Полный текст (1 295 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
المداومة والاتصال. أي لم أفتر عن دفاعهم وقتاً واحداً بعد واحدٍ. وهذا كما يقال: جاءني بنو تميم واحداً فواحداً، أي توالوا أفراداً. ومن روى " أطرف فرساناً وألحق فارساً " فالمعنى أسوق فرساناً وأذودهم عني، وقد ألحق في الطرد الواحد بعد الواحد فأصيبه.
ولا يحمد القوم الكرام أخاهم العتيد السلاح عنهم أن يمارسا
هذا الكلام تبرؤٌ من التحمد بما فعل إلى الناس، وترك للتبجح بالدفاع حين دافع، وإظهارٌ لأن مذهب الكرام ذلك وأن الواجب في اعتقادهم ألا يحمد الواحد منهم إذا قاتل دونهم، أو مارس الشدة فيهم ولهم، متى كان تام السلاح، مزاح العلل، إذ كان ذلك دأبهم ودينهم، وإذ كان سبيله فيما يأتيه كمن يؤدي الفرض الذي لا يحتمل التضجيع، والحتم الذي لا يسوغ التجوز فيه والتأويل. وقوله " عنهم " يتعلق بالعتيد السلاح، ولا يجوز أن يتعلق بيمارس، لأنه لو كان كذلك لكان في صلة أن، فلم يجز تقدمه عليه. ويكون المعنى: أخاهم المعد السلاح عنهم، النائب منابهم. ومعنى أخاهم الواحد منهم، كما يقال: يا أخا بكرٍ أو تميمٍ.
وقال محرز بن المكعبر
نجى ابن نعمان عوفاً من أسنتنا ... إيغاله الركض لما شالت الجذم
قال الخليل: الإيغال: الإمعان في السير مع دخولٍ فيما بين جبالٍ أو في أرض العدو. وقال غيره: هو الإسراع في إبعادٍ. يقول: أنقذ هذا الرجل من رماحنا استعجاله فرسه، واستحثاله بالركص إياه، لما رفعت بقايا السوط تخوف بها الخيل، ويستدر منها العدو. وهذه إشارةٌ إلى وقت الانهزام وجد الطالبين في اللحاق. والركض ينتصب على أنه مفعولٌ من الإيغال، كما يقال أبعد السير، وأسرع السير. ويجوز أن يكون مصدراً موضع الحال، كأنه قال إيغاله راكضاً. وأدخل الألف واللام على حد دخولهما في قوله:
فأرسلها العراك
стр. 387
أوردها التقريب والشد منهلا
وما أشبهه. وجذم كل شيءٍ: أصله؛ يقال جذمت الشيء، إذا قطعته. والجذمة: القطعة من الحبل وغيره.
حتى أتى علم الدهنا يواعسه ... والله يعلم بالصمان ما جشموا
الدهنا ببلاد تميمٍ. وقال الخليل: الدهنا موضعٌ رملٌ كله، والنسب إليه دهناويٌ. ومعنى يواعسه يسير في وعسائه، وهي الرملة اللينة، والسير فيها يصعب. ويقال: وعست المكان وعساً، إذا وطئته وطأ شديداً، ويسمى الأتر الوعس. وسمى ضربٌ من سير الإبل المواعسة من هذا. وحقيقة قوله " يواعسه " يواعس إليه أو فيه، أي يمد سيره إليه وفيه. والصمان: الأرض الصلبة، واحدته صمانةٌ، وموضع ما من قوله ما جشموا نصبٌ على المفعول من جشموا، فيقول: أوغل الركض حتى بلغ جبال الدهنا، مواعساً في رمله، والله يعلم أي شيءٍ تكلفه هو وأصحابه من السير في الصمان. وموضع يواعسه نصبٌ على الحال، ويجوز أن يكون موضع ما من قوله ما جشموا نصباً على المفعول من فعل دل عليه، والله أعلم. ومثله في القرآن: " الله أعلم حيث يجعل رسالاته ". وقد تقدم القول فيه.
حتى انتهوا لمياه الجوف ظاهرةً ... ما لم تسر قبلهم عادٌ ولا إرم
الجوف وادٍ. وظاهرةً انتصب على أنه ظرفٌ، ويقال: ورد الماء ظاهرة، إذ ورد نصف النهار؛ واشتقاقه من الظهيرة. وأظهرنا: صرنا في الظهيرة: وقد جعل اسماً لهذا الظمء. وقوله " ما لم يسر " أراد سيراً لم يسره قبلهم أحدٌ، أو انتهاءً لم يقدر عليه إنسانٌ. وعلى هذا يكون ما في موضع النصب على أنه مصدرٌ مما دل عليه حتى انتهوا، وتلخيص الكلام: حتى ساروا إلى مياه هذا الوادي نصف النهار سيراً لم يسر مثله واحدةٌ من هاتين الأمتين، والمعنى أنهم حملهم الرعب الذي تداخلهم، والاجتهاد في الخلاص من الهزيمة المستولية عليهم، على أن يقطعوا ما بين المكانين المذكورين في يومٍ وليلةٍ، لأنهم كانوا في اليوم الأول بالصمان، وفي اليوم الثاني بالدهنا، وذلك شاقٌ مستبعدٌ وقوعه.
стр. 388
وقال عامر بن شقيقٍ
فإنك لو رأيت ولن تريه ... أكف القوم تخرق بالقنينا
يخاطب امرأةً مفظعاً للشأن الذي منوا به، ومهولاً للأمر الذي دفعوا إليه، فيقول: لو رأيت ولا أراك الله مثله مشهد القوم وأكفهم تخرق بالرماح لرأيت أمراً هائلاً. وجواب لو محذوفٌ، كما يقال: لو رأيت زيداً وفي يده السيف. وقد مر القول في أن تبقيه الإبهام في مثل هذا المكان بترك الجواب أبلغ في الإفهام. وقوله " ولن تريه " دعاءٌ، وأكثر ما يقع الدعاء يقع بلاء، وبلن يجيء قليلاً، تقول: لن يبارك الله في كذا وتريد الدعاء، كما تقول لا بارك الله. وفسر قطربٌ قول الله تعالى: " رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين " على أنه دعاءٌ. ويجوز أن يكون قوله " ولن تريه " إخباراً بأنها وقد فاتها رؤية ذلك فيما مضى لا ترى مثله في المستأنف فظاعةً وشناعةً، وأن الخطب بلغ حداً خرج به عن المعتاد المستجاز. وقوله " تخرق بالقنينا " أي تثقب، ومنه خرقت الأرض واخترقتها، وريحٌ خريقٌ. ويروى: " تخرق " بفتح التاء وضم الراء، وله وجهان: أحدهما أن يكون من الخرق: ضد الرفق، كأن الأكف كانت تخرق في الطعن ولا ترفق، لشدة الأمر؛ وهذا حسنٌ. والثاني: أن يكون من الخرق، كأنها تشقق بالطعن ملتئم الأحوال ومتواصلها وتمزقها، كما قال: " ومزقناهم كل ممزق ". وهذا الوجه أغرب ويكون المفعول محذوفاً، لأن الكلام يدل عليه. ومن روى " تخرق " فالمعنى تنظم. وإن جعلت الفعل للفاعل فرويت " تخرق " جاز أيضاً على أن يكون المفعول محذوفاً، والمراد كأنها تنظم مطعونين في شدةٍ وحملةٍ. والقنين: جمعٌ سالمٌ، وهو نادرٌ، وأكثر ما يجيء مثله في المنقوص كظبةٍ وظبين، وثبةٍ وثبين، كأنه يجعل هذا البناء في جمعه جبراً له مما نقص منه. ويجيء أيضاً كثيراً في أسماء الدواهي، كالذربين، والأقورين، والفتكرين؛ كأنه بلغ بها رتبة الناطقين تهويلاً. وقد حكى كسر القاف من القنين وحينئذ يكون كعصاً وعصىٍ، ويكون وزنه فعولاً والنون بدلق من لام الفعل. ويحمل على هذا الوجه سنين في جمع سنةٍ.
стр. 389
بذي فرقين يوم بنو حبيب ... نيوبهم علينا يحرقونا
قوله " بذي فرقين " يجوز أن يتعلق بقوله لو رأيت، ويجوز أن يتعلق بقوله تخرق بالقنين، كذلك قوله " يوم بنو حبيبٍ " يجوز أن يكون ظرفاً لكل واحدٍ من الفعلين لأنهما ظرفان: أحدهما للمكان والآخر للزمان. وأضاف اليوم إلى الكلمة التي بعده لأن الأزمنة تضاف إلى الجمل من الابتداء والخبر، والفعل والفاعل، تبييناً لها. ويقال: هو يحرق أنيابه، إذا حك بعضها ببعض تهديداً. ويقال أيضاً: هو يحرق عليه الأرم، ويعلك على الأرم، أي يصرف بأنيابه تغيظاً. وحكى فيه الأزم بالزاء أيضاً. والأزم: العض. ويقال حرقه بالمبرد، إذا برده. وحكى أبو حاتم: فلان يحرق نابه علي، يرفع الناب. قال: لأنه هو الذي يحرق. وبيت زهير يشهد لذلك. وأنشد:
أبي الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله
كفاك النأي ممن لم تريه ... ورجيت العواقب للبنينا
كأنه وكلها إلى الاعتبار بعد ما فاتها من مشاهدة الحال، ودعاها إلى الاستدلال، والاكتفاء فيه بما آل إليه أمرها في أعزته مع غيبتهم عنها. فيقول: أغناك بعدك إذا نظرت واعتبرت عن الاستكشاف والسؤال، وإن تلهفت لما تدركيه من مساقطهم، ولم تشار فيه من مصارعهم، وحالك أنك علقت رجاءك بالأولاد، وبأن يحسن الله العقبى لهم إذا بلغوا طلب الأوتار، ورأوا السعي في درك الثار، وقطعت طمعك في الآباء وملكك اليأس منهم. وقوله " ورجيت " قد معه مضمرةٌ، لأن الماضي بتقدير قد معه يقع موقع الحال. وضعف عينه للتكثير، كأنها كانت تكرر الرجاء وتجدده مع كل حادثةٍ، وعند كل مهمة.
وقال أبو ثمامة بن عارمٍ
رددت لضبة أمواهها ... وكادت بلادهم تستلب
يقول: اعتنيت بضبة، فأعنتها على مجاذبها ومنازعها، وحفظت لها وعليها مياهها وبلادها، ومراعيها ومرادها، بعد أن شارفوا التسليم والاستسلام، والملاينة
стр. 390
والانقياد، حتى كادوا يغلبون عليها، ويمنعون من حقوقهم فيها، لما يظهر على صفحات أحوالهم من التخاذل، ويبنون أمورهم عليه في التهاون والتواكل.
بكر المطي وإنعابه ... وبالكور أركبه والقتب
الباء من قوله " بكر " تعلق برددت. ويروى: " بكرى المطي "؛ وساغ الوجهان لأن المصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل. ومراده أن يبين كيف كانت نيابته عنهم، ومدافعته دونهم، وكيف جاذب أعداءهم وجادل عنهم، حتى توصل إلى قمعهم، ونزع أيديهم عما أنشبوها فيه من أملاكهم، وردهم دون ما سوغوه من اهتضامهم. والقتب أخف من الكور. وإنما ذكر هذه المراكب ليبين تطاول الأمد بينه وبنيهم، وتحمل أنواع المشاق اللاحقة في نزاعهم، وليدل على كثرة مناقلاتهم، واختلاف التردد في مجالسهم وأماكنهم.
أخاصمهم مرةً قائماً ... وأجثو إذا ما جثوا للركب
انتصب قائماً على الحال؛ ونبه بما أورده على امتداد المجازبة، وتكرر المحاجة، وعلى اختلاف الهيئات وتغير الأوقات، وكل ذلك بحسب اشتداد سورة الخصام ولينها؛ وأنه تكفل بالأمر معهم تكفل من تعين عليه الفرض في مرادتهم، فابتدل نفسه معهم، ووطنها على مصابرتهم، فإن قاموا قام معهم، وإن بركوا باراهم في بروكهم، لئلا يكون مخلاً بمعرضٍ يخرجون فيه، أو تاركاً لشيءٍ من نصبهم. ويقال: جثا لركبته، إذا سقط.
