← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بهم، ولا نهوض يقيمهم، هزلى لتأثير السفر فيهم، وظهور أثر الشقة عليهم. وواحد الرزح رازح، ويقال رزح البعير رزوحاً، إذا أعيا، وإبلٌ رزحى، وقومٌ رزاحٌ أي مهازيل ساقطون. والكنيف: الحظيرة من الشجر. تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم ... إلى مستراحٍ من حمامٍ مبرح قوله " تنالوا " جواب الأمر من البيت الأول، وهو تروحوا. والمعنى: سيروا واجتهدوا تنالو الغنى، وتبلغوا حداً من الطلب يفضي بكم إلى الموت المريح الباسط لعذركم. والمبرح: الملح الشديد، ومن هذا وصف الريح بالبارح. ويقال: برح بي الحب، أي اشتد؛ وبرح بي فلان، إذا آذى؛ وأبرح الرجل، إذا أتى بالبرح، والبرح يكون الشدة ويكون العجب، ومنه قول الأعشى: أبرحت رباً وأبرحت جارا ليبلغ عذراً أو يصيب رغيبةً ... ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح قوله " ليبلغ " تفسير ما قدمه. ويشير بقوله " عذراً " إلى قاطع الموت لأن المجتهد في طلب الشيء إذا حال أجله دون أمله فقد أعذر، إذ كان قد فعل ما عليه. وقوله " أو يصيب رغيبةً " إشارةٌ إلى نيل الغنى. والرغب: اتساع الشيء، ومنه بطنٌ رغيبٌ. وقوله " ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح " أي من أعذر فيما يطلبه، أصابه أو فاته، فقد أنجح. وهذا الكلام وإن كان ظاهره وظاهر صدر البيت الأول أنه يتكرر به المعنى الذي قدمه فيه، فليس الأمر كذلك، لأنه ذكر في الأول إبلاغ النفس من الموت حداً يريحه، ولم يبين من فعل ذلك: هل أنجح أو لا. وفي الثاني بين أن المعذر في طلب الشيء كالمنجح، وأنه إذا استغرق وسعه في طلب ما يهم به ثم حال دونه حائلٌ فقد أعذر. وفي طريقته قول أبي تمام: لأمرٍ عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه

стр. 317

وقال أبو الأبيض العبسي ألا ليت شعري هل يقولن فوارسٌ ... وقد حان منهم يوم ذاك قفول قوله " شعري " اسم ليت، وخبره مضمرٌ استغني عنه بمفعول شعري. وليت شعري لا يجيء إلا هكذا، كما أن لولا يجيء أبداً محذوف خبر المبتدأ الذي بعده، وقد استغني عنه بجوابه، وذلك كقولك لولا عبد الله لفعلت. وقوله " هل يقولن فوارسٌ " سد مسد مفعول ليت شعري. ومعنى الكلام ليت علمي واقعٌ: هل يقع هذا القول من الفرسان في تلك الحال؟ ومفعول " يقولن " أول البيت الثاني، وهو قوله " تركنا "، واعترض بينهما قوله " وقد حان منهم يوم ذاك فقول "، وموضعه نصبٌ على الحال، والذي تمنى علمه أنه هل يقتل، فإذا انصرف الأبطال عنه قالوا هذا القول أولاً. وتحقيق الكلام: ليتني علمت ما يقتضي هذا السؤال من الجواب، لأن ذاك يهمه لا نفس السؤال. وقوله: وقد حان منهم قفولٌ، أي رجوعٌ عن المعركة إلى ديارهم وحيهم، كأنه كان هم بالاستقبال، ووطن نفسه من مصادمة العدو، ومصادمة القتال على ما غلب اليأس من الانصراف عنهم، لتعرضه لما لا يسلم معه من يلابسه، فتكلم بذلك. وقوله " يوم ذاك " إشارةٌ إلى يوم ملاقاة الأعداء. فإن قيل: هل تقدر في الكلام بعد الاستفهام شيئاً لأنك إذا استفهمت عن شيءٍ كان ما تستفهم عنه وخلافه سواء عندك، وإلا الم تكن مستفهماً؟ قلت: معنى الاستفهام هل يقولن فوارسٌ كذا، وهل زيدٌ عندك، على " أو " أو " أم " ولولا ذلك لامتنع الاستفهام. وسنشرح الكلام فيما يقتضيه هذا الموضع في البيت الذي بعده. تركنا ولم يجنن من الطير لحمه ... أبا الأبيض العبسي وهو قتيل يقول: ليتني علمت هل يقولون في منصرفهم تركنا أبا الأبيض مصروعاً متروكاً بالعراء، تعفوه سباع الطير وتأكل من لحمه، غير مستورٍ عنها ولا ممنوعٍ منها. وقد اعترض بين تركنا ومفعوله وهو أبو الأبيض بقوله " ولم يجنن من الطير لحمه "، وموضعه نصبٌ على الحال. فإن قيل: فما المقدر بعد الاستفهام هنا من

стр. 318

حرفي العطف: أم، وأو، وكيف يكون معنى الكلام مع ذلك المقدر؟ قلت: المعنى على أو، بدلالة أنه يجاب مثل هذا الكلام بنعم أو لا، إذ كان المبني على ليتني علمت هل يقع ذلك منهم. فأما تقدير أم وهي عاطفةٌ فلا يصح في مثل هذا الموضع، كما لا يجوز اللفظ بها على جهة المعادلة. وقد قال أبو العباس: لا يكون أم بعد شيءٍ من حروف الاستفهام سوى الألف إلا على كلامين. وأما تقدير أم المنقطعة فبعيدٌ، لأنه لو قصد لم يكن بدٌ من ذكره وذكر المستفهم به عنه بعده. فاعلمه. وذي أملٍ يرجو تراثي وإن ما ... يصير له مني غداً لقليل يقول: رب إنسانٍ يعلق طمعه بميراثي، ويرجو تحصيله بعدي، والذي يناله منه غداً - يشير إلى يوم موته - قليلٌ غير كثير. والمعنى: إني لا أذخر مالي بل أتلفه في اكتساب المحامد، فلا يكون لي تراثٌ إلا سلاحي وما لا بد للفارس منه. وما لي مالٌ غير درعٍ حصينةٍ ... وأبيض من ماء الحديد صقيل وأسمر خطي القناة مثقفٌ ... وأجرد عريان السراة طويل نفي أن يكون له مالٌ يدخره طول حياته، ويرثه الوارث بعد مماته إلا درعه وبيضته، وسيفاً مصقولاً طبع من خالص الحديد، ورمحاً حملت قناته من الخط - وهو جزيرةٌ بالبحرين - وفرساً قصير الشعر منجرد الظهر من اللحم، مشرف الهامة، طويل القامة. المغفر: حلقٌ يتقنع بها المتسلح، وكذلك الغفارة. وقال الخليل: المغفر: رفرف البيضة. وأصل الغفر التغطية والستر. وقوله " غير درعٍ " يجوز رفعه، وهو الوجه، على أن يكون بدلاً، ويجوز النصب على الاستثناء. أقيه بنفسي في الحروب وأتقي ... بهاديه إني للخليل وصول هذا معنىً شريفٌ حسن. يقول: أحفظ مقاتل فرسي بفخذي ورجلي، وأتقي فيما يأتيني بعنقه. والمعنى: من أراد أن يصيب مقتلي جعلت بيني وبينه عنق دابتي، كما أن من أراد مقتل فرسي أجعل بينه وبينه فخذي ورجلي. ثم قال: " إني للخليل وصول " أي لا أخذله في الشدائد ولا أنتفع به إلا وأنفعه. وهذا مثلٌ. والعربي يسمى

стр. 319

سلاحه ومركوبه خليلاً، على ذلك ما أنشده الأصمعي، وهو: وإني كما قالت نوار إن اجتلت ... على رجلٍ ما شد كفي خليلها وقال قيس بن زهير العبسي لعمرك ما أضاع بنو زيادٍ ... ذمار أبيهم فيمن يضيع اللام من " لعمرك " لام الابتداء، وخبر المبتدأ محذوفٌ، كأنه قال: لعمرك قسمي. يقول: وبقائك ما ضيع لهؤلاء العصابة من حق أبيهم وشرف أسلافهم، ما يوجب التذمر عند المحافظة عليه في جملة من يضيع حقوق آبائهم، وما أثلوه من مفاخرهم ومحاسنهم؛ بل حافظوا عليه بما ضموا مما استحدثوه واطرفوه إليه. وحذف مفعول يضيع كأنه قال فيمن يضيع الذمار. ويقال: فلانٌ حامي الذمار، أي إذا ذمر وغضب حمي. وهذا كما يقال، هو ثبت الخبار، أي إذا حصل في الخبار ثبت. وقوله " ما أضاع " تهكمٌ أو تعريضٌ؛ لأن الذين أخبر عنهم أشهر أمراً وأعظم شأناً من أن يقال فيهم ذلك. بنو جنيةٍ ولدت سيوفاً ... صوارم كلها ذكرٌ صنيعٌ يعني ولد زياد بن عبد الله بن ناشبٍ العبسي، يقول: هم بنو امرأة كأنها في فضلها ودهائها من الجن. وهذه المرأة هي فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهي إحدى المنجبات من العرب، وكانت قد رأت في منامها كأن قائلاً قال لها: " أعشرةٌ هدرةٌ، أحب إليك أم ثلاثة كعشرةٍ " فلما انتبهت اقتصت رؤياها على زوجها فقال لها: إن عاودك فقولي: بل ثلاثةٌ كعشرةٍ. فرجعت إلى المنام ورأت مثل ما رأت من قبل، فجعلت تقول في الجواب: بل ثلاثة كعشرة. فولدت بنين ثلاثة صار كلٌ منهم أباً لقبيلة، ومعظماً في قومه وعشيرته، وهم ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس. وكما جعل الأم جنية لخروجها فيما أتت به عن المعتاد من الإنس جعل الأولاد سيوفاً. ومعنى البيت: هم أولاد امرأة ولدت رجالاً كأنهم في النفاذ سيوفٌ قواطع، كل واحدٍ منها ذكر الحد، مصنوع صقيلٌ. و " صنيعٌ " كما استعمل في السيف استعمل في الخيل. يقال صنعت الفرس، إذا ضمرته.

стр. 320

شرى ودي وشكري من بعيدٍ ... لآخر غالبٍ أبداً ربيع يقال: شربت الشيء بمعنى اشتريت وبعت جميعاً، وكذلك بعت يصلح للأمرين، ومن شريت الضروري، وهو المثل، لكن لامه وهو ياءٌ قلبت واواً، لأن فعلى إذا كان اسماً ولامه ياءٌ يفعل به ذلك، فرقاً بين الاسم والصفة. وعلى هذا قولهم الفتوى. فيقول: اشترى ربيع الحفاظ على بعده مني، ودي له، وثنائي عليه وعلى آخر رجلٍ يبقى من بني غالب أبداً. وقوله " من بعيدٍ " في موضع الحال. وإنما قال هذا لأنه ناله إحسانه ووجب عليه شكره وبينهما مسافةٌ وبعدٌ. ؟؟؟ وقال هدبة إني من قضاعة من يكدها ... أكده وهي مني في أمان ليس يريد بهذا الكلام نسبة نفسه إلى قضاعة فقط، بل يريد اختصاصه بهم، وتعصبه لهم. وهذا كما يقال: أبا من فلانٍ وإلى فلانٍ، أي ابتدائي منه وانتهائي إليه، فيقول: إني منتمٍ إلى قضاعة أهوى هواها، وضلعي معها، فمن عاداها أوة نابذها عاديته ونابذته، وهي آمنةٌ من مكروهي وأذاي، إذ كنت أنعطف عليها فيما ينوبها، وأغتفر زلاتها فيما يتفق منها. وهذا الكلام في التنبيه في الاختصاص، والإبانة عن الطاعة والإخلاص، من أبلغ كلام وأكرم إيناس. ألا ترى أنه فصل ما أجمل، وفسر ما أبهم بقوله " من يكدها أكده وهي مني في أمان "؟ وهذا صفة جوارح الإنسان مع جملته وأبعاضه مع كله، بدلالة أنه يدافع من يريد إصابة أحدها، ثم هي آمنةٌ من جنايته عليها، أو على شيءٍ منها. ولست بشاعر السفساف فيهم ... ولكن مدره الحرب العوان يقول: ليس محلي منهم وفيهم محل شاعرٍ يسفسف القريض، ثم يقف دون غايته باليد واللسان. والسفساف: ما لا خير فيه من الأفعال والأقوال: وفي الحديث: " إن الله تعالى يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها ". والعوان من الحرب: التي قوتل فيها مرةً بعد أخرى. فإن قيل: أين عجز البيت من صدره في النظام، وهلا قال بعد ما نفى عن نفسه من الشعر الركيك: ولكني شاعر المتخير الرصين؟ قلت: إنما

