← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

عليهم ربهم بذنبهم. ويروى: (وكان السرور يوم ذاك مذمما) : هممت بأن لا أطعم الدهر بعدهم ... حياة فكان الصبر أبقى وأكرما قوله: (بأن لا أطعم الدهر بعدهم) انتصب أطعم بأن، ولو رفع لجاز على أن يكون أن مخففة من الثقيلة، ويكون إسمه مضمراً، والفعل مع ما بعده خبر كأنه قال: هممت بأني لاأطعم حياة بعدهم، أي كنت وطنت نفسي على الزهد في الحياة، وجعلت قتل نفسي من همي، ثم نظرت فكان الائتساء بالناس في مصائبهم، والصبر على مقاساة البلاء معهم، أبقى في الذكر، وأحسن في الأحدوثة، وأكرم عند عد الأفعال وعرضها على العقول. وروى: (أتقى) بالتاء المعجمة، والمعنى أوقى، لأن التاء مبدلة من الواو، أي أصون للدين والعرض. وقال قبيصة بن النصراني الجرمى ألا يا عين فاحتفلي وبكى ... على قرم لريب الدهر كاف وما للعين لا تبكي لحوط ... وزيد وابن عمهما ذفاف وعبد الله يا لهفي عليه ... وما يخفى بزيد مناة خاف وجدنا أهونالأموال هلكاً ... وجدك ما نصبت له الأثافى يقول: ياعين جاء وقت البكاء فتهيئي له، واجمعي دموعك ثم فرقيها، ولا مساغ لتقصير، ولا مجال لتعذير. والحافل من الغنم: التي جمعت اللبن في ضرعها. ومعنى بكى: أكثري البكاء أو كرريه. والقرم: الكريم من الرجال، وأصله في الفحول، وكذلك المقرم، وقد تقدم ذكره. وقوله (لريب الدهر كاف) قد حذف أحد مفعولي كفى، كأنه كاف الناس ريب الدهر، أي ما راب من أحداثه. ثم عدد من فجع به من أعزته فوجب البكاء له، ليعلم عظيم شقائه وما أصيب به في أودائه.

стр. 702

وقوله (يالهفي عليه) يجوز أن يكون المنادى محذوفاً كأنه قال: وعبد الله لهفي عليه يا قوم. ويجوز أن يكون نادى اللهف ليرى عظيم حسرته، وكمال شقوته في فجيعته. وقوله (وما يخفى بزيد مناة خاف) يجوز أن يكون موضعه رفعاً على أنه يرتفع بيخفى، فكأنه قال: ما يخفى خاف بزيد، أي زيد مناة لا يخفى، لأن الخافي هو زيد، وهذا كما تقول: لقيت بزيد أسداً. ويجوز أن يكون قوله (بزيد) هو الفاعل والباء فيه مثل الباء في قوله تعالى: (وكفى بالله شهيداً) . والمعنى ما يخفى زيد مناة خفاء، وخاف في موضع خفاء، لكنه لم ينصبه كما لم ينصب قوله: كأن أيديهن بالقاع القرق ومثله: كفى بالنأي من أسماء كاف وقمت قائماً، وعذت بالله عائداً. وقد مضى مثله. وقوله (وجدنا أهون الأموال هلكاً) كأنه نبه به على ما كانوا يقيمونه من الضيافة، وينفقونه من الأموال في العفاة وأبواب البر والإحسان، وأن أهون الأموال هلاكاً على نفوس الكرام وأخفها في الصدور والقلوب ما وقف على الأضياف، وصرف إلى مآكلهم، وكذلك من أشبه الأضياف. وانتصب (هلكاً) على التمييز. ومعنى (وجدك) وحق جدك. وقوله (ما نصبت له الأثافى) في موضع المفعول الثاني لوجدنا. والأثافى، واحدتها أثفية. ويقال: ثفيت القدر وأثفيتها. فأثفية أفعولة. ومن قال أثفتها فأثفية عندي فعلية؛ لأن الهمزة أصلية. من ذلك قول النابغة: وإن تاثفك الأعداء بالرفد

стр. 703

وقال أبو صفرة البولاني زكيرة وابنا أمة الهم والمنى ... وفي الصدر منهم كلما غبت هاجس أودهم وداً إذا خامر الحشا ... أضاء على الأضلاع والليل دامس بني رجل لو كان حياً أعانني ... على ضر أعدائي الذين أمارس يعني بزكيرة وأخويه أولاد أخيه، وكان توفى والدهم فصار هو كافلهم. فيقول: هم الذين أهتم لهم، وأتمنى خيرهم وبقاءهم، وأقصر همي على ما تستقيم به أحوالهم، وتستتب له أمورهم، ومتى غبت عنهم كان في صدري هاجس من الفكر فيهم، وسانح من التوفر عليهم، يحولان بيني وبين الذهاب عنهم؛ فجسمي غائب عنهم، وهواي حاضرهم. فهذه التي أشار إليها نتائج العناية بهم، ومسببات الرعاية في النيابة عن اخيه فيهم. ثم أخذ يذكر ما غرسه الحب في قلبه لهم، ورعاه صدره من التحنن والشفقة في بابهم، فقال: أودهم وداً إذا خالط الحشا في ظلمة الليل أضاء على الأضلاع. وإنما قال هذا لأن الشيء إذا أشرق بالليل وعند التباس الظلام، فهو بالنهار أولى بالأشراق. فكأن المعنى أن طلائع حبهم في مكامن صدره مضيئة الأرجاء، نيرة الأكناف، في كل حال ووقت. وقوله (بني رجل) يعني أخاه، كأنه ذكر ما يقتضيه في أمرهم بما يأتيه، فأشار إلى الدواعي القائمة بينه وبين أولاد الأخ، فقال: أذكر بني رجل لو كان في جملة الاحياء لأعانني على الأعداء، وأنصفني من الزمان، ودفع عني من مضراتهم ومناكداتهم ما يخفف معه ظهري، ويقوى فيه نهوضي وجذابي. وقال الغطمش من بني شقرة بن كعب بن ثعلة: ألا رب من يغتابني ود أنني ... أبوه الذي يدعى إليه وينسب على رشدة من أمة أو لغية ... فيغلبها فحل على النسل منجب قوله (من يغتابني) من نكرة ويغتابني في موضع الصفة له، و (ود أنني) جواب رب. فيقول: رب إنسان يأكل لحمي بظهر الغيب ويتنقصني، ومع ذلك

