Полный текст (1 295 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
قوله لله تيمٌ، تيمٌ: رجلٌ من بني يشكر، بارز أبا كرامٍ فقتله، وكان أحد الفرسان، فأخذ أبو كرامٍ يقيم أمره ويعظم شأنه، لأن ثناءه عليه وإكباره لمكانه راجعٌ إليه، إذ صار قتيله. واللام من لله تيمٌ دخلت للتخصيص، والعجب دخل في الكلام أيضاً بقوله أي رمح طراد. وعلى هذا قولهم: لله دره. وهذا التخصيص باللام يجري مجرى الإضافة في قولهم: بيت الله، وكعبة الله، وإن كانت الأشياء كلها لله. وقوله أي رم طراد لاقى الحمام به الضمير في به لتيمٍ، والمعنى: لاقى الموت بتيمٍ أي رمح مطاردةٍ، وأي نصل مجالدةٍ، كأنه كان رمحاً ونصلاً، ومحش حربٍ. ويجوز أن يكون المراد: لاقى الموت به أي سلاحٍ وعدة، وأي مقاتلٍ وبطل. ولك أن ترفع الحمام، والمعنى: لاقى الموت بتيم أي رمح وأي رامح، وأي سيفٍ وأي سائف. ودل على صاحب السيف والرمح قوله " ومحش حرب " في البيت الثاني.
ومحش حربٍ مقدمٍ متعرضٍ ... للموت غير معردٍ حياد
يقال: حششت النار، إذا جمعت الحطب إليها وهيجتها. كأنه جعله آلةً في حش نار الحرب، لأن المفعل والمفعال للآلات. والتعريد: ترك القصد وسرعة الانهزام. والحياد: الذي يحيد عن موضع القتال كثيراً. يريد أنه يقدم ولا يحجم. وانعطف ومحش حربٍ على ونصل جلاد.
كالليث لا يثنيه عن إقدامه ... خوف الردى وقعاقع الإيعاد
مذلٌ بمهجته إذا ما كذبت ... خوف المنية نجدة الأنجاد
يقول: هو في بأسه وإقدامه، مثل الليث لا يصرفه عن الوجه الذي يؤمه، والأمر الذي يهمه، ما يستشعره الجبان من خوف الموت، وقعقعة الوعيد. والقعقعة: صوت الجلد اليابس والبكرة؛ وتوسعوا فيه فقالوا: هال فلاناً قعقعة الوعيد. وقالوا: تقعقعت مفاصله أيضاً.
وقوله: مذلٌ بمهجته كأنه يطول تعرضه للشدائد، ويدوم ابتذاله لما يجب صونه من كرائم النفس، فعل من ضجر بمهجته فاستقتل، واستطاب الموت فتعجل. ويقال: مذل بسره، إذا باح به. والمهجة: خالصة النفس، ومنه الأمهجان في اللبن.
стр. 457
وانتصب خوف المنية على أنه مفعول له، وإذا ما كذبت نجدة الأنجاد، ظرفٌ لقوله مذل، والمعنى: إذا خانت شدة الأشداء، ولم تف بما تعد شجاعة الشجعان، لاستفحال الشأن، فإن هذا الرجل كان ينذل بمهجته، فكأنه يميل إلى انقطاع العمر. والأنجاد: جمع النجد. والنجدة: البأس. ويقال: هو صادق البأس، كما قيل كاذب البأس.
ساقيته كأس الردى بأسنةٍ ... ذلقٍ مؤللة الشفار حداد
فطعنته والخيل في رهج الوغى ... نجلائ تنضح مثل لون الجادى
أخذ يقتص كيف قتل تيماً. والمساقاة تكون من اثنين، ولذلك قال: " بأسنة ذلقٍ " فجمع، وإنما كان سنانان من رمحين. ويجوز أن يكون جمع لأنه أراد الزج والسنان من كل واحدٍ منهما. والذلق: المحددة. وذلق كل شيء: حده، ومنه قيل ذليق اللسان. والمؤللة أيضاً: المحددة. والشفار، أصله أن يستعمل في السكين العريض. وكما جعل هذا الشفرة للرمح جعله غيره للسيف فقال:
ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مز حل
وقوله فطعنته والخيل الوالو والو الحال، والرهج: الغبار. وقوله: نجلاء أراد طعنته طعنةً نجلاء أي واسعة، تنضح أي ترش. والنضح بالحاء غير معجم يستعمل فيما رق، وبالخاء معجمةً فيما غلظ. وقوله مثل لون الجادى يعني به دماً، أي لونه مثل لون الزعفران.
فكأنما كانت يدي من حتفه ... لما انثنيت له على ميعاد
فهوى وجائشها يفور بمزبدٍ ... من جوفه متدارك الإزباد
قوله فكأنما كانت يدي من حتفه يريد أنه سقط لأول طعمة، فكانت نفسه فيها، لأنها كانت جائفةً نافذةً إلى المقتل، فكأن بين حينه وبين يدي لما أملتها للطعن موعدةً أنجزت، وخطفةً اختطفت. وقوله فهوى وجائشها يفور يريد: سقط وما يجيش من نجيعه يسيل وقد علاه الزبد لكثرته وقوته، فهو يمور ولا يرقأ ولا يهدأ. ومعنى متدارك الإزباد أي متتابعه، أي إزباده لا ينقطع.
стр. 458
وقال عمرو القنا
القائلين إذا هم بالقنا خرجوا ... من غمرة الموتت في حوماتها عودوا
الحومات: جمع حومةٍ، وهي في الأصل أكثر موضعٍ في البحر ماءً، وكذلك في الحوض، فاستعارها لشدة الحرب. وإنما يصف حرصهم على القتال، وأنه لا يلحقهم السآمة فيه والملال، فمتى خرجوا من غمرة منيةٍ، وحومة كريهة، مطاردين الأعداء، دعتهم أنفسهم إلى أن يتنادوا: عودوا، فلا شفاء نلنا، ولا بواء من الأعداء أصبنا. وقوله بالقنا خرجوا أي خرجوا ومعهم القنا. وعودوا في موضع المفعول من القائلين، وهو حكاية ماقالوا.
عادوا فعادوا كراماً لا تنابلةٌ ... عند اللقاء ولا رعشٌ رعاديد
قوله لا تنابلةٌ عند اللقاء مثله قول الهذلي:
قد ظلت فيها معي شعثٌ كأنهم ... إذا يشب سعير الحرب أرماح
يقول: عادوا لاتفاق آرائهم واجتماع كلماتهم، وهم كرام الموافقة، شداد المناصبة، لا يتضاءلون عند اللقاء، ولا يتقاصرون في جهد البلاء، ولا يرتعشون في الدفاع، ولا يتخاضعون أوان الامتناع. والتنابلة: جمع التنبال، وهو القصير. والرعاديد: جمع رعديدٍ، وهو الذي لا يتماسك جبناً وضعف قلب.
لا قوم أكرم منهم يوم قال لهم ... محرض الموت عن أحسابكم ذودوا
دخل تحت قوله أكرم منهم كل خصلةٍ محمودةٍ، لأنه إذا تناهى كرمهم إذا دعا الداعي وقت التحريض: أن ادفعوا عن أحسابكم، فقد حصلوا كل منقبةٍ شريفة، وطلعوا على كل ثنيةٍ من ثنايا المجد منيفة، واكتسبوا من الأحدوثة الجميلة بما يظهر من بلائهم ما يقصر عنه كل أكرومةٍ نبيهةٍ.
стр. 459
وقال الفرزدق
إن تنصفونا يا آل مروان نقترب ... إلتكم وإلا فأذنوا ببعاد
يقول: إن حملتمونا في مجاوتنا لكم على السواء، وتركتم البغي علينا والعلاء، اختلطنا بكم، وطلبنا موافقتكم، وإلا فاعلموا أن البعاد منكم همنا وهمتنا؛ لأنه إذا لم يكن لنا صبرٌ على الاهتضام، ولا طريقٌ إلى الانتقام، فلا ثالث لهما إلا الانتقال. ويقال أذنت بكذا، إذا علمت به فاستعددت له؛ وآذنني فلانٌ؛ ومنه الأذان بالصلاة، والفعل منه أذن.
فإن لنا عنكم مزاحاً مذهباً ... بعيسٍ إلى ريح الفلاة صواد
قوله مزاحاً هو من زاح يزيح، إذا ذهب؛ ومنه أزحت العلة، والكلام خارجٌ على أنه تفسير البعاد الذي ذكره وبيانه. يقول: إن سمتمونا خسفاً، وأذقتم ممونا في ولايتكم عسفاً، فإن لنا عنكم في الأرض مبعداً ومنتاى، بإبلٍ بيضٍ كرامٍ، ألفت المفاوز، فهي للتلكؤ عنها نوازع دونها، عواطش إلى ريحها. والصوادي: جمع صاديةٍ؛ والصدى: العطش.
مخيسةٍ بزلٍ تخايل في البرى ... سوار على طول الفلاة غواد
التخييس: حبس الإبل على الكد والعمل؛ ومه قول النابغة:
وخيس الجن إني قد أذنت لهم
أي احبسهم واستعملهم، وإنما وصف العيس ليى أنه متمكنٌ من مراده في التباعد، ومستظهرٌ في العدة للسفر إن اضطر إليه. وجعلها بزلاً لتكون متناهيةً في القوة. وقوله تخايل في البرى أي تحتال في سيرها وهي مبراةٌ تطيق وصل السير بالسرى، على امتداد الشقة وطول الوجهة. وقوله في البرى في موضع النصب على الحال.
стр. 460
وفي الأرض عن ذي الجور منأىً ومذهبٌ ... وكل بلادٍ أوطنت كبلادي
أظهر في الكلام طيب نفسه على السفر، وسلوه عن بلده وموطنه، فقال: في الأرض الواسعة منتزحٌ ومتوجه عن الجائرين، وكل مكانٍ اتخذته وكناً كان كمسقط رأسي، ومقر نشئي، إذ لا قرابة بين الديار وسكانها ولا مشاكلة، وإنما يختار منها ما كان إلى السلامة أقرب، وللعز أجلب، ومن المهانة والذل أبعد.
وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن خلفنا خفير زياد
كان شكوه من الحجاج بن يوسف، وتأذيه بسوء معاملته، فأخذ يستهين به. يقول: إذا خرجت من ملكته، وفارقت أرضى مملكته، تباعدت عن حومة سلطانه، ودار أمره ونهيه، وخلفت ورائي حفير زياد بن أبيه، الذي هو حد عمله، فماذا تراه يقدر عليه مني، أو يستطيع اختياره من إذائي وقصدي. وعسى من أفعال المقاربة، والفعل بعده يصحبه أن في الكلام. وفي القرآن: " وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم ". إلا أنه في الشعر قد يشبه تكاد، وهو نظيره في أنه من أفعال المقاربة، فينزع منه أن، لأن الفعل بعد كاد يكون بغير أن. ومثله في ذلك قول الآخر:
عسى الله يغني عن تلاد ابن قادر
ويعني بحفير زيادٍ نهراً كان احتفره زياد.
فباست أبي الحجاج واست عجوزه ... عتيد بهمٍ ترتعي بوهاد
قوله باست أبي الحجاج قال أبو زيد: القصد بمثل هذا القول أن يبين أنه يتجاسر على ذكر السوءة منه. والباء من قوله باست متعلقةٌ بمضمرٍ، كأنه لحق باست والديه كل خزيةٍ وعارٍ، ومنقصةٍ وشنار. وقوله عتيد بهمٍ انتصب على الشتم والاختصاص، والعامل فيه فعل مضمرٌ، كأنه قال: أعني وأذكر. وجعله بهذا الاسم أشهر وأعرف منه بالعلم له، والاسم الذي سمى به. وهذا هو الغرض في كل ما ينصب على المدح أو الذم، ولذلك كان أبلغ من الصفات التابعة لموصوفها في المعنى، إذ كانت الصفة تجيء لشرح الاسم وإزالة اللبس عنه، وباب المدح والذم
стр. 461
يجيء للتنويه والرفع أو التهجين والحط. والعتيد: تصغير عتود، وهو ما رعى وقوى من أولاد الغنم. والبهم: صغار أولاد الغنم. وقوله ترتعي موضعه جرٌ على أنه صفةٌ لقوله بهم. والوهاد: ضد النجاد. والمعنى: أنه في القلة والخسة رئيس أشباهٍ له هذا صفتهم فيما ينالونه من دنياهم، فهو فيهم كعتودٍ من بهمٍ ذلك صفتها.
