بها النوى وغيره. ومعنى خشبٍ خشنٌ. ويقال خشبت الشيء خشباً فخشب. والخشب من السيف: الذي بدئ طبعه فلم يلن بعد. وقوله " وقع مردىً " هو من وقعت الحديدة، إذا ضربتها بالميقعة، كأن الفرس كان يضرب الأرض بحوافره ضرب الحديد بالميقعة. ومن
стр. 285
هذا قول الهذلي ساعدة:
وحوافرٌ تقع البراح كأنما ... ألف الزماع بها سلامٌ صلب
فمعنى تقع البراح، أي تقرعه. وروى الجمحي هذا البيت:
................. كأنما ... ألف الزماع ردى سلام صلب
وقال: ردى صخرةٍ، شبه الأنف بها، فعلى هذه الرواية يحصل التوافق بين بيتي عنترة وساعدة الهذلي في اللفظ أيضاً.
يتابع لا يبتغي غيره ... بأبيض كالقبس الملتهب
التتابع والمتابعة يستعملان في اطراد الشيء واستمراره على حدٍ واحدٍ. على هذا قوله:
وعراضة السيتين توبع بريها
ومفعول يتابع محذوفٌ، ويجوز أن يكون الفعل للرجل ويجوز أن يكون للفرس. كأن المراد: يتابع الركض أو العدو. وموضع لا يبتغي نصبٌ على الحال. والباء من قوله " بأبيض " يجوز أن يريد به سيفاً. والقبس: النار. شبهه بها في بريقها ولمعانها ويجوز أن يريد به رجلاً كريما، ويكون على هذا " يتابع " للفرس. وشبهه بالنار لذكائه ونفاذه. واستعمال البياض في الكرم ونقاء العرض كثيرٌ معروف، على ذلك قول الآخر:
أمك بيضاء من قضاعة.......
فأما معنى قوله " يبتغي غيره " فيجوز أن يكون أن همته كانت موكولةً به لا بشيءٍ من الغنائم والأموال. وكأنه ألم بقوله:
أغشى الوغى وأعف عند المغنم
ويجوز أن يريد أن قصده في الطلب كان إليه لا إلى غيره من الناس.
стр. 286
فمن يك في قتله يمتري ... فإن أبا نوفلٍ قد شجب
أضاف المصدر في قتله إلى المفعول. يقول: من شك في قتل وردٍ لنضلة فليزل الشك عن نفسه، وليدع الارتياب إلى غيره فإنه هلك لا محالة. وأبو نوفلٍ: كنية نضلة. وفي الكلام تهكمٌ وإظهار شماتة. ويقال شجب بفتح الجيم، إذا هلك، فهو شاجبٌ، وشجب بكسر الجيم فهو شجبٌ، لغتان.
وغادرن نضلة في معركٍ ... بحر الأسنة كالمحتطب
النون ضمير الخيل. يقول: تركت الخيل هذا الرجل لما انكشفت عنه وهو في مزدحم الحرب جاراً للأسنة المكسورة فيه عند الطعن، كأنه جامع حطبٍ. ويقال أحررت فلاناً الرمح فجره، أي كسرته فيه لما طعنته فصار يجره. وأنشد أبو زيدٍ:
أجره الرمح ولا تهاله
وحكى بعضهم أن المحتطب: دويبةٌ تمر على الأرض فيعلق بها العيدان. ويكون المعنى يجر الأسنة كما تجر هذه الدويبة العيدان. وهذا تصويرٌ للخفى بالجلي.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وقال عروة بن الورد
لحى الله صعلوكاً إذا جن ليله ... مصافي المشاش آلفاً كل مجزر
لحى الله: كلمةٌ تستعمل في السب، وأصله اللوم والقشر أيضاً. والصعلوك: الفقير. يقول: زاد الله كل فقيرٍ يرضى من عيشه بأن يطوف في المجازر إذا أظلم عليه الليل، ويلتقط المشاش منها كأنه يصافيها ويلازمها حباً لها - فقراً. وإنما قال هذا على وجه الإنكار. أي لم يقنع بذلك، وما له يسف لمثل هذا المطمع الخسيس ولا يطلب معالي الأمور. والمشاش: كل عظمٍ هشٍ دسم، والواحد مشاشةٌ. وقوله " مصافي المشاش " نكرةٌ، وانتصب على أنه صفةٌ لقوله صعلوكاً. وإضافته ضعيفةٌ، لأن المشاش أشير به إلى الجنس، ولا يحصل التخصيص بالإضافة إليه. وعلى هذا قولهم: قيد
стр. 287
الأوابد. ودرك الطريدة وما أشبهه. وكان يجب أن يحرك الياء من مصافي بالفتح، فسكنه لأن منهم من يجري الفتحة في مثله من المعتل مجرى سائر الحركات فلا يثبتها.
بعد الغنى من نفسه كل ليلةٍ ... أصاب قراها من صديقٍ ميسر
يقول: لفرحه بما يناله من كسبه الدني، ورضاه عن أيام بعيشه اللئيم يعد - إذا أصاب القرى لدى صديقٍ ولدت له شياهٌ فاتسع اللبن عنده وفي رحله - الغنى محوزاً له، ومحصلاً عنده، فلا غضاضة تلحقه، ولا أنفة تقبضه. والميسر ضد المجنب، يقال يسر الرجل ويسرت غنمه. وجنب الرجل، إذا قلت الحلوبة في إبله وغنمه. قال:
وكل عامٍ عليها عام تجنيب
وقوله " أصاب قراها " أضاف القرى إلى الليلة على المجاز، والمراد قراه فيها.
ينام عشاءً ثم يصبح ناعساً ... يحت الحصى عن جنبه المتعفر
يقول: ينام هذا الصعلوك لدناءة همته، وقماءة معيشته، واستيلاء الكسل على نفسه ومكسبه قبل الليل، لأن همته في راحته ونومه، وحرصه على ما يسد جوعته به. ثم يأتي الصباح عليه وهو ناعسٌ بعد، غير قاضٍ حاجته من الرفاد، ولا ضجرٍ في مضجعه بالتساقط والانجدال، ينفي عن جنبه ما لصق به من الحصى والتراب، ونشب فيه من دقاق الحصى. وذلك لأنه نام بلا وطاءٍ. وقوله " يحت الحصى " أي يسقطه، فهو قريب من يحط. والعفر: التراب. ويقال عقرته فتعفر.
ولكن صعلوكاً صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور
صفحة الرجل وصفيحته: عرض وجهه. يقول: ولكن فقيراً مشرق الوجه صافي اللون، لا يتخشع لفقره، ولا يتذلل إذا أثر الدهر فيه، فكأن ضوء وجهه ضوء نار القابس المتنور. والقابس ها هنا ذو القبس معناه. والقبس: النار، ويكون القابس
стр. 288
الطالب. ويقال: أقبسني نارك. والمتنور: المتفعل من النار. ويقال تنورت النار، أي نظرت إليها واستضأت بنورها. ومنه قول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعاتٍ وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظرٌ عل
وموضع " صفيحة وجهه " مع خبره نصب على أن يكون صفةً لصعلوكاً وخبر لكن يجيء فيما يجيء من بعد. وقوله " صفيحة وجهه " حذف المضاف منه لأن المراد ضوء صفيحه وجهه كضوء شهابٍ، فأقام المضاف إليه مقامه.
مطلاً على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر
يقال: أطل على كذا، إذا أوفى عليه. والمنيح، قال الخليل: هو الثامن من القداح. وقال أبو عمرو: المنيح والسفيح والوغد قداحٌ لا انصباء لها، وإنما يكثر بها القداح فهي تجال أبداً، وقال الأصمعي: المنيج الذي لا يعتد به. فيقول: ولكن الفقير الوضئ الوجه، الذي يبذل جهده ويبتذل نفسه في طلب غناه، ويقصر سعيه على ما يبلغ به عذره فيشرف على أعدائه غازياً ومغيراً، وهم يزجرونه حالاً بعد حالٍ، ويكرهو عليهم وقتاً بعد وقتٍ يزجر هذا القدح في خروجه ومع ذلك يرد. وخبر لكن بعد لم يجيء.
إذا بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المنتطر
يقول: هذا الفقير لا يقعد به عن طلب الأعداء والإغارة عليهم والنيل منهم بعد الغزاة وتنائي الدار، فهم لا يأمنونه وإن شحطوا، بل يتشوفونه تشوف الغائب المتنظر، أي كما يتشوف غائبٌ دنا قفوله وينتظر. وانتصب " تشوف " على المصدر فيما دل عليه لا يأمنون اقترابه، ومفعول تشوفٌ محذوفٌ، كأنه قال تشوف أهل الغائب رجوعه.
فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميداً وإن يستغن يوماً فأجدر
يقول: ذلك الصعلوك إن أدركه الأجل، قبل نيل الأمل، لقيه محموداً، إذ كان قد فعل ما وجب عليه، وأقام عذره في مطلوبه باستفراغ الوسع في السعي له، وإذ كان التبعة فيما فات على من يملك العواقب دونه. وإن نال الغني يوماً فما أخلقه بذلك. وقوله " إن يلق المنية " خبر قوله ولكن صعلوكاً لو انفرد عن قوله فذلك، لكنه لما تراخى الخبر عن المخبر عنه وتباعد المقتضي عن المقتضى له أتى بقوله فذلك،
стр. 289
مشيراً به إلى الصعلوك. فصار إن يلق خبراً عنه. وساغ ذلك لأن المراد بالأول والثاني شيءٌ واحد، ومما أجرى هذا المجرى لحصول مثل هذا التراخي فيه قول الله : " ألم تعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم "، فأعاد أن في قوله " فأن " كما ترى.
؟ وقال عنترة بن شدادٍ العبسي
تركت بني الهجيم لهم دوارٌ ... إذا تمضى جماعتهم تعود
البيت يروى على وجهين: أحدهما:
تركت بني الهجيم له دواراً ... إذا يمضي جماعتهم يعود
ويكون الضمير في قوله له للفرس، ويمضي فعلٌ له، وجماعتهم ينتصب على المفعول، لأن يمضي هذا يتعدى، ومعناه يجاوزهم. ويكون المعنى: تركت هؤلاء القوم لفرس مطافاً بمنزلة الدوار وهم ضمٌ كانوا يحجونه يطوف حول ذلك الضم، إذا نفذهم وخرق صفوفهم ودار عليهم عاد إلى مثل فعله الأول، وإلى مكانه الأول. ويشبه هذا البيت بيت الأعشى في المعنى واللفظ، وهو:
تطوف عليهم وتمضيهم ... كما طاف بالرجمة المرتجم
وجاء في الحديث حجةً لتعدي يمضي، في صفة المحشر: " يمضيهم الداعي وينفذهم البصر ".
والثاني أن يروى:
تركت بني الهجيم لهم دوارٌ ... إذا تمضي جماعتهم تعود
والمعنى: تركتهم يطوفون حول قتلاهم كما يطاف على ذلك الصنم، أو ذلك النسك، فإذا انقضت جماعةٌ منهم عادت الأخرى للنظارة. وقوله " جماعتهم " يريد جماعةٌ منهم، فأضاف البعض إلى الكل، وليس يريد جملتهم، فهو في حكم النكرات. وموضع " لهم دوارٌ " نصبٌ على الحال، وقوله " تعود " فاعله مضمر، وهو جماعةٌ أخرى، فاكتفى بذكر الأولى عنها.
