← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الحرب، ومأزقٌ مفعلٌ منه. وقال متضايق لأن ضيق المكر في المعارك يحصل شيئاً بعد شيءٍ. فيقول: فرق بيني وبين فتيان أحببت الكون معهم، وأوجبت على نفسي ممالأتهم ومساعدتهم، في وقتٍ كنت خليقاً بالثبات معهم، وإظهار البلاء في نصرتهم، وكانوا مدفوعين منه إلى ضنك مجالٍ مثلي يستدعى له، ويستنهض للإعانة فيه. وعض على فأس اللجام وعزني ... على أمره إذ رد أهل الحقائق هذا بيان جماح فرسه وتأبيه عليه، فيقول: ركب رأسه وغلبني على أمره، فلما كر أهل الحقائق لم أقدر على الكر معهم، ولا ملكت رد فرسي مع ردهم. وأهل الحقائق هم الذين يبلغون فيما يلونه ما يحق ويجب. ويقال حققت العقدة، إذا شددتها. فقلت له لما بلوت بلاءه ... وأبى بمتعٍ من خليلٍ مفارق يروى: وأبنا تمتع. وله، الضمير للفرس. كأنه كان يخاطبه متحسراً ويباثه متلهفاً، ويقول بعد أن مني منه بما مني، وابتلى من نفرته وركوب رأسه بما ابتلي: من أين لي الاستمتاع من خليل فارقته، وكيف أساعده وأتحمل عنه ثقلاً وقد باعدت بيني وبينه. فقوله وأني بمتعٍ في موضع المفعول لقلت. ويقال متع بكذا واستمتع، ومتعه الله به وأمتعه. ومن روى: وأبنا تمتع يدخل وأبنا في جملة ما اتصل بلما، ويكون المعنى: ولما بلوت بلاءه وأكرهني على مراده، فانصرفنا من مقصدنا، قلت له مقرعاً ومتوجعاً: الآن تمتع من أجلٍ خليل بعدت بيني وبينه. كأن تفجعه امتد أولاً وآخراً، وقبل الأوبة وبعدها وجواب لما في الوجهين قوله فقلت بما اتصل به. أحدث من لاقيت يوماً بلاءه ... وهم يحسبون أنني غير صادق يقال حدثته كذا وبكذا، فيحمل على خبرته كذا وبكذا، ونبأته كذا وبكذا. قال الهذلي: ولكن خبروا قومي بلائي وقال الآخر: وأنبأته أن الفرار خزايةٌ

стр. 422

يقول: أبث في الناس قصتي وقصة فرسي، وأخبر كل من لاقيته بجنايته علي وبلائه معي، وهم بحسدهم وسوء رأيهم يوجهون الظنة إلي، ويسلطون التهمة علي، فأنا بين تكذيبٍ وتعييرٍ معهم وفيهم. وقال أيضاً: هاجرتي يا ابنة آل سعد أأن حلبت لقحةً للورد يروى هاجرتني على الخطاب، والكلام به ظاهر الاستقامة، ويروى هاجرتي، والمعنى أنت هاجرتي. وقال يا ابنة آل سعد يجوز أن يريد يا ابنة سعد فزاد الآل كما يزاد لفظه حي وذو. ومثله قول الآخر، أنشده ابن الأعرابي: إن ابن آل ضرار حين أندبه ... زيداً سعى لي سعياً غير مكفور أراد إن ابن ضرار. وهذا بابٌ واسعٌ مختلفٌ. ويجوز أن يكون جعلها ابنة الآل إعظاماً لها، كما يقال يا ابنة القوم، وقد تقدم القول في الآل وحقيقته. واللقحة: الناقة الحلوب؛ ويوصف به، لا يقال ناقةٌ لقحةٌ، بل يجرى مجرى الأسماء. يقول: صارمتني أيتها المرأة حين آثرت فرسي الورد بلبن لقوحى، فأخرج قوله أأن حلبت مخرج التقريع والتوبيخ، وإن كان لفظه لفظ الاستفهام، لأن المراد به: ألأن حلبت، أي ألهذا الشأن كان منك الهجران لي. جهلت من عنانه الممتد ونظرى في عطفه الألد إذا جياد الخيل جاءت تردى مملوءةً من غضبٍ وحرد قوله جهلت من عنانه يجوز على مذهب أبي الحسن الأخفش أن يكون زاد " من " في الواجب، أراد جهلت عنانه، ويكون قوله، ونظرى في موضع النصب عطفاً عليه إن شئت. ومما حكاه من الحجة له القول بعضهم: قد كان من مطرٍ، قد كان من شيء فخل عني. وعلى مذهب سيبويه يكون فيه وجهان: أحدهما أن يكون الكلام محمولاً على المعنى، لأن الجهل نفي العلم، كأنه قال بدل جهلت: ما

стр. 423

علمت وما عرفت. والثاني أن يكون حذف مفعول جهلت كأنه قال جهلت من عنانه الطويل مذلوله من العتق والنجابة، لأن الذي جهلته ذلك، إذ كان امتداد عنقه يدرك مشاهدة. والشاعر أبل يبين عذرها فيما أنكرته وعذر نفسه تفقده فرسه فقال: جهلت ما أعرفه من كرمه ونجابته، وما أتبينه وأستدل عليه من امتداد عنقه ولجاج جانبه، واعتراضه في مشيه، فلذلك استعظمت إيثاري إياه. وذكر العنان والقصد العنق لأن طوله بطولها، واللدد أصله في الخصومة، يقال خصمٌ ألد. وقوله إذا جياد الخيل إذا ظرفٌ لما دل عليه قوله في عطفه الألد. وقوله تردي في موضع الحال، والعامل فيه جاءت. والرديان: ضربٌ من المشي. قوله مملوءةٌ في موضع الحال، والعامل فيه تردى. والحرد: القصد، وفي القرآن: " على حردٍ قادرين "، أي على جدٍ من أمرهم، والمعنى: إذا جاءت الخيل العتاق قد حميت ونشطت فامتلأت غضباً، وصار مشيها ردياناً، كان في عطف هذا لددٌ واعتراضٌ، وفي مشيه اقتسار والتواءٌ. والعطف من كل شيء: جانبه من لدن رأسه إلى وركه. ويقال: ثنى عطفه، إذا أعرض وجفا. وقال آخر: لعمر أخيك لا ينفك منا ... أخو ثقةٍ يعاش به متين قوله لعمر أخيك يجوز أن يريد بأخيك نفسه، كأنه قال لعمري. وجعل نفسه أخاه على طريق الاستعطاف وتلطيف الحال. ويجوز أن يكون المخاطب كان له أخٌ يعز عليه ويقسم بحياته، فاقتدى به في ذلك إعظاماً له وللمقسم به. ولعمر مبتدأٌ وخبره محذوفٌ، كأنه قال لعمر أخيك قسمي أو ما أقسم به. ومعنى لا ينفك: لا يزال. والمتين: كل صلب شديدٍ، والمصدر المتانة، وماتنةً، إذا حاكيته ففعلت مثل ما يفعله من الشدة. يقول: وبقاء أخيك لا يزال منا أخٌ يوثق بوده، ويحسن الظن بنيابته، ويعاش به وفي ظله، جلدٌ قويٌ عزيز. مفيدٌ مهلكٌ ولزاز خصمٍ ... على الميزان ذو زنةٍ رزين

стр. 424

قوله مفيدٌ مهلكٌ مثل قول الآخر: مفيدٌ مفيت ويكون أفاد متعدياً إلى مفعولين، وقد حذفهما، وكذلك مفيتٌ. ويجوز أن يكون أفاد بمعنى استفاد، فيكون معنى مفيدٌ مهلكٌ: كسوب بالغزو منفاقٌ. والأول أصلح في هذا. وقوله لزاز خصمٍ لزازٌ كالسناد والعماد وما أشبههما. واللز أصله اللزوم الثبات. على ذلك قولهم لزاز الباب. ثم توسعوا فقيل هو ملزٌ في الخصومة ولزازٌ؛ وهو ملزز الخلق، أي مجتمعه. يقول: يفيد أولياءه الخير والغنم ويهلك أعداءه، ثم يلز خصمه فلا يفارقه أو يغلبه. وإذا وزن بغيره رجح عله في السبر والاختبار، فإذا استخف ذلك كان هو وقوراً رزيناً. ويقال رزينٌ بين الرزانة، وامرأة رزانٌ. يزيد نبالةً عن كل شيءٍ ... ونافلةً وبعض القوم دون نبالةً مصدر نبل. والنافلة: الفضل. ودون، حقيقته القاصر عن الشيء. ويقال هو دونك في الحسب على التوسع، هذا إذا كان زرفاً. ويقال هو دونٌ في الرجال، وما هو بدونٍ، فيجعل اسماًهن والذي في البيت هو على هذا. يقول: ومع اجتماع هذه الخصال فيه سروٌ ونبلٌ، وحميةٌ وعزٌ، فيفضل على كل نبيلٍ، ويعلو على كل ذي شأنٍ نبيهٍ، وبعض القوم ساقطٌ قاصرٌ، متأخرٌ ناقصٌ. وقال خفاف بن ندبة أعباس إن الذي بيننا ... أبى أن يجاوزه أربع المخاطب عباس بن مرداس، ومراد الشعر أن يقول: يا عباس، إن الحرمات الأربع التي تجمعنى وإياك، مننعت أن يتخطاها ما بيننا من الشر، فهو يقف دونها، ويقصر عن تجاوزها. وظاهر الكلام فيه قلبٌ، لأنه جعل الفعل الذي هو المجاوزة للأربع، والأربع هي الآبية من أن يجاوزها ما حدث بينهما. وصلح ذلك لأن المراد

стр. 425

لا يلتبس من الكلام. وعلى هذا قول الآخر: كما اسلمت وحشيةٌ وهقا لأن الوهق يسلم الوحشية. ويمكن أن يقال: إذا تعدى أحد الشيئين صاحبه فقد صار الآخر كأنه تعداه، وإذا كان كذلك ساغ لأن يجعل لكل واحد منهما المجاوزة. علائق من حسبٍ داخلٍ ... مع الإل والنسب الأرفع وأن ثنية رأس الهجا ... ء بين وبينك لا تطلع هذا تفسير الخصال الأربع التي أجملها. والعلائق، جمع علاقة، وهو ما يتعلق به من الشيء أو يعلق به الشيء. وقوله من حسبٍ داخل مع الإل، فالحسب: الشرف. والإل: العهد. ومعنى داخلٍ معه، أي مختلطٌ به. والنسب الأرفع يجوز أن يكون يعني به النسب من قبل الأب، لأنه أرفع النسبين، ويجوز أن يعنى النسب الرفع العلي. وقد حصل إلى هذه الغاية من العلائق الثلاثٌ: حسبٌ، ونسبٌ، وعهدٌ بينهما، والعلاقة الباقية هي مذكورةٌ في البيت الذي يليه، وهو قوله: وأن ثنية رأس الهجا ... ء بيني وبينك لا تطلع كأنهما كانا تعاقدا أن لا يهجو أحدهما صاحبه، لا يذكره في الشعر ناحتاً أثلته. وجعل لرأس الهجاء عقبةً تثنى بشقتها من يريد قطعها. ويقال طلع الثنية واطلعها، إذا أشرف عليها. فإن قيل: وما الفصل بين الحسب؟ قلت: إن الحسب ما يعد من الخصال الكريمة، وترى الحسيب يوجب للحسيب ويعرف له بحسبه محلاً وقدراً، وإن لم يكن بينهما قربى ولا قرابةٌ. والنسب يريد به الرحم والقرابة. فإن قيل: فما معنى الإل، وما الفرق بينه وبين الخصلة الرابعة، وهي التعاقد على ترحك الهجاء واطراحه؟ قلت: الإل: العهد، بذلك فسره أبو عبيدة في قوله تعالى: " لا يرقبون في مؤمنٍ إلا ولا ذمةً ". كأنهما كانا تواثقا على أن لا يدبر كل واحدٍ منهما على صاحبه، ولا يسعى في نصب المكايد له فهذا ميثاقٌ بينهما ثم اتفقا أيضاً على أن لا يتهاجيا. وإذا كان كذلك فالفصل بين الأمرين ظاهر، كما ظهر بين الحسب والنسب.

