← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ومهجتي، كما يعتاد الصالب وهي الحمى التي معها صداع محموماً بخيبر. وإنما قال ذلك لأن خيبر محمة، وحماها موصوفة بالشدة. ويقال في المثل: " صالبي أشد من نافضك ". وحكى الأصمعي أن أعرابياً ثقلت عليه مؤن عياله لكثرتهم، فحدثته نفسه بأنه لو نقلهم إلى خيبر لنقصهم وباؤه، وأثر فيهم بالتقليل صالبه، وأوردهم خيبر، وأنشأ يقول: ويحك حمى خيبر استعدي ... هاك عيالي فاذهبي وجدي وباكري بصالبٍ وورد ... أعانك الله على ذا الجند فحموا بأجمعهم وسلموا، ثم تلف هو من بينهم. وقوله وأشعر سخنةً يروى بضم السين وكسرها. فالسخنة كالحمرة، والسخنة كالجلسة. ومعنى أشعر جعل شعاري. والشعار: ما يلي الجسد من الثياب، وتوسع فيه فقيل أشعر قلبي هماً. ويقال شعرت المرأة، أي نمت معها في شعارها. خليلاي هو جاء النجاء سملةٌ ... وذو شطبٍ لا يجتويه المصاحب موضع قوله خليلاي مع خبره نصبٌ على الحال من قوله وقفت بها، واستغنى بالضمير فيه عن إدخال الواو العاطفة لأنه يعلق من الحال بالأول ما يعلقه الواو. ومعنى قوله هوجاء النجاء ناقةٌ في نجائها وسرعة مرها هوجٌ واضطراب. ويقال نجاءٌ أهوج، كما يقال عدوٌ والهٌ. وقد تجاوزوا هذا الحد حتى قالوا غبارٌ مجنونٌ، وزمامٌ سفيه. والشملة: الخفيفة. وقوله وذو شطبٍ أراد به سيفاً ذا طرائق. لا يجتويه أي لا يكرهه متحمله لجودته. وهذا الكلام إشارةٌ إلى أن أصحابه خذلوه ولم يروا مساعدته في الوقوف على الدار. وقد عشت دهراً والغواة صحابتي ... ألئك خلصاني الذين أصاحب قرينة من أسفى وقلد حبله ... وحاذر حراه الصديق الأقارب يذكر ما تعاطاه من البطالة أيام صباه، فيقول: بقيت زماناً فيما مضى من عمري طويلاً متباعد الأطراف، والذين أصاحبهم وأوثر معاشرتهم أهل الغواية، وأرباب

стр. 492

البطالة والخسارة، لا أواخي غيرهم، ولا أصالح سواهم. والصحابة مصدرٌ في الأصل، وصف به الخلصان أيضاً مصدرٌ كالكفران والشكران في الأصل، ولذلك صلح أن يقع للواحد والجميع. يقال فلانٌ خالصتي وخلصاني، إذا خلصت مودته. قال: وعاش صافيةً لله وخلصانا ويقال: هؤلاء خلصاني، أي أخلائي. وقوله الذين أصاحب أراد أصاحبهم، وحذف الضمير استصالةً للاسم بصلته. وقوله قرينة من أسفى فالقرينة ألحقت الهاء به لأنه جعل اسماً، فهو كالبنية والذبيحة. ومعنى أسفى: دخل في السفاء. والسفاء ممدود: السفه، والرجل سفيٌ. ومعنى قلد حبله خلى واختياره، وأصله في البعير إذا أرسل في المرعى وجعل زمامه على عنقه لتتصرف كما يشاء، ثم نقل إلى من وعظ كثيراً حتى أهمل أمره تبرماً به. ويقال أيضاً: ألقى حبله على غاربه، في هذا المعنى. ومعنى وحاذر جراه الصديق الأقارب، أي تبرءوا منه خوفاً من جرائره التي يجنيها عليهم. وكانوا يسمون مثله الخليع. وعلى هذا قول الشنفري في صفة نفسه: طريد جناياتٍ تياسرن لحمه ... عقيرته لاياً بما حن أول ومعنى تياسرن لحمه اقتسمن لحمه من الميسر. وهذا من فصيح الكلام. والصديق يوصف به الواحد والجمع. والبيت الثاني شرحٌ لقوله والغواة صحابتي، ويفيد من نهايات الغي ما لا يستفاد من ظاهره ومطلقه. فأديت عني ما استعرت من الصبا ... فالمال عندي اليوم راعٍ وكاسب ترى رائدات الخيل حول بيوتنا ... كمعز الحجاز أعوزته االزرائب يقول: رفضت الآن ما كنت أقصر وقتي عليه، وأصرف همي إليه، من سلوك طرائق الجهل، والجري في ميادين اللهو، واستبصرت حتى عرفت من الرشاد ما حملني على رد مستعار الغي، واطراح مستعاد البطل، فصرت أحفظ من المال ما كنت أضيعه، وأصحب من الحزم ما صرت أخلفه، وأجمع من العدة للحوادث ما

стр. 493

بقيت أهمله وأفرقه. وقوله أديت عني حقق بدخول عن أن المؤدى وجب عليه. ألا ترى أنه لو قالا أديت كذا من دون عن لجاز أن يكون لنفسه أدى ما أدى، ولجاز أن يكون لغيره. ولأن معنى أديت عني نحيت عن نفسي. وقوله فللمال عندي اليوم راعٍ وكاسب نبه به على أنه جامعٌ له وحافظٌ. ولم يشر بقوله اليوم إلى وقتٍ معينٍ، لأنه أراد حاضر الأزمان ومؤتنفها. فأما قوله ترى رائدات الخيل فالرائدات المختلفات، ومنه المثل: " الرائد لا يكذب أهله ". والمراد أن الذي يرتبطونه من المال ويقتنونه الخيل، لا الإبل والغنم، وأنها تختلف فيما بين بيوتهم لكثرتها، لأنهم غزاءون وأرباب غاراتٍ، فخيولهم مربوطةٌ بالأفنية لئلا تبعد عنهم أوان الحاجة لقصدٍ أو متعٍ؛ وهي في اختلافها وكثرتها وترددها بين البيوت كمعزى الحجاز وقد ضاق عنها محابسها ومرابضها. وقوله كمعزى الحجاز في موضع الحال من ترى، وأعوزتها في موضع الحال مما دل عليه الكاف من قوله كمعزى. والأجود أن يضمر معها قد ليقرب بناء الماضي من الحال. والتقدير تراها مشابهةً لمعزة الحجاز وقد عدمت محابسها، فهي ترود. وفي هذه الطريقة قول سلمة بن الخرشب: يسدون أبواب القباب بضمرٍ ... إلى عننٍ مستوثقات الأواصر والزرب والزريبة واحد، ويقال أعوزه الدهر: أفقره. وأعوز الرجل: ساءت حاله. فيغبقن أحلاباً ويصبحن مثلها ... فهن من التعداء قبٌ شوازب يقال غبقته إذا سقيته غبوقاً، وصبحته إذا سقيته صبوحاً. والصبوح والغبوق: يشرب بالغداة والعشي، لأنهما كالفطور والذرور والسحور. فيجوز أن يريد أنها تعدى في القرتين، ويكون أحلاباً بمعنى أشواطٍ وأطلاقٍ. يقال احلب فرسك قرناً أو قرنين، واحلبها أحلاباً وحلباتٍ. ويشهد لهذا قوله فهن من التعداء قبٌ شوازب. وتحقيق الكلام أنه جعل صبوحهن وغبوقهن أن أعديت في أول النهار وآخره لتضمر،

стр. 494

كما قال أبو تمام: تعليقها الإسراج والإلجام وكما قال غيره: فإن المندي رحلةٌ فركوب والتندية: أن ترعى في الورد بعد السقي شيئاً ليعرض عليها الماء ثانيةً. ويجوز أن يريد أنها تسقى اللبن غدواً وعشياً، كما قال: نطعمها اللحم إذا عز الشجر يريد باللحم اللبن، وكما قال الآخر يعطى دواء قفي السكن مربوب ويكون الأحلاب جمع حلب، مصدر حلبت، والمراد به المحلوب فجمعه لاختلافها. ويكون قوله فهن من التعداء كلاماً مستأنفاً، والمعنى أنها تصنع وتضمر، فتتفد بكل ما يصلحها ويقويها ويعودها الجراء. والقب: جمع أقب وقباء. والشوازب: الضوامر. فوارسها من تغلب ابنة وائلٍ ... حماةٌ كماةٌ ليس فيهم أشائب قوله من تغلب ابنة وائلٍ أخبر به أنهم لم يتكثروا بغيرهم، فليس فيهم خلطاء من سواهم ولا غرباء، وإنما هم من أصلٍ واحد. وهذا كما قال سلمة ابن الخرشب. وأمسوا حلالاً ما يفرق بينهم ... على كل ماءٍ بين فيد وساجر

стр. 495

وهو خلاف قول الآخر وهو يهجو: ولما أن رأيت بني جوينٍ ... جلوساً ليس بينهم جليس إذا ما قلت أيهم لأيٍ ... تشابهت المناكب والرءوس لأن هذا يصف أهل بيتٍ بأنهم لا يرى فيهم نديم ولا معاشرٌ، ولا يغشى فناءهم جليسٌ ولا مخالطٌ، ولا يقصدهم عافٍ ولا مجتدٍ، ولا يؤمهم راحٍ ولا معتفٍ، إنما اكتفى كلٌ منهم بصاحبه، وانفرد كل ذي بيتٍ بنسيبه. وعلى هذا الذي فسرنا يكون من تغلب ابنة وائلٍ خبراً، وحماةٌ خبراً ثانيا. والتقدير: فوارسها تغلبيون حماةٌ. ويجوز أن يكون من تغلب ابنة وائلٍ في موضع الحال، وحماةٌ الخبر، والتقدير: فوارسها وهم من بني تغلب حماة. وحماةٌ: جمع حامٍ. وكماةٌ: جمع كمىٍ. وهذا البناء من الجوع لا يكون إلا في المعتل. والاشائب: جمع أشابةٍ، وهم الذين جمعوا من شيءٍ إلى شيءٍ، على رداءةٍ فيهم وهجنةٍ تشوبهم. فهم يضربون الكبش يبرق بيضه ... على وجهه من الدماء سبائب وإن قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب وصفهم بأنهم يطلبون الرؤساء في الحرب بالقتل والنكاية، دون الأوساط والعجزة والسقاط، فهو كقول الآخر: من عهد عادٍ كان معروفاً لنا ... أسر الملوك وقتلها وقتالها وقوله يبرق بيضه في موضع الحال من يضربون، وعلى وجهه من الدماء سبائب في موضع الحال أيضاً من قوله يبرق بيضه. والسبائب: الطرق، الواحدة سبيبةٌ، وقوله وإن قصرت أسيافنا مثل قول الآخر: تصل السيوف إذا قصرن بخطونا وفي طريقته قول الآخر: إذا الكماة تنحوا أن ينالهم ... حد الظبات وصلناها بأيدينا