стр. 321

المراد التنبيه على فضله فيهم وطوله، وعلى كفاية بيانه، وعلى غناء سنانه. والحرب كما تقع بالضراب والطعان تقع بمجاذبة الحجاج عند النفار والفخار. وآثر أن يقول: " ولكن مدره الحرب " ليدخل تحته الأمران جميعاً. وقيل: المدره هو السيد الذي يدفع به الشر فينتظم به أمور الحرب، ويقوم بأسباب الصحاب. وذكر بعضهم أنه من دره علينا، أي طلع. وقيل إنه من درأ أي دفع، وأن الهاء فيه بدلٌ من الهمزة. ويجوز أن يكون الكلام تعريضاً بإنسان نفى عن نفسه حاله وأنبأ أن الأمر بخلافه. سأهجو من هجاهم من سواهم ... وأعرض منهم عمن هجاني قوله " من سواهم " يتعلق من يهجاهم، وموضعه نصبٌ على الحال. ويحتمل معاني: يجوز أن يريد به مخالطاً لغيرهم؛ لأن من هذه تكون للملابسة؛ على ذلك قولهم: أنت مني فرسخين، أي أنت مخالطي. يقوله الدليل والخفير. ويكون للولاء والنصرة، على ذلك قول النابغة: إذا حاولت في أسدٍ فجوراً ... فإني لست منك ولست مني فيكون معنى " من سواهم " ناصراً لغيرهم. وتكون للنسل والولادة. يقول هم من أبٍ واحدٍ وبعضهم من بعض، فيكون المعنى منتسباً إلى غير أصلهم. وعلى هذا قوله " وأعرض منهم " يتعلق من يهجاني، ويكون الكلام في موضعه ومعناه على الحد الذي بيناه. من تعرض لهم بمكروهٍ أو ذكرهم بسوءٍ فإني أدافعه عنهم، وأعارضه دونهم، وأقاتله عن تناوله منهم، ومن تعرض لي منهم فإني أعرض عنه، وأصفح عن غيه فلا أؤاخذه به، صيانةً لهم، ومحافظة على ما يجمعني وإياهم. ؟ وقال عمرو بن كلثوم معاذ الإله أن تنوح نساؤنا ... على هالكٍ أو أن نضج من القتل معاذ الله، من المصادر التي لا تكون إلا منصوبةً، وضعت موضعاً واحداً من الإضافة على ما ترى، ولا يتصرف. والعياذ في معناه ومن أصله، وهو يتصرف مرفوعاً ومنصوباً ومجروراً، وبالألف واللام. وانتصب معاذ الإله على إضمار فعلٍ

стр. 322

ترك إظهاره. ويقولون: عائذاً بالله من شرها، فيجري مجرى عياذاً بالله، كأنه قال: أعوذ بالله عائذاًوعياذاً. ومن أبيات الكتاب: ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا ... وعائذاً بك أن يعلو فيطغونى ويقال: عذت بالله عوذاً ومعاذاَ وعياذاً. ويقال: أفلت منه عوذاً بفتحتين، أي عائذاً، وأتيته عوذاً. وهذا الكلام تبرؤٌ من إظهار الجزع على قتلاهم، واستعمال البكاء والضجاج في بلواهم، وتصبرٌ على نوائب الدهر، وانتفاءٌ من تكره القتل. يقول: نعوذ بالله من نوح نسائنا على متوفى منا مفقودٍ، ومن ضجيجنا من القتل والقتال، وكيف يكون أحد هذين منا وقد تعودت نساؤنا الثكل، ونشأنا في ممارسة الحرب ومزاولتها. وفي طريقته قول الآخر: إذا ما أتتني ميتتي لم أبالها ... ولم تذر خالاتي الدموع وعمتي قراع السيوف بالسيوف أحلنا ... بأرضٍ براحٍ ذي أراكٍ وذي أثل الأصل في البراح الأرض التي لا بناء فيها ولا عمران. والمقارعة: مضاربة القوم في الحرب. وكل شيءٍ ضربته بشيءٍ فقد قرعته. وهذا على حذف المضاف، كأنه قال قراع أصحاب السيوف بالسيوف. أخبر عن نفسه وذويه بأن صبرهم في دار الحفاظ هو الذي أنزلهم بأرضٍ واسعةٍ ذات أثلٍ وأراكٍ، وصرفهم عن الانتجاع وتطلب الخصب في المظان. وهذا صريحٌ ما قاله غيره، وهو: أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر والأراك: شجرٌ تتخذ منه المساويك. ويقال: إيلٌ أوارك، إذا اعتادت أكلها. والأثل أيضاً: شجرٌ. وهذا كما قال الآخر: وتحل في دار الحفاظ بيوتنا ... زمناً ويظعن غيرنا بالأمرع

стр. 323

ونبه بذكر الأرض البراح على أنهم غير محتجزين بحصونٍ ولا قلاعٍ، ولا ممتنعين بهضابٍ ولا حبالٍ. والأثل والأراك ينبتان في السهل أكثر، فوكد بذكرهما المراد، وجعل البراح بدلاً من قوله " بأرضٍ " ولذلك قال " ذي أراكٍ " ولم يقل ذات. فما أبقت الأيام ملمال عندنا ... سوى جذم أذوادٍ محذفة النسل أراد بالأيام الوقعات. وقوله " ملمال " أراد من المال، فجعل الحذف بدلاً من الإدغام لما التقى بالنون واللام حرفان متقابلان، الأول متحركٌ والثاني ساكنٌ سكوناً لازماً. والمعنى: ما بقي تأثير الحوادث ونكبات الأيام عندنا من أصول المال ومقتنياتها، إلا بقايا أذوادٍ قطع الضر نسلها، وتمكن الهزال وسوء الحال منها، فهي على شرف فناءٍ وذهابٍ. والجذم: الأصل. والأذواد: جمع الذود، والذود يقع على ما دون العشرة. وقال أكثر أهل اللغة: إنها تقع على الإناث دون الذكور. وبعضهم يجوز وقوعها على الذكور أيضاً. وما في البيت يشهد للأول. ثلاثة أثلاثٍ فأثمان خيلنا ... وأقواتنا وما نسوق إلى العقل أراد: أموالنا ثلاثة أثلاث، فيرتفع الثلاثة على أنه خبر مبتدأ محذوف، وما بعدها تفسيرٌ لها وتفصيل. ونبه بما أورد وقسم على الوجوه التي انصرفت إليها أموالهم فأفنتها، والطرق التي توزعتها فقللتها، فقال: افترقت أموالنا فرقاً ثلاثاً ففرقةٌ منها صرفناها إلى أثمان خيلنا لأنا غزاؤون، ومعالجو حروبٍ، فلا نستغني عنها؛ إذ كان جدنا وهزلنا منها وبها. وفرقةٌ منها حبسناها على أقواتنا ومعايشنا؛ لأن العفاة والزوار كانت تنتابنا وتتناوب عليها حتى تستغرقها، لأن إقامتنا بدار الحفاظ شغلتنا عن الغزو واجتذاب الزيادة إليها. وفرقةٌ منها وجهناها إلى الديات، وأروش الجنايات التي كسبتها أيدينا، واجترحتها رماحنا، إذ كنا لعزنا ومنعتنا لا يطمع في الاقتصاص منا. ومثل هذا قول الآخر: نأسو بأموالنا آثار أيدينا

стр. 324

؟ وقال المثلم بن عمروٍ إنى أبى الله أن أموت وفي ... صدري همٌ كأنه جبل يقول: يأبى الله لي الاخترام وفي نفسي همٌ عظيمٌ لا أسعى في إمضائه وتنفيذه. ويعني بذلك دماً يطلبه، أو حقداً ينقضه، أو منىً من عدوه يدركه. وهذا الكلام وعيدٌ وإيذانٌ بأنه مجتهدٌ في الطلب، وراجٍ ألا يحول الأجل بينه وبين الأمل، بما عوده الله من الصنع والظفر بالمطلوب. والواو من قوله " وفي صدري " واو الحال. وموضع " كأنه جبل " صفةٌ للهم. والهم يجوز أن يكون مصدر هممت بالشيء، ويجوز أن يكون واحد الهموم. يمنعني لذة الشراب وإن ... كان قطابا كأنه العسل هذا من صفة الهم. يقول: يصدني ذلك الهم عن التلذذ بالشراب، وإن طاب وصار مزاجاً كالعسل يستحلى ولا يتكره. ومثله لأبي ذؤببٍ: فجاء بمزجٍ لم ير الناس مثله جعل ما يمزج به مزجاً. ورواية الأصمعي " مزجاً " بكسر الميم. فالمزج كالمزاج والقطاب، سماه بما يستصلح له من ذلك أو يفعل به من بعد. وإنما قال هذا لأن الواحد منهم إذا أصيب بمن يمسه أو وتر فيمن يقرب منه ويختصه، كان يعقد على نفسه نذراً في مجانبة بعض اللذات أو أكثرها، من معاقرة الشراب أو مجامعة النساء أو ما يجري مجراهما، إلى أن ينال المراد، ويحصل المرتاد. ويقال قطبت الشراب، أي مزجته. ويروى: " وإن كان رضاباً ". ويجوز أن يريد به ماء فم محبوب. ويجوز أن يريد ماءً محله في جنسه ذلك المحل من الشراب. حتى أرى فارس الصموت على ... أكساء خيلٍ كأنها الإبل حتى تعلق إن شئت بقوله أبى الله، وإن شئت تعلق بيمنعني، والتقدير في الوجهين: يأبى الله موتي حتى أرى هذا الأمر، أو يمنعني الهم الالتذاذ بالشراب حتى

стр. 325

أراه وأشاهده. والصموت: اسم فرسه. ويعني بفارسه نفسه. وأكساء الخيل: أدبارها. ويقال هو يكسؤه ويدبره ويذنبه، أي يكون في أثره. وحكى الخيل أكسأته الخيل. والمعنى: لا يكون ذلك حتى أرى نفسي تركض في أدبار خيلٍ منهزمةٍ وتسوقها، كما تساق الإبل. وقيل شبهها بالإبل في عظم خلقها وإشرافها. والكلام على هذا يراد به خيل مخصوصةٌ بتوعدها ويعين عليها. ؟ لا تحسبني محجلاً سبط ال - ساقين أبكي أن يظلع الجمل هذا توعدٌ وتعريض بالمخاطب. المحجل، يجوز أن يكون مأخوذاً من الحجل الذي هو القيد، ومن الحجل الذي هو الخلخال، ويجوز أن يكون من الحجلة. والمعنى: لا تظنني إنساناً مترفاً منعماً لا غناء عنده، ولا كفاية لديه، ولا رأي يستند إليه، ويعول في المهمات عليه، فهو في العجز كالممنوع المقيد، وكالمرأة المخلخلة، وكالمخدر الملازم للحجال والفرش يجزع - لضعف نهوضه، وسقوط قواه، وسوء بصيرته - من ظلع جمله فضلاً من غيره. وقوله " أبكي أن يظلع الجمل " صرف الكلام إلى الإخبار عن نفسه، ولو قال " يبكي أن يظلع " لترك الاستمرار في صفة المحجل جارياً على حده، غير متحول عنه، وكان الكلام أحسن في قران النظم. إني امرؤٌ من تنوخ ناصره ... محتملٌ في الحروب ما احتملوا قوله " من تنوخ " أي أنتسب إليها، وأهوى هواها. و " ناصره " نكرة لأن إضافته إضافة تخفيف لا إضافة تعريف، والتنوين منويٌ فيه، أراد: ناصرٌ له. وقوله: " ما احتملوا " أراد: ما احتملوه، فحذف المفعول لطول الصلة. والمعنى: إني مخالطهم وناصرٌ لهم، وصابرٌ على ما يصبرون عليه، وناهضٌ تحت العبء الذي ينهضون فيه. وقال عبد الله بن سبرة إذا شالت الجوزاء والنجم طالعٌ ... فكل مخاضات الفرات معابر