стр. 704

يتمنى أن أكون أباه الذي الذي يسعى به وينسب إليه، وإنما يبعثه على ذلك الحسد والبغضاء. وقوله (على رشدة من أمه أو لغية) فإن على ما يتعلق بقوله أنني أبوه، كأنه يريد: ود أبوتي سواء كان ولد حلال أو حرام. والرشدة: أسم الهيئة في الرشاد. والغية: الفعلة الواحدة من الغي. وهكذا يختار أن يقال هو لرشدة بكسر الراء، ولغية بفتح الغين. وقوله (فيغلبها) نصب جواب التمني بالفاء، والعامل فيه أن مضمرة. وهذا شرح الغية، كأنه قال: تمنى أن يكون ولدي على رشدة، أو يغلبها فحل منجب على النسل فتاتي به لغية. وأراد بالفحل المنجب نفسه، ويعني بيغلبها على النسل غلبة الشبه ليبرئه من هجنها. وإذا قال القائل وددت أنني أجيئك فتكرمني، فقوله فتكرمني انتصب ولم يعطف عل أجيئك، لمخالفة آخر الكلام أوله، وذلك ان قوله أنني أجيئك متمنى غير واجب، وفتكرمني ليس من التمني بل هو واجب، فلما خالفه نوى بالأول الأسم، وأضمر بعد الفاء أن، لتكون الفاء عاطفة لاسم على اسم، فكأنه قال: وددت مجيئي إليك فإكرامك لي. وكذلك إذا قال: ألا ماء فأشربه، يراد: لو كان لي ماء لشربته، تقديره: ألا ماء فشربه. فبالخير لا بالشر فارج مودتي ... وأي امرىء يقتال منه الترهب كأنه اقبل على هذا المغتاب له، الناحت أثلته، المداجى له بعداوة كامنة مستحكمة في الصدر فقال له: هذه المودة التي تظهرها من نفسك لي، أرج انتفاعك بالخير لا بالشر، لأنك إن فعلت غير ذلك فإنما تحتاج إلى إصلاحه من نفسك، فأما إذا كانت المودة صافية، والعقيدة خالصة، فإن صاحبها لا يرجو بها إلا خيراً، وكيف لا يرجو غيره من ثماره وهو يغرس الخير لا الشر. وقوله (ارج مودتي) أي ارج مودتك لي، والمصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل. وقوله (أي امرىء يقتال منه الترهب) فمعنى يقتال يحتكم، وهو يفتعل من القول، يريد أي رجل يحتكم عليه ومنه الترهب، التخوف، وترك السكون والإمنة إليه. أي كيف يطلب وده على الرهبة منه. أفول وقد فاضت بعيني عبرة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب أخلاء لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الهر معتب

стр. 705

قوله (وقد فاضت بعيني عبرة) اعتراض بين الفعل ومعموله. وقوله (أرى الأرض تبقى) متصل بقوله (وقد فاضت بعيني عبرة) ، وهو من جملة الاعتراض. ومفعول أقول البيت الثاني. فيريد: أقول وقد اتصل البكاء مني، وسالت العبرات من عيني، إذ كنت أرى الأرض باقية، والإخوان الخلص ذاهبة، وأنا لا أملك شيئاً: أخلاى إني مغيظ مغلوب، مأخوذ عن عزائي لما أتاه الدهر، ولكني إذا فكرت وكان سبب اخترامكم الموت الذي تتساوى فيه الاقدام فلا يبقى على شريف ولا وضيع، ولا صغير ولا كبير، صدني ذلك عن العتب، لأن الموت لا معتب علي؛ ولو كان الجاني فيكم، والسالب لكم غير الموت لعتبت على الدهر، وقلت وأكترث في موضع القول، وانتصفت وأسرفت في موضع الفعل. ويقال عتبته فأعتب، أي لمته فأرضى. ويروي (أخلاى) بالقصر وإثبات ياء الإضافة و (أخلا) بالمد وحذف ياء الإضافة، وهذا أجود. وقالت امراة ألا فاقصرى من دمع عينيك لن ترى ... أباً مثله تنمى إليه المفاخر وقد علم الأقوام أن بناته ... صوادق إذ يندبنه وقواصر تقول متسلية ورافعة الطمع من أن يكون الجزع يرد فائتاً، فقالت كفى من دمع عينيك، ونهنهي عبراتك، فإنك لن ترى من تعتاضيه من أبيك الذي كان إليه ينتمي المفاخر. ومعنى (تنمى إليه المفاخر) أنه غاية المفاخر، فهي إليه تنتمي. ويروى: (ينمو إليه المفاخر) بضم الميم، والمعنى يرتقى إليه المفاخر إذا نافر خصمه وجاذبه. وقولها (وقد علم الأقوام أن بناته صوادق) استشهدت بطوائف الأقوام على اختلافها، وذكرت أنهم قد علموا أن ينات هذا المتوفى فيما ينبدبن به أباهن ويذكرنه من فضائله وإفضاله، آتيات بالصدق غير الكذب، وعاجزات عن بلوغ الغاية التي يستحقها أبوهن المرثى، فإن القول لا يحيط بحده، والوصف لا ينظم كنه حقه.