فلولا بنو مروان كان ابن يوسفٍ ... كما كان عبداً من عبيد إياد
يقول: لولا تقدم الحجاج ببني مروان، واستعمالهم إياه، وجذبهم بضبعه ورفعهم خسيسته، وإيطاؤهم الناس عقبه لكان حديثاً كما كان قديماً ذليلاً مهيناً حقيراً قمياً بين أمثالٍ له من إيادٍ.
وقال آخر:
قد علم المستأخرون في الوهل
إذا السيوف عريت من الخلل
أن الفرار لا يزيد في الأجل
يقال استأخر بمعنى تأخر، كما يقال استقدم بمعنى تقدم. والوهل: الفزع. والخلل: بطائن جفون السيف، والواحدة خلةٌ، والمراد بها ها هنا الجفون. وقوله أن الفرار سد مسد مفعولي علم. يقول: بان وظهر للذين يتأخرون عن الدفاع، ويتحامون المصاع، مستشعرين أن الإحجام يقبهم ويبقيهم، وظانين أن الفرار من الزحوف إذا انتضيت السيوف يزيد في أعمارهم - أم الحذر لا يغني من القدر، وأن الهرب لا يزيد في الأجل. وهذا كلام من ابتذل نفسه فسلم وصار يعير من كان بخلافه.
وقال شبل الفزاري
وحاربه بنو أخيه فقتلهم
أيا لهفى على من كنت أدعو ... فيكفيني وساعده الشديد
يتندم على ما أجرى إليه وجره القدر فيهم وفيه، ويتذمم من نكايته في ذويه ويتحزن على ما فاته من تلافيه، ويتلهف من فقدانه إياهم على فاقته إليهم، فقال: يا
стр. 462
حسرتاه على من كان مفزعي في النوائب، ومعتمدي في الشدائد، أستنصرهم فينصونني، وأتكفيهم فتحصل منهم كفايتي، والقوة لهم وبهم، والنصرة مجتلبةٌ من جهتهم. وقوله وساعده الواو واو الحال، أي يكفيني بقوةٍ وشدة بأس.
وما من ذلةٍ فلبوا، ولكن ... كذاك الأسد تفرسها الأسود
بين أنهم لم يؤتوا من ضعفٍ، ولم ينكبوا عن وهن، ولكن الأشداء إذا تلاقوا متدافعين ومتجاذبين، فلا بد من حصول الغلب في أحد جانبيهم، واحتجان القهر لأقرب طائفتيهم. على ذلك الأسود تكسرها الأسود. وقوله: كذاك الأسد الأسد مرتفع بالابتداء، وتفرسها الأسود في موضع الخبر، وكذاك في موضع الحال، والتقدير: ولكن الأسد تفرسها الأسد كذلك، أي أمثالاً لمن قتلت، ويجوز أن يكون أشار بذلك إلى الغلب، لأن غلبوا يدل عليه، ويجوز أن يكون ذلك خبراً مقدماً للأسد، وتفرسها في موضع الحال والتقدير: ولكن كأمثالهم الأسد إذا فرستها الأسد، ومثل هذا قول الآخر:
قومنا بعضهم يقتل بعضاً ... لا يفل الحديد إلا الحديد
ومن الأمثال: " النبع يقرع بعضه بعضاً ".
فلولا أنهم سبقت إليهم ... سوابق نبلنا وهم بعيد
لحاسونا حياض الموت حتى ... تطاير من جوانبنا شريد
هذا الكلام اعترافٌ منه بقوتهم وغنائهم في الحرب واستقلالهم، فيقول: لولا أنا رشقناهم بالنبل على بعدهم عنا، وقبل تمكنهم منا، لكان الإتيان عليهم متعذاراً، والفراغ من مناوشتهم متصعباً، لما فيهم من الثبات في الدفاع والصبر على الوقاع، ولأنهم كانوا يساقوننا الموت من حياضه إلى أن يتفرق عنا، ويذهب من جوانبنا كل مختلطٍ بنا، يأساً منا، ونفوراً من حالنا، لما يستشنعه من جهد بلائنا، ويبشمه من عسر لزامنا، لكنهم شغلوا بما دهمهم من ذلك. وقوله وهم بعيد: بعيدٌ مثل الصديق والرسول، في أنه يقع للواحد والجمع. وقوله شريد يراد به الكثرة، وإن كان لفظه واحداً. وقوله: لحاسونا حياض الموت فيه توسعٌ، لأن المعنى ما في الحياض.
стр. 463
وقال قطري بن الفجاءة
ألا أيها الباغي البراز تقربن ... أساقك بالموت الذعاف المقشبا
يخاطب من طلب مبارزته. ومعنى تقربن أقبل وهلم. وقوله أساقك بالموت الذعاف يجوز أن يكون معناه أساقك بسبب الموت، ويجوز أن يكون على القلب أراد أساقك الموت بالذعاف، والمعنى بأن أفعل بك ما يقوم مقام سقي الذعاف. ويدل على هذا الوجه قوله فيما بعد: فما في تساقي الموت في الحرب سبةٌ. والذعاف: سم ساعةٍ، ويقال طعامٌ مذعوفٌ. وموتٌ ذعافٌ أي وحيٌ. والمقشب: الذي قد خلط به أدويةٌ تقويه وتهيجه. وأصل القشب: الخلط، حتى قيل رجلٌ مقشبٌ، أي مخلوط الحسب باللؤم.
فما في تساقي الموت في الحرب سبةٌ ... على شاربيه فاسقني منه واشربا
التساقي: أن يسقى بعضهم بعضاً، ولا يصح الأمر منه لواحدٍ، ولا يعتدي إليه. ومن هذا الوجه خالف تفاعل، وإن لم يكن فعلهما إلا من اثنين فصاعداً. ألا ترى أنك تقول يا زيد ضارب عمراً، ولا تقول تضاربه. والمراد بالكلام إظهار طيب النفس بالموت، والتسلي عن الحياة، وأنه لا يدخل العار على من شرب كأس الردى، ولا منقصة على متنازعيها، فهاتها وخذها.
وقال دراجٌ حين طعن
شدي على العصب أم كهمس
ولا تهلك أذرعٌ وأرؤس
مقطعاتٌ ورقابٌ خنس
فإنما نحن غداة الأنحس
هيمٌ بهيمٍ طليت تمرس
يقوى قلبها على أسو جراحه، وإحكام شد عصائبه، ويقول: لا يهولنك ما ترين من أذرعٍ مفصلةٍ، وأرؤسٍ مقطعةٍ، ورقابٍ مقصرةٍ، فإن الموت يأتي لحينه وأوانه، وقدره وميقاته، ولا يقربه شدة الجلاد، ولا فظاعة الجراح، واعلمي أن الذي أدانا إلى ما تشاهدينه تناهى العداوات والضغائن، وانطواء الصدور على الحزازات والسخائم، وأن كلامنا كان يكظم غيظه، ويكتم حقده، انتظاراً لعقب الأيام، وفرص الإمهال،
стр. 464
فلما جمعنا القدر لغداةٍ الأنحس، كنا كإبلٍ جربى طليث بالهناء لاقت مثلها فتحاكت متلذذةً، وتدافعت متشفية. الهيم: الإبل العطاش، وإذا كانت جربى قد عطشت وطليت كان حماها أزيد، وكربها افظع، وتحككها أشد. والخنس: جمع خانس، كشاهدٍ وشهدٍ. والخنوس: الانقباض والانخفاض. والباء من قوله بهيم يتعلق بتمرس، وتمرس صفة الهيم الأول، وطليت صفٌة للثاني.
وقال الأرقط بن دعبل بن كلبٍ العنبري
إني ونجماً يوم أبرق مازن ... على كثرة الأيدي لمؤتسيان
لقى هذا الرجل وابنه قوماً لصوصاً فقاتلاهم وظفرا بهم، فأخذ يقتص الحال. ونجمٌ: اسم ابنه. يقول: إني وابني نجماً في يوم الالتقاء مع المتلصصة بأبرق مازن والأبرق مكانٌ فيه حجارةٌ سودٌ وبيض، ومنه جبلٌ أبرق، إذا كان طاقاته ذات لونين سوادٍ وبياض على كثرتهم وقلتنا، لمؤتسيان، أي يواسي كلٌ منا صاحبه على أمره، ويساعده على مراسه. وقوله على كثرة الأيدي في موضع الحال.
يلوذ أمامي لوذةً بلبانه ... وترهب عنا نبعةٌ ويمان
الضمير في قوله يلوذ لنجمٍ ابنه، والباء في بلبانه يتعلق بيلوذ، ولا يجوز أن يتعلق بقوله لوذةً، لأن الفعل والمصدر إذا اجتمعا فالفعل بالعمل أولى. والهاء ضمير الفرس، ولم يجر ذكره، ولكن المراد مفهومٌ، وكان الأرقط فارساً على ما يدل الكلام عليه، والابن راجلاً. وكان لياذه من حر الوقاع في الوقت بعد الوقت بأبيه، على عادة مزاولي الحروب في تساند الرجالة إلى الفرسان، ثم قال " وترهب عنا نبعةٌ ويمان تنبيها على عدتهما واستظهارهما بسلاحهما. ويعني بالنبعة قوسا.
ونغشى فنغشى ثم نرمى فنرتمي ... ونضرب ضرباً ليس فيه توان
يقول: نحمل عليهم فيحملون علينا، ثم يرموننا من بعد فنرميهم. كأنهم طاردوا أولاً ثم ناضالوا وأخروا الجلاد. فقال: ونضرب ضرباً لا فتور فيه ولا تقصير، وهذا
стр. 465
كما قال الآخر:
عنا طعانٌ وضربٌ غير تذبيب
فالتذبيب المنفى كالتوانى.
وقال وداك بن نميلٍ المازني
نفسي فداءٌ لبني مازنٍ ... من شمسٍ في الحرب أبطال
يقول: أفدي من كل سوءٍ بنفسي بني مازنٍ، من فرسانٍ ينفرون من الضيم، ويشمسون إذا التقوا مع الأعداء في الحرب، شماساً لا يحصهم على طمعٍ متيح، ولا يؤديهم إلى يأسٍ مريح، بل يترددون في الجذاب، فلا يزالون معهم على مراس إتعابٍ لا ينقطع، ولزام شرٍ لا يقلع، وهكذا يكون شموس الخيل في الإباء والانقياد. وقال لقيطٌ فبين المعنى وأوضحه:
جرت لما بيننا حبل الشموس فلا ... يأساً مبيناً نرى منها ولا طمعا
وفي طريقة بيت وداك قول عبد الرحمن بن حسان:
وإني من قومٍ كرامٍ يزيدهم ... شماساً وصبراً شدة الحدثان
هيمٌ إلى الموت إذا خيروا ... بين تباعاتٍ وتقيال
الهيم: العطاش، والتباعة والتبعة بمعنىً. يقول: إذا خير بنو مازنٍ فيما يزاولونه بين الصبر على القتال وبين الرضا فيما يلحقهم معه تبعات العار، وجدوا يؤثرون فوت الروح على التزام الهضم، إيثار العطشان للماء.
حموا حماهم وسما بيتهم ... في باذخات الشرف العالي
يقول: منعوا حماهم ممن يريد دخوله، ويروم إباحته، فسلم على مر الأيام، وصار بينهم من يفاع الشرف العالي في أعلى منزلةٍ، فلا يرتقي إليه همة حاسد، ولا يناله أمنية منازعٍ. والباذخ: الجبل الطويل؛ ومه البذخ الكبر.