стр. 326

وإني إذا ضن الأمير بإذنه ... على الإذن من نفسي إذا شيت قادر أراد بالنجم الثريا، وأكثر ما يعترض هذه اللفظة في استعمالهم معرفاً يراد به الثريا لا غير، ألا ترى قول الهذلي: فوردن والعيوق مقعد رابئ ال ... ضرباء حلف النجم لا يتتلع والجوزاء سميت بذلك لأن وسطها أبيض. وحوز كل شيءٍ: وسطه. والوقت الذي يشير إليه يشتد فيه الحر. لذلك قال ساجعهم: " إذا طلع النجم، فالصيف في حدم، والعشب في حطم ". فكأن قائل هذا الشعر استأذن صاحبه في الانتقال إلى البدو فلم يأذن له، فأخذ يتشكى عن مراده بهذا الكلام ويتوجد. ويقول: إذا تناهى الحر وارتفعت الجوزاء في أول الليل إلى كبد السماء، وطلع الثريا عند السحر، فكل مخاضةٍ من جوانب الفرات معبرٌ لي أهرب فيه؛ لأن نضوب الماء ونقصانه يكون في ذلك الوقت. وقوله " والنجم طالعٌ " لو وليه " إذا " فقيل إذا النجم طالعٌ، لم يصلح؛ لأن الجملة التي يبين بها إذا لا بد فيها من فعلٍ، لما يتضمن من معنى الشرط والجزاء. تقول آتيك إذا زيدٌ يأمر. ولو قلت آتيك إذا زيدٌ أميرٌ لم يصلح؛ لكنه لما انعطف على قوله " شالت الجوزاء " حسن حملاً على المعنى، كأنه قيل: وطلع النجم. وهذا إذا كان الواو فيه للعطف، ويجوز أن يجعل الواو واو الحال، يريد إذا شالت الجوزاء في حال طلوع النجم. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: " فكل مخضات الفرات معابر ". وقوله: " وإني إذا ضن الأمير "، يقول: إذا تمنع الأمير من الإذن لي، وصدني الوقت عن مرادي، وأقدر على جواز المسالح والمراصد، لكونها مشحونةً بالمرتبين فيها، انتظرت غيض الماء وجزره في الفرات، وإمكان الخاضات من العبور والذهاب، فحينئذ آذن لنفسي وأهرب. وإنما قال ذلك لأن المشارع لا تضبط كما تضبط الجسور ومضايق الطرق. ؟ وقال الربيع بن زيادٍ العبسي حرق قيسٌ على البلا - د حتى إذا اضطرمت أجذما

стр. 327

يقول: ألهب قيس بن زهير البلاد على ناراً تتوهج، فلما استعرت وتأججت هرب وتركني اصطلي بها وإنما قال هذا لأن قيساً ترك أرض العرب وانتقل إلى عمان بعد إثارة الفتن واهتياج الشر، في سبق داحس. والإجذام: الإسراع في السير، وجعله مثلاً لانزوائه ونفضه اليد مما كان لابسه وتولاه من إيقاد نار الحرب بين الفريقين. جنية حربٍ جمتخت فما ... تفرج عنه وما أسلما جنيٌ: فعيلٌ في معنى مفعول، لكنه ألحق الهاء به لأنه جعله اسماً، كما ألحق بالبنية وهي الكعبة، وبالذبيحة والنطيحة. وهذا اعتدادٌ على قيسٍ بما جناه، وتحمدٌ بما أتاه، وامتنانٌ بأنه لم يقعد عن نصرته، ولم يخذله وقت حاجته، ولم يخله للأعداء وقت إقامته، ولا ترك النيابة عنه واعتناق الأمر بعد غيبته، بل نهض في الشر والقتال ما اتصل نهوضه، وتفرد بالدفاع عنه عند فتوره ونفوره. وقوله " فما تفرج عنه "، أي ما تفرق عنه ولا تكشف. غداة مررت بآل الربا ... ب تعجل بالركض أن تلجما أقبل يخاطب بعد ما كان يخبر، على عادتهم في تصاريف كلامهم، وقوله " غداة مررت " ظرفٌ لما دل عليه أجذما. أي هربت في ذلك الوقت والأوان. و " تعجل " في موضع الحال. والمعنى: اجتزت بآل هذه المرأة مستعجلاً بركض الأعداء في أثرك، حتى لم تتسع لإلجام دابتك، ولم تأمن ريث إصلاح أمرك، والتهيؤ لنجاتك. وقوله " أن تلجم " في موضع النصب من تعجل، وكان الواجب أن يقول تعجل بالركض عن أن تلجم، فحذف الجار ووصل الفعل فعمل. وفي القرآن: " وما أعجلك عن قومك يا موسى ". ؟ وكنا فوارس يوم الهري - ر إذ ما سرجك فاستقدما يوم الهرير معروف. وإنما قال كنا فرسان هذا اليوم، لما كان عرف من جميل بلائهم، وحسن ثباتهم فيه ووقائهم، وليذكر بتبريزهم حين نكصوا على أعقابهم، وقصروا عن شأوهم. وذكر ميل السرج مثلٌ، وقول جرير يشهد لذلك

стр. 328

ويكشفه، حين قال: قل للجبان إذا تأخر سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناج والمراد اضطراب الأمر وفشل الرأي وتمكن الخوف والدهش من المنهزم، ونزوله عما يهم بركوبه. وفي طريقته قول الآخر: لا تجعلونا إلى مولى يحل بنا ... قد الجزام إذا ما لبده مالا وكما جعل الحزام مثلاً لتدارك الأمر وتلافي فاسده على الوجه الذي تراه، جعل ترك شد الحزام عند ما يطرق أو ينوب مثلاً للتحزم والتجمع قبل نزول الخطب، حتى إذا بدت أعناقه لا يحتاج إلى استئناف شيءٍ لتمام أهبته. وعلى ذلك قول امرئ القيس: أقصر إليك من الوعيد فإنني ... مما ألاقي لا أشد حزامي فتأمل ما فتحنا مبهمة تنل كل فائدةٍ، وتظفر بكل غنيمة. ويقال: استقدم بمعنى قدم، وفي ضده استأخر بمعنى تأخر. والمعنى: كنا فرسان هذه الوقعة في هذا اليوم المشهور، حين كنت للشر معوراً، وعلى شفا البلاء موفياً. عطفنا وراءك أفراسنا ... وقد أسلم الشفتان الفما يقول: تعطفنا عليك في ذلك الوقت، ودافعنا دونك، وقد كشرت الأسنان وأسلمتها الشفاه، تقلصاً عنها ويبوسةً حادثةً فيها. وذكر الفم كنايةٌ عن الأسنان؛ كما يقال فض الله فاه. ويقال في هذا المعنى ذبت الشفاه. ومثله قول عنترة: إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم والواو من قوله قد أسلم الشفتان واو الحال. والاستعارة بإسلام الشفتين في نهاية الحسن.

стр. 329

إذا نفرت من بياض السيو ... ف قلنا لها أقدمي مقدما يقول: إذا جبنت خيلنا وحادت عن تلألؤ السيوف وبريق الشمس وشعاها في السلاح، وهرير الأبطال وتداعيها، أكرهناها على الإقدام. وذكر النول ها هنا كنايةٌ عن الفعل، وهذا كما يقال قال برأسه كذا، إذا حركه، وقال بسوطه، إذا أشار به. والمقدم والإقدام بمعنىً. وحقيقة الكلام إذا نفرت قدمناها تقديما. وقال الشنفري لا تقبروني إن قبري محرمٌ ... عليكم ولكن أبشي أم عامر يقال: قبرت الإنسان، إذا دفنته؛ وأقبرته إذا جعلت له موضع قبرٍ، وفي القرآن: " ثم أماته فأقبره ". والشاعر كأنه نبه بهذا الكلام على أنه ممن يقتل ويترك بالعراء لا يرثي له شقيق، ولا يرثه نسيبٌ ولا رفيقٌ، فيأتيه عوافي السباع والطير. فخاطب أصحابه وقال: لا تدفنوني إن دفني محرمٌ عليكم، يريهم استغناءه عنهم حياً وميتاً، ورفعة نفسه عن الاستنامة إليهم والاعتماد عليهم، وذهابه عنهم فعل المجانب لهم، البعيد منهم. ثم قال " ولكن أبشري أم عامر "، أي ولكن الضبع تأكل لحمي فأبشري أم عامر، جعله كما هو لقب الضبع. وموضعه من الإعراب مبتدأ والخبر محذوفٌ، وهو يأكلني وتتولى أمري ونحوه. وهذا في أنه جملةٌ جعلت لقباً وفي أن شرطها أن تحكى، كتأبط شراً وما أشبهه. وإنما جعلت لقباً لها لأن العادة في اصطياد الضبع أن يقصد وجارها ويحفر وهي تتأخر شيئاً شيئاً. والصائد يقول: أم عمرٍ ليست ها هنا؟ أبشري أم عامرٍ بشاءٍ هزلى، وجرادٍ عظلى؛ خامري أم عامر ليست ها هنا؟ فلا يزال يحفر الوجار، ويكرر هذا الكلام؛ والضبع تتأخر حتى تبلغ أقصى وجارها فتخرج حينئذٍ بأغلظ عنفٍ. ولما كان الأمر على هذا في اصطيادها لقبها ببعض ما تخاطب به في تلك الحال، فكأنه قال: لا تقربوني إذا مت فقد حرمت دفني عليكم، ولكن الذي يقال له أبشري أم عامرٍ ولي أمري دونكم. فهذا وجهٌ حسنٌ إليه يذهب الحذاق من أصحاب المعاني. وحكى سيبويه عن الخليل في

стр. 330

قول الأخطل: ولقد أبيت من الفتاة بمعزلٍ ... فأبيت لا حرجٌ ولا محروم أنه قال أبيت الذي يقال له لا حرجٌ، فحكى. ثم قال: يقويه في ذلك قول الأخطل: على حين أن كانت عقيلٌ وشائظاً ... وكانت كلابٌ خامري أم عامر لأنه أراد كانت كلابٌ التي يقال لها خامري أم عامر، فحكى ذلك الكلام وكنى به عن الضبع. ويحتمل أن يكون البيت على كلامين، كأنه قال: لا تدفنوني، مخاطباً أصحابه ورفقاءه، وليس يريد نهيهم عن ذلك؛ ولكن يريد كشف حاله لهم، وبيان عاقبة أمره فيهم. ثم أقبل على الضبع فقال: أبشري يا أم عامرٍ، فإنك تأكلين مني. ويكون هذا في تحويل الكلام عن شيءٍ إلى آخر، كقول الله : " يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين "، فاعلم ذلك تنتفع به إن شاء الله. ويقال بشرته فأبشر، كما يقال فطرته فأفطر. ويقال بشرته بالتخفيف بمعنى بشرته، فاستبشر. وحكى أبشرته أيضاً. إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري إذا ظرفٌ لقوله تقبروني، أو لما دل عليه اللفظ والحال، وقد جعل خبراً للمبتدأ الذي بعد لكن، وهو قوله أبشري أم عامر من يأكلني أو يتولى أمري. ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله أبشري في القول الثاني. وإنما قال " وفي الرأس أكثري " لأن الحواس خمسٌ، وأربعٌ منها في الرأس: البصر للمرئيات، والأذن للمسموعات، والأنف للمشمومات، والفم للمذوقات. وقد اعترض به بين المعطوف والمعطوف عليه، وساغ ذلك لأنه يسدد المعنى المطلوب ويؤكده. وقوله " وغودر عند الملتقى ثم سائري "، يروى بفتح الثاء ويكون ظرفاً وإشارة إلى المعركة ومزدحم الناس. والتقدير وغودر ثم سائري حيث التقى القوم بعد أن حمل رأسه لشهرته، أو ليعلم به إيتان القتل عليه. ويروى " ثم " بضم الثاء ويكون حرف العطف عطف به سائري على المضمر في غودر، والمعنى غودر رأسه ثم سائره حيث التقى القوم للنظارة.