стр. 706

وقال آخر: سقى جدثاً وارى أريب بن عسعس ... من العين غيث يسبق الرعد وابله ملث إذا ألقى بأرض بعاعه ... تغمد سهل الأرض منه مسابله دعا لقبر المرثى بالسقيا، وهو أريب بن عسعس. ومعنى (من العين) من السحابات التي تنشأ من عين القبلة وهي أغزر، فلذلك خصها. وقوله (يسبق الرعد وابله) يطلب به الكثرة. والوابل: المطر الضخم القطر، وإذا سبق المطر الرعد كان النوء أغزر. وقوله (ملث) لم يرض بأن يكون سقياه عارضاً، ولكن جعل الغيث ملثاً، وهو بمعنى مقيم. وقوله (إذا ألقى بأرض بعاعه) يريد إذا جاء مطره على أرض فوضع أثقاله بها امتلأت الوهاد، وتغمدت المسايل بطون الأباطح السهلة. والبعاع: الثقل، والجهاز. يقال: بع السحاب بعا وبعاعا، إذا ألح بمكان فألقى بعاعه فيه. فما من فتى كنا من الناس واحداً ... به نبتغي منهم عميداً نبادله ليوم حفاظ أو لدفع كريهة ... إذا عي بالحمل المعضل حامله قوله (فما من فتى) بيت فيه تقديم وتأخير، وتلخيصه مبيناً معاداً كل شيء إلى موضعه: مامن فتى من الناس كنا نبتغي به واحداً منهم عميداً نبادله فعلى هذا قوله (من الناس) من صفة الفتى، وبه يعود الضمير إلى الفتى. والمعنى: كنا بسببه نبتغي واحداً منهم - أي من الناس - عميداً، من صفة الواحد، لأنا جعلنا واحداص مفعولاً لنبتغي. نبادله، أي نبادل به الناس، فحذف الجار وقال نبادله، على هذا قول عارق الطائي: وليس من الفوت الذي هو سابقه أي سابق به. وخبر ما محذوف، كأنه قال: ما فتى ذا صفته بموجود في الدنيا، وما أشبهه.

стр. 707

وقوله (ليوم حفاظ) اللام تعلق بقوله نبادله، أي نبادل به لهذا الشأن، وهو أن يحافظ على حسبه محافظة الكرام، أو يدافع الكرائه والشدائد لدى الجدل والخصام، في وقت من الزمان يعز من العشير من يكفيه الهضمية، وترى الناهض بالأثقال لتضاعف المؤن والبلايا يعيا بما يحمله فيعده داء عضالاً. وأصل العضل: المنع والتضييق. ويقال عضلت المرأة وعضلتها، إذا منعتها من التزويج. وعضلت، إذا عسر ولادها. وذي تدرا مالليث في أصل غابة ... بأشجع منه عند قرن ينازله قبضت عليه الكف حتى تقيده ... وحتى يفي للحق أخضع كاهله قوله (وذي تدرا) الواو عاطفة، وانجر ذي بإضمار رب. وتدرأ: تفعل من الدرء، وهو الدفع بشدة. فيقول: رب رجل هكذا ما الأسد في خدره بأقوى قلباً منه نظير له في بأسه وشدته ينازله. فقوله (ما الليث) إلى آخر البيت، من صفة ذي تدرا. والغابة: الأجمة. وإنما قال (في أصل غابة) إشارة إلى دخوله وتمكنه من غايتها. والمنازلة إنما تكون عند تضايق المجال وتداني أطراف موضع الالتقاء، عن الإقدام والإحجام. وقوله (قبضت عليه الكف) يقول جمعت عليه قبضتك فمنعته عن الانفصال عند الخروج من إسارك، حت أمكنك من الاقتياد منه، وحتى عاد كاهله خاضعاً للحق راضياً به. والخطاب بجميع هذا للمرثى. وإنما يصفه بحسن الثبات في معاركة الخصوم ومزاولتهم، وأنه باقي الصبر في استيفاء الحقوق عليهم. وقوله (كاهله) يجوز ان يرتفع بقوله يفى ويجوز أن يرتفع أخضع فيكون خبراً مقدماً وكاهله يكون مبتدأ. والأخضع: الذي في عنقه انخفاض وتطاطؤ. فتى كان يستحي ويعلم أنه ... سيلحق بالموتى ويذكر نائله راجع الإخبار عنه ثانياً فيقول: هو فتى كان الحياء يملكه فلا يتعاطى ما يقبح ي الأحدوثة، ولا يسمع منكراً إلا ألغاه، ولا رأى مستشنعاً إلا رفضه وأقصاه، ليطيب