стр. 290
تركت جرية العمري فيه ... شديد العير معتدلٌ سديد
يفتخر بأنه أصاب المذكور، لما رماه بسهمٍ محكم النصل، مقوم القدح، صلب العير، سديد الوقع. وموضع قوله " فيه شديد العير " نصب على الحال. والعير: الناتئ من وسد النصل. وقد أقيم الصفة مقام الموصوف، لأن المراد به سهمٌ شديد العير. ولولا ما حصل من الاختصاص بإضافة الشديد إلى العير لما جاز ذلك فيه، لأن الصفة لا يقوم مقام الموصوف حتى يدل عليه دلالةً قويةً. فأما إذا كانت عامةً في أجناس، فلا يجوز ذلك فيه. لو قلت مررت بطويلٍ، وأنت تريد رجلاً، لم يحسن، لأن الطويل يكون في غير الرجال كما يكون في الرجال. ولو قلت مررت بكاتبٍ، يحسن إذ كانت الكتابة مختصة.
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحق له الفقود
كان من رموزهم أن الواحد إذا رمى بسهمٍ وأراد سلامة الرمية منه رقى سهمه بعودة ونفث فيه، ثم رمى به، وإذا أراد هلاكه لم يفعل ذلك. ومثل هذا قول الآخر:
فلم أرقه إن ينتج منها وإن يمت ... فرمية لا غسٍ ولا بمغمر
وقوله " فحق له الفقود " المبتدأ محذوف، كأنه قال فهو حقٌ له الفقود، لأن الفاء يجلب في الجزاء إذا كان الجواب بالابتداء والخبر، ولو قصد إلى أن يكون الفعل جواباً لا يستغنى عن الفاء. وبعض من يدفع هذه الطريقة يقول لا رقية ولانفث، إنما كنوا عن الإبقاء بمثل هذا الكلام. وقوله: " وإن يفقد " فهو مثل قوله " فطعنة لا غسٍ ". والمعنى: إن يبرأ فليس ذلك من بقياى، وإن يهلك فواجبٌ لأن المصاب بمثله يهلك لا محالة.
وما يدري جرية أن نبلي ... يكون جفيرها البطل النجيد
يروى: " وهل يدري جرية ". والمعنى لا يعلم أنه كما أتى أصبته فدأبي وعادتي أن تكون الأبطال النجداء لنبلي بمنزلة الجعبة، أصيبهم أبداً بها. وفي ذكره البطل
стр. 291
النجيد إلمامٌ بقول الآخر:
.............. ونص ... طاد نفوساً بنت على كرم
ويقول الآخر:
من عهدٍ عاد كان معروفاً لنا ... أسر الملوك وقتلها وقتالها
وأخذ أبو تمام هذا المعنى فقال:
فلا تطلبوا أسيافهم في جفونها ... فقد أسكنت بين الطلى والجماجم
ويجوز أن يريد بالبطل النجيد جرية بعينه، ثم يجوز أن يكون متهكماً فيما وصفه به، ويجوز أن يكون مادحاً له، لأن مدح خصمه وفت غلبه راجعٌ إليه.
وقال قيس بن زهيرٍ العبسي سيد بني عبس
تعلم أن خير الناس حياً ... على جفر الهباءة لا يريم
يروى " أن خير الناس حياً "، والمعنى هو حيٌ، وقوله " على جفر الهباءة " خبر أن. ويروى: " ميتاً " وإعرابه على ما ذكرناه في حياً. ويروى: " ميتٌ " وارتفاعه على أنه خبر أن، و " على جفر الهباءة " في موضع الصفة له. ومعنى تعلم: اعلم. ولا يقال في جوابه تعلمت، استغنى عنه بعلمت. ويعني بخير الناس حمل بن بدرٍ. وجفر الهباءة: بئرٌ قريبة القعر، وماؤها كثيرٌ معينٌ. وكان حملٌ انهزم في وقعة بين عبسٍ وذبيان فلما انتهى إلى الهباءة أمن لبعدها عن الطلب، فرمى بنفسه إلى الماء ليبترد، فاتفق لحاق قيس به مع عدةٍ من ذويه، فقتلوا عن آخرهم.
ولولا ظلمه ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم
стр. 292
أشار بالظلم إلى ما جرى بينهم في أمر داحسٍ والغبراء، وإنكاره السبق، وركوبه البغي. وقوله " ما طلع النجوم " ينتصب على أنه بدلٌ من الدهر. والمعنى: لولا ما أسلفه من الظلم لاقتضى ما يجمعنى وإياه من الأحوال والذمم، والتشاجر والرحم البكاء عليه مدة الدهر. وقوله " ما طلع " بمنزلة المصدر، وقد حذف اسم الزمان معه. والمارد بذكر الدهر الكثير والمبالغة والتأييد. وقد بينه بقوله " ما طلع النجوم "، لأنه على ذلك يصح أن يكون بدلاً منه. فمعنى " عليه الدهر " عليه طوال الدهر، وامتداد الدهر.
ولكن الفتى حمل بن بدرٍ ... بغي والبغي مرتعه وخيم
يقول: استعمل البغي واستوبل العافية، واستذم المرتع، ومن بغي عليه فإنه ينصر. ويقال: بغى الرجل على فلانٍ، أي جار. وبغى الفرس في عدوه، وهو فرسٌ باغٍ، وذلك إذا اختال ومرح. وإذا استعمل في الفخار والاستطالة فهو من هذا. والوخامة: الثقل يعرض من الطعام. يقال وخم وخامةً فهو وخيمٌ ووخمٌ، أي لا يستمرأ.
أظن الحلم دل على قومي ... وقد يستجهل الرجل الحلين
يقول: احتمالي من عشيرتي، واستعمال الحلم معهم، هو الذي جسرهم علي فيما أظن، ودلهم على قصدي واهتضامي على ما يتبين. ثم قال " وقد يستجهل الرجل الحليم " أي إذا أحوج الحليم وأحرج فقد يتكلف ما لا يكون معهوداً في طبعه، ولا موجوداً من خلقه. وإنما نبه بهذا الكلام على أنه يتحلم عن الأدبين، ويصبر على أذاهم، وأنه لما عيل صبره وحمل فوق ما في وسعه، خرج عن المعتاد منه إلى غيره.
وقال مساور بن هندٍ
سائل تميماً هل وقيت فإنني ... أعددت مكرمتي ليوم سباب
стр. 293
يقولك سائل تميما هل كان مني وفاءٌ بما تضمنته لجاري، فإني رجلٌ نظارٌ في أعقاب الأحاديث، مهتمٌ بإعداد المكارم ليوم النفار، شديد النزاع في مجالس الفخار. كأنه يقرر خصماءه على ما كان من وفائه، ليسقط التبعة عنه فيه، وينبه على أنه يراعي أفعاله فيخلصها مما يعد سيئةً وسبةً ووصمةً في حسبه.
وأخذت جار بني سلامة عنوةً ... فدفعت ربقته إلى عتاب
عتاب هذا كان معتصماً بحبله، ومستظهراً بذمته، فلحقه من بني سلامة اهتضامٌ في أمرٍ، فجاء مساورٌ ومكنه من جارهم، وأعطاه ربقته ليتحكم فيه، ويشتفي لما لحقه منهم. وهذا الكلام بيانٌ لكيفية وفائه والخروج إلى جاره مما كان تضمن له. وقوله " عنوةً " أي قهراً، وهو مصدرٌ في موضع الحال. ويقال: أخذ بلد كذا عنوةً، أي قهراً بالسيف. والربقة: الحبل يشد في عنق البهم، وقد توسعوا فيه فقالوا: خلع فلانٌ ربقة الإسلام. وقوله فدفعت ربقته "، هو كما يقال دفعت مقادته.
وجلبته من أهل أبضة طائعاً ... حتى تحكم فيه أهل إراب
الهاء من " جليته " ترجع إلى دار بني سلامة. وأبضة: اسم ماء. وقوله " جلبته طائعاً " تنبيهٌ على أنه وإن لزمه لجاره الانتقام له من خصمه ومهتضميه فقد تبرع له بما لم يكن عليه، وتكلف فيه ما لم يلزمه. وإراب: موضع، وقيل إراب: ماءٌ لبنى العنبر. وأبضة: ماءٌ لطيئ. والأبض كالعقل، ومنه المأبض في الرجل. وقيل للغراب مؤتبض النسا، لأنه يحجل فكأنه مأبوض.
قتلوا ابن أختهم وجار بيوتهم ... من حينهم وسفاهة الألباب
يشهر بفعلتهم الذميم ويندد، فيقول: قطعوا الرحم ونقضوا العهد، وارتكبوا ما كان محظوراً في الدين والمروة، والعهد والذمة، فقتلوا جارهم وابن أخيهم، بخفة عقولهم، واقتراب هلاكهم. والسفه: الخفة في الأصل، ومنه قيل زمامٌ سفيهٌ، إذا كان كثير الاضطراب، ومنه قيل: تسفهت الريح الغصن، وتسفهته عن ما له. واللب: العقل، والفعل منه لب يلب. وقالت صفية بنت عبد المطلب: أضربه لكي يلب، ويقود الجيش ذا الجلب.
غدرت جذيمة غير أني لم أكن ... أبدً لأولف غدرة أثوابي
غيرهم باستعمال الغدر وترك الوفاء للجار، ثم برأ ساحته من تعاطي مثل فعلهم، ونزه نفسه عن ارتكاب نظير ما ارتكبوه. فأما قوله " لم أكن لأولف " فاللام فيه
стр. 294
لام الجحود، وانتصاب الفعل بأن مضمرة بينه وبين اللام. وموضع " لا ولف " نصب على أنه خبر كان، وانتصاب غير على أنه استثناءٌ منقطعٌ. وذكر الثوب على عادتهم في الكناية عن النفس. وعلى هذا قوله:
نبيت أن دماً حراماً نلته ... فهريق في ثوبٍ عليك محبر
وقد قيل معنى قوله تعالى: " وثيابك فطهر "، أي نفسك. ويقولون على هذه الطريقة: فلانٌ غمر الرداء، وعفيف الحجزة، والمراد النفس. وعلى هذا قول النابغة:
رقاق النعال طيبٌ حجزاتهم
وقول الهذلي:
تبرأ من دم القتيل وبزه ... وقد علقت دم القتيل إزارها
وإذا فعلتم ذلكم لم تتركوا ... أحداً يذب لكم عن الاحساب
الخطاب يوجه إلى جذيمة وهو منهم، ولذلك جعل لهم أحساباً يحتاج إلى الذب عنها، وينصح لهم بالإبقاء عليها، وترك الأفعال التي تدعو إلى البراءة منهم ومنها، لكنه أخرج نفسه مما عصب من الذم بهم، وألزمهم من ذميم القول في شيمهم وطرقهم، فقال: إذا ركبتم من شنيع الغدر مثل ما أنكرته اشتهر أمركم، وانتفى النسيب والغريب من ملا بستكم، وخلي بين القادح في أحسابكم وأعراضكم وبينكم، فلا يذب عنكم ذابٌ، ولا يدافع دونكم مدافع، وتفردتم بالعار اللاحق، والتهجين العائد.