وإن منطقٌ زل عن صاحبي ... تعقبت آخر ذا معتقب
فصل بين إن والفعل بقوله " منطقٌ "، ولو ظهر تأثيره بالجزم لم يجز فيه. وارتفع بفعلٍ هذا الظاهر تفسيره. فإن قيل: فإن في أي الفعلين عمل؟ وهل تقول إنه عمل فيهما جميعاً؟ قلت: أما عمله فيهما فغير سائغ، لأن أداةً واحدةً لا تجزم شرطين في حالةٍ واحدةٍ، لكن الفعل المضمر لما لم يظهر صار في حكم ما لم يعتد به، وإن كان الاسم يرتفع به، حتى صار التقدير: وإن زل منطقٌ زل عن صاحبي. وقد روى " تعقبت " و " تعرقبت "، ومعنى تعقبت تتبعت وطلبت عقبه؛ ومثله اعتقبت. وقيل المعتقب أخد عقبه الشيء، وهي آخره. ومعنى تعرقبت: عدلت عنه وأخذت في
стр. 391
غيره. ويقال تعرقبت الفرس، إذا ركبتها من خلفها. وعراقيب الأمور: التباساتها وطلب الحيل والحجج فيها، وأنشدت:
فلا يعدمك عرقوبٌ للأيٍ ... إذا لم يعطك النصف الخصيم
والمعنى: لا يعدمك حيلةٌ لالتواء خصمٍ عليك.
وقال آخر:
إذا حبا قفٌ له تعرقبا
أي عدل عنه فالتوى. ومثل تعقبت في إفادته طلبت عقبه وعقباه: تفقدت الشيء وتعهدته؛ لأن المعنى طلبت فقده وعهده، أي نظرت هل فقدته وهل بقى على عهده. ومعنى البيت: إن بدرت من واحدٍ منهم كلمةٌ لم يوفق فيها للصواب، أو خفت عودها بغير صلاحٍ عدلت عنها وطلبت مكانها أخرى ذات متتبعٍ فأعقبتها بها.
أفر من الشر في رخوةٍ ... فكيف الفرار إذا ما اقترب
قوله في " رخوةٍ " أي تراخيه. وهو رخوٌ، أي مسترخٍ. كأنه أراد: أهرب منه مالم يتشدد. ونبه بهذا الكلام على أنه يتفادى من الشر ما أمكن، وأنه لا يستعمل البغي ولا يبتدئ الخصم، فإن جاء منه مالا معدل عن اقتحامه وركوب البلوى فيه، ولا معول إلا على الصبر على شدائده وتوسط الأذى العارض له خاضه متلقياً لمكارهه بعدته، مجاذباً للمنازعين بأقصى ما في طوقه وقوته، إلى أن يتحصل له الفلج والظفر، أو يتحصن عن لوم اللائمين بما يقيمه من العذر في المجاهدة والتثبت. ومثله قول هدبة ابن خشرم:
ولا أتمنى الشر والشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
وقال أبو ثمامة أيضاً:
قلت لمحرزٍ لما التقينا ... تنكب لا يقطرك الزحام
تكب وتنكب بمعنًى واحدٍ. ويقول هو أنكب عن الحق، ومنه الريح النكباء، لعدولها عن مهاب الرياح الأربع. وهذا الكلام تهكمٌ واستهزاء، كأنه يرميه بأنه لم
стр. 392
يباشر الشدائد، ولم يدفع إلى مضايق المجامع. فيقول: انحرف متماسكاً لا يسقطك تزاحم الناس. والتقطير: الإلقاء على أحد القطرين، وهما الجانبان، وكأنه يخاف عليه أن يداس بالقوائم، كما يخاف على الصبيان والنساء، لقلة غنائه، وضعف ثباته. وهذا في بابه أبلغ ما مر بي. وفي طريقته قو حجل بن نضلة:
جاء شقيقٌ عارضاً رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
وقول سبرة بن عمرٍو الفقعسي:
لا شيء يعدلها ولكن دونها ... خرط القتاد تهاب شوكتها اليد
وفي هذا تعريضٌ أيضاً. ومن التعريض ما أنشدته عن اليزيدي قال: أنشدني الأصمعي:
فدع شوك السيال فلا تطأه ... وخض إن خضت ماءً غير غمر
وقول الآخر:
فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومةً ليس فيها حلم
أتسأل السوية وسط زيدٍ ... ألا إن السوية أن تضاموا
يخاطبه مقرراً ومتوعداً. والتقرير بألف الاستفهام ولا حرف نفيٍ معه يكون فيما لا يثبت ولا يستجاز كونه. والسوية: الإنصاف؛ وهي من الاستواء كالجريمة والدنية والخطيئة. وزيدٌ: قبيلة المخاطب. فيقول على وجه الإنكار والهزء: أتسأل إنصافك وأنت وسط رهطك وفيما بين عشيرتك ومحل عزك. ثم قال: إن من السوية اهتضامكم وضيمكم، وهذا من باب إبدال الشيء من الشيء. كقول الآخر:
تحية بينهم ضربٌ وجيع
والضرب لا يكون تحيةً. والمعنى: أنهم يعطون بدل الإنصاف الظلم، لأنهم لا يستحقون غيره، ولأن النصفة لا تصلحهم ولا توافقهم.
стр. 393
فجارك عند بيتك لحم ظبيٍ ... وجاري عند بيتي لا يرام
يصفهم بسوء الوفاء، وقلة المحافظة على عقد الجوار، فيقول: جارك كالصيد لمن يطلبه، وبعرض الأكل والاستباحة لمن يريده، وهذا وهو في فنائك، وغير مفارقٍ لدارك، لضعف حشمتك وسقوط همتك، واستسخاف الناس لدرك وزنك؛ وجاري لا يطلب ولا يطمع فيه لتحصن مكانه في فنائي، وتعززه بي، ما دام متمسكاً بحبلي، أو معتصماً بحلفي. وإنما قال ذلك لأن النزاع بينهما كان بسبب جارٍ. وإضافة اللحم إلى الظبي في نهاية الموافقة للمعنى الذي يقصده، والغرض الذي كان يرميه. وقد جاء اللحم غير مضافٍ إلى اسم الصيد في الكناية عن الذل والاهتضام. على هذا قولهم: هو لحمٌ موضعٌ، وهو لحمٌ على وضمٍ. وقد استعمل الشحم في مثل ذلك، على هذا قوله:
لمن كنت فيه شحمه وأطايبه
وقول الآخر:
فلا تحسبنني يا ابن أزنم شحمةً ... تزردها طاهي شواءٍ ملهوج
وقد قال آخر سالكاً هذه الطريقة في الكناية:
ولست خلاةً لمن أوعدن
وقالوا في الذليل: هو قنعٌ، وهو فقعٌ بقرقرٍ، وهو بيضة البلد.
وقال عبد الله بن عنمة
أبلغ بني الحارث المرجو نصرهم ... والدهر يحدث بعد المرة الحالا
قوله " والدهر يحدث " اعتراضٌ حصل بين أبلغ بني الحرث وبين مفعوله الثاني: وهو قوله، " إنا تركنا فلم نأخذ به بدلاً ".
стр. 394
ومثله مما قد دخل الاعتراض بينه وبين المفعول قول أبي النجم:
وبدلت والدهر ذو تبدل ... هيفاً دبوراً بالصبا والشمأل
وفي القرآن قوله : " ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودةٌ يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ". لأن قوله يا ليتني مفعول ليقولن، وكأن لم يكن اعتراضٌ. وكذلك الدهر ذو تبدل اعتراضٌ. وقوله " المرجو نصرهم " فيه تعييرٌ وتقريعٌ كما أنه في قوله والدهر يحدث بعد المرة الحالا " هزؤٌ وسخرىٌ. وهؤلاء القوم كانوا تركوا عشيرتهم وانتقلوا عنهم للوثةٍ حصلت بينهم إلى بني الحارث طمعاً في نيل ما يفوتهم منهم من جهتهم، فلما لم يجدوهم عند الظن بهم تندموا، فأخذ هذا الشاعر منهم يرمى بهذا الكلام معيراً ومتلهفاًن فيقول: أبلغ هؤلاء القوم الذين رجى معونتهم وطمع في نصرتهم وذبهم - والدهر ذو غيرٍ وتلونٍ، فيتعقب فيه الشدة لينٌ، والقوة ضعفٌ، والعزة ذلٌ - رسالتي إليهم. وإنما تبين من قوله الحال، وإن كان واحد الأحوال، الضعف، والمعنى الذي ذكرته لقوله يحدث بعد المرة. وحكى بعضهم أن هذا كما يقال تركته بحالٍ، للمشرف على الشر أو الهلاك، والمراد بحال سوء، فكذلك هنا يريد والدهر يحدث الحالة المنكرة بعد المرة. وقيل أيضاً الحال: التراب اللين والحمأة، فاستعاره للضعف واللين.
إنا تركنا فلم نأخذ به بدلاً ... عزاً عزيزاً وأعماماً وأخوالاً
يقول: أد إليهم أنا بمفارقة قومنا تركنا أقارب من جهة الآباء والأمهات، متناصرةً على دفاع حوادث الدهر متعاونةً، وظهراً ظهيراً، وعزاً متناهياً قوياً، ولم نتعض منهم ما فيه طائلٌ. قوله " وأعماماً وأخوالا " أي تركناهم وهم من البر والشفقة على ما يكون عليه الأعمام والأخوال، وفيما يرجى من الوفور بهم والتأيد بمكانهم. وقوله " عزاً عزيزاً "، من شأنهم أن يشتقوا من لفظ الشيء الذي يريدون المبالغة في وصفه بناءً يتبعونه به تأكيداً وتنبيهاً على تناهيه في معناه. على ذلك قولهم: ظلٌ ظليلٌ، وداهيةٌ دهياء، وشعرٌ شاعرٌ.
стр. 395
قد كنت آخذ حقي غير مهتضمٍ ... وسط الرباب إذا الوادي بهم سالا
هذا الكلام توجعٌ وتلهفٌ في إثر ما فاته من قومه، بما حصل من فساد ذات بينهم، حتى صاروا إلى التباين، والتمايز بالأبدان والتهاجر. فيقول: كنت أتقاضى بحقوقي بين ظهرانيهم فأقتضيها وأستوفيها غير مهضومٍ ولا مهينٍ إذا جاءوا محتفلين تمتلئ منهم الطرق والفجاج، وتسيل بهم المذانب والتلاع. ومثل قوله " إذا الوادي بهم سالا " قول الآخر:
وسالت بأعناق المطي الأباطح
لا تجعلونا إلى مولىً يحل بنا ... عقد الحزام إذا ما لبده مالا
المولى في البيت: الناصر أو الولي لا غير. وكأنه أقبل على قومه يستعطفهم، ويشكو إليهم ما لاقوه من غيرهم. فيقول: تلافوا أمرنا ولا تكلوه إلى ناصرٍ يؤثر صلاح حاله وإن فسد حالنا، ويروم انتعاشه وإن سقطنا، ويسوى لبده إذا اعوج وزال عن مقره بنا. وهذا تعريضٌ لمن كانوا انتقلوا إليهم. كأنهم كانوا يهمهم ما يختص بأنفسهم، ثم لا يحلفون بما يختل من شأن هؤلاء أو ينحل من عقدهم.
وفي هذه الطريقة قول الآخر:
وكنا فوارس يوم الهرير ... إذا مال سرجك فاستقدما
وأفصح من هذا قول ابن أحمر:
فإما زال سرجٌ عن معدٍ ... وأجدر بالحوادث أن تكونا
وقال ابن عنمة أيضاً:
ما إن ترى السيد زيداً في نفوسهم ... كما يراه بنو كوزٍ ومرهوب
السيد: قبيلة، وكذلك كوزٌ ومرهوبٌ. وقوله " ما إن " إن زيدت لتأكيد النفي. وذكر سيبويه أن ما الحجازية إذا قرن بإن هذه يبطل عمله، يقول: بنو السيد لا
стр. 396
يقسمون لزيدٍ من التعظيم، ولا يوجبون له في نفوسهم من الحرمة والتبجيل، ما يوجبه ويقسمه بنو كوز ومرهوبٌ. والضمير على هذا من قوله " في نفوسهم " يكون للسيد. ولا يمتنع أن يكون الضمير لزيدٍ لأنه قبيلةٌ أيضاً. وهذا كما يقال: لك في نفسك حقٌ ومنزلةٌ. كأن زبداً كان له إذا راجع نفسه من التوجيه والإدلال، والتخصص والاعتزاز في بني كوزٍ ومرهوبٍ، ما لا يكاد يجده في بني السيد.