стр. 331

والأولى أجود. وإنما ضعفت هذه لأن عطف الظاهر على المضمر المرفوع ضعيفٌ حتى يؤكد. وتأكيده: وغودر هو عند الملتقى ثم سائره. ويجوز أن يكون سائري في موضع النصب معطوفاً على رأسي، كأنه احتملوا رأسه ثم سائره، فيكون أقرب. وكان الشنفري أحد الخلعاء الذين تبرأ عشائرهم منهم وأسلموا بجرائرهم، ولهذا قال في نفسه: طريد جناياتٍ تياسرن لحمه ... عقيرته لأياً يما حن أول ومن أجل ذلك كشف القناع مع قومه، وأخذ يتفادى منهم ويقول: لا تقبروني إن قبري محرمٌ عليكم. فإن قيل: أين جواب إذا؟ قلت: إن جعلته ظرفاً لقوله لا تقبروني فذاك جوابه، وكذلك إن جعلته ظرفاً للخبر المقدر. والسائر: الباقي من الشيء، وهو من السؤر، وأسأرت في الإناء. هنالك لا أرجو حياةً تسرني ... سجيس الليالي مبسلاً بالجرائر أشار بقوله " هنالك " إلى الوقت الذي يتناهى فيه الأمد، ويدنو فيه الأجل، لا إلى الوقت الآني بعد القتل، وهو ظرفٌ للا أرجو. والمعنى: في ذلك الوقت لا أطمع في حياةٍ سارةٍ لي، وأنا مخذولٌ مسلمٌ بجرائري في القبائل، لا يرى إلا شامتٌ بي، أو طالبٌ للانتقام مني. وقوله " سجيس الليالي " يراد به امتداده وسلاسته في الاتصال وهو اسم الفاعل من سجس. وقد أحكمنا القول فيه في كتابنا الأزمنة. وهو ظرفٌ لقوله مبسلاً بالجرائر. وانتصب مبسلاً على الحال. والجرائر: جمع الجريرة. وأبسلوا: أسلموا. وفي القرآن " ألئك الذين أبسلوا كسبوا ". وقال تأبط شراً وقالوا لها لا تنكحيه فإنه ... لأول نصلٍ أن يلاقي مجمعا كان تأبط شراً خطب امرأة عبسية، فأرادت إجابته ووعدت مناكحته، فلما جاءها أظهرت الزهد، وأخلفت الوعد، واعتلت بأن الرغبة في شرفه وفضله كما كانت لكنه قيل لها ما تصنعين برجلٍ يقتل عنك قريباً، لأن له في كل حيٍ جنايةً، وعنده لكل إنسانٍ طائلة، فتبقين أيماً! فانصرف تأبط شراً وقال هذه الأبيات.

стр. 332

وقوله " أن تلاقى " يجوز أن يكون موضعه رفعاً بالابتداء، وخبره لأول نصلٍ، والجملة في موضع خبر إن. والتقدير: إن تأبط شراً ملاقاته مجمعاً لأول نصلٍ يجرد. ويجوز أن يكون " يلاقي " في موضع النصب على أن يكون بدلاً من الهاء في " إنه "، كأنه قال إن ملاقاته مجمعاً لأول نصل. والهاء في فإنه يجوز أن يكون لتأبط شراً، وهو الأجود في الوجهين. ويجوز أن يكون للأمر والشأن في الوجه الأول، ويكون تفسيره الجملة. ويجوز أن يكون في موضع الظرف، أي زمن أن يلاقي مجمعاً. والمعنى هو لأول نصلٍ إذا لاقى مجمعاً، أي يقتل بأول نصلٍ يعمل في ذلك الوقت. ويروى " أن يلاقي مصرعا "، والمصرع يجوز أن يكون مصدراً، ومكاناً، وزماناً. وانتصابه يجوز أن يكون على أنه مفعول يلاقي ويجوز أن يكون مفعول يلاقي محذوفاً ويكون مصرعاً في موضع الحال؛ كأنه قال أن تلاقيه ذا مصرعٍ، أي مصروعاً، فحذف المضاف. فلم تر من رأيٍ فتيلاً وحاذرت ... تأيمها من لابس الليل أروعا يقول: لم تر هذه المرأة من الرأي لما قبلت مشورة الناس وتمنعت من مناكحتي ما يوازي فتيلاً، أي ما يغنى غناء فتيل. وقد حذرت بقاءها أيماً من رجلٍ ركاب الليل لا يفارقه فيما يهمه، فكأنه لبأسه ذكي القلب شهمٌ. والقتيل والنقير والقطمير يضرب المثل بها في حقارة الشيء. والأروع يكون الحديد القلب المروع الفؤاد، ويكون الجميل. وقوله " وحاذرت " في موضع الحال والأجود أن يضمر معها " قد " أي لم تر فتيلاً من الرأي محاذرة. قليل غرار النوم أكبر همه ... دم الثأر أو يلقى كمياً مسفعاً هذا من صفة لابس الليل. فإن قيل: ما معنى قليل غرار النوم؟ وإذا كان الغرار القليل من النوم، بدلالة قولهم ما نومه إلا غراراً، فكيف جاز أن تقول قليل غرار النوم، وأنت لا تقول هو قليل قليل النوم؟ قلت: يجوز أن يراد بالقليل النفي لا إثبات شيءٍ منه، والمعنى: لا ينام الغرار فكيف ما فوقه؟ ويجوز أن يكون المعنى نومه قليل ما يقل من النوم، أي نومه قليل القليل، يريد به أنه مسهدٌ، وأن أكابر ما يهتم له طلب دم الثأر، أو ملاقاة كميٍ مسفع الوجه، لدوام تبذله للسمائم، وتسياره في الهواجر. والكمي: الذي يكمي شجاعته لوقت الحاجة إليه، وقيل هو الذي يتكمى في سلاحه، وقوله " أو يلقى " أن مضمرةٌ بين أو والفعل، ولولا ذلك لم يجز عطف الفعل

стр. 333

على الاسم، لاختلافهما. وإذا أضمر " أن " يصير حرف العطف ناسقاً اسماً على اسم، والتقدير: أكبر همه دم الثأر أو لقاء كميٍ. ومثل هذا قوله تعالى: " ما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجابٍ أو يرسل رسولاً "، والتقدير: أو أن يرسل رسولاً، حتى يكون أن مع الفعل في تقدير مصدر منسوق على قوله وحياً، إذ قد امتنع أن يحمل على أن يكلم. يماصعه كلٌ يشجع قومه ... وما ضربه هام العدى ليشجعا يجوز أن يكون قوله " يماصعه " صفة لكمياً مسفعاً؛ لأن مثله من الأفعال يكون صفةً للنكرة وحالاً للمعرفة، ويكون الثناء على خصمه الذي همه ملاقاته، كالثناء عليه. ويجوز أن يكون راجعاً إلى الأول، وداخلاً في صفاته فيتبع قوله قليل غرار النوم. ومعنى يماصعه: يقاتله. وأصله الضرب بالسيف والرمي. ويقال مصع بذنبه، إذا حركه. ومصع الطائر بذرقه، إذا رمى به. وقوله " كلٌ " أي كل واحدٍ من الناس، فأفرد وهو في النية مضافٌ. ومعنى البيت: إن كل من قاتل هذا الرجل قاتله طمعاً في أن ينسبه قومه إلى الشجاعة، وليتبجح به عند أقرانه، ويذهب به صيته في الناس. وليس قتله للشجعان وضربه هام الأعداء لمثل ذلك، لكنه طبعٌ منه، وجريٌ على عادته. وقوله " يشجع قومه " أي لأن يشجعه قومه، والمفعول محذوف بدلالة قوله: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى يريد أن أحضر، يدل على هذا ما بعده، وهو: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي قليل ادخار الزاد إلا تعلةً ... فقد نشز الشرسوف التصق المعا قوله " إلا تعلةً " من عللته بكذا، فهو كالتقدمة من قدمت. والشراسيف: مقاط الأضلاع، ولا ينشز إلا للهزال. وذكر القلة ها هنا مقصودٌ به إلى النفي لا غير، بدلالة مجيء الاستثناء بعده، وإذا كان كذلك لم يثبت القليل به. والمعنى: ما يذخر من الزاد إلا قدراً يتعلل به، فقد أثر الطوى فيه حتى هزل، فترى رءوس أضلاعه شاخصةً، وأمعاءه بجنبه ملتصقة، لقة طعمه، واتصال ممارسته للشدائد. وعلى هذا

стр. 334

قول الله : " قليلاً ما تؤمنون " و " قليلاً ما تذكرون ". يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنه ... ويصبح لا يحمى لها الدهر مرتعا قوله " يبيت بمغنى الوحش "، أي استمرت هذه الحالة به، واتصلت منه ودامت، لأن الأماكن سواه ضاقت عنه، ومجامع الإنس تكرهته فلفظته، فألف القفار ولزم مرابع الوحش ومساكنها، حتى أنست به وسكنت إليه، وعدته واحداً منها، وصار هو أيضاً على تعاقب الزمان وتصرف الأحوال لا يحمي من أجلها مرعى، ولا يراعي من مرادها مأوىً، لأن همته مصروفةٌ إلى غيرها، ونفسه مشغولةٌ بسواها، فلا نفرتها منه تقبضها عنه، ولا صيده لها يجعلها من همه. ومثل هذا قول الآخر: علام ترى ليلى تعذب بالمنى ... أخا قفرةٍ قد كان بالغول يأنس وأضحى صديق الذئب بعد عداوةٍ ... وبغضٍ وربته القفار الأمالس على غرةٍ أو جهرةٍ من مكانسٍ ... أطال نزال القوم حتى تسعسعا تعلق قوله " على " بقوله " لا يحمى ". والمعنى: لا يحافظ لها ولا يترقبها، لا على غفلةٍ منها واغترارٍ منه إياها، ولا بمجاهرةٍ لها ولا مكاشفة دونها، بل أطال مزاولة الغارات ومنازلة الكماة منذ ترعرع، إلى أن ولى شبابه وتسعسع. وهذه إشارةٌ إلى ما تنقل فيه على تغير الأحوال ومضي الأوقات، من اكتساب العداوات وإيقاع الوقعات، وتهييج الغارات. وقوله " تسعسع " من قولك تسعسع الليل أو النهار، إذا أدبر. وفي الحديث: " تسعسع الشهر ". والمكانس: الملازم للكناس. ويقال كنسى الظبي فهو كانسٌ، إذا أوى إلى كناسه. قال لبيد: تسلب الكانس لم يؤر بها ... شعبة الساق إذا الظل عقل