وقال العباس بن مرداسٍ
أبلغ أبا سلمى رسولاً يروعه ... ولو حل ذا سدرٍ وأهلي بعسجل
стр. 295
رسول امرئٍ يهدي إليك نصيحةً ... فإن معشرٌ جادوا بعرضك فابخل
يخاطب بقوله " أبلغ " صاحباً له، يقول أد إلى أبي سلمى رسالةً تفزعه على ما بيننا من البعد، وعلى استيطانه ذا سدرٍ ونزول أهلي بعسجلٍ. وذو سدرٍ: موضع فيه السدر، وهو شجر النبق. وعسجلٌ: موضعٌ من حرة بني سليم، وبينهما مسافةٌ بعيدةٌ. والرسول يقع على المراسل والرسالة جميعاً، ويجري مجرى المصادر، فيقع على الواحد فما فوقه، ومجاز " لوحل " مجاز الشرط، فهو يفيد معنى إن، كأنه قال: أبلغه ذلك فإني لا أذخره نصحي، وإن بعد عني وعن عشيرتي. وانتصب " رسول " من البيت الثاني على أنه بدل من رسولاً يرعه. ونقل الكلام في البيت الثاني عن الإخبار إلى الخطاب، لتكون الوصاة أنجع، والرسالة أبلغ. وإنما قال " رسولاً يرعه " لما فيه من التحذير. فيقول: أد إليه رسالة رجلٍ منتصحٍ متقربٍ، وعلى ما يكون فيه صلاحه وخلاصه منبهٍ. وقوله " فإن معشرٌ جادوا بعرضك " تعريضٌ بمن كان يغشه ويخونه، ويداجيه فيما استشاره فيه فلا يصدقه. وارتفع " معشرٌ " بفعلٍ مضمرٍ " جادوا " تفسيره؛ لأن إن بالفعل أولى، والمعنى: إن عرضك من لا يهمه سلامة عرضك لما فيه ذهاب النفس وتلف المهجة، وتسخى بك وبما يجمعك وإياه من أسباب المودة واللحمة، فابخل أنت به وتماسك، قبيل فوت الوقت، وانظر ليومك وغدك قدام تولي الأمر.
وإن بوءوك مبركاً غير طائلٍ ... غليظاً فلا تنزل به وتحول
يقال: بوأته مبوأ صدقٍ، أي أحللته. والمباءة: المنزل. يقول: وإن حملوك على مركبٍ غير وطئٍ يسومونك فيه خسفا، وأنزلوك منزلاً خشناً حزناً يؤثر في ثفنات الإبل فيدميها، ويستوعره الركب فلا يرونه منزلاً لها، فلا ترض به، وانتقل عنه. وهذا مثلٌ لما عرضوه له، ويبعثه بضربه إياه على محاذرته، وتصور الأمر معهم بصورته. وقوله " غير طائل " يجب أن يكون من الطول: الفضل؛ يقال: طال عليهم طولاً فهو طائلٌ. والمعنى: لا خير فيه فيطول على غيره. ومثل هذا البيت قول امرئ القيس:
هو المنزل الآلاف من جو ناعطٍ ... بني أسدٍ حزناً من الأرض أوعرا
وقوله " فلا تنزل به " الفاء مع ما بعده جواب الشرط في قوله وإن بوءوك. وموضع فلا تنزل رفعٌ على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: فأنت لا تنزل به.
стр. 296
ولا تطعمن ما يعلفونك إنهم ... أتوك على قرباهم بالمثمل
أخرج ما قدمه من التمثيل لكيدهم وسوء دخلتهم، وما يجب عليه من الأخذ بالتحرز معهم، وترك الاستناخة في المبرك الذي اختاروه، والمبوأ الذي أعدوه، في معرضٍ آخرٍ. والمعنى: وما يعد قرىً لك فتجنبه ولا تتناوله، فإنهم هيئوا لك به سماً قاتلاً فلا تطعمه والمثمل، هو السم الذي قد خلط به ما يقويه ويهيجه، ليكون أنفذ. ويقال للصوفة التي توضع في الهناء عند طلي البعير به. الثملة، وهو مما ذكرت. قال الزاجز:
كما يلاث في الهناء الثملة
وقوله " أتوك على قرباهم " يجوز أن يريد به على تقربهم وتنصحهم، ويجوز أن يريد به على قرابتهم وتشابك الأحوال بينك وبينهم. وإنما تنقل في المثل بعد المثل تأكيداً للقول عليه في محاذرتهم، وإنذاراً في الركون إليهم، والاستنامة إلى ناحيتهم.
أبعد الإزار مجسداً لك شاهداً ... أتيت به في الدار لم يتزيل
هذا الكلام وإن كان لفظه لفظ الاستفهام فهو تقريعٌ وإنكارٌ، وتنبيهٌ وإنذارٌ، فيما يضرب المخاطب عنه، ويغفل دونه، مع كونه أعدل شاهدٍ على سوء نيتهم، وخبث طويتهم، ومع خروجه عن حيز الاستدلال عليه إلى المشاهدة، ومن خلل الخفاء والتشكك إلى ظاهر الضرورة. فيقول: أتغتر بهم، أو تستريب بما أحذرك منهم، بعد ظهور أمرهم وانكشاف قصدهم، وبعدما أتيت به في الدار من الإزار المتلطخ بدم ابن عمك، وقد يبس عليه ولم يتزيل عنه. فقوله " بعد الإزار " يتعلق بفعلٍ مضمرٍ قد دل عليه خبيئات القصة المحكية. والمجسد: الثوب المشبع صبغاً. والجساد: الزعفران. ومعنى لم يتزيل: لم ينفك مما خالطه منه.
أراك إذاً قد صرت للقوم ناضحاً ... يقال له بالغرب أدبر وأقبل
الناضح: البعير الذي يستقى عليه الماء. والنضح من الحياض: ما قرب من البئر فيفرغ الماء من الدلو فيه، وهذا الكلام صدر عمن نصح جهده وبين لموعظه
стр. 297
رشده، فلما لم يتلق بالقبول قوله جعله قضيةً منه على المخاطب، بسوء الاختيار، وركوب الاغترار، وأظهر أنه قد صار من التضجر به ورفع الطمع عنه وعن صلاحه، في حكم اليائس من فلاحه، والممسك عن وعظه وإبلاغه، لكونه في حكم المسخر لهم حتى لا رأى له ولا اعتبار، ولا تدبر ولا اختيار. فقال: أراط قد صرت معهم بمنزلة البعير الذي يستقى عليه، طاعة وانقياداً، فيقال له أدبر وأقبل بالغرب. والمعنى تسام ما تسام فتلتزمه وتنقاد، فعل ذلك البعير. ومعنى " يقال له " أي يحمل على ذلك. والتصرف في القول على وجوهٍ كثيرة من المجاز.
فخذها فليست للعزيز بخطةٍ ... وفيها مقالٌ لامرئٍ متذلل
هذا الكلام خروجٌ عن عهدة ما يفعله المخاطب، وبراءةٌ إليه مع الإنكار عليه والتنبيه على موضع الخطأ فيه، فيقول: وكلتك إلى نفسك، ونفضت يدي من مراجعتك، فأرض بما عليه تدار، وابذل ما تراود عنه وتسام، عالما أن مثله لا يرضى به عزيزٌ، ولا يلتزمه آنفٌ؛ وفيه مع ذلك نظرٌ وجدالٌ لمن يتذلل: هل هو خطته أيضاً. والمعنى: إنك تركب ظهراً لا يقتعده المتكلف للذل فكيف العزيز. ويجوز أن يكون المعنى: فيها للناس، إذا تذاكروا الأحوال والخطط، نظرٌ وكلامٌ مبسوطٌ: هل يرضى بمثله المتذلل أو لا. ويجوز أن يريد: إن الذليل يتكلم فيمن يرضاها خطةً ويعيره إياها، فكيف يكون خطة للعزيز. وهذا الوجه أبلغ الوجوه الثلاثة وأدقها.
وقال العباس بن مرداس
أتشحذ أرماحاً بأيدي عدونا ... وتترك أرماحاً بهن نكايد
هذا مثل. والمعنى: أتعين أعداءنا علينا، لأن من أحد سلاح العدو الذي يقاتل به، وترك سلاح صاحبه الذي يكايده فقد أعانه عليه. وإنما خص من بين العدد الرماح لأنها كأنها أخص بهم. وقوله " وتترك أرماحاً " أراد وتترك شحذ أرماحٍ، فحذف المضاف. ويجوز أن يكون في كنى بالأرماح عن الرجال. والمعنى: أتهيج أصحاب عدوي علي، وتسددهم نحوي، وتترك أصحابي الذين بهم أكابد، فلا تقوى في القتال والصبر رأيهم ولا تمر في الثبات عزائمهم، ومن المعروف قولهم: فلانٌ سيفي
стр. 298
ورمحي، في الذي يستظهر به عند ملاقاة الأعداء وفلانٌ ترسي وجنتي، فيمن يتقى به من الأسواء. وإنما قال في هذا الوجه أرماحاً بأيدي عدونا لأنه إذا كنى عنهم بما يكون آلة جعلها باليد. ويقال شحذت السكين، إذا أحددته. والباء من قوله " بأيدي " يتعلق بمضمر، كأنه قال أرماحاً مستقرة وحاصلةً بالأيدي. والعدو يقع على الواحد وعلى الجمع. وفي القرآن " فإنهم عدوٌ لي ".
عليك بجار القوم عبد بن حبترٍ ... فلا ترشدن إلا وجارك راشد
هذا الكلام بعثٌ وتحضيضٌ على مراعاة العهود والذمم، وصيانة الجار من الاهتضام، وإن لام فيها اللوائم. فيقول: انتصف لجارك وانتقم له بأن تؤثر في جار القوم، فإنك لا تكون راشداً إلا وقد رشد جارك معك. ويقال رشد يرشد، ورشد يرشد، لغتان. والباء من قوله: " بجار " يتعلق بعليك، لأن معنى عليك خذ. ويقال خذ كذا وخذ بكذا. يقال أيضاً عليك كذا وبكذا. ودخول النون الخفيفة في قوله " ترشدن " لأنه ليس بواجبٍ فهو يجري مجرى الأمر والنهي والاستفهام.
فإن غضبت فيها حبيب بن حبترٍ ... فخذ خطةً يرضاك فيها الأباعد
الضمير في " فيها " للفعلة والخطة. ألا ترى قوله " فخذ خطةً يرضاك فيها الأباعد ". والمعنى: إن تسخط ما تتكلفه لجارك من الذب عنه والانتقام له هؤلاء القوم فلا تبال بهم، وخذ في أمره ما يحمدك الأباعد دون الأقارب، فإن الأخبار إذا انتشرت عنك بالوفاء استرجحك الأجانب. وخذل الجار وتسليمه إيثاراً لهوى الأقارب، ومجانبةً لكراهتهم، يجلب الذم ويلحق العار.