стр. 466
وقال سوارٌ
أجنوب إنك لو رأيت فوارسي ... بالسيف حين تبادر الأشرار
سعة الطريق مخافة أن يؤسروا ... والخيل يتبعهم وهم فرار
هذا الكلام تلهف وتحسر، وإخبار بحسن بلائه وبلاء فرسانه فيما منوا به وتحمدٌ. فيقول: لو شاهدت فرساني يا جنوب بالسيف وهو شاطئ البحر حين تسابق شرار الرجال وجبناؤهم إلى متسع الطريق، خارجين من منافذ المضيق، خوفاً من الإسار، هائمين على وجوههم، والخيل في طلبهم وهم يستغيثون بي عند احمرار الباس، واشتداد المراس، على عادتهم معي في الكرائه، لرأيت أمراً منكراً. حذف جواب الأمر، وإبهام الحال في مثل هذا الكلام أبلغ من بيانها، وقد مضى القول في مثله، فيما تقدم. وسعة الطريق: مفعول تبادر، ومخافة انتصب على أنه مفعولٌ له، وأن يؤسروا مفعولٌ من المخافة.
يدعون سواراً إذا احمر القنا ... ولكل يوم كريهةٍ سوار
احمرار القنا إنما يكون من الدم السائل عليه، لكثرة الطعن. وقد قيل: موتٌ أحمر، ومنيةٌ حمراء، يراد الشدة، حتى قيل سنةٌ حمراء، وقالوا: " الحسن أحمر " أي يتجشم في طلب الجمال الشدائد. وقوله ولكل يوم كريهةٍ سوار أراد أن يبين أن ذلك دأبهم عند الكريهة في دعائي ودأبي في الإجابة، وأنه لم يكن بدعاً منهم ومني ولا نكرا.
وقال أبو حزابة التميمي
من كان أحجم أو خامت حقيقته ... عند الحفاظ فلم يقدم على القحم
فعقبة بن زهيرٍ يوم نازله ... جمع من الترك لم يحيم ولم يخم
стр. 467
هذا الكلام يجري مجرى التعريض لما يشتمل عليه من التعيير. وقوله فعقبة مبتدأ وخبره لم يحجم. فيقول: من كان كف في اللقاء عن الإقدام وقت الحاجة، وأعفى نفسه من الاقتحام أوان المحافظة، راضياً بالقصور والتقصير، والانخزال والفتور، أو سقطت همته، وتخترت حقيقته، فلم تبعثه أنفةٌ، ولم يهيجه امتعاضٌ وأبيةٌ، فعقبة بن زهيرٍ يوم منازلته للأتراك لم يتوقف في المدافعة، ولم يتلبث فيها دون أبعد الغاية. والإحجام: ضد الإقدام. وقد مضى القول في موضوعه. وحقيقة الرجل: ما يحق عليه الدفع عنه من ذويه وحسبه، كما أن حقيقة الأمر ما يتيقن من وجوبه. واستعارة النوم فيها حسنٌ، فهو كما يقال نام الثوب إذا أخلق. وقحم الأمور والطرق: ما صعب منها. وقوله لم يخم يقال خام عن قرنه، إذا نكل ونكص على عقبه. ويقال أيضاً: خام في مكيدته يخيم، إذا لم يظفر فيها بخيرٍ. وقوله فعقبة جواب من كان أحجم.
مشمرٌ للمنايا عن شواه إذا ... ما الوغد أسبل ثوبيه على القدم
يقول: كشف في المجاهدة عن ساقه، وتشمر للبلاء عند سياقه، إذا الدني من الرجال أرخى ذيله، فلا يتشمر لتلقي المهمة، وتغشى غطاء عجزه، فلا ينبعث لدفع الملمة، ولا يتحرك لمنع المظلمة. والشوى: الأطراف. والوغد من قولك: وغدت القوم، إذا خدمتهم. وقوله إذا ما الوغد ما زائدة، وإذا ظرفٌ لما دل عليه قوله مشمرٌ وهو جوابه. وفي خلاف قوله قول الآخر:
وكنت إذا جارى دعا لمضوفةٍ ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري
خاض الردى في العدي قدماً بمنصه ... والخيل تعلك ثني الموت باللجم
يقول: دخل قديماً في مكاشفة أعدائه الهلاك بسيفه، لا ينقبض ولا يحجم، والخيل عواض على لجمها، تعلكها في أثناء الموت. والعلك: المضغ، ويقال: في لسانه عولكٌ، أي يمضغه. فعلى هذا يكون ثني الموت ظرفا، كما يقال جعلته ثني كذا. ويجوز أن يكون مفعولاً من تعلك. ويقال: ثنيت الشيء ثنيا، ثم يسمى المثني ثنيا. ويكون باللجم في موضع الحال، كأنه قال: والخيل تمضغ مثنى الموت، أي
стр. 468
مضاعفه، ملجمة. وهذا حسنٌ. وبعضهم روى والخيل تعلك ثن الموت، والثن: حطام اليبس، والمختار ما قدمته. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
خضنا إليه الموت في أيماننا ... حمر الشفار جفونهن الأرؤس
وهم مئون ألوفاً وهو في نفرٍ ... شم العرانين ضرابين للبهم
يقول: واقع الأعداء وناجزهم، على كثرة عددهم، وهو في رجالٍ كرام يستنكفون من تقبل العار، فتالين لبهم الرجال. وقوله مئون جمع مائة وهي من الأسماء المنقوصة إذ كانت لامها محذوفةً، بدلالة قولهم: أمأيت، ولذلك جمع على السلامة. وإنما أشار إلى جنس الترك كله فعدهم أعداءه، لا أنه حارب مئين ألوفاً منهم. والبهم: جمع بهمةٍ، وهم الشجعان الذين لا يدرى كيف يؤتون، لاستبهام أحوالهم.
وقال أوس بن ثعلبة
جذام حبل الهوى ماضٍ إذا جعلت ... هواجس الهم بعد النوم تعتكر
بصفة بالنفاذ في الأمور، واجتماع الرأي في الخطوب، والمضي فيما يعرض، وترك التباطؤ عما يعن ويحدث، وأنه لا يمنعه من ركوب الأسفار وتجشم المشاق ما يدفع في صدر العزم، ويثنى من حد القصد، بل يقطع علائق الهوى، ويبعد عن نفسه عوائق المنى، فيمضي قدماً إذا أقبلت عوارض الهموم بالليل، تتردد بين القلب والخاطر، وتجول بين الفعل والفاعل. والجذم: القطع. وحبل الهوى: الوصلة التي بينه وبين النفس. وعكر واعتكر: وعطف. والهاجس: ما وقع في خلدك. وأنشد:
فطأطأت النعامة من قريبٍ ... وقد قرت هاجسها بهجسي
النعامة: اسم فرسه.
وما تجهمني ليلٌ ولا بلدٌ ... ولا تكاءدني عن حاجتي سفر
стр. 469
قوله وما تهجمني ليلٌ فيه قلبٌ؛ لأن المعنى: ما تجهمت ليلاً ولا بلداً. ويقال تجهمت فلاناً ولفلانٍ، إذا استقبلته بوجهٍ كريهٍ. وأسدٌ جهم الوجه. فيقول: لا أنكره زمناً، ولا أستصعب مركباً، ولا أستبعد بلداً إذا سنح أمرٌ أوجب نهوضاً، أو سفرٌ اقتضى لبعده صبراً جميلاً. ويقال تكاءدني كذا، تصعدني كذا، إذا شق عليك.
وقال آخر:
أقول وسيفي في مفارق أغلب ... وقد خر كالجذع السحوق المشذب
مفعول أقول أول البيت الذي بعده، وهو قوله بك الوسبة. وقال في مفارق لأنه جمعه على ما حوله، كما يقال بعير ضخم العثانين، كأنه جعل كل قطعةٍ مما يلي المفرق مفرقاً فجمعه. ومعنى خر سقط، ومصدره الخرور. والسحوق من النخل والحمر: الطويل. يقال: أتانٌ سحوقٌ، نخلةٌ سحوق. يقول: لما تمكنت من أغلب قنعته بسيفي فسقط، فقلت متشفياً ومستهيناً: أناخت الوجبة بك لا بمن كنت تطلبه لها، وهذا كما يقال: لليدين وللفم. وقوله كالجذع في موضع الحال، والعامل فيه خر، وتشبيهه إياه بالجذع من قديم التشبيه، وفي القرآن: " كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية ". زدهلخ كشذباً ليكون طوله أظهر.
بك الوجبة العظمى أناخت ولم تنخ ... بشعبة فابعد من صريعٍ ملحب
أراد بالوجبة العظمى المنية. وفي القرآن: " فإذا جبت جنوبها ". أي مزل بك المكروه الأعظم، والبلاء الأفظع، لا بشعبة. كأن هذا المصروع كان يتوعد شعبة بالقتل، أو يريده له ويتمناه، فما ائتمره به أصابه وحق عليه. وقوله فابعد دعاءٌ عليه على طريق الاستهانة بما حل به. والملحب: المذلل، ومنه طريقٌ لاحبٌ أي واضحٌ. ويجوز أن يكون معنى ملحبٌ مجروحٌ مقطع يقال لحبت اللحم إذا قطعته طولا.
سقاه الردي سيفٌ إذا سل أو مضت ... إليه ثنايا الموت من كل مرقب
стр. 470
هذا مثل قول تأبط شراً.
إذا هزه في عظم قرنٍ تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك
وإن كان هذا أبلغ؛ جعل ضحك الموت تألق السيف إذا جرد من الغمد سروراً به، وذلك جعله إلى المضروب به ثقةً بكونه له. ويقال أومض وومض، إذا لمع. ورواه بعضهم: " أومضت إليه منايا الموت "، وهو تصحيف.
ويا عجل عجل القاتلين بذحلهم ... غريباً لدينا من قبائل يحصب
جنيتم وجرتم إذا أخذتم بحقكم ... زعمتم غريباً مرملاً غير مذنب
قوله عجل القاتلين وإضافة البعض إلى الكل، وكرره توكيداً. ولك أن تضم عجل الأول وتنصب الثاني على البدل، أو على عطف البيان. وبنو عجلٍ كانوا موتورين بما ارتكب منهم قبيلة الشاعر، وهم بنو مازنٍ، فلم يطلبوا ذخلهم من وجهه، ولا أدركوا الثأر من كاسبه، لكنهم أخذوا غريباً كان جاور بني مازن فقتلوه، فقال هذا الشاعر في مخاطبتهم معيراً، وهازئاً متهكماً: يا عجل القاتلين بوترهم غريباً كان عندنا من بني يحصب، لم يسع في اكتساب الثأر الذي تدعونه، ولا أعمل فيه يداه وسنانه حتى جنيتم وعدلتم عن طريق الرشاد، إذ أخذتم بحقكم على زعمكم غير واتركم. فقوله: إذ أخذتم بحقكم زعمتم يجوز أن يضعف بالزعم دعواهم الحق المشار إليه، ويجوز أن يضعف ما توهموه من درك الثأر بما فعلوه. ويجوز أن يضعف الأمرين جميعاً، وهو الأشبه. فإن قيل: أين مفعولا زعمتم، وكيف ساغ حذفهما؟ قلت: الحذف هنا كالحذف في قوله تعالى: " أين شركائي الذين كنتم تزعمون ". وكالحذف في قول الكميت:
بأي كتابٍ أم بأية سنةٍ ... ترى حبهم عاراً عليك وتحسب
فكما حذف مفعولا تحسب في بيبت الكميت، ومفعولا تزعموت في الآية، كذلك حذف مفعولا زعمتم من هذا البيت، ويكون التقدير: إذ أخذتم بحقكم زعمتموه مأخوذاً رجلاً هذا صفته، وبحقكم زعمتموه ثاناي، فحذف ذكر الحق لما
стр. 471
تقدم من ذكره، ولما حذف المفعول الأول جاز حذف الثاني، وهذا كما يحذف المبتدأ والخبر من مسألة الكتاب، وهي متى ظننت أو قلت زيداً منطلقاً. إذا أعملت الفعل الأول ساغ ذلك، لأن الفعل الثاني نقيضهما، وقد حصل في الكلام ذكرهما. فاعلمه. والمرمل: الفقير.
وما قتل جارٍ غائبٍ عن نصيره ... لطالب أوتارٍ بمسلك مطلب
فلم تدركوا ذحلا ولم تذهبوا بما ... فعلتم بني عجلٍ إلى وجه مذهب
يقول: الوتر مقيمٌ في موضعه ثابتٌ على حاله، لم تزيلوه ولم تظعنوه عن محله، لأن قتل جارٍ للواتر غائبٍ عن نصاره، بعيدٍ عن أرضه ودياره، لطالب الثأر ليس بطريقٍ يؤديه إلى نيل مرادٍ، ولا بسببٍ يوصله إلى اشتفاءٍ من داءٍ، فأنتم لم تصيبوا نجحاً في فعلكم، ولا سلمتم فيما أتيتم من عار يلحقكم.