стр. 335

ويقال للكناس المكنس. تقال: ظبيٌ كنسٌ، إذا لزم كناسه. ومن يغر بالأعداء لا بد أنه ... سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعاً قوله " لا بد " يجري مجرى لا محالة، وهو من البدد مصدر للأبد، وهو سعة ما بين اليد والجنب، كأن المراد لا سعة في ذلك ولا تجوز. وكان الواجب أن يقول: لا بد من أنه سيلقى، فحذف من. فإذا قلت: لا بد من كذا، فانتصاب بد بلا، وخبره من كذا. ولم يتعلق من ببد كما تعلق بخير من قولك لا خير منه لك، لأنه لو كان كذلك لنون بدٌ ولم يجز غيره: يقول: من أولع بمنابذة الأعداء، وغري بمضارتهم لا بد أن يلقى بهم يوماً من الأيام مصرعاً من مصارع الموت، لأنه كما يرى فيهم يرى بهم. ويقال: غري بكذا وأغري به، وقد روى " يغر " بفتح الياء، و " يغر " بضمها. والمصرع ها هنا مصدرٌ، وقد يكون في غير هذا اسماً للمكان والزمان وعلى طريقة هذا البيت المثل السائر: " من ير يوماً ير به ". وجواب الجزاء في ضمن قوله لا بد أنه سيلقى، والتقدير من يغر بالأعداء فهو سيلقى بهم مصرع الموت، لا بد من ذلك. رأين فتىً لا صيد وحشٍ يهمه ... فلو صافحت إنساً لصافحنه معاً رجع إلى ذكر الوحش بعد أن اعترض بين الكلام فيها بقوله: " أطال نزال القوم "، وبقوله " ومن يغر بالأعداء ". وهو يريد أن يبين سبب أنسها به، وزوال نفارها منه بأشفى مما قدمه. فيقول: رأت الوحش به فتىً صيد الوحش مما ليس يخطر ببال، ولا يعده من جملة الأشغال. فلو مكنت من نفسها إنساً لمكنت هذا. فقوله " لا صيد وحشٍ يهمه " من صفة الفتى، ونفى بقوله لا الغفل، فلذلك لم يكرر لا مرتين كما تقول لا عبدٌ لك ولا جارية. وإذا كان كذلك فقد أضمر بعد لا فعلاً، وجعل الصيد يرتفع به، ويكون الفعل الظاهر بعده تفسيراً، كأنه قال لا يهمه صيد وحشٍ يهمه. والمصافحة أصلها في مماسة صفحة إحدى اليدين للأخرى عند السلام، فاستعارها للتمكين والاستسلام. وقوله " معاً " في موضع الحال، أي مجتمعةً ومصطحبةً. والفائدة في ذكر الإتيان بلفظةٍ تفيد العموم، فكأن المراد الوحش على اختلاف أجناسها. ولكن أرباب المخاض يشفهم ... إذا اقتفروه واحداً أو مشيعا وإني وإن عمرت أعلم أنني ... سألقى سنان الموت يبرق أصلعا

стр. 336

قوله " المخاض " هي النوق الجوامل، وهو اسمٌ صيغ للجماعة منها، ولا واحد لها من لفظها، وإنما خصها لأن التنافس فيها أكثر، وأربابها بها أشح. والشاعر ترك قصةً إلى قصةٍ، فكأنه قال: لا يهمه طلب الوحش، ولكن يهمه قصد أرباب الإبل في أموالهم، فهو يؤذيهم ويفزعهم، ويضنيهم إذا تتبعوا أثره. وقد أغار عليهم واستاق إبلهم منفرداً عن أصحابه، أو محتفلاً بهم معاناً بتشييعهم. وهذا بيان ما قدمه في قوله " أطال نزال القوم حتى تسعسعا ". وانتصب واحداً على الحال، والعامل فيه اقتفروه، أي منفرداً. ويقال اقتفرت للوحش إذا تتبعت أثره. ومعنى يشفهم، يهزلهم ويكد عيشهم. ومشيعاً: معه شيعةٌ. يريد أنه لا يبالي كيف سقط عليهم وأنه يشفهم على كل حالٍ. وقوله " وإني وإن عمرت " بيان قوله " ومن يغر بالأعداء "، لأنه فسر كل بيت من الأبيات الثلاثة ببيتٍ. فيقول: أنا وإن أطبل عمري، ومد من نفسي بما يلحقني من واقية الله تعالى على ما أجترحه وأختاضه، أتيقن أني سألقى أجلي، وأوافي مصرعي إذا دنا الحين المعلوم، بالحين المحتوم، وتراءى سنان الموت لي بارزاً بارقاً، أي السنان الذي يكون به الموت، فلا أختار النفس إلا ما لا يكسبني عاراً. وفي الكلام مع هذا الذي ذكرناه التسلي التام، والرضا بالمقدور. وجواب الشرط في قوله أعلم أنني، وهو على إرادة الفاء، ويجوز على نية التقديم والتأخير. وقال بعض بني فقعسٍ دعوت بني قيسٍ إلي فشمرت ... خناذيذ من سعدٍ طوال السواعد يقول: استغثت بهؤلاء القوم وندبتهم إلى نصرتي والدفاع دوني، فخفت لي رجالٌ كأنهم فحولٌ ممتدة القامات، مبسوطة الأيدي بالضرب والطعن. ويجوز أن يريد بالطول الاقتدار والغلبة، كما يقال في السلاطة: هو طويل اللسان والخناذيذ: الكرام من الخيل، فاستعارها للكرام من الرجال كما يستعار القروم المصاعب لهم. ومن زعم أن الخناذيذ: الخصيان أو الفحولة، فقوله بعيدٌ عن الصواب؛ يشهد لما ذكرناه من أنه الكرام قول الشاعر: وخناذيذ خصيةً وفحولا

стр. 337

والطوال، يكون جمع طويل وطوالٍ جميعا. ومفعول شمرت محذوف، والمراد، رفعت ذيولها، وتهيأت مجتمعة ومتخففة للقتال. وكما قيل هم طوال الأيدي والسواعد في الجرئ المقدم، المستعلي المقتدر، قيل في السخاء: هم بسط الأيدي والأكف، وقيل هو شديد الساعد للقوى الجلد. إذا ما قلوب القوم طارت مخافةً ... من الموت أرسوا بالنفوس المواجد انتصب مخافةً على أنه مفعولٌ له. وجواب إذا " أرسوا ". والمعنى: إذا تمكن الرعب من القلوب والصدور حتى طاشت له الألباب، وطارت له الأفئدة، ثبت هؤلاء القوم في مواقف التدافع والتحارب بنفوس كريمةٍ لا تغضي على قذى، ولا تصبر على أذى، فهي آبيةٌ للدنيات، صابرةٌ عند النائبات. وقوله " أرسوا " مفعوله محذوف، كأنه قال أرسوا قلوبهم بالنفوس الكريمة. ويجوز أن يكون الباء من بالنفوس زائدةً للتأكيد، كما قال: سود المحاجر لا يقرأن بالسور والمعنى أرسوا النفوس، أي أثبتوها إثباتاً لا تحلحل معه ولا تموج. على هذا قولهم: الجبال الراسيات، وهو راسي الدعائم. والمواجد: جمع ماجدةٍ، وأصله الكثرة، يقال أمجدت الدابة العلف، إذ أكثرته لها. وقال سعد بن مالكٍ يا بوس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا اللام من قوله " يا بوس للحرب " دخلت لتأكيد الإضافة في هذا الموضع، وهي إضافةٌ لا تخصص ولا تعرف. وهذه اللام لا تجيء على هذا الحد إلا في بابين: أحدهما باب النفي بلا، وذلك منه في قولك لا غلامى لك ولا أباً لك وما أشبههما، والثاني باب النداء في قولك يا بوس للحرب، وإنما المعنى يا بوس الحرب. ألا ترى

стр. 338

أنه لو لم يرد الإضافة لنون يابوس في النصب، لكونه نكرةً، أو كان يجعله معرفةً مبينةً على الضم. وقد أتى الشاعر في باب النفي على أصله في الإضافة فقال: أبالموت الذي لا بد أني ... ملاقٍ لا أباك تخوفيني والذي يدل على أن هذه الإضافة لا تخصص أن لا قد عمل معها، وهو لا يعمل إلا في النكرات. ومعنى البيت أنه على وجه التعجب دعا بوس الحرب التي حطت أراهط وأذلتهم حتى استسلموا للأعداء، وألفوا وضع الحرب، وحالفوا الراحة، وآثروا السلامة. وهذا الكلام فيه مع القصد إلى التعجب تهكمٌ وتعبيرٌ؛ كأنه أراد: ما أبأس الحرب التي فعلت ذلك. وقوله " فاستراحوا " فيه تهكمٌ وبيانٌ لاستغنامهم ذلك، وميلهم إليه؛ كأنهم عدوا نفض اليد من مجاذبة الأعداء ومراقبتهم والاحتراز من مكايدهم، لظهور عجزهم، وتصورهم بصورة من لا يحتفل له، ولا يستظهر عليه، ولا يتقى منه - سلامةً وراحةً، وإن كان سقوطاً ومهانةً. وكل ذلك لخروجهم عن ملكة العزة، واطراحهم قناع الحمية. وأراهط جمعٌ، يقال رهطٌ وأرهطٌ وأراهطٌ. والرهط يقع على ما دون العشرة - ولذلك جاز أن يضاف ما دون العشرة من أسماء الآحاد إليه - وفارق الخيل والغنم والإبل. والحرب لا يبقى لجا ... محها التخيل والمراح يقال: جحمت النار فهي جاحمةٌ، إذا اضطرمت؛ ومنه الجحيم. وهذا الكام جارٍ مجرى ما قبله، وفيه إزراءٌ بالذين ذكرهم، وإيهامٌ بأنهم كانوا أصحاب خيلاء وبطرٍ، ومراحٍ ونزقٍ، فلم تثبت أقدامهم عند اللقاء، ولا صبرت أنفسهم أوان الكفاح، فقال معرضاً: لا يبقى لنار الحرب كبرياء المتكبرين، ولا نشاط المرحين، بل يستبدلون بهما اللين والكسل، والانخزال والفشل، والصبر على الامتهان، والاستسلام عند الامتحان. وقوله " لا يبقى لجاحمها التخيل " يجوز أن يريد به صاحب التخيل، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وحينئذٍ يكون البدل في إلا الفتى - وهو أول البيت الذي يليه منه، وجه الكلام ومختاره؛ لأن الثاني يكون

стр. 339

من الجنس الأول، وفي الوجه الأول لا يكون من جنسه، والاختيار في المستثنى بعده النصب. إلا الفتى الصبار في ال ... نجدات والفرس الوقاح قوله " إلا الفتى " ارتفع على أنه بدلٌ من التخيل، وهذا لغة تميم، ولغة سائر العرب النصب فيما كان استثناءً خارجاً وإن كان جائياً بعد النفي، لأن كونه ليس من الأول يبعد البدل فيه. والنصب كان جائزاً على كل وجهٍ. والنجدات: الشدائد. والصبر أصله الحبس، وفعالٌ بناء المبالغة، ولا يجوز أن يكون اسم الفاعل من صبر، لأن اسم الفاعل من صبر مصبرٌ. يقول: لكن لا يبقى لملابسة الحرب والصبر على شدائدها إلا الفتى الحسن الثبات في الكرائه، والفرس الصلبة على الجراء. ويقال فرسٌ وقاحٌ، وحافرٌ وقاحٌ، وهو وقح الوجه؛ ومصدره القحة. والنثرة الحصداء وال ... بيض المكلل والرماح عدد الآلات التي يحتاج إليها الفتى الصبار في النجدات عند مراس الحرب، ودفاع الشر. فالنثرة: الدرع الواسعة المحكمة السرد، ويقال فيها النثلة باللام أيضاً. والحصداء: الجدلاء، ومصدره الحصد. يقال حصد يحصد حصداً، وأحصدته وهو محصدٌ. يقال ذلك في الأوتاد والحبال والدروع إذا أحكمت وفتلت. ويقال هو حصيدٌ ومستحصدٌ أيضاً. وقوله " البيض المكلل " يعني بالمسامير، كأنها غشيت وسمرت. والمعنى إنما يبقى على صلاء الحرب ومزاولتها من كان في نفسه يرجع إلى قوةٍ وجلدٍ، ومن صبره يعتمد على أبلغ أمدٍ، ومن سلاحه يثق بأتم عددٍ. ولم يصف الرماح، ويعني أقومها لا محالة. والكر بعد الفر إذ ... كره التقدم والنطاح بين ما يحتاج إليه الصبار من الأفعال في الحرب، كما بين الآلات التي من شرطه استصحابها فكأنه قال: ويبقى لجاحمها الكر بعد الفر في وقتٍ يكره فيه الإقدام والتقدم، والنطاح والتجرد. ويعضهم يروي هذا البيت في غير هذا الموضع، والصواب هذا الترتيب. وجعل النطاح بين الكباش مثلاً للمبالطة بين الفرسان. وتساقط التنواط وال ... ذنبات إذ جهد الفضاح