стр. 496

فلله قومٌ مثل قومي عصابةً ... إذا حفلت عند الملوك العصائب قوله فلله قومٌ تعجبٌ وتحضيضٌ. والكلام في مثله قد تقدم مشروحاً. وانتصب عصابةً على أنه تمييز. ويجوز أن يكون حالاً أيضاً. وقوله إذا حفلت أي اجتمعت. وإذا ظرف لما دل عليه قوله لله قومٌ مثل قومي، أي ناهيك بهم من قومٍ في ذلك الوقت. والمعنى أنه يظهر من عزهم وفخرهم في مجالس الملوك ما يستحق به التعجب منهم. أرى كل قومٍ قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب يصف عزهم وكرمهم وعظم حشمتهم في قلوب من سواهم، وأن أحداً لا يتجاسر على التعرض لأسبابهم، والتبسط في أحميتهم، فما لهم وإن عزبت في مراعيها محميةٌ، وسروبهم آمنةٌ، وإذا كانت الأقوام غيرهم يقيد فحولها تقييداً مقارباً، وتحفظ مراعيها حفظاً ملاحظاً، مخافة أن تسرب في المرتع، وتبعد عن المجمع، وتتبعها الإناث فتقرب من المغير عليها، وتمكن الطامع فيها، رأيتنا لا نبالي بشيءٍ من ذلك، فنخليها وذهابها حيث شاءت، وأني اختلفت وتصرفت، لأمننا عليها، وعلمنا بأن عزنا يحميها ويذب عنها، ويقصر الأيدي دونها. والسارب: الذاهب في الأرض، حتى قيل سرب الماء وانسرب، ومنه اشتقاق السراب. وقال العديل بن الفرخ العجلي ألا يا اسلمى ذات الدماليج والعقد ... وذات الثنايا الغر والفاحم الجعد قوله يا اسلمى يراد به يا هذه اسلمى، فحذف المنادى. ومعنى اسلمى: دومي سالمةً. وانتصب ذات الدماليج على أنه نداءٌ ثان، ويجوز أن يكون انتصابه على إضمار فعل، كأنه قال: أذكر ذات الدماليج. وهذا يجري مجرى الكناية لما كره التنبيه

стр. 497

على اسمها. والدماليج: جمع الدملوج، وهي المعضد. وقال الخليل: يقال دملجت الشيء، إذا سويت صيغته، كما يصاغ الدملج. وثوله وذاب الثنايا كان وجه الكلام أن يقول: والثنايا الغر، لكنه أعاد لفظ ذات ليكون الخطاب به أفخم وأجل قدراً، ولشدة اتصال المضاف بالمضاف إليه، كأنه عدهما اسماً واحداً لا محمل بالحذف عليه. ويجري هذا المجرى قوله تعالى: " قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم "، " والذين هم ". وقول الشاعر: أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر والعقد: القلادة: يقال عقدت عقداً، ثم يسمى المعقود عقداً، فهما كالنقض والنقض. والفاحم: الشعر الأسود الحسن وقد فحم فحوماً. وذات اللثات الحم والعارض الذي ... به أبرقت عمداً بأبيض كالشهد اللثات: مغارز الأسنان. والحم: جمع أحم وحماء، وهو الأسود من كل شيء. ويروى الحو وهو جمع أحوى وحواء. والحوة: حمرةٌ تضرب إلى سواد. والعارض: ما يظهر من الثغر عند النطق من الجانبين. ومعنى أبرقت به: أطلعت البرق. والبرق: وميض السحاب أصله. ويقال: برق السحاب برقاً وبريقاً، وأبرق لغةٌ فيه، كذلك قال الخيل. وقوله عمداً مصدرٌ في موضع الحال، أي أبرقت عامدةً. ويريد بالأبيض رضاب الفم. والتشبيه بالشهد قصد به إلى العذوبة. كأن ثناياها اغتبقن مدامةً ... ثوت حججاً في رأس ذي قنةٍ فرد الاغتباق: شرب العشي، وخصه بالذكر لأن القصد إلى أنها عند السحر يطيب نكهتها، فإذا تغيرت الأفواه وخلفت كانت هذه كأنها مغتبقة خمراً بقيت سنين في رأس جبل انفرد عن الجبال ورءوسها، بحصانته وتمنعه. وهذا منه إشارةٌ إلى قلعةٍ في قلة جبل شاهق، أو قصر أو حصن شبهه بحبل هذه صفته. لعمري لقد مرت لي الطجير آنفاً ... بما لم يكن إذ مرت الطير من بد

стр. 498

كان زجاراً فلذلك قال ما قال. وخبر لعمري محذوفٌ، كأنه قال لعمري قسمي. ولقد جواب القسم مع ما بعده. والقسم كما يقع بالمفرد يقع بالجملة. وأنث الطير لأنه أراد الجماعة، فلذالك قال مرت. وآنفاً انتصب على الظرف، والمعنى فيما ائتنف من الوقت، وإنما عاف هذه العيافة التي أشار إليها فيما دار بين قومه من الشر، وكأنه آمن بما أوجبه مرور الطير في حلمه، فلذلك قال بما لم يكن من بدٍ. ومن بدٍ موضعه اسم لم يكن، وخبره محذوف، لأن التقدير بما لم يكن بدٌ من وقوعه إذ مرت الطير. وهذا كما يقال ما جاءني من رجل في اللفظ، وإن كان التقديران مختلفين. ومعنى قول القائل لا بد من كذا: لا اتساع في الاستغناء عنه. ويقال رجلٌ أبد وأمرأةٌ بداء، إذا تباعد إحدى فخذيه عن الأخرى، وبددت الشيء أبده، إذا جزأنه أجزاءً في القسم. ويقال هات بدتي، أي نصيبي، ومنه يقال استبد فلان بكذا إذا اختص. ظلت أساقي الهم إخوتي الأولى ... أبوهم أبي عند المزاح وفي الجد يقال: ظل يفعل كذا، إذا فعله نهاراً، ثم يتوسعون فيه، ويجري مجرى صار يفعل كذا يدل على ذلك قوله تعالى: " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً " ألا ترى أن البشارة بالأنثى تتفق كل وقتٍ من ليلٍ ونهارٍ. وقوله أساقي الهم يجوز أن يريد به الغم، كأنه كان يباث إخوانه وأصفياءه لما كان يدور عليه أمر عشيرته من الخلاف المؤدي إلى التقالى والتحزب، وما كان يخافه من التفاني عليهم عند التجارب. والأولى في معنى الذين، والجملة التي بعده من صلته. وقوله أبوهم أبي عند المزاح وفي الجد يجري مجرى التأكيد للأخوة، والتحقيق للتشابك، والممازجة بالنسبة، والمعنى: على كل حالٍ إذ لا ثالث لهما. ووضع المزاح موضع الهزل. ومثل هذا في معنى التأكيد، وإن كان لفظة لفظ البدل قولهم: جاءني بنو تميمٍ صغيرهم وكبيرهم، صريحهم وهجينهم، وما أشبهه. ويجوز أن يريد بالهم مصدر هممت بالشيء، كأنه اجتمع مع إخوته ليوافقهم على رأي يبنون أمرهم عليه مع الفساد الظاهر له بين ذويه وفصيلته. ويروى المزاح بضم الميم فيكون اسماً، والمزاج بكسر الميم فيكون مصدر مازحت. كلانا ينادي يا نزار وبيننا ... قناً من قنا الخطى أو من قنا الهند كلا اسم مفردٌ يؤكد به المثنى، كما أن كلاً اسم مفردٌ يؤكد به المجموع. والمراد به هنا كل واحدٍ منا، لذلك قال ينادي. والمعنى إن اعتزاء كل واحد من

стр. 499

طائفتينا إلى أبٍ واحد، والشر إذا وقع بين الأقارب كان في عقول ساداتهم أشد تأثيراً، وأبلغ عند الاستعمال به تحذيراً، إذ كان مفاسدة النسيب لنسيبه أفظع، وكان التقاطع حيث يجب التواصل أشنع، لأن عز السيد بتابعيه، وليس الأقارب منهم كالأجانب. وقوله وبيننا قناً من قنا الخطى الواو واو الحال، وقد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والمراد: وبيننا اختلاف قناً خطيةٍ بالطعن، أي بلغ جهد البلاء بينهم هذا المبلغ وانتهى إلى هذه الحالة. وقال من قنا الخطى والمراد من قنا الموضع الخطى أو المكان، فأقام الصفة مقام الموصوف. يدل على هذا أنه قال بعده أو من قنا الهند. ويجب أن يكون القنا الأول وإن كان جمع قناةٍ متناولاً لما هو أقلٌ مما يتناوله القنا الثاني حتى يحصل معنى التبعيض بمن. والخط: جزيرة عمان. ويقال في الرماح هي الخطية، كأنه اسمٌ لها. قرومٌ تسامى من نزارٍ عليهم ... مضاعفةٌ من نسج داود والسغد القروم في الأصل: الفحول المصاعب التي أعفيت من الحمل عليها وتركت للفحلة. ويقال أقرمت البعير فاستقرم. وعنى بها ها هنا الأبطال الكرام. وتسامى، أي تتعالى في التباري والتماري. والأصل في تسامي تتسامى فحذف إحدى التاءين استثقالاً لاجتماعهما. وقوله من نزارٍ في موضع الصفة لقروم، والتقدير قرومٌ نزاريةٌ تتسامى، وقوله عليهم مضاعفةٌ في موضع الحال والعامل فيه تسامى. ومعنى المضاعفة: التي نسجت حلقتين حلقتين. ومن نسج داود في موضع الصفة للمضاعفة، وأراد مضاعفةً داوديةً وسغديةً. وارتفع مضاعفةٌ بالظرف في المذهبين جميعاً لوقوع الظرف في موضع الصفة. ومثله من مسائل الكتاب: مررت برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً. إذا ما حملنا حملةً ثبتوا لنا ... بمرهفةٍ تذرى السواعد من صعد وإن نحن نازلناهم بصوارمٍ ... ردوا في سرابيل الحديد كما نردى أما البيت الأول فقد ألم فيه بمعنى قول الآخر: فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعضٍ أبت عيدانه أن تكسرا

стр. 500

والمرهفة: السيوف المرققة الحد، وسيفٌ رهيفٌ، وقد رهف رهافةً. ومعنى تذرى تسقط، وهو في موضع الصفة لمرهفةٍ. ومعنى من صعد من أعلى. وهذا كما قال غيره: يذري بإرعاشٍ يمين المؤتلى ... خضمة الذراع هذا المختلى وقوله وإن نحن نازلناهم فالنزال يأتون به ويركبونه في المضايق حيث لا يتسع المجال للخيل، وإذا كان كذلك فالبيت الأول من صفة الفرسان، والثاني من نعت الرجالة. وقوله ردوا في سرابيل الحديد كما نردى، الرديان في الأصل عدو الحمار بين آريه ومتمعكه، ولم يقصد تفضيلاً لأحد الفريقين على الآخر إما لقصده إلى الإنصاف في اقتصاص ما يجري من الأحوال، وإما لأن الفرقتين كانتا من أصلٍ واحدٍ جعلهما على سواءٍ من البلاء. كفى حزناً ألا أزال أرى القنا ... يمج نجيعاً من ذراعي ومن عضدي لك أن ترفع أزال على أن يكون أن مخففةً من الثقيلة، والمراد أني لا أزال. ولك أن تنصبه على أن يكون أن هي الناصبة للفعل. وموضع أن لا أزال على الوجهين جميعاً رفعٌ بكفى. وحزناً انتصب على التمييز. والمعنى: كفى من حزنٍ أنى لا أزال أرى الرماح تصب دماً من ذراعي ومن عضدي، أي من قومٍ بهم أبطش وأعتز، فهم مني بمنزلة الذراع والعضد. وهذا في الاستعارة لمن يقوى به الرجل ويعتضد أبلغ وأشبغ وإن تشاوت الطريقتان - من قول الآخر: فإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناني وقد قيل " أخ الرجل عضده ". والمج: إخراج الماء من الفم، وتوسعوا فقالوا للمطر: هو مجاج السحاب. والنجيع: دم الجوف. ويقال تنجع الرجل، إذا تلطخ به. لعمري لئن رمت الخروج عليهم ... بقيسٍ على قيسٍ وعوف على سعدٍ وضيعت عمراً والرباب ودارماً ... وعدوان ودٍ كيف أصبر عن ود