стр. 708

مسمع ما يروى عنه، ومنظره فيما يشاهد منه. وقوله (ويعلم أنه سيلحق بالموتى) يقول: تيقن أن الخلود لا مطمع فيه، فإن الذي له من المال ما يقدمه لمثوبة، وادخاراً لأكرومة، إذا تحدث عنه بها كان ذكره حياً وإن الشخص فينا مغيباً. وقال الضبي أأبى لا تبعد وليس بخالد ... حي ومن تصب المنون بعيد أأبى إن تصبح رهين قرارة ... زلج الجوانب قعرها ملحود فلرب مكروب كررت وراءه ... فمنعته وبنو أبيه شهود أنفاً ومحمية وأنك ذائد ... إذ لا يكاد أخو الحفاظ يذود ولرب ءان قد فككت وسائل ... أعطيته فغدا وأنت حميد يثنى عليك وأنت أهل ثنائه ... ولديك إما يستردك مزيد البيت الأول يشتمل على أنواع ثلاثة من الكلام: فقوله (لا تبعد) ما يندب به الموتى على إظهار الفاقة إلى حياته، وقد مر القول فيه. وقوله (وليس بخالد حي) تسل وإيمان بمحتوم القدر، وأن ذلك يوجب على المصاب الصبر والائتساء بفرق الخلق. وقوله (ومن تصب المنون بعيد) تبرو من الجري على عادة الناس في المصائب واعتراف بأن الموت يبعد الالتقاء بين الأحياء والأموات، فلا تزاور ولا تراسل، ولا تخاطب ولا تكاتب. فكل هذا تحشر وتوجع. وقوله (أأبى إن تصبح رهين قرارة) جواب الشرط أول البيت الذي يليه، وهو قوله (فلرب مكروب) . والمعنى: إن خليت مكانك من الدنيا وصرت مرهوناً في قرارة قبر زلق الجوانب، صريعه لا ينعش، ورهينه لا يفك، وأسيره لا يتخلص بمن ولا فداء، ولزيمه لا يتملس لوقت وعداد، فلربما فعلت كذا وكذا. وقوله (قعرها ملحود) ، تصوير للقبر بلحده. وقوله (فلرب مكروب كررت وراءه) يريد: رب مضيق عليه أسلمه بنو أبيه لما امتحن به حتى تمكن العدو منه، أنت تعطفت عليه، وصرفت عنايتك إليه، فخففت

стр. 709

ثقله، وألقيت عنه وزره، ودفعت من فورته دونه، ومواليه من بني الأعمام وغيرهم حضور لا يرعون له إلا، ولا يحفظون له عهداً. وقوله (أنفاً ومحمية) انتصب على أنه مفعول له، وما بعده معطوف عليه وفي معناه، كأنه ذكر العلة الموجبة لما أتاه فقال: فعلت ذلك حمية وأنفة، وأن عادتك المدافعة عن كل من يتعلق بحبلك، أو يتمسك بعروة من عرى عنايتك، غريباً كان أو نسيباً؛ وهذا تفعله في وقت يزهد الناس في الإحسان، لشدة الزمان، ويرى المحافظ ممسكاً والمراعي مهملا. وقوله (ولرب عان قد فككت) فالعانى: الأسير، وأصله من عنا يعنو، إذا خضع. على ذلك قوله تعالى: (وعدت الوجوه للحي القيوم) . فيقول: رب مأسور أخرجته من ضيق الإسار إلى سعة الأمان، فأطلقت كبله، ونزعت غله؛ ورب سائل اجتداك فأغنيته، وعن التجوال أقعدته، فانصرف عنك وهو يثني عليك ويتشكر نعمتك؛ وقد استحققت عليه ذلك بما أسديته إليه، ولو عاد إليك لوجد معاداً لا ضجر منك يلحقه، ولاسآمة فيك تمحقه، وإن استزاد زدته، لا يمنع من موجود، ولا يحال على مفقود. وقال عكرشة أبو الشغب يرثي ابنه شغبا: قد كان شغب لو أن الله عمره ... عزاً تزاد به في عزها مضر فارقت شغباً وقد قوست من كبر ... لبئست الخلتان: الشكل والكبر يعظم شأن ابنه، وذلك أنه كان قد برع في فضله، وورد أبواب الملوك فقبلته العيون والقلوب نباهة وحلاوة، وتوجهاً وتقدماً. فقال: لو أن القضاء أمهل ابني شغباً ولم يعاجله عن استكماله، وعن الاستمتاع بما توحد به من فضائله لكان بقاؤه عزاً مستجداً لقبائل مضر كلها، تضيفه إلى عزها، وتتبجح باستقرارها. وقوله (فارقت شغبا) عاد إلى ما يخص نفسه من الفجع بموته، والجزع لفراقه، فقال: فارقته والكبر قد صافحني، وحنى ظهري، وانتقص جلدي، وأوهن

стр. 710

قواي، ولا أمل في إدراك مثله، ولا استقلال بالنهوض بأعباء أهله. ثم قال متحسراً: بئست الخلتان المجتمعتان لي: ثكل من لا يتعاض منه أبد الدهر، والكبر المقصر للأمل، المقرب ليوم الأجل. وقال آخر يرثي ابنه لله در الدافنيك عشية ... أما راعهم في القبر مثواك أمردا مجاور قوم لا تزاور بينهم ... ومن زارهم في دارهم زار همدا قوله (لله در الدافنيك) ، فدر، وإن كان في الأصل مصدراً فقد لزم هذا الموضع وجرى الكلمة به لكثرة الاستعمال مجرى: لله خيرك، فلا يعمل في ظرف ولا في حال؛ ولا في شيء مما يعمل فيه أمثاله من المصادر. فيقول على وجه التعجب من الذين تولوا دفنه في عشية يومه: لله درهم، أما أفزعهم مقامك في القبر على استقبال شبابك، ونضارة غصنك وقرب ميلادك، حين لم تجتمع نفسك، ولا توجه وجهك. وفي طريقته قول الآخر: أيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تحزن على ابن طريف وأبلغ منهما قول الآخر: أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... به الأرض تهتز العضاه بأشواق وانتصب (أمرد) على الحال، وأصل التمرد والتملس والانجراد. يقال صخرة مرداء، إذا لم ينبت عليها شي. وقوله (مجاور قوم لا تزاور بينهم) هذا حال الأموات فيما بينهم، يتجاورون ولا يتزاورون، ومن زارهم من الأحياء منا انصرف عنهم بالخيبة، والزيادة في الغمة والحسرة. والهمد: جمع هامد، وهو الميت؛ وأصله من همود النار. ويقال للثوب إذا بلى: قد همد.