إن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرع محقبةٌ والسيف مقروب
يقول: إن وقفتم عندما يثبت من حقكم، ورضيتم بما لا نجحده من واجبكم، ولم يخيل إليكم أن طلب ما فوقه أعود عليكم، خرجنا منه إليكم من غير إباءٍ ولا امتناعٍ، ولا اهتياج حربٍ أو إعمال سلاحٍ. وقوله " والدرع محقبةٌ " أي مشدودةٌ في الحقائب، لأنه أراد بالدرع الجنس. والاحتقاب والاستحقاب: شد الحقيبة من خلفٍ. وكذلك قوله " والسيف مقروب " أي متروكةٌ في قربها؛ لأنه أراد السيوف. ويقال: قربت السيف وأقربته، وغمدته وأغمدته. وقال أبو زيدٍ: القراب: غشاءٌ يكون السيف مغمداً فيه. واحتج بقوله:
يا ربة البيت قومي غير صاغرةٍ ... ضمي إليك رحال القوم والقربا
وإن أبيتم فإنا معمرٌ أنفٌ ... لا نطعم الخسف إن السم مشروب
يقول: إن عدوتم طوركم، وتجاوزتم في الطلب حقكم إلى ما ليس لكم، فإن أنفتنا تمنع من احتمالكم، والتزام شهوتكم، وحميتنا تأبى الرضا بالتحمم، والصبر على الاقتسار والتهضم، فلا نطعم الخسف وإن شربنا السم. والخسف: أن يحملك إنسانٌ ما تكرهه. ومن الصنعة الحسنة مقابلته الطعم بالشرب، واستعارته إياهما في تجرع الغصة، وتوطين النفس على المشقة، عند إزالة المذلة، ورد الكريهة. وأنف: جمع أنوف. والمعشر: الجماعة أمرهم واحدٌ، ويقال: جاء القوم معشر معشر، أي عشرةً عشرةً.
فازجر حمارك لا يرتع بروضتنا ... إذاً يرد وقيد العير مكروب
стр. 397
هذا مثلٌ. والمعنى: انقبض عن التعرض لنا، والدخول في حرمتنا، ورعى سوامك روضتنا؛ فإنك إن لم تفعل ذلك ذممت عاقبة أمرك، وعدت خاسر الصفقة وخيم الرتعة. جعل إرسال الحمار في حماهم كنايةً عن التحكك بهم، والتعرض لمساءتهم. ولا حمار ثم ولا روض. وقال ابن الأعرابي: أرادا كفف لسانك. قوله " إذا " قال سيبويه: هو جوابٌ وجزاءٌ، فالابتداء الذي هو جزاؤه محذوفٌ مستدلٌ عليه مما في كلامه، كأنه قال فإنه إن رتع رجع إليك وقد ضيق قيده، أي ملئ قيده فتلاً حتى لا يمشي إلا بتعبٍ، كأنه يضرب أو يستعمل حتى يرم جسمه ويؤدي الوجع منه إلى موضع حافره فيضيق عليه القيد.
إن تدع زيدٌ بني ذهلٍ لمغضبةٍ ... نغضب لزرعة إن الفضل محسوب
يقول: إن غضب بنو ذهلٍ لزيدٍ وامتعضوا من ضيمٍ يركبها، وأغاثوها إذا استجارت بهم، غضبنا لزرعة، وانتقمنا له ممن يهتضمه، إن الفضل معدود. فالمعنى: إنه لا فضل لكم علينا فقد عددنا ما لكم، فلم نجد زيادةً لكم، ولا استظهاراً يوجب لكم التعلي والتغلب. وإذا كان الأمر بيننا على التساوي فلا استبداد ولا احتكام. ويروى: إن القبص محسوب، وهو العدد الكثير، ويكون الكلام مثلاً. ويقال إنهم لفي قبص العدد وفي قبص الحصى، أي في أكثر ما يستطاع عدده من كثرته، والمراد: إن الأعداد الكثيرة تضبط وتحصر، فكيف ما بيننا من تفاوتٍ وتفاضلٍ، أو تساوٍ وتعادلٍ.
ولا يكونن كمجرى داحسٍ لكم ... في غطفان غداة الشعب عرقوب
كان التنازع بينهم في رهانٍ وقع على عرقوبٍ، وهو فرسٌ لهم. فيقول: لا يكونن جرى عرقوب عليكم في الشؤم كجري داحسٍ في غطفان غداة شعب الحيس. فقوله " عرقوب " ارتفع على أنه اسمٌ لا يكونن، وقد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، لأن المراد: ولا يكونن مجرى عرقوبٍ كمجرى داحسٍ. وقوله " غدة الشعب " ظرفٌ لقوله كمجرى. وجعل النهي في اللفظ لعرقوبٍ وهو في المعنى لهم. حذرهم استعمال اللجاج لئلا يتأدى الأمر إلى مثل ما تأدى في رخان داحسٍ والغبراء. ومثل هذا من النهي قولهم: لا أرينك ها هنا.
стр. 398
وقال الأخضر بن هبيرة
ألا أيهذا النابح السيد إنني ... على نأيها مستبسلٌ من ورائها
وصف أي بذا غير جارٍ على سنن ما يجلب له الصفات، لأن الصفة شرح الكلام وتبيينه، ومزيل اللبس عنه، وإذا كان أي وذا مبهمين فالانشراح غير حاصلٍ بهما، لكنه لما كان المعول على ما يتبعه من المعرف بالألف واللام صار ذا كأنه لا اعتداد به في الشرح. فيقول: أيها المتعرض لبني السيد والمتنقص لهم، والناحت أثلتهم، إنني على بعدها مني مدافعٌ عنها وذابٌ، مع تغيبهم دونها، قضاء لحق الشرف، وذهاباً مع النصفة. ويقال بسل واستبسل وتبسل بمعنىً. وقال الخليل: استبسل الرجل، إذا وطن نفسه على الموت واستيقن به. وقد استعار أبو ذؤيبٍ النباح للتعرض والإيذاء، كما فعل هذا، فقال:
ولا هرها كلبي ليبعد نفرها ... ولو نبحتني بالشكاة كلابها
وقوله " على نأيها " موضعه نصبٌ على الحال، لأن المعنى أستبسل من ورائها بعيدةً.
دع السيد إن السيد كانت قبيلةً ... تقاتل يوم الروع دون نسائها
يقول: اترك ذكر هؤلاء القوم ولا تطلب عيبهم، فإنها قبيلةٌ ذات أنفٍ وإباءٍ، فما لحقهم منذ كانوا عارٌ في حرمةٍ، ولا أصابهم سباءٌ عند غارة، بل كانت تحفظ على علاتها نساءها، وتبتذل عند الفزع مصونات نفوسها، وهذا تعريضٌ بالمخاطبين وأنهم بخلاف ذلك.
على ذاك ودوا أنني في ركيةٍ ... تجذ قوى أسبابها دون مائها
ذاك من مثل هذا الموضع لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، ويشار به إلى المقتص من الحال. يقول: وعلى ما ذكرته فيهم، ومع محافظتي على ما يجب علي لهم، ليسوا إلى بأوداء، بل يتمنون أني في بئرٍ تقطع طاقات حبالها دون الوصول إلى مائها لبعد قعرها. وهذا الكلام إعلامٌ بأن تعصبه لهم، ليس عن مصادقةٍ بينهم توجب إعارة الشهادة فيهم، أو مواخاةً تؤلفهم وتعطف أواصرهم عليهم، لكنه رأى حقاً فقاله،
стр. 399
وتحمل صدقاً فأداه. وقوله " دون مائها في موضع الحال لأن دون للقاصر عن الشيء. والتقدير: تجذ القوى قاصرةً عن الماء.
وقال سنانٌ بن الفحل
وقالوا قد جننت فقلت كلا ... وربي ما جننت ولا انتشيت
كان الواجب أن يقول قالوا جننت أو سكرت، فاكتفى بذكر أحدهما لأن النفي الذي يتعقب في الجواب ينظمهما. ومثل هذا قول الآخر:
فما أدري إذ يممت وجهاً ... أريد الخير أيهما يلبني
لأن المراد أريد الخير وأتجنب الشر أيهما يليني، فاكتفى بذكر أحدهما لأن ما بعده يبينهما: ولكلا موضعان: أحدهما أن يكون للردع والزجر، وحينئذ يصح الاكتفاء به والوقف عليه. والثاني أن يكون للتنبيه كألا، وحينئذ يحتاج ما بعده إلى ما يتم به. وسيبويه قصر تفسيره على أنه للردع والزجر. والشاعر أراد قال الناس في لما أظهرت إنكاري، وتشددت في إبائي، وتحفظت عندما عرض وجشم، واستنكفت مما سيم وكنف: إنه قد جن أو سكر. فزحرتهم وردعتهم، وحفت بالله نافياً لما نسبت إليه ووسمت به من الجنون والسكر جميعاً. ثم أخذ يبين كيف استنكر ما دفع إليه، واشمأز مما عرض عليه حتى قيل فيه ما قيل. والانتشاء والنشوة: السكر.
ولكني ظلمت فكدت أبكي ... من الظلم المبين أو بكيت
لكن استدراكٌ بعد نفيٍ. وهذا الكلام بيان ما أنكر منه حتى قيل إنه جن. وذكر البكاء ليرى أنفته وامتعاضه، وإنكاره لما أريد ظلمه فيه واغتياظه. فأما العرب فإنها تنسب أنفسها إلى القساوة، وتعير من يبكي لذلك. قال مهلهل:
يبكي علينا ولا نبكي على أحدٍ ... لنحن أغلظ أكباداً من الإبل
стр. 400
يقول: لكن عرض علي ضيمٌ لم آلفه، واستنزلت عن حقٍ لي طال ملازمتي له، فشارفت البكاء أو بكيت. كل ذلك لاستنكافي مما ندبوني إليه وتعجبي مما راودوني عليه.
فإن الماء ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويت
صرح بما أريد غصبه عليه فقال: هو ماءٌ موروثٌ عن الرسلاف وحمًى معروفٌ بي وبهم، سلمة الناس لنا على مر الأيام، وبئرٌ توليت استحداثها وحفرها وطيها. وقوله " ذو حفرت " ذو لغةٌ طائيةٌ في معنى الذي. يقولون: هذا ذو قال ذلك، ورأيت ذو قال ذلك، ومررت بذو قال ذلك، فيحتاج من الصلة إلى مثل ما يحتاج إليه الذي، لكنها تقع في لغتهم للمذكر والمؤنث ولهذا صلح أن يقول " وبئري ذو حفرت "، والبئر مؤنثةٌ.
وقبلك رب خصمٍ قد تمالوا ... علي فما هلعت ولا دعوت
نبه على حسن ثباته في وجه الخصوم، وتمرنه بمجاذبتهم قديماً وحديثاً، وتحككه بهم على احتفالٍ منهم في مناوأته سالفاً وآنفاً، فيقول: وقد بليت قبلك بقوم لدٍ تألبوا علي وتعاونوا، فلم أجزع لما منيت بهم جزعاً فاحشاً، ولا استنصرت عليهم غيري عند دفاعهم استنصاراً مكروهاً. والهلع: أفحش الجزع. وتمالوا، هو تفاعلوا من قولهم هو مليءٌ بكذا. فإن قيل: كيف قال هلعت، وقد قال فيما قبله: فكدت أبكي من الظلم المبين أو بكيت وهل الهلع إلا البكاء والجزع؟ قلت: إن الهلع هو الجزع الفاحش الذي يظهر فيه الخضوع والانقياد، فهذا هو الذي انتضح منه، وزعم أنه لا يظهر عليه. والبكاء الذي ذكر أنه شارفه أو كاد يشارفه قد بينا أنه كان منه على طريق الاستنكاف والامتعاض؛ فإذا كان كذلك فإنه لم يكن عن تخشعٍ وتذللٍ، ولا انقيادٍ واستسلامٍ، وسلم الكلام من التناقض والفساد.
ولكني نصبت لهم جبيني ... وألة فارسٍ حتى قريت
يقول: ولكني صبرت لهم، وانتصبت في وجوههم، وهيأت عدتي وسلاحي لدفعهم، دارئاً في نحورهم، محلئاً لهم عن ورودهم، فعل الفارس الذاب المانع يوم الحفاظ، حتى خلصت من غصبهم حقي، وقريت الماء من دونهم في حوضي. والآلة: الحربة، وجمعها إلالٌ، وأصله البريق واللمعان. والقرى: الجمع.
