← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يقول: إذا كنت بعيداً عن وطنك وذويك من قبل أبيك، وحاصلاً في بني خالك، ضارباً فيهم بسهم الخؤولة، لكون أمك منهم، فلا تغتر بهم، ولا تعتمد على قرابتك فيهم، فإن التشابك الموثوق به المستصلح لإعداده، إذا كان الالتحام بالأبوة لا بالأمومة. فأما الخؤولة فمشابهةٌ للغربة، بعيدةٌ من القربى والقربة، والمكانفة والنصرة. وهذا المعنى قد كشفه غيره فقال: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد قوله " في سعدٍ " يجوز أن يكون خبراً، ويجعل غريبا منتصباً على الحال، ويكون العامل فيه كنت، أو العامل في الظرف. ويجوز أن يجعل في سعدٍ لغواً، ويجعل غريباً خبر كان. وقوله " فلا يغررك " جعل النهي في اللفظ للخال، والمعنى لا تغتر بخالك من سعد، لأن المنهي هو المخاطب. ومثل هذا قولهم: لا أرينك ها هنا. وقول الآخر: إن الرياضة لا تنصبك للشيب فإن ابن أخت القوم مصغىً إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأبٍ جلد يقول: ابن أخت القوم منحوس الحظ، منقوص الشرب، ممال الإناء والحوض متى لم تنجده أبوةٌ يشتد بها أمومته، وعمومةٌ يتأيد بها خؤولته. وهذه الأمثال مضروبةٌ للهضيمة تلحق فلا يتحرك لدفعها الأخوال وإن كان بين ظهرانيهم، ولأن الحمية إنما يبعثها تراقد بني الأعمام، أو المنتسبين إلى الآباء، وجواب إذا لم يزاحم مقدمٌ، وهو ظرفٌ لإصغاء الإناء. واستعارة الإناء ها هنا كما قال زهير: ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ومن هذه الطريقة قوله: يا جفنةً كنضيح الحوض قد كفئت ... بئني صفين يعلو فوقها القتر

стр. 352

وإن كان في الكفء ما ليس في الإصغاء، فاعلمه. وقال بعض بني جهينة ألا هل أتى الأنصار أن ابن بحدلٍ ... حميداً شفى كلباً فقرت عيونها هذا الاستفهام طريقه طريق التمني وإظهار الميل إلى أن يكون الأنصار شركوه في العلم بالحالة التي يقتصها. ويجوز أن يكون أخرج الكلام على هذا ليبلغوا. فيقول: هل تأدى خبر حميد بن بحدلٍ فيما كان من نصره كلباً على قيسٍ، وإقراره عيونهم منهم، وشفائه قلوبهم مما كان تداخلها من عداوتهم، واهتاج فيها من نار حقودهم. وأنزل قيساً بالهوان ولم تكن ... لتقلع إلا عند أمرٍ يهينها يقول: وأحل حميدٌ قبيلة قيسٍ بمحل الذل والامتهان، والهضم والهوان، حتى كفوا عن مجاذبة كلبٍ والتعرض لهم بالسوء. ثم قال: ولم تكن قيسٌ تنزجر وترتدع إلا عندما يسقطها، وينزلها بدار الرغم ويسخطها، لفرط لجاجها، وتأبيها وجماحها. واللام من " لتقلع " لام الجحود. فقد تركت قتلى حميد بن بحدلٍ ... كثيراً ضواحيها قليلاً دفينها هذا بيانٌ لما حل بقيسٍ. يقول: تركت القتلى الذين أبادهم حميد ابن بحدل بالعراء، فقد كثر بوارزهم للشمس، وقل دفائنهم في الأرض. وإنما يفظع بما يصف ما دفع إليه قيسٌ وابتلي به. والضواحي: جمع ضاحيةٍ، وهي الظواهر، والفعل منه ضحي يضحى عند الكوفيين، ولغةٌ أخرى ضحى يضحى، وهذا أفصح. وفي القرآن: " وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ". وأضاف قتلى إلى حميد لأنه الموقع بهم، القاتل لهم. فإنا وكلباً كاليدين متى تقع ... شمالك في الهيجا تعنك يمينها هذا الكلام تحمد وتنبيه على أن ما يجمعهم وكلباً في نهاية القوة والاستحكام، فلا يعرض فيه فتورٌ، ولا يتسلط عليه كلةٌ ولا قصورٌ، فهم كاليدين إذا دفعت إحداهما إلى شدة أعانتها الأخرى. وجعل الفضلى من اليدين - وهي اليمين - مثلاً لأنفسهم.

стр. 353

وقال المنخل اليشكري إن كنت عاذلتي فسيرى ... نحو العراق ولا تحوري يستعفي من لومها وتقريعها في تبذير المال وإتلافه، وترك الادخار منه ليومه وغده؛ فيقول: إن كان دأبك إدمان عذلي، والاستمرار في توبيخي، ففارقيني وخذي طريق العراق لا ردك الله. قوله " لا تحوري " دعاء عليها، من قولك حار أي رجع. ومنه قول الناس: " نعوذ بالله من الحور بعد الكور "، لأن النقصان تراجع. ويجوز أن يكون " سيري " دعاء أيضاً، كأنه قال فسيرك الله ولا ردك! لا تسألي عن جل ما ... لي وانظري كرمي وخيري قال الخليل: الخير: الهيئة. يقول: اتركي البحث والفحص عن ذخائري ومعاظم مالي، ولكن اعلمي شرفي وكرمي وحسن هيئتي وخلقي. وقوله " وانظري " معناه واعلمي. وعلى هذا قوله تعالى: " يساقون إلى الموت وهم ينظرون "، أي يعلمون ذلك ويتيقنونه. والعرب تضع عبارات طرق العلم في موضع العلم. يقولون: سمعت كذا، بمعنى علمته. وعلى هذا قولنا: سمع الله لمن حمده. ويقولون: ذقت الشيء بمعنى علمته وخبرته. ويقال: شممت رائحة الفضل من فلانٍ، أي علمته. وفوارسٍ كأوار ح ... ر النار أحلاس الذكور يقول: ورب فرسانٍ يشتعلون ليلاً ونهاراً، ذكاءً وحميةً، وبأساً ونجدةً، اشتعال النار، ويلزمون ظهور الذكور من الدواب اللزوم الشديد، إذ كان ذلك شأنهم ودأبهم. وجواب رب منتظر. وقوله " كأوار حر النار "، الأوار: التوهج والالتهاب، ولهذا أضافه إلى الحر. ويقال وأرت النار، إذا توهجت، ومنه الإرة. وإذا كان كذلك فالأصل في أوارٍ وؤارٌ، فإما أن يكون قد قلب، فقدم الهمزة، وإما أن يكون لين الهمزة ثم أبدل من الواو المضومة التي هي فاء الفعل همزةً، كما فعل في وقت إذا قيل أفت، فصار أواراً. وقوله " أحلاس الذكور "،

стр. 354

الحلس: كل شيءٍ ولي الظهر تحت الرحل. وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأحلاس البسط، واحدها حلسٌ، قال: ومنه الخبر: " إذا ظهرت الفتن فكن حلس بيتك ". وأنشد: نومت عنهن غلاماً جبسا ... وقد تغطى فروةً وحلسا معنى اللزوم صح الوصف به. وعلى هذا أسماء الأجناس إذا ضمنت معاني الأفعال. شدوا دوابر بيضهم ... في كل محكمة القتير واستلأموا وتلببوا ... إن التلبب للمغير قوله " شدوا دوابر "، هو جواب رب. والمعنى: رب فرسانٍ هذا صفتهم استعدوا. والمعنى استعدوا معي أولي مغيرين أو مدافعين، بأن شدوا مآخير المغافر في جيوب دروعٍ محكمة رءوس المسامير، ضيقة السرد. والدوابر، واحدتها دابرةٌ وهي المآخير، وتستعمل أيضاً في الحوافر والمخالب. ومنه قطع الله دابرتهم، لأن سباع الطيور إذا قطعت دوابرها تعطلت عن الكسب. و " استلأموا "، أي لبسوا اللؤم، وهي جمع لأمةٍ. وفعلةٌ وفعلٌ قليل، ومثله نوبةٌ ونوب. وهي من الملاءمة المطلوبة في نظم الحلق وسردها. ولما كان الواو العاطفة لا توجب شيئاً من الترتيب لم يبال بتأخير واستلأموا، وإن كان لبس الدروع مقدماً على لبس البيض، وشدوا دوابرها فيها. وقوله " إن التلبب للمغير " يجري مجرق الالتفات. والتلبب: التحزم، وقيل هو الانتطاق والتجرد. ويمكن الاستشهاد بهذا على أن الفوارس الموصوفين كانوا مغيرين. وعلى الجياد المضمرا ... ت فوارسٌ مثل الصقور الواو من قوله " وعلى الجياد المضمرات فوارسٌ " واو الحال، كأنه قال شدوا دوابر بيضهم والحال ذا. يريد: رب فرسانٍ تشمروا واستعدوا معي للغارة أو الدفاع للمغيرين، وبإزائنا خيلٌ هكذا. يقول: وعلى الجياد العتاق المسومة المصنوعة، فرسانٌ

стр. 355

كأنهم في حدة نظرهم وارتفاع ناظرهم وطموحهم، صقورٌ في حال ما تخلى للصيد. وسمعت من يقول. إن جواب رب لم يجيء بعد، وإنما أعاد ذكر الجياد لتباعد رب عنه بما حال بينها، وجوابه أقررت عيني من أولئك. وهذا البيت لم يدخل في الاختيار، أعني أقررت عيني. وإذا الرياح تناوحت ... بجوانب البيت الكسير ألفيتني هش اليدي ... ن بمري قدحي أو شجيري أخذ يتبجح بالسخاء والتكرم، كما يتبجح بالثبات والتشجع. وهذه الفصول تفسير قوله " وانظري كرمي وخيري ". فيقول. وإذا تقابلت الرياح أوان الشتاء، ووقت الجدب والإمحال، حتى زعزعت جوانب البيت العظيم الكسور والأركان، ألفيتني هكذا. ويقال بيتٌ كسيرٌ إذا كان عظيم الكسر، كما يقال رجلٌ جسيمٌ بدينٌ، إذا كان عظيم الجسم والبدن. وكسر البيت وكسره بالفتح والكسر: جانبه. وتفسير الكسر على هذا أبلغ وأحسن من أن يجعل في معنى المهدم والمكسور. وعلى ما به فقد يفسر عليه. وقوله " ألفيتني " جواب إذا. يقول: تجدني في ذلك الوقت خفيف اليد بمسح القداح، وعند حضور الأيسار، نشيطاً في إجالتها، حريصاً على فوزها وتحمل الكلف في إدارتها. وقوله " أو شجيري " الشجير: الغريب. ويقال: نزل بينهم شجيراً، أي غريباً. وإنما قدحاً يتبرك به، فيستعار من الغير، فإذا أجاله الياسر مع قداحه كان كالشجير فيما بينها والدخيل. والهش الخفيف. ويقال استهشني الشيء، أي استخفني. ومنه هو يهش إلى إخوانه. ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير الكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير ذكر أن أوقاته منقسمةٌ بين الجد والهزل، وأمواله متوزعةٌ بين لوازم الحقوق، ولواحق الفضول، فيقول: ولقد أعطيت الصبي حقه، وأقمت للهوى رسمه، وسعيت في البطالة أوقاتها وأعطيت الخسارة مقاودها، فدخلت على الفتاة المخدرة في أطيب أوقات اللذة، وهو ما أشار إليه بقوله " في اليوم المطير ". ثم وصف الفتاة فقال: كانت ناهدة الثديين، حسنة الخلقة، موفرة الحظ من النعمة والنعمة، فهي تتبخر في ملابس الحرير المتلونة على أجناسها المختلفة، والدمقس: الحرير الأبيض، ولهذا