إذا طالت النجوى بغير أولي القوى ... أضاعت وأصغت خد من هو فارد
هذا بيان الرأي في قبول ما أشار به، وترك التعريج على غيره. والعامل في " إذا طالت " أضاعت، وهو جوابه أيضاً. فيقول: إذا طالت المناجاة وامتدت الاستشارة مع غير أرباب الآراء القوية ضيعت المستشير وأمالت خده، وصار في الانفراد بما يعانيه بمنزلة من لا ناصر له ولا مشير، لوقوع التشاور على غير حده، وتقصير المشير في القيام بواجبه، وقد جمع بين فعلين في قوله " أضاعت " و " أصغت " فأعمل الثاني، وهو المختار عند أصحابنا البصريين. ويجوز أن يكون مفعول أضاعت غير " خد من " فحذفه، كأنه قال أضاعت ربها. وكان الحكم في هذا الوجه أن يقول لو أظهر المفعول: وأصغت خده لكونه فارداً وحيداً، لكنه لما كان الآخر هو الأول وقد
стр. 299
حذفه، لم يبال بإظهاره، لأن الذي هو فاردٌ رب النجوى لا غير. ومعنى إصغاء الخد الإذلال والانحراف للفتور والخجل. والقوى: جمع قوة، وأصلها طاقات الحبل، ثم استعملت في الآراء والعزائم. وأصل النجوى المسارة، فاستعيرت للمشورة لأنها في أكثر المواضع تقع بها. ويقال: فلانٌ نجي فلانٍ، وتناجوا فيما بينهم وانتجوا، وهم نجوى، وصفٌ بالمصدر. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
ومن لا يكن ذا ناصرٍ يوم حقه ... يغلب عليه ذو النصير ويضهد
فحارب فإن مولاك حارد نصره ... ففي السيف مولىً نصره لا يحارد
يقول: حارب من قصد جارك وأعان عليه، ولا تقعد عن نصرته والانتصار له، فإن لم يعاونك فيما ترومه مواليك، وتأخروا عن النهوض معك، فاستعن بالسيف، فإن فيه مولىً لك لا يخذلك، ولا يتباطأ عنك. وهذا كما قال غيره:
أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
والمحاردة أصلها في قلة اللبن، واستعير في قلة الموازرة والمظاهرة. وقوله " فإن مولاك " ارتفع مولاك يفعل مضمر ما بعده. تفسيره، لأن إن بالفعل أولى.
وقال أيضاً: وهذه الأبيات تعد من المنصفات:
فلم أر مثل الحي حياً مصبحاً ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
أشار بالحي إلى قومٍ معهودين. يقول: لم أر مغاراً عليه كالذين صبحناهم، ولا مغيراً مثلنا يوم لقيناهم. فقسم الشهادة قسم السواء بين أصحابه وأصحابهم، وتناول بالمدح كل فرقةٍ منهم. وانتصب قوله " حياً مصبحاً " على التمييز، وفيه دلالةٌ على جواز قول القائل: عندي عشرون درهما وضحاً. وكذلك قوله فوارساً تمييز وتبيين.
стр. 300
ويجوز أن يكون الأول والثاني في موضع الحال، والمصبح الذي يؤتى صبحاً للغارة، ويستعمل في الخير أيضاً، يقال: صبحك الله بخيرٍ. فإن قيل. لم قال فوارس والتمييز يؤتى به موحد اللفظ. قلت: إذا لم يتبين كثرة العدد واختلاف الجنس من المميز يؤتى بالتمييز مجوع اللفظ متى أريد التنبيه على ذلك. وعلى هذا قول الله تعالى: " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً "، كأنه لما كانت أعمالهم مختلفةً كثيرةً، نبه على ذلك بقوله: أعمالاً ولو قال عملاً كان السامع لا يبعد في وهمه أن خسرهم كان لجنسٍ واحد من أجناس المعصية، أو لعملٍ واحدٍ من الأعمال الذميمة. فكذلك قوله " فوارس " جمعه حتى يكون فيه إيذانٌ بالكثير.
أكر وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منا بالسيوف القوانسا
المصراع الأول ينصرف إلى أعدائه وهم بنو أسد، والمصراع الثاني إلى عترته وأصحابه. والمراد: لم أر أحسن كراً، وأبلغ حمايةً للحقائق منهم، ولا أضرب للقوانس بالسيوف منا: وانتصب القوانس من فعل دل عليه قوله " وأضرب منا ". ولا يجوز أن يكون انصابه عن أضرب لأن أفعل الذي يتم بمن لا يعمل إلا في النكرات، كقولك: هو أحسن منك وجهاً. وأفعل هذا يجري مجرى فعل التعجب، ولذلك تعدى إلى المفعول الثاني باللام، فقلت ما أضرب زيداً لعمرو. وقول الله تعالى: " الله أعلم حيث يجعل رسالاته "، موضع حيث نصبٌ مما دل عليه أعلم. والقونس، قال الدريدي: هو أعلى البيضة وقال غيره: قونس الفرس: ما بين أذنيه إلى الرأس. ومثله قونس البيضة من السلاح.
إذا ما حملنا حملةً نصبوا لنا ... صدور المذاكي والرماح الدواعسا
يروى: " إذا ما شددنا شدةً ". يقول: إذا حملنا عليهم ثبتوا في وجوهنا، ونصبوا صدور الخيل القرح، والرماح المعدة لذلك. ولدعس: الدفع في الأصل، ثم يستعمل في الطعن وشدة الوطء والجماع. والذكاء: ضد الفتاء. ويقال فرسٌ مذكٍ، إذا تم سنه وكمل قوته. وفي المثل: " جرى المذكيات غلابٌ ". ويقال " غلاءٌ ". ويقال: فتاء فلان كذكاء فلان وكتذكية فلان، أي حزامته على نقصان سنه كحزامة ذاك مع استكماله لسنه. وقال زهير بن
стр. 301
أبي سلمى:
يفضله إذا اجتهدا عليه ... تمام السن منه والذكاء
إذا الخيل جالت عن صريعٍ نكرها ... عليهم فما يرجعن إلا عوابساً
يقول: إذا الخيل دارات عن مصروعٍ منا كررنا عليهم لنصرع منهم مثل ما صرعوا منا. ويجوز أن يريد: إذا جالت الخيل عن صريعٍ منهم لا يقنعنا ذلك فيهم، بل نكرها عليهم لمثله، وإن كرهت الكر لشدة البأس فلم ترجع إلا كوالح. والعامل في قوله " إذا الخيل " نكرها، وهو جوابه أيضاً. وإلا عوابساً في موضع الحال، وقوله " الخيل " ارتفع بفعل مضمر ما بعده تفسيره.
وقال عبد الشارق بن عبد العزى الجهني
ألا حييت عنا يا ردينا ... نحييها وإن كرمت علينا
هذا على كلامين. و " ألا " افتتاحٌ. والتحية، قال بعضهم: هي الوداع ها هنا، يقول: ألا أبلغت وداعنا يا ردينة. ثم قال: نحييها، أي نودعها وإن عزت علينا مفارقتها. ويجوز أن يكون دعا لردينة مبتدئاً فقال: جزاك الله عنا، أي تولى الله ذلك من دوننا، ثم راجع نفسه فقال: نفعل ذلك على فخامة موقعها منا، وجلالة محلها من قلوبنا، إذا كنا لا نقدر لها على غير ذلك. وقوله " نحييها وإن كرمت " يسمى التفاتاً، كأنه التفت إلى من معه فقال ذلك.
ردينة لو رأيت غداة جئنا ... على أضماتنا وقد احتوينا
توصل بمخاطبتها إلى اقتصاص الحال التي يريد شرحها، فأخذ يباثها فيقول: لو رأيتنا غداة جئنا على حزازاتٍ في النفس، واحتراقاتٍ في الجوف والصدر، من الغيظ والحقد، وقد حوينا أموال إعدائنا، واستبحنا حريمهم، وملأنا أيدينا من غنائمهم. هذا إذا رويته بالحاء غير معجمةٍ. وروى بعضهم: " اختوينا " بالخاء المعجمة، ويكون افتعل من الخوى والمعنى: خوت أفئتدتنا من الود، كقول الآخر:
وإذ صفرت عياب الود منكم ... ولم يك بيننا فيها ذمام
стр. 302
وأجود منها " وقد اجتوينا " بالجيم، وهو افتعل من الجوى، كأنه يريد ما اشتمل الجوانح عليه من العداوة حتى صار جوىً. والأضم: الغضب. ومع ذكر الأضم اجتوى بالجيم أشبه، وهو أقرب. وجواب لو محذوفٌ، لأن الأفعال التابعة لهذا البيت جميعها مقصورٌ على بيان القصة، وشرح أحوال الوقعة. وقد بينت فيما تقدم أن حذف الجواب من مثل قول القائل: لو رأيت زيداً وفي يده السيف، أدل على التهويل والتفخيم من إثباته.
فأرسلنا أبا عمرٍو رببئاً ... فقال ألا انعموا بالقوم علينا
يقول: توجهنا نحوهم وأنقذنا من قبلنا من ارتبأ لنا، فعاد مبشراً وقال: قروا عيناً واستبشروا، فقد أقبلوا. وهذا مما يترجم عن محبتهم لملاقة الأعداء، وحرصهم على القتال، وتشوفهم للمجاذبة والنزاع، حتى عدوا قربهم بشارةً، والالتقاء معهم غنيمة. وهذا عندي أبلغ من قول الآخر:
يستعذبون مناياهم كأنهم ... لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا
ومن قوله:
لقاء أعادٍ أم لقاء حبائب
وقوله " عيناً " انتصب على التمييز، وهو من باب ما نقل الفعل عنه ووضع النكرة فيه موضع المعرفة، لأن الأصل في قررت به عيناً: قرت عيني. ومثله قولهم: يتصبب عرقاً، ويتفقأ شحماً. وفي القرآن: " واشتعل الرأس شيباً ".
ودسوا فارساً منهم عشاءً ... فلم نغدر بفارسهم لدبنا
يقول: وجهوا فارساً ليندس في أثناء خيلنا، ويعرف سرنا وعلننا، ويقف على عددنا وعدتنا، فيرجع إليهم بواضح الأحوال والأخبار، فخليناه والانصراف إليهم، ولم نستعمل غدراً في احتباسه عندنا، وطي أخبارنا عنهم. وأصل الدس: إخفاء الشيء تحت غيره. وفي القرآن: " أم يدسه في التراب " ويقال: اندس إلى فلانٍ، أي أتاه بالنمائم. فإن قيل: ما فائدة ذكر الغدر ها هنا والفارس الذي أنفذوه جاسوساً لم يكن اتخذ منهم أماناً، ولا اشترط عليهم شرطاً يوجب سلامته به مع مخالطته لهم. قلت: كأن المراد لم نستعمل مكراُ باحتباس الرسول، إذ كان في منعه من الانصراف إليهم انطواء أخبارنا عنهم، فيكون كالغدر بهم وبه. ويجوز أن
стр. 303
يكون ذلك الفارس الذي ظهر لهم ثقةً بالمعرفة بينه وبينهم، فعد ظهوره أخذاً للأمان عليهم. ويجوز أن يكون سمى ترك أقرب الأمرين إلى الكرم والوفاء معه غدراً، ثم برأ ساحته منه.
فجاءوا عارضاً برداً وجئنا ... كمثل السيف نركب وازعينا
يقول: تسارعوا مقلبين نحونا، وكأنهم في كثرتهم وتعجلهم قطعة من السحاب فيها بردٌ - ووجه التشبيه أن لهم حفيفاً ووقعاً شديداً متهافتاً، كما يكون لذلك السحاب - ونحن لكثرتنا وإتياننا على ما يعترض في طريقنا كالسيل الذي لا يبقي ولا يذر. ومعنى " نركب وازعينا " أي لا ننقاد لمن يريد ضبطنا، ولا نطاوع من يطلب كفنا من الجيشين جميعاً. ولم يثن " وأزعينا " لأنه يشير إلى رجلين، لكنه أراد الكثرة والجنس بالوزاع، ثم ثنى مبيناً اختلاف الطائفتين من الخيلين. ولا يجوز أن يروى " وزعينا " بكسر العين لما يحصل من العيب بالسناد مع ارتفاع الضرورة.