стр. 401
وقال جابر بن حريشٍ
ولقد أرانا يا سمى بحائلٍ ... نرعى القرى فكامساً فالأصفرا
فالجزع بين ضباعةٍ فرصافةٍ ... فعوارضٍ جو البسابس مقفرا
لا أرض أكثر منك بيض نعامةٍ ... ومذانباً تندى وروضاً أخضرا
ومعيناً يحمى الصورا كأنه ... متخمطٌ قطمٌ إذا ما بربرا
إذ لا يخاف حدوجنا قذف النوى ... قبل الفساد إقامةً وتديرا
قوله " أرانا " حكاية الحال، وما يستمر ويتصل من الأفعال إذا أريد فيه الإخبار عن الماضي قد يؤتى بلفظ المستقبل فيوضع موضع بناء الماضي. على ذلك قوله:
ولقد أمر على اللئم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
ألا ترى أنه قال أمر، ثم قال فمضيت ثمت قلت. كذلك هذا قال ولقد أرانا، ثم جاء في آخر الأبيات فقال: إذ لا يخاف حدوجنا قذف النوى. فإن قيل: كيف جاز أن يقول أراني وأرانا، وأنت لا تقول أضربنا ولا أضربني؟ قلت: أفعال الشك واليقين يجوز ذلك فيها وإن امتنع في غيرها، لأن تأثيراتها في المفعول الثاني من المفعولين، إذ كان الشك واليقين يتعلقان به لا بالأول، فصار لذلك المفعول الأول كأنه غير الثاني، وكاللغو الذي لا تأثير له في حصول الفائدة، فجرى الثاني من الأول لذلك مجرى الأجنبي. وإذا قلت أضربني أو أضربنا لم يصر أحد الضميرين كالأجنبي من الأول لا لفظاً ولا معنى، والمعتاد في الفاعل والمفعول مغايرة الثاني للأول، فلما كان الأمر على ذلك لم يجز فيه ما جاز في الأول. يبين هذا أنك لو قلت ضربت نفسي أو أضرب نفسي لصلح، للتغاير الحاصل في اللفظ، فاعلمه.
وقوله حائل: اسم وادٍ. والقري: مجرى الماء إلى الروضة، وكامسٌ والأصفر: مكانان. وضباعة ورصافة: جبلان، وكذلك عوارض. وجو البسابس أي داخل البسابس، وهي المفاوز الواسعة الخالية. والجو: الهواء بين السماء والأرض أيضاً.
стр. 402
والمقفر: الصائر في القفر، وهو المكان الخالي. وانتصب جو على الظرف، ومقفراً على الحال.
ومعنى الأبيات: كما نرى أنفسنا ياسمية بهذا الوادي، ونحن ننتقل في هذه المراتع التي ذكرتها، ونتحول بين هذه المناجع التي عددتها الحاصلة في جو الأرضين المستوية، وفي أثناء الأرضين المقفرة، ولا أرض أكثر خصباً من أرضك وخيراً، وأندى مذانب وتلاعاً، وأحوى لبيض النعام، وأجمع لخضر الرياض التي يستوطنها الوحوش من البقر وغيرها؛ وثورها يحفظ قطيعه وكأنه لنشاطه إذا جأر فحلٌ متغضبٌ أيام أمنا عادية النوى. وبائقة الدهر والأذى، ولم تخف نساؤنا من ترامي الغربة، وتقاذف الشقة، ولم يقع بين العشائر حرب الفساد، وضرر التهاجر والبعاد، ونحن متديرون ومقيمون، وفي أنواع النغمة والنعمة مترددون، ولدار السلامة والخفض مستوطنون.
وهذا الكلام تحسرٌ في إثر أيام السلامة، وتشكٍ من أيام الفتنة.
وقوله إذ الخاف ظرفٌ لقوله ولقد أرانا. وقوله قبل الفساد بدلٌ منه، والمذانب: مسايل المياه. ومعنى أكثر منك بيض نعامةٍ أكثر من أرضك، فحذف المضاف، وانتصب بيض على التمييز. وقوله ومذانباً انتصب على أنه معطوفٌ على بيض نعامةٍ، وتندى في موضع الصفة للمذانب، أي ندية، وكذلك " وروضاً " و " معيناً ". المعين: الثور الكبير العين، والصوار: القطيع، واشتقاقه من صرته أي قطعته. والحدوج: المراكب، ونسب الخوف إليها مجازاً، لأن المراد بها النساء، وقوله متخمط شبه الثور بفحلٍ له سورةٌ وجبلةٌ، لاهتياجه وغضبه، ومنه قيل للبحر إذا التطمت أمواجه: هو خمط التيار. والقطم: الهائج. وبربر: صوت. وقذف النوى: رميه. وقوله قبل الفساد يريد قبل حرب الفساد، وإنما سميت بهذا الاسم لأن بعضهم كان يشرب في قحف رأس صاحبه إذا قتله، وبخصف نعله بأذنه، إظهاراً للتشفي. وانتصب إقامةً على أنه مصدر لعلةٍ، ويجوز أن يكون في موضع الحال، فتقدير الأول: لا تخاف قذف النوى لإقامتنا وتديرنا، وتقدير الثاني: لا تخافه مقيمين ومتديرين. ويقال ما بالدار ديارٌ، وداريٌ، ومنه قوله:
لبث قليلاً يلحق الداريون
стр. 403
والأصل في تدير الواو ولكنه بنوه على ديارٍ، لإلفهم له بكثرة تردده في كلامهم.
وقال إياس بن مالكٍ
سمونا إلى جيش الحرورى بعدما ... تناذره أعرابهم والمهاجر
يقول: سمت أبصارنا ونفوسنا، وارتفعت هماتنا إلى محاربة الحرورية - وهم فرقةٌ من الخوارج - بعد اشتداد شوكتهم وتكاثف عدتهم، وحين تحامى جيشهم بادى الناس وحاضرهم، حذر ناحيتهم وقصدهم عربيهم ومهاجرهم. وأراد بالمهاجر من ترك البدو وانتقل إلى الأمصار.
بجمعٍ تظل الأكم ساجدةً لهم ... وأعلام سلمى والهضاب النوادر
الباء من قوله بجمعٍ تعلق بسمونا، يريد قصدناهم بجيش كثيفٍ يلحق الحزن بالسهل، ويسوى الهضاب بالأرض إذا سار عليها لكثرته. وهذا كما قال الآخر:
ترى الأكم منه سجداً للحوافر
وأصل السجود الخضوع، كأنها تصير لها تراباً. والأكم: جمعٌ، يقال أكمةٌ وأكمٌ، وإكامٌ وأكمٌ. وسلمى: أحد جبلي طيئٍ. والهضاب: جمع هضبةٍ، وهي ما انبسط على الأرض من الجبال. والنوادر: المرتفعة، وكل شيءٍ زال عن مكانه فقد ندر؛ ومه نوادر الكلام. وجعل لسلمى أعلاماً لامتداده واتصال جبالٍ به.
فلما ادر كناهم وقد قلصت بهم ... إلى الحي خوصٌ كالحني ضوامر
أدرك: افتعل من الإدراك، وهو في معنى أدرك. وقلصت: ارتفعت. وقد كنى عن طول القوائم بالتقليص فقيل في وصف الفرس مقلصٌ، والمراد ذلك. يقال للمشمر: هو مقلص أسفل السربال، كما قيل هو مشقوق ذيل القميص. والحني: القسي، سميت بذلك لانحنائها؛ فهو فعيلٌ بمعنى مفعول، فيقول: حين لحقناهم كانت خفت بهم وشمرت إلى الحي خيل غائرة العيون، لاحقة البطون، كأنها في
стр. 404
ارتفاع جنوبها قسيٌ مأطورةٌ. ولما يقتضي جواباً، وهو فيما يجيء من بعد. والواو من قوله وقد قلصت بهم واو الحال.
أنخنا إليهم مثلهن وزادنا ... جياد السيوف والرماح الخواطر
يجوز أن يكون معنى إليهم عندهم، فقد حكى: لا تذكر فلاناً إلى بسوءٍ، أي عندي. ويجوز أن يكون معناه الانتهاء، ويكون المراد: أنخنا إلى فنائهم وبإزائهم. وأنخنا هو جواب لما. يقول: لما أدركناهم ثم سامينا جيشهم بمثله عدداً وعدةً، وجازيناهم بأشباههم فرسانا ورجالةً، وزادنا سيوفٌ منتخلة ورماحٌ لدنةٌ مثقفةٌ. وإنما قال أنخنا لما استمرت به عادتهم من ركوب الإبل وقود الخيل إلى المغار، إبقاءً عليها، وإعداداً لوقت الحاجة إليها. والخواطر من الخطر، وأصله التحرك.
كلا ثقلينا طامعٌ بغنيمة ... وقد قدر الرحمن ما هو قادر
كلا ثقلينا أي كل واحدٍ من جماعتينا. والثقل: الجماعة. والثقلان: الجن والإنس. وقال الخليل: ثقل الرجل: حشمه ومتاعه. وقوله بغنيمةٍ، أي بسبب غنيمةٍ. والمعنى: كل واحدٍ من الغارين طمع في اغتنام صاحبه، أي يعده غنيمةً، لثقته ببأسه ونجدته. والله قد قدر من الإظفار وإعطاء الفلج والغلبة ما قدره، لا راد لحكمه، ولا معقب لأمره. ويقال قدرت من التقدير، قدراً وقدراً. و " هو قادر " إن شئت جعلت ما موصولاً بمعنى الذي، وإن شئت جعلته موصوفاً بمعنى شيئاً. وعلى الوجهين وجب أن يقول ما هو قادره، فحذف الضمير تخفيفاً.
فلم أر يوماً كان أكثر سالباً ... ومستلباً سرباله لا يناكر
قوله كان أكثر سالباً من صفة اليوم، والمفضل محذوف الذكر، كأنه قال من ذلك اليوم. وانتصب سرباله على أنه مفعول ثانٍ من مستلباً. و " لا يناكر " في موضع الصفة له، كأنه قال وأكثر مستلباً ذا صفته. ومعنى لا يناكر: لا يقدر على الامتناع. يقال ناكرني، أي دافعني ومانعني. يقول: ما رأيت يوماً حصل فيه من السالبين والمسلوبين مثل ما اجتمع في ذلك اليوم ولا وقعةً أظهر حالاً وأكشف أمراً في قوة غالبها وضعف مغلوبها، واستسلام المقهور المسلوب واستعلاء القاهر السالب، من تلك الوقعة.
стр. 405
وأكثر منا يافعاً يبتغي العلى ... يضارب قرناً دارعاً وهو حاسر
في هذا أيضاً حذفٌ وإيجازٌ كما كان في البيت الأول، كأنه قال: ولم أر قوماً كان أكثر شاباً يطلب الصيت والذكر، ويعف عن الغنيمة في الروع، فيضارب نظيراً له في البأس مستلئماً، وهو ينازله حاسراً متجرداً - من قومنا. وقوله وهو حاسر حالٌ للمضمر في يضارب، ويضارب ويبتغى جميعاً صفتان لقوله يافعاً، وعلى هذا قد حذف حرف العطف من قوله يضارب، لأن الجمل حقها إذا وصف بها النكرات أن ينسق بعضها على بعض بحرف العطف. ويجوز أن يكون يضارب في موضع الحال مما في يبتغي. واليافع: الشاب المتناهي الشباب، والفعل منه أيفع الغلام وتيفع. وباب يفع مقصورٌ على الارتفاع والإشراف في الجبل والأرض وغيرهما. ويقال غلامٌ يفاعٌ ويفعهٌ ويافعٌ، ولا يقال موفعٌ. وجعل القرن دارعاً وصاحبه حاسراً، تفضيلاً له عليه. وقد يوصف الممدوح بلبس الدرع ويراد به حزامته وتحرزه، كما يوصف بضده ويراد وجرأته.