стр. 356

قال امرؤ القيس: وشحمٍ كهداب الدمقس المفتل وإذا كان كذلك فقوله " وفي الحرير " ينصرف إلى سائر الألوان، ويشتمل على جميع الأجناس، فكأنه قال: ترفل في أجناس الحرير، الأبيض منها وغير الأبيض يريد أن معارضها من تلك الأجناس. فدفعتها فتدفعت ... مشي القطاة إلى الغدير ولثمتها فتنفست ... كتنفس الظبي العقير قوله " فتدافعت " هو مطاوعة دافعت، ومطاوعة دفعت اندفعت، إلا أنه يوضع كلٌ موضع صاحبه. فيقول: هززتها لمساعدني، وبعثتها لتسعى معي فانبعثت واسمحت وهي تمشي مشي القطاة إذا وقعت على الغدير، ومشت نحو الماء. وهذه المشية فيما يقال أحسن المشي، لأمنها وسرورها بالورود، وعجبها بالخلاء، وانتصب " مشي " على أنه مصدرٌ من غير لفظه لأن معنى تدافعت مشت، والقصد إلى التشبيه لأن المعنى مشت مشيةً تشبه تلك المشية. وسيبويه يضمر في مثل هذا الموضع فعلاً من لفظ المصدر إن وجده، وإلا قدره، ويجعل الظاهر دليلاً عليه. وقوله " ولثمتها " يريد. وقبلتها فتنفست. ومنه اللثام، لأنه في الفم كاللثام في الأنف. والمعنى أني لثمتها فلحقها من ذلك تعب، فتنفست له تنفساً كتنفس الظبي إذا عقر. ويقال إنه في تلك الحالة يتنفس تنفساً ممتداً طويلا؛ فشبه تنهدها به. ويروى. " كتنفس الظبي البهير "، والمعنى قريبٌ، لأن البهر: النفس العالي. وفي طريقة قوله " ولثمتها فتنفست " قول طرفة العبدي. تحسب الطرف عليها نجدةً ... يا لقوز للشباب المسبكر

стр. 357

لأن المعنى في الموضعين التنبيه على تناهي الموصوف في النعمة والرقة. فدنت وقالت يا من ... خل ما بجسمك من حرور ما شف جسمي غير ح ... بك فاهدئي عني وسيري وأحبها وتحبني ... ويحب ناقتها بعيري قوله " فدنت " أراد به دنو الشفقة، والتقرب بحسن العطفة، لا قرب المسافة. والمعنى: تأملت تغير لوني ونحولي، فاعتقدت أنه من ملازمة تبذل، ومقاساة تعمل، فأعارتني شفقتها وقالت: ما الذي بجسمك من حرورٍ، أي من أثر الحرور. وقد اختلف في السموم والحرور، فمنهم من جعل السموم بالنهار والحرور بالليل، ومنهم من يقول على العكس مما ذكرت. وقال الخليل: السموم الريح الحارة، ليلاً هبت أو نهاراً. والحرور: حر الشمس. وقوله " ما شف جسمي " يقول: أجبتها مبطلاً اعتقادها، ومكذباً ظنها، وراجعاً بالعتب عليها، وقلت: ما أنحل جسمي ولا أثر في لوني إلا حبك، فاسكني عني وسيري. ومعنى سيري هوني عليك الأمر. وعلى نحوٍ من هذا يحمل قول الله تعالى: " وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم " إذ لم يكن ثم مشىٌ ولا انطلاقٌ. ويجوز أن يكون سيري أمراً بالسير، فقد قال فيما تقدم: فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير وقوله: وأحبها وتحبني، هو بيان تطاول الألفة بينهما، وتواصل الصحبة في أيامهما، حتى صارت لامتداد الملازمة كما حصل التحاب بينهما حصل التألف بين بعيريهما، فإذا اتفق التباعد والافتراق، وتسلط على كل واحدٍ منهما الاشتياق، أقبل البعيران يتحابان، ويتجاذبان الوجد والنزاع كما يفعل المتحابان. وقال باعث بن صريمٍ سائل أسيد هل ثأرت بوائلٍ ... أم هل شفيت النفس من بلبالها إذ أرسلوني مائحاً بدلائهم ... فملأتها علقاً إلى إسبالها

стр. 358

أسيد أراد به قبيلةً، ولما منعه الصرف. وهذا الاستشهاد هو تصويرٌ للحال وتطرقٌ إلى الإخبار. وإنما يفتخر بأنه قتل قاتل وائل، وأدرك ثأره، لما اعتمد في طلب دمه، واعتقد أن إدراك شفاء النفوس من جهته وبه. والبلبال: الحزن. وقوله " أم هل " الاستفهام بأم دون هل، لأن أم هذه هي المنقطعة، ولا يجوز أن يكون العاطفة. لأن تلك تجيء عديلة الألف. وقوله " شفيت النفس " يجوز أن يريد به نفسه، ويجوز أن يريد به الكثرة والجنس، كأنه يريد أنه شفى الموتورين فيه، وأزال ما خامرهم من لذع المصيبة، وألم الفجيعة. وقوله " إذ أرسلوني " إذ ظرفٌ لقوله ثأرت، أو لقوله شفيت. والمائح: الذي يدخل البئر فيملأ الدلو عند قلة الماء فيها، والحاجة إلى الغرف من قعرها. وإنما جعل نفسه مائحاً لينبه على أن طلب دم الواترين كان متعسراً متعذراً، كما أن الاستقاء على الوجه الذي ذكره يكون شاقاً متعبا. فهذا وجه عدوله عن المتح إلى الميح. وقوله " فملأتها علقاً إلى أشبالها "، انتصب علقاً على التمييز. وأسبالها: أعاليها، ومثله الأصبار، وسبلة الرجل منه. واختار بعضهم أن يرويه " إلى إسبالها " بكسر الهمزة، مصدر أسبل، وليس بشيء. والمعنى: ملأت دلاءهم من دمك واتريهم. وجعل لهم دلاءً لاشتراكهم في الدم وطلبه، ولنيابته عن كل أوليائه. ولما استعار الدلاء والميح لما ذكرته كنى عن فعله وتصرفه بالملء. وذكر بعضهم أن وائلاً المفتول هو وائل بن صريم الغبري أخو باعثٍ الشاعر، وله قصةٌ. وهي أن عمرو بن هندٍ بعثه ساعياً على بني تميم، فكان جالساً على شفير بئرٍ يجمع الصدقات، فدفعوا في صدره وأسقطوه في البئر، ثم رجموه بالحجارة حتى قتلوه، وأخذوا يرتجون على طريق التهكم والاستهزاء: يأيها المائح دلوى دونكا فاتصل خبره بأخيه باعثٍ، فسار في بني غبر وآلى أنه لا يمسك عن مقاتلتهم حتى يملأ دلواً من دماء بني تميم! ففعل، حتى كانت المرأة تقول: " تعست غبر، ولا سقيت المطر، ولا لقيت الظفر ". قال: فهذا معنى " إذ أرسلوني مائحاً بدلائهم "، وهذا حسنٌ، والأول محمولٌ على طرقهم وعاداتهم. ومثله قول الآخر: مخضت بدلوه حتى تحسى ... ذنوب الشر ملأى أو قرابا

стр. 359

إني ومن سمك السماء مكانها ... والبدر ليلة نصفها وهلالها آليت أثقف منهم ذا لحيةٍ ... أبداً فتنظر عينه في مالها أقسم بمن سمك السماء، وهو الله . ومعنى سمك رفع، ومنه سمي عمود البيت المسماك. وجواب القسم في آليت أثقف، وهو خبر إن أيضاً. وقوله " ليلة نصفها " أضاف النصف إلى السماء لما كان استكمال البدر عند انتصاف الشهر في السماء، فلاجتماعهما في ظهور البدر كاملاً في السماء ساغت الإضافة بينهما، على عادتهم في إضافة الشيء إلى الشيء لأدنى مناسبةٍ تحصل بينهما. وعلى هذا قول الآخر: ضوء برق ووابله إذ كان أضاف الوابل إلى البرق لاصطحابهما. وأبعد منه قول الآخر: نحن صبحنا عامراً في دارها ... عشية الهلال أو سرارها وأضاف السرار إلى العشية لاعتقاده أن استسرار القمر في العشيات، كما أن طلوعه فيها. وعلى هذا الكلام في إضافة قوله " وهلالها " وإن كان إضافة الهلال إلى السماء أبين أمراً، وأقرب متصوراً. فالتقدير ليلة كماله في نصف الشهر، وليله إهلاله. و " مكانها " انتصبت على الظرف، والمعنى حلفت بالله الذي رفع السماء في مكانها بلا عمدٍ - وجعل البدر فيها كاملاً عند انتصاف الشهر، وهلالاً عند أوله في ليلتيهما - إني لا أثقف من هؤلاء القوم ملتحياً أبداً ناظراً عينه في ماله، وراجعاً من مقصده إلى أهله وداره. أي إذا ثقفته قتلته حتى لم تنظر عينه في ماله، ولم يستقر بعده في داره وقراره. وقوله " أثقف " هو الجواب، وحذف معه لا لأنه أمن التباسه بالواجب، إذ لو أراد الواجب لقال لأثقفن، فلما كانت صيغة الواجب بما يلزمها من اللام وإحدى النونين الثقيلة أو الخفيفة لم يبال بحذف حرف النفي. ومثله قول الآخر: فقلت يمين الله أبرح قاعداً ... وإن ضربوا..............

стр. 360

لأن المراد لا أبرح. فإن قيل: إذا كان القسم يتناول ما ذكرت من قوله لا أثقف فما معنى قوله آليت؟ وهل يصح أن يقال إني حلفت والله لا أفعل كذا؟ قلت إن قوله آليت دخل مؤكداً للقسم على أحد وجهين: " أحدهما " أنه لما تطول الكلام باليمين وبعد ما بين إن وخبره ذكر آليت، ثم أتى بما هو الجواب، ليكون كالمعيد لليمين، والمجدد لما خاف من دروس رسمها. و " الثاني " أنه لما كان آليت لو اكتفى به مغنياً عن ذكر المقسم به صار كتكرار اليمين، فجرى مجرى قوله لو قال والله والله، وما أشبهه. فأما قوله " فتنظر عينه في مالها " فلفظه لفظ الجواب، والمعنى معنى الحال، والصفة للنكرة التي قبله، كأنه قال: لا أظفر أبداً بذي لحيةٍ إلا لم ننظر عينه في ماله. ومثله من أبيات الكتاب قول الفرزدق: وما قام منا قائمٌ في ندينا ... فينطبق إلا بالذي هو أعرف لأن المعنى ناطقاً. فإن قيل: هل يجوز أن يكون جواباً؟ قلت لا، وذاك أن المعنى يفسد وينعكس، لأن التقدير حينئذٍ يكون لا أثقفه، فكيف ينظر؟ أي لو ثقفته لنظر، لأن في وجه الجواب يتعلق وقوع الثاني بوقوع الأول، ويمتنع بامتناعه، وفي هذا خروجٌ عما يقصده المتكلم. ومثله في باب الواو: لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم لأن المعنى آتياً مثله. وخمار غانيةٍ عقدت برأسها ... أصلاً وكان منشراً بشمالها تبجح في هذا البيت بأنه يغيث المذعورين فيؤمنهم. والغانية: التي تستغني بجمالها عن الحلي، وقد مضى القول مستقصىً فيه. ومعنى البيت: رب امرأةٍ تبرجت متبرزةً من خدرها حاسرة الرأس، مطارة القناع، منشورة الخمار، لما استولى عليها من الخوف، وامتلكها من الروع والغارة الطالعة، والخيل العادية، حتى كأن خمارها طول نهارها منشورٌ على شمالها، وهي لا تشعر أني أنا آمنتها وحفظت عليها صيانة نفسها، رددت إليها عازب عقلها حتى اختمرت وأمنت ما