فنادوا يا لبهثة إذ رأونا ... فقلنا أحسنى ضربا جهينا
يقول: لما شارفناهم استغاثوا ببني بهثة معتزين إليهم، ومستمدين منهم، فاستثرنا نحن أيضاً في مقابلة ما فعلوا بنى جهينة، وهززناهم للضرب فيهم، والإيقاع بهم. وإنما يستعملون الاعتزاز في مثل هذه الحالة تهويلاً للأمر، وتكثيراً للعشيرة، ليستشعر كلٌ من الفريقين الرعب من صاحبه، والتهيب له. واللام من " يا لبهثة " لام الجر، وتعلقت بيا: حرف النداء. ولا يجوز أن يقال تعلقت بالفعل الذي دل عليه يا، لأن ذلك الفعل لما لم يخرج إلى الوجود سقط حكمه. وفتحت لوقوع المنادى موقع المضمر. وبهثة مدعوةٌ، والجار مع المجرور في موضع نصب لأنه منادىً. وقوله أحسني ضرباً " يجوز أن يكون ضرباً مفعولاً به من أحسني، ويجوز أن يكون في موضع الحال أي ضاربةً. ويروى: " أحسني ملأً "، ومعناه خلقاً. والمراد مخالقة أهل الحرب والمستنصرين؛ وهذه رواية أبي زيد. وقال ابن السكيت: معناه أحسني تمالؤاً أي تعاوناً. ويقال مالأت على فلان، وكأنه من قولهم رجلٌ مليءٌ، وقد ملؤ بملؤ ملاءةً وملاءً.
سمعنا دعوة عن ظهر غيبٍ ... فجلنا جولةً ثم ارعوينا
يقول: قرع أسماعنا في أثناء التهيؤ والتطالع دعوةٌ تأدت من مكانٍ غائبٍ عن عيوننا، فدرنا دورةً ثم رجعنا إلى أماكننا. وهذا يجوز أن يكونوا خافوا الكمين
стр. 304
فجاءوا ليتأملوا، فلما أمنوا رجعوا. ويقال: ارعوى عن الجهل ارعواءً ورعوى حسنة ورعوى، أي رجع. ويقال: فعل فلانٌ كذا بظهر الغيب، وأتاني خبرٌ عن ظهر الغيب.
فلما أن تواقفنا قليلاً ... أنخنا للكلاكل فارتمينا
هذه المواقفة التي أشار إليها، يجوز أن تكون للتعبية والتهيئة، ويجوز أن تكون لتداعي الأبطال والمبارزة، واعتراضهم بين الصفين للمطاعنة. وقوله " قليلاً " يجوز أن يريد به زماناً قليلاً، فيكون ظرفاً، ويجوز أن يريد به: تواقفاً قليلاً، فيكون صفةً لمصدرٍ محذوف. والصفات تنوب عن المصادر والظروف كثيراً. وجواب لما " أنخنا "، ومفعوله محذوف. والمعنى: إنا بعد المطاردة نزلنا، وأنخنا للصدور فتناضلنا.
فلما لم ندع قوساً وسهماً ... مشينا نحوهم ومشوا إلينا
تلألؤ مزنةٍ برقت لأخرى ... إذا حجلوا بأسيافٍ ردينا
يقول: لما مللنا الطراد والرماء، بإفناء النبال وتعطيل القسى لانقطاع الأوتار، مشى بعضنا إلى بعضٍ للكفاح والجلاد، طلباً للاشتفاء، كأنهم تنقلوا في درج القتال ومراتبه، حتى بلغوا أعلاها وأصعبها، وأولاها بدرك الثأر وأحقها. ولهذا لما سأل عمر بن الخطاب ﵁ عمرو بن معد يكرب عن أنواع السلاح، وانتهى إلى ذكر السيف، قال " عنده تثكل الأمهات ". وانتصب " تلألوء مزنةٍ " على أنه مصدرٌ مما دل عليه " مشينا نحوهم ومشوا إلينا "، لأن في ذلك تلألوء السلاح من الجانبين جميعاً، ووميض كل واحدةٍ من الطائفتين جميعاً للأخرى. وقوله " إذا حجلو بأسيافٍ ردينا "، أي إذا كان مشيهم إلينا حجلاً كان مشينا إليهم ردياناً. والرديان فوق الحجلان، لأنه مشي الحمار بين آريه ومتمعكه، فهو أسرع من الحجلان، إذ كان في الحجلان تقارب الخطو كمشي المقيد ووثبته. فيقول: تلألأنا لوفور أسلحتنا، وبريق دروعنا وبيضنا، وإيماض أعيننا، تلألؤ سحابة برقت لسحابةٍ أخرى قابلتها. وقال أبو زيد: هذا من رديان الجواري إذا لعبن ترفع إحداهن رجلاً وتخطو بأخرى خطوتين، ثم تضعها وترفع الأخرى، تفعل ذلك مراراً. قال: والغراب يردي ويحجل.
شددنا شدةً فقتلت منهم ... ثلاثة فتيةٍ وقتلت قينا
وشدوا شدةً أخرى فجروا ... بأرجل مثلهم ورموا جوينا
стр. 305
يقول: حملنا عليهم حملةً منكرة، فأصبنا منهم ثلاثةً من الفتيان، وقتلت قيناً. وقين: اسم رجلٍ كان مشهوراً فيهم بالبأس والنجدة، فلذلك عين عليه. وقوله " ثلاثة فتيةٍ " فتيةٌ من أبنية القليل، كغلمةٍ وصبيةٍ، ولذلك أضاف الثلاثة إليها. وبناء الكثير الفتيان. و " شدوا شدةً أخرى "، يقول: وحملوا حملةً فأصابوا منا مثل ما أصبنا منهم، وارتث من قتلانا مثل ما ارتث من قتلاهم، ورموا جويناً أخى. قوله " بأرجل مثلهم " لو قال أمثالهم لجاز، وفي القرآن: " ثم لا يكونوا أمثالكم "، وفي موضع آخر: " يرونهم مثليهم رأي العين "، وفي موضع آخر: " إنكم إذاً مثلهم ". وهذه الأبيات تسمى المنصفة، لما تقابل فيها من صفات الجيشين على وجه التعادل، وسنن التصادق. إن قيل ما فائدة قوله " شدةً أخرى "، ولم يكن قد تقدم لهم أولى؟ قلت: يجوز أن يكون أراد توالي بيننا حملتان: الأولى منا، والأخرى منهم، لأن قصده اقتصاص الحال الدائرة بينهم. ويجوز أن يكون أراد أن يبين أنهم كانوا السابقين والمبتدئين، فوصف شدتهم بالأخرى ليعلم أن المتقدم في الذكر كانت الأولى.
وكان أخي جوينٌ ذا حفاظٍ ... وكان القتل للفتيان زينا
فآبوا بالرماح مكسراتٍ ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا
نبه على أنه بحسن محافظته على الشرف، وجميل مدافعته دون العشيرة ثبت حتى قتل، وأن قتله كانت قتلةً محمودةً تزين ولا تشين. وقوله: فآبوا بالرماح مكسراتٍ، وأبنا بالسيوف منحنياتٍ، جعل فيه أعلى الصفتين لنفسه وذويه، وإن كان الظاهر من قصده في الوصف الجري على سنن النصف، يشهد لذلك ما رتبه زهيرٌ في قوله:
بطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
ألا ترى أنه جعل الطعن فوق النضل، والضرب فوق الطعان، والعناق فوق الكفاح. وكذلك فعل في الرديان والحجلان، وفي وصف أخيه بحسن الحفاظ عند قوله " ورموا جوينا " في مقابلة " وقتلت قينا ". وأما قول الآخر.
نطاردهم نستنقذ الجرد كا لقنا ... ويستنقذون السمهري المقوما
стр. 306
فليس من التناصف في شيءٍ؛ إذ كان المعنى: إنا عند الطعان نذويهم عن ظهور الدواب، فنغنم دوابهم ونفوز بها، وهم يستنقذون رماحنا لأننا نكسرها فيهم إذا طعناهم، ونجرها إياهم فيفوزون بها. فيقول: انصرفوا وقد تكسرت رماحهم بالإجرار، ورجعنا وقد تثنت سيوفنا بإعمالنا إياها في البيض والدروع وقت الجلاد.
فباتوا بالصعيد لهم أحاحٌ ... ولو خفت لنا الكلمى سرينا
يقول: بقوا ليلهم يثنون على الصعيد، وهو وجه الأرض، ولو ساعدتنا الطائفة المجروحة منا، وقدرت على السري لسرينا، لكن كلاً منا اضطر إلى الإقامة والتلوم ريثما يثوب إليه القوى بعد لحوق الجهد، ومشارفة الردى. وقد قيل إن الأحاح العطش، والمشرف من الجراح على الهلاك يعطش. وقد قيل إن الأحاح شدة الوجد من الغيظ حتى يسمع له من الصدر صوتٌ، وهو على مثال الأدواء والأصوات جميعاً؛ لأن فعالا يكثر فيهما. والكلمى: جمع كليمٍ، وفعلى يكون جمعاً لما كان من الزمانة والضرر وأنواع البلايا. وأبنية واحده تختلف.
وقال بشر بن أبي
إن الرباط النكد من آل داحسٍ ... كبون فما يفلحن يوم رهان
يروى " أبين فلا يفلحن "، ويروى " كبون " أي سقطن لوجوهها. قال:
فكبا كما يكبو فنقٌ تارزٌ
وهذا الكلام تضجرٌ بما انتتج بين ابنى بغيضٍ عبسٍ وذبيان من الشر، في الرهان على داحسٍ والغبراء، ودعاءٌ على داحسٍ ونسله بألا تفلح في خطارٍ، وأن تأبى النجاح في سباقٍ، فقال: إن الخيل المربوطة المشائيم من آل داحسٍ وداحساً، أبت السبق في حبلةٍ وميدانٍ، والفلاح يوم خطارٍ ورهان. والمعنى: لا جعل الله لها ذلك، فقد ترددنا
стр. 307
من البلاء في عماياتٍ لا انكشاف لها. وخبر إن " جلبن بإذن الله " وقوله " كبون فما يفلحن " أو " أبين فلا يفلحن " اعتراضٌ بين إن وخبره. والمعنى معنى الدعاء، فهو كما يقال إن زيداً خذله الله فعل كذا. ومثله في الاعتراض بالدعاء قول الآخر:
................ ما لكم ... تفاقدتم لا تقدمون مقدما
ويجوز أن يكون الكلام كله إخباراً متجرداً عن الدعاء، فيكون معنى كبون وأبين، أنه حصل لهن ذلك. والنكد: جمع أنكد. والرباط: مصدر رابطت، ولذلك وقع على الواحد والجمع. والآل، ذكر البصريون أنه في معنى الأهل، لا فرق بينهما، وأن تصغيره أهيلٌ، وهذا يؤذن بأن أصل ألفه هاءٌ. وحكى ثعلبٌ عن شيوخه أن الأهل، القرابة، متبعاً كان أو غير متبع، وأن الآل المتبع وإن لم يكن ذا قرابةٍ، فهما لمعنيين. قال: وحكى الكسائي في تصغير الآل أويلٌ، وفي تصغير الأهل أهيل.