ولكنكم خفتم أسنة مازنٍ ... فنكبتم عنها إلى غير منكب
وقد ذقتمونا مرةً بعد مرةٍ ... وعلم بيان المرء عند المجرب
يقال نكب بمعنى تنكب، ومثله قدم بمعنى تقدم؛ ومعناه انحرف. ويقال هو أنكب عن الحق ومنكابٌ عنه، إذا جانبه فيصير منه في شق. يقول: هبتم أعداءكم عندما هممتم به من طلب وتركم، واستشعرتم منهم جبناً، فحذرتموهم، ثم عدلتم عنهم إلى غير معدل فقبحت صورتكم، واخترتم ذلك لأنكم خبرتمونا حالةً بعد أخرى، والمرء يتبين الشيء، ويعرف الخصم عند تجربته.
وقال بغثر بن لقيطٍ الأسدي
أما حكيمٌ فالتمست دماغه ... ومقيل هامته بحد المنصل
وإذا حملت على الكريهة لم أقل ... بعد العزيمة ليتني لم أفعل
قوله أما يتضمن معنى الجزاء، وأكثر ما يجيء مكرراً، وقد جاء هنا غير مكرر. فيقول: هما كان من شيءٍ فقد طلبت دماغ هذا الرجل بسيفي، فأصبته غير متندمٍ على ما فعلت، ولا متذممٍ منه، لأني إذا حملت على خطةٍ صعبةٍ فوطنت نفسي عليها، وقررت عزمي في تجشمها لم أقل بعد الدخول فيها والخروج منها بودي ألا
стр. 472
أكون لابستها. وأراد بالمقيل المقر. والهامة: رأس كل حيوان، والجميع الهام. والمنصل، من أسماء السيف. ويقال: ماله عزيمةٌ أي لا يثبت على ما يعزم عليه. ورأيه ذو عزيم. والعزم: توطين النفس على المراد.
وقال رجلٌ من بني نمير
أنا ابن الرابعين من آل عمرٍو ... وفرسان المنابر من جناب
نعرض للسيوف إذا التقينا ... وجوهاً لا تعرض للسباب
فآبائي سراة بني نميرٍ ... وأخوالي سراة بني كلاب
يفتخر بأن آباءه رؤساء خطباء. والرابع: الرئيس الذي كان يأخذ ربع الغنيمة في الغزو. ويقال ربع فلانٌ في الجاهلية وخمس في الإسلام. وذكر عمراً وجناباً ليرى أنه كريم الطرفين، يدل على هذا قوله فيما بعده:
فآبائي سراة بني نميرٍ ... وأخوالي سراة بني كلاب
وقوله نعرض للطعان إذا التقينا يصف تكرمهم وتصونهم في السلم، وتبذلهم في الحرب. ويشبه هذا قول الراعي:
ويبتذل النفس المصونة نفسه ... إذا ما رأى حقاً عليه ابتذالها
وقول الآخر:
نعرض للسيوف إذا التقينا ... وجوهاً لا تعرض للطام
وسراة القوم: خيارهم. وقال الخيل: السرو: سخاءٌ في مروةٍ. وفعلةٌ في جمع المعتل نادرٌ، لأنه يختص بالصحيح، نحو الفجرة والكفرة، وبإزائه من المعتل فعلةٌ نحو قضاةٍ وغزاة.
وقال الهذلول بن كعبٍ العنبري
حين رأته امرأته يطحن للأضياف، فقالت: أهذا بعلي؟!
стр. 473
تقول ودقت صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحا المتقاعس
حكى ما قالته امرأته وهي تدق صدرها بيمينها، مستنكرةً لما رأته من طحنه لضيفه، ومستفظعة لما شاهدت من تخففه وتبذله، وهو قوله: أبعلي هذا المتقاعس بالرحا. فإنها استشنعت هيئته وامتهانه نفسه فيما يمتهن فيه الخدم، وبأنف من توليه ذوو الرزانة والعزة. وإنما ابتدأ كلامه بتقول لأن القول يحكى به ما كان كلاماً، ويعمل فيما كان قولاً. والمتقاعس: بناءٌ لما يفعل تكلفاً. على هذا قولهم تخازر وتعامى. والقمس: دخول الظهر وخروج الصدر. وقوله أبعلي موضعه رفعٌ بالابتداء، والألف لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الإنكار والتقريع. وقوله هذا يكون في موضع الخبر، والمتقاعس يتبعه على أنه عطف البيان له. وإن شئت جعلت هذا صفةً لبعلي والمتقاعس خبراً. وقوله بالرحا لا يجوز أن يتعلق بالمتقاعس، لأنه في تعلقه به يصير من صلة الألف واللام، وما في الصلة لا يتقدم على الموصول، ولكن تجعله تبييناً وتتصور المتقاعس اسماً تاماً، ويصير موقع بالرحا بعده موقع بك بعد مرحباً، ولك بعد سقياً وحمداً. وإذا كان كذلك جاز تقديمه عليه، كما جاز أن تقولك بك مرحباً، ولك سقياً. وللمازني في مثل هذا طريقةٌ أخرى: وهو أن يجعل الألف واللام من المتقاعس للتعريف فقط، ولا يؤدى معنى الذي، كما تقول نعم القائم زيدٌ، وبئس الرجل عمرو، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى الصلة، فجاز وقوع بالرحا مقدماً عليه ومؤخراً بعده. وموقع الجملة التي حكاها من كلام المرأة نصبٌ على أنه مفعول لتقول. فأما ما يعمل في لفظه " قال " ومتصرفاته فهو ما يكون قولاً ووصفاً للجمل، كقولك قلت حقاً أو باطلاً، أو قلت صدقاً أو كذباً وما أشبهه. والبعل يقال للرجل ولامرأة، وقيل بعلةٌ أيضاً، والفعل منه بعل بعالةً وبعولةً. والبعال: ملاعبة الرجل أهله. ويقال بنو فلانٍ لا يباعلون، أي لا يتزوج إليهم ولا يزوجون.
فقلت لها لا تعجلي وتبيني ... بلائي إذا التفت على الفوارس
حكى ما جعله جواباً للمرأة: كما حكى كلامها، وهو قوله لا تعجلي مع ما يتبعه. ومعنى البيت: لا تسرعي إنكارك، بل تثبتي في حكمك، وتبيني براعتي في
стр. 474
فعالي، وغنائي عند الشدائد وبلائي، إذا اجتمع علي في حومة الحرب الفرسان، وأحاط في مضايقها بى الأفران، فإن نجدة الأبطال تظهر في مثل تلك الحال. واعلمي أن ما يستنكف منه هو التخلف عن الكفاح، والرضا عن النفس بما لا يجعله الكريم منه ببالٍ، فأما خدمة الضيف وامتهان النفس في الاحتفال له، فمقبولٌ من أخلاق الكرام، محمودٌ عند تجارب الرجال.
وقدم القول في شذوذ فوارس وحكمه.
ألست أرد القرن يركب ردعه ... وفيه سنانٌ ذو غرارين يابس
أقبل يقرر المرأة على زكي أفعاله، ورضى أخلاقه. وألف الاستفهام إذا اتصل بحرف النفي تقرر به فيما كان واجباً واقعاً، وإذا انفرد عن حرف النفي تقرر به فيما كان منفياً مدفوعاً. يقول القائل مقرراً: أفعلت هذا؟ إذا لم يكن فعله فأنكره. وألم أفعل كذا؟ إذا كان قد أتاه واكتسبه. والقرن: النظير في البأس. وموضع يركب ردعه نصب على الحال، أي راكباً ردعه. والردع: الدفع والكف. وتحقيق الكلام: أدفع القرن وقد ركب ردعي إياه فسقط. وقال الخليل: ركب ردعه ورديعه، أي خر صريعاً لوجهه. وذكر الركوب مثلٌ. ويجوز أن يكون المراد بالردع ما تلطخ به من الدم؛ ويقال ثوبٌ مردوع، إذا كان قد لطخ بالزعفران أو غيره. وذكر بعض أصحاب المعاني أن معنى ركب ردعه أي إذا كف لم يرتدع ومضى لوجهه، كأنه يتلقى الرجع بالركوب. وقال أبو العباس المبرد: هو من ارتدع السهم، إذا رجع النصل في سنخه متجاوزاً. قال: ويقال ركب البعير ردعه، إذا سقط فدخل عنقه في جوفه. ومنه ارتدع فلانٌ عن دينه. والذي قاله تحصيله ما أوردته وكشفته. وقوله وفيه سنانٌ يريد أنه مطعونٌ بسنانٍ ذي حدين صلبٍ. وموضع وفيه موضع الحال، والعامل فيه يركب، كما أن يركب في موضع الحال والعامل فيه أرد.
وأحتمل الأوف الثقيل وأمترى ... خلوف المنايا حين فر المغامس
قوله وأحتمل ينعطف على خبر ليس، وهو أرد، ويكون من جملة ما قررها به. والأوق: الثقل. ومعنى أمتري أي أمسح. والخلوف: جمع الخلف، وهو ما يقبض عليه الحالب. وقوله حين فر المعامس يروى المغامي بالغين معجمةً.
стр. 475
فمعنى المعامس بالعين الذي يدخل في الشدائد ويدخل غيره فيها. ويقال: يومٌ عماسٌ، أي شديد. ويكون المعامس كقولهم المغامر، وهو الذي يدخل في الغمرات ويدخل في الشدائد ويدخل غيره فيها. وقال بعضهم: العماس: الحرب الشديدة وكل ما لا يقام له. ويجوز أن يكون المعامس من قولهم عمست الأمر، أي أخفيته. ورجل عموسٌ: يتعسف الأشياء بجهله. فيكون المعنى: الذي يركب رأسه ولا يبالي أصيب أو أصاب. ومعنى المغامس بالغين معجمةً: الذي ينغمس في الشر والبلاء، ويغمس غيره فيهما. ومعنى البيت: ألست المتحمل للأعباء الثقيلة، والمستخرج من ضروع المنايا وأخلافها الشر، في الوقت الذي يزل فيه المعامس أو المغامس، فلا يثبت. وجعل مرى الخوف مثلاً لتهييج الشر، واستدرار الموت، كأنه يستزيد من البلاء ولا يمله، إذا لم يثبت له من ذلك صفته.
وأقري الهموم الطارقات حزامةً ... إذا كثرت للطارقات الوساوس
يقال: قريت الضيف، إذا أحسنت إليه وأعددت له قراه. ويقال: ألست أقرى طوارق الهم، وعوائق البث، حزماً ورأياً، وجلداً ونفاذاً، إذا ازدحمت الوساوس على القلوب، واعتلجت بنات الصدور، فارتبكت الآراء، وذهب من الرجال الغناء.
إذا خام أقوامٌ تقحمت غمرةً ... يهاب حمياها الألد المداعس
خام عن قرنه يخم: هاب الإقدام عليه. ويقال خام الرجل، إذا رجع عليه كيده، فضره؛ فيجري مجرى خاب وإن كان يختص بالكيد. فيقول: إذا ضعف الأقوام عن التدبير، وعيوا بالأمور فلم يعرفوا مصادرها ومواردها، توسطت قحمة كل شرٍ يهاب سورتها الرجل الخصيم الجوج، المدافع للأقران. قوله جمياها مصغر لا مكبر له. والدعس: الطعن والدفع وشدة الوطء. ويقال: طريقٌ مدعاس، أي مذلل.
لعمر أبيك الخير إني لخادمٌ ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس
قوله لعمر أبيك استعطافٌ لها، إذ أقسم بحياة أبيها لما جرى في العادة من إعظام المقسم به؛ وإكبار موقعه. والعَمر والعُمر لغتان، ولا يستعمل في القسم إلا بفتح العين. وإضافة الأب إلى الخير، كما يقال هو فتى صدقٍ، وهو رجل كرمٍ. وقوله إني لخادمٌ لضيفي اعترافٌ بما عدته ذنباًن وبيان أن التبجح فيما أنكرته، وأن التوفر على الضيف وإكرامه في قران الفروسية، ومن الخصال المحمودة.