стр. 340

هذا ينعطف على قوله وضعت أراهط فاستراحوا. يقول: وتساقط الدخلاء والهجناء الذين نيطوا بصميم العرب فلم يكونوا منهم. والتنواط مصدرٌ في الأصل، كالترداد والتكرار؛ وكأن المراد ذوو التنواط؛ فحذف المضاف وأقيم الضاف إليه مقامه. ويجوز أن يكون وصف به كما يوصف بالمصادر. وذكر بعضهم أن التنواط ما يعلق على الفرس من إداوةٍ وغيرها؛ لأن كل ذلك قد نيط به، ثم أطلق تشبيهاً على الدخلاء. وقد استعمل هذه اللفظة في الدعي، فقيل: هو منوطٌ. وقال الشاعر: وأنت دعيٌ نيط في آل هاشمٍ ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد فعلى هذا يجوز أن يريد بذوي التنواط الأدعياء. وقوله الذنبات، يريد التباع والعسفاء. ويقال الذنائب والأذناب أيضاً. وكما قيل هذا تشبيهاً بذنابة الوادي، قيل في الرؤساء الذوائب، لأنهم الأعلون. وذكر بعضهم أن الذنبات لا يقال في الناس، وإنما يقال لهم أذناب، ثم أنشد: قومٌ هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا ومن حيث جاز الأذناب واستعارتها جاز استعارة الذنبة والذنابة والذنائب والذنبات، ولا فصل. وقوله " إذ جهد الفضاح " معناه بلغ بالفضيحة جهدها ولم يرض بالعفو منها. وفي الوقت الذي أشار إليه، لا يثبت إلا من يرجع إلى كرمٍ متناهٍ، وحرصٍ على المحافظة على الشرف بالغٍ. كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح أخذ يقتص ما جرى عليهم. وقوله " كشفت لهم عن ساقها " مثلٌ يضرب لشدة الحرب، وإنما أهلها في ذلك الوقت يكشفون عن الساق، فجعل الفعل لها، والمراد انكشفت الحرب لهم عن تشمر أهلها واشتدادها. وقد قيل: الساق اسمٌ للشدة، وفسر عليه قوله تعالى: " يوم يكشف عن ساقٍ " فقيل: المعنى يوم يكشف عن شدة. وكذلك كشفت الحرب عن ساقها، معناه أبرزت عن شدتها. وقوله " وبدا من الشر الصراح " أي الخالص الذي لا يمتزج به خيرٌ ولا يرجى بعده صلاحٌ.

стр. 341

ويقال: صريحٌ وصراحٌ، كما يقال طويلٌ وطوالٌ، وعريضٌ وعراضٌ. ويقال: صرحت الخمرة، إذا انكشفت عنها زبدتها. فالهم بيضات الخدو ... ر هناك لا النعم المراح أقبل يصف ما امتحنوا به في الحرم إذا ترك حديث المال والبلاء في النفوس. وقوله " فالهم بيضات الخدور " يجوز أن يراد به ما يهتم له في ذلك الوقت: الحرم والنساء المخدرات اللاتي كأنهن بيضٌ مكنونٌ صيانةً وجمالاً، لا الإبل المراحة من مراعيها. كأنه سمى ما يهتم له هماً. ويجوز أن يكون المعنى ما يهم به: النساء لا الإبل. والمراد أنهم كانوا يغتنمون سباء النساء وإلحاق العار بسببهن، لا اغتنام الأموال. وتشبه المرأة بالبيض لتلملمها وزوال الحجوم عنها. وقال الخليل: بيضة الخدر هي المجارية المخدرة الجميلة. وإنما قال المراح لأن النعم مذكرٌ. ويقال سرحت الماشية بالغداة، وأرحتها بالعشية. بئس الخلائف بعدنا ... أولاد يشكر واللقاح أولاد يشكر، هم من جملة من وضعته الحرب. فيقول: إذا خلفنا من لا دفاع به من الرجال والأموال، فبئس الخلائف بعدنا. جعل أولاد يشكر كاللقاح وهي الإبل بها لبنٌ في حاجتها إلى من يذب عنها، ويحامي عليها. ورواه بعضهم: " واللقاح " بفتح اللام، وهم بنو حنيفة، وكانوا لا يدينون للمولك. ويكون الكلام على هذا تهكماً. من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيسٍ لا براح يقول: من أحجم عن الحرب وكره الاصطلاء بنارها والصبر على بلواها، وعجز عن الثبات في وجوه أبنائها، فأنا ابن قيسٍ لا براح لي فيها ولا انحراف. ومعنى " فأنا ابن قيسٍ " فأنا المشهور بأبيه، المستغني عن تطويل نسبه. فقوله لا براح، الوجه فيه

стр. 342

النصب، ولكن الضرورة دعته إلى رفعها. وقال سيبويه: جعل لا كليس ها هنا فرفع به النكرة، وجعل الخبر مضمراً. ومثله: بي الجحيم حين لا مستصرخ كأنهما قالا: حين ليس عندي مستصرخٌ ولا براحٌ عندي في الحرب. وهذا يقل في الشعر ولا يكثر. وجعل غيره براحٌ مبتدأ والخبر مضمراً؛ وإنما يحسن ذلك إذا تكرر، كقول القائل: لا درهمٌ لي ولا دينارٌ، ولا عبدٌ لي ولا أمةٌ. إلا أنه جوز للشاعر الرفع في النكرة بعد لا وإن لم يكرر، لأن أصل ما ينفى بلا الرفع، فكأنه من باب رد الشيء إلى أصله. ويقال ما برحت من مكان كذا، أي ما زلت براحاً وبروحاً. وما برحت أفعل كذا براحاً، أي أقمت على فعله، مثل ما زلت أفعله. والبراح الأول في المكان، والبراح الثاني في الزمان، ولا بد له من خبر. قال جحدرٌ، وهو ربيعة بن ضبيعة قد يتمت بنتي وآمت كنتي وشعثت بعد ادهانٍ جمتي ردوا علي الخيل إن ألمت إن لم أناجزها فجزوا لمتي قد علمت والدةٌ ما ضمت ما لففت في خرقٍ وشمت إذا الكماة بالكماة التفت هذا توجعٌ وتحشرٌ. والمراد إني قد استقتلت، وكانت هذه الأمور من اليتم والأيمة والتشعث قد اتفقت ووقعت. وإنما قال هذا لأنه كان قد سم في يوم تحلاق

стр. 343

اللمم أن يحلق الشعر، إذ كانوا جعلوا ذلك شعاراً لهم، وهذا اليوم من أيام بكرٍ وتغلب. وكان جحدرٌ هذا حسن اللمة غزلاً، متبجحاً بجماله ووفرته عند النساء، فسأل - لكراهته ما ساموه - الإعفاء منه، منتظرين ما يكون من بلائه، وتشهير نفسه بين الصفين بعلامةٍ تميزه وآثار تشرفه، وحملاتٍ على الأعداء تدل على غنائه، ومقاماتٍ تشهد بوفائه؛ فإن لم يف بذلك حينئذٍ تجز لمته عقوبةً وتنكيلاً، ففي جز اللمة إذلالٌ؛ ولذلك كان يفعل بالأسير عند المن عليه. ثم ذكر ما نشأ عليه وتفرس فيه من وقت الولادة إلى الإيفاع، من الغناء والكفاية، والذكاء والشهامة، فقال: قد علمت والدتي أي ولدٍ تضمه إلى نفسها بي، وأي إنسانٍ تلفف في القمط حين لفتني، وأي فارسٍ تشمه بشمي، إذا تراكمت الأهوال، وتداعت الأبطال، وضاق المكر والمجال، وتلاحقت الرجال بالرجال، فهذا سبب توطينه النفس على القتل، ووجه الشرط في مناجزة الخيل. وقوله " يتمت " مصدره اليتم. قال الدريدي: اليتيم الفرد، لذلك سمي الذي يموت أحد والديه يتيماً، كأنه أفرد، وقيل اليتيم في الناس من الأب والأم، ومن البهائم من الأم. وقوله " آمت " مصدره الأيمة والأيوم. والأيم: التي لا زوج لها. والكنة، قال الخليل: هي امرأة الأخ أو الابن. ويشهد لما قاله قول الشاعر: هي ما كنتي وتز ... عم أني لها حمو ويعني جحدرٌ بالكنة امرأة نفسه، كأنه من حيث كانت كنة قومه أضافها إلى نفسه. والشعث والشعوثة: اغبرار الشعر وتلبده. وقوله " ردوا علي الخيل " يريد اصرفوا وجوها إلي. والمناجزة: المعالجة بالقتال، ومنه إنجاز الوعد، ونجز الشيء. وقوله " ما لففت في خرقٍ " بدلٌ من قوله ما ضمت، والتكرار على هذا الوجه تفخيمٌ للقصة.

стр. 344

وقال شماس بن أسود أغرك يوماً أن يقال ابن دارمٍ ... وتقصى كما يقصى من البرك أجرب لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى التوبيخ والتقريع. ويقال غره، إذا غشه وختره بما يجب السكون إليه والإيمان به. ويقال: ما غرك مني، أي لم وثقت بي؟ وما غرك بي، أي لم اجترأت علي؟ وما غرك عني، أي لم غفلت عني؟ فيقول: اغتررت بقول الناس فيك هو ابن دارمٍ وإن أخر منزلتك، وأقصيت في نفسك كما يقصى البعير الجرب من البرك مخافة الإعداء، وكان حكم مثلك ألا يقنعه فخامة الذكر مع سقوط القدر، ولا يسكن من الناس إلى تسميتهم إياه بأحب أسمائه إليه وهذا فعلهم به. قوله " ابن دارمٍ " يجوز أن يكون مبتدأ وخبره محذوفٌ، وأن يكون خبراً والمبتدأ محذوف، والمضمر في الوجهين أنت أو هو. ويقال بعيرٌ جربٌ وأجرب، والبرك: جمع باركٍ، كتاجرٍ وتجرٍ. قضى فيكم نوسٌ بما الحق غيره ... كذلك يخزوك العزيز المدرب نوس هذا المذكور كان له جارٌ، واهتضمه ابن دارمٍ واستاق ماله، فلما جاء الصريخ نوساً ذهب في أثر ابن دارمٍ وارتجع مال جاره منه، وسلبه ما صحبه من مال نفسه، وأبان يده منه بضربةٍ تناوله بها، فلهذا قال: حكم فيكم نوسٌ عند الانتقام لجاره منكم بحكومةٍ جائرة خارجةٍ عن الاقتصاد إلى الاشتطاط. ثم قال " كذلك يخزوك " أي يسوسك الرجل الجلد العزيز المجرب. وهذا الكلام، أعني كذلك يخزوك، يجري مجرى الالتفات، كأنه التفت إلى غيرهم فخاطبهم مبكتاً لهم ومقرعاُ بذلك. ولا يمتنع أن يكون صرف الكلام عن خطاب الجماعة وأقبل يخاطب الواحد. ويقال خزاه يخزوه، إذا كفه عن المكروه وحبسه على مر المراد. قال لبيد: واخزها بالبر لله الأجل

стр. 345

فأد إلى قيس بن حسان ذوده ... وما نيل منك التمر أو هو أطيب يخاطب ابن دارمٍ متوعداً ومعيراً، ويقول: اخرج مما في ذمتك من ذود قيس بن حسان إليه، وحالك إذا رمت ظلم غيرك أن ما ينال منك كالتمر في الحلاوة أو أطيب. والمعنى: إن تعرضك لأخذ مال قريبٍ منك أو بعيدٍ عنك، مع ضعف المنة في سقوط العزة، ولا يجدي عليك نفعاً، ولا يسوق إليك غنماً، فازهد فيما عندك له، ورده قبل أن تستوبل عاقبته، وتستوخم مغبته. والواو من قوله " وما نيل "، واو الحال، كأنه قال أده وأنت إذا أكلت مستطابٌ. وقوله " أو هو أطيب " أي أطيب من التمر. والحذف من الخبر جائزٌ، وقد مضى مثله. وأو هي أو الإباحة، وقد نقل إلى الخبر. فإلا تصل رحم ابن عمرو بن مرثدٍ ... يعلمك وصل الرحم عضبٌ مجرب يقول: إن لم تصل رحمك مختاراً له، ومعفياً أثر العقوق به، ومزيلاً عن نفسك سمة الجاهل الذي يدخل فيما لا يمكنه الخروج منه، والآكل ما لا يقدر على استمرائه، علمك صلة الرحم والخروج من الحقوق، سيفٌ قاطعٌ لا يبقي عليك ولا يالو تأديبك. وفي طريقته السائرة قولهم: " الطعن يظأر "، ومن الشعر قول زهيرٍ: ومن يعص أطراف الرماح فإنه ... مطيع العوالي ركبت كل لهذم وقال حجر بن خالد وجدنا أبانا حل في المجد بيته ... وأعيا رجالاً آخرين مطالعه قوله " حل في المجد بيته " في موضع المفعول الثاني لوجد، لأنه بمعنى علم. والبيت لا يحل ولكن يحل فيه، لكنه رمى بالكلام على السعة والمجاز، لأن المعنى لا يختل. ويقولون: فلانٌ عالي المكان، لأنه إذا علا مكانه فقد علا هو. وقال الآخر: وحلت بيوتي في يفاعٍ ممنع