فما كلت الأيدي ولا انأطر لقنا ... ولا عثرت منا الجدود العواثر
نبه بهذا الكلام على تساعد أحوالهم فيما ترددوا فيه، وتناصر أسبابهم عندما لابسوه ونهضوا له. وإمكان الفرص فيما يقرب التمكن من العدو، وارتفاع العلل من موجبات القهر والعلو. فيقول: قويت أيدي المقاتلين منا فلم يمسها لغوبٌ، ووفت الأسلحة بمواعيدها من البقاء فلم يخن رمحٌ منها بانكسارٍ وفتورٍ، ولا سيفٌ بنبوٍ وكلول، ولا خذلتنا جدودنا فمالت إلى تعثرٍ أو سقوطٍ. وإذا توازرت هذه الأسباب وتعاونت، فحصل الجد والجد، وانزاحت العلل في الدواعي والآلات، كان الكمال في نيل المراد. وقوله انأطر في معنى انعطف وتثنى. يقال أطرته فانأطر، ومنه إطار الباب والمنخل. وقوله ولا عثرت منا الجدود العواثر، مثل قول الآخر:
ولا ترى الضب بها ينجحر
لأنه لم يثبت لأنفسهم جدوداً من شأنها أن تزل وتعثر ثم نفى ذلك عنها في ذلك اليوم، بل أراد أنهم لا جدود لهم بهذه الصفة، كما أن الشاعر الآخر أراد لا ضب فينجحر. ومعنى الكلام: كان الغلب لنا وتعثرت جدود غيرنا.
стр. 406
وقال الأخرم السنبسي
ألا إن قرطاً على آلةٍ ... ألا إنني كيده ما أكيد
يقال: فلانٌ لي على حالةٍ وعلى آلةٍ، إذا تنكر وتغير عما كان يعهد عليه من قبل. وهذا يجري مجرى الكنايات. ويقال أيضاً: حصل فلانٌ لنا على لونٍ، يراد على لونٍ مذمومٍ. فيقول: إن هذا الرجل تحول عما كان يجري عليه معي، إلى أمرٍ أنكره ولا أعرفه، ألا إنني أكيد كيده، أي أقابل كيده لي بكيدٍ مثله. وما زائدةٌ، وتلخيصه: أكيده كيداً يماثل كيده لي. وهذا كما يقال ضربه ضرب غريبة الإبل. والمعنى: أقتدي به فيما تنطوي لي عليه ويعاملني به، لا أبتدئه بمساءةٍ، ولا أعاجله بمكرٍ وخيانةٍ، بل أقلده البغي، وأنتظر من جهته الحؤول والنكث، ثم أجازيه كيل الصاع بالصاع.
بعيد الولاء بعيد المحل من ينأ عنك فذاك السعيد
يذم قرطاً فيقول: هو بعيد النصرة والموالاة، أي بطيئها، بعيد الدار والمسكن؛ يعني تنائيها. ثم قال: من بعد عنك فقد سعد جده. نقل الكلام عن الإخبار إلى الخطاب على عادتهم في افتنانهم، وكأنه التفت إليه يريه الزهادة في مجاورته، والاستغناء عن معونته، واكتفاءهم بأنفسهم دونه، فقال ذلك بعد ما أخذ في وصفه.
وعز المحل لنا بائنٌ ... بناه الإله ومجدٌ تليد
الهاء من قوله بناه الإله يجوز أن يكون للعز، ويجوز أن يكون للمحل. فإذا جعلته للعز فالأجود أن ينعطف مجدٌ على الإله، كأن العز حصل للمحل بالله تعالى وبمجد الآباء. وإذا جعلته للمحل يجوز أن يرتفع ومجدٌ بالابتداء، ويكون الكلام منعطفاً والخبر محذوفاً، كأنه قال: ولنا مجدٌ تليدٌ. وبناه الإله في موضع الحال للمحل، والأجود أن يضمر معه قد. وإنما يفتخر بأن بلادهم حصينةٌ، وديارهم عزيزةٌ. وذلك أن بلاد طيئ يكتنفها جبلاهم أجأ وسلمى، فلا تستطرفهم الغارات، ولا تهجم عليهم سوابق الفلتات والنزوات. فيقول: عزنا في دارنا ظاهرٌ للناس غير خافٍ، آثرنا الله تعالى به، ولنا مجدٌ متوارثٌ. وأصل المجد الكثرة. والتالد والتليد: القديم.
стр. 407
ومأثرة المجد كانت لنا ... وأورثناها أبونا لبيد
مأثرةٌ: مفعلةٌ من أثرت الحديث، إذا رفعته ونسبته. يريد: أن بالعز اجتمع لهم مكتسباً وموروثاً، وتالداً وطريفاً، ومخولاً من عند الله تعالى تخويلاً، فلهم بذلك صيتٌ في الناس يؤثر، وذكرٌ على مر الأيام يخلد، وثناءٌ يتصل ولا ينقطع، وسناءٌ يستمر ولا يقف، كما كان لأبيهم لبيد.
لنا باحةٌ ضبسٌ نابها ... يهون على حامييها الوعيد
الباحة: الساحة. والضبس: الشديد. ويقال هو ضبسٌ شرسٌ، في الحريص الشديد. والناب: سيد القوم. وأراد بالحاميين جبلي طيئٍ، والضمير منها يعود إلى الساحة. ويجوز أن يريد بالناب واحد الأنياب، وجعله مثلاً للشدة. وذكر الباحة والمراد أهلها، كما قال الآخر:
وإن مقرمٌ منا ذرا حد نابه ... تخمط فينا ناب آخر مقرم
يقول: لنا ساحة دارٍ رئيسها والمدافع عنها شكس الخلق، شديد الإباء على الأعداء، يهون وعيد المتوعدين على النازلين في جوانب جبليها، المانعين منها. وقوله على حامييها حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
بها قضبٌ هندوانيةٌ ... وعيصٌ تزاءر فيه الأسود
ثمانون ألفاً ولم أحصهم ... وقد بلغت رجمها أو تزيد
نبه بهذا الكلام على أن ديارهم تحوى العدد والعدة، فرجالهم أسودٌ في مأسدتها تزئر فيها، وسلاحهم الهندوانية يستعملونها. والعيص: الأصل الكريم، ومنابت كرائم الأشجار الملتفة، ومنه قولهم أعياص قريشٍ لكرامهم وقوله ثمانون ألفاً هو تبيين كمية ما أشار إليه، وتفصيل ثروتهم بعد الإجمال، فقال: هو ثمانون ألفاً، ولست أقول هذا عن إحصاءٍ وعدٍ، أو ضبطٍ بعد حصرٍ، لكنه رجمٌ مني وحدسٌ، فهم يبلغونه أو يزيدون عليه. وتحقيق قوله لم أحصها، لم أضبط كثرتها. والحصاة
стр. 408
تستعمل في الكثرة والعقل. وقوله وقد بلغت رجمها، أي رجمي لها، أضيف المصدر إلى المفعول.
وقال عبد الرحمن المعني
قد قارعت معنٌ قراعاً صلبا
قراع قومٍ يحسنون الضربا
ترى مع الروع الغلام الشطبا
إذا أحس وجعاً أو كربا
دنا فما يزداد إلا قربا
تمرس الجرباء لاقت جربا
أصل القرع الضرب على الشيء الصلب. ومعنٌ: قبيلة. يريد أنها ضاربت أعداءها ضرباً شديداً، ودافعتهم دفاعاً مرضياً، ضراب قومٍ لهم نيقةٌ حسنةٌ في القتال، وأخذةٌ عجيبةٌ في اللقاء، يهتدون للغلاب والاعتلاء أحسن اهتداء، ويتأتون للقراع من أقرب غايةٍ وإلى أبعد انتهاء؛ ترى عند اهتياج الفزع الغلام التام القامة منهم، القليل اللحم، المطاول عند مبارزة الخصم متى أدرك وجعاً، أو أحس شدةً وضيقاً، يقدم ولا يحجم، بل يزداد على حد الجذاب مصادمة، وعلى طول المراس مكافحةً ومكافةً، فيحتك بالأبطال في المواقف احتكاك الإبل الجربى في المعاطن.
قوله ترى مع الورع أي عند حصول الروع لا يتأخر عنه، فهو معه يقوم بقيامه، ويهتاج باهتياجه.
وقوله إذا أحس ظرفٌ لقوله دنا. وانتصب تحكك على أنه مصدرٌ من فعلٍ دل عليه قوله فما يزداد إلا قربا.
وقوله لاقت جربى يجوز أن يكون جمع أجرب وجربٍ كأحمق وحمقٍ وحمقى. ويجوز أن يكون مقصوراً من جرباء، والشاعر أن يقصر الممدود. أي تحكك الجرباء لاقت جرباء مثلها. ويجوز أن يروى جربا بضم الجيم، فيكون كأسود وسودٍ، وأقلف وقلف.
стр. 409
وقال عبيد بن ماوية
ألا حي ليلى وأطلالها ... ورملة ريا وأجبالها
يخاطب نفسه مظهراً للتجلد، ومتبجحاً بأن الشدائد لا تنسيه الأحبة ولا تعتاقه عن التسليم عليها، والوقوف على منازلها ومساءلتها، وأنه متى مني بها أهمه أمرها أشد مما كان قبل، ولم يله عنها؛ فيقول: سلم على هذه المرأة وعلى ديارها، وعلى رمال ريا والجبال المحيطة بها، وإن طرفك من الحوادث ما يشغل عن مثله.
وأنعم بما أرسلت بالها ... ونال التحية من نالها
قوله بما أرسلت أي بدلاً مما أرسلت. وما مع الفعل من تقدير مصدر، يعني بإرسالها. وتقول العرب: هذا بذاك، أي عوضٌ منه، وهذا لك من ذاك في معناه. وعلى هذا قول الشاعر.
ليت لنا من ماء زمزم شربةً ... مبردةً باتت على الطهيان
أي عوضاً من ماء زمزم. والبال والخلد يستعملان على طريقة واحدة، يقولون: وقع في خلدي كذا، وسقط على بالي وخطر ببالي. والمعنى: قل أنعم الله بالها، جواباً لتحيتها، وجزاءً على مراسلتها. وقوله ونال التحية من نالها يحتمل وجهين. يجوز أن يكون المعنى: وأصاب الملك من أصاب هذه المرأة. وهذا الكلام تفخيمٌ لشأن المرأة وتعظيم لخطبها. ويقال نلت كذا أنال نيلاً. والتحية: الملك، ومنه التحيات لله. وقيل في قول الشاعر:
ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية
إنه أراد به تحية الملك، وهو قولهم في مخاطبته: أبيت اللعن، والمعنى معنًى واحدٌ. ويجوز أن يكون نال بمعنى أنال. قال أبو زيد: يقال نلته أنوله نولاً ونوالاً، أي أعطيته. وعلى هذا يكون الكلام دعاءً. والمعنى: أنال الله التحية من أنال هذه
стр. 410
المرأة تحيتي. كأنه يدعو نفسها إلى إهداء التحية إليها على بعدها. وفي الوجه الأول يجوز أن تكون المرأة قريبةً.
فإني لذو مرةٍ مرةٍ ... إذا ركبت حالةٌ حالها
المرة: القوة والقتل، ومنه قولهم: استمرت مريرته، واستمر عذاره، في الإباء والتمنع. ولم يرض بأن جعل لنفسه مرةً حتى وصفها بأنها مرةٌ، يعني في فيم ذائقها، وعند تجربة مزاولها. وهذا التجنيس حسن المورد. والضمير من قوله حالها يعود إلى الحالة، كأنه أضافه إليها لما كانت تليها، وجعلها مركوبها. فيقول: افعل ذلك واصرف همك إليها، وإلى الدعاء لها، وطلب السقيا لديارها، ولا تبال بما يعن ويعرض من مزاحمة عدوٍ، أو مراغمة حسودٍ، فإني لذو قوة لا تستحليها الفرق المنابذة، إذا تراكمت الأمور، وتراكبت الأحوال والوجوه، فخفيت مواردها ومصدرها، والتبست فصولها ووصولها.
أقدم بالزجر قبل الوعيد ... لتنهى القبائل جهالها
يجوز أن يكون أقدم بمعنى أتقدم، ويكون الباء من بالزجر في موضعه. ومثله نبه بمعنى تنبه، ووجه بمعنى توجه، ونكب بمعنى تنكب. ويجوز أن يكون قدم ضد أخر، ووجب أن يقول: أقدم للزجر، فجعل الباء زائدةً للتأكيد، كما جاء في قوله: " تنبت بالدهن وصبغٍ للآكلين " لذلك. ومثله قول الشاعر:
سود المحاجر لا يقرأن بالسور
ومعنى البيت: أزجر المتعرض لي قبل أن أتوعده، وأعظه بالنهي والتحذير قبل تخشين الجانب له، لكي ينهى حكماء القبائل سفهاءها، وليكون مني تدرج في مؤاخذتهم؛ فابتدئ بالزجر، ثم أرتقي إلى الوعيد، ثم إلى الإيقاع.