стр. 476
وإني لأشري الحمد أبغي رباحه ... وأترك قرني وهو خزيان ناعس
هذا من جملة ما أقسم عليه، فيقول: إني لأشتري الحمد طالباً ربحه، ومجتنياً ثمره. وثمرة الإحسان الشكر، ويجلب الشكر الثناء الجميل والأحدوثة الحسنة من كل من يسمع بالصنيع. ولما استعمل الشرى في اكتساب الحمد مجلياً للمعنى، استعمل الربح فيما يتسبب منه وينتتج. على ما يتعود في المتاجر، ويتطلب من البياعات. وقوله وأترك قرني وهو خزيان أي أهينه وأكسره، حتى يبقى مطرقاً خجلا مغضوض الطرف متندماً، كمن غلبه النعاس. وقيل ناعس المراد به أنه مشرفٌ على الموت. قال: ويقال طعنت صاحبي فأنمته، أي قتلته. وطعنت صاحبي فأنعسته، أي رنحته. والرباح: مصدرٌ كالربح. ويقال للفائز بالخير: هو رابح الصفقة.
وقالت كنزة أم شملة بن بردٍ المنقرى
إن يك ظني صادقاً وهو صادقي ... بشملة يحبسهم بها محبساً أزلا
قد مضى الكلام في حذف النون من يك في غير موضع. ومراد كنزة من الكلام أن تجعل التقصي في مجاهدة القوم، وبلوغ أبعد الغايات في طلب الثأر من ابنها ببالٍ، فأقبلت تقول: ظني بابني كيت وكيت، مذكرة وموصيةً. والذي زعمت أنه في ظنها، ومن أحاديث نفسها، هو ما تقترحه على ابنها، وتتمنى أن يحتفظ به من وصاتها. وقولها " وهو " يجوز أن يكون للظن، والمعنى: إن كنت ألمعياً، فظني بشملة يصدقني لا محلة، فإنه يفعل كذا. والباء من قولها بشملة يجوز أن يكون متعلقاً بصادقي، أي وهو يصدقني بسبب شملة، وإن شئت يتعلق بظني. ويجوز أن يكون " هو " ضمير ابنه شملة والمعنى: وهو فيما أتفرس فيه وأعتقده من غنائه، يصدقني ويكون بشملة تبييناً لا صلة، كما يكون بك بعد مرحباً تبييناً بحبس القوم بتلك المعركة محبساً ضيقاً. ويقال أزلوا ما لهم يأزلونها أزلاً، إذا حبسوها في المرعى، مخافة الأعداء عليها. فالأزل مصدرٌ وصف به.
فيا شمل شمر واطلب القوم بالذي ... أصبت ولا تقبل قصاصاً ولا عقلاً
стр. 477
هذا يدل على ما قدمناه في البيت قبله، فإنها رجعت إلى مخاطبة ابنها بعد ما ذكرت هواجس ظنونها، وجردت القول له بمرادها منه، وأمرته بالتشمير في طلب القوم كلهم بمن أصيب به، واطراح التقصير فيما جعل له من سلطانه في حقه، وبأن لا يقبل الدية وإن غالوا بها، ولا يرضى بالقصاص منهم وإن مكنوا من الجاني عليه أيضاً، بل يعم القوم كلهم بالقتل، فإنه حينئذ يكون مدركاً تبله، وناقضاً وتره، وقاضياً حق صاحبه. والقصاص: أخذ الشيء بالشيء، وأصله من القص: القطع.
وقالت أيضاً:
لهفي على القوم الذين تجمعوا ... بذي اليد لم يلقوا علياً ولا عمرا
فإن يك ظني صادقاً وهو صادقي ... بشملة يحبسهم بها محبساً وعرا
قد تقدم القول في لهفي، وكما يجوز فيه من نية الإفراد والإضافة.. وإنما تحسرت الشاعرة على ما فات علياً وعمراً من ملاقاة القوم المجتمعين بذي السيد المتخلفين للقتال. وإنما تلهفت لما كانت تؤمل من تأثيرهما فيهم. وموضع لم يلقوا نصبٌ على الحال، والعامل فيه تجمعوا. ثم قالت كالمستدرك برجائه. إن كنت صادقة الظن بابني شملة وهو يصدقني لا محالة فإنه يحبس القوم بتلك المعركة محبساً صعباً. تريد أن ما فات المذكورين سيتلافاه، فيما يعدها به ظنها وأملها فيه. والقول في إن يك ظني صادقاً على ما تقدم. والصدق والكذب أصلهما في الكلام، وتوسع فيهما فقيل بردٌ صادقٌ، والفجر الصادق والكاذب، وهو فتى صدق، وصدقوهم القتال. ويقال: طريقٌ وعرٌ: بين الوعورة والوعارة، أي غليظٌ. وقد توعر ووعر.
وقال شبرمة بن الطفيل
لعمري لريمٌ عند باب ابن محرز ... أغن عليه اليارقان مشوف
أحب إلينا من بيوتٍ عمادها ... سيوفٌ وأرماحٌ لهن خفيف
الأصل في الرئم: الظبي الخالص البياض. وهذا الكلام يخص به الشاعر واحداً معيناً كان يقصر في طلب الوتر، ويشتغل عنه بالصبا واللهو، ويؤثر المقام بأطيب
стр. 478
المنزلين من البدو والحضر، لا يهمه إلا الرقاعة والخلاعة، وخاليتين من التعب والنصب، فأخذ يعرض به ويقول على وجه التهكم والسخرية منه: وبقائي، للقاء امرأةٍ كأنها ظبيةٌ مسكنها في جوار هذا الرجل في صوتها غنةٌ، محلاةٍ بيارقين، مجلوة الوجه، أحب إلينا من الأوى إلى بيوتٍ مستحدثةٍ بنيت على عمدٍ متخذةٍ من رماحٍ وسيوفٍ. وهذه البيوت للغزاة والمتصيدة أكثر ما تكون. ألا ترى قول امرئ القيس بعد فراغه من الصيد:
ورحنا إلى بيتٍ بعلياء عردحٍ ... سماوته من أتحميٍ مشرعب
وأوتاده ماذيةٌ وعماده ... ردينيةٌ فيها أسنة قعضب
وفي هذه الطريقة قول الآخر:
والله للنوم على الديباج ... على الحشايا وسرير العاج
مع الفتاة الطفلة المغناج ... أهون يا عمرو من الإدلاج
وزفرات البازل العجعاج
وقوله مشوف من الشوف، وهو التجلية، يقال تشوفت المرأة، إذا تزينت وطرت، وشفتها وهي مشوفةٌ. وقوله لهن حفيف، فالحفيف: صوت طيران الطائر وصوت الرمية.
أقول لفتيانٍ ضرارٌ أبوهم ... ونحن بصحراء الطعان وقوف
أقيموا صدور الخيل إن نفوسكم ... لميقات يومٍ ما لهن خلوف
قوله أقيموا صدور الخيل في موضع المفعول لأقول، والواو من قوله ونحن بصحراء الطعان واو الحال. ويقال أقمته فقام بمعنى قومته فتقوم، فيتعدى. وأقمت بالمكان إذا ثبت فيه إقامةً، وأقمت من المكان إذا ارتحلت عنه. قال امرؤ القيس:
وفيمن أقام من الحي هرٌ
стр. 479
فأما قول الشاعر:
أقول لأم زنباعٍ أقيمي ... صدور الخيل شطر بني تميم
فمعناه إقصدي وتوجهي بعيسك نحوهم. والشاعر أخذ يبين ما يأخذ به نفسه من حث القوم على القتال، وتشجيعهم على اقتحام الأهوال، ويرى أنه مع تقصير من قدم التعريض به، وعلق التقريع بإهماله وتعذيره، وعيره اشتغاله بما لا يشتغل الموتور به، لا يدع أن يقول محضضاً لهؤلائ الفتيان وقد وقعوا في ميدان الطعان وعرصة الطراد: اثبتوا في وجوه أعدائكم، وانتصبوا صدور خيلكم لهم، واستبدلوا بالانحراف تقحماً، وبالازورار تهجماً، ودعوا الذهاب إلى ما يأمركم به الفشل، ويدعوكم إليه التهاون والكسل، مستشعرين الخوف من الموت، فإن لكل نفسٍ أجلا لا يؤهره الإحجام والنكوص، ولا يقدمه الإقدام والنهوض. وقوله ما لهن خلوف، أي ليس للنفوس تخلف عن الأمد المسمى، ولا تراجعٌ عن الحين الموحى. والميقات يستعمل في الزمان والمكان، لأن الوقت الحد. ألا ترى أنهم يقولون ميقات أهل المشرق، يريدون الموضع الذي يقبل له الحج إذا ابتدئ بالمسير إليه منه.
وقال قبيصة بن جابرٍ
بثنيى هضيم جدٌ نماني ... بطياً بالمحاولة احتيالي
رواه بعضهم بنيى هضيم هو جد تماني وأوجد تماني، وليس بشيءٍ، لأنه يصير المعنى: يا بنيى هيصمٍ أوجدتماني بطيء الحيلة بالمحلولة؟ يريد: إني سريع الحيلة. وهذا كلامٌ مثبجٌ مختلٌ. وعلى روايتنا يقول: سما بي جدٌ عالٍ بثنيى هذا المكان. والثني: ما انثنى من الوادي، أي انعطف. ويقال: ثنيته ثنياً، ثم يسمى
стр. 480
المثنى ثنياً، وما ثنى به أيضاً ثنياً. على هذا قول طرفة:
لكالطول المرخى وثنياه باليد
وقوله بطياً بالمحاولة احتيالي انتصب بطياً على الحال، فالعامل فيه نماني. واحتيالي في موضع الرفع على أنه فاعل بطيءٍ، وقد أضاف المصدر إلى المفعل، لأن المعنى: يبطؤ احتيال الناس علي إذا حاولوه والمعنى يتعذر وقوع ذلك منهم، لفرط حزامتي، واستحكام تجربتي. ومثل هذه الإضافة قوله تعالى: " ولمن انتصر بعد ظلمه "، لأن المعنى بعد ظلم الظالم له. هضيمٌ: فعيلٌ من الهضم، مثل حذيمٍ، وهو اسمٌ لمكانٍ ضيقٍ. وقيل فرسٌ أهضم، إذا كان ضيق الجوف.
وعاجمت الأمور وعاجمتني ... كأني كنت في الأمم الخوالي
العجم: العض في الأصل، ويستعمل في الامتحان، لأن الناظر في الشيء هل هو صلبٌ أو لا يعجمه ويعض عليه. ويقال عجمتني الخطوب، أي ابتليت بها. وفيما حكى عن الحجاج: " إن أمير المؤمنين نثر كنانته فعجم عيدانها عوداً عوداً ". وإنما استعمل في معاناة الشدائد ومزاولتها كما استعمل المحاكة والاحتكاك فيها. فيقول: إني مجربٌ مدربٌ، زاولت النوائب، وعاركت الأهوال والعجائب، فلزمتها ولزمتني، وأزمت بها وأزمت بي، وصرت لطول تجاربي وامتداد أيام محاكتي نقاباً محدثاً، أبلغ بظني ما يبلغ غيري بمشاهدته. هذا على قرب ميلادي، وحداثة سني، حتى كأني كنت في الأمم الماضين، وأحد الرجال المعمرين، فأدرك الشيء قبل حصله، وأتصوره ولم يجيء بصورة ما فرغ منه وقضى، فزني عيانٌ، ويومي دهرٌ.
فلسنا من بني جداء بكرٍ ... ولكنا بنو جد النقال
الجداء: المقطوعة الثدي. والبكر: الباقية على حالتها الأولى. ويقال رحمٌ جداء، إذا كانت غير موصولة. والشاعر جعل الجداء البكر كنايةً عن الضعيفة الشر، القليلة الأهل، على عادتهم في جعل النتاج لها، والولاد والرضاع والفطام إذا فظعوا حالها. فيقول: لسنا أبناء الحرب القليلة الدر، اليسيرة الأذى والشر، التي لم يتكثر
стр. 481
موقدوها، ولم يتشمر لها خطابها ومولدوها ولكنا بنو المناقلات الشديدة الهياج، والوقعات الصعبة المراس، التي كثر ذرؤها، وتركر القتال حالاً بعد حالٍ من أهليها. وقوله بنو جد النقال يريد: بنو النقال البليغ المتناهى، الذي لا مساهلة فيه ولا مياسرة. ويجوز أن يكون المعنى: لسنا أصحاب حربٍ بكرٍ، ولكنا بنو حربٍ عوانٍ. كأنه جعل النقال في الولاد.