стр. 426

وأبغض إلى بإتيانها ... إذا أنا لم أنسها أدفع قوله وأبغض إلى بإتيانها استعير فيه بناء الأمر للخبر، لأن معناه التعجب والتعجب خبرٌ، وهم يستعيرون المباني للمعاني، كما يستعيرون الجمل والمفردات. وهذا كما يستعار بناء الخبر للأمر كقوله: والمطلقات يتربصن ". وموضع بإتيانها رفعٌ على أنه فاعلٌ، كأنه قال بغض إتيانها إلي جداً. يقول: ما أبغض إتيان عقبة الهجاء واطلاعها إلي، لأني أربأ بنفسي عنه وقدري، وأصون منه ديني وعرضي، وأتناسى فعل ذلك فلا يكون من همي. ولو لم أتركها تأثماً وتكرماً ثم أراد مناقضتك ومقاذعتك، لكان ما تعاقدنا عله من تركه يدفعني عنه، ويمنعني منه. فإذا ظرفٌ لقوله أدفع. وقال بعض اللصوص من طيئٍ ولما أن رأيت ابني شميطٍ ... بسكة طيئٍ والباب دوني تجللت العصا وعلمت أني ... رهين مخيسٍ إن أدركوني الشعر لبعض المتلصصة، وكان أنهى حاله إلى أمير المؤمنين على ﵇ وهو بالكوفة، فوجه في طلبه ابنى شميط، فأحس بذلك وركب فرسه العصا فنجابه، وذكر قصته في هذه الأبيات. وقوله والباب دوني يعني باب البلد والمسالح. وقوله تجللت العصا جواب لما، أي ركبته على جله ومل أتلوم لإسراجه، خوفاً على نفسي، وعلماً أني إن توقفت أو دعي السجن مرتهناً بما كسبت يدي. ومخيسٌ: اسم سجنٍ بناه أمير المؤمنين ﵇. والتخييس: التذليل، أصله في الكد.

стр. 427

على هذا قال النابغة: وخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفا والعمد ويقال في الشتم: خيس أنفه فيما يكره، كما يقال أرغم أنفه. ولو أني لبثت لهم قليلاً ... لجروني إلى شيخٍ بطين شديد مجامع الكتفين باقٍ ... على الحدثان مختلف الشئون قوله قليلاً يجوز أن يكون ظرفاً، يريد زماناً قليلاً، ويجوز أن يكون صفة لمصدرٍ محذوفٍ، يريد لبثاً قليلاً. فيقول: لم أتمكث للطالبين لما عرفت الحال، ولم أتمكث للطالبن لما عرفت الحال، ولم أتباطأ معرجاً على إعداد شيء، ولو ظفروا بي لجروني إلى حضرة رجلٍ عظيم البطن شيخٍ، وذلك صفة أمير المؤمنين ﵇. ولقد روى عن النبي صلوات الله عليه في عظم بطنه أنه قال: " هو لكثرة علمه ". وقوله " شديد مجامع الكتفين " من صفته إلى آخر البيت. يريد أنه شديد الزهر، قوي المتن، مجتمع الخلق، وذلك خلقة الأسد. وقوله باقٍ على الحدثان يعني صبره في حوادث الدهر، وانتصابه في وجوه بغاة الجور، لا يأخذه في طلب الحق وإمضائه لومة لائم، واعتراض ممانعٍ، ولا يلفته عن هديه وسننه كراهة كارهٍ، وقعدة خاذلٍ. وقوله مختلف الشئون يعني طرائقه في زهده وعلمه وورعه، وبأسه وإقدامه في ذات الله، وجبنه عن محارم الله، وتعففه عن احتجاز المطامع، وابتناء المصانع، مع قلة الاحتفال باكتساب رضا خلقه، إذا أداه إلى سخط ربه، إلى ما لا يكاد يجتمع إلا في مثله، ويطول الكلام بعده وضبطه. وفي هذه الطريقة وإن اختلف الوصفان والموصوفان قول الآخر: قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك وقال حريث بن عنابٍ لما رأيت العبد نبهان تاركي ... بلماعةٍ فيها الحوادث تخطر نصرت بمنصورٍ وبابنى معرضٍ ... وسعدٍ وجبارٍ بل الله ينصر

стр. 428

ولله أعطاني المودة منهم ... وثبت ساقي بعد ما كدت أعثر لما علمٌ للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره، وجوابه نصرت. وأراد بني نبهان فذكر الجد والمراد القوم، وسمى نبهان العبد تهجيناً له، ورمياً إياه باللؤم. واللماعة: المفازة يلمع فيها السراب. وجعلها مخوفةً لا تؤمن فيها نوائب الدهر، وحوادث الموت. ومعنى تخطر تحدث وتعترض. ويقال رمحٌ خطارٌ، أي شديد الاهتزاز، ومنه خطران الفحل بذنبه عند الصيال. فيقول: لما وجدتهم متخلفين عني وتاركين لي بمفازةٍ هذه صفتها، استنصرت غيرهم فنصرني الله بالأقوام الذين ذكرتهم. ولا يمتنع أن يكون اللماعة كنايةً عن الأمر الشديد والداهية المنكرة. ويكون قوله تاركي بلماعةٍ كما يقال تركته بحالة سوءٍ، وبآخر رمقٍ، وما يجري مجراه. وقوله فيها الحوادث تخطر جعله مثلاً لما لم يكن يأمنه من فنون الحوادث، وصروف المتالف. ثم أخذ يشكر الله على ما عطف عليه من ميل الأقوام الذين أغاثوه، وثنى إليه من نصرهم، وعلى تثبيت قدمه بعد ما كادت تزل به، وتلافيه بحسن الاستمساك، عند ما ظن من إشراف الهلاك. إذا ركب الناس الطريق رأيتهم ... لهم قائدٌ أعمى آخر مبصر الضمير من قوله لهم قائد يجوز أن يكون لناصريه، وهم الذين سماهم، ويكون الكلام مدحاً وما بعد هذا البيت يتلوه في ذلك ويتبع. ويجوز أن يكون لخاذليه بني نبهان، ويكون الكلام ذماً، وما بعده يطرد معه ويذهب. ووجه المدح أن يكون المراد بقوله إذا ركب الناس الطريق إذا انتوى الناس نياتهم، فسلكوا في مناجعهم ومزالفهم، ومتصرفاتهم ومناقلهم، وطرائقهم الآمنة، رأيت هؤلاء القوم لعزهم ومنيعتهم يسيرهم الليل والنهار، ويقودهم الظلم والأنوار، لا يحذرون منيعاً، ولا يخافون مغيراً، ولا ينأى عنهم استباحة حمىً، ولا يعرض لهم حيثما توجهوا أذىً. فالقائد الأعمى هو الليل، والآخر المبصر هو النهار. ووجه الذم أنهم لجهلهم وسوء تأتيهم، إذا أبصر الناس مراشدهم واستبصروا فيما يقدمون عليه أو يحجمون عنه وحدت هؤلاء القوم يستضيئون برأي كل أحدٍ، ويستشيرون كل ذي نحلةٍ ومذهب، فيرشدهم جماعة ويغويهم آخرون، على حسب اختلاف الآراء والمقاصد، لا بصيرة تمسكهم، ولاعزيمة تغلبهم وتجذبهم، فهم تبعٌ لكل ناعقٍ، وجوابٌ لكل نادبٍ.

стр. 429

لهم منطقان يفرق الناس منهما ... ولحنان معروفٌ وآخر منكر إذا جعل الكلام مدحاً على ما قدمته ورتبته يكون معنى لهم منطقان أنهم خطباء شعراء، فالناس يرهبون نظمهم ونثرهم، ويهابون ألسنتهم وأقوالهم في مجالس الملوك، وأندية الاحتفال. ومعنى ولحنان معروفٌ وآخر منكر أن لهم اصطناعاً لمواليهم فلحنهم فيه لحن معروفٌ حسنٌ مرجوٌ، واستئصالاً لمعاديهم فلحنهم فيه لحن منكرٌ مخوفٌ. وفي طريقة هذا الوجه قول نصيب: يحيون بسامين طوراً وتارةً ... يحيون عباسين شوس الحواجب واللحن: المعاريض، وفي القرآن: " ولتعرفنهم في لحن القول ". وأصله العدول والميل عن الظاهر. وإذا جعل ذماً لأولئك القوم يكون المعنى أنهم ذوو وجوهٍ في لقاء الناس مختلفةٍ، وأقوالٍ غير صادقةٍ، فكل منهم منطقان: أحدهما في التقول والتنفق، والآخر في البهت والتخرص، عرفهما الناس فهم يفرقون منهما. ولهم تعريضان بعدهما: أحدهما يعتادونه عند نكث العهود ونقض العقود، وقد عرفه الناس فهو مشهور من أفعالهم؛ والآخر يتعاطونه عند إعمال حيلةٍ، وإمضاء غيلةٍ، فهو خافٍ بعد منكور. لكل بني عمرو بن عوفٍ رباعةٌ ... وخيرهم في الخير والشر بحتر قوله لكل بني عمرو بن عوف رباعةٌ، أي لكل واحد منهم أمرٌ مستقيمٌ، وتدبيرٌ مرضي، وأفضلهم في السراء والضراء بحتر بن عتود. ويقال: ما في بني فلان أحدٌ يضبط رباعتهم غير فلانٍ، أي أمرهم وشأنهم. الناس على ربعاتهم ورباعتهم، أي على استقامتهم. وحكي: تركناهم على سكناتهم وربعاتهم، أي على حالتهم الحسنة. ولا يقال ذلك في غير الحسن. وحكي أيضاً: هو على رباعة قومه، وهو ذو رباعة قومه، أي سيدهم ومدبرهم. فعلى هذا يجوز أن يكون المعنى لكلهم ذو رباعةٍ، فحذف المضاف. ويؤيد هذا قوله وخيرهم في الخير والشر بحتر ". وقد حكى في هذه الأبيات معان غريبةٌ فتفهمها. وقال أبان بن عبدة بن العيار إذا الدين أودى بالفساد فقل له ... يدعنا ورأساً من معدٍ نصادمه الدين يجوز أن يراد به الطاعة والائتلاف ها هنا. ومعنى أودى بالفساد: هلك بفساد ذات البين. ويجوز أن يراد به دين الإسلام، ومعنى أودى بالفساد أوقع بما ظهر

стр. 430

من ولاة الأمر، جعلوا الخلافة ملكاً، وفيء المسلمين ملكاً. وقيل أراد بالفساد الحرب المعروفة بحرب الفساد، وسميت بذلك لتناهي الشر والحقد بين أهلها، ويقال إن الواحد منهم كان يخصف نعله بأذن مقتوله ويشرب الماء في قحف رأسه. ويكون المراد بالدين في هذا الوجه ائتلاف العشيرة، لأن هذه الحرب كانت في أحياء طييءٍ. والرأس: الجماعة الكثيرة. قال: ورأس أعداءٍ شديدٍ أضمه ... سرنا إليه إذا غزانا أعظمه وقوله نصادمه أي ندافعه ونصاكه. فيقول: إذا ارتفعت دعوة الاتفاق والائتلاف من بين العشائر، وبطلت طاعة بعضهم للبعض، وسقط التعاون والتجمع منهم بما يعمهم من المباينة، ويظهر فيهم من أثر العقوق والمشاقة، فقل له ليتركنا وجيشاً عظيماً من قبائل معدٍ ندافعه ونحاربه. وإذا كان بيننا التوازر والتألف لم نبال بقبائل معدٍ كلها. قوله " نصادمه " في موضع الحال، أي مصادمين له. وقوله " يدعنا " إن شئت قلت انجزم بلام الأمر وقد حذف، كأنه قال: قل له ليدعنا. وإن شئت قلت انجزم على أن يكون جواب أمرٍ محذوفٍ، كأنه قال: قل له دعهم يدعنا. وعلى هذا قوله : " قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة "، كأنه قال قل له لهم افعلوا يفعلوا. ببيضٍ خفافٍ مرهفاتٍ قواطعٍ ... لداود فيها أثره وخواتمه الباء من قوله " ببيضٍ " تعلق بنصادمه من البيت الأول. ويعني بها السيوف. وجعلها خفافاً لسرعة الضاربين بها في إعمالها. والمرهفات: المرققات الحد، المواضي في الضرائب. وقال: لداود فيها خواتم، يريد عتقها. وداود ﵇ إنما سرد الدروع لما لين الله الحديد له معجزةً لا السيوف، لكن القصد إلى العتق والقدم، لا إلى الطبع والعمل. وقيل فيه إنه قدر أن الأمر في نسبة السيوف والدروع إلى داود على سواءٍ، لجهله. والأثر: فرند السيف. وذكر الخواتم مثلٌ، أي هي مما اتخذ في أيامه، واستعمل تحت خواتمه. وزرقٍ كستهار يشها مضرحيةٌ ... أثيثٌ خوافي ريشها وقوادمه بجيشٍ تضل البلق في حجراته ... بيثرب أخراه وبالشأم قادمه