стр. 361

كانت تقلق لها، وسترت وجهها. وإنما قال أصلاً، لأن الغارة كأنها وقعت أول النهار، ولحوقه للإغاثة والتدارك بعقبها، فحصل الأمن عشيةً. وفي طريقته لعنترة: ومرقصةٍ دفعت الخيل عنها ... وقد همت بإلقاء الزمام وعقيلةٍ يسعى عليها قيمٌ ... متغطرسٌ أبديت عن خلخالها لما قدم في البيت الأول قدم أتى في الثاني بما يضاده، ليرى أنه كما يدفع الشر والبلاء يوقعه أيضاً، حتى يكون جامعاً للضر والنفع، كافياً في الدفاع والوقاع، فيقول: ورب كريمة حيٍ، بعلها أو ذو محرمها القائم بأمرها متكبرٌ أنفٌ، يرى صيانتها عن التكشف ديناً، وحفظها عن التبذل كرماً، أنا أخرجتها من خدرها، وأحوجتها إلى العدو وطلب التملس مشمرةً عن ساقها، مبديةً خلخالها، مذيلةً مصونها. أي كما آمنت خوفت، وكما سكنت أقلقت. وكتيبةٍ سفع الوجوه بواسلٍ ... كالأسد حين تذب عن أشبالها قد قدت أول عنفوان رعيلها ... فلففتها بكتيبةٍ أمثالها يذكر أنه يجمع بين الجيشين العظيمين مدبراً لهما، ومرسلاً أحدهما على الآخر، وأنه على ذاك يكون المتقدم والمشاهد، والمرتب والصادم. فيقول: رب كتيبةٍ قد تعودت الغارات والصبر على الإبعاد فيها، فاسودت ألوانها بما تقاسيه من التعب، وتديم لبسه من الأسلحة، وكأنها في بأسها ونجدتها، وما تأوي إليه من قوتها وشدتها، الأسد إذا ذبت عن جرائها، ودفعت عن خيسها، أنا قدت أوائلها فخلطتها بأمثالها، وقابلتها بنظائرها من أولى العدد والعدة، والجلد والشدة. فإن قيل: لم قال " أول عنفوان رعيلها " والعنفوان هو الأول، على ذلك قولهم فعلت كذا في عنفوان الشباب؟ قلت: كأنه أراد قدت سوابق أوائلها؛ فأضاف الأول إلى العنفوان لذلك. وكما قاد الأوائل والسوابق فقد قاد الأواخر واللواحق، ولكن جعل القود لمن وليه، وجعل ما بعدهم كالتابع. يريد أنه تقدم ووطئ عقبه الأعيان والأفراد، ثم احتف بهم غيرهم. وحقيقة العنفوان اعتنفت الشيء، أي استأنفته. والرعيل من الخيل والرماح:

стр. 362

أوائلها. وقوله " بكتيبةٍ أمثالها "، لو قال مثلها لجاز، ولكنه جمع على معنى طوائف الكتيبة، لاختلافها. وقال الفند الزماني يا طعنة ما شيخٍ ... كبيرٍ يفنٍ بال تقيم المأتم الأعلى ... على جهدٍ وإعوال ما من قوله " ما شيخٍ " زائدةٌ، أراد طعنة شيخٍ، وهذا اللفظ لفظ النداء، والمعنى معنى التعجب والتفخيم، كأنه أراد: ما أهولها من طعنةٍ، ويا لها من طعنة بدرت من شيخ كبير السن، فاني القوى، بالي الجسم. واليفن: الشيخ الهرم. قال الأعشى: وما إن أرى الموت فيما خلا ... يغادر من شارخٍ أو يفن ويجوز في قوله يا طعنة ما شيخٍ، أن يكون المنادى محذوفاً، فيكون التنبيه ب " يا " متناولاً غير الطعنة، وينتصب على هذا طعنة بفعلٍ مضمرٍ، كأنه أراد: يا قوم أذكر طعنة شيخٍ. كما قال: فيا شاعراً لا شاعر اليوم مثله ... جريرٌ ولكن في كليبٍ تواضع وقوله " تقيم المأتم الأعلى " من وصف الطعنة، فكأنه كان تناول بها رئيساً، فلذلك وصف المأتم بالأعلى. والمأتم أصله أن يقع على النساء يجتمعن في الخير والشر، واشتقاقه من الأتم، وهو الضم والجمع، ومنه الأتوم وهي المرأة التي صار مسلكاها مسلكاً واحداً، وأراد بالمأتم هنا الاجتماع للرزيئة، وهو ببنيته مصدرٌ وصف به. ويجوز أن يراد به أهل المأتم، فحذف المضاف كما يقال جاء المجلس، والمراد أهل المجلس. وقوله " الأعلى " يراد به الأفظع شاناً. ووصف الطعنة بأنها تقيم الجمع على مجاهدةٍ وبلاءٍ، وإسرافٍ في الصياح والعواء، أي تديم ذلك له. والعويل والعولة: صوت الصدر.

стр. 363

ولولا نبل عوضٍ في ... خضماتي وأوصالي لطاعنت صدور الخي ... ل طعناً ليس بالآلي يعتذر من رضا نفسه بتلك الطعنة الواحدة. وعوض اسمٌ للدهر معرفةٌ مبنيٌ، وكما يبنى على الفتح فقد يبنى على الضم، والضم فيه حكاه الكوفيون. ويقال لا أفعله عوض العائضين. وإنما بني لتضمنه معنى الألف واللام والخضمة: ما غلظ من الساعد والذراع، ويبدل من ميمه الباء، فيقال خضبةٌ. وقد روي هذا البيت، وهو: يذري بأرعاشٍ يمين المؤتلي ... خضمة الذراع هذا المختلي بالميم من " خضمة " والباء جميعاً. ويعني بنبل الدهر تأثيره في مفاصل الشيوخ. وعلى هذا قول الآخر: رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف يمن يرمى وليس برام ومعنى البيت الأول: لولا رميات الدهر في مفاصلي ومجامع أعضائي، ومستغلظ عضدي وذراعي، لكان تأثيري وبلائي في الحرب أكثر مما كان، ولشفعت تلك الطعنة ولم أتركها وتراً. وقوله " لطاعنت صدور الخيل " أراد بالخيل الفرسان أي لولا ما قدمت من العذر لدافعت بالطعن أوائل الخيل، طعناً لا تقصير فيه ولا قصور. وخص الأوائل منهم لتقدمه. ويجوز أن يريد بالصدور الرؤساء والأكابر. وهم يتبجحون بمجاذبة العلية. ألا ترى قول الآخر: من عهد عادٍ كان معروفاً لنا ... أسر الملوك وقتلها وقتالها وكما استعملوا الصدور في الأماثل والجلة استعملوا في الأرذال والسفلة الأعجاز. وهذا كما قالوا: الرءوس والأذناب، وكما قال: ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا

стр. 364

يقال: ألوت في الأمر آلو، أي قصرت. وجعل التقصير للطعن على المجاز. ترى الخيل على آثا ... ر مهري في السنا العالي ولا تبقى صروف الده ... ر إنساناً على حال قوله " على آثار مهري " موضعه نصبٌ على الحال، والمعنى تابعين لي. و " في السنا " في موضع المفعول الثاني لترى، ومعنى في السنا قال بعضهم: النور العالي: يريد به بريق السلاح، كأنهم يقدمونه ويتقون به. وهذا معنىً. وأجود منه وأعلى أن يكون المعنى: ترى الفرسان إذا تبعت أثري ووطئت عقبي، في مجدٍ عالٍ قاهرٍ، له نورٌ يستضاء به. ويكون هذا في طريقة بيت الأعشى: كلٌ سيرضى بأن يلقى له تبعا وشرحه بأنهم يرضون برياستي عليهم، ويعدون اتباعهم لمراسمي، واحتذاءهم لآثاري مما يعلو به سناهم، ويسمو به علاهم. وقوله " ولا تبقي صروف الدهر " تسليةٌ لنفسه فيما صار إليه من ضعفٍ بعد قوةٍ، وهرمٍ بعد شبيبةٍ، حتى رضي بأدنى المنزلتين في ممارسة الحرب، ووقف عند أقصر السعيين في ملابسة الضرب والطعن. وقوله " على حال " في موضع الصفة لإنساناً، وتعلق على بمضمر، كأنه قال: لا تبقى حوادث الدهر إنساناً قائماً، أو ثابتاً على حالٍ، بل تبدل وتحول، وكما تعطي ترتجع. تفتيت بها إذ ك ... ره الشكة أمثالي كجيب الدفنس الورها ... ء ريعت بعد إجفال الشكة: ما يلبس من السلاح، وقد شك الرجل في السلاح، إذا لبسه يشك شكاً، وهو شاكٌ. يقول: تكلفت بهذه الطعنة وإحداثها فعل الفتيان وأبليت بها بلاء الشبان، في وقتٍ يكره فيه حمل السلاح أمثالي من الرجال الشيوخ، فكيف

стр. 365

استعمالها. ومثل تفتيت: تشجعت وتكيست. وقوله " كجيب الدفنس " شبه اتساع الطعنة وسرعة خروج الدم منها باتساع جيب المرأة الحمقاء، ونزوها في روعها، واضطرابها في متخرق قميصها. والدفنس: الحمقاء. والورهاء: المتساقطة العقل، الضعيفة التماسك، ومعنى ريعت أفزعت بعد استعجالٍ في العدو، وإسراعٍ في السعي. وخص جيب الورهاء لأن عادة مثلها أن تخرج اليد منه، فيتسع خرقه وجعلها مروعةً لتندفع في الإجفال وتنزو. والإجفال والجفل واحدٌ، وكل هاربٍ من شيءٍ مسرعٍ مجفلٌ وجافلٌ. ومنه جاء جفالةٌ من الناس، أي جماعةٌ كثيرةٌ مسرعةٌ. ويشبه هذا قول الآخر: مستنةٍ سنن الفلو مرشةٍ ... تنفي التراب بقاحزٍ معرورف لأن نزو الدم من الطعنة شبهه هذا بنزو المهر واستنانه، كما شبهه ذلك بعدو المجنونة عن ذعرٍ. وقد سلك آخر هذا المسلك فقال في معنى هذا ولفظه: كجيب الدفنس الورها ... ء ريعت وهي تستفلي ومعنى تستفلي تطلب فلي شعرها، وقد أخرجت يدها من جيبها فذعرت في تلك الحالة، فلم تصبر لترد اليد إلى جوفها، ولم ترفق بجيبها فمزقته ووسعته. وهذا كأنه لما قصد بيان سعة الطعنة جعل التشبيه بالجيب في حالة إخراج الحمقاء يدها منه مستفليةً، فزاد على الأول هذه الزيادة الغامضة المأخذ اللطيفة الموقع، وإن كان قوله " بعد إجفال " قد اختص بما اختص. ويشبه هذا في الزيادة على المعنى وقد استقر قول امرئ القيس: أن تيس أظبٍ ببطن وادٍ ... يعدو وقد أفرد الغزال لأنه زاد فيه إفراد الغزال، فدل على شدة الخوف وخفة العدو. فأما قول أوسٍ: وفي صدره مثل جيب الفتا - ة تفهق جيناً وحيناً تهر

стр. 366

فهو وإن زاد التقسيم قاصرٌ عنهما. وقال ربيعة بن مقرومٍ أخوك أخوك من يدنو وترجو ... مودته وإن دعي استجابا قوله أخوك مبتدأٌ، وكرره على وجه التأكيد، ومن يدنو في موضع الخبر. ومعنى البيت: مخالصك في الأخوة والود من يقرب مكانه منك، ويحسن شفقته عليك، وتطمع في إثمار وده لك، وإن استغثت به لملمةٍ تنزلن أو نائبةٍ تطرق، أغاثك باذلاً مقدوره في نصرته لك. ويجوز أن يكون قوله، " من يدنو " أراد به قرب النصح والشفقة، لا تقارب الدار والمسافة، كما يقال فلانٌ أدنى إليك من فلانٍ. إذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا يجوز أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله، والضمير في حارب لأخوك ومن تعادي في موضع المفعول من حاربت، ويكون المعنى: إذا حاربت من تعادي حارب هذا المواخي لك معك، وزاد نصرته وعدته منك قرباً ما دمت محارباً. ويجوز أن يكون منقطعاً مما قبله، ويكون مثلاً مضروباً، فيقول: إذا كاشفت عدوك وأبديت صفحة ما تضمره من السوء له بعثه ذلك على مكاشفتك، وازداد عدته من الكيد وغيره منك دنواً. وإذا جاملته وداجيته بقي على ما ينطوي عليه مساتراً لا مجاهراً. وكنت إذا قريني جاذبته ... حبالي مات أو تبع الجذابا هذا مثل قول عمرو بن كلثوم: متى نقصد قرينتنا بحبلٍ ... نجذ الحبل أو نقص القرينا وجعل الجذاب للحبال على المجاز. وقوله أو تبع الجذاب يريد أوانجذب وترك الطماح والإباء. ومعنى البيت: إذا جاذبني قرينٌ لي حبلاً بيني وبينه، فإما أن ينقطع دون شأوي في الجذاب فيهلك، وإما أن يتبع صاغراً فينقاد. وخبر كان في إذا أو جوابه.