стр. 501

لكنت كمهر بق الذي في سقائه ... لرقراق آلٍ فوق رابيةٍ صلد نبه بهذا الكلام على قرب القرابة بينهم، وتأكد الالتحام فيهم، وأن تمازج الأنساب، وتواشج الأسباب، يوجبان أن طوائف هؤلاء الجموع كطوائف تلك، فإن أخذ يطلب الخروج عليهم، والنكاية فيهم، احتاج أن يخرج بقيسٍ على قيس، وبسعدٍ على سعد، لأن عوفاً هو ابن سعد. واحتاج أن يراغم عمراً والرباب ودارماً ووداً، وأن يضيع حظوظهم وحقوقهم، وبفيت نفسه وذويه مأمول الخير من جهتهم، والتكثر والتعزز بمكانهم، وذلك أيسر نتائج التقاطع والتدابر، والتنازع والتنابذ، والتجاذب والتحارب؛ هذا إلى ما فيه من مجانبة الرشاد، والتباعد في طرق الضلال والفساد. وقوله كيف أصبر عن ود هو الذي يسميه النقاد والبصراء بصنة الشعر وتمييز البديع فيه الالتفات. كأنه لما ذكر وداص والخلاف عليه، ونفض اليد مما يجمعه وإياه، وكشف الرأس بالمعاداة معه، رق للرحم قلبه، وضاق بالحال المتصورة صدره، والتفت إلى من بحضرته فقال: كيف يكون صبري عن مثله. ثم أخذ يمثل نفسه فيما يأتيه، ويصور نفسه إن أخذ فيه، فقال: لعمري إن صورتي إذا ركبت هذه الخطة معهم، ومثلي فيما أختاره من مفاسدة الأقارب مع هذا التحقق والتداني، والاستنامة إلى آمالٍ متخليةٍ في الأجانب، مثل رجل قد أعد ماء فمه لوقت حاجته، وهو في مفازةٍ متنائية الأرجاء، فترقرق له السراب من مكان يتوصل إليه بمشقةٍ تتكلف، وزيادة تعبٍ تتجشم، فصب ما قد استصحبه من الماء، وتيقن النجاة به، اغتراراً بما تراءى له وتظناه، وهو لا يدري هل يقدر على الوصول إليه، وإذا جاءه هل يجد له حقيقة أو لا. وقد ضرب الله المثل بالسراب لأعمال الكفار واغترارهم بها فقال: " كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ". والرابية: المكان المرتفع. والصلد: الصلب الذي لا ينبت شيئاً. والرقراق: ما ترقرق فيما يتخيل للعين ولمع، ويوصف به الدمع والماء والجارية الرائقة. يدل على ذلك قوله: رقاق لا زرق العيون ولا رمدا ولامرئ القيس يصف الدمع: أو الدر رقراقه المنحدر

стр. 502

وقوله لكنت كمهريق الذي جواب القسم، وبعضهم رواه: فكنت كمهريق وعلى هذا يكون الجواب محذوفاً. وقد حمل الكلام على المعنى لظهور المراد منه دون اللفظ، والأول أكشف. كمرضعةٍ أولاد أخرى وضيعت ... بني بطنها هذا الضلال عن القصد يجوز أن يكون المرضعة امرأةً فعلت ذلك فضرب المثل بهذا، ويشهد لذلك قول الآخر: كمرضعةٍ أولاد أخرى وضيعت ... بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا ويقال: النعام تفعل ذلك لسوء هدايتها، فتترك الواحدة منها بيض نفسها وتسوم في المرعى، فإذا أرادت العود إليها لم تهتد، فتجثم على بيض غيرها. ويشهد لهذا الوجه قول الآخر: فإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنداً شحاحاً كتاركةٍ بيضها بالقراء ... وملبسةٍ بيض أخرى جناحا وقوله هذا الضلال عن القصد يجري مجرى قوله كيف أصبر عن ود، في أنه من باب الالتفات. ومثلهما قول جرير: متى كان الخيام بذي طلوحٍ ... سقيت الغيث أيتها الخيام والشاعر لم يقنعه التشبيه الأول ولم يكتف به، لأن الثاني أدل على الحال فيما يروم تصويره، وأشبه بقصته إذا فعل فعلته. والقصد: الطريق المستقيم، وهو المقصود. فأوصيكما يا ابنى نزار فتابعا ... وصية مفضى النصح والصدق والود فلا تعلمن الحرب في الهام هامتي ... ولا ترامياً بالنبل ويحكما بعدي

стр. 503

جعل وصاتة شاملةً لقبائل ربيعة ومضر، وهما ابنا نزار بن معدٍ، فيقول: أبذل نصحي لكم، وأبسط وصيتي إياكم فيكم، فتابعوها واعملوا بحسبها، فإنها ممحوضةٌ لكم عن قلب رجلٍ سليم الغيب، نقي الجيب، صائب الرأي، صادق الود. وقوله مفضى النصح أي واصل نصحه إليكم، وصائر في فضاءٍ وسعةٍ. والمعنى انكشافه وخلوصه. وفي القرآن: وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ. وقوله فلا تعلمن الحرب في الهام هامتي هذا صريح الوصية التي دعا إليها، وسامهم ارتسامها وحفظها. وجعل النهي لهامته، والمخاطبون هم المنهيون، فهو كقولك: لا أرينك ها هنا، والمراد: لا تكن ها هنا فأراك. وتحقيق قوله فلا تعلمن الحرب في الهام هامتي: لا تتحاربوا بعدي فتعلم هامتي بين الهام الحرب بينكم، أي عليكم بالتواصل والتعاضد، وإياكم والتقاطع والتدابر، فإن ذلك يؤدي ضعفكم، واجتراء الخصم عليكم، إن لم يؤد إلى التفاني والتهالك. وكانت العرب تقول: إن عظام الموتى تصير هاماً فتطير وتتنسم أخبار الأحياء. وقوله ولا تراميا بالنبل ويحكما بعدي، يقول: دعوا التفاخر والتنافر، والتجاذب والتحارب، فإن ذلك من آكد أسباب التلاقي والتهاجر. وهم يجعلون المناضلة مثلاً للمفاخرة، على هذا قول لبيد: فانتضلنا وابن سلمى قاعدٌ ... كعتيق الطير يغضى ويجل ثم قال: فرميت القوم رشقاً صائباً ... ليس بالعصل ولا بالمفتعل أما ترهبان النار في ابنى أبيكما ... ولا ترجوان الله في جنة الخلد فما ترب أثري لو جمعت ترابها ... بأكثر من ابنى نزارٍ على العد هما كنفا الأرض اللذالو تزعزعا ... تزعزع ما بين الجنوب إلى السد ذكرهم بما في صلة الرحم من الأجر، وبما في قطيعته من الإثم، فأخذ يرغبهم ويحذرهم، فيقول: أما تخافون أن يحق عليكم العذاب إذا استهنتم بالوعيد الوارد في القطيعة واستعمال البغي، وتعرضتم لسخط الله في تجاوز مأموره، وأما ترجون أن يحل الثواب الكريم في الصلة واستعطاف أولى المحارم والقربة، إذا رعيتم

стр. 504

أمره، والتزمتم حتمه، واستنجزتم موعده. وإنما أخرج الخطاب بلفظ التثنية، وإن كان الوعظ متوجهاً إلى جميعهم، لأنه قال فأوصيكما يا ابنى نزارٍ. وقوله فما ترب أثري أثري والثرى يجعلان اسمين للأرض، إلا أن أثري جعل كالعلم لها، ولذلك لم يصرف. والثرى: النتدى. وفي المثل التقى الثريان. وفسر قوله وما تحت الثرى على ما تحت الأرض. ويقال: ثرى ثريٌ، فيراد به التراب الندي. وفي الاستكثار قيل: هم أكثر من الثرى. والشاعر وصف ابنى نزارٍ بالكثرة، لأن فيها العز والغلبة، ثم لم يرض بذلك حتى قال هما كنفا الأرض. ومعنى لو جمعت ترابها لو أحطت علماً به وضبطته. ومعنى بأكثر من ابنى نزارٍ على العد بأكثر منهما معدودين؛ فموضع على العد موضع الحال. وقطع همزة ابنى نزارٍ ضرورةً، كما قال الآخر: إذا جلوز الاثنين سرً فإنه ... بنث وإكثار الوشاة قمين ويركبون هذه الضرورة في الأكثر الأعم إذا كانت الألف في اسمٍ، وذلك أن ألفات الوصل بابها الأفعال دون الأسماء حتى يمكن حصرها إذا لم تكن في مصدرٍ، فإذا كان كذلك فالمعتاد في ألفات الأسماء القطع، فعلى ذلك يستحسن قطعها فيها، وإن كانت في الوصل للضرورة. وقوله هما كنفا الأرض فالكنف: الجانب والناحية. ومنه تكنفه بنو فلانٍ. والمعنى أنهم محدقون بالأرض. وقوله اللذا لو تزعزعا حذف النون استطالةً للاسم بصلته. وعلى هذا قوله: أبنى كليبٍ إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا والزعزعة: التحريك، ومنها ريحٌ زعزاعٌ. وقوله ما بين الجنوب إلى السد يريد ما بين مهب الجنوب إلى سد يأجوج. ويقال سدٌ وسدٌ لغتان، وقيل السد ما يفعله الآداميون، والسد بالضم ما لا صنع للآدمي فيه. ومراد الشاعر أن مساك الأرض وجوانبها بابنى نزارٍ، فإن تزعزعا تزلزلت الأرض. وهذا الكلام نهاية في بابه.

стр. 505

وإني وإن عاديتهم وجفوتهم ... لتألم مما عض أكبادهم كبدي لأن أبي عند الحفاظ أبوهم ... وخالهم خالي وجدهم جدي يقول: أنا وإن كنت متنكراً لهم مستجفياً، وجافياً معهم معادياً، ومتحاملاً عليهم مناصباً، فللعلائق الجامعة بيني وبينهم، والأواصر العاطفة ضميري عليهم، ولأني أرى أطرافي من السبب والنسب تظأرنى وتأبى إلا التحنن لهم، وتضمني فتمنع من الانحراف عنهم - يسوؤني ما يسوؤهم، وأشتكي لشكواهم، وأتألم مما ينالهم، وبحسب ذلك أختار لهم ما أختاره لنفسي، وأريد بهم ما أريد بمن لا يتميز عني، فذلك هو الذي يدعوني إلى استصلاحهم، والوصاة بما يؤدى إلى مصالحتهم، فعل الأمس سهمةً، والأخص نسبةً. وكيف لا أكون كذلك، وإذا حفظنا الحقوق، وراعينا الوسائل والحظوظ تناسقت الأبوة بيننا والأمومة، وتلاحظت البنوة والأخوة. وقالت عاتكة بنت عبد المطلب سائل بنا في قومنا ... وليكف من شرٍ سماعه قيساً وما جمعوا لنا ... في مجمعٍ باقٍ شناعه هذه الأبيات تناسب ما قبلها وتؤدي إلى مثل مؤداها، لذلك قالت سائل بنا في قومنا لأن ما تألمت منه كان في عشيرتها وذويها، وكأن الخطب كان عظيماً، والشر كان مستفحلاً شديداً، فأخذت تبعث على التسآل عنهم في قومهم، إذ كان البلاء لم يعدهم. ويجوز أن يريد: سائل بنا وعن حالنا فيما بين قومنا، كأنه يدعى أن لهم شأناً في قومهم ليس لغيرهم. وقولها وليكف من شر سماعه توجعٌ مما نالهم، واستفظاعٌ لما أجروا إليه فيما أداروا أنفسهم عليه. وظاهر لفظ الأمر للسماع، وهو في الحقيقة للمخاطب، لأن المراد: واكتف إذا سألت من الشر بالسماع دون العيان، فهو في باب الأمر - أعني ليكف - كقولهم في باب النهي: لا أرينك ها هنا، إذ كان المراد: لا تكن ها هنا فأراك. فإن قيل: لم نكر قوله من شرٍ، والذي يومي إليه يجب أن يكون معروفاً مشهوراً؟ قلت: إن فائدة المنكر مثل فائدة المعرف في مثل هذا المكان، ألا