جلبن بإذن الله مقتل مالكٍ ... وطرحن قيساً من وراء عمان
أخذ يعتد الخصال المكروهة الحاصلة بها، فيقول: جلب سبق داحسٍ بعلم الله تعالى قتل مالك بن زهيرٍ، وتطريح قيس بن زهيرٍ من أرض العرب إلى عمان. وكان قيسٌ نذر ألا ينظر في وجه غظفانيٍ أبداً، فدعاه ذلك إلى مراغمة العشيرة، والتباعد في الغربة. وقوله " بإذن الله " من قولك أذنت بالقوم. وفي الحديث: " ما أذن الله لشيءٍ ". وقصد الشاعر أن يذكر ما أعقب سبق داحسٍ من الشر، وألحق من الشؤم. وقوله " جلبن " جعل اللفظ للآل، والمراد داحسٌ، لكنه لما جعل الدعاء لآله استمر في الإخبار على حاله ولم يغير. ويشبهه قول الآخر:
إن ابن ضرارٍ حين أندبه ... زيداً سعى لي سعياً غير مكفور
أراد: إن ابن ضرارٍ زيداً، فذكر الآل والمراد غيره. وهم في كثير من المواضع أقاموا الوالد مقام الولد والولد مقام الوالد، والعشيرة مقام الواحد منها، والواحد مقام
стр. 308
العشيرة، لأغراض مختلفة، حين أمنوا الالتباس. ومما يجانس هذا زيادتهم " ذو " و " حيٍ ". أنشد أبو زيد:
يا قر إن أباك حي خويلدٍ ... قد كنت خائفه على الإحماق
وقال الشماخ:
فأدمج دمج ذي شطنٍ بديع
والقصد إلى خويلد وإلى شطنٍ.
لطمن على ذات الإصاد وجمعكم ... يرون الأذى من ذلةٍ وهوان
الملطوم داحسٌ، فجرى على ما بنى عليه الكلام من الإخبار عن نسله وآله. وكان حذيفة بن بدرٍ أرصد فتيناً له من بني فزارة لما تغالق هو وقيسٌ على الفرسين في موضعٍ من ذات الإصاد لقب بشعب الحيس لحيسٍ أكلوه فيه وقال لهم: إن جاء داحسٌ متقدماً سابقاً فالطموه ونهنهوه عن الغاية حتى تتقدمه الغبراء، فمر بهم داحسٌ مبرزاً وفعلوا به ما رسم لهم حتى تخلف عن الغبراء، فاجتهد داحس وتكلف من العدو ما لحق بها، وتقدم عليها ثانياً فجاء سابقاً. وقوله " وجمعكم يرون الأذى "، يخاطب به بني عبسٍ، وإنما يصف ما نيل منهم وركبهم من الهضيمة في فرسهم لما لطم، وفي أنفسهم حين منعوا ما استحق له. واللطم: الضرب في الخد، ثم قيل فرسٌ لطيم تشبيهاً بذلك. وهذا كما يقال هو ممسوحٌ بالجمال مسحاً. وذات الإصاد يريد البقعة التي فيها الإصاد، ويقال هي ردهةٌ بين أجبلٍ. والردهة كالحفيرة يجتمع فيها الماء، والجميع الرداه.
سيمنع منك السبق إن كنت سابقاً ... وتقتل إن زلت بك القدمان
هذا يحتمل وجهين: أحدهما أنه جعل الخطاب لصاحب الفرس على المجاز والسعة، والمقصود الفرس، فيقول: تمنع من السبق إن سبقت - وهذا إشارة إلى ما كان منهم من لطم داحسٍ. وقد قدم ذكره - فإن خفت قدماك بك وبرزت ثانياً أتي
стр. 309
عليك. ويكون قوله " زلت بك القدمان " على ما فسرناه من قولهم قدحٌ زلول، إذا كان خفيفاً. فهذا وجهٌ. والثاني أن يترك الخطاب على ظاهره وحده، فيكون المعنى: سيمنع منك المتفق عليه من الخطر بسبق فرسك، فإن لم يثبت قدماك عند التقاضي به، وفي الدفاع عن نفسك فيما يراد من ظلمك ويرام من هضمك قتلت أيضاً. وهذا أقرب وأشبه بالقصة.
وقال غلاق بن مروان
هم قطعوا الأرحام بيني وبينهم ... وأجروا إليها واستحلوا المحارما
قطعوا بالتخفيف يصلح لقيل الفعل وكثيره، فإذا ثقلت لم يكن إلا للتكثير أو التكرير. والشاعر يصف ما أجرى إليه القوم في سبقٍ داحسٍ من قطيعة الرحم، وانتهاك المحرم، واستحلال المحظور المحرم؛ ويقتص ما تنقلوا فيه وتدرجوا إليه حالاً بعد حالٍ، وشيئاً بعد شيءٍ. وقوله " أجروا إليها " الإجراء يستعمل في المنكر المذموم، ومفعوله محذوف، كأنه أجروا فعلهم إليها، والضمير في " إليها " للقطيعة، لأن الفعل يدل على مصدره. وهذا كما يقال: من كذب كان شراً له، أي كان الكذب شراً له.
فيا ليتهم كانوا لأخرى مكانها ... ولم تلدي شيئاً من القوم فاطما
البيت على كلامين: صدره إخبارٌ، وعجزه خطابٌ لفاطمة، وهي أختٌ لهم. ومثله في أنه كلامين قوله تعالى: " يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ". والشاعر قصده إلى إظهار التوجع من الحال، فيقول متمنياً: بودي إن يكونوا لو صلةٍ وقرابةٍ غير وصلتهم وقرابتهم، حتى لا يبلغ الجفاء من جهتهم مبالغة في نفوسنا، لأن ظلم ذوي القربى أشد تأثيراً. والشر إذا ورد على الإنسان من مظنة الخير كان أنفذ تحزيزاً. فقوله " كانوا لأخرى مكانها " أي لقرابةٍ أخرى مكان هذه القرابة؛ أو لأرحامٍ أخرى مكان هذه الأرحام. وقوله " لم تلدي شيئاً " تمنى ارتفاع الوصلة كما تمنى في الأول انقطاع القرابة؛ كأنه ود بعد استبدالهم بالتناصر تدابراً، وبالتواصل تقاطعاً، أنهم كانوا منهم غرباء. وقوله " فيا ليتهم " المنادى محذوف، أراد يا قوم ليتهم.
стр. 310
فما تدعي من خير عدوة داحسٍ ... فلم تنج منها يا ابن وبرة سالما
يذم ما أحمدوه من سبق داحسٍ وتبريزه، ويسوئ رأيهم في تبجحهم، ويعرفهم قبح عاقبة ما اختاروه، وسوء مغبة ما شرعوا فيه. وإنما قال " ما تدعي " لأن أصحاب الغبراء كانوا يعللون سبق داحس وينكرونه، فلهذا علق ما حكاه عنه بالدعوى. وقوله " من خير عدوة " أي من نفعه وسناء ذكره. وقوله " فلم تنج منها " رد الضمير على المضاف إليه وهو العدوة. يريد: لم يرجع إليك منها جدوى، ولا ارتفع الأمر فيه كفاً. ولما فاتت الغنيمة فيه لم تحصل لك السلامة أيضاً.
شأمتم بها حيي بغيضٍ وغربت ... أباك فأودى حيث والى الأعاجما
قال أبو زيد: يقال شأم فلانٌ أصحابه، إذا أصابهم الشؤم من قبله. و " بها " يريد بالعدوة، وهذا تفسير قوله: فلم تنج منها يا ابن وبرة سالماً. يقول: أوقعتم بعدوتها والخطار عليها الشؤم في حيي بغيضٍ: عبسٍ وذبيان، وأحوج أبوك - يعني قيس بن زهيرٍ - إلى ترك أرض العرب ومهاجرتها. يعني حين أحرج وأزعج إلى بلاد العجم، حتى صار يواليهم بها، إلى أن مات غريباً بين ظهرانيهم. وأشار بقوله " حيث " إلى عمان وما وراءه.
وكانت بنو ذبيان عزاً وإخوةً ... فطرتم وطاروا يضربون الجماجما
يقول: كان بنو ذبيان لكم يا بني عبسٍ ملاذاً وعزاً، وعتاداً وظهراً، لما يجمعكم وإياهم من الأخوة، فاطرحتم موات التمازج والتشابك، وتجاوزتموها إلى التجاذب والتقاتل. وهذا تحسيرٌ للمخاطب فيما انتقل عنه من موالاة العشيرة، والإبقاء على الأحوال الجامعة، وتلهيفٌ فيما انتقلوا إليه من تهييج الحرب، وبسط الأذى والشر، وتنبيهٌ على ما يتعقب أحوالهم إن استمروا عليها من التفاني والتهالك. وكان الواجب أن يقول: فطرتم تضربون وطاروا يضربون، فاكتفى بالإخبار عن إحدى الفلاقتين؛ إذ قد علم أن حال الأخرى كحالها. ومعنى طرتم: تسرعتم، كما قال:
طاروا إليه زرافاتٍ ووحدانا
стр. 311
فأضحت زهيرٌ في السنين التي مضت ... وما بعد لا يدعون إلا الأشائما
أنث الفعل لأن المراد بذكر زهير القبيلة بأسرها، ومعنى يدعون يسمون، كما قال ابن أحمر:
وكنت أدعوت قذاها الإثمد القردا
يريد أسمي، ولذلك تعدى إلى مفعولين، فيقول: صار أسلاف بني زهير ابن حذيفة وأخلافهم لا يسمون قديماً ولا حديثاً إلا المشائم. والأشائم: جمع أشأم. ويقال: جرت لهم طيرٌ أشائم، أي جرت لهم بالشؤم. وقال زهير:
فتنتج لكم غلمان أشأم
أي غلمان أمرٍ أشأم. وقوله " في السنين " يجوز أن يكون ظرفاً لأضحت، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله " لا يدعون ". وقوله " وما بعد " يراد به وفيما بعد فيكون ما معطوفاً على السنين. ويجوز أن يكون موضع " ما " نصباً على أن يكون معطوفاً على موضع في السنين لا على لفظه، لأن موضعه نصبٌ لكونه ظرفاً. ويجوز أن يجعل ما صلةً، كأنه في السنين الماضية وبعدها. ويجوز أن يروى: " ومن بعد لا يدعون "، وهو حسنٌ. وذكر بعضهم أن ما من قوله " وما بعد " لا يجوز أن يكون إلا صلةً وزائدةً لأن بعد لما جعل غايةً ودخله النقصان بحذف ما كان مضافاً إليه امتنع من أن يكون مبيناً على شيءٍ وخبراً عنه، وإذا امتنع من ذلك امتنع أن يكون صلةً لموصول، لأن الذي يكون صلةً من الظروف والجمل هو ما جاز أن يكون خبر المبتدأ. وليس الأمر على ما قاله، ألا ترى أن قوله : " قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف ". معناه: ومن قبل الذي فرطتم في يوسف، أي قدمتم. ويجوز أن يراد: ومن قبل تفريطكم، فيكون ما مع الفعل في تقدير مصدرٍ. وعلى الوجهين جميعاً ما في موضع رفع ومن قبل خبره. وذكر أبو إسحاق الزجاج في ما من الآية ثلاثة أوجهٍ، ما ذكرنا أحدها. وإذا
стр. 312
كان الأمر على هذا فما ذكره هذا القائل غير صحيح، لأني قد أريتكه بعد وهو غايةٌ خبراً، وكونه صلةً تابعٌ لكونه خبراً، فاعلمه.