стр. 431

يعني بالزرق نصالاً مجلوةً قذذت بريش صقرٍ. والمضرحي: الكريم من الصقور، وقيل هو ما طال جناحاه منها؛ وتوسع فيه فقيل للسيد السري هو مضرحيٌ. وقال " كستها ريشها مضرحيةٌ " على المجاز، لما كان القذذ من جناحها. وجعل في القوادم - وهي كبار الريش - وفي الخوافي - وهي صغاره - أثاثةً وجثولةً، نفياً للحرق والفساد عنها. وذكر أثيثاً لأنه أجري مجرى الفعل، وتأنيث الخوافي ليس بحقيقي. وقوله " بجيشٍ تضل البلق في حجراته " يصفة بالكثرة - ألا ترى أنه جعل له حجراتٍ، وهي النواحي، واحدتها حجرةٌ. وفي المثل " يربض حجرةً ويرتعي وسطاً " - وأن البلق من الخيل على شهرتها إذا ضلت عن أربابها فذهبت في جوانبه لم يهتد إليها. وقوله " بيثرب أخراه " يعني مدينة الرسول ﵇. يريد أن جيشه يأخذ من الأرض، لكثرته، ما بين المدينة إلى الشأم. إذا نحن سرنا بين شرقٍ ومغربٍ ... تحرك يقظان التراب ونائمه لم يرض بما انتهى إليه من الوصف في كثرته، فزاد وقال: إذا سرنا بين مشارق الأرض ومغاربها طبقنا الأرض بكثرتنا، فتزلزل لنا الطريق المسلوكة وغير المسلوكة. واليقظان: ما وطئ بالأرجل وسلك، فكأن ترابه منتبهٌ. والنائم: الذي لم يوطأ ولم يسلك، فكأن ترابه نائمٌ. وقد أحسن ما شاء في الاستعارة، والطباق بالنوم واليقظة. فأما قول زهير: يهد له ما دون رملة عالجٍ ... ومن أهله بالغور زالت زلازله فقد حسنه التقسيم وإن كان شأوه مقصوراً عن شأو هذا. وقال أنيف بن حكيمٍ النبهاني جمعنا لهم من حي عوفٍ ومالكٍ ... كتائب يردي المقرفين نكالها لهم عجزٌ بالحزن فالرمل فاللوى ... وقد جاوزت حيي جديسٍ رعالها قوله " من حي عوفٍ ومالكٍ " أراد من حي عوفٍ ومالكٍ فاكتفى بالتوحيد عن التثنية. ومثل هذا الاكتفاء قوله في البيت الثاني " وقد جاوزت حيي جديسٍ رعالها " لأن

стр. 432

المراد حيي طسمٍ وجديسٍ فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، لتجاورهما في الذكر، واشتهارهما في العرف. وقوله " يردي المقرفين نكالها " فالإفراف: هجنةٌ تلحق من قبل الفحل. وخصهم بالذكر لأنهم عنده لا يأنفون من التقصير في الحرب والنكول، ولا يمتعضون من الانهزام والنكوص، فالبلاء إليهم أسبق، والنكال فيهم أبسط. وقوله " لهم عجزٌ بالحزن فالرمل فاللوى " رتب النسق بالفاء لما يفيده من التعقيب بلا مهلةٍ. وفي الأمر العام يقطع الحزن - وهو ما غلظ من الأرض - إلى ما سهل من الرمل، ويقطع الرمل إلى اللوى، وهو مسترقه. وقوله " وقد جاوزت حيي جديس " فإنه يعني بلاد حيي طسمٍ وجديس، فحذف المضاف. والرعال: جمع الرعلة والرعيل، وهما الجماعة المتقدمة من الجيش. والمراد أنهم لكثرتهم شغلوا ما بين هذه المواضع. ومثله ما تقدم من قوله: بيثرب أخراه وبالشأم قادمه وتحت نحور الخيل حرشف رجلةٍ ... تتاح لغرات القولب نبالها الحرشف: الجماعة من الرجالة. ويقال راجلٌ ورجلٌ ورجلةٌ ورجالةٌ للمشاة على أرجلهم. وصفهم بأن فيهم رماةً وأنهم عند التعبية تتقدم الرجالة الرماة، وخلفهم الفرسان كالسثد لهم والإياد، يمنعونهم مما يشردهم أو يغير نظمهم؛ ثم وصفهم بأن نبالهم تقدر للقلوب الغارة، لأنهم حذاقٌ يصيبون المقاتل. ومعنى " تتاح " تهيأ. ويقال تاح يتوح ويتيح، لغتان. وأتاح الله له كذا. والغرات: جمع غرة، يقال جاريةٌ غرةٌ: غريرةٌ. ويروى " لحبات القلوب "، والمعنى ظاهر. أبى لهم أن يعرفوا الضيم أنهم ... بنو ناتقٍ كانت كثيراً عيالها يقول: منع لهم التزام الضيم والرضا بالدنية وفور عددهم، وذلك أن العزة في الكثرة. ويقال نتقت المرأة والناقة فهي تنتق نتوقاً، وهي كثرة الولد سرعة الحمل. وذكر العيال استعارةً في الأولاد، واحدها عيلٌ، يقال عنده كذا عيلاً. ويقال عيلٌ وعيايل، وهو معيلٌ معَّيلٌ، أي كثير العيال. وفاعيل أبى قوله " أنهم بنو ناتقٍ "، وأن يعرفوا في موضع وباقي الأبيات قد تقدم بتفسيره.

стр. 433

وقال الكروس بن زيدٍ رأتين ومن لبسي المشيب فأملت ... غنائي فكوني آملاً خير آمل يقول: رأتني هذه القبيلة، وقد قنعني المشيب بخماره، ونجذني الدهر بأحداثه ومصائبه، فعلقت رجاءها بغنائي وكفايتي، وشددت أزرها لما تفرست في نظري وشهامتي، فقويت أملها، وأكدت طمعها، وقلت: كوني آملاً خير آمل. وهذا الكلام يجوز أن يكون معناه دومي على أملك وكوني خير آملٍ، فأصدق ظنك وأحقق طمعك. ويجوز أن يكون دعاءً لها، كأنه قال: جعلك الله خير آملٍ. وخير الآملين من يبلغه الله ما موله، وينيله طلبته وسوله. وإنما قال " كوني آملاً " ولم يقل آملةً، لأن المراد كوني حياً آملاً، فلم يقصد قصدها. لئن فرحت بي معقلٌ عند شيبتي ... لقد فرحت بي بين أيدي القوابل أهل به لما استهل بصوته ... حسان الوجوه لينات الأنامل يقول: إن كانت هذه القبيلة سرت بي عند كبرتي، واستكمال رأيي وتجربتي، فحق لها ذلك، فقد استبشرت بي عند ولادتي، وحين هنئت بقدمتي. والقوابل: جمع القابلة، وهي التي تقبل الولد عند الولادة. واللام من قوله لئن دخلت موطئةً للقسم، وجواب القسم المنوي لقد فرحت. وهذا خلاف قول الآخر: وهنيء بي قومي وما إن هنأتهم ... وأصبحت في قومي وليسوا بمنبتي وقوله أهل به لما استهل بصوته نقل اللفظ إلى الغيبة بعد أن كان في حديث نفسه، على عادتهم في تصاريفهم. يقول: تباشرت نساء الحي عند ميلادي، فرفعن أصواتهن بالشكر لله والثناء عليه، كما يهل الملبي في الحج، والناظر إلى الهلال، حين وقعت عن أمي، واستهللت ببكائي. وإنما وصف النساء بحسن الوجوه ولين الأبدان، ليدل على أنهن ربائب نعمةٍ وذوات نعمةٍ، لم يقاسين شقاء عيشٍ، ولم يكتسين جلابيب فقر.

стр. 434

وقال قوالٌ: قولا لهذا المرء ذو جاء ساعياً ... هلم فإن المشرفي الفرائض قوله ذو جاء ساعياً ذو بمعنى الذي، وهي لفظةٌ طائيةٌ تجيء بهذه الصورة في كل حالٍ ولا تغير. وقوله هلم لهم فيه طريقان: منهم من يجعله اسماً للفعل فلا يغيره عن حاله في المؤنث والتثنية والجمع، وهم أهل الحجاز. وفي القرآن: " والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ". ومنهم من يجعله هاء التنبيه وقد ركب مع لم وهو فعلٌ، فيثنيه ويجمعه ويؤنثه. وعلى الطريقتين جميعاً يكون ميمه مفتوحة ولا يجريه مجرى رد وزر، فيكسر آخره ويضم وإن كان فعلاً، وذلك لأن التركيب قد غيره فسلب بعض أحكامه. ومعنى البيت: أبلغا المرء الذي جاء والياً للصدقات ومستوفياً لها: أقبل وتعال، فإن الذي تعطى بدلاً من الفرائض السيف. وهذا في جعله المشرفي هو الفرائض مجازاً، كما قال الآخر: تحية بينهم ضربٌ وجيع والفرائض: الأسنان التي تصلح لأن تؤخذ في الصدقات. والمشرفي: السيف نسب إلى المشارف: قرىً لهم كانت تطبع السيوف فيها. وقد حكي في المرء الامرؤ وقد بقى ألف الوصل مع دخول الألف واللام، إلا أنه قيل. وإن لنا حمضاً من الموت منقعاً ... وإنك مختلٌ فهل أنت حامض العرب تقول: " الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها ". ومعنى منقعاً ثابتاً، يقال " أنقع له الشر حتى يسأم " أي أدمه. والمختل: راعي الخلة، وكانت الإبل إذا بشمت الخلة وسئمته حتى اتخمت منه، نقلوها إلى الحمض لتشتهي الخلة ثانياً. وهذا مثلٌ ضربه لهذا الساعي. يقول: إنك مللت العافية والسلامة، فهلم إلى البلاء والشر من الولاية. أظنك دون المال ذو جئت تبتغي ... ستلقاك بيضٌ للنفوس قوابض

стр. 435

قوله دون المال تعلق بأظنك، ولا يجوز أن يتعلق بقوله جئت، ولا تبتغي، لأن ذو يطلب من الصلة ما يطلبه الذي وإذا كان كذلك فما في صلته لا يعمل فيما قبله. وقال ذو جئت وكان الأجود أن يقول: ذو جاء يبتغي، لأنه أجري مجرى الذي، فكما جوز أن يقال أنت الذي فعلت كذا، و: أنا الذي سمتن أمي حيدره جوز في ذو أيضاً، لأن المراد به المخاطب. والمال في الأكثر يطلقونه على الإبل، على هذا قولهم: المال في الرعي. والشاعر قصده في الكلام إلى التهكم والسخرية، وقد خلط به التوعد والاستهانة، لذلك قال أظنك. وقوله ذو جئت في موضع المفعول الثاني وتبتغي في موضع الحال، ومفعوله حذف. والمعنى أحسبك الذي جاء دون المال تبتغي صدقاته، سترى ما أعد لك من سيوفٍ تنتزع الأرواح والمهج. فإن قيل: كيف استجاز تكرير معنىً واحدٍ في بيتين على تقارب بينهما، وهلا اكتفى بقوله " هلم فإن المشرفي الفرائض "؟ قلت: إن قوله أظنك دون المال ذو جئت تبتغي، بما دخله من التهكم والوعيد، وتكشف فيه من الغرض المقصود، صار كأنه أدى غير ما أداه قوله هلم فإن المشرفي الفرائض. ومثله قول عيقمة بن عبدة: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصيرٌ بأدواء النساء طبيب إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن نصيب يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب ألا ترى أنه لم ير المعنى متكرراً في البيتين، لما كان أحدهما يشتمل من الاستيفاء والبيان على ما لم يشتمل عليه الآخر. وقال وضاح بن إسماعيل صبا قلبي ومال إليك ميلاً ... وأرقني خيالك يا أثيلا يمانيةٌ تلم بنا فتبدي ... دقيق محاسنٍ وتكن غيلا