стр. 506

ترى أنك تقول: فلانٌ يلبس خزاً وقزاً، والخز والقز، فلا يختلف المفهوم منهما؟ وقوله قيساً وما جمعوا لنا انتصب قيساً على إضمار فعلٍ، كأنه قال: سائل قيساً والجيش الذي جمعوه لنا في محفل أخباره تتحمل وتنشر على مر الأحقاب والأيام، وشناعته تستفظع وتذكر في المشاهد والأقوام. والشنع والشناعة والشناع والشنوع: قبح الشيء الذي يطير خبره ويعلو. ومنه شنع النجم، إذا ارتفع في السماء والشناع: الناقة الخفيفة. وتشنعت: تشمرت في السير وجدت. وإنما قالت وما جمعوا لنا لأنها أشارت بما إلى الجنس. ويجوز أن تريد: والذي جمعوا من أنواع الملامات والجرائم. وإذا فسدت ذات البين من قومٍ أخذوا يتجرمون ويعددون ما لا يكون جنايةً جناية. فيه السنور والقنا ... والكبش ملتمعاً قناعه أشار بقوله فيه السنور إلى ما اشتمل عليه ذلك المشهد من العدد والعدة. وموضع فيه السنور من الإعراب جرٌ على أنه صفةٌ لمجمع. والمراد بالسنور والقنا والكبش أجناسها. والسنور: الدرع، وقيل هو جماعة الأسلحة والكبش: الرئيس. ومعنى ملتمعاً قناعه بارقاً، أي عليهم البيض. وانتصب ملتمعاً على الحال. ويجوز أن ينوى الاستئناف بقوله والكبش، وحينئذ يروى ملتمعٌ بالرفع، فيكون خبراً عنه، وموضع الجملة يكون نصباً على الحال، وقد سميت البيضة يلمعاً لبريقه، كما سمى السراب يلمعاً. وفي المثل السائر أكذب من يلمع. بعكاظ يعشى الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه فيه قتلنا مالكاً ... قسراً وأسلمه رعاعه ومجدلاً غادرنه ... بالقاع تنهسه ضباعه قوله بعكاظ الباء منه تعلق بقوله في مجمعٍ، ويجوز أن يتعلق بملتمعاً. وشعاعه يرتفع بيعشى، والضمير منه يجوز أن يعود إلى عكاظ لكون الشعاع به، ويجوز أن يعود إلى القناع لأن اللمعان له. ويقال أشعت الشمس، أي انتشر شعاعها. ويقال لمحه ببصره ولمح البصر، ولمح البرق، وبرقٌ لماحٌ. وقولها فيه قتلنا مالكاً الضمير يعود إلى المجمع، ويجوز أن يعود إلى عكاظ. ومعنى قتلناه

стр. 507

قسراً، أي قصداً، لا اتفقاً. والقسر: القهر على كرهٍ. ويقال قسرته واقتسرته. وقولها وأسلمه رعاعه، إشارةٌ إلى لفائف انضموا إليه فخذلوه ولم يفوا له. والرعاع: سفلة الناس وسقاطهم. وقال الخليل: الرعاعة: الرجل الذي لا فؤاد له، ومنه رعاع الناس. ومجدلاً انتصب بفعلٍ ما بعده تفسيره، كأنه قال: وغادرن مجدلاً غادرنه. والضمير في الفعل للخيل. والمجدل: المصروع على الجدالة، وهي الأرض. والقاع: المستوى من الأرض. وموضع تنهسه نصب على الحال، والعامل فيه غادرن. والنهس: أخذ الشيء بمقدم فيك. ويروى: تنهشه بالشين معجمةً. وكان الأصمعي يقول: النهس والنهش سواءٌ، وهو أخذ اللحم بالفم. وخالفه أبو زيدٍ فقال: النهس بالسين أخذك الشيء بمقدم فمك. والضمير في قوله ضباعه يعود إلى القاع. وقال عبد القيس بن خفاف أحد بني حنظلة بن مالك، البرجمي: صحوت وزايلني باطلي ... لعمر أبيك زيالاً طويلاً يقول: وبقاء أبيك لقد أفقت من سكر البطالة، وفارقني ما كنت أتعاطاه من الصبا والجهالة، فراقاً ممتداً لا ينقطع بمعاودةٍ تعرض دونه، أو بمواصلةٍ تبطله وتزيله. فإن قيل: كيف وصف الزيال بالطول؟ قلت: الطول في الحقيقة لوقت الزيال لا له، لكنه وصفه بع على طريق التوسع. وهم يستعملون الطول والعرض على ضربين: أحدهما في المجسمات، وذلك وصفٌ لذهابها في الجهتين. والثاني أن يراد بهما الاتساع للشيء، أو امتداد الوقت به. وهذا الوجه قد يستعمل في المجسم وغير المجسم. وأكثر ما يستعمل منه العرض من دون الطول. على هذا قولهم: نعمةٌ عريضةٌ وجاهٌ عريض. وقال الله تعالى: " وجنةٍ عرضها السموات والأرض " وقال: " فذو دعاءٍ عريضٍ ". وريما جمعوا بينهما فقد قالوا: عشنا زمناً طويلاً عريضاً. والدهر العريض الطويل، يراد به الكمال

стр. 508

والاتساع، وقد قال كثير: بطاحي له نسبٌ مصفىً ... وأخلاقٌ لها عرضٌ وطول فهذا على التشبيه بالمجسمات، والقصد إلى السعة، لأن الأخلاق توصف بالسعة والضيق. وقد عيب على أبي تمامٍ قوله: بيومٍ كطول الدهر في عرض مثله وقيل جعل للزمان عرضاً مع أنه لا حاجة به إليه، إذ كان بذكر الطول قد استوفى المعنى المقصود. وهذا من قائله ظلمٌ صريحٌ لأنه سلك مثل طريقة كثيرٍ من التشبيه بالمجسم، فكما قال في الأخلاق لها عرضٌ وطولٌ، كذلك قال في الزمان له طول كذا فيعرض مثله، ولا فصل. وقوله وزايلني باطلي قال سيبويه: يقال زايلت بمعنى بارحت، ومنه قولهم ما زال يفعل كذا، لأن معناه ما برح، ويقال زال الشيء من الشيء بزيله زيلاً، إذا مازه منه، وزال الشيء يزول زوالاً، إذا فارق. وجواب القسم مقدمٌ عليه. وأصبحت لا نزقاً للحاء ... ولا للحوم صديقي أكولا ولا سابقي كاشحٌ نازحٌ ... بذحلٍ إذا ما طلبت الذحولا أجرى أصبحت مجرى صرت. والبزق: الطياش الخفيف العقل. ويقال نزق ينزق نزقاً، ومنه نزقت الفرس، إذا ضربته حتى ينزق واللحاء: المشاتمة. يقول: استبدلت من الخفة وقاراً؛ ومن العجلة أناة وسكوناً، فلا يستخفني النزق لملاحاة الرجال، وثلب أعراض الأصدقاء بالاغتياب. ويقال للمغتاب: هو أكولٌ للحوم الناس، كالسبع الضاري. وللنمام: هو أضرب من مشي بشفةٍ، من قوله : " مشاء بنميمٍ ". وفي القرآن: " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ". وقوله صديقي أراد به الكثرة لا الواحد. وقوله ولا سابقى كاشحٌ نازحٌ فالكاشح: العدو الباطن العداوة. والنازح: البعيد الدار أو النسب. وفي البيت يحتمل الوجهين. يقول: إذا سعيت في طلب

стр. 509

إصابة الأوتار، لم يفتني العدو البعيد الدار، لأن المسافات لا تمنعني عن الطلب وإن شقت وثقلت. وأصبحت أعددت للنائبات ... عرضاً برئياً وعضباً صقيلا ووقع لسانٍ كحد السنان ... ورمحاً طويل القناة عسولا يقولك وصرت كما استنكفت من مساوي الأخلق، وأخذت أنعطف على مكارمها، أعددت أيضاً لحوادث الدهر نفساً نقيةً من الدنيات، رافضة للمنكرات، وسيفاً قاطعاً مصقولاً. كأنه في وقت مساعدة الأحوال له وإقبال الزمان عليه، يعلم أن المقدور كما يعطى يرتجع، فيسعى فيما تسلم معه النفس وبطيب به النشر. وإنما قرن بذكر العرض المعد أسلحته ليرى اكتفاءه بها إذا نابت النائبات، كما قال غيره: فلما نأت عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر فما أسلمتنا عند يوم كريهةٍ ... ولا نحن أغضينا الجفون على وتر وقوله ووقع لسانٍ يجوز أن يكون من وقعت الحديدة بالمطرقة، إذا ضربتها؛ ومنه حافرٌ وقيعٌ، إذا أثرت فيه الحجارة. ويجوز أن يكون من وقعت بهم وأوقعت؛ ومنه وقعات الدهر ووقائعه. يقول: وأعددت لها لساناً مؤثراً تأثيراً شديداً، إذا اغترز في ركاب القول نافذاً حديداً، نفاذ السنان. وهذا كما قال: ولساناً صيرفياً صارماً ... كحسام السيف ما مس قطع وقد قيل: " المرء بأصغريه قلبه ولسانه ". وإذا تنقت الأعراض طالت الألسنة. وكانت الشعراء والخطباء عدةً للقبائل كالرجال والأموال، بل كان الانتفاع بمكانهم، والدفاع بألسنتهم أتم وأكمل. وقوله ورمحاً أي وأعددت رمحاً، وجعله طويل الخشبة لأن مستعمله طويلاً أفرس. والعسول: الشديد الاهتزاز؛ ومنه عسلان الذئب، وقولهم: عسل الدليل في الطريق.

стр. 510

وسابغةً من جياد الدروع ... تسمع للسيف فيها صليلا كمتن الغدير زهته الدبور ... يجر المدجج منها فضولا يقول: وأعددت لها أيضاً درعاً واسعةً من خير أجناسها، ينبو عنها السيف فلا يعمل فيها، لاستحكامها وجودة سردها، إلا ما تسمع من صليلها عند إصابتها به، صافيةً كأنها صفحة الماء من غديرٍ هبت عليه ريح الدبور، فحركته واستخفته، فصار على ظواهره حبابٌ يتدافع. وإذا لبسها المتدجج في السلاح، المستعد للكفاح، فضل عنه منها فواضل يجررها. وهذا كما قال الآخر: تغشي بنان المرء والكف والقدم والقصد في هذا إلى صفة الدرع وجودتها. ولو قصد مدح لابسها لكان يجعلها صداراً أو بدنة. على أن كثيراً لما أنشد عبد الملك قوله فيه: على ابن أبي العاصي دلاصٌ حصينةٌ ... أجاد المسدي سردها وأذالها قال له: قول الأعشى لقيس بن معد يكرب أحسن من قولك: وإذا تجيء كتيبةٌ ملمومةٌ ... خرساء يخشى الذائدون نهالها كنت المقدم غير لابس جنةٍ ... بالسيف تضرب معلماً أبطالها فقال كثير: يا أمير المؤمنين وصفتك بالحزم، ووصف الأعشى صاحبه بالخرق. ولقائلٍ أن يقول: إن المبالغة في الشعر أحسن من الاقتصاد، والأعشى أعطى المبالغة حقها، فهو أعذر، وطريقته أسلم. ؟ وقالت امرأةٌ من بني عامرٍ: وحربٍ يضج القوم من نفيانها ... ضجيج الجمال الجلة الدبرات انعطف قوله وحربٍ على مجرورٍ تقدمه، وليس على إضمار رب، بدلالة قولها سيتركها قومٌ. كأنه غلب على ظنها لما رأت من أمارات الشر بين قومها