стр. 346

فيقول: علمنا بالاختبار في طلاب العلو، والاجتهاد في منال أقصى السمو، تمكن بيت أبينا من ذروة المجد والشرف، فمحله فائتٌ لا يلحق، ومطلعه معجزٌ لا يمكن، إذ كان مداه الغاية التي ليس وراءها مستشرفٌ لناظرٍ، ولا منالٌ للاحق. فمن يسع منا لا ينل مثل سعيه ... ولكن متى ما يرتحل فهو تابعه يقول: من طلب نيل مكانه، أو الارتقاء إلى درجته، بسعيٍ يتكلفه ويجهد فيه نفسه، وقف دونه وقعد به طوقه، وكان أقصى غايته بعد استفراغ مجهوده، أن يكون تابعاً له، وواطناً عقبه؛ فأما مساماته في مدارجه، أو مسامتته في مطالعه، فلا سبيل إليه، ولا مطمع فيه. وقد سلك الأعشى هذا المسلك فقال: كلٌ سيرضى بأن يلقى له تبعا وذكر الارتحال حسنٌ في الاستعلاء مع ذكر السعي. وقد قيل: " لولا السعي لم تكن المساعي ". يسود ثنانا من سوانا وبدؤنا ... يسود معداً كلها ما تدافعه الثني: من دون الرئيس، لكنه يليه في الرتبة. والبدء: السيد غير مدافعٍ عن أولية سيادته، فكأن المراد بهما الأول في الرياسة والثاني. وأصله من ثنيت الشيء. وفي حديث النبي ﷺ : " لا ثنى في الصدقة ". والمعنى أنها لا تؤخذ في السنة مرتين. ويقال ثنيت الشيء ثنياً، ثم يسعى المثنى ثنياً وما ثني به هو أيضاً ثنياً. وعلى هذا الضعف، يقال ضعفت الشيء مخففاً في معنى ضاعفت ضعفاً، ثم يسمى المضعوف ضعفاً بالكسر، والمضعوف به ضعفاً أيضاً. قال لبيد: وعالين مضعوفاً وفرداً سموطه

стр. 347

والبدء: العظم المنفصل مما عليه من اللحم، كأنه من هذا. قال: أغلت الشتوة أبداء الجزر ومعنى البيت: المغمور فينا إذا حصل في غيرنا سادهم وعلاهم، والرئيس منا تسلم له الرياسة على قبائل معدٍ كلها، غير معارضٍ فيها، ولا مدافعٍ عنها. ونحن الذين لا يروع جارنا ... وبعضهم للغدر صقم مسامعه يصف عزهم ومنعتهم، وعهدهم ووفاءهم، وأن المجاور لهم، والمعتصم بحبلهم، يبقى آمناً معهم غير مذعورٍ، وموفوراً غير مسلوبٍ. ثم قال معرضاً بغيره: وبعض الناس لما يستعمله من الغدر، ويشتهر به من تضييع الذمار، ولكونه منطوياً فيما يأتيه على الإصرار، يصم مسامعه عن ذكر العار، فلا يبالي بذم الناس له، ولا يأنف من تهجينهم أفعاله. وفي طريقته قول الآخر: إن يجبنوا أو يغدروا ... أو يبخلوا لا يحفلوا يغدوا عليك مرجلي ... ن كأنهم لم يفعلوا وكان وجه الكلام أن يقول لا يروع جارهم حتى يرجع من الصلة إلى الموصول الذكر؛ لكنه لما كان المقصود بقوله نحن والذين شيئاً واحداً لم يبال برجوع الضمير إلى كل واحدٍ منهما. وقد مضى مثله. ندهدق بضع اللحم للباع والندى ... وبعضهم تغلي بذمٍ مناقعه الدهدقة: الصوت. والبضع: القطع. أي نتولى ذلك كرماً منا على اعتسافٍ وسوء تأتٍ: ويجوز أن يكون البضع جمع بضعةٍ فيكون المعنى: إنا نقلبها في القدور، فلعظمها يسمع لها في التقلب صوتٌ. والمناقع: جمع المنقع والمنقعة، وهي القدور الصغار، وقيل هي الأتوار الصغيرة. وقيل المناقع واحدها، وأصله ما ينقع فيه

стр. 348

الشيء، فاستعاره للقدور. فأما قوله منقع البرم فقد قيل فيه ما ذكرنا وغيره. وقد روي منقع البرم، بكسر الميم، وفسر على وعاء القدر وذكر الباع مثلٌ، والمراد الكرم. فعلى الطريقة الأولى يكون معنى البيت: يسمع لقطع اللحام بأيدينا دهدقةٌ، لقلة رفقنا فيه وسوء حذقنا به، كما قال الآخر: جفاة المحز لا يصيبون مفصلاً ... ولا يأكلون اللحم إلا تخذما على الطريقة الثانية يكون المعنى: تغلي قدورنا بفدر اللحم، فإذا قلبناها فيها إقامةً لخدمة الضيف، واكتساباً للحمد، ورغبةً في ابتناء المجد، تقلبت ولها صوتٌ، لعظمها واتساع قدورها. وبعض الناس - وهذا تعريضٌ بالغير - تغلي قدوره التي كأنها مناقع في الصغر بذم الناس له. فقوله " بذمٍ " في موضع الحال، تقديره: تغلي مذمومةً. ويحلب ضرس الضيف فينا إذا شتا ... سديف السنام تستريه أصابعه يروى " ضرس الضيف " بالرقع على أن يكون فاعلاً، وسديف بالنصب على أن يكون مفعولاً، وهو الجيد. ويعضهم ينصب الضرس ويرفع سديف السنام، والمعنى لا يلتبس في الوجهين. يقول: وإذا اشتد الزمان، وأسنت الناس، فإن الضيف فينا يأكل سديف السنام، من الإبل السمان، على ما تختاره أصابعه في الجفان. والسديف: قطع السنام. وقيل هو شحم السنام. ومعنى إذا شتا، إذا أمحل. وذكر الحلب كنايةٌ عن الأكل. والمعنى: إنا لا نرضى بنحر الكسيرات المهزولات، بل نعتبط خيار الإبل وكرائمها عند حلول الضيفان. وتستريه: تختاره، يقال استسريت الشيء أيضاً. والسري: الخيار من كل شيء. وموضع تستريه نصبٌ على الحال للسديف، والعامل فيه يحلب، كأنه قال تحلبه الضرس مختاراً بالأصابع. منعنا حمانا واستباحت رماحنا ... حمى كل قومٍ مستجيرٍ مراتعه يقول: إذا أحمينا مكاناً ذببنا أعداءنا عنه، ولا يجسر أحدٌ منهم على دخوله، ومتى شئنا استبحنا أحمية الناس لعزنا وفضل قوتنا، ولاستسلام القبائل لنا، وإن كانت الأحمية مستجيرة المراتع. وقوله " مستجيرٍ مراتعه " الهاء يرجع إلى حمى كل قومٍ،

стр. 349

والمعنى الحمى الذي قد استجار مراتعه بالممتنع القوي، وتعزز بالظهر الظهير. وهذا إشارةٌ إلى إيلاف الجوار، كأنها تجمع بين جوارين في حيها وحي غيرها، تستظهر بأحدهما على الآخر. وجعل الفعل للمراتع مجازاً، أي تستبيح الحمى الذي هذا صفته. ويجوز أن يكون أراد الحمى الذي قد أدخل على قومه الضعفاء من الأجانب في الجوار. ويقال: استجار، إذا تضمن الإجارة وطلب من غيره المجاورة، واستجار أيضاً إذا طلب أن يدخل في الجوار ويحامى عليه. ويقال استجرت فلاناً وبفلانٍ، والمفعول محذوف. وقال أيضاً: لعمرك ما ألياء بن عمرو ... بذي لونين مختلف الفعال وصفه بأنه ثابت القدم بحسن الوفاء، محافظٌ على الذمار، باقٍ على طريقةٍ واحدةٍ في الشدة والليان. فيقول: وبقائك ما هو بذي لونين يخالف باطنه ظاهره، ولا يوافق مقاله فعاله، يتنقل في الأهواء، ويتلون تلون الأوفاقات، فهو على أن يجيب كل ناعقٍ، ويتبع كل قائدٍ وسائقٍ، إن ضمن لم يف، وإن وعد لم ينجز. غداة أتاه جبارٌ بإدٍ ... معضلةٍ وحاد عن القتال جبارٌ: رجل. والإد: المنكر من الأمر الشديد. وفي القرآن: " لقد جئتم شيئاً إداً ". وقد أفرد ها هنا عن موصوفه فأجري مجرى أسماء الدواهي. والمعضلة: الداهية العسرة الضيقة. ومنه قولهم: هو عضلةٌ من العضل، وداءٌ عضالٌ: الذي غلب وأعيا. وقوله " غداة أتاه " ظرف للفعل الذي دل عليه قوله " بذي لونين مختلف الفعال "، كأنه جلب عليه هذا الرجل أمراً منكراً، ضيقاً عسراً، ثم خلاه يصلى بناره ويقاسي مكروهه، ويماصع خصماءه فيه ويجاذبهم، وهرب هو. ففض مجامع الكتفين منه ... بأبيض ما يغب عن الصقال الفض: الكسر والتفريق، ويقال انفض القوم، إذا تفرقوا. يقول: فصل مجمع كتفيه بضربةٍ من سيفٍ بحادث بالصقل، ولا يتغافل عنه. والإغباب: أن ترد الإبل

стр. 350

الماء غباً. ويقال أغب القوم، إذا صارت إبلهم كذلك. وليس يريد بنفي الإغباب أن يدل على صقل السيف كل يوم؛ ولكن المراد أنه لا يهمل صقله زماناً ممتداً؛ إذ كان صاحبه يستعمله كل يوم. وعلى هذا ذكر الغب في المثل السائر: " زر غباً تزدد حباً ". فلو أنا شهدناكم نصرنا ... بذي لجبٍ أزب من العوالي يقول: لو حضرناكم لنصرناكم وجاهدنا معكم بجيشٍ له جلبةٌ وصوتٌ، أزب لكثرة الرماح فيه. أي تشبه كثرة الرماح فيه والتفافها كثرة شعر الأزب. وهذا على طريق الاستعارة، لأن أصل الزبب في الشعر. وفي المثل: " كل أزب نفورٌ "، يعني البعير الكثير الشعر على الوجه والعثنون، لأن ما حوالي عينيه من الشعر يخيل إليه المناظر على خلاف ما تكون عليه فينفر. والعوالي: جمع عالية، ويراد بها جنسٌ من الرماح. ولكنا نأينا واكتفيتم ... ولا ينأى الحفي عن السؤال يروى " واكتفينا ". يقول: بعدنا عنكم فاستقللتم بأنفسكم واستغنيتم عمن يعاضدكم في كل ما يدهمكم، فلم تدعكم حاجة إلى مجاورتنا، ولا ألجأتكم الضرورة إلى التكثر بنا. والرجل اللطيف البار بصاحبه لا يبعد عن تنسم الأخبار واستنشائها لمن يهمه أمره، وإن بعد بنفسه ومكانه. ومن روى " واكتفينا " كان المعنى اكتفينا في البعد عنكم فلم تحتج إليكم. والقصد في الروايتين أنه لم يكن بإحدى الجنبتين افتقارٌ إلى الأخرى، فصار ذلك سبباً في التنائي، وعذراً بيناً في التأخر عن المعاونة والمكانفة. ودل بقوله: " ولا ينأى الحفي " على أن القلوب في التعطف والخلوص، على ما يوجبه الوداد ولم يغيرها البعاد. ويقال فلانٌ حفيٌ بفلان ظاهر الحفوة، أي البر. وقال حسان بن علبة إذا كنت من سعدٍ وأمك منهم ... غريباً فلا يغررك خالك من سعد