وقافيةٍ مثل حد السنان ... تبقى ويذهب من قالها
تجودت في مجلسٍ واحدٍ ... قراها وتسعين أمثالها
стр. 411
القافية: آخر البيت المشتمل على ما يجب على الشاعر مراعاته وإعادته في كل بيتٍ، سمى بذلك لأنه يقفو ما قبله. وهم يسمون البيت بأسره قافية، لاشتماله على القافية، والقصيدة بأبياتها قافية، لاشتمالها على الأبيات المقفاة. وهذا توسعٌ منهم، كما يسمون القصيدة كلمةً؛ والحقيقة ما قدمته. والأولى بهذا الشاعر عندي أن يريد بالقافية البيت، لأن نظم تسعين بيتاُ غير مستنكر في العرف والعادة من المقتدرين، المجيدين المفلقين، ذوي البدائة العجيبة، والخواطر السريعة، ولو أراد القصيدة لبعد عن المعتاد. فيقول: رب قافيةٍ تنفذ نفاذ السنان، وترويه لجودتها الواة فلا تخلق على مر الأيام، ولا تبليه السنون والأعوام، بل تبقى مع الليل والنهار بقاء الظلم والأنوار، وإن درج قارضها، ومضى منشئها، أنا تجودتها في مجلسٍ واحدٍ مع تسعين من نظائرها. يريد أنه لسان قومه، ومدره عشيرته. ومعنى تجودت: اخترت عند الجمع جيدها. وهذا كما يقال: تنقيت الشيء وتخيرته. وقوله وتسعين أراد مع تسعين، فيكون انتصابه على أنه مفعول معه كقوله تعالى: " فأجمعوا أمركم وشركاءكم "، لأن المراد مع شركائكم. ويجوز أن تكون الواو عاطفةً منه، كأنه قال: قراها وقرى تسعين تماثلها. وقرى يجوز أو يكون من قريت الماء في الحوض، ويجوز أن يكون من قروت الأرض إذا تتبعته. ويجوز أن يكون القرى ما يطعم الضيف، فاستعاره كما قال: قرى الهم إذا ضاف الزماع كأن القوافي لما تواردت أحسن القيام بها، وجود القرى لها.
وقال ابن رالان السنبسي
لما رأت معشراً قلت حمولتهم ... قالت سعاد أهذا مالكم بجلا
الحمولة: الإبل التي يحمل عليها. والحمولة بالضم: الأحمال، يقول: حين رأت هذه المرأة فقرنا وقلة إبلنا قالت منكرةً ومتعجبةً: أهذا مالكم فحسب. و " بجلا " في موضع الحال، والمعنى أهذا مالكم مكتفًى به. والأصل في بجل البناء على السكون، ودعت الضرورة إلى تحريكه فحركه بالفتح، وكان الواجب إذا حرك الكسر
стр. 412
فيه. ومثله قول الآخر:
ونعم إن قلتم نعما
لأن نعم أيضاً مبنيٌ على السكون فحرك آخره للضرورة بالفتح كما ترى. وقد يضاف بجل لكونه اسماً كما يضاف قد إذا كان بمعنى حسب. قال:
بجلى الآن من العش بجل
وفي قد جاء:
قدني من نصر الخبيبين قدى
والمال عندهم الإبل، ولهذا يطلقون فيقولون: المال في الرعي، لاشتهار لفظة المال عندهم بها.
إما ترى مالنا أضحى به خللٌ ... فقد يكون قديماً يرتق الخللا
الخلل الأول النقص، والخلل الثاني الفرجة بين الشيئين حتى يصح الرتق معه. وفي الكلام اختصارٌ، لأن المعنى أجبناها بأن قلنا: إن كنت ترين اختلال حالنا وانتقاص مالنا، وظهور الفاقة والفقر على صفحات ظواهرنا، فقديماً كان يسد الخل بمالنا، وترتق الفتوق بها، وترد عادية الشر بتفريقها. وقوله فقد يكون جعل اللفظ مستقبلاً وإن أراد المضي، لاستمرار الحال على طريقةٍ واحدة؛ وقد مضى مثله. ويجوز أن يكون حكى الحال، كقوله تعالى: " وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد ".
قد يعلم القوم أنا يوم نجدتهم ... لا نتقي بالكمى الحارد الأسلا
قوله قد يعلم القوم الكلام في استعمال لفظ المستقبل هو على ما قدمناه في قوله فقد يكون قديما من البيت الذي قبله. فيقول: قد اشتهر من شأننا يوم البأس والشدة، ووقت احتماء الوطيس والتهاب النائرة، أنا لا نحجم فنتقي رماح الأعداء
стр. 413
بالشجعان، ولكن غيرنا يتقي بنا فنتقدم إذا تأخر، ونستبسل إذا تحرز. والحارد: المجتمع الخلق الشديد المهيب، الذي يحسب من عزه غضبان.
ولكن ترى رجلاً في إثره رجلٌ ... قد غادرا رجلاً بالقاع منجدلاً
هذا تصويرٌ لما أثبت من أفعالهم في الإقدام، لما نفي عن أنفسهم الإحجام، فيقول مخاطباً واحداً من الناس: لكنا نتهافت ونتتابع حرصاً على القتال، حتى ترانا من بين طاردٍ وقاتل، وكارٍ وفارٍ، وطالبٍ ومطلوبٍ، وقد تركا صريعاً ساقطاً على الأرض، كأن أحجهما صرع قتيلاً والآخر يتبعه لينال منه. ويجوز أن يكون معنى قد غادرا قد غادر كل واحد منهم رجلاً مصروعاً، كما يقال: كسانا الأمير حلةً، والمعنى كسا كل واحدٍ منا. وكقول الله تعالى: " فاجلدوهم ثمانين جلدةً ". وفي هذه الطريقة قول الآخر:
وهل غمرات الموت إلا نزالك الكمى ... على لحم الكمى المقطر
والقاع: المستوى من الأرض. والمنجدل: المصروع. والجدالة: الأرض، كأن معنى جدلته: أصبت الجدالة به.
وقال قبيصة بن النصراني الجرمي
لم أر خيلاً مثلها يوم أدركت ... بني شمجى خلف اللهيم على ظهر
أراد بالخيل الفرسان لا الأفراس، كما روى: " يا خيل الله اركبي ". وقوله على ظهر في موضع الصفة لقوله خيلاً، كأنه قال لم أر فرساناً تماثلها على ظهرٍ يوم أدركت هذه القبيلة خلف هذا الجبل. وقوله على ظهر يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المعنى لم أر خيلاً على ظهر الأرض، كما جاء في التنزيل: " ما ترك على ظهرها من دابةٍ ". والثاني أن يكون المعنى: لم أر خيلاً على ظهور الدواب، لكنه قصد الجنس فوحد كما يقال هو يرتبط كذا رأساً من الدواب، وكذا ظهراً منها. وذكر بعضهم أن ظهراً اسم ماءٍ، كأنه قال خلف هذا الجبل على هذا الماء. وهذا إذا ثبت سيلم للسماع. وذكر بعض أصحاب المعاني أن قوله على ظهر يجوز أن يكون في موضع الحال للمضمر في أدركت، أي يوم أدركتهم قاهرةً لهم،
стр. 414
وعلى قهرٍ وغلبةٍ فيهم؛ من قولك ظهرت على فلانٍ ظهوراً وظهراً. وفي القرآن: " ليظهره على الدين كله ".
أبر بأيمانٍ وأجرأ مقدماً ... وأنقض منا للذي كان من وتر
ولما أراد بالخيل أصحابه وفرسان جيشه ساغ أن يقول وأنقض منا. ويشبه هذا ما يحي. من صلة الذي في مثل قوله:
أنا الذي سمتن أمي حيدرة
فقال سمتن والوجه سمته. وباب الصلات والصفات تتداخل وتتشابه. فيقول: لم أر أوفى بالنذور والأقسام إذا عقدناها والتزمناها، وأجرأ إقداماً وثباتاً في وجوه الأعداء إذا ناصبناها وكاشفناها، وأسعى في نقض الأوتار وإدراك الذحول بعد إبرامها وتعقدها منا. ونقض الوتر هو حل عقده باشتفاء النفس من الواتر الذي يبرمه. وكان الشريف الأنف منهم إذا أصيب ووتر ينذر أنه لا يشرب خمراً ولا يقرب امرأةً، ولا يغسل رأساً، وما يجري هذا المجرى مما يكرث النفس إذا أخلت به، حتى ينال الوتر. لهذا قال امرؤ القيس بعد تأثيره في بني أسدٍ ونيله منى النفس فيهم:
حلت لي الخمر وكنت امرأً ... عن شربها في شغلٍ شاغل
فاليوم أسقى غير مستحقبٍ ... إثماً من الله ولا واغل
فأما قول الأعشى:
فأظعنت وترك في دارهم ... ووترك من قبلهم لم يقم
فهو في طريقة قوله نقضت الوتر منه.
عشية قطعنا قرائن بيننا ... بأسيافنا والشاهدون بنو بدر
أضاف القرائن إلى بيننا لأنه جعله اسماً ونقله من باب الظروف. وعلى هذا قراءة من قرأ: " لقد تقطع بينكم " بالرفع، والمعنى وصلكم. ولك أن تروى قرائن بيننا فلا تضيف وتترك بيننا في بابه ظرفاً، كما قد قرئ: " لقد تقطع بينكم " بالنصب. ويعني بالقرائن الأرحام والأواصر.
стр. 415
وانتصب عشية على أنه بدلٌ من قوله يوم أدركت بني شمجى فيقول: لم أر خيلاً تماثلها عشية أرسلنا دوابنا على أعدائنا، وأوقعنا أنفسنا عليهم، فقطعنا باستعمال السيوف الوصل الجامعة لنا، والأسباب الناظمة لشتاتنا، وبنو بدر حاضرون لنا، ومتوسطون لما نثيره بيننا، والمشاهدون لبلائنا، والمصدقون لما ندعيه من فعلنا.
فأصبحت قد حلت يميني وأدركت ... بنو ثعلٍ تبلى وراجعني شعري
يقول: أتى على الصباح ثاني ذلك اليوم، وقد حل نذري، وأدرك قومي ذحلي، وانطلق بالفخر لساني، فصرت خفيف الظهر بعد أن كنت مثقلاً بعبء الوتر، وكان الشعر هاجرني وفارقني مدة السعي في نيل المطلوب من إمكان فرصةٍ أنتهرها، ثم راجعني. وهذا ضد قول الآخر:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت
وقال أدهم بن أبي الزعراء
قد صبح معنٌ بجمعٍ ذي لجب
قيساً وعبدانهم بالمنتهب
وأسداً بغارةٍ ذات حدب
رجراجةٍ لم تك مما يؤتشب
إلا صميماً عرباً إلى عرب
تبكي عواليهم إذا لم تختضب
من ثغر اللبات يوماً والحجب
يروى: الألباب.
قوله قد صبحت معنٌ بجمعٍ، الجمع: المجتمعون: والجماع: المتفرقون. ومعنى صبحت، أي أتت قيساً صباحاً بكتيبةٍ لها جلبةٌ وصوتٌ، لكثرتها. والعبدان بكسر أوله ويضم، وهو جمع عبدٍ، يقال عبدٌ وأعبدٌ وعبيدٌ وعبادٌ وعبدي ومعبوداء،
стр. 416
وعبدٌ، فعبدانٌ جمع عبيدٍ. والمنتهب، قيل هو اسم مكانٍ، ويجوز أن يكون المراد به الإنتهاب أو موضع الإنتهاب. ومعنى البيت أغارت هذه القبيلة وقصدت بجيش عظيمٍ، بني قيسٍ وعبيدهم بهذا الموضع. ويعنى بالعبيد الرعاة والعسفاء الذين يكونون مع الإبل. كأنهم في أحويتهم، وفي موضعٍ كانت أموالهم حاضرةً، غير عازبة ولا غائبةٍ.
وقوله وأسداً بغارة، يقول: وصبحت أسداً بخيلٍ ذات اعتلاء وموجان، تتدافع في سيرها ولا تستقيم، لكثرتها، ولم يكونوا أشاباتٍ وفرقاً جمعت من شيء إلى شيء. وقوله ذات حدب يجوز أن يكون مصدر الأحدب، ويكون وصف الغارة بالحدب كما قيل آلةٌ حدباء، وعزةٌ قعساء، كأنه ينبو ظهرها عمن يريد ركوبها واقتسارها. ويجوز أن يراد به الارتفاع والكثرة. وقال الخليل: الحدب حدورٌ في صببٍ، يعني العقبة. قال: ومعه حدب الريح وحدب الرمل. وفي القرآن: " وهم من كل حدبٍ ينسلون ". فأما قوله بغارةٍ فالعرب تسمى الخيل غارةً لأنها من قبلها تكون، وهذا من باب تسمية الشيء بما يكون من سببه. والغار بلا هاء يستعمل في الجمع الكثير، وفي الحديث: " ما ظنك برجلٍ جمع بين هذين الغارين ".