стр. 436

يقال صبا قلبي يصبو صبواً وصبواً. والصبوة: جهل الفتوة. يقول: أسهرني خيالك، وانعدل قلبي عن وجهه وطيته، ذهاباً فيك، وميلاً إليك. ثم أخذ يصف الخيال فقال: هي تأتيني من ناحية اليمن، فتزور زيارةً خفيفةً لا لبث معها ولا تمكث فأتمتع بها، وتبدي لي في إلمامها ما دق من محاسنها كالعين والأنف والأسنان والفم، وتستر ما جل منها كالمعصم والساعد والساق والفخذ، فاسهر. كأنه رآها في المنام على ما كان يراها في اليقظة خرادةً وحياءً. ويقال معصمٌ غيلٌ، وساعدٌ غيلٌ، أي ممتلئٌ من اللحم غليظ. والمحاسن قيل لا واحد لها، ومثله في ذلك المساوي والمذاكير. وقال الخليل: واحدها محسنٌ، وهي المواضع الحسنة. يقال: امرأةٌ كثيرة المحاسن. ذريني ما أممن بنات نعشٍ ... من الطيف الذي ينتاب ليلا يستعفي من خيالها لاشتغال قلبه بالغزو. والاستعفاء في الحقيقة من الحب الذي يصورها في فكره حتى يحلم بها. وقوله ما أممن الضمير للخيل ولم يجر لها ذكر، ولكن المراد مفهومٌ. وموضع ما أممن نصبٌ على الظرف، أي مدة أمها، لأن ما مع الفعل في تقدير مصدرٍ حذف اسم الزمان معه. وبنات نعشٍ من الكواكب الشامية، وكان غزوه نحو الروم. والمعنى: أعفيني من الصبا واللهو، وشغل القلب بالحب والعشق، ما دمت في هذا الوجه، وقاصداً نحو الغزو. وليلاً، انتصب على الظرف، كأنه كان يسير النهار، فإذا نزل ليلاً ونام أرقه الخيال. وروى بعضهم: " يأناب ليلاً " وهو يفتعل من الأوب؛ وينتاب أوجه في النقد وأحسن. ولكن إن أردت فهيجينا ... إذا رمقت بأعينها سهيلا يقول: إن أردت تشويقنا إليك، وتذكيرنا بك، فليكن عند منصرفنا من الغزو، وقفولنا من هذا الصقع، وحين تنظر خيلنا إلى سهيل. وإنما قال ذلك لأن سهيلاً من الكواكب اليمانية. لذلك قال عمر بن أبي ربيعة: أيا المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان هي شاميةٌ إذا ما استقلت ... وسهيلٌ إذا استقل يمان

стр. 437

ومثل قول وضاحٍ ما قاله المتلمس، وهو: فلتتركنهم بليلٍ ناقتي ... تدع السماك وتقتدي بالفرقد والسماك من قبل المشرق، والفرقد من قبل الشام. فإنك لو رأيت الخيل تعدو ... عوابس يتخذن النقع ذيلا رأيت على متون الخيل جناً ... تفيد مغانما وتفيت نيلا يصف الغزو وملاقاة العدو، وأنه لا يحتمل التصابي والتبطل، ولا يصلح للمشتغل به التشوق والتغزل، فيقول: لو رأيت الدواب عاديةً بفرسانها وقد تكلحت لاشتداد الحال عليها، وسحبت ذيلاً من الغبار لتناهي شدها، لرأيتها كأن علها جناً لا رجالاً، تستفيد المغانم من أعدائها. وتفيتهم نيل شيءٍ منها. وهذا كما قيل " يسبق إن طلب، ويلحق إن طلب "، ويشهد لأفاد وأنه يكون بمعنى استفاد قول الآخر: فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي وقال آخر: لا قوتي قوة الراعي قلائصه ... يأوي فيأوي الكلب والربع ولا العسيف الذي يشتد عقبته ... حتى يبيت وباقي نعله قطع أخذ أبو تمام هذا المأخذ في قوله: والصبر بالأرواح يعرف فضله ... صبر الملوك وليس بالأجساد يقول: ليس غنائي في الأمور وكفايتي غناء الرعاة الذين سعيهم وكدهم مقصوران على ضم القلاص وحفظها في مراعيها عند سرحها وإراحتها، فإذا أوى إلى موضعٍ أوى إليه كلبه الذي يحرس به وربعه. والربع: ما نتج في الربيع. وقوله ولا العسيف انعطف على الراعي. يريد: ولا قوتي قوة العسيف. فالعسيف: الأجير

стр. 438

والعبد المستهان به، الممتهن في العمل. يقال: كم أعسف عليك، أي كم أعمل لك. وقوله يشتد عقبته انتصب عقبته على الظرف، أي وقت عقبته، كأنه يعاقب الركوب غيره. يقال هما يتعاقبان للركوب بينهما، أو الأمر يركب هذا عقبة وهذا عقبةً. والعقبة قيل فرسخان. ويشتد: يفتعل من الشد: العدو. وبعضهم يرويه " تشتد عقبته " بالرفع، ويجعل تشتد من الشدة، أي تشتد عقبته عليه، والصواب ما قدمته. والمعنى: ولا غنائي أيضاً غناء الأجير الذي يعدو عقبته ووقت عقبته، وليس يريد أن له عقبةً فيتركها ويعدو، لكن المعنى إذا كان لغيره نوبةٌ في الركوب لمعاقبته صاحبه، فنوبته الشد والخدمة حتى يأتي عليه المساء وقد تقطع ما بقي عليه من حذائه. وقوله " وباقي نعله قطع " في موضع خبر يبيت، تقديره: حتى يبيت منقطع باقي النعل. لا يحمل العبد فينا فوق طاقته ... ونحن نحمل ما لا تحمل القلع يقول: العبد المستخدم فينا لا نكلفه إلا دون ما يطيقه، إبقاءً عليه، وتركاً لاستنفاد وسعه، ونحن نحتمل من مشاق الأمور، ومثقلات الأعباء ما لا تطيقه الجبال. والقلع: جمع قلعةٍ، وهي الهضاب العظام، وبها سمي الحصن المبني على الجبل قلعةٌ. ويقال أقلع فلانٌ قلاعاً، إذا يناها؛ وبها سميت السحاب العظام قلعاً أيضاً. منا الأناة وبعض القوم يحسبنا ... أنا بطاءٌ، وفي إبطائنا سرع الأناة: الرفق. يقول: نستأني في الأمور فعل الحازم ذي الرأي السديد، والتأمل اللطيف، الذي ينظر فيما له وعليه، فيدري كيف يورد ويصدر، ويبرم وينقض، ولا نتهجم فيما نزاوله فعل العجول الأخرق الذي لا يتتبع العواقب، ولا يتجنب المقابح، فلا يبالي أياً سأخذ ويدع. وكثيرٌ من الناس يظن بنا تباطؤاً في المهمات وتثاقلاً، والذي يعدونه بطئاً فهو سرعةٌ، لأنا نترك كل ما تتولاه مفروغاً منه محكماً، لا تفاوت فيه فيحتاج إلى استئناف تدبر، واستحداث نظر وتتبع. ؟؟ وقال عمرو بن مخلاة الكلبي ويومٍ ترى الرايات فيه كأنها ... حوائم طيرٍ مستديرٌ وواقع

стр. 439

أصابت رماح القوم بشراً وثابتاً ... وحزناً وكلٌ للعشيرة فاجع طعنا زياداً في استه وهو مدبرٌ ... وثورٌ أصابته السيوف القواطع وأدرك هماماً بأبيض صارمٍ ... فتىً من بني عمروٍ طوالٌ مشايع وقد شهد الصفين عمرو بن محرزٍ ... فضاق عليه المرج والمرج واسع الرايات: الأعلام. والحوائم: جمع حائمةٍ، وهي العطاش من الطيور تحوم حول الماء. وحوماتها: دورانها؛ فكثر استعماله حتى صار كل عطشان حائما. ويروى: " عواطف طيرٍ ". وقوله " مستديرٌ وواقعٌ " بدلٌ من حوائم، وجعل الرايات بعضها جائلٌ في الجو دائرٌ، وبعضها ساقطٌ، لأن المنهزمين تسقط أعلامهم فتنخفض، والظافرين تثبت أعلامهم فتخفق. وقوله وكلٌ للعشيرة فاجع، أي كل واحدٍ من المذكورين رئيس عشيرةٍ قد فجعوا به. والشاعر يذكر وقعة المرج مرج راهطٍ - وراهطٌ رجلٌ من قضاعة في الجاهلية الأولى - واجتمع به المروانية، وهم الذين دعوا إلى مروان بن الحكم، وهم كلبٌ وعبسٌ وغيرهم من قبائل اليمن. والزبيرية، وهم الذين دعوا إلى ابن الزبير، وهم قيسٌ ومن تبعهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فكانت الدبرة على القيسية ورئيسهم زفر بن الحارث، ومعهم الضحاك بن قيسٍ. ولهذا قال الشاعر: فمن يك قد لاقى من المرج غبطةً ... فكان لقيس فيه خاصٍ وجادع وقوله " طعنا زياداً في استه "، فهو زياد بن عمرو العقيلي. وقوله وهو مدبر أي مولٍ منهزمٌ. ويجوز أن يكون من الإدبار، لتركه الرأي حتى بلي بما بلي. وعمرو بن محرزٍ من أشجع. وقال: ضاق عليه المرج على سعته، لأنه كان مغلوباً مطلوباً. ويقال ضاق بفلانٍ الفضاء. والمشايع: المقوي لأصحابه المتابع لهم. وجعله طوالاً لأنهم يستحبون تمام الخلق، وامتداد القامة. وقوله وثورٌ أصابته السيوف القواطع، رفع ثوراً لأن الفعل بعده شغل عنه، وإن نصبه طلباً للمطابقة إذ كان في الجملة التي قبله منصوبٌ كان أحسن.

стр. 440

وقال زفر بن الحارث أفي الله أما بحدلٌ وابن بحدلٍ ... فيحيا وأما ابن الزبير فيقتل كان معاوية بن أبي سفيان لما جعل ابنه يزيد ولي عهده بايعه الناس إلا الحي من قيسٍ، فإنهم قالوا: والله، ما نبايع ابن الكلبية - وذاك أن أم يزيد ميسون بنت مالك بن بحدلٍ الكلبي - فصار في نفس يزيد لقيسٍ ذلك ضغناً وحقداً، وابتدأ الشر بينهم وبين بني أمية، فلما هلك يزيد استخلف ابنه معاوية بن يزيد، وأمه كلبيةٌ أيضاً، وصار حسان بن مالك بن بحدلٍ أخو ميسون وخال يزيد بن معاوية كالمالك للأمر، فكانت خلافته أياماً قليلةً، وتحركت فتنة ابن الزبير، فاضطرب حسان بن مالكٍ في الأمر اضطراباً شديداً، وصار يدعو الناس إلى نفسه تارةً وإلى من يختارونه من بني أمية أخرى، حتى قال الشاعر: وما الناس إلا بحدليٌ على الهوى ... وإلا زبيريٌ عصى فتزبرا إلى أن وقع الاختيار على مروان بن الحكم، فلما قام بالدعوة صارت البحدلية معه، فسموا مروانية، وصار السبب في حرب قيسٍ وتغلب أن صارت قيسٌ زبيرية وتغلب مروانية، فيقول زفر بن الحارث وهو رئيس قيس أفي الله يريد: أفي ذات الله ومرضي حكمه أن يطلب حياة ابن بحدل والمتعصبة لبني أمية ومروان وعبد الملك ابنه، ويطلب قتل عبد الله بن الزبير مع فضله وشرفه وسابقته. وهذا الكلام تقريعٌ للناس وإكبارٌ للأمر. وقوله أما بحدلٌ حكم أما أن ينقطع عما قبله، ولهذا عد من حروف الابتداء، ولأنه يتضمن معنى الجزاء والجزاء له صدر الكلام، إذا كان كذلك فكأنه قال: أفي الله هذه القصة وهذا الأمر والشأن. وقوله فيحيا فأخبر عن أحد الاسمين لما علم أن صاحبه في مثل حاله. وفي القرآن: " والله ورسوله أحق أن يرضوه ". كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما يكن يومٌ إغر محجل إنما قال كذبتم لأن الذي أنكره منهم وقرعهم عليه كان خبراً. ويجوز أن يكون المعنى: كذبتم أنفسكم حين حدثتموها بما لا يتم لكم. وقوله لا تقتلونه ولما يكن يومٌ، يقول: لا تقدرون قبل أن يكون لنا عليكم يومٌ مشهورٌ على قتله، وإذا عجزتم قبله ففي مستقبل الزمان بعده أنتم أعجز، وعن أمنيتكم وترجيم ظنكم أبعد.