وقد اضطرب بعض المفسرين في هذا البيت، فأني بما يحجبه السمع، ولا يعيه القلب، فقال: المعنى لسنا بعقمٍ لم يكثر أولادنا، بل فينا الكثرة والعز. وقوله بنو جد النقال يعني به المناقلة في الكلام، يريد أنهم خطباء. قال: فالمصراع الثاني ليس من الأول في شيءٍ، وإذا كان كذلك فكأن أبا تمامٍ ذكر البيت على رداءته ليتجنب قول مثله، ولينبه على المترذل منه، كما نبه على المختار المستحسن بغيره.
وهذا القائل لم يرض بذهابه عن الصواب، حتى ظن بأبي تمامٍ ما لم يخطر له ببالٍ.
تفرى بيضها عنا فكنا ... بني الأجلاد منها والرمال
تبجح فيما مضى بما أعطاه الله من الظفر بالأعداء، وتوحده به من الفطنة والذكاء، والنكارة والدهاء، وبحسن الصبر على مدارسة العوصاء، ومداوسة الغماء، وبمجانبة الهين من الحروب، واقتحام أصعب الخطوب. وأقبل الآن يفتخر بالكثرة، إذ كان العز فيها، فقال: تغرى بيضها عنا. والضمير في بيضها للأرض، كما يقال: من الأرض خلقنا وإليها عودنا. وفي القرآن: " ألم نجعل الأرض كفاتاً. أحياء وأمواتاً ". وساغ ذلك وإن لم يجر لها ذكرٌ لما لم يلتبس، لدلالة الكلام عليه. والمعنى: تشقق بيض الأرض عنا، فنحن بنو حزونها وسهولها. وإنما يعني كثرتهم واتساع ديارهم، إذ كان الأرض لا تنقصم إلا إليها. والأجلاد: جمع الجلد، وهو الصلب من الأرض، وذكر البيض مثلٌ، وقد تقدم القول في بيضة البلد.
لنا الحصنان من أجإٍ وسلمى ... وشرقياهما غير انتحال
وتيماء التي من عهد عادٍ ... جميناها بأطراف العوالي
هذا كالبيان لما تقدم، والكشف عما أجمل، لأنه أتبع ما وصف من أخلاقهم وعزهم، بتحصن بلادهم وتمنع جبالهم، فقال: لنا جبلا طيئٍ أجأٌ وسلمى، ونواحى
стр. 482
الشرق منهما، دعوى صحيحةً لا يضعفها انتحالٌ، ولا يوهنها كذابٌ. ويقال انتحلت الشيء، إذا ادعيته ولم يكن من شانك. على هذا قال الأعشى:
فكيف أنا وانتحالي القوا ... ف بعد المشيب كفى ذاك عارا
ونحل الشاعر قصيدة، إذا رويت عنه ولم تكن من قبله. وانتصب غير على أنه مصدر أكد به ما قبله، وعلى قولهم: هذا زيد حقاً، وغير شكٍ. وقوله وتيماء أراد ولنا تيماء التي هذا صفتها وحظها من عنايتنا بها. وهي بلدةٌ بناحية يثرب. وقوله من عهد عادٍ جعل من بدل منذ، لأن منذ في الأزمنة بمنزلة من في الأمكنة، فهو في موضع الظرف، والعامل فيه حميناها. وقد ذكر امرؤ القيس تيماء فقال:
وتيماء لم يترك بها جذع نخلةٍ ... ولا أجماً إلى مشيداً بجندل
وقال سالم بن وابصة
عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأنى دونه الخلق
قوله عليك مما أغرى به وحضض، وصار بذلك من أسماء الأفعال. ويقال عليك كذا وعليك بكذا. والمعنى الزمه وخذ نفسك به. والقصد: واسطة الأمور، فما تعداه سرفٌ وما انحط عنه قصورٌ. ولذلك قيل لمن ليس بجسيمٍ ولا ضئيلٍ، وليس بقصيرٍ ولا طويلٍ: هو قصدٌ ومقتصدٌ. ومعنى البيت: عليك باستقامة الطريقة وملازمة الأعدل في القضية مما تلابسه وتفعله، واترك تكلف ما ليس من شيمتك وسجيتك، فإنك إن تجشمته صابراً على البلوى فيه نزعت نفسك قريباً عنه، وعدت إلى مذهبك الأول فلحقك الذم له.
وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمى الذمار وترمينى به الحدق
يقال للمكان النابي بصاحبه ولا يمكنه الاستقرار به تشبيهاً: هو مثل حد السيف، وكقرن الأعفر، وحد السنان. وذمار الرجل: ما يجب عليه حفظه. ورجلٌ
стр. 483
ذمرٌ وذميرٌ، إذا كان منكراً داهيةً. ويقال ذمرت الرجل إذا حضضته، وتذامر القوم في كذا إذا تحاضوا. والمعنى: رب مكانٍ ضيقٍ دقيق، لا تثبت عليه الأقدام، أنا قمت به حامياً لما يحق على حمايته، والعيون ترمقني والنفوس تتطلع إلى ما يكون مني، وتتنسم أخباري فيه وبلائي. وقوله وترميني به الحدق جعل الفعل على التوسع للحدق، وإنما هو للناظرين بها. ألا ترى أنه يقال رماني القوم بأبصارهم. وموضع أحمى الذمار موضع الحال.
فما زلقت ولا أبليت فاحشةً ... إذا الرجال على أمثالها زلقوا
يقول: استقمت في فعلي، وتثبت في موقفي، ولم أتعثر فيما صرفت القول فيه، ولم أتزلق عندما حاضرت به ودافعت عنه، ولم أقدم على ما يعد سقطةً مني أو يشينني، إذا تحدث به عني في وقتٍ تكثر زلات الرجال في مطالعة أمثاله من المواقف، وتبطل دعاويهم المتقدمة لما يظهر من عجزهم، وسوء استمساكهم. وجواب إذا فيما تقدم. والمعنى: إذا زلق الرجال في أمثاله من المقامات ثبت أنا.
وقال آخر:
إن أك قصداً في الرجال فإنني ... إذا حل أمرٌ ساحتي لجسيم
قد تقدم القول في حذف النون من أك. ومعنى البيت إن كان في خلقتي اقتصادٌ فلم أبلغ غايات الجسام، فإن غنائي في النوائب إذا نابت، واهتدائي لوجوه الخروج منها إذا حزبت، يحكمان لي بجزالة الرأي وجسامة النفس؛ لأن الرجل بقلبه ولسانه، لا بجسمه وجثمانه. وفي هذه الطريقة قوله:
إذا كنت في القوم الطوال أصبتهم ... بعارفةٍ حتى يقال طويل
والساحة: فضاءٌ بين دور الحي، وكما قيل على التوسع نزل بساحته أمرٌ، قيل أيضاً نزلت بعقوته خطوبٌ.
وقال عامر بن الطفيل
قضى الله في بعض المكاره للفتى ... برشدٍ وفي بعض الهوى ما يحاذر
стр. 484
ألم تعلمى أني إذا الإلف قادني ... إلى الجور لا أنقاد والإلف جائر
معنى هذا يماثل قول الله تعالى: " عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم ". وفي مثله قال غيره:
كم فرحةٍ مطويةٍ ... لك تحت أثناء النوائب
ومساءةٍ قد أقبلت ... من حيث تنتظر المواهب
ويقال قضاه وقضى به. وقوله وفي بعض الهوى أراد به: وقضى له في بعض المحاب ما يحاذر؛ فوضع الهوى موضع المحاب لأن كل محبوبٍ يصحبه الهوى، كما أن قوله ما يحاذر موضوعٌ موضع الغواية لكونه في مقابلة الرد، إذ كان الغي من حقه أن يحاذر. وقوله ألم تعلمى تنبيهٌ على مكانة من الرأي، وأن ظنه يقوم مقام عيان غيره. وألف الاستفهام إذا اقترن بحرف النفي يقرر به فيما يجب ويحق، فيقول: أما عرفت من دأبي وطبيعتي، أني لا أتبع الغير، ولا أنقاد لما يجانب العدل، فمتى سامني أليفي مطاوعته فيما لا أستوفقه أبيت عليه، وتركته وما يختار من الاعتساف وركوب الجور والضلال. وكان يجب أن يقول: لا أنقاد وهو جائرٌ، فوضع الظاهر موضع المضمر.
غزا مجمع بن هلالٍ ابن خالد بن مالك بن هلال بن الحارث بن تيم الله، يريد بني سعد بن زيد مناة، فلم يغنم ورجع من عزاته تلك، فمر بماءٍ لبني تميمٍ عليه ناسٌ من مجاشعٍ، فقتل فيهم وأسر، فقال في ذلك:
إن أمس ما شيخاً كبيراً فطال ما ... عمرت ولكن لا أرى العمر ينفع
قوله ما شيخاً، ما زائدة للتأكيد. يقول: إن صرت شيخاً طاعناً في السن، وضارعاً لنائبة الدهر، مهدفاً لسهامه، مقرعاً بلياليه وأيامه، فحق ذلك واجبٌ، لأن من يعش يكبر ومن يكبر يهرم، وطول العمر لا يجدي إذا كان مؤداه إلى الضعف، وقصاراه الموت. وقوله طال ما عمرت يجوز أن يكون ما مع الفعل في تقدير المصدر، ويكون حينئذ حرفاً عند سيبويه، والتقدير: فقد طال عمري. وعلى هذا
стр. 485
يكتب طال منفصلاً من ما. ويجوز أن يكون ما كافةً للفعل عن العمل، ومخرجاً له من بابه، ولذلك جاز وقوع الفعل بعده، وإن كان الفعل لا يدخل على الفعل، وعلى ذلك يكتب طال متصلاً بما لأنه منه ومن تمامه. ومعنى عمرت: بقيت وحييت. والعمر، قال الخليل: هو الحياة والبقاء، ومه لعمر الله. وقول الشاعر:
وعمرت حرساً قبل مجرى داحسٍ ... لو كان للنفس اللجوج خلود
يشهد لذلك. وقوله لا أرى العمر أراد اتصال العمر وطوله، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وذكر بعضهم أن أبا تمام أخطأ في قوله:
ما لأمرئٍ خاض في بحر الهوى عمرٌ ... إلا وللبين منه السهل والجبل
لأن العمر اسم مدة الحياة بأسرها لا يتبعض، فكما لا يقال ما لزيدٍ رأسٌ إلا وفيه شجةٌ، كذلك لا يقال ما له عمرٌ إلا وهو قصير. قال: وليس قولهم: ما له عيشٌ إلا منغصٌ، والحياة إلا مكدرةٌ، مثل قولك ما له عمرٌ إلا قصير. لو قلته، لأن عيش الإنسان ليس هو مدة حياته بأسرها. ألا ترى أنك تقول: كان عيشي بالعراق طيباً، وكانت حياتي بمصر لذيذةً، ولا تقول كان عمري. والذي قاله هذا المعترض على أبي تمام يبطله ما حكيته عن الخليل في تفسير العمر، والبيت الذي أنشدته. ألا ترى أن قوله عمرت حرساً قبل مجرى داحسٍ يقتضي تبعيض عمره، إذ كان ما بعده من عمره قد أفرده عما قبله، وإذا كان الأمر على هذا جاز أن يقال: كان عمري قبل مجرى داحسٍ أطيب من عمري بعده. وفي القرآن: " فقد لبثت فيكم عمراً " أي بعض عمري، فحذف المضاف.