стр. 711

وقال لبيد لعمري لئن كان المخبر صادقاً ... لقدرزئت في حادث جعفر أخاً لي أما كل شيء سألته ... فيعطى وأما كل ذنب فيغفر يرثي بهذا أربد أخاه. وقوله (إن كان المخبر صادقاً) فهو قد علم صدق الحديث، لكنه لاستعظامه للنبأ، وفخامة أمر المتوفى في النفوس وعنده، يرجع على المخبر بالتكذيب، ويدخل الشك على المشهود والمسموع، كما قال الآخر: يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم واللام من (لعمري) لام الابتداء، ومن قوله (لئن) هي الموطئة للقسم، ومن قوله (لقد) هي جواب القسم. والمعنى: وبقائي لئن ورد هذا الخبر من صادق بريء من الحسد والتزيد مؤد لما تحققه سماعاً أو عياناً. لقد أصيبت قبيلة جعفر بن كلاب فيما حدث من ريب الدهر بمرزئة عظيمة فظيعة. وقوله (أخاً لي) انتصب عن (رزئت جعفر) ، أي رزئت شقيقاً لي هذا صفته، وهو أن سماحته وتكرمه كانا يبعثانه عل بذل كل حسنة تقترح عليه، وأن سلاسته وسهولته تدعوانه إلى التجافي عن كل سيئة تبدر إليه. وقالت زينب بنت الطثرية ترثي أخاها أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري ... مقيماً وقد غالت يزيد غوائله الأئل: شجر. وإنما قالت ما قالت منكرة ومستوحشة، إذ كان الحكم عندها أن تتغير الأمور عن مقارها لموت أخيها، فتتحول الأحوال وتتبدل الأبدال، وتتخشع

стр. 712

الجبال، وتقتلع الأشجار؛ فلما جرى الأمر بخلافه أخبرت متوجعة ومتحسرة، فقالت: إن بطن العقيق ومنابت أثله بما تحويه أرى مقيماً في جواري على ماكان عليه، وأخي يزيد قد دعاه محتوم القضاء فذهب به غوائله. ويقال غالته الغوائل، أي أهلكته المهلكات، وهذا كما يقال: علقت به العلوق. وانتصب (مقيماً) على أنه مفعول ثان لأرى، ومجاورى في موضع الجر على أنه صفة لبطن العقيق. فتى قد قد السيف لا متضائل ... ولا رهل لباته وأباجله وصفه بأنه في خلقةالسيف تجريداً واقتضاباً، وعلى خلقه مضاء ونفاذاً. وقوله (لا متضائل) يريد أنه شهم حي النفس والقلب، جريء المقدم، لا يتخاشع لشيء ولا يتماوت على حدث. والضؤولة، أصله الدقة. والرهل: المسترخي. يصفه بقلة اللحم على الصدر والساق. والأباجل: جمع أنجل، وهو عرق. وذكر الأباجل وهو يريد مواضعها. وجمعه كما يقال وهو ضخم الثعانين، كأنه أراد ما حوله. اذا نزل الأضياف كان عذوراً ... على الحى حتى تستقل مراجله العذور: السئ الخلق، القليل الصبر فيما يطلبه ويهم به. واذا ظرف " لقوله (كان عذوراً) . وصفه بأنه يجمع الحى لأمره فيطاع، لسيادته وجلالة محله، وأنه اذا نزل به الأضياف قام بنفسه في اقامة القرى لهم، غير معتمد على أحد فيه، وأنه يعرض له وفي خلقه عجلة يركبها، وتشدد في الأمر والنهي على جماعة الحي به يصرفها، حتى تنصب المراجل، وتهيأ المطاعم؛ فاذا ارتفع ذاك على مراده عاد الى خلقه الأول. والمراجل: جمع مرجل، وهي القدر العظيمة النحاسية، واستقلالها: انتصابها على الأثافى. وحتى تستقل، أراد لتستقل وكى تستقل. أي كان عذوراً لذلك الشأن. مضى وورثناه دريس مفاضة ... وأبيض هنديا طويلا حمائله يقول: أجاب داعيه فمضى لوجهه، وورثناه دريس مفاضة. فانتصب دريس على أنه مفعول ثان. ويقال: ورثته كذا وورثت منه كذا. فعلى هذه اللغة كان أصله ورثنا منه، فحذف الجار، ووصل الفعل فعمل. والدريس: الخلق من الدرع وغيره، لأنه كأنه فعيل بمعنى مفعول. والجمع الدرسان. والمفاضة: الدرع الواسعة. وأبيض، أي