стр. 441

ولما يكن للمشرفية فوقكم ... شعاعٌ كقرن الشمس حين ترجل قرن الشمس: أول ما ظهر منها. والترجل، قالوا: إذا ارتفعت الضحى وانبسطت الشمس ولم يشتد حرها فذاك الترجل. وقال ابن الأعرابي: الترجل قبل المتوع، والمتوع قبل انتصاف النهار، وأنشد لمزردٍ: فأصبح كالدهقان لما بدا له ... من الشمس إشراقٌ ولما ترجل بين بالشرط الثاني غرضه في تعجيزهم، وأن الذي يريدونه من قتله لا يتم أبداً لهم، ولا يدخل تحت مقدورهم. وقال حسان بن الجعد أبلغ بني حازمٍ أني مفارقهم ... وقائلٌ لجمالي غدوةً بيني إني امرؤٌ غرضٌ من كل منزلة ... لا شدتي تبتغي فيها ولا ليني هذا الشاعر خرج إلى عبد الله بن خازم راغبا في جواره والكون في جملته فلم يحمده وانصرف عنه، وقال: ليبلغ هذا الرجل وذووه أني مرتحلٌ ونافضٌ يدي منه، وحامل إبلي على مفارقة أرضه، ومظهرٌ الزهد في صحبته، لأني أجتوي كل منزلةٍ لا تمس حاجتها إلى كوني بها، وأنتوي البعد عن كل جنبةٍ لا تشتد رغبتها في إقامتي فيها، كما أني أضجر بجوار كل من اعتقد الغنى عن رأيي وغنائي، وخشونتي وليني. ويقال: غرضت من كذا، إذا مللته؛ وغرضت إلى كذا، إذا اشتقته. فهو كما يقال رغبت فيه ورغبت عنه. وقال القتال الكلابي إذا هم هماً لم ير الليل غمةً ... عليه ولم تصعب عليه المراكب يصفه بالإقدام والتشمير، وحسن النفاذ في الأمور، وأنه متى ما وقع في نفسه أمرٌ فهم به اقتعد الليل ولم يعده حائلاً دون مراده ولا مانعاً عن قصده ومراده، حتى يصير ركوبه غمةً، وما يتصور من هوله شدةً تدفع في الصدر، وتحلئ عن الورد، ولم يشق عليه المراكب، ولا يستكره فيه المصاعب. ويقال: هو في غمةٍ من أمره، أي حيرةٍ وظلمةٍ. وأصل الغم التغطية.

стр. 442

قرى الهم إذ ضاف الزماع فأصبحت ... منازله تعتس فيها الثعالب يقول: يجعل قرى همه إذا اعتراه، النفاذ والعزيمة، والإجماع فيه والصريمة، فترى منازله تستبدل بسكانها وحشاً تعتس فيها، ويعتاض هو من الدعة والخفض تعباً يمتطيه، ودءوباً يستمر فيه. والاعتساس: الاختلاف بالليل. ويقال: عس واعتس، ومنه أخذ العسس. وفي المثل الجاري " كلبٌ عس خيرٌ من أسدٍ ربض ". جليدٌ كريمٌ خيمه وطباعه ... على خير ما تبنى عليه الضرائب يقال هو جلدٌ وجليدٌ بمعنىً. والخيم: الطبيعة؛ وقال أبو عبيدة: أصله فارسيٌ معرب. والطباع: ما طبع عليه الإنسان في مأكله ومشربه وسائر أحواله. والضرائب: جمع الضريبة، وهي الخليقة. ويقال: ليس لفلانٍ ضريبٌ، أي شبيه، وهو كريم الضريبة. فيقول: قوي الجأش، مرضي الطبيعة، وقد جبل في كل ما يستشف من أموره على أحسن ما تجبل عليه النفوس والأخلاق. إذا جاع لم يفرح بأكلة ساعةٍ ... ولم يبتئس من فقدها وهو ساغب أحسن حاتم طيئٍ في هذه الطريقة حين قال: غنينا زماناً بالتصعلك والغنى ... فكلتاهما يسقي بكأسيهما الدهر فما زادنا بغياً على ذي قرابةٍ ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر والشاعر يصف كرم نفسه وحسن صبره على تقلب الأحوال، فالشبعة لا تطغيه، والجوعة لا تؤيسه فترديه. والسغب: الجوع. وأضاف الأكلة إلى ساعةٍ تقصيراً بها وإزراءً، وإن كان ذلك وقتاً لها. وقوله من فقدها يريد من فقدٍ لها، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول جميعاً، على هذا قوله تعالى: " من دعاء الخير ". يرى أن بعد العسر يسراً ولا يرى ... إذا كان يسرٌ أنه الدهر لازب

стр. 443

يستحسن لبشار في هذه الطريقة قوله، بل قد صار مثلاً: خليلي إن العسر سوف يفيق ... وإن يساراً في غدٍ لحقيق وما أنا إلا كالزمان، إذا صحا ... صحوت، وإن ماق الزمان أموق يقول: يعلم أن أسباب الدنيا وتصاريفها مبنيةٌ على التغير والتبدل، فالعسر واليسر يتعاقبان ولا يلزمان، فمتى استغنى كرم ولم يبطر، علماً بأنه يفنى فلا يبقى، وإذا افتقر عف ولم ييأس، ثقةً بأنه يزول ولا يدوم. وقوله " يرى " من البيت يجري مجراه من قوله تعالى: " إنهم يرونه بعيداً "، لأنه بمعنى يظنونه، وليس كذلك في قوله " ونراه قريباً " لأنه بمعنى نعلمه. وقد يستعمل العلم في موضع الظن أيضاً، لذلك قال: وأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل وقال أوس بن حبناء إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هواناً وإن كانت قريباً أواصره حقيقة أولاك كذا: جعله مما يليك، لكنه اشتهر في الإحسان، وقد يستعمل في الإساءة، كما فعله هذا الشاهر. ومثله بشرته في معنى تناوله الشر، وإن كان اشتهاره في الخير. ألا ترى قوله تعالى: " فبشرهم بعذابٍ أليمٍ ". يقول: قابل معاملك بمثل ما يرصده لك، فإن الأفعال بين الناس قروضٌ، وشرط القروض الوفاء بها، والحروج من ذممها، فمن أهانك فأهنه وإن قربت عواطف أرحامه، وشوابك أسبابه، ولا توجب له إلا مثل ما يوجبه لك. ويقال: بيني وبينه أصرةٌ، أي عاطفةٌ، والأصر: العطف. وقوله قريباً خبر كان، وقدمه على اسمه ولم يؤنثه لأنه أراد النسبة فلم يبنه على الفعل. ومثله قوله تعالى: " إن رحمة الله قريبٌ من المحسنين ". فإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فذره إلى اليوم الذي أنت قادره يقول: إن أعجزك مكافأته على إساءته إليك، وأعوزك إنالته مثل ما ينيلك في الحال، فأنظره إلى الوقت المساعد لك من مستقبل أيامك، وانتظر نوبتك من الدهر،

стр. 444

فإذا أمكنتك الفرصة فانتهزها. وقوله إلى اليوم الذي أنت قادره أراد أنت قادرٌ فيه، فقدر الظرف تقدير المفعول الصحيح لأن الظرف إذا أضيف إليه يخرج من أن يكون ظرفاً كما يخرج منه إذا دخل عليه حرف الجر. على هذا قولهم: يا سارق الليلة أهل الدار وقوله: طباخ ساعات الكرى زاد الكسل وقارب إذا ما لم تكن لك حيلةٌ ... وصمم إذا أيقنت أنك عاقره يقول: اجر مع الدهر في تصرفه وتلونه، ودار عدوك وجامله إن أعياك مكايلته ومحاسبته، فإذا انقضت أيامه وتيسر لك بعد مداجاتك له عقره وإهلاكه فاثبت في الأزم عليه، والانتقام منه، ثبات السيف القاطع في ضريبته، وإياك والغفلة عند بعد إيقاظك إياه، واللين معه وقد خشنته. وقال آخر: إني إذا ما القوم كانوا أنجيه واضطرب القوم اضطراب الأرشيه وشد فوق بعضهم بالأرويه هناك أوصيني ولا توصي بيه قوله إني إذا ما القوم خبر إن في قوله أوصيني ولا توصي بيه. والمعنى: إني أهلٌ لأن يوصي إلي حينئذ في غيري، ولا يوصى غيري بي. فتبين هذا من الكلام وإن كان على لفظ الأمر والنهي. وعلى هذا قول القائل زيدٌ قم إليه، أي هو أهلٌ لأن تقوم إليه. فبهذا التقدير وأمثاله جاز أن يقع الأمر موضع الخبر. وأنشد أبو زيدٍ: وكوني بالمكارم ذكريني ... ودلي دل ماجدةٍ صناع

стр. 445

وقال: أراد كوني تذكرينني، فوضع ذكريني موضع تذكرينني. ومرجع هذا الذي قاله إلى مثل ما بيناه. وكما أن خبر إن فيما بيناه فكذلك جواب إذا، فافهمه. وما من قوله ما القوم زائدةٌ. وأنجيةٌ: جمع نجيٍ، والنجي يقع للواحد والجمع. وفي القرآن: " خلصوا نجياً ". ومعنى كانوا أنجيه، أي صاروا فرقاً لما حزبهم من الشر، ودهمهم من الخوف، يتناجون ويتشاورون. وقوله واضطرب القوم أي أخذهم القيام والقعود، وفارقهم القرار والهدو، فأقبل بعضهم يمشي إلى بعضٍ، متعاونين في التهيؤ والارتحال، ومتساعدين على التيسر للانتقال. فشبه ميلانهم وترجحهم في اختلافهم، بترجح الأرشية عند الاستقتاء عليها من الآبار البعيدة القعر، وميلانها. وقوله وشد فوق بعضهم بالأرويه، يعني أنهم ركبوا الليل وداوموا السير، فغلب النعاس على طائفةٍ منهم حتى خيف عليهم السقوط، لضعف استمساكهم، فشدت الحبال فوقهم. والأروية: جمع الرواء وهو الحبل الذي يروى به، أي يستقى. ومنه قيل الراوية، ويجوز أن يكون الاضطراب الذي ذكره لاتصال التسيار وغلبة النوم، للإخلال بالنزول والقرار أيضاً. وصرفه إلى الأول أحسن. وقوله هناك أوصيني، هناك يشار به إلى الزمان والمكان معاً، وموضعه نصبٌ على الظرف، والكاف منه كاف الخطاب، والعامل فيه أوصيني. والمعنى: في ذلك الوقت يوجد الغناء والكفاية عندي، ويحصل الصبر والمداومة مني، فاجعلي وصاتك إلي لا بي، واعتمدي علي لا على غيري. وقال بعض القدماء: معنى كانوا أنجيه، يريد قوماً ناموا على رواحلهم فرأوا في منامهم كأنهم يتناجون. والصواب عندي ما قدمته. وقال المتلمس ألم تر أن المرء رهن منيةٍ ... صريعٌ لعافي الطير أو سوف يرمس فلا تقبلن ضيماً مخافة ميتةٍ ... وموتن بها حراً وجلدك أملس