مضت مائةٌ من مولدي فنضوتها ... وخمسٌ تباعٌ بعد ذاك وأربع
هذا تفصيل ما ألجمه من كبرته. يقول: أتت علي مائة سنةٍ من ميلادي فألغيتها ورائي، كأني لبستها ثم خلعتها واستتبعت بعدها تسعاً توالت، فلي عذر في ضعفٍ يظهر، أو كسلٍ يلحق، إذ كنت غابر لداتٍ فنوا، ومتعرق أعوامٍ باد أهلها فنسوا. قوله فنضيتها يروى فنضوتها. ويقال نضا ثوبه ينضو وينضي إذا نزعه، لغتان. على
стр. 486
هذا قول امرئ القيس:
فجئت وقد نضت لنومٍ ثيابها
ويقال نضى سيفه وانتضى بمعنىً. وقوله " بعد ذاك " إن قيل لم لم يقل بعد تلك، والإشارة إلى قوله مائةٌ؟ قلت: لم يراع تأنيث المذكور وتذكيره، بل أراد ما ذكرت. على ذلك قول ذي الرمة:
ومية أحسن الثقلين خذاً ... وسالفةً وأحسنه قذالا
ألا ترى أنه لم يقل وأحسنهما. وقوله وخمسٌ تباعٌ يقال تبع تباعاً، فهو مصدرٌ وصف به. ويقال أيضاً رميته بسهمين تباعاً، أي زلاءً، وتابع بينهما فلانٌ تباعاً.
وخيلٍ كأسراب القطا قد وزعتها ... لها سبلٌ فيه المنية تلمع
تذكر بما كان منه عند تعالي سنه وتناهي عمره، ما كان منه في ريعان شبابه، وعند استكمال قوته وترامي الأحداث به، فيقول: رب خيلٍ تمتد وتتوالى مبادرةً إلى الملتقى، وتسترسل استرسال فرق القطا عند اندفاعها للورد، أنا بعثتها وهيجتها، ولها عارض يمطر بالموت ويلمع. والسبل: المطر. ورواه بعضهم: " لها أسلٌ " وهي الرماح. وقوله قد وزعتها يجوز أن يكون معناه كففتها عن التعجل، ويجوز أن يكون قسمتها للتعبئة أو الغارة، لأنه يقال وزعت الشيء ووزعته جميعاً؛ وعنده أوزاعٌ من الناس، أي فرقٌ، وعلى الوجهين فتدبيرها كان إليه. وقوله قد وزعتها من صفة الخيل، لأن جواب رب فيما بعده، ولها سبلٌ في موضع الحال. وقوله فيه المنية من صفة السبل، ويلمع في موضع الحال للمنية، والعامل ما يدل عليه الظرف.
شهدت وغنمٍ قد حويت ولذةٍ ... أتيت وماذا العيش إلا التمتع
قوله شهدت جواب رب، فيقول: رب خيلٍ على هذه الصفة حضرتها مدبراً لها، ورب غنيمةٍ تغنمتها وتوليت قسمتها، ورب لذةٍ أتيتها ونلت منالي منها. ثم أقبل كالمتلفت إلى غيره، فقال: وما العيش إلا التمتع بهذه الأشياء. ارتفع " العيش " على
стр. 487
أنه عطف البيان لذا، لأنه جعل العيش كالحاضر، فأشار به إليه وإن كان القصد إلى الجنس. والتمتع: الانتفاع بالشيء زماناً طويلاً. ومنه متع النهار: ارتفع، واستمتعت وامتتعت وتمتعت بمعنىً.
وعاثرةٍ يوم الهييما رأيتها ... وقد ضمها من داخل الخلب مجزع
يقول: ورب امرأةٍ في هذا اليوم لتمكن الخوف منها، وتملك الجزع قلبها، رأيتها تعثر لوجهها ولا تستقيم في مشيها، مخافة السباء لها، وقد ضمها مجزعٌ، أي استولى عليها الحزن والقلق، حتى صار يضمها إليه ولا يدعها لغيره.
وقوله من داخل الخلب بين به منشأ الجزع ومقره، والخلب: حجاب القلب، ومنه قوله: خلبت المرأة فلاناً، أي أصابت خلبه بلطفها وخدعته، خلباً. ثم يقال: هو خلب نساءٍ، كما يقال هو زير نساء. وهذا على طريقتهم في النقض والنقض وما أشبهه.
لها غللٌ في الصدر ليس ببارحٍ ... شجىً نشبٌ والعين بالماء تدمع
يجوز أن يكون قوله لها غللٌ في موضع الجر على أن يكون صفةً لعاثرةٍ، ويجوز أن يكون في موضع المفعول الثاني لقوله رأيتها: وأصل الغلل هو الماء يجري بين الشجر، فاستعاره لما تداخلها من الشجى. وقال الخليل: الغلل: تغلغل الماء بين الشجر. والغلغلة: سرعة السير؛ ومنه رسالةٌ مغلغلةٌ أي محمولة من بلد إلى بلدٍ. ورواه بعضهم لها غللٌ بضم الغين، جمع غلةٍ. ولو كان كذا لقال ليست ببارحةٍ. ومعنى ليس ببارحٍ أي ليس بزائلٍ، وموضع قوله شجىً نشبٌ رفعٌ على البدل من غلل. ويريد فلانٌ أنه علق به كما ينشب الصيد في الحبالة. وفي الكلام المروى: نشب فلانٌ منشب سوءٍ، أي وقع فيما لا يتخلص منه. وقوله والعين بالماء تدمع في موضع الحال، ولا بد من الواو فيه ليتعلق بذي الحال. والعامل فيه قوله شجىً نشب. ولو كان في الجملة ضمير لكنت في دخول الواو وسقوطه بالخيار، إذ كان الضمير يعلق من الحال ما يعلقه الواو.
تقول وقد أفردتها من حليلها ... تعست كما أتعسني يا مجمع
قوله تقول جواب رب. والمراد: رب عاثرة هذه صفتها في يوم الهييما قالت لي بعد أن سبيتها وفرقت بينها وبين زوجها بالقتل سقطت لوجهك، ولا انتعشت من
стр. 488
عثرتك يا مجمع، ولحقك الانكسار والنكس كما ألحقتهما بي. وسمي الزوج حليلاً والمرأة حليلةً لأن كل واحدٍ منهما يحل مع صاحبه.
فقلت لها بل تعس أخت مجاشع ... وقومك حتى خدك اليوم أضرع
يقول: أجبتها بأن قلت بل التعس لك ولقومك حين ضيعوك، وفعلوا ما أدى وباله إلى أن صار خدك اليوم ضارعاً، وجدك سافلاً. وقوله بل تعس أخت مجاشعٍ تدارك ببل دعاءها عليه فنقله إليها، لأن بل للإضراب عن الأول والإثبات للثاني. وأجرى تعساً في الإضافة مجرى ويك، وذاك أن المصادر التي قد اشتق الأفعال منها إذا دعي بها تستعمل باللام لا غير، تقول: تبٌ لزيدٍ وخسرٌ لعمرٍو. وما لم يشتق الفعل منه وهو ويلٌ وويحٌ وويسٌ إذا كان معها اللام رفعت وصارت باللام جملاً، وإذا أفردت عن اللام أضيفت ونصبت. تقول ويلٌ لزيدٍ وويحٌ لعمرٍو فترفع، وويل زيدٍ وويح عمرٍو فتنصب. وهذا الشاعر قال: بل تعس أخت مجاشع فأجراه مجرى ويل الفعل يشتق منه. ومجاشع: قبيلة. فقال أختت مجاشع كما يقال يا أخا بكرٍ ويا أخا تميمٍ، وأضرع بمعنى ضارعٍ. ويقال خده ضارعٌ، وجنبه ضارعٌ. والضراعة: الاستفال في خضوعٍ. قال الهذلي:
لشانئك الضراعة والكلول
عبأت له رمحاً طويلاً وألةً ... كأن قبسٌٍ يعلى بها حين تشرع
أخذ يبين كيف تمكن من قتل زوجها، وماذا أعد من السلاح له. ويقال: عبأت الخيل وعبأتها، إذا هيأتها للحرب، وعبيتها أيضاً. وعبأت الطيب والمتاع لا غير. المراد: هيأت له رمحاً طويلا، وسناناً لماعاً براقاً، كأنما يعلى به نار إذا أشرع للطعن. والألة: تستعمل في الحرية وتشتهر بها. وأصل الأليل البريق. المراد بها ها هنا السنان كما ذكرت. وقوله كأن قبس يجوز فيه الرفع والنصب والجر، فإذا رفعت فعلى الضمير، يريد كأنها قبس يعلى بها حين أشرعت. والقبس: النار. ومن نصب فلأنه أعمل كأن مخففةً عملها مثقلة. يريد: كأن قبساً يعلى بها، ويكون الخبر يعلى بها. ومن
стр. 489
جر فقال كأن قبسٍ، جعل أن زائدة وأعمل الكاف كما زيد في قوله: لما أن جاء زيدٌ أعطيته، وفي قوله: والله أن لو جئتني لأكرمتك، يريد والله لو جئتني.
وكائن تركت من كيمة معشرٍ ... عليها الخموش ذات حزنٍ تفجع
نبه بهذا الكلام على أن ما حكاه من حديث العاثرة يوم الهييما، واقتصه من شأن بعلها، لم يكن بدعاً منه ولا عجباً، بل ذلك دأبه مع أمثالها قبلها وبعدها. وقوله وكائن لغةٌ في كأين، وهما جميعاً بمعنى كم، وهو للتكثير. فيقول: وكم امرأةٍ كانت كريمة عشيرتها تركتها وهي تخمش وجهها، وتتفجع جزعاً على قيمها من بعلٍ أو أخٍ أو ابن. والمعنى: كان ذلك مني كثيراً. وقوله عليها الخموش الخمش في الوجه وفي سائر البدن مثل الخدش. ومعنى عليها ركبها وعلاها كما يقال على فلانٍ دينٌ أي ركبه وعلاء.
وقال الأخنس بن شهاب
فمن يك أمسى في بلادٍ مقامه ... يسائل أطلالاً لها لا تجاوب
يروى في بلادٍ مقامه والمراد: من أمسى مقامه في بلادٍ مسائلاً أطلالاً لتلك البلاد. فمقامه اسم أمسى، وخبره في بلادٍ. ويروى بلادٍ مقامةٍ على الإضافة، ويكون اسم أمسى ضمير " من " المستكن فيه. والمقامة: الإقامة، والمراد: من أمسى في بلاد إقامةٍ، أي بلاد مستصلحةٍ للإقامة مستوطنةٍ. ويسائل على الروايتين في موضع الحال. وكما يقال هو بلد مقامةٍ، يقال في ضده هو بلد قلعةٍ. والبلاد: جمع بلدٍ، وهو القطعة من الأرض اختط فيها أو لم يختط. يشهد لهذا قول الراجز:
قد ترك البرني فاه بلدا
أي لا أسنان فيه. وقول الآخر:
عرف الديار توهماً فاعتادها ... من بعد ما شمل البلى أبلادها
стр. 490
ومعنى البيت: من كان الوقوف على ديار الأحبة من همه، فأمسى مقامه في بلاد مسائلاً أطلالاً فيها لا تجاوبه، فأميى كيت وكيت. وجواب الجزاء فيما بعده. وقد مر القول في حذف النون من يك.
فلابنة حطان بن قيسٍ منازلٌ ... كمانمق العنوان في الرق كاتب
الفاء مع ما بعده إلى صدر البيت الذي يليه جواب الجزاء، كأنه قال: فلهذه المرأة منازل أنا وفقت بها، وقضيت حق الهوى فيها. والمعنى: من كان الوقوف على الديار من دينه في الهوى ومذهبه، حتى صار يسائل مالا يجيب، فلى في الوقوف على ديار ابنة حطان ما يزيد على كل مذهبٍ، ويعفى على كل عادةٍ. وقوله كما نمق العنوان من صفة المنازل، ويروى العنيان والعلوان. فأما العلوان فهو فعوال من علن الأمر، أي ظهر. وأما عنوانٌ فهو فعوالٌ أيضاً من عن له كذا، أي عرض. وأما عنيان فهو فعلانٌ من عناه كذا يعنيه. وفي هذا القدر من الكلام في هذا الموضع كفايةٌ إذ كنا قد بسطنا القول في شرح كتاب الفصيح. وكان الواجب أن يقول كعنوانٍ نمقه كاتبٌ، وتشبيه آثار الديار بالكتابة مألوفٌ في طرائقهم، لكنه طول الكلام تحقيقاً للتشبيه، فصار ظاهره كأنه شبه الآثار بتنميق الكاتب خطه إذا عنون كتاباً. ومثله قول الهذلي:
هبطن بطن رهاطٍ واعتصبن كما ... يسقى الجذوع خلال الدور نضاح
ألا ترى أن المراد تشبيه الإبل وقد دخلت في السراب بجذوع نخلٍ مسقيةٍ في أصولها الماء، فجاء ظاهره كأنه شبه الإبل بسقى النضاح للجذوع؛ لأن معنى كما يسقي كسقى، كما أن معنى كما نمق كتنميق.