стр. 511

باستعمالهم البغي، واستيطائهم الظلم، واستبدالهم بالتحاب تباغضاً وبالتعاطف تدابراً، وبالتناصر تخاذلا، وهم من جرثومةٍ واحدةٍ، أنه سيحدث في مؤتنف الأحوال منهم أحداثٌ، وتظهر على مرور الأيام لدواعي الهلك آياتٌ من كذا وكذا، وحربٍ يتشاكون من اشتمالها لهم، وتناولها بالمشاركة من عداهم معهم، وتجاوز القرباء بعد ذلك إلى البعداء فيهم. وهذا المعنى اقتضاه قوله من نفيانها لأن أصله أن يستعمل فيما يتطاير من القطر عند سيلان الماء من أعلى إلى أسفل في جوانب المصب، فشبه ما يتدافع وينتشر من أذى الحرب في جوانب القوم به. والجلة: المسان من الإبل. وتعني التي مع السن أضربها الكد، وجهدها الاستعمال، وأزمنها الدبر، فقالت: تضج العشيرة لما يقاسونه من هذا الحرب ضجيج تلك الإبل عند ما تقاسي من العمل. وهذا التشبيه الصائب المتناهى في الدلالة على حالة المشبه. وقد قال الراجز في هذه الطريقة يصف حرباً: وأغشت الناس الضجاج الأضججا ... وصاح خاشي شرها وهجهجا سيتركها قومٌ ويصلى بحرها ... بنو نسوةٍ للثكل مصطبرات نبهت بهذا إلى استفحال الحرب التي توعدت بها وتفاقم الخطب، فقالت: تضجر بها فرقةٌ منهم فينفضون الأيدي منها تفادياً من ملابستها، ويعتزلون عنها طلباً للسلامة من عقباها، وحذراً من امتدادها إلى غاية لا تملك فيها الاستقالة منها؛ ويصبر فيها أخرى، وهم المنهمكون في إيقاد نارها، والاصطلاء بحرها، للعنون في إثارة كامنها، وإذاعة واقفها، الذين لا يبالون بما يفعلونه أو يفعل بهم، وقد تعود الثكل أمهاتهم فلا يجز عن لقتلهم، وألف الأيمة نساؤهم فلا يحزن لموتهم. ومعنى للثكل أي من أجله، وهذه اللام في هذا الموضع قد تؤدي معنى على، فاعلمه. فإن يك ظني صادقاً وهو صادقي ... بكم وبأحلامٍ لكم صفرات تعد فيكم جزر الجزور رماحنا ... ويمسكن بالأكباد منكسرات قولها فإن يك ظني صادقاً يجري منها مجرى التحذير والوعيد، وفيه بعض الاستفاءة، لأنها إذا رهبت من القطيعة وآفاتها، فقد رغبت في الصلة وآياتها. وقد

стр. 512

تقدم القول في صادقاً وصادقي، وفي حذف النون من يك في الجزم مشروحا. وقولها وبأحلام لكم صفرات، أي لا خير فيها، وقد زالت المسكة عنها. ويقال صفر الإناء وغيره صفوراً، وإناءٌ صِفرٌ وصَفرٌ. وقال الخليل: هو صفرٌ صحرٌ على الإتباع، أي خالٍ. وقولها تعد فيكم جزر الجزور جواب الجزاء من قولها، فإن يك ظني صادقاً، كأنها ذكرتهم حالة منكرة تقدمت لهم، فلذلك قالت: تعد فيكم. والجزر: القطع. وقيل الجزور لأنها تقطع وتقسم. والجزرة: الشاة تذبح. ويقال. ترك بنو فلانٍ جزر الرماح، أي قتلوا واجتزرتهم السباع. وجعل الإعادة للرماح على الاتساع. وقوله ويمسكن بالأكباد يروى بفتح السين، أي يضبطن؛ ويروى بكسر السين: وهو ظاهر المعنى. وانتصب منكسرات على الحال والمراد أنهم يجرون الرمح عند الطعن ويصيبون المقاتل. ؟ وقال معبد بن علقمة غيبت عن قتل الحتات وليتني ... شهدت حتاتاً يوم ضرج بالدم وفي الكف مني صارمٌ ذو حقيقةٍ ... متى ما يقدم في الضريبة يقدم فيعلم حيا مالكٍ ولفيفها ... بأن لست عن قتل الحتات بمحرم إنما قال هذا لأنه كان يستبعد وقوع قتله من جهته، إذ كان منه ذا رحمٍ محرم. فجمع في كلامه هذا بين تلهفٍ على فائتةٍ، وتمن على شرط عقده به له، فيقول: أخرت عن قتل هذا الرجل يوم أصيب ولطخ بالدم، فذهبت نفسه فيه وتغيبت، وكنت أود وأتمنى أن أكون حاضره، ومشاهداً وقته وحينه، ومعي سيفٌ قاطع ينفذ في الضريبة إذا أعمل بحقه من المضاء وحقيقته، ويأتي على المضروب بحده وصرامته، فيتيقن الجيشان ومن لف لفهم وانضاف إليهم من أوباشٍ تجمعوا لهم، وقماش تكثروا بهم، بأني لست عن قتل هذا الرجل بذاهب ولا ممتنع حتى كأني في حرمٍ. وقوله يوم ضرج فهو من الضرج، وهو الحمرة. والإضريج: ضربٌ من الخز أحمر. ويقال: ضرجت الثوب، إذا صبغته بالحمرة خاصةً، وتضرج الخد عند الخجل. وقوله

стр. 513

ذو حقيقةٍ فالحقيقة ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه، وتوسعوا فقيل: حاققت الرجل، إذا جاذبته حقاً بينكما. ويقال هو نزق الحقاق، إذا جاذب في صغار الأمور. وقوله بمحرم يقال: أحرم الرجل، إذا دخل في الحرم، أو في الشهر الحرام. وفسر قول الراعي: قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً على أنه كان له حرمة الإمامة والبلد والشهر، لأنه قتل ﵁ في ذي الحجة. وانتصب فيعلم على أنه جواب التمني. فقل لزهيرٍ إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتامين للمتشتم ولكننا نأبى الظلام ونعتصي ... بكل رقيق الشفرتين مصمم يقول: أبلغ هذا الرجل أنك إن اعتمدت على ركوب السفه معنا، وتعمدت في مجاذبتنا سب خيارنا، وثلب أعراضنا، فإنا نربأ بأنفسنا عن مجاراتك في هذا الميدان، ومكايلتك بمكيال السباب. والمتشتم: المتحكك بالشتم والمتعرض له. ويصلح أن يكون للجنس فيدخل فيه زهيرٌ وغيره، ويصلح أن يراد به زهيرٌ خاصةً. وقوله ولكننا نأبى الظلام يريد: لا نرضى بالدنيات، ونمتنع من التزام الظلامات، وندافع عن أحسابنا بكل سيفٍ رقيق الحدين، نافذٍ في الضريبة. والظلام والظلامة والمظلمة واحد، وهو ما تظلم الناس بسببها بينهم. ويروى: الظلام بكسر الظاء، مصدر ظالمته مظالمةً وظلاماً. وقوله ونعتصي يقال عصيت بالسيف، واعتصيت وعصوت بالعصا. ومر يعتصي على العصا، أي يتوكأ عليها. والتصميم: المضي في الأمر. ويقال صمم في عضته، إذا نيب. وتجهل أيدينا ويحلم رأبنا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم ؟ وإن التمادي في الذي كان بيننا بكفيك فاستأخر له أو تقدم أفعال جملة الإنسان تنسب إلى جوارحهم على المجاز والسعة، فلذلك نسب الجهل إلى الأيدي. والمعنى أن ما يذم من أفعال القلوب لا نكتسبه بوجهٍ، بل فينا الرأي الثاقب، والوقار الغالب، والأناة والحلم، والسكينة والعلم؛ فأما اليد فإذا بطشنا

стр. 514

بها بطشنا جبارين. أي نحلم بجهدنا ومقدار طاقتنا فإذا أحرجنا فخرجنا عن العادة كانت أفعال أيدينا أفعال الجهال الذين لا رعة تردعهم، ولا رقة تضبطهم. وقوله ونشتم بالأفعال، يقول: نجعل جزاء الشتم والمنقصة والثلب الفعل لا القول، إذ كان القول يذهب أدراج الرياح، والفعل يبقى أثره على مر الأيام. وقوله إن التمادي في الذي كان بيننا بكفيك توعدٌ. يقول: أمر اللجاج والاستمرار فيما يزيد ما بيننا فساداً أنت قادرٌ عليه، ومتمكنٌ من اختياره، فإن شئت فتقدم فيه، وإن شئت فتأخر عنه. ويقال استأخر واستقدم وتأخر، بمعنىً واحدٍ. ؟؟ وقال أمية بن أبي الصلت غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً ... تعل بما أدني إليك وتنهل إذ اليلةٌ نابتك بالشكو لم أبت ... لشكوك إلا ساهراً أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني وعيني تهمل اعتد عليه بما تجشمه فيه بعد أن كان السبب في إبدائه وإنشائه، وبما أعد له وتكفل به، من ابتداء الطفولة إلى انتهاء الشباب واستكمال القوة، إذ كان جارحه ومربيه، والقائم بمؤنه على اختلاف سنيه. ويقال غذوتك غذواً. والغذاء: الطعام والشراب. ويقال غلامٌ يافعٌ ويفاعٌ ويفعٌ، وقد أيفع وأصله الارتفاع، ومنه اليفاع من الأرض والجبل. وقوله علتك أي أنفت عليك. يقول: ربيتك لما ولدت، ومنتك حين أيفعت، وفي تلك المدة تسقى العلل والنهل، وتطعم الحار والبارد، وتكسى اللين والخشن، كل ذلك مما أجمعه لك، وأدنيه منك، وبعد أن أقيك من المحاذر، وأحفظك دون المتالف، شفقةً عليك، واهتماما بشأنك، فإن طرقتك ليلةٌ بشكاةٍ تؤذيك، أو عارضٍ يضنيك، سهرت طول تلك الليلة لا أهدأ قلقا، ولا أستنهض لدفع ما أجده سكناً، ولا أستلين مهاداً، ولا أثني لمقر رأسي وساداً، بل أتلوى وأضطرب، وأتململ على فراشي وأتقلب، حتى كأني المختص بما أشكاك، والمدهي بما دهاك، لا يحف مدمعي، ولا يوطؤ مضجعي. وقوله تعل بما أدني يجوز أن

стр. 515

يكون موضع تعل صفةً لقوله يافعاً، أي معلولاً؛ ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: وأنت تعل وتهل بما أدنيه. وقوله لم أبت لشكوك فالشكو والشكوى والشكاة واحدٌ. والتململ: القلق وترك الهدو. ويروى تعل بما أجني عليك والمعنى أجني لك. وهذا كما يقال: سعى فلانٌ على ذويه، إذا سعى لهم في مصالحهم: ويقال جنى الثمر يجني جنياً وجنايةً. قال الأخطل: داني الجناية مونع الأثمار فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أومل جعلت جزائي منك جبهاً وغلظةً ... كأنك أنت المنعم المتفضل يقول: فلما تكامل منك الشباب، وتعلقت بك الآمال، وبلغت المدى المنتظر للانتفاع بك، والاستظهار بمكانك، والاضطلاع بكفايتك، وصلحت لأن تكون عدةً وعدداً، وبأساً مخوفاً، وطمعاً مرجواً، أقبلت تجازبني بإحساني إساءةً، ومما استلنت من جانبي غلظةً، ومما ترفرف عليك من رحمتي ورقتي نبواً وقسوةً، حتى كأن ما سال عليك من نعمتي كان لك، وما أسبل عليك من فضلي وإفضالي كان منك؛ لا مراجعة في الأول تردك، ولا ملاحظة لعقباك تفيء بك. والجبه: مقابلة الإنسان بما يكرهه. فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل تراه معداً للخلاف كأنها ... بردٍ على أهل الصوب موكل يقول: وددت أنك إذ لم تنلني إكبار الآباء، ولم ترع مني حقوق الولاد والإنشاء سرت معي بسيرة المجاور لجاره، والمرافق لرفيقه؛ فإن ذلك إذا عد درجات المبار، ومدت علائق التحاب، وتؤمل ذمم القرابة، وحرم الصداقة، أضعف الأواخي، وأدون المراقي. ثم أخذ ينبه على سوء اختياره، وتمادي لجاجه، وتناهي جهله والتوائه، فقال: تراه معداً للخلاف أي جعل الخلاف على ذوي الرأي وأرباب العقل، وأولي