стр. 446

قال هذا فيما كان بين ضبيعة وبكر بن وائل، ومعنى ألم تر اعلم. يقول: الإنسان مرتهنٌ بأجله، فإما أن يموت حتف أنفه فيدفن، وإما أن يقتل في معركةٍ فيترك لعوافي السباع والطير. وجعل رهن منيةٍ وصريعٌ لعافي الطير جميعا خبرين لأن، ثم أتي بأو الإباحة. ويجوز أن ينتصب صريعٌ على الحال، وفي رفعه وجهٌ آخر، وهو أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه هو صريعٌ. وإن جعلت أو التي تكون للشك يكون الكلام مبنياً على اليقين ثم يعترض فيه الشك. والأصلح في مثل هذا أن يجعل بإما، ليكون بنية الكلام على الشك، إذ كان واحدٌ من الأمرين لا يتيقن. وقوله فلا تقبلن ضيماً يقول: أدفع عن نفسك خطة الضيم والهضيمة، ولا تلتزم العار والدنية، إشفاقاً من المنية. وانتصب مخافة على أنه مفعولٌ له. وقوله وموتن بها، الضمير من بها يرجع إلى المخافة، أي مت بتلك المخافة حراً لم يستعبدك الخصم، ولم يستوطئك الظلم، وجلدك نقيٌ من العيب، سليمٌ من العار والشين. ويروى " واحين بها حراً وجلدك أملس " والرواية الأولى أحسن، ويكون واحين أمراً بالحياة وقد أدخل عليه النون الخفيفة. ومعنى يرمس: يدفن. والرمس: الدفن. والرياح الروامس منه، وتوسعوا في الدفن فقيل ارمس هذا الحديث، كما يقال ادفن. وعافي الطير: ما يعتري منه. ويقال فلانٌ كثير العافية والعفاة، ويراد الزوار والمجتدون. فمن طلب الأوتار ما حز أنفه ... قصيرٌ وخاض الموت بالسيف بيهس نعامة لما صرع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف يلبس قصيرٌ: صاحب جذيمة الأبرش. وقصة جذيمة وزباء الرومية مشهورة. وإن قصيراً توصل بأن جدع أنف نفسه، إلى أن استخدمته زباء ثم استخلصته حتى تمكن فأدرك ثأره منها. وبيهسٌ هو الذي يلقب نعامة، وهو رجلٌ من بني غراب بن فزارة، وكان يحمق، فقتل له سبعة إخوة فجعل يلبس القميص مكان السراويل، والسراويل مكان القميص، فإذا سئل عن ذلك قال: البس لكل عيشةٍ لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها

стр. 447

فتوصل بما صوره من حاله عند الناس إلى أن طلب بدماء إخوته. وحديثه مشهور أيضاً. وكلام المتلمس بعثٌ وتحضيضٌ على دفع الضيم، وركوب الإباء من التزام العار، فلذلك أخذ يذكر بحال من استضعف. فلم يزل يحتال حتى أدرك مباغيه من أعدائه. وقوله: ما حز أنفه ما زائدة. وارتفع نعامة على أنه بدلٌ من قوله بيهس. وموضع كيف نصبٌ على أنه مفعول تبين، والعامل في كيف يلبس تبين. كأنه قال: تبين في أثوابه يلبس أي لبسةٍ. وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا ... وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا قوله ما رأوا ما مع الفعل في تقدير مصدرٍ، كأنه قال: وما الناس إلا رؤيةٌ وتحدث، أي اعتبار بالمشاهدة أو بما يروى من أخبار الأمم البائدة؛ فهو كقولك: ما زيدٌ إلا ذو أكلٌ وشرب، فيكون إما على حذف المضاف، كأنه قال: ما زيدٌ إلا ذو أكلٍ وشربٍ؛ وإما أن يكون لكثرتهما منه، وولوعه بهما، كأنه نفس الأكل والشرب. فيقول: ما الناس إلا ذوو الاعتبار بما يشاهدونه أو يسمعونه من أخبار أسلافهم، فيتيقنون بأنه لا بد من الفناء، فلا ينبغي لأحد أن يحتمل ضيماً أو يصبر على مكروه، وما العجز إلا أن يظلموا ويساموا الخسف فيرضوا به، وينطووا عليه كاظمين وساكنين. ويجوز أن يريد بقوله وما الناس: وما حزم الناس، فحذف المضاف، ويكون حينئذ ما رأوا في موضع الظرف، كأنه أراد: ما حزمهم إلا مدة رؤيتهم وتحدثهم، أي إذا اعتبروا بالأمرين، ويكون هذا في باب الإخبار كقولهم: الهلال الليلة، على تقدير حدوث الهلال أو طلوعه الليلة. ويكون الدلالة على هذا الوجه أنه طابقه بقوله وما العجز. ألم تر أن الجون أصبح راسياً ... تطيف به الأيام ما يتأيس الجون: حصن اليمامة، ويقال إنه من مصانع طسمٍ وجديس. فيقول: لا توعدونا فإن حصننا حصينٌ لا يوصل إليه، ولا يستباح حماه. ومعنى تطيف به الأيام تلم به الأحداث وتنوبه النوائب فلا يطيع. وقوله لا يتأيس أي لا يلين. وأنشد الأصمعي: إن تك جلمود صخرٍ لا أؤيسه ... أوقد عليه فأحميه فينصدع

стр. 448

وموضع تطيف به الأيام نصبٌ إن شئت على الصفة، وإن شئت على أنه خبرٌ بعد خبرٍ. وموضع ما يتأيس نصبٌ على الحال، والعامل فيه تطيف. عصى تبعاً أزمان أهلكت القرى ... يطان عليه بالصفيح ويكلس يروى: ... أيام أهلكت القرى ... يطان على صم الصفيح ويكلس يقول: إن تبعاً لما غزا القرى والمدن لم يصل اليمامة للحصن. وذكره العصيان كما قال غيره. تمرد مارد وعز الأبلق. وقوله يطان عليه بالصفيح أي يجعل بدل طينه في الإصلاح والعمارة الكلس بالحجارة. ويجوز أن يكون بالصفيح في موضع الحال، أي يطان ويكلس بصفائحه، أي وهو مبنيٌ الحجارة. هلم إليها قد أثيرت زروعها ... وعادت عليها المنجنون تكدس يخاطب النعمان. وإليها أي إلى اليمامة. وهذا الكلام تهكمٌ وسخرية. يقول: إن قدرت عليها فاقصدها فإنها أخصب ما يكون، مزدرعها مثارٌ وداليتها تدور. ومعنى تكدس يركب بعضها بعضاً في الدوران. ويستعمل في سير الدواب وغيرها. وقال ابن الأعرابي: التكدس أن يحرك منكبيه إذا مشى. وقال الأصمعي. هي من مشى القصار الغلاظ. ويقال كدس به الأرض إذا ضربها به. وأنشدت: وخيلٍ تكدس بالدارعي ... ن نازلت بالسيف أبطالها وروى بعضهم: " قد أبيثت زروعها ". والإباثة: الإثارة. وقوله هلم إليها كما يقال أقبل إليها. وقد مضى القول في هلم. وذاك أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس ويروى جن ذبابه أي كثر ونشط. والعرض: وادٍ من أودية اليمامة، فلك أن تجره بإضافة الأوان إليه وهو مرفوعٌ، ولك أن تنصب الأوان فترفع العرض بالابتداء،

стр. 449

واسم الزمان يضاف إلى الجمل من الابتداء والخبر، والفعل والفاعل، وكأنه قال: وهذا الذي ذكرت هو في هذا الأوان. وقوله حي ذبابه أي عاش بالخصب فيه. وزنابيره يرتفع على أنه بدلٌ من الذباب. وذباب الروض قد تسمى الزنابير. وقوله والأزرق المتلمس إشارة إلى جنسٍ آخر غير الأول، وهو ما كان أخضر ضخماً. والمتلمس: الطالب، ويقال إنه سمي المتلمس بهذا البيت، واسمه جرير بن عبد العزى. يكون نذيرٌ من ورائي جنةً ... وينصرني منهم جليٌ وأحمس وجمع بني قران فاعرض عليهم ... فإن يقبلوا هاتا التي نحن نوبس قوله " يكون نذيرٌ " قيل فيه هو نذير بن بهثة بن وهب بن حرب. وقيل أراد بالنذير المنذر. والمعنى: إني أرصد لهم من ينذرني بهم فيخبرني بمجيهئهم إذا هموا به، فأتقي وأستجن وأتحرز. وجليٌ وأحمس من ضبيعة بن ربيعة بن نزار يقول: وإذا جاء وقت التجاذب والتدافع قام بنصري هذان البطنان. وقوله وجمع بني قران النصب فيه على إضمار فعل، كأنه قال: سم جمع بني قران، ويكون الفعل الظاهر تفسير المضمر؛ والرفع على الابتداء. ومعنى البيت: أجرونا مجرى نظرائنا فإنا نرضى بهم قدوةً، واعرضوا ما تسوموننا على بني قران، فإن وجدتموهم يتلقونه بالقبول، ويوطنون أنفسهم عليه، فلنا بهم أسوةً، وإلا فالامتناع منه واجبٌ. وقوله هاتا التي نحن نوبس أي هذه الخطة التي نكره عليها. والأبس: القهر. وقال ابن الأعرابي: أبست الرجل، إذ لقيته بما يكره؛ وأبست منه، إذا وضعت منه باستخفافٍ به وإهانةٍ له. وجواب الجزاء لم يجيء بعد. فإن يقبلوا بالود نقبل بمثله ... وإلا فإنا نحن آبى وأشمس وإن يك عنا في حبيبٍ تثاقلٌ ... فقد كان منا مقنبٌ ما يعرس قوله فإن يقبلوا بالود أعاد به الشرط، وذاك أنه قال في البيت الذي قبله فإن يقبلوا هاتا التي نجن نوبس، ولم يأت للشرط بجوابٍ، ثم قال فإن يقبلوا بالود نقبل بمثله، فاكتفى بجوابٍ واحد لاشتماله على ما يكون جواباً لهما، فكأنه قال: إن قبلوا ما نوبس نقبل مثله، وإن أقبلوا بعد ذلك وادين ووامقين أقبلنا بمثله، وإلا فنحن أشد

стр. 450

إباءً، وأبلغ شماساً، وأحمى أنفا وأعز جانباً، والشماس: الامتناع، ومنه شماس الدابة، وهو أن لا يمكن من الإسراج والإلجام. وكانت بنو ضبيعة حلفاء لبني ذهل بن ثعلبة بن عكابة، فوقع بينهم نزاعٌ، فعاتبهم المتلمس. وقوله وإن يك منا في حبيبٍ تثاقلٌ فإنه أراد حبيبٍ فخفف، وهو حبيب بن كعب بن يشكر بن بكر بن وائل. يقول: إن تكاسل بنو حبيب عن طلب دمائنا، وتثاقلوا عن إدراك ثأرنا، فقد كان منا من يدأب ويسهرن فلا يرى تعريساً وتلوماً وتعريجاً في ذلك. والمقنب: زهاء ثلاثمائةٍ من الخيل. والتعريس: نزولٌ في آخر الليل. وقال سعد بن ناشبٍ تفندني فيما ترى من شراستي ... وشدة نفسي أم سعدٍ وما تدري فقلت لها إن الحليم وإن حلا ... ليلفي على حال أمرٍ من الصبر تفندني أي تجهلني. والفند: إنكار العقل من هرمٍ. يقال شيخٌ مفندٌ. وفي القرآن: " لولا أن تفندون "، أي تجهلوني، وفسر على تكذبوني أيضاً. والشراسة: صعوبة الخلق وخشونة الجانب. فيقول: تعيبني هذه المرأة على ما ترى من عسر الخلق وإباء النفس وفظاظة القلب، جاهلةً بأحوال الرجال، والفصل بين أوقات الجد والهزل، والشدة والليان، فأجبتها وقلت: إن الرجل الحليم وإن لان عطفه وسهل خلقه فقد يوجد في وقت الغلظة وعند حالة القسوة أمر مرارةً من الصبر، وأشد صلابةً من الحجر. وقوله وما تدري في موضع الحال. وفي هذه الطريقة قول الآخر: وإني لحلوٌ إن أريدت حلاوتي ... ومرٌ إذا نفس العزوف اقشعرت وفي اللين ضعفٌ والشراسة هيبةٌ ... ومن لا يهب يحمل على مركبٍ وعر الواو من قوله والشراسة عاطفةٌ لجملةٍ على جملةٍ، ولا يجوز أن يجر الشراسة على أن يكون معطوفاً على في اللين، لما فيه من العطف على عاملين بحرفٍ واحدٍ. ومعنى البيت أن من استلين جانبه في كل حالٍ استضعف واهتضم، ومن استخشن خلقه هيب وتحومي.