стр. 367

فإن أهلك فذي حنقٍ لظاه ... علي يكاد يلتهب التهاباً هذا الكلام تسلٍ عن العيش بعد قضاء حاجته، وإدراك ثأره، وإرغام عدوه، ولولا ما تيسر له من ذلك وتسهل لكان لا يسهل عليه انقطاع العمر، ولو مات مات بغصةٍ. فيقول: إن أمت فرب رجلٍ ذي غيظٍ وغضبٍ تكاد نار عداوته تتوقد توقداً، أنا فعلت به كذا. وقوله " لظاه " في موضع المبتدأ، و " يكاد يلتهب " في موضع الخبر، والجملة في موضع الصفة لذي حنقٍ، وانجر ذي حنقٍ بإضمار رب، والمجرور برب يقع موصوفاً في الأكثر وجواب رب فيما بعده، والفاء من وقوله " فذي حنقٍ " مع ما بعده جواب الجزاء. فإن قيل: إن الفاء في جواب الجزاء إنما يجيء إذا خالف الجملة التي تكون جزاء الجملة التي تكون شرطاً بأن تكون مبتدأ وخبراً، فكيف يكون تقديرهما بعد الفاء ها هنا؟ قلت: يكون التقدير: إن أهلك فالأمر والشان رب ذي حنق بهذه الصفة فعلت به كذا. فقوله طرب ذي حنق " خبرٌ للمبتدأ الذي أظهرناه. مخضت بدلوه حتى تحسى ... ذنوب الشر ملأى أو قرابا هذا جواب رب. فيقول: رب إنسانٍ هكذا، أنا حركت بدلوه التي أدلاها في الأمر الذي خضنا فيه، حتى ملأتها. وجعل الدلو كنايةً عن السبب الذي جاذبه فيه، والطمع الذي جرأه عليه، قال: فتحسى دلو الشر مملوءةً أو قريبةً من الامتلاء. وقراب الملء: أن يقارب الامتلاء، ويقال قرابٌ بكسر القاف وقرابٌ بضمها. والمعنى: جعلت شربه من الشر شرباً مرويا. وقد استعمل أبو تمام الدلو على الطريقة التي استعملها ربيعة فقال: ألقوا دلاءً في بحورك أسلمت ... ترعاتها الأكراب والأوذام واستعمل غيره دلوت في معنى الاستخراج فقال: قد جعلت إذا ما حاجتي نزلت ... بباب دارك أدلوها بأقوام

стр. 368

فكأن المراد أن هذا المعادى الممتلئ غيظاً لما ألقى دلوه يستقي بها الماء من بئر ملأتها شراً وجعلته سقياه. وقال سلمى بن ربيعة حلت تماضر غربةً فاحتلت ... فلجاً وأهلك باللوى فالحلت تماضر: امرأته وكانت قد فارقته عاتبةً عليه في استهلاكه المال، وتعريضه النفس للمعاطب فلحقت بقومها، وأخذ هو يتلهف عليها ويتحسر في أثرها وأثر أولاده منها، فيقول: نزلت هذه المرأة بعيدةً منك، فاحتلت فلجاً وأهلك نازلون بين هذين الموضعين. وهذا الكلام توجعٌ. وفلجٌ على طريق البصرة، والحلة: موضعٌ من الحزن ببلاد ضبة، واللوى: رملٌ متصلٌ به رقيقٌ. وبين المواضع الذي ذكرها تباعدٌ. إن قيل لم قال حلت، ثم قال احتلت، وهلا اكتفى بأحدهما؟ قلت: نبه بالأول أنها اختارت البعد منه والتغرب عنه، وبالثاني الاستقرار، فكأنه قال: نزلت في هذه الغربة فاستوطنت فلجاً. وفلجٌ بفتح اللام: موضعٌ. وفلج بسكون اللام: ماءٌ. وكأن في العينين حب قرنفلٍ ... أو سنبلاً كحلت به فانهلت يقول: ألفت البكاء لتباعدها، فساعدت العينان وجادتا بإسالة دمعهما غزيراً متحلبا، واكفاً منهملاً، فكأن في عيني أحد هذين المهيجين الحاليين للعيون. وقوله " كحلت " إخبارٌ عن إحدى العينين، وساغ ذلك لما في العلم من أن حالتيهما لا تفترقان. وعلى العكس من هذا قول امرئ القيس: وعينٌ لها حدرةٌ بدرةٌ ... شقة مآقيهما من أخر لأن امرأ القيس وحد في الابتداء ثم ثنى عند رد الضمير، على أنه متى اجتمع شيئان في أمرٍ لا يفترقان فيه اجتزى بذكر أحدهما عن الآخر. وفي طريقة هذا البيت قول ابن هرمة: وكأنما اشتملت مواقي عينه ... يوم الفراق على يبيس الخمخم

стр. 369

زعمت تماضر أنني إما أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلتي زعم يتردد بين الشك واليقين، وها هنا يريد به الظن. وأنني مع الجزاء والجواب نائبٌ عن مفعوليه. يقول: ظنت هذه المرأة أنه إن نزل بي حادث قضاء الله ، سد مكاني ورم ما يتشعث من حالها بزوالي أبناؤها الأصاغر. ويريد بهذا الكلام التوصل إلى الإبانة عن محله، وأنه لا يغنى غناءه من الناس إلا القيل. وقوله " أبينوها " تصغير أبناء مقصوراً عند أصحابنا البصريين، وهو اسمٌ صيغ للجمع كأروى، وأثأبٍ، وأضحىً فهو على أفعل بفتح العين. وعند الكوفيين هو تصغير أبنٍ، مثل أدل على أفعلٍ بضم العين. ويقال: سد فلانٌ مسد فلانٍ، وسد خلته، وناب منابه، وشغل مكانه بمعنىً. فإن قيل: كيف ساغ أن يقول يسدد خلتي، وإذا مات لم تكن له خلةٌ. قلت أضافها إلى نفسه لما كان يسدها أيام حياته، فكأنه قال: الخلة التي كنت أسدها. وهذا من إضافة الشيء إلى الشيء على المعتاد فيهما. ومثله قولهم: شهاب القذف، فأضيف الشهاب إلى القذف لما كان من رمى الرامي. ووجوه الإضافات واسعةٌ كثيرة، وكذلك متعلقاتها. تربت يداك وهل رأيت لقومه ... مثلي على يسرى وحين تعلتى أقبل عليها يوبخها ويخطئ رأيها، ويكذب ظنها، ويقبح اختيارها، في إفاتة نفسها الحظ منه، ويدعو عليها بالفقر والبأساء، والخيبة في الرجاء، فيقول: صار في يدك التراب، وهل رأيت لقومه من يماثلني في حالتي السراء والضراء واليسر والعسر، والغنى والفقر، حتى تعلقى منك رجاءك في بغيري إذا أخليت مكاني. وترب يستعمل في الفقر والخيبة لا غير، وأترب يستعمل في الغنى والفقر جميعاً، فإذا أريد به الغنى فالمعنى صار له من المال بعدد التراب، وإذا أريد به الفقر فالمعنى صار في التراب، كما يقال أسهل إذا صار في السهل. وقد يجوز أن يكون مثل أقل، والمعنى: صار مالك قليلاً من المال. وأضاق: صار في حال ضيقٍ. وقوله " حين تعلتى " المعنى وحين اعتمدت على إقامة العلة بحصول الفقر. وعلى هذا قوله: قليل ادخار المال إلا تعلةً أي قدر ما يقام به العلة. وقوله " لقومه " أضمر قبل الذكر، لأن الكلام يحتمل نية التقديم ونية التأخير.

стр. 370

رجلاً إذا ما النائبات غشينه ... أكفى لمعضلةٍ وإن هي جلت انتصب " رجلاً " على أنه بدلٌ من مثلى، كأنه قال: هل رأيت لقومه رجلاً أكفى للشدائد وإن عظمت عند طروق النوائب وغشيان الحوادث مني. فحذف مني لأن المراد مفهومٌ. ويروى " أكفى لمعضلةٍ " وهي الداهية الشديدة، يقال أعضل الأمر إذا اشتد. يروى " لمضلعةٍ " وهي التي تضم الأضلاع بالزفرات وتنفس الصعداء حتى تكاد تحطمها. ومناخ نازلةٍ كفيت وفارسٍ ... نهلت قناتي من مطاه وعلت أخذ يعدد ما كانت كفايته مقسومةً فيه، ومصروفةً إليه. وقوله " ومناخ " مصدر أنخت. وكفيت يتعدى إلى مفعولين وقد حذفهما، كأنه قال: كفيته العشيرة. يقول: ورب نازلةٍ أناخت، أنا دفعت الشر فيها، وكفيت قومى الاهتمام بها؛ ورب فارسٍ سقيت رمحي من دم ظهره العلل بعد النهل. وخص الظهر ليعلم أنه قد ولى وأدبر. وإذا العذارى بالدخان تقنعت ... واستعجلت نصب القور فملت أقبل يعد خصال الخير المجموعة فيه، بعد أن نبه على أنه لا يقوم مقامه أحدٌ، فكيف من طمع في نيابته عنه بعده. والعذارى: جمع عذاراء، وأصله العذاري بتشديد الياء، فالياء الأولى مبدلةٌ من المدة قبل الهمزة، كما تبدل في سربالٍ إذا قلت سرابيلٍ، فلما انقلبت المدة ياء لانكسار ما قبلها وكان الأصل في همزة التأنيث ألفا عاد إلى أصلها لزوال الألف قبلها، فأبدل منه ياءٌ ثم أدغم الأولى في الثانية فقيل عذاري، وكذلك في صحراء صحاري، ثم حذفت إحدى الياءين تخفيفاً فقيل عذارى وصحارى، ثم فروا من الكسرة وبعدها ياءٌ إلى الفتحة فانقلبت ألفاً فقيل عذارى وصحارى. ويقال: عذر المرأة وأعذرها، إذا ذهب بعذرتها، وهو أبو عذرها وأبو عذرتها. فيقول الشاعر: وإذا أبكار النساء صبرت على دخان النار حتى صار كالقناع لوجهها، لتأثير البرد فيها، ولم تصبر على إدراك القدور بعد تهيئتها ونصبها، فشوت في الملة قدر ما تعلل به نفسها من اللحم، لتمكن الحاجة والضر منها، ولإجداب الزمان واشتداد السنة على أهلها أحسنت. وجواب إذا في البيت بعده. وخص العذارى بالذكر لفرط حيائهن وشدة انقباضهن، ولتصونهن عن كثيرٍ مما يتبذل فيه غيرهن. وجعل نصب القدور مفعول استعجلت على المجاز والسعة. ويجوز أن يكون المراد استعجلت غيرها بنصب القدور وفي نصبها، فحذف.