стр. 516

الحزامة والحلم، عدةً فكأنه وكل برد صوابهم. واستقباح المحسن عندهم. فإن قيل: بماذا دخل هذه الأبيات وما يتلوها - وهو في معناه - في باب الحماسة؟ قلت: دخلت فيه بالمشاكلة التي بينها وبين ما تقدمها من الأبيات، المنبئة عن المفاسدة بين العشائر، وما يتولد فيها من الإحن والضغائن، المنسية للتواشج والتناسب، المنشئة لهتك المحارم، المبيحة لسفك الدماء وقطع العصم؛ إذ كان عقوق البنين للآباء، وتناسي الحرم، فيه مثل ذلك. وهو ظاهرٌ بينٌ. وقالت امرأةٌ من بني هزان يقال لها أم ثواب في ابنٍ لها عقها: ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أم الطعام ترى في جلده زغبا حتى إذا آض كالفحال شذبه ... أباره ونفى عن متنه الكربا أنشا يمزق أثوابي يؤدبني ... أبعد شيبي عندي تبتغي الأدبا يقال رببته وربيته بمعنىً. ومعنى البيت: كان ابني حين ولده في ضعفه وصغره، وتساقط قوته، وتخلخل بنيته، ورخاوة مفاصله، كفرخ القطاة ولم يستبدل بعد بزغبه شكيراً، ولا بانحلال عقده تماسكاً، فأقبلت أربيه وأعظم شيءٍ فيه بطنه، وأرقيه في مدارج النشء والترشيح وهو لا يميز ما ينفعه مما يضره، متردداً في الأحوال التي تجري إليه، وتتغير عليه، بين صيانةٍ كاملةٍ، وشفقةٍ بارعةٍ، وحفظٍ متصلٍ، وإشفاقٍ مطردٍ. وتسميته البطن بأم الطعام، كما قيل للجلدة الرقيقة الملبسة الدماغ أم الدماغ، وكما سمي المجرة أم النجوم، وكل ذلك لما في المضاف والمضاف إليه من الانضمام والاحتواء. وقد سمى الشنفري تأبط شراً بأم عيالٍ، فقال: وأم عيالٍ قد شهدت تقوتهم ... إذا أطعمتهم أوتحت وأقلت لما كان يجمع من أمر أصحابه ويتكفل به لهم ويدبره. وقولها حتى إذا آض كالفحال حتى وضع للغاية، وأضيف إلى إذا وما بعده من الجملة التي انشرح إذا

стр. 517

بها. والمعنى إلى هذا الوقت. وموضع كالفحال نصبٌ على الحال. يقول: لم أزل أجري معه في تربيته وتفقده، إلى أن استكمل شبابه، وبرع نباته، وامتد قوامه، فصار كفحل النخل وقد قطع متعهده منه شذبه، وألقى عن ظهره كربه، ليكمل طوله، ويتم غراسه. والكرب: أصول الأعذاق تترك كالأوتاد ليرتقى بها في النخل. والفحال: فحل النخل خاصةً، ولا يقال لغير فحلها فحال. والابار والمؤبر: الملقح للنخل. والفحال لا يؤبر، ولكن لما كان يؤبر به النخل أضاف الأبار إلى ضميره، على عادتهم في إضافة الشيء إلى غيره لأدنى تفلق بينهما. ألا ترى إلى قوله تعالى: " فإذا جاء أجلهم " وفي موضعٍ آخر: " فإن أجل الله ". ومعنى آض، قال الخليل: الأيض صيرورة الشيء شيئاً غيره وتحوله عن حاله. وقوله أنشا يمزق أثوابي هو جواب قوله حتى إذا آض كالفحال، وهو العامل في إذا، أعني أنشأ. ويقال أنشأ الله الخلق، ونشأ فلانٌ حديثاً، ثم يقال: أنشأ يفعل كذا ويقول كذا. يقول: لما بلغ هذا المبلغ ابتدأ يضربني ويخرق ثيابي، مرشداً ومؤدباً ثم قالت وكأنها أقبلت على إنسانٍ غيره بحضرتها تخاطبه منكرةً ومتعجبةً: أبعد المشيب يطلب تأديبي. وهذا الكلام منها كالإشارة إلى المثل المضروب السائر في الأمم: " من العناء رياضة الهرم "، وهو مع ذلك يجري مجرى الالتفات. إني لأبصر في ترجيل لمته ... وخط لحيته في خده عجبا قالت له عرسه يوماً لتسمعني ... مهلاً فإن لنا في أمنا أربا ولو رأتني في نارٍ مسعرةٍ ... ثم استطاعت لزادت فوقها حطبا قولها إني لأبصر، يقال أبصرت الشيء وبصرت به. والبصر: العين ونفاذ القلب. وحكي أن معاوية قال لابن عباسٍ وقد كف بصره: ما لكم يا بني هاشمٍ تصابون بأبصاركم إذا أسننتم؟ فقال: كما تصابون ببصائركم عنده!! والترجيل: غسل

стр. 518

الشعر ومشطه. وعجبا مفعول أبصر. ويقال أمرٌ عجبٌ وعجيبٌ وعجابٌ، إذا تجاوز حد العجب. والاستعجاب: شدة التعجب. تقول: أرى بعد ما شاهدته من طفولته وضعف حراكه وتنقل الأحوال به وقتاً بعد وقت، ونشئاً بعد نشءٍ، عجباً في لمته ولحيته المختطة. أي أتعجب كيف تحول عن تلك الحالة إلى ما أجده عليه الساعة. ثم قالت حاكيةً عن زوجته ما كانت تتفوه به سمعةً ورياءً، وتقيم به سوقها حيلة ونفاقاً، إظهاراً لخلاف ما ينطوي عليه قلبها، ويشتمل عليه ضميرها: كف عن أيذاء أمنا فإنا لا نستغني عنها، ولا تتمشى أمورنا إلا بها وبحياتها. ومعنى مهلاً رفقاً لا تعجل. وأصل المَهْل والمَهَل السكينة والوقار، ومنه الإمهال في الدين. والأرب: الحاجة. ثم صرحت بما عرفته من سوء نيتها فيها، وحرصها على الزيادة في مساءتها، فقالت: تكلفت ذلك المقال منها ملقاً منها ومجاملة، ولو وجدتني في نارٍ محرقةٍ ثم قدرت لزادت في وقودها وإضرامها. ويقال. سعرت النار والشر وأسعرتهما، وإنه لمسعر حرب. وقال ابن السلماني لعمرك إني يوم سلعٍ للائمٌ ... لنفسي ولكن ما يرد التلوم سلعٌ: موضعٌ أضاف اليوم إليه تعريفاً. وحكي السلع: شقٌ في الجبل، ومنه قيل: تسلعت رجله، إذا تشققت. وكأن قولهم: هادٍ مسلعٌ من هذا، أي يشق أجواز الفلاة شقاً. واللام من لعمرك لام الابتداء، وخبر المبتدأ محذوفٌ. ولا يجيء عمرو في القسم إلا مفتوح العين، وإن كان الضم لغةً فيه، ومعناه البقاء. والتلوم: تكلف اللوم، فهو كالتذمم. يقول: وبقائك إني في هذا اليوم لعاتبٌ على نفسي ومقرع لها، ولكن ماذا يغني التعتب والأمر فائتٌ. وقوله ما يرد يجوز أن يراد

стр. 519

به ما يرجع، ويجوز أن يكون بمعنى ما ينفع. ويقال: هذا أرد عليك، أي أنفع. وموضع " ما " يجوز أن يكون مفعولاً، ويجوز أن يكون مبتدأً. أأمكنت من نفسي عدوي ضلةً ... ألهفى على ما فات لو كنت أعلم قوله أأمكنت لفظه الاستفهام، ومعناه التقريع والتوبيخ. وهذا الكلام هو صريح لومه لنفسه، فيجوز أن يكون حذف قبله لفظة قائلٍ، كأنه قال: إني لائمٌ لنفسي وقائلٌ أأمكنت. ويجوز أن يكون استأنف عذل نفسه من بعد أيضاً. وقوله ضلةً مصدر في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولاً له، أي فعلت ذلك ضالاً أو لإضلالي. وأصل الضلال الذهاب عن القصد. ويقال ضللت مكاني، بكسر اللام وفتحها، إذا لم تهتد إليه وأضللت بعيرى، إذا شرد فذهب عنك. وقوله ألهفى على ما فات تحسرٌ وتأسفٌ، وهو كلامٌ مستقل بنفسه. وقوله لو كنت أعلم تندمٌ على ما قصر فيه من النظر والفحص، والكشف عن عقبي الأمر. وأعلم مفعوله محذوف، وهو بمعنى أعرف، فيكتفي بمفعول واحد، كأنه أراد: لو كنت أعلم مغيبه. وجواب لو محذوفٌ، أي لو علمت ما نتدمت ولا شقيت، وهذه اللفظة هجيري كل متوانٍ في الشيء حتى يفوته أو يكابد المكروه فيه. والبيت على ثلاثة فصولٍ، كل فصلٍ منها ينفرد بمبناه ولا يفتقر إلى سواه. فالأول قوله أأمكنت من نفسي عدوي ضلةً كأنه يستنكر ما أتفق منه ضلالاً، فأخذ يستفهم تقريعاً وعتاباً. والثاني ألهفى على ما فات، وقد تقدم القول في إعراب ألهفى. والثالث قوله لو كنت أعلم أي لو علمت لتحزمت. لو أن صدور الأمر يبدون للفتى ... كأعقابه لم تلفه يتندم هذا معذرةٌ فيما سها عنه ومسلاةٌ عما بلي به فتحزن له. وقوله لو أن صدور الأمر، هو حذف المضاف، والمراد: لو أن مؤديات صدور الأمر ومسبباته تظهر للفتى كما تظهر له عند أعجازه، لم تره نادماً على فائتٍ، ولا جازعاً إثر هالك. وفي طريقته قول ابن الرقيات: في مقبل الأمر تشبيهٌ ومدبره ... كأنما فيه بالليل المصابيح لعمري لقد كانت فجاجٌ عريضةٌ ... وليلٌ سخامي الجناحين أدهم إذ الأرض لم تجهل علي فروجها ... وإذ لي عن دار الهوان مراغم

стр. 520

هذا تذكرٌ لموارد مخلصه من الأمر الذي لز به، والبلاء الذي استأسر له، وتحسرٌ في عدوله عن مدارج الحزم فيه، وانتهاز الفرصة في الممكن منه، اغتراراً بما لم يجز السكون إليه، وانتظاراً لما لم يصلح الاعتماد عليه، حتى يتمكن طالبه من مراده فيه، وانسدت الطرقات بينه وبين ما يرومه من بعدٍ عنه، واحترازٍ منه؛ فقال متهافتاً: لعمري لقد كانت لي سبلٌ واسعةٌ يمكنني سلوكها، لا مدافع دونها ولا ممانع، وليلٌ أسود الطرفين مظلم، يسترني إذا ركبته، ويساعدني على مجانبة ما أحذره، لا مجاذب عنه ولا منازع. وكان من قوله لقد كانت فجاجٌ هو كان التامة المستغنية عن الخبر. وقوله وليلٌ سخاميٌ فالسخام: الأسود، كأنه يريد سرار الشهر؛ ومنه سخم الله وجهه، أي سوده. والسخامي المنسوب، في معناه، ومثله الدواري والدوار من قوله: والدهر بالإنسان دواري ويجوز أن يريد بالسخامي الجناحين، اللين وقلة الآفات في جوانبه؛ فإن السخام الريش اللين تحت الجناح، لأن قوله أدهم قد دل على الظلمة. وقوله إذ الأرض إذ لما مضى، وقد شرح بالجملة التي أضيف إليها ومعنى لم تجهل على فروجها، أي ثغورها ومواضع المخالفة منها كانت على معالم لا مجاهل، فأدري كيف آتيها، وأنفذ في قطعها والخروج منها، لا أتهيب ولا أتحير. ويقال جهل فلانٌ على، إذا شق عليك، قال الشاعر: جهلاً علي وجبناً عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن وقوله وإذ لي عن دار الهوان مراغم الأصل في المراغمة الهجران، يقال فلانٌ يراغم أهله أياماً ثم يرجع. وفي القرآن: " يجد في الأرض مراغماً كثيراً "، أي متسعاً لهجرته. فلوشيت إذ بالأمر يسرٌ لقلصت ... برحلي فتلاء الذراعين عيهم عليها دليلٌ بالبلاد نهاره ... وبالليل لا يخطي لها القصد منسم