стр. 451

وما بي على من لان من فظاظةٍ ... ولكنني فظٌ أبيٌ على القسر في هذه الطريقة قول الآخر: أبيٌ لما آلى سريعٌ مباءتي ... إلى كل نفسٍ تنتحي في مسرتي يقول: أضع كل واحدٍ من الفظاظة والسهولة، والشراسة والسلاسة، في موضعه، وأستعمله مع من يستحقه، فمن جرى معي وانقاد لي لنت له، وقابلته بمثل فعله، ومن تأبى علي وطلب مني متابعته والجري مع هواه أبيت عليه، وخالفته فيما يبتغيه. والقسر: القهر على الكره، ويقال قسرته واقتسرته، ومنه قيل للأسد قسورةٌ. أقيم صغا ذي الميل حتى أرده ... وأخطمه حتى يعود إلى القدر فإن تعذليني تعذلي بي مرزأً ... كريم نثا الإعسار مشترك اليسر قوله أقيم صغا ذي الميل، تبجج فيه بأنه عارفٌ بأسرار الرجال، لطيف التوصل إلى إنزالهم منازلهم، بصيرٌ بمداواة أدوائهم، لا يتركهم سدىً، ولا يخليهم إهمالاً. والصغا: الميل والاعوجاج، يقال صغا فؤاده يصغى ويصغو، أي مال. وصغوك مع فلانٍ، أي ميلك. يقول: من مال عنا فإني أقوم اعوجاجه بما يحوج إليه من قولٍ وفعلٍ، حتى أرده إلى ما أريده، فإن تبينت فيه تعدياً لطوره، وذهاباً عن حقه وحده، زممته بزمام مثله حتى يرجع إلى مرتبته وقدره. وقوله فإن تعذليني يصف نفسه بأنه سمحٌ معطاءٌ، لا يكف عن البذل، ولا يرد عن الإعطاء والجود، على تلون الزمان به، وتغير الأحوال عليه. والمرزأ: المصاب في ماله كثيراً. وقوله تعذلي بي مرزأً، أي رجلاً مرزأً، وذلك الرجل هو هو كما يقال: لقيت بزيدٍ الأسد. والنثا: الخبر، ويستعمل في الخير والشر، والثناء لا يستعمل إلا في الخير، يقول: إن لمتني على ما هو دأبي من الإفضال، لمت بي رجلاً لا يفكر في عقب الدهر، وكروره بالغنى والفقر، فإن نابه العسر حسن بلاؤه وكرمت أخباره فيه، وإن ناله اليسر أشرك الأقارب والأجانب في نفعه، فعمت فواضله لديهم. وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى. فمن ذلك قول الشمردل: وصولٌ إذا استغنى وإن كان مقتراً ... من المال لم تحف الصديق مسائله

стр. 452

وقول المرار: إذا افتقر المرار لم ير فقره ... وإن أيسر المرار أيسر صاحبه وأحسن من الجميع قول الآخر: إذا افتفروا عضوا على الفقر حسبةً ... وإن أيسروا عادوا سراعاً إلى الفقر إذ هم ألقى بين عينيه عزمه ... وصمم تصميم السريجي ذي الأثر يذكر من نفسه الصرامة والنفاذ، وفصل الأمور، والصبر على ممارسة الخطوب. يقول: إذا عزم على الأمر كان جميع الرأي، يجعل المهموم به نصب عينيه، حتى يخرج منه، ونفذ نفاذ السيف الخذم لا يتوقف في الضريبة، ولا يكهم. والسريجي: منسوبٌ، ويجوز أن يكون وصف بذلك لكثرة ماله ورونقه، حتى كأن فيه سراجاً؛ ومنه قيل: سرج الله أمرك، أي حسنه ونوره. والتصميم: المضي في الأمر، ويقال صمم في عضته، إذا نيب. قال: فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغاً لنابيه الشجاع لصمما والأثر: الفرند والماء، ويقال أثرٌ بالضم. وقال أيضاً: لا توعدنا يا بلال فإننا ... وإن نحن لم نشقق عصا الدين أحرار يخاطب بهذا الكلام بلالاً الخارجي، ويعيره خروجه من طاعة السلطان وشقه عصا الإسلام، فيقول: اترك توعدنا فإنا وإن لم نفرق الجماعة تفريقك، ولم نخالف المسلمين مخالفتك فإن فينا كرماً وإباءً يحمينا من الانهضام، ويحرم علينا الصبر على المذلة والعار، فلا طريق لك إلى تملكنا والتحكم فينا. وقال الخليل قولهم شق عصا المسلمين، العصا: الاجتماع والائتلاف. والأجود عندي أن يكون مثلاً كما يقال للرفيق الحسن السياسة: هو لين العصا، وفي ضده: هو صلب العصا، وكقولهم: قشرت له العصا، إذا أبنت له ما في نفسك، وكما قيل: " عصا الجبان أطول ". وقال بعضهم يصف الخوارج: رجوا بالشقاق الأكل خضماً فقد رضوا ... أخيراً من أكل الخضم أن يأكلوا قضما

стр. 453

فأتى بالشقاق وأصله من شق العصا. وإن لنا إما خشيناك مذهباً ... إلى حيث لا نخشاك والدهر أطوار يتوعده بأنه إن أعياه مقارته ولم يف بمدافعته، فارق أرضه وتربص به ما لا يؤمن من تغير الزمان، وتحول الأحوال، لأن في سعة الأرض مذهباً له، وفي التباعد عنه راحةً تؤمنه. وقد أومأ بقوله والدهر أطوار إلى تصاريف الزمان، وتلونه بالخير تارةً وبالشر أخرى. ويقال الناس أطوارٌ، أي أخيافٌ على حالاتٍ شتى. وفي القرآن: " وقد خلقكم أطواراً ". وقوله إلى حيث لا نخشاك أجرى حيث مجرى الأسماء، وجعل لا نخشاك من تمامه، وحذف الضمير منه تخفيفاً، كأنه قال إلى حيث لا نخشاك فيه، أي إلى مكان الأمن منك. ويروى " فإن لنا عنكم مزاحاً ومذهباً ". والمزاح: المبعد، يقال: زاح عني. فلا تحملنا بعد سمعٍ وطاعةٍ ... على غايةٍ فيها الشقاق أو العار يقول: لا تلجئنا بعد انقيادنا لك في كثير من الأمور، ودخولنا تحت هواك، وتلقينا بالسمع والطاعة أمرك، إلى غايةٍ تضيق نطاق صبرنا، وتعجز طاقتنا وجهدنا، فتفضى بنا الحال إلى أحد شيئين، إما مشاقتك ومجاهدتك، وركوب كل صعبٍ وذلولٍ في الخروج عنك وعليك، وإما الرضا بالدنية والدخول تحت العار والهضيمة، فلا حظ لنا ولك في واحدةٍ منهما. وقد مضى القول في الشقاق وأصله. يقال هو يشاقهم خلافاً وعناداً. فإنا إذا ما الحرب ألقت قناعها ... بها حين يدفوها بنوها لأبرار قوله إذا ظرفٌ لخبر إن، وهو أبرار. وكذلك قوله حين يجفوها، والتقدير: إنا لأبرار بالحرب إذا ألقت قناعها وجفاها أبناؤها. وقوله ألقت قناعها مثلٌ. يريد: إذا اشتدت فتكشفت، وزالت المساترة بين أولادها فتبرجت، في أقبح زيها وأفظع صورتها. وتشبيه الحرب في ابتدائها بالفتية المخدرة وتسترها، وعند تفاقمها بالعجوز واطراحها لقناعها، مشهور في عاداتهم وطرائقهم. وبر أبنائها بها: صبرهم على حرها، وتهييجهم لنارها. وجفاؤهم بها أن يكونوا على الضد من ذلك.

стр. 454

ولسنا بمحتلين دار هضيمةٍ ... مخافة موتٍ إن بنا نبت الدار هذا خلاف قول الآخر: إذا ارتحلوا عن دار ضيم تعاذلوا ... عليها وردوا وقدهم يستقيلها وانتصب مخافة على أنه مفعولٌ له، الهضيمة والمضيمة واحد. وقال قراد بن عبادٍ إذا المرء لم يغضب له حين يغضب ... فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبوا ولم يحبه بالنصر قومٌ أعزةٌ ... مقاحيم في الأمر الذي يتهيب تهضمه أدنى العدو ولم يزل ... وإن كان عضاً بالظلامة يضرب يخبر بأن عز الرجل بعشيرته، واعتلاءه بذويه وأقاربه، فإذا لم يتغضب له فرسانٌ يسخطون لسخطه ويمتعضون من دخول الضيم عليه، فيركبون حد الموت في هواه، ويقتحمون الشدائد في نصرته، تجاسر عليه أضعف أعدائه، وأدنى مخالفيه، وإن كان في نفسه منكراً داهيةً لا يطاق، ولم يزل مضروباً بالظلم والهضيمة، مقهوراً بالإزراء والمضيمة، وإن كان لا يؤتى من حدٍ ومضاء. والعض: السيئ الخلق، والمنكر الشديد اللسان. ويقال هو عض مالٍ وعض سفرٍ وقتال، إذا كان حسن الغناء في جميعها. وجواب إذا المرء قوله تهضمه، وهو العامل فيه والمقاحيم: جمع المقحام، وهو الذي يخوض قحمة الشيء، أي معظمه. ومعنى تهضمه كسره وأذله. والحباء: عطاءٌ بلا منٍ ولا جزاءٍ. ويقال: حباه الله بكذا، وحباه كذا أيضاً. وخبر لم يزل " يضرب "، وفي الجملة جواب " وإن كان عضاً ". فآخ لحال السلم من شئت واعلمن ... بأن سوى مولاك في الحرب أجنب ومولاك مولاك الذي إن دعوته ... أجابك طوعاً والدماء تصيب

стр. 455

فلا تخذل المولى وإن كان ظالماً ... فإن به تثأى الأمور وترأب يحثه على استصلاح بني الأعمام، وينبه على أنهم المعتمدون في الشدائد، فيقول: وال لأيام السلامة وأحوال الموادعة والمسالمة من شئت، وإن لم يجمعك وإياه نسبٌ ولا سببٌ، عالماُ بأنه لا يصلح للحرب ومجاذبة الأعداء إلا قريبٌ، وأن من سواه فيها غريب. وقوله ومولاك مولاك تلافى به تحقيق ما قدمه، وتأكيد ما أطلقه، ونفى عنه تسلط المجاز والاتساع. فيقول: مولاك في الحقيقة هو ابن عمك الذي إن استغثت به أبعد ما كان منك أغاثك عن حنوٍ وشفقة، وإن دعوته والكلم يقطر وحبل الألفة ينقطع، أجابك لا بتصنعٍ وتعملٍ، فأما من ولاؤه بالاسم دون المعنى، أو يكون مداجياً لك يجاملك بالغش وينطوي لك على الضغن، يخذلك أحوج ما كنت إليه، ويبعد عنك أقرب ما كنت فيه، فلا معتمد عليه، ولا استنامة إليه. وانتصب طوعاً لأنه مصدرٌ في موضع الحال. ومثل هذا قول الآخر: أخوك الذي إن تدعه لملمةٍ ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب وقوله ولا تخذل المولى وإن كان ظالماً يجوز أن يكون المعنى: لا تخذله وإن كان ظالماً لك، ويجوز أن يكون على منهاج ما جاء في الخير: " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ". يقول: طالب نفسك لمولاك بمثل ما تطالب به مولاك لنفسك، وانصره على كل حال. وفي مثل طريقة البيتين الأولين من هذه المقطوعة قول الآخر: ومن لا يكن ذا ناصرٍ يوم حقه ... يغلب عليه ذو النصير ويضهد وفي كثرة الأيدي لذي الظلم زاجرٌ ... إذا خطرت أيدي الرجال بمشهد ومعنى به تثأى الأمور وترأب يريد بالمولى تصلح الأمور وتفسد. ويقال: رأيت الثأي، كما يقال رفعت الخرق. وقال زاهر أبو كرامٍ التيمي لله تيمٌ أي رمح طراد ... لاقى الحمام به وتصل جلاد