стр. 713

وسيفاً أبيض. وجعله طويل الحمائل لطول قوامه. والمعنى أنه أنفق ماله في ماادخر له أجراً، ونشر له حمداً وشكراً، فلم يكن ارثه الا ما ذكر من السلاح. وقد كان يروى المشرفى بكفه ... ويبلغ أقصى حجرة الحي نائله وصفه بأنه كان غزاء شديد النكاية في الأعداء، فكان يعطى السيف حقه اذا أعمله، ويرويه من دماء مشاقيه ومنابذيه اذا جرده، ويبلغ أبعد ناحية الحى عطاياه. وانما قالت (يروى المشرفى بكفه) لأنها تريد أن نهضته في ذلك بنفسه خاصة من غير اعتماد على حميم او غريب؛ لأنه كان لايجر الجرائر على ذويه ثم يتركهم لها، ولكن كل ما أتاه أو تجشمه فبنفسه لابغيره. كريم اذا لاقيته متبسماً ... واما تولى أشعث الرأس جافله قولها " كريم " ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. أرادت: هو كريم اذا لاقيته متبسماً. فانتصب " متبسماً " على الحال. وجواب اذا يدل عليه كريم. فتقول اذا لقيته راضياً ساكناً متبسما لاقيت منه طلعة الكرام وأفعالهم، وان أعرض عنك وولى وجدته أغبر الرأس كثير الشعر، لايهمه أمر نفسه في اللباس والطعام، وانما به الغزو والسعي في اصلاح أمر العشيرة، وما يكسبه الجمال والشرف. وقولها " أشعث الرأس " أي اغبرشعره وتلبد. والفعل منه شعث شعثاًوشعوثة، وهوأشعث وشعث. وقولها " جافله " من قولهم: أخذت جفلةمن الصوف، أى جزة منه. وفي كلام لهم عن الضائنة: " أجز جفالاً ". ويقال: جافل، ومجفل. اذا القوم أموا بيته فهو عامد ... لأحسن ما ظنوا به فهو فاعله يجوز أن يريد بالقوم رجال الحى خاصة، ويجوز أن يريد به طوائف الرجال، ويكون المراد به الكثرة. وانما وصفته بأنه مدبر العشيرة عندما يدهمهم، والمشير عليهم فيما يحز بهم، فاذا قصدوا حضرته قائلين ما نأتمر وكيف نصنع؟ أرشدهم وهداهم، وتحمل عنهم ما يثقل عليهم. ثم بعد ذلك تعمد الى أحسن ظنونهم به

стр. 714

فيأتيه معهم لامتبرماً ولا متكرهاً، بل باسطاً من آمالهم، وجامعاً الحسن في كل باب لهم. ترى جازريه يرعدان وناره ... عليها عداميل الهشيم وصامله يجران ثنياً خيرها عظم جارة ... بصيراً بها لم تعد عنها مشاغله جعلت له جازرين على عادتهم في جعلهم اصحاب المهن فيهم اثنين اثنين، كالبائن والمستعلى في الحلب، والماتح والقابل في الاستغناء. وجعلهما يرعدان لشدة البرد، وانما تعنى وقت الجدب وعند امحال الناس. والعداميل: العتيق من الخشب الغليظ، واحدها عدمول على القياس وعدملى. والصامل: اليابس. والمعنى: اذا اشتد الزمان وشمل القحط واشتد البرد، كان له جازران ينحران، وناره عظيمة وقودها من الحطب الغلاظ العتق؛ وترى العفاة والمضرورين بالفناء نازلين، وذوى الحاجة من جوانب الحى يعترون، وهو يقتسم فيها ما يرضيهم. وقولها " يجران ثنياً " يعنى الجازرين. والثنى: التي ولدت بطنين، وهي مما يضن بها. وقولها " خيرها " تريد: خير أبدائها ومفاصلها البدء الذي يجعل لجارة له قد عرفها، فهو بصير بها وبحالها، وليست تعني جارةً بعينها، انما المراد الكثرة، فالجارات علىذلك لاتتخطاها أشغاله المزدحمة، ولايغض العناية بها الأسباب المتراكمة، بل قد وصى بها وبأمثالها فيتفقدن بأوفر الانصباء عند قسمة الجزور. وقالت " بصيراً بها " والفعل للمرثى، فجرى على غيره من هوله، لأنه تبع الجارة، واذا كان كذلك فالواجب كان عليها أن تظهر ضميره فتقول بصيراً بها هو، لأن اسم الفاعل والصفة المشبهة اذا جرى واحد منهما على ماقبله صفةً أو صلةً أو حالاً أو خبراً لم يحتمل الضمير كما يحتمله الفعل، لضعفه وانحطاط منزلته. وأكثر أصحابنا على أنه لابد من ذلك، حتى أبا الحسن كان يلحن الكلام اذا لم يجر على هذ السنن. والكوفيون وبعض أصحابنا يجوزون ترك اظهاره. وهذه الشاعرة دعتها الضرورة الى وضع المتصل موضع المنفصل، فتركت التغيير. وقولها " لم تعد عنها " أي لم تصرف. يقال: عدت بيننا عواد، اى صرفت صوارف