стр. 371

دارت بأرزاق العفاة مغالقٌ ... بيدي من قمع العشار الجلة قوله " أرزاق العفاة " كلامٌ شريفٌ، وتقدير البيت: دارت بيدي مغالق بأرزاق العفاة من قمع العشار الجلة، ففصل بالفاعل بين الأرزاق وبين من قمع العشار. والعفاة: جمع العافي، والجمع على فعلةٍ يختص بالمعتل دون الصحيح. يقول: وإذا صار الزمان كذا دارت القداح في الميسر بيدي لإقامة أرزاق الطلاب من أسنمة النوق المسان الكبار الحوامل، التي قرب عهدها بوضع الحمل، وكل ذلك يضن بها، ويتنافس فيها، وإنما سميت القداح مغالق لأن الجزر تغلق عندها وتهلك بها. والقمع: قطع السنام، الواحدة قمعةٌ: والقميع: ما فوق السناسن من السنام. وبعيرٌ قمعٌ: عظيم القمع. ويقال سنامٌ قمعٌ، أي عظيمٌ قد تمكن فيه الشحم. والعشار: جمع عشراء، وهي التي قد أتى عليها من حملها عشرة أشهرٍ، وتستصحب هذا الاسم فتسمى به بعد وضعها الحمل بأشهرٍ. كأنه نبه على أنه يعتبط صحاح الإبل وخيارها، لا كسيرها وهزلاها. ولقد رأيت ثأى العشيرة بينها ... وكفيت جانيها اللتيا والتي الثأى: الفساد. يقال ثأى الجرح يثأى ثأى. والرأب: العشب والإصلاح. يقول: وكما ظهر غنائي في تلك الأبواب فلقد سعيت في إصلاح ذات البين من العشيرة، ورد التعطف الذاهب عنها إليها، ولم شعثها، وضم نشرها، وكفيت من جني منها الجناية الصغيرة والكبيرة، بالمال والنفس، والجاه والعز. وقوله " جانيها " إن فتحت الياء كان واحداً وإن أدى معنى الجمع، وإن سكنت الياء جاز أن يكون جمعاً سالماً وأن يكون واحداً قد حذف فتحتها. وقوله " اللتيا " تصغير التي، فجعلهما اسمين للكبيرة من الدواهي والصغيرة، ولهذا استغنيا عن الصلة وانتقلا عن كونهما وصلتين. ويذهب بعضهم إلى أن صلتيهما محذوفتان لدلالة الحال عليهما. وصفحت عن ذي جهلها ورفدتها ... نصحي ولم تصب العشيرة زلتى وكفيت مولاي الأحم جريرتي ... وحبست سائمتي على ذي الخلة قوله " وصفحت عن ذي جهلها " يصف نفسه بالحلم معهم، وكظم الغيظ فيهم، ومنع سفهائهم. يقول: وعفوت عن جاهلها فلم أؤاخذه بما بدر منه من هفوةٍ أو زلةٍ، ثم بذلت نصحي لعشيرتي، وحسنت لهم عشرتي مقدار جهدي، ولم أجر

стр. 372

عليهم جريرتي، ولم أوسعهم زلاتي. وقد ألم في هذا بقول الآخر: إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمها وفي طريقته قول الآخر: ولو شاء قومي كان حلمي فيهم ... وكان على جهال أعدائهم جهلي وقوله وكفيت مولاي الأحم جريرتي "، أي لم يؤاخذوا بجرائري، بل كنت المداوي لها والخارج منها. ويروى: " الأحم إضاقتي " فيكون مثل قول الآخر: أبو مالكٍ قاصرٌ فقره ... على نفسه ومشيعٌ غناه والشاعر يقول: وكما لم يشمل أباعد ذوي رهطى زلاتي، كذلك لم ينل الأداني جناياتي؛ ثم إذا نلت خيراً أشركت ذوي الحاجة منهم فيه وحبست مالي الراعية عليهم، حتى لا يتميزوا عني في التصرف والتناول. وقوله " الأحم "، يريد الأخص والأمس، وهو أفعل من الحميم، ولهذا قال الشاعر وإن كان في ضد هذا المعنى: ومولاك الأحم له سعار أي لهب الجوع، ومنه قولهم: كيف السامة والحامة. وقال أبي بن ربيعة وخيلٍ تلافيت ربعانها ... بعجلزةٍ جمزى المدخر ريعان كل شيءٍ: أوله، أكثر ما يستعمل في الشباب والخيل. والريع فضل كل شيءٍ، ومنه ريع الحنطة إذا زكت، وريع الدروع: فضول أكمامها على الأنامل. والعجلزة: الفرس الشديدة الخلق، وربما وصفت به الناقة. وبعضهم يحكي فيها:

стр. 373

عجلزةٌ، بفتح العين واللام. يقول: رب خيلٍ مغيرةٍ تداركت أوائلها طارداً للوسائق، وأنا على فرسٍ صلبةٍ تجمز فيما تذخر من جريها. وعادة عتاق الخيل أن تبقى من عدوها بقيةً لوقت الحاجة إليها، فمتى استحثت بعد الكد والعمل أعطتها. ولذلك قال كلحبة العريني: فأدرك إبقاء العرادة ظلعها ... وقد جعلتني من حزيمة إصبعا فقوله إبقاء العرادة كقوله ها هنا " المدخر ". وجمزى مثله وكرى وهو صفةٌ. وجعل الجمز لمذخور الجري على المجاز، لأن الجمز ومذخور الجرى جميعا للفرس. والحقيقة أنها تجمز في مدخر الجرى. وليس هذا كقولهم هو حسن الوجه، وكريم الأب، إذا كان الحسن والكرم في الحقيقة للأب والوجه، ولكن هو كما يقال فلانٌ ثبت الغدر، نزق المجال، قموص الخبار، وما أشبهه. جموم الجراء إذا عوقبت ... وإن نوزقت برزت بالحضر يقال بئرٌ جمومٌ، إذا كان ماؤها ينقطع ويعود سريعاً. ومعنى قوله " جموم الجراء إذا عوقبت " أي جريه يمتد ولا ينقطع إن طلب عقبها لمسابقتها فيه، فكأنه لا آخر لجريها، كالبئر الجموم. و " إن نوزقت " أي إن غولبت فيما يستنزق من سيرها سبقت بعدوها. وكما سمى آخر الجرى العقب سمى آخر الشهر به، فقيل جئت في عقب الشهر، إذا جئت بعد ما مضى، وجئت في عقبه وعقبه، إذا جئت وقد بقيت منه بقيةٌ. ويقال: عاقبت الفرس ونازقته، كما يقال طاولت زيداً وفاضلته، وذلك إذا غالبته في الطول والفضل. ومعنى برزت: تقدمت. والحضر: العدو. ويروى " عوفيت " أي إن طلب عفوها، وليس بجيد. ألا ترى أنه قيل: " أول الجرى نزقةٌ، وآخره عقبةٌ ". سبوح إذا اعتزمت في العنان ... مروٍح ململمةٍ كالحجر أراد بها أنها تسبح في جريها إذا اعتزمت في العنان، أي انتحت في العدو وهي ملجمةٌ كثيرة النشاط، مجتمعة الخلق صلبةٌ كأنها حجرٌ. والاعتزام: لزوم القصد في الحضر وغيره وترك الانثناء. وقد اعتزمت الطريق. ويقال اعتزم الفرس على الجري

стр. 374

إذا مر جامحاً. وقوله " في العنان " في موضع الحال، كما يقال: جاء فلانٌ في جبةٍ، أي وعليه جبةٌ. واللملمة: جمعك الشيء، وهو مثل اللم في المعنى وإن لم يكن من لفظه عندنا. ورواه بعضهم " إذا اعترمت " بالراء غير معجمةٍ، وجعله من العرام؛ وليس بشيءٍ. دفعن على نعمٍ بالبرا ... ق من حيث أفضى به ذو شمر هذا جواب رب إذا جعلت قوله " تلافيت ريعانها " من صفة " وخيلٍ " حملاً على ما يجيء عليه المجرور برب في الأكثر، من لزوم الوصف له؛ وقد جاء غير موصوفٍ وإن قل. وعلى هذا يكون تلافيت الجواب ودفعن من صفة الخيل. والمعنى دفعت هذه الخيل وأرسلت على إبلٍ واقفة بالبراق من حيث أداه إلى الفضاء ذو شمر، وهو مكانٌ. قوله " أفضى به " الضمير للنعم، وهو يذكر، يقال هذا نعمٌ واردٌ. والبراق: جمع برقة، وهو موضع فيه حجارةٌ بيضٌ وسودٌ؛ ومثله جبلٌ أبرق. أي لما حصل بالفضاء تلقيت بالخيل وشنت الغارة عليه. فلو طار ذو حافرٍ قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر رجع إلى صفة الفرس لما ركضها في إثر الخيل المغيرة على النعم الذي وصفه، يقول: لو أن ذوات الحوافر جعل في قدرتها الطيران بآلةٍ تخصبها لطارت هذه الفرس، وكانت الأولى بذلك، لما فيها من النجابة والعتق، ولكن الطيران خص به ذو الجناح. فما سوذنيقٌ على مربإٍ ... خفيف الفؤاد حديد النظر رأى أرنباً سنحت بالفضاء ... فبادرها ولجات الخمر يقول: ما شاهينٌ واقعٌ على محرسةٍ ذكىٌ شهم النفس، بعيد النظر حديد العين، سريع الإدراك، رأى أرنباً سنحت. ومعنى سنحت عرضت، يقال منه سنحت الحاجة. والأرنب: الأنثى من الأرانب. والذكر خززٌ. والكلام بعد مشغولٌ بصفة السوذنيق. أي رأى أرنباً اتفقت بالعراء واعترضت فسابقها إلى مداخل الخمر، ثم رجع عليها في طريقها لئلا تفوته بأسرع من فرس. والولجات: جمع ولجةٍ، وهي موضع الولوج، وموضع ولجات نصبٌ على أن يكون مفعول بادرها. والخمر: ما واراك من الشجر. ويقال: بادرت مكان كذا، وإلى مكان كذا.

стр. 375

بأسرع منها ولا منزعٌ ... يقمصه ركضه بالوتر قوله " بأسرع " خبر " ما ". يقول: ما سوذنيقٌ هذا وصفه بأسرع من فرس، ولا سهمٌ بنزيه ركض الوتر به. والمنزع: السهم. ويقال: نزعت في القوس نزعاً، وانتزعت له بمنزعٍ، ونزعت، أي بسهمٍ. وفي المثل: " عاد السهم إلى النزعة " في معنى رجع الحق إلى أهله. ويقمص، أي يحرك. ويقال قمص البحر بالسفينة، إذا حركها بالموج، حتى كأنها بعيرٌ يقمص. قال: يقمص بالبوصي معرورفٌ ورد وإنما جعل الركض للوتر لأنه هو الذي يزج بالسهم ويدفعه فكأنه يركضه، وهذا يشبه القلب لأن الركض للوتر وقد جعله للسهم، فهو كقول الآخر: ما أمسك الحبل حافره وما أشبهه. ويمكن أن يترك على ظاهره، فيجعل السهم راكضاً من حيث كان راكباً للوتر. والركض: تحريك الفارس رجليه على الفرس عند الاستحثاث، وإذا كان كذلك فكأن السهم هو الذي يركض الوتر وإن كان الحفز للوتر.