стр. 456

قوله لله تيمٌ، تيمٌ: رجلٌ من بني يشكر، بارز أبا كرامٍ فقتله، وكان أحد الفرسان، فأخذ أبو كرامٍ يقيم أمره ويعظم شأنه، لأن ثناءه عليه وإكباره لمكانه راجعٌ إليه، إذ صار قتيله. واللام من لله تيمٌ دخلت للتخصيص، والعجب دخل في الكلام أيضاً بقوله أي رمح طراد. وعلى هذا قولهم: لله دره. وهذا التخصيص باللام يجري مجرى الإضافة في قولهم: بيت الله، وكعبة الله، وإن كانت الأشياء كلها لله. وقوله أي رم طراد لاقى الحمام به الضمير في به لتيمٍ، والمعنى: لاقى الموت بتيمٍ أي رمح مطاردةٍ، وأي نصل مجالدةٍ، كأنه كان رمحاً ونصلاً، ومحش حربٍ. ويجوز أن يكون المراد: لاقى الموت به أي سلاحٍ وعدة، وأي مقاتلٍ وبطل. ولك أن ترفع الحمام، والمعنى: لاقى الموت بتيم أي رمح وأي رامح، وأي سيفٍ وأي سائف. ودل على صاحب السيف والرمح قوله " ومحش حرب " في البيت الثاني. ومحش حربٍ مقدمٍ متعرضٍ ... للموت غير معردٍ حياد يقال: حششت النار، إذا جمعت الحطب إليها وهيجتها. كأنه جعله آلةً في حش نار الحرب، لأن المفعل والمفعال للآلات. والتعريد: ترك القصد وسرعة الانهزام. والحياد: الذي يحيد عن موضع القتال كثيراً. يريد أنه يقدم ولا يحجم. وانعطف ومحش حربٍ على ونصل جلاد. كالليث لا يثنيه عن إقدامه ... خوف الردى وقعاقع الإيعاد مذلٌ بمهجته إذا ما كذبت ... خوف المنية نجدة الأنجاد يقول: هو في بأسه وإقدامه، مثل الليث لا يصرفه عن الوجه الذي يؤمه، والأمر الذي يهمه، ما يستشعره الجبان من خوف الموت، وقعقعة الوعيد. والقعقعة: صوت الجلد اليابس والبكرة؛ وتوسعوا فيه فقالوا: هال فلاناً قعقعة الوعيد. وقالوا: تقعقعت مفاصله أيضاً. وقوله: مذلٌ بمهجته كأنه يطول تعرضه للشدائد، ويدوم ابتذاله لما يجب صونه من كرائم النفس، فعل من ضجر بمهجته فاستقتل، واستطاب الموت فتعجل. ويقال: مذل بسره، إذا باح به. والمهجة: خالصة النفس، ومنه الأمهجان في اللبن.

стр. 457

وانتصب خوف المنية على أنه مفعول له، وإذا ما كذبت نجدة الأنجاد، ظرفٌ لقوله مذل، والمعنى: إذا خانت شدة الأشداء، ولم تف بما تعد شجاعة الشجعان، لاستفحال الشأن، فإن هذا الرجل كان ينذل بمهجته، فكأنه يميل إلى انقطاع العمر. والأنجاد: جمع النجد. والنجدة: البأس. ويقال: هو صادق البأس، كما قيل كاذب البأس. ساقيته كأس الردى بأسنةٍ ... ذلقٍ مؤللة الشفار حداد فطعنته والخيل في رهج الوغى ... نجلائ تنضح مثل لون الجادى أخذ يقتص كيف قتل تيماً. والمساقاة تكون من اثنين، ولذلك قال: " بأسنة ذلقٍ " فجمع، وإنما كان سنانان من رمحين. ويجوز أن يكون جمع لأنه أراد الزج والسنان من كل واحدٍ منهما. والذلق: المحددة. وذلق كل شيء: حده، ومنه قيل ذليق اللسان. والمؤللة أيضاً: المحددة. والشفار، أصله أن يستعمل في السكين العريض. وكما جعل هذا الشفرة للرمح جعله غيره للسيف فقال: ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مز حل وقوله فطعنته والخيل الوالو والو الحال، والرهج: الغبار. وقوله: نجلاء أراد طعنته طعنةً نجلاء أي واسعة، تنضح أي ترش. والنضح بالحاء غير معجم يستعمل فيما رق، وبالخاء معجمةً فيما غلظ. وقوله مثل لون الجادى يعني به دماً، أي لونه مثل لون الزعفران. فكأنما كانت يدي من حتفه ... لما انثنيت له على ميعاد فهوى وجائشها يفور بمزبدٍ ... من جوفه متدارك الإزباد قوله فكأنما كانت يدي من حتفه يريد أنه سقط لأول طعمة، فكانت نفسه فيها، لأنها كانت جائفةً نافذةً إلى المقتل، فكأن بين حينه وبين يدي لما أملتها للطعن موعدةً أنجزت، وخطفةً اختطفت. وقوله فهوى وجائشها يفور يريد: سقط وما يجيش من نجيعه يسيل وقد علاه الزبد لكثرته وقوته، فهو يمور ولا يرقأ ولا يهدأ. ومعنى متدارك الإزباد أي متتابعه، أي إزباده لا ينقطع.

стр. 458

وقال عمرو القنا القائلين إذا هم بالقنا خرجوا ... من غمرة الموتت في حوماتها عودوا الحومات: جمع حومةٍ، وهي في الأصل أكثر موضعٍ في البحر ماءً، وكذلك في الحوض، فاستعارها لشدة الحرب. وإنما يصف حرصهم على القتال، وأنه لا يلحقهم السآمة فيه والملال، فمتى خرجوا من غمرة منيةٍ، وحومة كريهة، مطاردين الأعداء، دعتهم أنفسهم إلى أن يتنادوا: عودوا، فلا شفاء نلنا، ولا بواء من الأعداء أصبنا. وقوله بالقنا خرجوا أي خرجوا ومعهم القنا. وعودوا في موضع المفعول من القائلين، وهو حكاية ماقالوا. عادوا فعادوا كراماً لا تنابلةٌ ... عند اللقاء ولا رعشٌ رعاديد قوله لا تنابلةٌ عند اللقاء مثله قول الهذلي: قد ظلت فيها معي شعثٌ كأنهم ... إذا يشب سعير الحرب أرماح يقول: عادوا لاتفاق آرائهم واجتماع كلماتهم، وهم كرام الموافقة، شداد المناصبة، لا يتضاءلون عند اللقاء، ولا يتقاصرون في جهد البلاء، ولا يرتعشون في الدفاع، ولا يتخاضعون أوان الامتناع. والتنابلة: جمع التنبال، وهو القصير. والرعاديد: جمع رعديدٍ، وهو الذي لا يتماسك جبناً وضعف قلب. لا قوم أكرم منهم يوم قال لهم ... محرض الموت عن أحسابكم ذودوا دخل تحت قوله أكرم منهم كل خصلةٍ محمودةٍ، لأنه إذا تناهى كرمهم إذا دعا الداعي وقت التحريض: أن ادفعوا عن أحسابكم، فقد حصلوا كل منقبةٍ شريفة، وطلعوا على كل ثنيةٍ من ثنايا المجد منيفة، واكتسبوا من الأحدوثة الجميلة بما يظهر من بلائهم ما يقصر عنه كل أكرومةٍ نبيهةٍ.

стр. 459

وقال الفرزدق إن تنصفونا يا آل مروان نقترب ... إلتكم وإلا فأذنوا ببعاد يقول: إن حملتمونا في مجاوتنا لكم على السواء، وتركتم البغي علينا والعلاء، اختلطنا بكم، وطلبنا موافقتكم، وإلا فاعلموا أن البعاد منكم همنا وهمتنا؛ لأنه إذا لم يكن لنا صبرٌ على الاهتضام، ولا طريقٌ إلى الانتقام، فلا ثالث لهما إلا الانتقال. ويقال أذنت بكذا، إذا علمت به فاستعددت له؛ وآذنني فلانٌ؛ ومنه الأذان بالصلاة، والفعل منه أذن. فإن لنا عنكم مزاحاً مذهباً ... بعيسٍ إلى ريح الفلاة صواد قوله مزاحاً هو من زاح يزيح، إذا ذهب؛ ومنه أزحت العلة، والكلام خارجٌ على أنه تفسير البعاد الذي ذكره وبيانه. يقول: إن سمتمونا خسفاً، وأذقتم ممونا في ولايتكم عسفاً، فإن لنا عنكم في الأرض مبعداً ومنتاى، بإبلٍ بيضٍ كرامٍ، ألفت المفاوز، فهي للتلكؤ عنها نوازع دونها، عواطش إلى ريحها. والصوادي: جمع صاديةٍ؛ والصدى: العطش. مخيسةٍ بزلٍ تخايل في البرى ... سوار على طول الفلاة غواد التخييس: حبس الإبل على الكد والعمل؛ ومه قول النابغة: وخيس الجن إني قد أذنت لهم أي احبسهم واستعملهم، وإنما وصف العيس ليى أنه متمكنٌ من مراده في التباعد، ومستظهرٌ في العدة للسفر إن اضطر إليه. وجعلها بزلاً لتكون متناهيةً في القوة. وقوله تخايل في البرى أي تحتال في سيرها وهي مبراةٌ تطيق وصل السير بالسرى، على امتداد الشقة وطول الوجهة. وقوله في البرى في موضع النصب على الحال.

стр. 460

وفي الأرض عن ذي الجور منأىً ومذهبٌ ... وكل بلادٍ أوطنت كبلادي أظهر في الكلام طيب نفسه على السفر، وسلوه عن بلده وموطنه، فقال: في الأرض الواسعة منتزحٌ ومتوجه عن الجائرين، وكل مكانٍ اتخذته وكناً كان كمسقط رأسي، ومقر نشئي، إذ لا قرابة بين الديار وسكانها ولا مشاكلة، وإنما يختار منها ما كان إلى السلامة أقرب، وللعز أجلب، ومن المهانة والذل أبعد. وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن خلفنا خفير زياد كان شكوه من الحجاج بن يوسف، وتأذيه بسوء معاملته، فأخذ يستهين به. يقول: إذا خرجت من ملكته، وفارقت أرضى مملكته، تباعدت عن حومة سلطانه، ودار أمره ونهيه، وخلفت ورائي حفير زياد بن أبيه، الذي هو حد عمله، فماذا تراه يقدر عليه مني، أو يستطيع اختياره من إذائي وقصدي. وعسى من أفعال المقاربة، والفعل بعده يصحبه أن في الكلام. وفي القرآن: " وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم ". إلا أنه في الشعر قد يشبه تكاد، وهو نظيره في أنه من أفعال المقاربة، فينزع منه أن، لأن الفعل بعد كاد يكون بغير أن. ومثله في ذلك قول الآخر: عسى الله يغني عن تلاد ابن قادر ويعني بحفير زيادٍ نهراً كان احتفره زياد. فباست أبي الحجاج واست عجوزه ... عتيد بهمٍ ترتعي بوهاد قوله باست أبي الحجاج قال أبو زيد: القصد بمثل هذا القول أن يبين أنه يتجاسر على ذكر السوءة منه. والباء من قوله باست متعلقةٌ بمضمرٍ، كأنه لحق باست والديه كل خزيةٍ وعارٍ، ومنقصةٍ وشنار. وقوله عتيد بهمٍ انتصب على الشتم والاختصاص، والعامل فيه فعل مضمرٌ، كأنه قال: أعني وأذكر. وجعله بهذا الاسم أشهر وأعرف منه بالعلم له، والاسم الذي سمى به. وهذا هو الغرض في كل ما ينصب على المدح أو الذم، ولذلك كان أبلغ من الصفات التابعة لموصوفها في المعنى، إذ كانت الصفة تجيء لشرح الاسم وإزالة اللبس عنه، وباب المدح والذم
следующие страницы →