стр. 715

وقال ابو حكيم المرى وكنت أرجى من حكيم قيامه ... على اذا ما النعش زال ارتدانيا فقدم قبلى نعشه فارتديته ... فياويح نفسي من رداء علانيا النعش: شبيه بالمحفة، كان يحمل عليه الملك اذا مرض؛ ثم كثر حتى سمى النعش الذي فيه الميت نعشاً. يقول: كنت أؤمل في حكيم ابنى أن يمهل وينفس من عمره، فيقوم على اذا مت، ويرتدى نعشى اذا حملت، ثم بعد ذلك يقضى فيما أخلفه عليه، وأعتمد على كفايته وخلافته، فخاب ٍأملي وكذبني ظني، وقدم قبلى فارتديت أنا نعشه، فوابلاء نفسي من رداء علاني بنعشه. وقوله " ارتدانيا " تفسير لقيامه عليه وقد وضع الماضي موقع المستقبل؛ أي يرتديني في ذلك الوقت. ولو ساق الكلام على تلاؤم لقال: قيامه على وارتداءه اياي اذا ما النعش زال ارتدانيا، أي يرتديني، فيكون اذا ما النعش زال ظرفاً، وارتداني مفعول أرجى. أي أرجوه يرتديني اذا ما النعش زال. وقال منقذ الهلالي الدهر لاءم بين ألفتنا ... وكذاك فرق بيننا الدهر وكذاك يفعل في تصرفه ... والدهر ليس يناله وتر نسب ما اتفق عليه وعلى محبيه الى الدهر، فقال: الدهر جمع بيننا وسوى ألفتنا، فلما أراد كل منا أن يفرح بصاحبه كما يهواه، ويتمتع به ويتملاه، فرق بيننا وشتت شملنا، فعاد ما كنا نأمله من التملي والاستمتاع تبايناً وتوجعاً. ومعنىوكذاك فرق بيننا: ومثل ذك. وأشار الى مادل عليه لاءم من التأليف. يريد: وكتأليفه فرق أيضاً. وكرر لفظ الدهر تفخيماً. وموضع كذاك نصب على الحال من فرق بيننا. وقوله " وكذاك يفعل في تصرفه " يريد أن الدهر في مصارفه فعال لمثل ما فعل بنا، يهب ويرتجع، ويؤلف ويفرق، ولايترك شيئاً على حاله الا ريث ما

стр. 716

يسلط عليه التغيير. وقوله: والدهر ليس يناله وتر يريد أنه يتر غيره فلا يوتر، وينكى فلا يجازى، فليس معه الا الاستسلام لحكمه، والرضا بمحتومه. وهذا الذي جعله للدهر، الفاعل له القادر على كل شيء، تعالى عن الأشباه. كنت الضنين بمن أصبت به ... فسلوت حين تقادم الأمر ولخير حظك في المصيبة أن ... يلقاك عند نزولها الصبر قوله " كنت الضنين " تشك من الفراق الواقع بينه وبين من يرثيه، واظهار لضنه كان به، وتنافسه فيه. فيقول: كنت لاأصبر عنه، وأعد الأوقات التي لاأراه فيهاكثلمة في العيش، ونقيصة من زاكي الحظ، اذ كنت لاأرى طيب العيش الا معه، ولا أعرف طعم الحياة الا في صحبته فلما افترقنا وتقادم العهد بيننا سلوت عنه، حتى كأنني لم يجمعني واياه حال. وهذا الكلام منه استقصار لجزعه، واعتراف بأنه لم يفعل كنه الواجب عليه عند الرزيئة. وقوله: " ولخير حظك " يريد: خير انصبائك فيما تصاب به وتعنوله، أن يتلقاك الصبر عند الصدمة الأولى لتصون به دينك ونفسك وعقلك؛ لأن المرجع اليه، فألايتسلى الانسان تسلي البهائم أحسن وفي هذه الطريقة قول الخريمي: واني وان أظهرت صبراً وحسبةً ... وصانعت أعدائي عليك لموجع ولو وشيت أن أبكي دماً لبكيته ... عليك ولكن ساحة الصبر أوسع وقالت ابنة ضرار الضبية ترثي أخاها قبيصة بن ضرار: لا تبعدن وكل شيء ذاهب ... زين المجالس والندى قبيصا (لا تبعدن) لفظة قد مر القول فيها فيما تقدم. وقوله (وكل شيء ذاهب) تسل. كأنها قالت متوجعة: لا تبعد، ثم عقبته بالتسلى فقالت: وكل حي منا ميت، وكل أمر فينا متغير يا زين المجالس والندى يا قبيصة. وقولها (وكل شيء ذاهب) اعتراض

стр. 717

بين المنادى وبين الدعاء له. والجمل المعترضة بين أنواع الكلم تفيد فيها التأكيد وتحقيق معانيها. وقولها (زين المجالس والندى) ، إنما ذكرتهما وهما واحد لأنها أرادت بالمجالس مجالسة خاصة إذا قصد لإنزال الحاجات به، واستخراج المطالب منه، وأرادت بالندى نادي الحي. وانتصب قبيصة على أنه عطف البيان ليا زين. ويجوز أن يكون على تكرير النداء وقد رخمه، فكأنه قال: يا زين المجالس يا قبيصة. يطوى إذا ما الشح أبهم قفله ... بطناً من الزاد الخبيث خميصاً يصفه بقلة الشره، وأنه لا يرغب من أعراض الدنيا إلا فيما يزين ولا يشين، ويستطاب ولا يستخبث. وقوله (إذا ما الشح أبهم قفله) ، يريد إذا اشتد الزمان فصار كل مالك لشيء يبخل به حتى لا يمكن انتزاعه منه. وإذا رويت (أبهم قفله) على ما لم يسم فاعله، فالمعنى أحكم أمره وجعل كالفرض الذي لا يحتمل التجوز، وإذا رويت (أبهم قفله) جعل الفعل للشح، كأن له قفلاً يبهمه. وإبهامه: أن يجعله على وجه لا يدري كيف يفتح. فيقول: هذا الرجل يطوي بطناً له صغيراً مضطمراً من الزاد السيء، إذا تملك البخل الناس لشدة الزمان، فجعلهم كذلك. وقال عكرشة الضبي يرثي بنيه سقى الله أجداثاً ورائي تركتها ... بحاضر قنسرين من سبل القطر مضوا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدر الأجداث: القبور، وكذلك الأجداف بالفاء. ويعني بالأجداث قبور بنيه. ودعا لها بالسقيا وجعل موضعها بحاضر قنسرين، إجلالاً لها وتنبهاً عليها. وقوله (من سبل القطر) مفعول ثان لسقى الله. والمعنى سقى الله هذه القبور التي وصفتها من ماء السحاب ما سال على عجلة وبشدة. وخص ذلك لأنها أعذب المياه عندهم. والقصد في طلب السقيا لها أن تبقى عهودها غضة محمية من الدروس، طرية لا يتسلط عليها ما يزيل حدتها ونضارتها. ألا ترى أنه لما أراد ضد ذلك قال: فلا سقاهن إلا النار تضطرم