стр. 376

وقال زيد الفوارس نألى ابن أوسٍ حلفةً ليردني ... على نسوةٍ كأنهن مفائد آلى الرجل وائتلى وتألى بمعنًى واحد. وهذه الأبنية من الألية، وهي اليمين. و " حلفةً " انتصب على أنه مصدرٌ من غير لفظه. وقوله " ليردني " يروى بفتح اللام وضم الدال، على أن يكون اللام لام اليمين. وذكر سيبويه أن لام القسم يلزمها إحدى النونين الثقيلة أو الخفيفة، وقال أيضاً وقد يحذف النون في الشعر. وهذا الموضع بالرواية الثانية جاء على ما سوغه. وقد جاء أعجب من هذا وأبعد في الاستعمال، وهي حذف اللام وإثبات النون. قال: وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فرغٌ وإن أخاهم لم يقصد والمفائد: جمع المفأد، وهي المساعير والسفافيد. والفأد في اللغة: التحريك، وقيل إن الفؤاد منه اشتق، لأنه ينبض. ومعنى البيت: حلف الرجل حلفةً ليأسرنني ثم يمن علي فيردني على نسوةٍ كأنهن مساعير، لاحتراقهن وجداً بي وغماً علي، ففعلت أنا به مثل ما هم به في. وقد قيل: إن ابن أوسٍ كان مأسوراً فحلف أنه ينجيه زيد الفوارس ويفك أسره، ويرده على نساءهن من الوجد به بهذا المحل، فاقتص ابن أوس قصته فيما كان يرجوه من جهته. ثم ذكر أنه كان عند الظن به، وأنه حقق أمله. ويمكن الاستشهاد للخبرين والمعنيين على اختلافهما مما يشتمل

стр. 377

عليه الأبيات التي بعده. وقد قيل في الوجه الأول أنه أراد بالنسوة حرم ابن أوسٍ، وأنه شبههن بالسفافيد لسوء أحوالهن، وتأثير الضر والجهد فيهن، وعلى هذا يكون هجواً وتعبيراً لابن أوسٍ، وأن أهله وأولاده من الفقر بهذا المحل. فأما من روى " ليردني " فالمعنى حلف لهذا الأمر، وجواب القسم يكون محذوفاً مقدراً، ويستدل عليه بما ذكره. وقال بعض المتقدمين: تقول حلف ليفعلن، فإذا حذفت النون كسرت اللام وأعملتها إعمال لام كي، والموضع موضع القسم والمعنى معناه. وأنشد: إذا قلت قدني قال بالله حلفةً ... لتغنى عني ذا إنائك أجمعا وقيل مثل تألى ليردني: أراد ليفعل كذا. وفي القرآن: " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم "، كأن الفعل دل على المصدر، واللام مع الاسم المجرور به في موضع الخبر لذلك المصدر المبتدأ، كأنه إرادتي كذا. قصرت له من صدر شولة إنما ... ينجى من الموت الكريم المناجد أخذ يذكر أنه كذب نفسه فيما حدثها به، وأنه استعمل البغي فنصر عليه، فقال: قصرت عليه فرسي شولة وأسرته، لأن الكريم ينجي نفسه، وينهض حيلته إذا جد جده وكاد عدوه يغلبه وتعلو عليه يده. هذا إذا جعلت ابن أوسٍ هو الذي حدث نفسه وأكد طمعه ويمينه بأنه سيأسر الشاعر. فأما إذا جعلت ابن أوسٍ أسيراً وراجياً أنه سيفك زيد الفوارس إساره، ويحل عقاله، فالمعنى في " قصرت له من صدر شولة " أنه بين كيف حقق رجاءه، ومن أين يوصل إلى تخليصه. وفي قوله " إنما ينجى من الموت الكريم " أنه خلص نفسه لما علق الرجاء به، وجعل يحلف أن خلاصه بسعيه وتعطفه، لأنه بعثه ذلك على أن يكون عند ظنه به. دعاني ابن مرهوبٍ على شنء بيننا ... فقلت له إن الرماح مصايد حول كلامه إلى قصةٍ أخرى فقال: استغاث بي هذا الرجل على ما بيننا من عداوةٍ وبغضاء، فأجبته بعد أن هونت عليه ما خافه أولاً، وصغرت في هاجسه ما أكبره ثانياً، وبينت أن الرماح حبائل الرجال الكرام في الحرب ومصايدهم، فلا تبال

стр. 378

بالموت إذا كان على وجهه لا يتعقبه عارٌ، ولا يصحبه هوان. وكما جعل هذا الشاعر الرمح آلةً في صيد الأبطال، جعل غيره الصيد له لا به، فقال: وإني لمن قومٍ تصيد رماحهم ... غداة الصباح ذا الحدورة والحرد وقوله على شنء بيننا " في موضع الحال، يقال شنئته أشنؤه شنئاً ومشنأة وشنآنا. وقلت له كن شمالي فإنني ... سأكفيك إن ذاد المنية ذائد يقول: تعطفت عليه وأخذت بالفضل معه بعد استنصاره، وإظهار حاجته وإذعانه، ورسمت له الكون في الجانب الأيسر مني، واثقاً بحسن محافظتي، وجميل مدافعتي، ومعتمداً من جهتي على أني سأكفيه المحذور إن دفع الموت دافعٌ. والمراد: إن فعل أحدٌ من الناس ما لا يطاق من دفع المحتوم فعلته أنا معك، اعتناءً بأمرك، وإيثاراً لصيانتك، وتحرياً للمحاماة عليك. وإنما قال " كن عن شمالي " لأنه موضع المعان المنصور، واليمين موضع الناصر. يقال: أنا على يمينك وعن يمينك، أي ناصرك. وقال الوقاد بن المنذر لقد علمت عوذٌ وبهثة أنني ... بوادي حمامٍ لا أحاول مغنما بهثة من سليمٍ، بطنٌ منهم، والبهثة في اللغة: ولد البغي. والبهث البشر وحسن اللقاء. والحمام، بضم الحاء: حمى الإبل والدواب. وفي طريقة هذا البيت قول عنترة: يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم المعنى: والله قد علم هاتان القبيلتان أني في هذه الوقعة الواقعة بهذا الوادي لم أشتغل باجترار المنافع، واحتواء المغانم، وإنما قصرت سعي على طلب الثار، وإدراك الأوتار.

стр. 379

ولكن أصحابي الذين لقيتهم ... تعادوا سراعاً واتقوا بابن أزنما أراد بالأصحاب من لاقاه من الأعداء. ومعنى تعادوا سراعاً: تبادروا مسرعين وتسابقوا، وهذا من العدو. ويجوز أن يكون من عادى بينهما، أي والى، فيكون المعنى توالوا. ومن هذا قولهم: تعادى القوم، أي مات بعضهم في إثر البعض. وقوله " واتقوا بابن أزنما "، يريد جعلوه بيني وبهم، وهذا الرجل الذي استجنوا به كأنه كان مدره الكتيبة. وإنما ثبت في وجه القوم يشغلهم ليسلم أصحابه، ويأخذوا المهلة في الفرار. وفي الحديث: " كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ ". فركبت فيه إذ عرفت مكانه ... بمنقطع الطرفاء لدنا مقوما يقول: طعنته لما عرفت محله من أصحابه، وموضعه من البلاء والمحاماة فيهم، برمحٍ لينٍ مثقفٍ، عند منقطع الطرفاء. والطرفاء: شجرٌ. ومنقطعه: المكان الذي يخلو منه على اتصاله بمنابته. وقال الأصمعي: واحد الطرفاء طرفةٌ كقصبةٍ وقصباء. والباء من قوله " بمنقطع " يتعلق بقوله " ركبت " على ما فسرناه. وكان لا يمتنع أن يكون معنى قوله عرفت مكانه، عرفت موضعه ومقامه، لأن الرئيس يخفي مكانه ويخمل نفسه كثيرا، وحينئذٍ يتعلق الباء من قوله بمنقطع الطرفاء بقوله مكانه، ولكن قوله " واتقوا بابن أزنما " يأبى إلا القول الأول. ولو أن رمحي لم يخني انكساره ... جعلت له صالحي القوم توءما نسبة الخيانة إلى الرمح لما انكسر كنسبة العجز إلى الحبل إذا لم يصل، من قولهم حبلٌ عاجزٌ. والتوءم، زنته فوعلٌ، واشتقاقه من الوأم، والتاء فيه مبدلةٌ من الواو، وكأن الولد واءم في الإتيان غيره، أي وافق. وكما توسعوا فيه ها هنا فأخرج إلى باب غير باب الولد والولادة، توسع فيه في قوله: قالت لنا ودمعا تؤام ... كالدر إذ أسلمه النظام

стр. 380

وقد أحكمت القول فيه وفي تصريفه وجمعه في شرح كتاب الفصيح فيقول: لولا أن رمحي خانني حين أعملته في هذا الرجل فانكسر، لجعلت له نظيراً من أشراف القوم وزعمائهم حتى يصير معه كتوءمين. وخص الصالحين منهم لأنهم يتبجحون بقتل الملوك والرؤساء. فإن قيل: لم ذم الإجرار في الطعن وهم يحمدونه حتى عد انكسار الرمح خيانةً منه؟ قلت: الإجرار فعل الطاعن، وهو محمودٌ، وإنما ذم من الرمح ضعفه وقلة ثباته في العمل؛ وليس ذلك من الإجرار في شيء. ولو أن في يمنى الكتيبة شدتي ... إذاً قامت العوجاء تبعث مأتما كأنه خفى عليه مكان واتره فلم يعلم أهو في الميمنة أم في الميسرة، فأخذ يتلهف على ما فاته منه. والشدة: الحملة، فيقول: لو اتفقت حملتي في يمناها بدلاً من يسراها، لقامت أمه وقد ثكلته تهيج المأتم، وتبعث على النوح عليه النوائح، ولكن ذهاب مقامه عن علمي هو الذي نجاه مني. وجعلها عوجاء إما على طريق السب، كما قال: كم عمةٌ لك يا جرير وخالةٌ ... فدعاء قد حلبت على عشاري فيكون العوج في تلك لتفاوت خلقتها، وزوالها عن سنن الاستقامة، كالفدع في هذه. وإما أن يكون أراد أنها مضرورةٌ مجهودةٌ معوجة الوجه، مهزولةٌ. وإما أن يكون العوجاء لقباً لها، والمأتم؛ أصله في الضم والجمع. وقال أيضاً: إذا المهرة الشقراء أركب ظهرها ... فشب الإله الحرب بين القبائل روى أركب ظهرها ". ويقال أركب المهر، إذا حان أن يركب واستصلح للإسراج والإلجام. وجعل الفعل للظهر على التوسع إذ كان موضع الركوب، ويكون أركب كما يقال أجز الخضر، وأحصد الزرع. ويروى: " أدرك ظهرها " المعنى بلغ حد الركوب والانتفاع به، وهذا كما يقال أدرك الثمر، إذا أمكن الانتفاع به. فيقول: إذا بلغ فرسي هذا الحد فهيج الله نار الحرب، وأقام سوق التغاور بين القبائل، حتى أتوصل بها إلى ما كنت أريده وأنتظره. وارتفاع المهرة بفعلٍ مضمرٍ بعد إذا، يكون الظاهر تفسيره.

стр. 381

وأوقد ناراً بينهم بضرامها ... لها وهجٌ للمصطلى غير طائلٍ هذا من جملة الدعاء. والكلام يدل على استعجاله بحصول الحالة لتمناة فيقول: وأجج بينهم نار الشر بما يلهبها حتى يصير لها وهجٌ لا خير فيه لمن يدنو منه ويصطلى به. وخص الضرام لأنه يسرع ذهاب النار فيه فيعلو لهبها. إن قيل: لم كرر طلب اتقاد النار في البيت الأول والثاني؟ قلت: الأول أراد به نار الحرب، والثاني أرد به نار الخلاف والشر المنتتج عن النمائم والوشايات، حتى أن من دخل فيهم طالباً لإيقاع صلحٍ وصلاحٍ بينهم لم يقدر على إزالته، وكان خليقاً بأن يشقى شقاوتهم، ويدخل مداخلهم. وقد مر القول في طائلٍ، وأنه من الطول. ويقال: ما حليت من هذا الأمر بطائلٍ. إذا حملتني والسلاح مشيحةٌ ... إلى الروع لم أصبح على سلم وائل المشيح والشائح والشيح واحدٌ. قال: مشيحٌ فوق شيحانٍ يعني رجلاً على فرسٍ. وقال: وشايحت قبل القوم إنك شيح فيقول: إذا جال تحتي وعلى سلاحي قاصداً إلى الحرب فرسٌ جادةٌ، لم أصالح وائلاً، ولم أرض منها إلا بالشفاء والاشتفاء. والمشايحة: المحاذرة. والمشيح: الحازم. فدًى لفتًى ألقى إلي برأسها ... تلادى وأهلي من صديقٍ وجامل قوله " ألقى إلي برأسها " أي وهبها لي ومكنني من قيادها بنفسي. وذكر الرأس كما يقال: هو يرتبط كذا رأساً وكذا ظهراً. وذكر الإلقاء كما يقال: ألقى إليه مقاليد الأمور. والمعنى: أفدى بمالي القديم وأهلي المصادقين فتًى مكنني من هذه المهرة