وقفت بها أبكي وأشعر سخنةً ... كما اعتاد محموماً بخيبر صالب
يقول: وقفت بهذه الأطلال مقيما بها رسم من ثبت عهده في الهوى، ولم يغيره تقاذف الأحبة والنوى، ومظهراً التلهف والتحسر في إثر ما تقادم من أيام الوصال بالبكا، وقد أبطنت جوىً اعتادني منه حمى سخنت منها بشرتي، وحمت لها روحي
стр. 491
ومهجتي، كما يعتاد الصالب وهي الحمى التي معها صداع محموماً بخيبر. وإنما قال ذلك لأن خيبر محمة، وحماها موصوفة بالشدة. ويقال في المثل: " صالبي أشد من نافضك ". وحكى الأصمعي أن أعرابياً ثقلت عليه مؤن عياله لكثرتهم، فحدثته نفسه بأنه لو نقلهم إلى خيبر لنقصهم وباؤه، وأثر فيهم بالتقليل صالبه، وأوردهم خيبر، وأنشأ يقول:
ويحك حمى خيبر استعدي ... هاك عيالي فاذهبي وجدي
وباكري بصالبٍ وورد ... أعانك الله على ذا الجند
فحموا بأجمعهم وسلموا، ثم تلف هو من بينهم.
وقوله وأشعر سخنةً يروى بضم السين وكسرها. فالسخنة كالحمرة، والسخنة كالجلسة. ومعنى أشعر جعل شعاري. والشعار: ما يلي الجسد من الثياب، وتوسع فيه فقيل أشعر قلبي هماً. ويقال شعرت المرأة، أي نمت معها في شعارها.
خليلاي هو جاء النجاء سملةٌ ... وذو شطبٍ لا يجتويه المصاحب
موضع قوله خليلاي مع خبره نصبٌ على الحال من قوله وقفت بها، واستغنى بالضمير فيه عن إدخال الواو العاطفة لأنه يعلق من الحال بالأول ما يعلقه الواو. ومعنى قوله هوجاء النجاء ناقةٌ في نجائها وسرعة مرها هوجٌ واضطراب. ويقال نجاءٌ أهوج، كما يقال عدوٌ والهٌ. وقد تجاوزوا هذا الحد حتى قالوا غبارٌ مجنونٌ، وزمامٌ سفيه. والشملة: الخفيفة. وقوله وذو شطبٍ أراد به سيفاً ذا طرائق. لا يجتويه أي لا يكرهه متحمله لجودته. وهذا الكلام إشارةٌ إلى أن أصحابه خذلوه ولم يروا مساعدته في الوقوف على الدار.
وقد عشت دهراً والغواة صحابتي ... ألئك خلصاني الذين أصاحب
قرينة من أسفى وقلد حبله ... وحاذر حراه الصديق الأقارب
يذكر ما تعاطاه من البطالة أيام صباه، فيقول: بقيت زماناً فيما مضى من عمري طويلاً متباعد الأطراف، والذين أصاحبهم وأوثر معاشرتهم أهل الغواية، وأرباب
стр. 492
البطالة والخسارة، لا أواخي غيرهم، ولا أصالح سواهم. والصحابة مصدرٌ في الأصل، وصف به الخلصان أيضاً مصدرٌ كالكفران والشكران في الأصل، ولذلك صلح أن يقع للواحد والجميع. يقال فلانٌ خالصتي وخلصاني، إذا خلصت مودته. قال:
وعاش صافيةً لله وخلصانا
ويقال: هؤلاء خلصاني، أي أخلائي. وقوله الذين أصاحب أراد أصاحبهم، وحذف الضمير استصالةً للاسم بصلته. وقوله قرينة من أسفى فالقرينة ألحقت الهاء به لأنه جعل اسماً، فهو كالبنية والذبيحة. ومعنى أسفى: دخل في السفاء. والسفاء ممدود: السفه، والرجل سفيٌ. ومعنى قلد حبله خلى واختياره، وأصله في البعير إذا أرسل في المرعى وجعل زمامه على عنقه لتتصرف كما يشاء، ثم نقل إلى من وعظ كثيراً حتى أهمل أمره تبرماً به. ويقال أيضاً: ألقى حبله على غاربه، في هذا المعنى. ومعنى وحاذر جراه الصديق الأقارب، أي تبرءوا منه خوفاً من جرائره التي يجنيها عليهم. وكانوا يسمون مثله الخليع. وعلى هذا قول الشنفري في صفة نفسه:
طريد جناياتٍ تياسرن لحمه ... عقيرته لاياً بما حن أول
ومعنى تياسرن لحمه اقتسمن لحمه من الميسر. وهذا من فصيح الكلام. والصديق يوصف به الواحد والجمع. والبيت الثاني شرحٌ لقوله والغواة صحابتي، ويفيد من نهايات الغي ما لا يستفاد من ظاهره ومطلقه.
فأديت عني ما استعرت من الصبا ... فالمال عندي اليوم راعٍ وكاسب
ترى رائدات الخيل حول بيوتنا ... كمعز الحجاز أعوزته االزرائب
يقول: رفضت الآن ما كنت أقصر وقتي عليه، وأصرف همي إليه، من سلوك طرائق الجهل، والجري في ميادين اللهو، واستبصرت حتى عرفت من الرشاد ما حملني على رد مستعار الغي، واطراح مستعاد البطل، فصرت أحفظ من المال ما كنت أضيعه، وأصحب من الحزم ما صرت أخلفه، وأجمع من العدة للحوادث ما
стр. 493
بقيت أهمله وأفرقه. وقوله أديت عني حقق بدخول عن أن المؤدى وجب عليه. ألا ترى أنه لو قالا أديت كذا من دون عن لجاز أن يكون لنفسه أدى ما أدى، ولجاز أن يكون لغيره. ولأن معنى أديت عني نحيت عن نفسي. وقوله فللمال عندي اليوم راعٍ وكاسب نبه به على أنه جامعٌ له وحافظٌ. ولم يشر بقوله اليوم إلى وقتٍ معينٍ، لأنه أراد حاضر الأزمان ومؤتنفها. فأما قوله ترى رائدات الخيل فالرائدات المختلفات، ومنه المثل: " الرائد لا يكذب أهله ". والمراد أن الذي يرتبطونه من المال ويقتنونه الخيل، لا الإبل والغنم، وأنها تختلف فيما بين بيوتهم لكثرتها، لأنهم غزاءون وأرباب غاراتٍ، فخيولهم مربوطةٌ بالأفنية لئلا تبعد عنهم أوان الحاجة لقصدٍ أو متعٍ؛ وهي في اختلافها وكثرتها وترددها بين البيوت كمعزى الحجاز وقد ضاق عنها محابسها ومرابضها. وقوله كمعزى الحجاز في موضع الحال من ترى، وأعوزتها في موضع الحال مما دل عليه الكاف من قوله كمعزى. والأجود أن يضمر معها قد ليقرب بناء الماضي من الحال. والتقدير تراها مشابهةً لمعزة الحجاز وقد عدمت محابسها، فهي ترود. وفي هذه الطريقة قول سلمة بن الخرشب:
يسدون أبواب القباب بضمرٍ ... إلى عننٍ مستوثقات الأواصر
والزرب والزريبة واحد، ويقال أعوزه الدهر: أفقره. وأعوز الرجل: ساءت حاله.
فيغبقن أحلاباً ويصبحن مثلها ... فهن من التعداء قبٌ شوازب
يقال غبقته إذا سقيته غبوقاً، وصبحته إذا سقيته صبوحاً. والصبوح والغبوق: يشرب بالغداة والعشي، لأنهما كالفطور والذرور والسحور. فيجوز أن يريد أنها تعدى في القرتين، ويكون أحلاباً بمعنى أشواطٍ وأطلاقٍ. يقال احلب فرسك قرناً أو قرنين، واحلبها أحلاباً وحلباتٍ. ويشهد لهذا قوله فهن من التعداء قبٌ شوازب. وتحقيق الكلام أنه جعل صبوحهن وغبوقهن أن أعديت في أول النهار وآخره لتضمر،
стр. 494
كما قال أبو تمام:
تعليقها الإسراج والإلجام
وكما قال غيره:
فإن المندي رحلةٌ فركوب
والتندية: أن ترعى في الورد بعد السقي شيئاً ليعرض عليها الماء ثانيةً. ويجوز أن يريد أنها تسقى اللبن غدواً وعشياً، كما قال:
نطعمها اللحم إذا عز الشجر
يريد باللحم اللبن، وكما قال الآخر
يعطى دواء قفي السكن مربوب
ويكون الأحلاب جمع حلب، مصدر حلبت، والمراد به المحلوب فجمعه لاختلافها. ويكون قوله فهن من التعداء كلاماً مستأنفاً، والمعنى أنها تصنع وتضمر، فتتفد بكل ما يصلحها ويقويها ويعودها الجراء. والقب: جمع أقب وقباء. والشوازب: الضوامر.
فوارسها من تغلب ابنة وائلٍ ... حماةٌ كماةٌ ليس فيهم أشائب
قوله من تغلب ابنة وائلٍ أخبر به أنهم لم يتكثروا بغيرهم، فليس فيهم خلطاء من سواهم ولا غرباء، وإنما هم من أصلٍ واحد. وهذا كما قال سلمة ابن الخرشب.
وأمسوا حلالاً ما يفرق بينهم ... على كل ماءٍ بين فيد وساجر
стр. 495
وهو خلاف قول الآخر وهو يهجو:
ولما أن رأيت بني جوينٍ ... جلوساً ليس بينهم جليس
إذا ما قلت أيهم لأيٍ ... تشابهت المناكب والرءوس
لأن هذا يصف أهل بيتٍ بأنهم لا يرى فيهم نديم ولا معاشرٌ، ولا يغشى فناءهم جليسٌ ولا مخالطٌ، ولا يقصدهم عافٍ ولا مجتدٍ، ولا يؤمهم راحٍ ولا معتفٍ، إنما اكتفى كلٌ منهم بصاحبه، وانفرد كل ذي بيتٍ بنسيبه. وعلى هذا الذي فسرنا يكون من تغلب ابنة وائلٍ خبراً، وحماةٌ خبراً ثانيا. والتقدير: فوارسها تغلبيون حماةٌ. ويجوز أن يكون من تغلب ابنة وائلٍ في موضع الحال، وحماةٌ الخبر، والتقدير: فوارسها وهم من بني تغلب حماة. وحماةٌ: جمع حامٍ. وكماةٌ: جمع كمىٍ. وهذا البناء من الجوع لا يكون إلا في المعتل. والاشائب: جمع أشابةٍ، وهم الذين جمعوا من شيءٍ إلى شيءٍ، على رداءةٍ فيهم وهجنةٍ تشوبهم.
فهم يضربون الكبش يبرق بيضه ... على وجهه من الدماء سبائب
وإن قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وصفهم بأنهم يطلبون الرؤساء في الحرب بالقتل والنكاية، دون الأوساط والعجزة والسقاط، فهو كقول الآخر:
من عهد عادٍ كان معروفاً لنا ... أسر الملوك وقتلها وقتالها
وقوله يبرق بيضه في موضع الحال من يضربون، وعلى وجهه من الدماء سبائب في موضع الحال أيضاً من قوله يبرق بيضه. والسبائب: الطرق، الواحدة سبيبةٌ، وقوله وإن قصرت أسيافنا مثل قول الآخر:
تصل السيوف إذا قصرن بخطونا
وفي طريقته قول الآخر:
إذا الكماة تنحوا أن ينالهم ... حد الظبات وصلناها بأيدينا
следующие страницы →