стр. 351

يقول: إذا كنت بعيداً عن وطنك وذويك من قبل أبيك، وحاصلاً في بني خالك، ضارباً فيهم بسهم الخؤولة، لكون أمك منهم، فلا تغتر بهم، ولا تعتمد على قرابتك فيهم، فإن التشابك الموثوق به المستصلح لإعداده، إذا كان الالتحام بالأبوة لا بالأمومة. فأما الخؤولة فمشابهةٌ للغربة، بعيدةٌ من القربى والقربة، والمكانفة والنصرة. وهذا المعنى قد كشفه غيره فقال: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد قوله " في سعدٍ " يجوز أن يكون خبراً، ويجعل غريبا منتصباً على الحال، ويكون العامل فيه كنت، أو العامل في الظرف. ويجوز أن يجعل في سعدٍ لغواً، ويجعل غريباً خبر كان. وقوله " فلا يغررك " جعل النهي في اللفظ للخال، والمعنى لا تغتر بخالك من سعد، لأن المنهي هو المخاطب. ومثل هذا قولهم: لا أرينك ها هنا. وقول الآخر: إن الرياضة لا تنصبك للشيب فإن ابن أخت القوم مصغىً إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأبٍ جلد يقول: ابن أخت القوم منحوس الحظ، منقوص الشرب، ممال الإناء والحوض متى لم تنجده أبوةٌ يشتد بها أمومته، وعمومةٌ يتأيد بها خؤولته. وهذه الأمثال مضروبةٌ للهضيمة تلحق فلا يتحرك لدفعها الأخوال وإن كان بين ظهرانيهم، ولأن الحمية إنما يبعثها تراقد بني الأعمام، أو المنتسبين إلى الآباء، وجواب إذا لم يزاحم مقدمٌ، وهو ظرفٌ لإصغاء الإناء. واستعارة الإناء ها هنا كما قال زهير: ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ومن هذه الطريقة قوله: يا جفنةً كنضيح الحوض قد كفئت ... بئني صفين يعلو فوقها القتر

стр. 352

وإن كان في الكفء ما ليس في الإصغاء، فاعلمه. وقال بعض بني جهينة ألا هل أتى الأنصار أن ابن بحدلٍ ... حميداً شفى كلباً فقرت عيونها هذا الاستفهام طريقه طريق التمني وإظهار الميل إلى أن يكون الأنصار شركوه في العلم بالحالة التي يقتصها. ويجوز أن يكون أخرج الكلام على هذا ليبلغوا. فيقول: هل تأدى خبر حميد بن بحدلٍ فيما كان من نصره كلباً على قيسٍ، وإقراره عيونهم منهم، وشفائه قلوبهم مما كان تداخلها من عداوتهم، واهتاج فيها من نار حقودهم. وأنزل قيساً بالهوان ولم تكن ... لتقلع إلا عند أمرٍ يهينها يقول: وأحل حميدٌ قبيلة قيسٍ بمحل الذل والامتهان، والهضم والهوان، حتى كفوا عن مجاذبة كلبٍ والتعرض لهم بالسوء. ثم قال: ولم تكن قيسٌ تنزجر وترتدع إلا عندما يسقطها، وينزلها بدار الرغم ويسخطها، لفرط لجاجها، وتأبيها وجماحها. واللام من " لتقلع " لام الجحود. فقد تركت قتلى حميد بن بحدلٍ ... كثيراً ضواحيها قليلاً دفينها هذا بيانٌ لما حل بقيسٍ. يقول: تركت القتلى الذين أبادهم حميد ابن بحدل بالعراء، فقد كثر بوارزهم للشمس، وقل دفائنهم في الأرض. وإنما يفظع بما يصف ما دفع إليه قيسٌ وابتلي به. والضواحي: جمع ضاحيةٍ، وهي الظواهر، والفعل منه ضحي يضحى عند الكوفيين، ولغةٌ أخرى ضحى يضحى، وهذا أفصح. وفي القرآن: " وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ". وأضاف قتلى إلى حميد لأنه الموقع بهم، القاتل لهم. فإنا وكلباً كاليدين متى تقع ... شمالك في الهيجا تعنك يمينها هذا الكلام تحمد وتنبيه على أن ما يجمعهم وكلباً في نهاية القوة والاستحكام، فلا يعرض فيه فتورٌ، ولا يتسلط عليه كلةٌ ولا قصورٌ، فهم كاليدين إذا دفعت إحداهما إلى شدة أعانتها الأخرى. وجعل الفضلى من اليدين - وهي اليمين - مثلاً لأنفسهم.

стр. 353

وقال المنخل اليشكري إن كنت عاذلتي فسيرى ... نحو العراق ولا تحوري يستعفي من لومها وتقريعها في تبذير المال وإتلافه، وترك الادخار منه ليومه وغده؛ فيقول: إن كان دأبك إدمان عذلي، والاستمرار في توبيخي، ففارقيني وخذي طريق العراق لا ردك الله. قوله " لا تحوري " دعاء عليها، من قولك حار أي رجع. ومنه قول الناس: " نعوذ بالله من الحور بعد الكور "، لأن النقصان تراجع. ويجوز أن يكون " سيري " دعاء أيضاً، كأنه قال فسيرك الله ولا ردك! لا تسألي عن جل ما ... لي وانظري كرمي وخيري قال الخليل: الخير: الهيئة. يقول: اتركي البحث والفحص عن ذخائري ومعاظم مالي، ولكن اعلمي شرفي وكرمي وحسن هيئتي وخلقي. وقوله " وانظري " معناه واعلمي. وعلى هذا قوله تعالى: " يساقون إلى الموت وهم ينظرون "، أي يعلمون ذلك ويتيقنونه. والعرب تضع عبارات طرق العلم في موضع العلم. يقولون: سمعت كذا، بمعنى علمته. وعلى هذا قولنا: سمع الله لمن حمده. ويقولون: ذقت الشيء بمعنى علمته وخبرته. ويقال: شممت رائحة الفضل من فلانٍ، أي علمته. وفوارسٍ كأوار ح ... ر النار أحلاس الذكور يقول: ورب فرسانٍ يشتعلون ليلاً ونهاراً، ذكاءً وحميةً، وبأساً ونجدةً، اشتعال النار، ويلزمون ظهور الذكور من الدواب اللزوم الشديد، إذ كان ذلك شأنهم ودأبهم. وجواب رب منتظر. وقوله " كأوار حر النار "، الأوار: التوهج والالتهاب، ولهذا أضافه إلى الحر. ويقال وأرت النار، إذا توهجت، ومنه الإرة. وإذا كان كذلك فالأصل في أوارٍ وؤارٌ، فإما أن يكون قد قلب، فقدم الهمزة، وإما أن يكون لين الهمزة ثم أبدل من الواو المضومة التي هي فاء الفعل همزةً، كما فعل في وقت إذا قيل أفت، فصار أواراً. وقوله " أحلاس الذكور "،

стр. 354

الحلس: كل شيءٍ ولي الظهر تحت الرحل. وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأحلاس البسط، واحدها حلسٌ، قال: ومنه الخبر: " إذا ظهرت الفتن فكن حلس بيتك ". وأنشد: نومت عنهن غلاماً جبسا ... وقد تغطى فروةً وحلسا معنى اللزوم صح الوصف به. وعلى هذا أسماء الأجناس إذا ضمنت معاني الأفعال. شدوا دوابر بيضهم ... في كل محكمة القتير واستلأموا وتلببوا ... إن التلبب للمغير قوله " شدوا دوابر "، هو جواب رب. والمعنى: رب فرسانٍ هذا صفتهم استعدوا. والمعنى استعدوا معي أولي مغيرين أو مدافعين، بأن شدوا مآخير المغافر في جيوب دروعٍ محكمة رءوس المسامير، ضيقة السرد. والدوابر، واحدتها دابرةٌ وهي المآخير، وتستعمل أيضاً في الحوافر والمخالب. ومنه قطع الله دابرتهم، لأن سباع الطيور إذا قطعت دوابرها تعطلت عن الكسب. و " استلأموا "، أي لبسوا اللؤم، وهي جمع لأمةٍ. وفعلةٌ وفعلٌ قليل، ومثله نوبةٌ ونوب. وهي من الملاءمة المطلوبة في نظم الحلق وسردها. ولما كان الواو العاطفة لا توجب شيئاً من الترتيب لم يبال بتأخير واستلأموا، وإن كان لبس الدروع مقدماً على لبس البيض، وشدوا دوابرها فيها. وقوله " إن التلبب للمغير " يجري مجرق الالتفات. والتلبب: التحزم، وقيل هو الانتطاق والتجرد. ويمكن الاستشهاد بهذا على أن الفوارس الموصوفين كانوا مغيرين. وعلى الجياد المضمرا ... ت فوارسٌ مثل الصقور الواو من قوله " وعلى الجياد المضمرات فوارسٌ " واو الحال، كأنه قال شدوا دوابر بيضهم والحال ذا. يريد: رب فرسانٍ تشمروا واستعدوا معي للغارة أو الدفاع للمغيرين، وبإزائنا خيلٌ هكذا. يقول: وعلى الجياد العتاق المسومة المصنوعة، فرسانٌ

стр. 355

كأنهم في حدة نظرهم وارتفاع ناظرهم وطموحهم، صقورٌ في حال ما تخلى للصيد. وسمعت من يقول. إن جواب رب لم يجيء بعد، وإنما أعاد ذكر الجياد لتباعد رب عنه بما حال بينها، وجوابه أقررت عيني من أولئك. وهذا البيت لم يدخل في الاختيار، أعني أقررت عيني. وإذا الرياح تناوحت ... بجوانب البيت الكسير ألفيتني هش اليدي ... ن بمري قدحي أو شجيري أخذ يتبجح بالسخاء والتكرم، كما يتبجح بالثبات والتشجع. وهذه الفصول تفسير قوله " وانظري كرمي وخيري ". فيقول. وإذا تقابلت الرياح أوان الشتاء، ووقت الجدب والإمحال، حتى زعزعت جوانب البيت العظيم الكسور والأركان، ألفيتني هكذا. ويقال بيتٌ كسيرٌ إذا كان عظيم الكسر، كما يقال رجلٌ جسيمٌ بدينٌ، إذا كان عظيم الجسم والبدن. وكسر البيت وكسره بالفتح والكسر: جانبه. وتفسير الكسر على هذا أبلغ وأحسن من أن يجعل في معنى المهدم والمكسور. وعلى ما به فقد يفسر عليه. وقوله " ألفيتني " جواب إذا. يقول: تجدني في ذلك الوقت خفيف اليد بمسح القداح، وعند حضور الأيسار، نشيطاً في إجالتها، حريصاً على فوزها وتحمل الكلف في إدارتها. وقوله " أو شجيري " الشجير: الغريب. ويقال: نزل بينهم شجيراً، أي غريباً. وإنما قدحاً يتبرك به، فيستعار من الغير، فإذا أجاله الياسر مع قداحه كان كالشجير فيما بينها والدخيل. والهش الخفيف. ويقال استهشني الشيء، أي استخفني. ومنه هو يهش إلى إخوانه. ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير الكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير ذكر أن أوقاته منقسمةٌ بين الجد والهزل، وأمواله متوزعةٌ بين لوازم الحقوق، ولواحق الفضول، فيقول: ولقد أعطيت الصبي حقه، وأقمت للهوى رسمه، وسعيت في البطالة أوقاتها وأعطيت الخسارة مقاودها، فدخلت على الفتاة المخدرة في أطيب أوقات اللذة، وهو ما أشار إليه بقوله " في اليوم المطير ". ثم وصف الفتاة فقال: كانت ناهدة الثديين، حسنة الخلقة، موفرة الحظ من النعمة والنعمة، فهي تتبخر في ملابس الحرير المتلونة على أجناسها المختلفة، والدمقس: الحرير الأبيض، ولهذا
следующие страницы →