стр. 382

وملكنيها. وقوله " من صديقٍ وجامل " دخل من على طريق التببين، قال صديق تفسير الأهل، والجامل تفسير التلاد. وكأن هذا الرجل ينتظر إمكان الفرصة من أعدائه لينتهزها في وقته، ويتمنى اهتياج الشر في الناس وتداعي القبائل بالأوتار، وتناهضهم للقتال عند تكامل عدته ليجد طريقاً إلى مكاشفة من يريد مكاشفته، وتسبباً إلى إدراك ما يريد إدراكه، فلهذا علق الدعاء بإركاب المهر، وأجل الزمان في ابتغاء المطلوب. وخص الصديق من أقاربه وذويه لأن النفس أضن بهم، كما خص الجامل وهو ذكور الإبل وإناثها لأنها هي المال المختار من الأزواج الثمانية. ويروى: " من صديق وحامل " بالحاء، فيكون من تفسير الأهل خاصةً، كأنه يريد وأهلي من مصادقٍ لي وبارٍ بي. ويقال: حمله على كذا مركباً، إذا أعطاه. كأنه قال: كل من حملني على فرسٍ من أهلي فهو فداءٌ لمن حملني على هذا المهر؛ لأنه يقع دونه في القدر والمكانة. وقال شمعلة بن الأخضر ويوم شقيقة الحسنين لاقت ... بنو شيبان آجالاً قصارا الشقيقة: رملةٌ تشق من معاظم الرمل، وهي في الأصل صفةٌ فجعلت اسماً وألحق به الهاء. وقد قيل فيها إنها رملةٌ بين رملتين، والحسنان قيل هما رملتان ببلاد بني تميمٍ، وقيل حسنٌ كثيبٌ ضم إليه قطعة أرضٍ تقرب منه فقيل حسنان، كقولهم الكوفتان والحيرتان. وهذه الأبيات في مقتل بسطام ابن قيسٍ، قيلت على طريق التشفي وإظهار الشماتة. يريد: لاقى بنو شيبان يوم اجتماعنا بهذا المكان آجالاً غير ممتدةٍ، متقاصرةً عن الغابة التي كانت آمالهم تنزع إليها، ويعدهم اغترارهم بها. شككنا بالرماح وهن زورٌ ... صماخي كبشهم حتى استدارا الشك: النظم. يقول: انتظمنا بالرماح والخيل منحرفةٌ للطعن صماخى رئيسهم - يعنى بسطاماً - حتى دير به فسقط. وكان بسطامٌ أغار في بني شيبان على بني ضبة، واستاق إبلها، وكان رجال الحي غائبين، فلما أحسوا بذلك ركبوا إثره، فلما لحقوه أخذ بسطامٌ يعرقب الإبل، فقالوا: يا بسطام ما هذا السفه، إما أن تكون لنا أو لك! ثم أصيب صماخه - والصماخ هو الخرق الباطن الذي يفضى إلى الرأس - وقاتل

стр. 383

بسطامٍ هو عاصم ابن خليفة الضبي، ويقال إنه كان مضعوفاً، وفي ذلك اليوم رأته أمه يسن سنان رمحه فقالت: ما تريد بهذا؟ قال: أريد أن أقتل به بسطاما! فقالت الأم متعجبةً ومستنكرةً: لست أمك أضيق من ذاك!. وحكى أنه أدرك الإسلام وأسلم، فكان إذا ورد باب عمر ﵁ يقول: عاصم بن خليفة، قاتل بسطام بن قيس بالباب! مفتخراً. ومعنى " استدار "، أخذه دوار الموت. وقوله " شككنا بالرماح " والشك كان من واحدٍ منهم وبرمحٍ، على عادتهم في نسبة الفعل إلى القبيل وإن كان من أحدهم، لاشتراكهم في الرضا به، وتجمعهم لإيقاعه. على ذلك قول الله تعالى: " فعقروا الناقة " وما أشبهه. فخر على الألاءة لم يوسد ... وقد كان الدماء له خمارا الألاءة: شجرةٌ حسنة المرأى، قبيحة المختبر، ولهذا شبه به كل من قصر مخبره عن منظره. قال: فإنكم ومدحكم بجيراً ... أبا لجإٍ كما امتدح الألاء يرأه الناس أخضر من بعيدٍ ... وتمنعه المرارة والإباء ومعنى خر على الألاءة، أي مال عليها لما أصيب. والمراد بالبيت: سقط بسطامٌ لما طعن على الألاءة وهو غير موسدٍ، قد غشى رأسه ووجهه بالدم. قوله " لم يوسد " في موضع الحال، وهو بيانٌ لكونه مقتولاً، وأن خروره كان لذلك. وعلى هذا قوله تعالى: " خروا له سجداً " وما أشبهه. والخمر والخمار: كل ما غطاك. وقال حسيل بن سجيح لقد علم الحي المصبح أنني ... غداة لقينا بالشريف الأحامسا يقول: صبحته مشدداً ومخففاً، إذا قصدته للغارة صباحاً. وفي المثل: صبحناهم فغدوا شأمةً والأحامس لقبٌ لبني عامر، وجمع جمع الأسماء وإن كان صفةً في الأصل فهو كالأبطح والأجدل وأشباههما؛ وقد تقدم القول فيه. والشاعر يقول: تيقن الحي المغار عليهم صباحاً أنني غداة لقينا بني عامرٍ بالشريف - وهو موضعٌ بنجدٍ، وكذلك الشرف -

стр. 384

أيليت. وهذا الكلام منه استشهادٌ بمن دافع عنهم. وخبر أن فيما بعده، وهو قوله " جعلت لبان الجون ". وغداة لقينا ظرفٌ له. فإن قيل: هلا جعلته ظرفاً لعلم أو للقينا؛ قلت: لا يجوز أن يكون ظرفاً لعلم، لأنه إذا جعل كذلك صار أجنبياً مما دخل في صلة أن، وحائلاً بينه وبين خبره، والفصل بين الموصول وما في صلته بالأجنبي منه غير جائزٍ. ولا يجوز أن يكون ظرفاً للقينا، لأنه مضافٌ إليه، والمضاف لا يجوز أن يكون عاملاً في المضاف. جعلت لبان الجون للقوم غايةً ... من الطعن حتى آض أحمر وارسا جعلت ها هنا عدى إلى مفعولين لأنه بمعنى صيرت. واللبان: الصدر من الفرس. والورس: صبغٌ أحمر معروف. وثوبٌ ورسٌ ووارسٌ. وأورس الرمث، إذا اصفر ثمره، فهو وارسٌ، وهو أحد الحروف التي جاءت على أفعل فهو فاعلٌ؛ ولا يقال مورسٌ. وربما فسر الورس على الزعفران. يقول: ثبت في وجوه القوم فصيرت صدر فرسي للطعن وموقعاً، حتى صار لسيلان الدم عليه أحمر كالورس. وأرهبت أولى القوم حتى تنهنهوا ... كما ذدت يوم الورد هيماً خوامسا يقول: خوفت أوائلهم حتى كفوا وتنكسوا، كما تكلف إبلا عطاشاً وردت لخمسٍ، فازدحمت على الماء يوم الورود. والهيم: التي بها الهيام، وهو داءٌ يصحبه العطش الشديد. جعل أوائلهم تتبادر وتزدحم حرصاً على القتال، مبادرة الهيم وازدحامها على الماء وردت لخمسٍ. وهذا التشبيه من باب التصوير، وقد تقدم القول في شرحه. وقوله: " تنهنهوا كما ذدت " يجوز أن يكون أراد حتى ذدتهم كما ذدت، فوضع تنهنهوا بدله ودالاً عليه. ويجوز أن يكون أراد: كما نهنهت يوم الورد إذا ذدت هيما، فوضع ذدت موضعه. ويجوز أن يكون المراد: أرهبتهم كما أرهبت، فوضع ذدت موضع أرهبت، وهذا أقرب. بمطردٍ لدنٍ صحاحٍ كعوبه ... وذي رونقٍ عضبٍ يقد القوانسا وبيضاء من نسج ابن داود نثرةٍ ... تخيرتها يوم اللقاء الملابسا الباء من قوله " بمطردٍ " تعلق بقوله أرهبت. فيقول: خوفتهم بالبروز لهم، ومعالنة ذوي الحشمة بالتنكر معهم، والشد عليهم برمح مسوى لينٍ صحيح الكعوب والأناييب، وسيفٍ ذي ماءٍ، قاطعٍ نافذٍ في القوانس، لا ينبو ولا يرتدع. ومعنى الاطراد في الرمح تقومه وتوافق أنابيبه عند الهز. والقوانس: أعلى البيض؛ وقونس

стр. 385

الفرس منه، وهو العظم الذي تحته العصفوران. هكذا قال أبو عبيدة. وقال الأصمعي: هو والعصفوران سواء، والقد: القطع طولاً، فإن كان عرضاً فهو القط. وقوله " وبيضاء من نسج ابن داود " فإنه عنى به درعاً، والمراد تعداد عدته واحداً واحداً. أي أرهبتهم بدرع نقية اللون من الصدا داودية واسعةٍ، اخترتها من الملابس يوم اللقاء. وإنما قال " من نسج ابن داود " كما قال الآخر: ونسج سليمٍ كل قضاء ذائل وللعرب عادةٌ معوفةٌ في إقامة الأب مقام الابن، والابن مقام الأب، وتسمية الشيء باسم غيره إذا كان من سببه. والأعلام لا يدخلها المجاز، ولكن تستعار إذا حصل بها القصد وأمن معها اللبس عند الذكر. وانتصب الملابس على المفعول، لأن الفعل بعد انحذاف حرف الجر منه وصل إليه فنصبه. وأصلها تخيرتها يوم اللقاء من الملابس. ومثله قوله تعالى: " واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا ". والمراد: اختار موسى من قومه، ومثل هذا من الحذف لا ينقاس. وحرميةٍ منسوبةٍ وسلاجمٍ ... خفافٍ ترى عن حدها السم قالسا يريد: وبقوسٍ متخذة من شجر الحرم، لها نسبٌ لجودتها وعتق نجارها، حتى يقال فيها: ملكها فلانٌ، وورثها فلانٌ، واتخذها فلان، وهي القوس التي من شأنها كيت وكيت، وبنصالٍ طوالٍ خفافٍ تقلس حدودها السم وترشحه، لأنها أمهيت به وشربته. والقلس: القيء، يقال قلس قلسا، ثم يقال للدسعة تخرج إلى الفم القلس، بتحريك اللام. والسلاجم: الطوال، وأراد بها النبل كما هي، ويقال حرمٌ وحرمٌ. وانتصب قالسا على الحال للسم، كأنه قال: ترى السم ذا قلسٍ، أي ممجوجاً به ملقى من جوانب حدودها. فما زلت حتى جنني الليل عنهم ... أطرف عني فارساً ثم فارسا يروى " أطرف فرساناً وألحق فارسا ". يقول: لم أزل بياض ذلك اليوم أدفع في جوانب مجالي وأطراف أرضي، الفارس بعد الفارس، إلى أن تغشاني الظلام فحال بيني وبينهم، وستر كلاً منا عن صاحبه. ومعنى أطرف أجعله مني في طرف، وموضعه من الإعراب نصبٌ على أن يكون خبر ما زال. وأراد بقوله " فارساً ثم فارساً "