وقال المساور بن هندٍ
أودى الشباب فماله متقفر ... وفقدت أترابي فأين المغبر
يقول: أدبر الشباب وولى، فهو فائتٌ لا يتتبع، ومطلوبٌ لا يلحق، وعدمت نظرائي وأقراني، فأين بقائي بعدهم، وكيف خلاصي مما اخترمهم وأفناهم. وهذا الكلام توجعٌ وتحسرٌ لما تقضى من شبابه، وعنفوان عمره وتقدم من أقرانه ولداته. أي إذا خلوت منهم، وصرت عائشاً في غيرهم فكم عسى أن أبقى بعدهم. ويقال غير إذا مضى، وغير إذا بقي. ويريد بالمغبر هنا البقاء، ويقال: اقتفرت الشيء وتقفرته، إذا تتبعته.
وأرى الغواني بعدما أوجهني ... أعررضن ثمت قلن شيخٌ أعور
الغواني: جمع غانيةٍ، وهي التي تستغني بزوجها عن الرجال، وقيل هي التي تستغني بمحاسنها عن التزين بالحلى. وقال أبو عبيدة: هي المتزوجة، وأنشد لجميل بن معمرٍ:
حبت الأيامى إذ بثينة أيمٌ ... فلما تغنت أعلقتني الغوانيا
وأنشد ابن الأعرابي:
أزمان ليلى كعابٌ غير غانيةٍ
والشاعر يقول متشكياً من الشيب المعتاض من الشباب، ومن الضعف التابع لصحة الجسم، ومن السقوط والانحطاط بعد الجاه عند الغانيات: أرى النساء بعدما كن يجعلن لي عندهن جاهاً أعرضن عني واطرحنني، وأبدلنني بالحمد ذماً، وبالتسمية تلقيباً ونبزاً، فمتى ذكرت عندهن قلن هو شيخٌ أعور. وقوله " أوجهنني " من الوجاهة: المنزلة. يقال وجه وجاهةً، ووجهني السلطان وأوجهني: جعل لي جاهاً ومنزلة.
стр. 313
ورجلٌ موجهٌ ووجيهٌ. وقوله " شيخٌ " ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقد مضى القول في التاء من ثمت وربت، وأنه علامة التأنيث للقصة. وجعلت تاءً مفتوحة فرقاً بينها وبين التي تلحق الفعل والاسم.
ورأين رأسي صار وجهاً كله ... إلا قفاي ولحيةٌ ما تضفر
يقول مستمراً في تكلف الجزع إتر ما تولى من الشباب، وباسطاً معذرة النساء فيما استحدثن له: رأينني قد صلعت وانحسر الشعر عن رأسي حتى صار كله كوجهي، وإلا قفاي فإن به نبذاً من الشعر، وإلا لحية لا تقام مقام الذؤابة في الضفر والتجمل. فقوله " لحيةٌ ما تضفر " تحسرٌ على ما عدم في رأسه من الضفائر وإن كانت اللحية لم يعتد ضفرها. وقوله " كله " ارتفع على أنه توكيدٌ المضمر في صار، أو على أنه اسم صار، أو على أنه يرتفع بفعله وفعله ما دل عليه قوله " وجهاً " كأن المراد توجه كله، ويكون كقولك رأيت زيداً قيسياً أبوه، أي تقيس أبوه، ومررت بسرجٍ خز صفته.
ورأين شيخاً قد تحنى صلبه ... يمشي فيقعس أو يكب فيعثر
يقول: ورأين شيخاً منحني الصلب، محدودب الظهر، يمشي مشية القعسان إذا استمر في المشي، أو يتعثر فيسقط لوجهه. وكان الواجب أن يقول: أو يعثر فيكب، لأن العثار قبل السقوط للوجه، لكنه لم يبال بتغيير الترتيب، لأمنه من الالتباس، وهذا دون ما يجيء في كلامهم من القلب، مثل قوله:
كما أسلمت وحشيةٌ وهقا
وكقول امرئ القيس:
كما زلت الصفواء بالمتنزل
ويقال: قعس يقعس، إذا صار أقعس خلقةً فيه، وقعس يقعس قعساناً إذا مشى مشية الأقعس تكلفاً، ومثله عرج يعرج وعرج. ويقال: أكب زيدٌ فلا يتعدى؛ وكبة الله لوجهه، وهذا على العكس مما عليه أكثر الأفعال. ومثله أقلع الغيم وقلعه الله.
стр. 314
لما رأيت الناس هروا فتنةً ... عمياء توقد نارها وتسعر
إنما قدم ما اقتصه من ضعفه وكبرته، ليري العذر فيما يعجز عنه من النهوض في الفتنة التي ذكرها، فيقول: لما وجدت الناس قد كرهوا ما ترددوا فيه من فتنةٍ لا يهتدي لوجهها، ولا يقتدر على كشفها، تستعر نارها وتتلهب، ويبتعث شرها فشتمل. ويعني بهذا فتنة ابن الزبير وعبد الملك. وجواب لما منتظرٌ، وهو هنا محذوف يدل عليه الكلام، كأنه قال: انقبضنا عن النهوض فيها والحراك، لننظر ماذا تكون. والفتنة العمياء: التي لا يهتدي فيها لوجه أمرٍ، وفصلٍ شأن. والتعمية: التلبيس. ويقال: هو في عميانه، أي عماه، مصدرٌ كالطغيان.
وتشعبوا شعباً فكل جزيرةٍ ... فيها أمير المؤمنين ومنبر
شعبت يكون بمعنى جمعت وبمعنى فرقت. ويقال التأم شعبهم، إذا اجتمعوا بعد تفرقٍ؛ وتفرق شعبهم، إذا تبددوا بعد تجمع. والشعبة: الطائفة، وجمعها شعبٌ. يقول تفرق الناس فرقاً، فصار الاختلاف لازماً لأهوائهم، والتباين مقترناً بآرائهم، في كل جزيرة أمير المؤمنين ومنبرٌ، يدعو إلى نفسه ويخطب على منبره لجذب الأمر إليه. وقوله " أمير المؤمنين " لفظه معرفةٌ للإضافة المعتادة في هذه اللفظة المألوفة على الحد الذي ترى، لكن التنوين منويٌ، وإذا كان كذلك كان في حكم النكرات. وإنما ساغ ذلك لأن قوله " أمير المؤمنين " يشار به إلى الحال، أي فيها أمير على المؤمنين، واسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال كانت إضافته على وجه التخفيف لا على وجه التعريف، ويصير التنوين الذي هو الأصل منوياً فيه، وعلى هذا قوله: " عارضٌ ممطرنا " لأن التقدير ممطرٌ لنا. وكذلك قوله : " هدياً بالغ الكعبة ". وعنى بذلك ابن الزبير ونظراءه ممن كان يطلب الخلافة في أيام عبد الملك بن مروان. وهذا البيت منعطفٌ بما فيه على قوله " هروا فتنةً ".
ولتعلمن ذبيان إن هي أعرضت ... أنا لنا الشيخ الأغر الأكبر
يقول على وجه التوعد: لتعلمن هذه القبيلة إن توجهت نحونا أنا لنا هذا الرئيس المشهور الشأن، العظيم الأمر. ويقال: عنى به زهير بن جذيمة العبسي. وقيل هو قيس بن زهير. ويروى " إن هي أدبرت ". والمعنى: إن ولت وأعرضت، فإنها ستعلم أنا نكتفي من دونهم. ويجوز أن يكون المراد بأدبرت: تركت الحق. وجواب إن في قوله: " لتعلمن ذبيان "، وقد مضى مثله.
стр. 315
ولنا قناةٌ من ردينة صدقةٌ ... زوراء حاملها كذلك أزور
قوله: " من ردينة " أي من رماح ردينة، وهي امرأةٌ كانت تبيع الرماح؛ فحذف المضاف. والصدقة: الصلبة، والعرب تذكر القناة وصلابتها واعوجاجها، وأنها لا تلين ولا تقبل التقويم والتثقيف، ضاربةً بها المثل في الخلاف والإباء، والامتناع والتعسر على من يريد إكراههم، والتصعب على من يريد تليينهم أو الغض منهم. والمعنى: قناتنا لا تستقيم لمقومٍ، وحاملها لا ينقاد لمجتذبٍ. وعلى هذا قول عمرو بن كلثوم:
عشوزنةٌ إذا عمزت أرنت ... تشج قفا المقوم والجبينا
وقول الآخر:
كانت قناتي لا تيلين لغامزٍ ... فألانها الإصباح والإمساء
وهذا الشاعر لم يرض بذكر القناة وما جرت به العادة من وصف اعوجاجها، حتى عقبه بقوله " حاملها كذلك أزور "، فزاد على من تقدم كما ترى، وإنما أراد التأكيد والمبالغة وتبيين قوة الامتناع على من يطلب اقتسارهم. وهذا كما يصفون المتكبر بالشوس والصعر والصيد. وقوله: " حاملها كذلك " من صفة القناة، وارتفع حاملها بالابتداء، وقد أخبر عنه بخبرين: كذلك، وأزور. وقوله " كذلك " إذا وقع هذا الموقع لا يغير، بل يكون للمذكر والمؤنث على حال واحدة. وأنشد أبو زيد:
أما أقاتل عن ديني على فرسٍ ... ولا كذا رجلاً إلا بأصحابي
والمعنى ولا كما أنا الساعة راجلاً.
وقال عروة بن الورد
قلت لقومٍ في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا عند ماوان رزح
تقدير البيت: قلت لقوم رزحٍ عشية بتنا عند ماوان في الكنيف: تروحوا. والمعنى بعثتهم على السير في الرواح، وإن كانوا متساقطي القوى كالين، لا حرك
стр. 316
بهم، ولا نهوض يقيمهم، هزلى لتأثير السفر فيهم، وظهور أثر الشقة عليهم. وواحد الرزح رازح، ويقال رزح البعير رزوحاً، إذا أعيا، وإبلٌ رزحى، وقومٌ رزاحٌ أي مهازيل ساقطون. والكنيف: الحظيرة من الشجر.