وقوله: رجراجةٍ يقال كتببةٌ رجراجةٌ، أي تضطرب وتموج من كثرتها. وامرأةٌ رجراجةٌ، أي تترجرج من بدنها ونعمتها. وقوله مما يؤتشب يقال أشبته وائتشبته، أي جمعته من وجوهٍ مختلفة لا خير فيها. وأصل الأشب الالتفاف. ويقال غيضةٌ أشبةٌ. وتوسعوا فيه فقالوا: عند فلانٍ أشابةٌ من المال، أي مما كسبه من الحرام وما لا خير فيه.
وقوله إلا صميماً، يقال هو من صميم قومه، إذا كان من خالصتهم ومحض أصلهم؛ ومنه قولهم: صميم الأس والساق، للعظم الذي به قوام العضو، وتوسعوا فقالوا: جاء في صميم الصيف أو الشتاء. وانتصب صميماً على أنه استثناءٌ خارجٌ. وجعل قوله عرباً إلى عرب بدلاً منه. ومعنى إلى عرب: مع عرب، كما يقولون: هذا إلى ذاك.
стр. 417
وقوله تبكي عواليهم إذا لم تختضب فعالية الرمح وغيره أعلاه، وقيل العالية القناة المستقيمة. وقوله إذا لم تختضب يقال خضب الرجل شعره، واختضب. ولا يذكر الشعر معه، وقد يكون اختضب في مطاوعة خضب. ومعنى البيت: لكنهم كانوا خلصاً عرباً مع عربٍ، عودوا رماحهم أن تسقى دماء الصدور والقلوب، فإذا انقطع شربها عنها تبكي تحسراً عليه، ووجداً به. وهذا مثل.
ويعنى بثغر اللبات: هزمات التراقي وحجب الأفئدة. ويقال لببٌ ولبةٌ، ولذلك روى: من ثغرٍ الألباب واللبات. والمعنى أنهم بصراء بالطعن فلا يصيبون إلا المقتل.
وقال برج بن مسهرٍ الطائي
إلى الله أشكو من خليلٍ أوده ... ثلاث خلالٍ كلها لي غائض
جعل شكواه إلى الله ، ليأسه من معونة المخلوقين فيما يتألم منه ويتضجر به. يقول: أشكو ثلاث خلالٍ من صديقٍ لي أميل إليه، وأخلص الواد له، وكل واحدة من تلك الخلال يهزلني وينقص من لحمي، ويكسر من نشاطي. ويقال غاض الماء وغضته أنا، وفي القرآن: " وغيض الماء " فهي من باب فعلت الشيء ففعل. قال الشاعر:
فلا راكدٌ يجري ولا هو غائض
فمنهن ألا تجمع الدهر تلعةٌ ... بيوتاً لنا يا تلع سيلك غامض
يجوز أن يروى تجمع بالنصب والرفع، فإذا نصبت فلأن أن قبله هي الناصية للفعل، وإذا رفع فأن تكون مخففةً من الثقيلة، أراد أنه لا تجمع، والهاء ضمير الأمر والشأن. ومثله في القرآن: " أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً "، قرئ يرجع بالرفع والنصب، حملاً على الوجهين المذكورين. والتلعة: أرضٌ مرتفعةٌ يتردد فيها السيل إلى بطن الوادي. ويقال: فلانٌ لا يوثق بسيل تلعته، إذا كان غير صدوقٍ في أخباره. وباب التعل كله يدور على الإشراف والارتفاع. وقوله " يا تلع سيلك غامض " يسمى نقاد الكلام مثله التفاتاً، فهو مثل قول جرير فيما حكى عن الأصمعي:
متى كان الخيام بذي طلوحٍ ... سقيت الغيث أيتها الخيام
стр. 418
وصلح ترخيم تلعةٍ وإن كان نكرة، لأنه قصد بها في النداء إلى واحدة بعينها. ومعنى البيت: من تلك الخلال التي أتألم منها أني وإياه لا نجمع طول الدهر في مكانٍ، ولا يحوى بيوتنا تلعةٌ من التلاع. ثم التفت مظهراً التضجر، ومبدياً، التوجع إلى التلعة. ثم التفت مظهراً التضجر، ومبدياً، التوجع إلى التلعة، فقال: لا جرى فيك سيلٌ، ولا ظهر بك خصبٌ، ولا سقي لك عهدٌ. وهذا كأنه للموضع الذي لا يتفق له مع صديقه المذكور فيه التقاءٌ على قربه وجواز كون ذلك فيه ذنباً، فأقبل يدعو عليه تضخراً به. ومن عادة الناس النظر في الديار وما يسنح فيها من اجتماع الأحبة أو افتراقهم، وانتظام شملهم فيها أو انبتاته. وقد ورد الخبر بمثل ذلك أيضاً.
ومنهن ألا أستطيع كلامه ... ولا وده حتى يزول عوارض
يجوز أن يروى أستطيع بالرفع والنصب على ما تقدم في البيت قبله. وقوله " ولا وده " إن قيل كيف قال لا أستطيع وده، وقد قال في البيت الأول من خليلٍ أوده، فأثبت الود؟ قلت: إنما يعني لا أستطيع مقتضى وده وموجبه، فحذف المضاف. وقوله حتى يزول عوارض، معناه حتى كان ما لا يكون. والمراد بالبيت: ومن تلك الخلال ما عرض بيني وبينه من إعراضٍ متصل وهجرٍ دائم، فلا أقدر على مفاوضته فيما يعن من خيرٍ وشر، ولا أطيق مباثته ما ينتقل فيه من محبوبٍ أو مكروهٍ، ولا أستطيع موادته ومخالصته بحسب الأحوال المتشابكة بيننا، ما ثبت عوارضٌ وهو جبلٌ ودام للدهر متصلٌ.
ومنهن ألا يجمع الغزو بيننا ... وفي الغزو ما يلقى العدو المباغض
وجه جواز الرفع في يجمع والنصب على ما تقدم. وقد رتب الشاعر في هذه الأبيات مسببات المودة ونتائجها، وما يوجبه غراس المقة وآثارها، أحسن ترتيب، فابتدأ عند ذكر انتفائها وامتناعها بتعذر الاجتماع بالأبدان في المجالس والمحال، لأنه الأول والأصل في انعقاد الوداد، ثم أتبعه بما يصحب الاجتماع للتألف، حتى لا ينفك منه من التوانس والتساؤل، والمخالقة والإلطاف، لأنه تلو الأول وثانيه. ثم أردف المقدمتين بنتيجتهما من التعاون والتساعد، والاهتمام والشفقة عند ما يحدث ويتجدد من صغيرٍ وكبيرٍ، ومردودٍ ومقبولٍ، فيقول: ومن تلك الأحوال أن التشارك في جوالب الدهر بيننا رفض، والتألب على الأعداء من مقاصدنا سقط، فلا يؤلف بيننا مراعاة عزٍ، ولا عمارة ودٍ، ولا ينظم نوانا اجتذاب محمدةٍ، ولا دفاع مظلمةٍ. ثم
стр. 419
قال: وفي الغزو ما يلقى العدو ما صلةٌ، والمعنى: وفي العز يحتاج إلى الصديق المخالص، إذ كان إنما يلقى فيه العدو المباغض. فهذا وجهٌ. ويجوز أن يكون المعنى: وفي الغزو قد يلقى العدو المباغض فكيف الصديق المواد. والأول أشبه وأجود.
ويترك ذا البأو الشديد كأنه ... من الذل والبغضاء شهباء ماخض
أخذ يبين مساس الحاجة في الغزو إلى ائتلاف الأوداء، وتعاون الأشداء، فيقول: وإذ كان الغزو يترك المتكبر الذاهب بنفسه مذاهب ذوي الجبرية والعز، وكأنه مما لزمه من الذل والبغض للخلاف والحرب، وتناسى الاعتلاء والقهر، ناقةٌ شهباء أثر وجع الولادة فيها فضعفت وسقطت. وإنما خص الشهباء بالذكر لأنها أنعم الإبل وأرقها، وأقلها صبراً وأضعفها.
والمخاض: وجع الولادة، ويستعمل في أنواع الحيوان. والطلق لا يكون إلا في النساء.
فسائل هداك الله أي بني أبٍ ... من الناس يسعى سعيناً ويقارض
أخذ يستعطف الصديق الذي شكاه، ويستميل بقلبه، فقال: سل أرشدك الله للخير وصلة الرحم، وعدل بك عن سبل الضلال والقطيعة: أي قومٍ من الناس يسعى في منع قوى التشابك من الانبتات، وصون عرى التواصل عن الانفصام، سعينا؛ أو يقارض ذوي القربات، وإخوان الوداد والمصافاة، في حالتي السراء والضراء، مقارضدنا؛ ثم توفر علينا بمثل ما يقتضيه الخبرة والمعرفة، وعلى ما يبعث عليه البحث والمساءلة.
نقارضك الأموال والود بيننا ... كأن القلوب راضها لك رائض
في الكلام إلمامٌ بالعتب، وإظهارٌ للاستجفاء؛ لأنه أخذ يبين تمام ميلهم إله، وحسن احتمالهم منه، وأنهم على جفائه لا يمنعونه مالاً، ولا يمذقون له وداً، وكأن قلوبهم جبلت على حبه، وأشربت مودته، فمتى رامت سلوةً أو نبواً أديرت إلى عادته الأولى، وعطفت على محبته القدمى.
كفى بالقبور صارماً لو رعيته ... ولكن ما أعلنت بادٍ وخافض
قوله بالقبور في موضع الرفع على أن يكون فاعل كفى، وانتصب صارماً على الحال أو التمييز. ولما كان القصد بذكر القبور إلى ما يؤدي إليها، وهو الأجل
стр. 420
المضروب، صلح أن يقول صارماً لو رعيته. ويقال رعيت النجوم وراعيتها، إذا راقبتها. وقوله وخافض أراد به منخفضٌ لكنه أخرجه مخرج النسبة كأنه قال وذو خفضٍ. يقول: لو انتظرت الموت، وصبرت على المجاملة مدة العيش، لكان يكفيك عند حصوله ما تعجلته من الصرم، ولكن ما أظهرته من البغض تمكن من نفسك وقلبك، واستولى على فعلك وقولك فلم تملك معه صبراً، ولم تطق بما يجمعنا رفقاً، فهو باطنٌ ظاهرٌ، مسرٌ معلنٌ. وإنما قال هذا لأن الإنسان قد يظهر خلاف ما ينطوي عليه أو دونه، ما دام يملك زمام تجمله وتستره، وصار الغلبة لعقله وإرادته. فإذا كان ما ينبع منه عن معينٍ في القلب كنينٍ، وعريقٍ مكين، قد امتلك النفس وغلب المسكة والصبر، فذلك النهاية لا يقدر على ستره، ولا يهتدي إلى دفعه. وفي القرآن ما فيه هذا المعنى قوله تعالى: " قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ".
وقال قبيصة بن النصراني
ألم تر أن الورد عرد صدره ... وحاد عن الدعوى وضوء البوارق
التعريد: ترك القصد وسرعة الانهزام. والمراد بالدعوى قول الكماة من يبارز! وخذها وأنا فلانٌ! وأنا الذي من شأنه كذا! وأشباهه. والبوارق، جمع بارقةٍ: السيوف وسائر الأسلحة.
وقائل هذه الأبيات يعتذر من إحجامٍ اتفق، وتأخرٍ عن الزحف ظهر للناس من فعله، فأخذ يورك بالذنب على فرسه، وإن نفرته كانت السبب في نكوصه، فقال على طريق التلهف والتوجع: أما تعلم أن فرسي الورد انحرف عن القصد صدره، وتولى إلى غير الوجهة التي أريدها وجهه، لنفوره عن تداعي الأبطال، ونكوله عن لمعان السيوف والرماح.