стр. 521

يخبر عن نفسه بأنه إنما أتي من تقصيره وتهاونه فيما وجب من جده وتشميره، فيقول: لو أردت حين كان الخطب أيسر، وأسباب المنع أقصر، لخفت بي وشمرت في الانتقال عن دار المذلة والهوان، ناقةٌ في ذراعيها فتلٌ. والفتل هو تباعد المرفقين عن لزور، لئلا يصر حازاً ولا ناكتاً ولا ضاغطاً. والعيهم والعيهمة: الناقة الماضية، وكذلك العيهامة؛ وقيل هي الطويلة العنق، الضخمة الرأس، وذلك محمودٌ في صفاتها. وقوله عليها دليلٌ بالبلاد فإنه يعني به نفسه. وبالبلاد أراد به في البلاد، كما يقال فلانٌ بالبصرة وفي البصرة. ويجوز أن يكون أجرى قوله " دليلٌ " مجرى عارفٍ وعالم، فلذلك أتى بالباء. وقوله وبالليل لا يخطي لها القصد منسم، أي لبصره لا يخطئ منسم بعيره فيزيغ عن القصد. وهذا وإن جعله من صفة البعير فالمراد به أنه هادٍ خريتٌ. والدليل أصله فاعل الدلالة، فهو كالدل، وقد توسع فيه. والبلد: الأرض وإن لم تختط. وقال آخر: أعددت بيضاء للحروب ومصقول الغرارين يفصم الحلقا وفارجاً نبعةً وملء جفيرٍ من نصالٍ تخالها ورقا أريحياً عضباً وذا خصلٍ ... مخلولق المتن سابحاً تئقا يملأ عينيك بالفناء وير ... ضيك عقاباً إن شئت أو نزقا تبجح في هذه الأبيات بهمته في جمع آلته ليوم حاجته، فأخذ يذكر الشيء بعد الشيء من عدته وعتاده، على مايسره له مر الأيام في جده وجهاده، فقال: هيأت لملاقاة الأبطال ومناوشة الرجال درعاً لم يشنها صدأ، ولم يعبها في السرد خللٌ وسيفاً مسنون الحدين، مصقول الصفحتين، يقطع البيض ويفصل الحلق. والفصم: الكسر بلا بينونة، والقصم: الكسر مع بينونة. وقوله وفارجاً أي وأعددت فارجاً، وهو القوس المتباعدة الوتر عن الكبد، وكذلك الفرج. وقوله نبعةً أي هي قضيبٌ وليست بشقةٍ. والنبع أجود شجرٍ يتخذ

стр. 522

منه القسي العربية، وجعله صفةً لأنه ضمنه معنى الصفات. وعلى هذا أسماء الأجناس، كقولك هذا خاتمٌ حديدٌ، متى وصفت بها تضمن معنى فعل. وقوله وملء جفيرٍ الملء: القدر الذي يملأ به الظرف، والملء بالفتح المصدر. والجفير: كنانة النبل إذا كانت واسعة من خشبٍ، والجفر في البئر منه. وقوله من نصالٍ أراد بها نبالاً ركبت فيها نصالٌ بيض تتلألأ فتحسب فضة. وقوله وأريحاً عضباً يعني رجلاً يرتاح للنفاذ في الأمور الصعاب والمضاء ويهتز، والمراد به نفسه. والعضب: القاطع. وقد مر القول في تصرفه. وقوله وذا خصل يعني به فرساً له خصلٌ من الشعر مخلولق المتن، أي مصنوعاً أملس المتن شديد الملاسة، لأن مفعوعلاً من أبنية المبالغة. على هذا قولهم اعشوشبت الأرض فهي معشوشبة. والتئق: الممتلئ نشاطا. وقوله يملأ عينيك بالفناء، في طريقته قول الآخر: يزين البيت مربوطاً ... ويشفي قرم الركب والعقاب: جمع العقب، وهو الجري بعد الجري. وقال الخليل: إذا كان للقرس جمامٌ بعد انقطاع الجري قيل: عقابٌ. والنزق: الخفة والعجلة ويقال نزفت الفرس، إذا ضربته حتى ينزق. ومعنى يملأ عينيك، أي يشغلهما محاسنها حتى لا تتسع لغيرها. ؟ وقال قتادة بن مسلمة الحنفي بكرت علي من السفاه تلومني ... سفهاً تعجز بعلها وتلوم البيت على كلامين، وذلك أن المصراع الأول إخبارٌ عن زوجته بسوء عشرتها، وتوجيهها العتب عليه في غير كنهه؛ والمصراع الثاني رجوعٌ منه عليها فيما أنكرت، وردٌ للعتب إليها لما تجرمت. وقال تلومني في الصدر وفي العجز تعجز بعلها

стр. 523

وهما واحدٌ، على عادتهم في تصريفهم الكلام عند الأمن من الالتباس، فيقول: ابتكرت علي تلومني وتنسبني إلى العجز، من السفاه، أي مما تصورته سفاهاً من أحوالي. ثم أخذ يجبهها ويسفه قولها وفعلها فقال: سفهاً تعجز بعلها، أي تعجيزها لي وتقريعها إياي لسفهها، وجهلها بموارد الأمور ومصادرها. والسفه والسفاه والسفاهة: الخفة والاضطراب. ويقال: تسفهت الريح الغصون، إذا حركتها. والبكور، أصلها الابتداء، ولذلك قيل لأول النهار بكرة. وتلومني في موضع الحال، والعامل فيه بكرت. وانتصب سفهاً على أنه مفعولٌ له وقد قدم. والبعل، أصله النكاح، ولذلك قيل للمرأة بعلةٌ أيضاً، وقد ابتعلت وتبعلت، أي أطاعت زوجها. لما رأتني قد رزيت فوارسي ... وبدت بجسمي نهكةٌ وكلوم جواب لما تقدم، وهو بكرت علي. كأن هذا الشاعر لاقى هو أعداءه ومنابذيه، بأصحابه ومعاونيه، فكانت الدبرة عليه وعليهم، فجرح هو وقتل أولئك، فعدت امرأته تلك الفعلة منه وما اتفق عليه سفهاً وذنباً يستحق لهما اللوم، فطفقت باكرةً عليه تعجزه وتؤنبه. والنهكة: التأثير، يقال بانت عليه نهكة العلة والمصيبة. ومعنى رزيت: أصبت بهم. وتقدم القول في مجيء الفوارس جمعاً لصفات المذكر يغنى عن إعادته. ما كنت أول من أصاب بنكبةٍ ... دهرٌ وحيٌ باسلون صميم قوله من أصاب نكرةٌ تفيد الكثرة، والمراد أول إنسانٍ أصابه بنكبةٍ دهرٌ. وهذا على عادتهم في نسبة الحوادث إلى الدهر، كما قال بعضهم: يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم فأما تنكيره للدهر فقد حكي عن أبي زيدٍ وأبي عبيدة ويونس أن الدهر والزمان والزمن والحين، يقع على محدودٍوغير محدود، وعلى عمر الدنيا من أوله إلى آخره. وقال الخليل: الأبد الدهر الممدود، ويجعل اسماً للنازلة. ويقال: دهرٌ من الدهر، لبعضه، كما يقال حينٌ من الدهر. وقد اشتق منه فقيل: إنها لداهرة الطول، أي طويلةٌ جداً. والشاعر أراد بما قاله التجلد للشامت والتسلي من المصاب، وأن يظهر لمن

стр. 524

ألقى السمع جهل امرأته وعدولها عن الصواب. وقوله وحيٌ باسلون صميم. فالبسول: عبوسة الشجاعة والغضب. ويقال بسل واستبسل. والصميم: خالصة الشيء وما به قوامه؛ ومنه قيل صميم الصيف والشتاء. ويقال للرجل: هو من صميم قومه، أي من محض أصلهم. ويوصف بالصميم الواحد والجميع. قاتلتهم حتى تكافأ جمعهم ... والخيل في سبل الدماء تعوم معنى تكافأ جمعهم: انكفؤوا فهزموا. وهذا من الكفء: قبلك الشيء لوجهه. ومنه كفأت الإناء، إذا قلبته. ويجوز أن يكون من الكفء: النظير والمثل، ويكون المعنى تكافؤوا في مدافعتي ومقاومتي، أي تساووا حتى لم يفضل أحدٌ منهم على الآخر في ذلك. وعلى هذا ما روي في الخبر: " المسلمون تتكافأ دماؤهم ". والسبل: ما سال من المطر والدم، ومنه أسبل الستر والإزار، إذا أرخاهما. ومعنى تعوم: تسبح؛ ويسمى الفرس عواماً، لسبحها في الجري. وعلى التشبيه قالوا: النجوم تعوم في الفلك. ومراد الشاعر اقتصاص الحال، وأنه قد أدى ما كان إليه من المجاهدة، فلا تبعة عليه. إذ تتقي بسراة آل مقاعسٍ ... حذر الأسنة والسيوف تميم قوله إذ تتقي ظرفٌ لقوله تعوم. والاتقاء: أن تجعل بينك وبين محذورك شيئاً يقيك. والسراة: جمع سري، والفعل منه سرا يسرو، ولم يجئ في المعتل فعلةٌ في الجمع إلا هذا؛ لأن هذا البناء يختص بالصحيح، نحو فسقةٍ وكتبة، فهو بإزاء فعلةٍ من المعتل نحو قضاةٍ ورماةٍ. وانتصب حذر الأسنة على أنه مفعولٌ له، وتميمٌ يرتفع بفعلهم، وهو تتقي، والتقدير: إذ تتقي وحين تتقي بسراة هؤلاء القوم تميمٌ حذاراً من الأسنة والسيوف. لم ألق قبلهم فوارس مثلهم ... أحمى وهن هوازمٌ وهزيم يجوز أن يكون عنى بالفوارس أصحابه الذين فجع بهم، فبين أنهم لم يؤتو فيما منوا به من ضغفٍ وفشلٍ، ولا من تقصير وكسل، بل حاموا عن أحسابهم جهدهم، ودافعوا عن أعراضهم طاقتهم، حتى لم يبقوا غايةً يتعلق بها حسن المحافظة إلا أشرفوا عليها، وراموا بجهد الممارسة تجاوزها. ويكون في وصف أصحابه بهذه

стр. 525

الصفة على الحد الذي عليه في وصف نفسه بقوله قاتلتهم حتى تكافأ جمعهم وبقوله يممت كبشهم بطعنة فيصلٍ. وإنما تكلف كل ذلك ليقم عذر نفسه وعذرهم فيما اتفق عليهم، وليرى أن ما لزمه وإياهم قد أدي بتمامه، وإن حال محتوم القدر بينهم وبين النجاج. ويجوز أن يكون المراد بهم فرسان الأعداء، ويكون ثناؤه عليهم على عادتهم في الرفع من الخصم عند اقتصاص الأحوال، ونسبته فيما تجاذبوه إلى الغناء والاستقلال، وكمال الشدة والاضطلاع، ليكون صورته غالباً ومغلوباً أحسن، والاعتداد بمجاراته ومجاذبته أوفر وأبلغ فأما قوله أحمى فالمراد به أحمى منهم، فحذف. وهذا الحذف من أفعل الذي يتم بمن يجوز إذا وقع خبراً لا صفةً، وقد تقدم القول فيه. أي لم ألق فرساً مثلهم قبلهم هم أحمى منهم هازمين ومهزومين. وقوله وهن هوازمٌ الواو واو الحال، والضمير منه لفرق الخيل وطوائفها، ولهذا قال هوازمٌ، لما كان فواعل يختص بجمع المؤنث إلا في الأحرف المعدودة عند الكلام في فوارس. ومثل هوازم قولهم الخوارج - لأن المراد به الفرق - وما أنشدناه أبو عليٍ النحوي الفارسي ﵀، للقطامي: فوارس بالرماح كأن فيها ... شواطن ينتزعن بها انتزاعا قال: وجاء في شعره أيضاً: ما ينام سوافره ثم قال: لا يمتنع أن يكون سوافر جمع سافرٍ الذي هو المصدر، كما قال الآخر: فقد رأى الراءون غير البطل فجمع باطلا على البطل، والباطل مصدرٌ، تقول قد قلت باطلاً كما تقول قد قلت حقاً. فأما قوله وهو هزيمٌ فهو فعيل بمعنى مفعول، والمراد به الكثرة لا الواحد، كأنه قال وهن من بين هازمةٍ ومهزومةٍ.