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم ... إلى مستراحٍ من حمامٍ مبرح
قوله " تنالوا " جواب الأمر من البيت الأول، وهو تروحوا. والمعنى: سيروا واجتهدوا تنالو الغنى، وتبلغوا حداً من الطلب يفضي بكم إلى الموت المريح الباسط لعذركم. والمبرح: الملح الشديد، ومن هذا وصف الريح بالبارح. ويقال: برح بي الحب، أي اشتد؛ وبرح بي فلان، إذا آذى؛ وأبرح الرجل، إذا أتى بالبرح، والبرح يكون الشدة ويكون العجب، ومنه قول الأعشى:
أبرحت رباً وأبرحت جارا
ليبلغ عذراً أو يصيب رغيبةً ... ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح
قوله " ليبلغ " تفسير ما قدمه. ويشير بقوله " عذراً " إلى قاطع الموت لأن المجتهد في طلب الشيء إذا حال أجله دون أمله فقد أعذر، إذ كان قد فعل ما عليه. وقوله " أو يصيب رغيبةً " إشارةٌ إلى نيل الغنى. والرغب: اتساع الشيء، ومنه بطنٌ رغيبٌ. وقوله " ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح " أي من أعذر فيما يطلبه، أصابه أو فاته، فقد أنجح. وهذا الكلام وإن كان ظاهره وظاهر صدر البيت الأول أنه يتكرر به المعنى الذي قدمه فيه، فليس الأمر كذلك، لأنه ذكر في الأول إبلاغ النفس من الموت حداً يريحه، ولم يبين من فعل ذلك: هل أنجح أو لا. وفي الثاني بين أن المعذر في طلب الشيء كالمنجح، وأنه إذا استغرق وسعه في طلب ما يهم به ثم حال دونه حائلٌ فقد أعذر. وفي طريقته قول أبي تمام:
لأمرٍ عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
стр. 317
وقال أبو الأبيض العبسي
ألا ليت شعري هل يقولن فوارسٌ ... وقد حان منهم يوم ذاك قفول
قوله " شعري " اسم ليت، وخبره مضمرٌ استغني عنه بمفعول شعري. وليت شعري لا يجيء إلا هكذا، كما أن لولا يجيء أبداً محذوف خبر المبتدأ الذي بعده، وقد استغني عنه بجوابه، وذلك كقولك لولا عبد الله لفعلت. وقوله " هل يقولن فوارسٌ " سد مسد مفعول ليت شعري. ومعنى الكلام ليت علمي واقعٌ: هل يقع هذا القول من الفرسان في تلك الحال؟ ومفعول " يقولن " أول البيت الثاني، وهو قوله " تركنا "، واعترض بينهما قوله " وقد حان منهم يوم ذاك فقول "، وموضعه نصبٌ على الحال، والذي تمنى علمه أنه هل يقتل، فإذا انصرف الأبطال عنه قالوا هذا القول أولاً. وتحقيق الكلام: ليتني علمت ما يقتضي هذا السؤال من الجواب، لأن ذاك يهمه لا نفس السؤال. وقوله: وقد حان منهم قفولٌ، أي رجوعٌ عن المعركة إلى ديارهم وحيهم، كأنه كان هم بالاستقبال، ووطن نفسه من مصادمة العدو، ومصادمة القتال على ما غلب اليأس من الانصراف عنهم، لتعرضه لما لا يسلم معه من يلابسه، فتكلم بذلك. وقوله " يوم ذاك " إشارةٌ إلى يوم ملاقاة الأعداء. فإن قيل: هل تقدر في الكلام بعد الاستفهام شيئاً لأنك إذا استفهمت عن شيءٍ كان ما تستفهم عنه وخلافه سواء عندك، وإلا الم تكن مستفهماً؟ قلت: معنى الاستفهام هل يقولن فوارسٌ كذا، وهل زيدٌ عندك، على " أو " أو " أم " ولولا ذلك لامتنع الاستفهام. وسنشرح الكلام فيما يقتضيه هذا الموضع في البيت الذي بعده.
تركنا ولم يجنن من الطير لحمه ... أبا الأبيض العبسي وهو قتيل
يقول: ليتني علمت هل يقولون في منصرفهم تركنا أبا الأبيض مصروعاً متروكاً بالعراء، تعفوه سباع الطير وتأكل من لحمه، غير مستورٍ عنها ولا ممنوعٍ منها. وقد اعترض بين تركنا ومفعوله وهو أبو الأبيض بقوله " ولم يجنن من الطير لحمه "، وموضعه نصبٌ على الحال. فإن قيل: فما المقدر بعد الاستفهام هنا من
стр. 318
حرفي العطف: أم، وأو، وكيف يكون معنى الكلام مع ذلك المقدر؟ قلت: المعنى على أو، بدلالة أنه يجاب مثل هذا الكلام بنعم أو لا، إذ كان المبني على ليتني علمت هل يقع ذلك منهم. فأما تقدير أم وهي عاطفةٌ فلا يصح في مثل هذا الموضع، كما لا يجوز اللفظ بها على جهة المعادلة. وقد قال أبو العباس: لا يكون أم بعد شيءٍ من حروف الاستفهام سوى الألف إلا على كلامين. وأما تقدير أم المنقطعة فبعيدٌ، لأنه لو قصد لم يكن بدٌ من ذكره وذكر المستفهم به عنه بعده. فاعلمه.
وذي أملٍ يرجو تراثي وإن ما ... يصير له مني غداً لقليل
يقول: رب إنسانٍ يعلق طمعه بميراثي، ويرجو تحصيله بعدي، والذي يناله منه غداً - يشير إلى يوم موته - قليلٌ غير كثير. والمعنى: إني لا أذخر مالي بل أتلفه في اكتساب المحامد، فلا يكون لي تراثٌ إلا سلاحي وما لا بد للفارس منه.
وما لي مالٌ غير درعٍ حصينةٍ ... وأبيض من ماء الحديد صقيل
وأسمر خطي القناة مثقفٌ ... وأجرد عريان السراة طويل
نفي أن يكون له مالٌ يدخره طول حياته، ويرثه الوارث بعد مماته إلا درعه وبيضته، وسيفاً مصقولاً طبع من خالص الحديد، ورمحاً حملت قناته من الخط - وهو جزيرةٌ بالبحرين - وفرساً قصير الشعر منجرد الظهر من اللحم، مشرف الهامة، طويل القامة. المغفر: حلقٌ يتقنع بها المتسلح، وكذلك الغفارة. وقال الخليل: المغفر: رفرف البيضة. وأصل الغفر التغطية والستر. وقوله " غير درعٍ " يجوز رفعه، وهو الوجه، على أن يكون بدلاً، ويجوز النصب على الاستثناء.
أقيه بنفسي في الحروب وأتقي ... بهاديه إني للخليل وصول
هذا معنىً شريفٌ حسن. يقول: أحفظ مقاتل فرسي بفخذي ورجلي، وأتقي فيما يأتيني بعنقه. والمعنى: من أراد أن يصيب مقتلي جعلت بيني وبينه عنق دابتي، كما أن من أراد مقتل فرسي أجعل بينه وبينه فخذي ورجلي. ثم قال: " إني للخليل وصول " أي لا أخذله في الشدائد ولا أنتفع به إلا وأنفعه. وهذا مثلٌ. والعربي يسمى
стр. 319
سلاحه ومركوبه خليلاً، على ذلك ما أنشده الأصمعي، وهو:
وإني كما قالت نوار إن اجتلت ... على رجلٍ ما شد كفي خليلها
وقال قيس بن زهير العبسي
لعمرك ما أضاع بنو زيادٍ ... ذمار أبيهم فيمن يضيع
اللام من " لعمرك " لام الابتداء، وخبر المبتدأ محذوفٌ، كأنه قال: لعمرك قسمي. يقول: وبقائك ما ضيع لهؤلاء العصابة من حق أبيهم وشرف أسلافهم، ما يوجب التذمر عند المحافظة عليه في جملة من يضيع حقوق آبائهم، وما أثلوه من مفاخرهم ومحاسنهم؛ بل حافظوا عليه بما ضموا مما استحدثوه واطرفوه إليه. وحذف مفعول يضيع كأنه قال فيمن يضيع الذمار. ويقال: فلانٌ حامي الذمار، أي إذا ذمر وغضب حمي. وهذا كما يقال، هو ثبت الخبار، أي إذا حصل في الخبار ثبت. وقوله " ما أضاع " تهكمٌ أو تعريضٌ؛ لأن الذين أخبر عنهم أشهر أمراً وأعظم شأناً من أن يقال فيهم ذلك.
بنو جنيةٍ ولدت سيوفاً ... صوارم كلها ذكرٌ صنيعٌ
يعني ولد زياد بن عبد الله بن ناشبٍ العبسي، يقول: هم بنو امرأة كأنها في فضلها ودهائها من الجن. وهذه المرأة هي فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهي إحدى المنجبات من العرب، وكانت قد رأت في منامها كأن قائلاً قال لها: " أعشرةٌ هدرةٌ، أحب إليك أم ثلاثة كعشرةٍ " فلما انتبهت اقتصت رؤياها على زوجها فقال لها: إن عاودك فقولي: بل ثلاثةٌ كعشرةٍ. فرجعت إلى المنام ورأت مثل ما رأت من قبل، فجعلت تقول في الجواب: بل ثلاثة كعشرة. فولدت بنين ثلاثة صار كلٌ منهم أباً لقبيلة، ومعظماً في قومه وعشيرته، وهم ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس. وكما جعل الأم جنية لخروجها فيما أتت به عن المعتاد من الإنس جعل الأولاد سيوفاً. ومعنى البيت: هم أولاد امرأة ولدت رجالاً كأنهم في النفاذ سيوفٌ قواطع، كل واحدٍ منها ذكر الحد، مصنوع صقيلٌ. و " صنيعٌ " كما استعمل في السيف استعمل في الخيل. يقال صنعت الفرس، إذا ضمرته.
стр. 320
شرى ودي وشكري من بعيدٍ ... لآخر غالبٍ أبداً ربيع
يقال: شربت الشيء بمعنى اشتريت وبعت جميعاً، وكذلك بعت يصلح للأمرين، ومن شريت الضروري، وهو المثل، لكن لامه وهو ياءٌ قلبت واواً، لأن فعلى إذا كان اسماً ولامه ياءٌ يفعل به ذلك، فرقاً بين الاسم والصفة. وعلى هذا قولهم الفتوى. فيقول: اشترى ربيع الحفاظ على بعده مني، ودي له، وثنائي عليه وعلى آخر رجلٍ يبقى من بني غالب أبداً. وقوله " من بعيدٍ " في موضع الحال. وإنما قال هذا لأنه ناله إحسانه ووجب عليه شكره وبينهما مسافةٌ وبعدٌ.
؟؟؟
وقال هدبة
إني من قضاعة من يكدها ... أكده وهي مني في أمان
ليس يريد بهذا الكلام نسبة نفسه إلى قضاعة فقط، بل يريد اختصاصه بهم، وتعصبه لهم. وهذا كما يقال: أبا من فلانٍ وإلى فلانٍ، أي ابتدائي منه وانتهائي إليه، فيقول: إني منتمٍ إلى قضاعة أهوى هواها، وضلعي معها، فمن عاداها أوة نابذها عاديته ونابذته، وهي آمنةٌ من مكروهي وأذاي، إذ كنت أنعطف عليها فيما ينوبها، وأغتفر زلاتها فيما يتفق منها. وهذا الكلام في التنبيه في الاختصاص، والإبانة عن الطاعة والإخلاص، من أبلغ كلام وأكرم إيناس. ألا ترى أنه فصل ما أجمل، وفسر ما أبهم بقوله " من يكدها أكده وهي مني في أمان "؟ وهذا صفة جوارح الإنسان مع جملته وأبعاضه مع كله، بدلالة أنه يدافع من يريد إصابة أحدها، ثم هي آمنةٌ من جنايته عليها، أو على شيءٍ منها.
ولست بشاعر السفساف فيهم ... ولكن مدره الحرب العوان
يقول: ليس محلي منهم وفيهم محل شاعرٍ يسفسف القريض، ثم يقف دون غايته باليد واللسان. والسفساف: ما لا خير فيه من الأفعال والأقوال: وفي الحديث: " إن الله تعالى يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها ". والعوان من الحرب: التي قوتل فيها مرةً بعد أخرى. فإن قيل: أين عجز البيت من صدره في النظام، وهلا قال بعد ما نفى عن نفسه من الشعر الركيك: ولكني شاعر المتخير الرصين؟ قلت: إنما
следующие страницы →