وأخرجني من فتيةٍ لم أرد لهم ... فراقاً وهم في مأزقٍ متضايق
قوله وأخرجني معطوفٌ على ما اعتل به من نفور الفرس، ومعدودٌ فيما أمله من جنايته عليه. والواو من قوله وهم في مأزق واو الحال، والأزق: الضيق في
стр. 421
الحرب، ومأزقٌ مفعلٌ منه. وقال متضايق لأن ضيق المكر في المعارك يحصل شيئاً بعد شيءٍ. فيقول: فرق بيني وبين فتيان أحببت الكون معهم، وأوجبت على نفسي ممالأتهم ومساعدتهم، في وقتٍ كنت خليقاً بالثبات معهم، وإظهار البلاء في نصرتهم، وكانوا مدفوعين منه إلى ضنك مجالٍ مثلي يستدعى له، ويستنهض للإعانة فيه.
وعض على فأس اللجام وعزني ... على أمره إذ رد أهل الحقائق
هذا بيان جماح فرسه وتأبيه عليه، فيقول: ركب رأسه وغلبني على أمره، فلما كر أهل الحقائق لم أقدر على الكر معهم، ولا ملكت رد فرسي مع ردهم. وأهل الحقائق هم الذين يبلغون فيما يلونه ما يحق ويجب. ويقال حققت العقدة، إذا شددتها.
فقلت له لما بلوت بلاءه ... وأبى بمتعٍ من خليلٍ مفارق
يروى: وأبنا تمتع. وله، الضمير للفرس. كأنه كان يخاطبه متحسراً ويباثه متلهفاً، ويقول بعد أن مني منه بما مني، وابتلى من نفرته وركوب رأسه بما ابتلي: من أين لي الاستمتاع من خليل فارقته، وكيف أساعده وأتحمل عنه ثقلاً وقد باعدت بيني وبينه. فقوله وأني بمتعٍ في موضع المفعول لقلت. ويقال متع بكذا واستمتع، ومتعه الله به وأمتعه. ومن روى: وأبنا تمتع يدخل وأبنا في جملة ما اتصل بلما، ويكون المعنى: ولما بلوت بلاءه وأكرهني على مراده، فانصرفنا من مقصدنا، قلت له مقرعاً ومتوجعاً: الآن تمتع من أجلٍ خليل بعدت بيني وبينه. كأن تفجعه امتد أولاً وآخراً، وقبل الأوبة وبعدها وجواب لما في الوجهين قوله فقلت بما اتصل به.
أحدث من لاقيت يوماً بلاءه ... وهم يحسبون أنني غير صادق
يقال حدثته كذا وبكذا، فيحمل على خبرته كذا وبكذا، ونبأته كذا وبكذا. قال الهذلي:
ولكن خبروا قومي بلائي
وقال الآخر:
وأنبأته أن الفرار خزايةٌ
стр. 422
يقول: أبث في الناس قصتي وقصة فرسي، وأخبر كل من لاقيته بجنايته علي وبلائه معي، وهم بحسدهم وسوء رأيهم يوجهون الظنة إلي، ويسلطون التهمة علي، فأنا بين تكذيبٍ وتعييرٍ معهم وفيهم.
وقال أيضاً:
هاجرتي يا ابنة آل سعد
أأن حلبت لقحةً للورد
يروى هاجرتني على الخطاب، والكلام به ظاهر الاستقامة، ويروى هاجرتي، والمعنى أنت هاجرتي. وقال يا ابنة آل سعد يجوز أن يريد يا ابنة سعد فزاد الآل كما يزاد لفظه حي وذو. ومثله قول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:
إن ابن آل ضرار حين أندبه ... زيداً سعى لي سعياً غير مكفور
أراد إن ابن ضرار. وهذا بابٌ واسعٌ مختلفٌ. ويجوز أن يكون جعلها ابنة الآل إعظاماً لها، كما يقال يا ابنة القوم، وقد تقدم القول في الآل وحقيقته. واللقحة: الناقة الحلوب؛ ويوصف به، لا يقال ناقةٌ لقحةٌ، بل يجرى مجرى الأسماء. يقول: صارمتني أيتها المرأة حين آثرت فرسي الورد بلبن لقوحى، فأخرج قوله أأن حلبت مخرج التقريع والتوبيخ، وإن كان لفظه لفظ الاستفهام، لأن المراد به: ألأن حلبت، أي ألهذا الشأن كان منك الهجران لي.
جهلت من عنانه الممتد
ونظرى في عطفه الألد
إذا جياد الخيل جاءت تردى
مملوءةً من غضبٍ وحرد
قوله جهلت من عنانه يجوز على مذهب أبي الحسن الأخفش أن يكون زاد " من " في الواجب، أراد جهلت عنانه، ويكون قوله، ونظرى في موضع النصب عطفاً عليه إن شئت. ومما حكاه من الحجة له القول بعضهم: قد كان من مطرٍ، قد كان من شيء فخل عني. وعلى مذهب سيبويه يكون فيه وجهان: أحدهما أن يكون الكلام محمولاً على المعنى، لأن الجهل نفي العلم، كأنه قال بدل جهلت: ما
стр. 423
علمت وما عرفت. والثاني أن يكون حذف مفعول جهلت كأنه قال جهلت من عنانه الطويل مذلوله من العتق والنجابة، لأن الذي جهلته ذلك، إذ كان امتداد عنقه يدرك مشاهدة. والشاعر أبل يبين عذرها فيما أنكرته وعذر نفسه تفقده فرسه فقال: جهلت ما أعرفه من كرمه ونجابته، وما أتبينه وأستدل عليه من امتداد عنقه ولجاج جانبه، واعتراضه في مشيه، فلذلك استعظمت إيثاري إياه. وذكر العنان والقصد العنق لأن طوله بطولها، واللدد أصله في الخصومة، يقال خصمٌ ألد. وقوله إذا جياد الخيل إذا ظرفٌ لما دل عليه قوله في عطفه الألد. وقوله تردي في موضع الحال، والعامل فيه جاءت. والرديان: ضربٌ من المشي. قوله مملوءةٌ في موضع الحال، والعامل فيه تردى. والحرد: القصد، وفي القرآن: " على حردٍ قادرين "، أي على جدٍ من أمرهم، والمعنى: إذا جاءت الخيل العتاق قد حميت ونشطت فامتلأت غضباً، وصار مشيها ردياناً، كان في عطف هذا لددٌ واعتراضٌ، وفي مشيه اقتسار والتواءٌ. والعطف من كل شيء: جانبه من لدن رأسه إلى وركه. ويقال: ثنى عطفه، إذا أعرض وجفا.
وقال آخر:
لعمر أخيك لا ينفك منا ... أخو ثقةٍ يعاش به متين
قوله لعمر أخيك يجوز أن يريد بأخيك نفسه، كأنه قال لعمري. وجعل نفسه أخاه على طريق الاستعطاف وتلطيف الحال. ويجوز أن يكون المخاطب كان له أخٌ يعز عليه ويقسم بحياته، فاقتدى به في ذلك إعظاماً له وللمقسم به. ولعمر مبتدأٌ وخبره محذوفٌ، كأنه قال لعمر أخيك قسمي أو ما أقسم به. ومعنى لا ينفك: لا يزال. والمتين: كل صلب شديدٍ، والمصدر المتانة، وماتنةً، إذا حاكيته ففعلت مثل ما يفعله من الشدة. يقول: وبقاء أخيك لا يزال منا أخٌ يوثق بوده، ويحسن الظن بنيابته، ويعاش به وفي ظله، جلدٌ قويٌ عزيز.
مفيدٌ مهلكٌ ولزاز خصمٍ ... على الميزان ذو زنةٍ رزين
стр. 424
قوله مفيدٌ مهلكٌ مثل قول الآخر:
مفيدٌ مفيت
ويكون أفاد متعدياً إلى مفعولين، وقد حذفهما، وكذلك مفيتٌ. ويجوز أن يكون أفاد بمعنى استفاد، فيكون معنى مفيدٌ مهلكٌ: كسوب بالغزو منفاقٌ. والأول أصلح في هذا. وقوله لزاز خصمٍ لزازٌ كالسناد والعماد وما أشبههما. واللز أصله اللزوم الثبات. على ذلك قولهم لزاز الباب. ثم توسعوا فقيل هو ملزٌ في الخصومة ولزازٌ؛ وهو ملزز الخلق، أي مجتمعه. يقول: يفيد أولياءه الخير والغنم ويهلك أعداءه، ثم يلز خصمه فلا يفارقه أو يغلبه. وإذا وزن بغيره رجح عله في السبر والاختبار، فإذا استخف ذلك كان هو وقوراً رزيناً. ويقال رزينٌ بين الرزانة، وامرأة رزانٌ.
يزيد نبالةً عن كل شيءٍ ... ونافلةً وبعض القوم دون
نبالةً مصدر نبل. والنافلة: الفضل. ودون، حقيقته القاصر عن الشيء. ويقال هو دونك في الحسب على التوسع، هذا إذا كان زرفاً. ويقال هو دونٌ في الرجال، وما هو بدونٍ، فيجعل اسماًهن والذي في البيت هو على هذا. يقول: ومع اجتماع هذه الخصال فيه سروٌ ونبلٌ، وحميةٌ وعزٌ، فيفضل على كل نبيلٍ، ويعلو على كل ذي شأنٍ نبيهٍ، وبعض القوم ساقطٌ قاصرٌ، متأخرٌ ناقصٌ.
وقال خفاف بن ندبة
أعباس إن الذي بيننا ... أبى أن يجاوزه أربع
المخاطب عباس بن مرداس، ومراد الشعر أن يقول: يا عباس، إن الحرمات الأربع التي تجمعنى وإياك، مننعت أن يتخطاها ما بيننا من الشر، فهو يقف دونها، ويقصر عن تجاوزها. وظاهر الكلام فيه قلبٌ، لأنه جعل الفعل الذي هو المجاوزة للأربع، والأربع هي الآبية من أن يجاوزها ما حدث بينهما. وصلح ذلك لأن المراد
стр. 425
لا يلتبس من الكلام. وعلى هذا قول الآخر:
كما اسلمت وحشيةٌ وهقا
لأن الوهق يسلم الوحشية. ويمكن أن يقال: إذا تعدى أحد الشيئين صاحبه فقد صار الآخر كأنه تعداه، وإذا كان كذلك ساغ لأن يجعل لكل واحد منهما المجاوزة.
علائق من حسبٍ داخلٍ ... مع الإل والنسب الأرفع
وأن ثنية رأس الهجا ... ء بين وبينك لا تطلع
هذا تفسير الخصال الأربع التي أجملها. والعلائق، جمع علاقة، وهو ما يتعلق به من الشيء أو يعلق به الشيء. وقوله من حسبٍ داخل مع الإل، فالحسب: الشرف. والإل: العهد. ومعنى داخلٍ معه، أي مختلطٌ به. والنسب الأرفع يجوز أن يكون يعني به النسب من قبل الأب، لأنه أرفع النسبين، ويجوز أن يعنى النسب الرفع العلي. وقد حصل إلى هذه الغاية من العلائق الثلاثٌ: حسبٌ، ونسبٌ، وعهدٌ بينهما، والعلاقة الباقية هي مذكورةٌ في البيت الذي يليه، وهو قوله:
وأن ثنية رأس الهجا ... ء بيني وبينك لا تطلع
كأنهما كانا تعاقدا أن لا يهجو أحدهما صاحبه، لا يذكره في الشعر ناحتاً أثلته. وجعل لرأس الهجاء عقبةً تثنى بشقتها من يريد قطعها. ويقال طلع الثنية واطلعها، إذا أشرف عليها. فإن قيل: وما الفصل بين الحسب؟ قلت: إن الحسب ما يعد من الخصال الكريمة، وترى الحسيب يوجب للحسيب ويعرف له بحسبه محلاً وقدراً، وإن لم يكن بينهما قربى ولا قرابةٌ. والنسب يريد به الرحم والقرابة. فإن قيل: فما معنى الإل، وما الفرق بينه وبين الخصلة الرابعة، وهي التعاقد على ترحك الهجاء واطراحه؟ قلت: الإل: العهد، بذلك فسره أبو عبيدة في قوله تعالى: " لا يرقبون في مؤمنٍ إلا ولا ذمةً ". كأنهما كانا تواثقا على أن لا يدبر كل واحدٍ منهما على صاحبه، ولا يسعى في نصب المكايد له فهذا ميثاقٌ بينهما ثم اتفقا أيضاً على أن لا يتهاجيا. وإذا كان كذلك فالفصل بين الأمرين ظاهر، كما ظهر بين الحسب والنسب.
следующие страницы →