стр. 386

المداومة والاتصال. أي لم أفتر عن دفاعهم وقتاً واحداً بعد واحدٍ. وهذا كما يقال: جاءني بنو تميم واحداً فواحداً، أي توالوا أفراداً. ومن روى " أطرف فرساناً وألحق فارساً " فالمعنى أسوق فرساناً وأذودهم عني، وقد ألحق في الطرد الواحد بعد الواحد فأصيبه. ولا يحمد القوم الكرام أخاهم العتيد السلاح عنهم أن يمارسا هذا الكلام تبرؤٌ من التحمد بما فعل إلى الناس، وترك للتبجح بالدفاع حين دافع، وإظهارٌ لأن مذهب الكرام ذلك وأن الواجب في اعتقادهم ألا يحمد الواحد منهم إذا قاتل دونهم، أو مارس الشدة فيهم ولهم، متى كان تام السلاح، مزاح العلل، إذ كان ذلك دأبهم ودينهم، وإذ كان سبيله فيما يأتيه كمن يؤدي الفرض الذي لا يحتمل التضجيع، والحتم الذي لا يسوغ التجوز فيه والتأويل. وقوله " عنهم " يتعلق بالعتيد السلاح، ولا يجوز أن يتعلق بيمارس، لأنه لو كان كذلك لكان في صلة أن، فلم يجز تقدمه عليه. ويكون المعنى: أخاهم المعد السلاح عنهم، النائب منابهم. ومعنى أخاهم الواحد منهم، كما يقال: يا أخا بكرٍ أو تميمٍ. وقال محرز بن المكعبر نجى ابن نعمان عوفاً من أسنتنا ... إيغاله الركض لما شالت الجذم قال الخليل: الإيغال: الإمعان في السير مع دخولٍ فيما بين جبالٍ أو في أرض العدو. وقال غيره: هو الإسراع في إبعادٍ. يقول: أنقذ هذا الرجل من رماحنا استعجاله فرسه، واستحثاله بالركص إياه، لما رفعت بقايا السوط تخوف بها الخيل، ويستدر منها العدو. وهذه إشارةٌ إلى وقت الانهزام وجد الطالبين في اللحاق. والركض ينتصب على أنه مفعولٌ من الإيغال، كما يقال أبعد السير، وأسرع السير. ويجوز أن يكون مصدراً موضع الحال، كأنه قال إيغاله راكضاً. وأدخل الألف واللام على حد دخولهما في قوله: فأرسلها العراك

стр. 387

أوردها التقريب والشد منهلا وما أشبهه. وجذم كل شيءٍ: أصله؛ يقال جذمت الشيء، إذا قطعته. والجذمة: القطعة من الحبل وغيره. حتى أتى علم الدهنا يواعسه ... والله يعلم بالصمان ما جشموا الدهنا ببلاد تميمٍ. وقال الخليل: الدهنا موضعٌ رملٌ كله، والنسب إليه دهناويٌ. ومعنى يواعسه يسير في وعسائه، وهي الرملة اللينة، والسير فيها يصعب. ويقال: وعست المكان وعساً، إذا وطئته وطأ شديداً، ويسمى الأتر الوعس. وسمى ضربٌ من سير الإبل المواعسة من هذا. وحقيقة قوله " يواعسه " يواعس إليه أو فيه، أي يمد سيره إليه وفيه. والصمان: الأرض الصلبة، واحدته صمانةٌ، وموضع ما من قوله ما جشموا نصبٌ على المفعول من جشموا، فيقول: أوغل الركض حتى بلغ جبال الدهنا، مواعساً في رمله، والله يعلم أي شيءٍ تكلفه هو وأصحابه من السير في الصمان. وموضع يواعسه نصبٌ على الحال، ويجوز أن يكون موضع ما من قوله ما جشموا نصباً على المفعول من فعل دل عليه، والله أعلم. ومثله في القرآن: " الله أعلم حيث يجعل رسالاته ". وقد تقدم القول فيه. حتى انتهوا لمياه الجوف ظاهرةً ... ما لم تسر قبلهم عادٌ ولا إرم الجوف وادٍ. وظاهرةً انتصب على أنه ظرفٌ، ويقال: ورد الماء ظاهرة، إذ ورد نصف النهار؛ واشتقاقه من الظهيرة. وأظهرنا: صرنا في الظهيرة: وقد جعل اسماً لهذا الظمء. وقوله " ما لم يسر " أراد سيراً لم يسره قبلهم أحدٌ، أو انتهاءً لم يقدر عليه إنسانٌ. وعلى هذا يكون ما في موضع النصب على أنه مصدرٌ مما دل عليه حتى انتهوا، وتلخيص الكلام: حتى ساروا إلى مياه هذا الوادي نصف النهار سيراً لم يسر مثله واحدةٌ من هاتين الأمتين، والمعنى أنهم حملهم الرعب الذي تداخلهم، والاجتهاد في الخلاص من الهزيمة المستولية عليهم، على أن يقطعوا ما بين المكانين المذكورين في يومٍ وليلةٍ، لأنهم كانوا في اليوم الأول بالصمان، وفي اليوم الثاني بالدهنا، وذلك شاقٌ مستبعدٌ وقوعه.

стр. 388

وقال عامر بن شقيقٍ فإنك لو رأيت ولن تريه ... أكف القوم تخرق بالقنينا يخاطب امرأةً مفظعاً للشأن الذي منوا به، ومهولاً للأمر الذي دفعوا إليه، فيقول: لو رأيت ولا أراك الله مثله مشهد القوم وأكفهم تخرق بالرماح لرأيت أمراً هائلاً. وجواب لو محذوفٌ، كما يقال: لو رأيت زيداً وفي يده السيف. وقد مر القول في أن تبقيه الإبهام في مثل هذا المكان بترك الجواب أبلغ في الإفهام. وقوله " ولن تريه " دعاءٌ، وأكثر ما يقع الدعاء يقع بلاء، وبلن يجيء قليلاً، تقول: لن يبارك الله في كذا وتريد الدعاء، كما تقول لا بارك الله. وفسر قطربٌ قول الله تعالى: " رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين " على أنه دعاءٌ. ويجوز أن يكون قوله " ولن تريه " إخباراً بأنها وقد فاتها رؤية ذلك فيما مضى لا ترى مثله في المستأنف فظاعةً وشناعةً، وأن الخطب بلغ حداً خرج به عن المعتاد المستجاز. وقوله " تخرق بالقنينا " أي تثقب، ومنه خرقت الأرض واخترقتها، وريحٌ خريقٌ. ويروى: " تخرق " بفتح التاء وضم الراء، وله وجهان: أحدهما أن يكون من الخرق: ضد الرفق، كأن الأكف كانت تخرق في الطعن ولا ترفق، لشدة الأمر؛ وهذا حسنٌ. والثاني: أن يكون من الخرق، كأنها تشقق بالطعن ملتئم الأحوال ومتواصلها وتمزقها، كما قال: " ومزقناهم كل ممزق ". وهذا الوجه أغرب ويكون المفعول محذوفاً، لأن الكلام يدل عليه. ومن روى " تخرق " فالمعنى تنظم. وإن جعلت الفعل للفاعل فرويت " تخرق " جاز أيضاً على أن يكون المفعول محذوفاً، والمراد كأنها تنظم مطعونين في شدةٍ وحملةٍ. والقنين: جمعٌ سالمٌ، وهو نادرٌ، وأكثر ما يجيء مثله في المنقوص كظبةٍ وظبين، وثبةٍ وثبين، كأنه يجعل هذا البناء في جمعه جبراً له مما نقص منه. ويجيء أيضاً كثيراً في أسماء الدواهي، كالذربين، والأقورين، والفتكرين؛ كأنه بلغ بها رتبة الناطقين تهويلاً. وقد حكى كسر القاف من القنين وحينئذ يكون كعصاً وعصىٍ، ويكون وزنه فعولاً والنون بدلق من لام الفعل. ويحمل على هذا الوجه سنين في جمع سنةٍ.

стр. 389

بذي فرقين يوم بنو حبيب ... نيوبهم علينا يحرقونا قوله " بذي فرقين " يجوز أن يتعلق بقوله لو رأيت، ويجوز أن يتعلق بقوله تخرق بالقنين، كذلك قوله " يوم بنو حبيبٍ " يجوز أن يكون ظرفاً لكل واحدٍ من الفعلين لأنهما ظرفان: أحدهما للمكان والآخر للزمان. وأضاف اليوم إلى الكلمة التي بعده لأن الأزمنة تضاف إلى الجمل من الابتداء والخبر، والفعل والفاعل، تبييناً لها. ويقال: هو يحرق أنيابه، إذا حك بعضها ببعض تهديداً. ويقال أيضاً: هو يحرق عليه الأرم، ويعلك على الأرم، أي يصرف بأنيابه تغيظاً. وحكى فيه الأزم بالزاء أيضاً. والأزم: العض. ويقال حرقه بالمبرد، إذا برده. وحكى أبو حاتم: فلان يحرق نابه علي، يرفع الناب. قال: لأنه هو الذي يحرق. وبيت زهير يشهد لذلك. وأنشد: أبي الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله كفاك النأي ممن لم تريه ... ورجيت العواقب للبنينا كأنه وكلها إلى الاعتبار بعد ما فاتها من مشاهدة الحال، ودعاها إلى الاستدلال، والاكتفاء فيه بما آل إليه أمرها في أعزته مع غيبتهم عنها. فيقول: أغناك بعدك إذا نظرت واعتبرت عن الاستكشاف والسؤال، وإن تلهفت لما تدركيه من مساقطهم، ولم تشار فيه من مصارعهم، وحالك أنك علقت رجاءك بالأولاد، وبأن يحسن الله العقبى لهم إذا بلغوا طلب الأوتار، ورأوا السعي في درك الثار، وقطعت طمعك في الآباء وملكك اليأس منهم. وقوله " ورجيت " قد معه مضمرةٌ، لأن الماضي بتقدير قد معه يقع موقع الحال. وضعف عينه للتكثير، كأنها كانت تكرر الرجاء وتجدده مع كل حادثةٍ، وعند كل مهمة. وقال أبو ثمامة بن عارمٍ رددت لضبة أمواهها ... وكادت بلادهم تستلب يقول: اعتنيت بضبة، فأعنتها على مجاذبها ومنازعها، وحفظت لها وعليها مياهها وبلادها، ومراعيها ومرادها، بعد أن شارفوا التسليم والاستسلام، والملاينة

стр. 390

والانقياد، حتى كادوا يغلبون عليها، ويمنعون من حقوقهم فيها، لما يظهر على صفحات أحوالهم من التخاذل، ويبنون أمورهم عليه في التهاون والتواكل. بكر المطي وإنعابه ... وبالكور أركبه والقتب الباء من قوله " بكر " تعلق برددت. ويروى: " بكرى المطي "؛ وساغ الوجهان لأن المصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل. ومراده أن يبين كيف كانت نيابته عنهم، ومدافعته دونهم، وكيف جاذب أعداءهم وجادل عنهم، حتى توصل إلى قمعهم، ونزع أيديهم عما أنشبوها فيه من أملاكهم، وردهم دون ما سوغوه من اهتضامهم. والقتب أخف من الكور. وإنما ذكر هذه المراكب ليبين تطاول الأمد بينه وبنيهم، وتحمل أنواع المشاق اللاحقة في نزاعهم، وليدل على كثرة مناقلاتهم، واختلاف التردد في مجالسهم وأماكنهم. أخاصمهم مرةً قائماً ... وأجثو إذا ما جثوا للركب انتصب قائماً على الحال؛ ونبه بما أورده على امتداد المجازبة، وتكرر المحاجة، وعلى اختلاف الهيئات وتغير الأوقات، وكل ذلك بحسب اشتداد سورة الخصام ولينها؛ وأنه تكفل بالأمر معهم تكفل من تعين عليه الفرض في مرادتهم، فابتدل نفسه معهم، ووطنها على مصابرتهم، فإن قاموا قام معهم، وإن بركوا باراهم في بروكهم، لئلا يكون مخلاً بمعرضٍ يخرجون فيه، أو تاركاً لشيءٍ من نصبهم. ويقال: جثا لركبته، إذا سقط. وإن منطقٌ زل عن صاحبي ... تعقبت آخر ذا معتقب فصل بين إن والفعل بقوله " منطقٌ "، ولو ظهر تأثيره بالجزم لم يجز فيه. وارتفع بفعلٍ هذا الظاهر تفسيره. فإن قيل: فإن في أي الفعلين عمل؟ وهل تقول إنه عمل فيهما جميعاً؟ قلت: أما عمله فيهما فغير سائغ، لأن أداةً واحدةً لا تجزم شرطين في حالةٍ واحدةٍ، لكن الفعل المضمر لما لم يظهر صار في حكم ما لم يعتد به، وإن كان الاسم يرتفع به، حتى صار التقدير: وإن زل منطقٌ زل عن صاحبي. وقد روى " تعقبت " و " تعرقبت "، ومعنى تعقبت تتبعت وطلبت عقبه؛ ومثله اعتقبت. وقيل المعتقب أخد عقبه الشيء، وهي آخره. ومعنى تعرقبت: عدلت عنه وأخذت في
следующие страницы →