стр. 526

لما التقى الصفان واختلف القنا ... والخيل في رهج الغبار أزوم في النقع ساهمة الوجوه عوابسٌ ... وبهن من دعس الرماح كلوم يممت كبشهم بطعنة فيصلٍ ... فهوى لحر الوجه وهو ذميم لما هذه علمٌ للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره، وجوابه يجيء من بعد، وهو قوله يممت كبشهم. فيقول: لما تواقف الفئتان في مصافهم، واشتجرت الرماح بالطعن بينهم، والدواب غواض على لجمها في القتام الساطع، متغيرة الألوان لاشتداد الشر اللازم، كوالح الوجوه لما يقع بها من الطعن الدراك، والدفع بالرماح، قصدت رئيسهم بطعنة رجلٍ يقضي الأمر، ويفصل العمر، فسقط لوجهه وهو مذمومٌ لعتوه وبغيه. وقوله أزوم جمع آزمٍ، والأزم: الإمساك والعض، وكني به عن الحمية فقيل: " نعم الدواء الأزم ". وقوله في النقع الأجود أن يكون مصدر نقع الشر والصوت والموت، إذا كثر وارتفع، وأن يعدل به عن الغبار، لأنه قال: في رهج الغبار. ومعنى رهج الغبار: ما أثير من الغبار. وقوله ساهمة الوجه السهوم: تغير اللون مع هزلٍ ويبوسٍ. والدعس: الطعن وشدة الوطء. ويقال طريقٌ مدعاسٌ، أي مذللٌ؛ ورجلٌ مدعسٌ شديد الطعن. وقوله فهوى لحر الوجه فالحر من كل شيء أعتقه، وقال الخليل: حر الوجه: ما بدا من الوجنة. حرة الذفرى: موضع مجال القرط. ومعي أسودٌ من حنيفة في الوغى ... للبيض فوق رءوسهم تسويم قومٌ إذا لبسوا الحديد كأنهم ... في البيض والحلق الدلاص نجوم فلئن بقيت لأرحلن بغزوةٍ ... نحو الغنائم أو يموت كريم قوله من حنيفة في موضع الصلة لأسودٍ، وفي الوغى ظرفٌ لما دل عليه قوله أسودٌ، وتقديره معي رجالٌ يشابهون الأسود شجاعةً وإقداماً في الحرب حنفيون. والوغى أصله الجلبة والصوت، ثم صار كالاسم للحرب. وقوله: للبيض فوق

стр. 527

رءوسهم تسويم، فالتسويم: العلامة والتأثير، ومنه قولهم: الخيل المسومة؛ وكل ذلك من السيما: العلامة، ويقال السيميا. ومعناه أنهم لطول لبسهم للبيض، ودوام ممارستهم للحرب، قد انحسر الشعر عن جوانب رءوسهم. ويشبه هذا المصراع قول الآخر: قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوماً غير تهجاع وقول أبي تمام الطائي: عبوسٌ كسا أبطاله كل قونسٍ ... يرى المرء منه وهو أفرع أنزع وقوله قومٌ إذا لبسوا الحديد ارتفع قومٌ على أنه بدلٌ من قوله أسودٌ. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: هم قومٌ. وإنما يصفهم بأنهم مشاهير بحسن البلاء، متميزون عن الفرسان إذا حضروا الوقعات، بعلاماتهم ومعارضهم التي عرفوا بها وفيها، فلا يخفى آياتهم إذا تدججوا، ولا يلتبس أحوالهم متى تطلعوا، بل كأنهم النجوم في المناظر والقلوب. وجعل الحديد كناية عن أنواع الأسلحة. والدلاص: اللينة الملساء، يقال درعٌ دلاصٌ ودليصٌ، ودروعٌ دلصٌ. وقال الخليل: ربما جاء دلاصٌ في صفة الجمع. وقوله فلئن بقيت لأرحلن بغزوةٍ اللام من لئن موطئةٌ للقسم، ولأرحلن جوابه. وقوله نحو الغنائم ظرفٌ لأرحلن. ورواه بعضهم: تحوي الغنائم، ويكون صفةً لغزوةٍ، أي حاويةٍ للغنائم. وقوله أو يموت كريم، أو بدلٌ من إلا، ويموت ينتصب بأن مضمرةً، كأنه قال إلا أن يموت كريم. ويعني بالكريم نفسه. وفي طريقته قول لبيد: أو يرتبط بعض النفوس حمامها

стр. 528

وقال رجلٌ من بني يشكر ألا أبلغ بني ذهلٍ رسولاً ... وخص إلى سراة بني النطاح بأنا قد قتلنا بالمثنى ... عبيدة منكم وأبا الجلاح فإن ترضوا فإنا قد رضينا ... وإن تأبوا فأطراف الرماح مقومةٌ وبيضٌ مرهفاتٌ ... تتر جماحماً وبنان راح قوله رسولاً أراد رسالةً. وقوله وخص إلى سراة بني النطاح أي توصل إلى أن تخصهم بأدائها. والسراة تقدم القول فيه. وقوله بأنا قد قتلنا الباء زائدةٌ للتأكيد، وموضع بأنا نصبٌ على أنه بدلٌ من رسولاً. ومثله أعلم بكذا، يريد أبلغ خيار هؤلاء القوم وأماثلهم أنا قتلنا بدل الواحد الذي قتلتموه منا اثنين منكم، فإن رضيتم فرضانا مع رضاكم، وإن أبيتم وتسختطم حاكمناكم إلى ظبى السيوف وقد أرهفت، وإلى أسنة الرماح وقد قومت. وهذا الكلام اعتلاءٌ واقتدار، وتوعدٌ واستكبار. والفاء من قوله فأطراف بما بعدها جواب الجزاء، وارتفع أطراف بالابتداء، وخبره محذوف، كأنه قال: فأطراف الرماح وبيض السيوف بيننا. وتتر في موضع الصفة للبيض، ومعناه تسقط. والمرهفات: المرققات الحد. والراح: جمع راحة. وقال جريبة بن الأشيم الفقعسي فدىً لفوارسي المعلمي ... ن تحت العجاجة خالي وعم

стр. 529

هم كشفوا عيبة العائبين ... من العار أو جههم كالحمم حمدهم لما ظهر من وفائهم وبلائهم، ففداهم وأثنى عليهم. والمعلم: الذي شهر نفسه في الحرب بعلامةٍ لكي إذا أبلى عرف بها. والعجاج: الغبار، وكذلك العجاجة. ويقال لف عجاجته على بني فلانٍ، إذا أغار عليهم. وقوله خالي في موضع الرفع، لأنه خبر المبتدأ. وقوله هم كشفوا عيبة العائبين: العيبة: شبه الخريطة من الأدم. وهذا مثل، أي أظهروا من عيب من كان يطلب عيبهم ما كان خافياً، وكذبوهم فيما كانوا يختلقونه ويتنفقونه به، فكأنهم كشفوا عيابهم المنطوية على عيوبهم، فاسودت وجوههم بما غشيها من العار حتى صارت كالحمم. ويقال: " فلانٌ عيبة عيوبٍ، ومذنب ذنوب ". ويقال: عاب المتاع وغيره، إذا صار ذا عيبٍ؛ وعبته أنا، أي جعلت فيه عيباً. وعلى هذا قول الله تعالى: فأردت أن أعيبها. والحمم: الفحم. ويقال جاريةٌ حممةٌ، أي سوداء. إذا الخيل صاحت صياح النسور ... حززنا شراسيفها بالجذم يقول: إذا ضجت الخيل من الطعن الواقع على نحورها، وهمت بالازورار أكرهناها على الصبر والتقدم. ومثله قول خذاش بن زهير: يصيحون مثل صياح النسو ... ر من أسلٍ واردٍ صادر ومعنى حززنا قطعنا. والشراسيف: مقاط الأضلاع: والجذم: السياط. وقوله صاحت صياح النسور، يريد صياحاً يشبه صياح النسور. وإذا ظرفٌ لقوه حززنا. إذا الدهر عضتك أنيابه ... لدى الشر فأزم به ما أزم هذا مثلٌ، والذي أشار إليه بالأنياب نوب الدهر وحوادثه. وقوله فأزم به أي اعضض به، والمعنى صابره. والتوسع في الأزم والعض على طريقةٍ، يقال: هذا عضيضي وأنا عضيضه، أي نتشاكس في الأمر. وإني لعضاض عيشٍ، أي صبورٌ على شدته. و " ما أزم " ما مع الفعل في تقدير المصدر، واسم الزمان محذوفٌ معه، فهو

стр. 530

في موضع الظرف. والمعنى: اعضض به مدة عضه بك. ورواه بعضهم: " فا رزم له ما رزم "، والمعنى: اثبت له ما ثبت لك. وإنما قال فأزم به طلباً للمطابقة والموافقة. على هذا قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه "، والثاني ليس باعتداء، بل هو جزاؤه. وجواب إذ قوله فأزم به وهو العامل فيه. ولا تلف في شره هائباً ... كأنك فيه مسر السقم في شره، أي في سر الدهر. يقول: لا توجدن فيما تدفع إليه وتمتحن به من نوائب الدهر خائفاً متهيباً مستشعراً لليأس من النجاح، وانقلاب الأمر إلى الخير والصلاح، فتكون بمنزلة من به داءٌ عضالٌ لزمه، فأعياه مداواته حتى يئس من إقلاعه وذهابه، فجعل يكتمه ويخفي أثره، وهو خائفٌ مما يتعقبه. ورواه بعضهم: مشر السقم. أي مظهره. وهذا كما روى بيت امرئ القيس: لو يشرون مقتلي وأنشد فيه: وحتى أشرت بالأكف المصاحف ومعناه تغتم لما تقاسيه، وتخاف نزول أمثاله، فتنخزل وتنقطع، فعل الوصب المريض إذا اشتكى مما به. عرضنا نزال فلم ينزلوا ... وكانت نزال عليهم أطم يقول: عرضنا عليهم المنازلة فقلنا نزال، لما ضاق مجال الخيل عن الطراد، فتكرهوه ولم ينشطوا له. وكانت هذا العرضة بهذه اللفظة أشد عليهم وأغلب لهم من كل ما تقدم من ألفاظ التداعي والتجاذب. وقد تقدم في لفظة نزال وبنائه وتأنيثه وحقيقته ما فيه كفايةٌ. ومعنى أطم يقال طم البحر، إذا غلب سائر البحور. والطامة: الخصلة التي تطم على ما سواها. وفي القرآن: " فإذا جاءت الطامة الكبرى "، يراد به القيامة.
следующие страницы →