стр. 718

وقوله (مضوا لا يريدون الرواح) يريد: ساروا لا يعرجون على شيء، فلا يريدون لبثاً ولا مقاماً، بل استعجلوا فتعجلوا، وأهلكهم من أحداث الدهر أسباب جاءت على قدر، فكأنهم كما دعوا أجابوا، وكما تهيئوا أخذوا، لا تلوم ولا اختلاف، ولا قصور ولا امتناع. ولو يستطيعون الرواح تروحوا ... معي وغدوا في المصبحين على ظهر يقول: ولو قدروا فيما هموا به من سيرهم على النزول رواحاً لتروحوا معي، ولغدوا في صباح اليوم الثاني على ظهر الأرض ولم يصيروا مع الأموات في بطنها مأخوذين عن حظوظهم، لكنهم استمروا في المفارقة فعل من لايملك إلا ذاك، ولا اختيار له فيما يركبه. وهذا الكلام منه توجع وتحسر، حين أتوا من حيث لم يشعروا، وطولبوا بما لا رجعة فيه ولا استبقاء وإن استنظروا. لعمري لقدوارت وضمت قبورهم ... أكفا شداد القبض بالأسل السمر يذكر نيهم كل خير رأيته ... وشر فما أنفك منهم على ذكر يقول: وبقائي، لقد اشتملت قبورهم على فرسان شجعان يملكون بالطعن أكفا شداد القبض على الرماح. وإنما قال (وارت وضمت) لأن الموارى هو الساتر، وساتر الشيء يكون ضامناً وغير ضامن. وإنما أراد أن يجعل القبور موارية وضامنة، فلذلك جمع بين اللفظين. ثم عقب هذا بأن قال: يذكرنهم الأمور التي أنتهى إليها على اختلافها، فإنها لا تخلو من أن تكون نافعة أو ضارة؛ فإن كانت نافعة كانت خيراً، وكانت عمله ديمة مع من يتسبب إليه بحرمة، أو يدل بآصرة. وإن كانت ضارة كانت شراً، وهو الذي يشقى به من يشاقه ويعانده، حتى لا يخليه منه أمن من ترقبه ساعة، فلا أزال ذاكراً له بما أعتبره من أمور الدنيا وأحوالها، وأنتهى إليه فأتأمله من مسبباته في طوائف الناس بعده. ويقال: ما انفك يفعل كذا، بمعنى مازال. والذكر، بضم الذال، يكون بالقلب؛ والذكر بكسر الذال، يكون باللسان.

стр. 719

وقال رجل من بني أسد يرثي أخاه وكان مرض في غربة، فسأل الخروج به هرباً من موضعه، فمات في الطريق: أبعدت من يومك الفرارفما ... جاوزت حيث انتهى بك القدر لو كان ينجى من الردى حذر ... نجاك مما أصابك الحذر يروى: (أبعطت) ، والإبعاط والإبعاد متقاربان. فالإبعاط: الإسراع في السير. ويقال: أبعطت من الأمر، إذا أبيته وهربت منه. ويروى: (أسرعت من يومك الفرار) والأول أشهر وأجود، لأن من يتعلق فيها بأبعدت. والمعنى: فررت من أجلك فراراً بعيداً. ومعنى (من يومك) من آخر أمدك. وإذا رويت (أسرعت) احتجت إلى إضمار فعل يتعلق به من، ولا يجوز تعلقه بأسرعت، ولا بالفرار لأنه يكون من صلته وقد قدم عليه. وقوله (فما جاوزت حيث انتهى بك القدر) يريد أن الحذر لا يغني من القدر، وأنك وإن تحزمت في تغيير الأماكن تباعداً من المحذور، وتنقلت في المنازل هرباً من القدر المحتوم، فما وجدت فيه واقية لنفسك، ولا جاوزت الوقت المرصد لحينك. وجعل قوله (حيث انتهى) اسماً، فهو في موضع المفعول لجاوزت. ومثله في القرآن: (الله أعلم حيث يجعل رسالاته) . ومن محكى كلامهم وفصيحه: (هي أحسن الناس حيث نظر ناظر) يعني وجهها. وقوله: (لو كان ينحني) جواب لو قوله (نجاك) . والمعنى: إنك لم تؤت من تضجيع وقع منك، أو إغفال اعترض دون طالبك؛ فلو كان يخلص من الموت توق لوقاك ما أخذت به نفسك من الحذر الشديد، والهرب البعيد؛ ولكن هو الموت الذي لا منجى منه ولا تهرب عنه. وكل هذا النوع توجع وتحسر، واعتراف بالقصور والعجز لدى مبرم القضية. يرحمك الله من أخي ثقة ... لم يك في صفو وده كدر فهكذا يذهب الزمان ويف ... نى العلم فيه ويدرس الأثر

стр. 720

قوله (يرحمك الله) استسلام. والرحمة من الله: الإحسان والعفو. ومعنى (من أخي ثقة) دخل من للتنبين، أي من أخ يوثق بوده، ويؤمن غله ووبال حسده، وإذا صافى الوداد وافق باطنه ظاهره، ولم يك ذا وجهين يعطيك حضرته خلاف ما يعطيك غيبته. وقوله (فهكذا يذهب الزمان) يريد أن ما رآه وأصابه ليس بمستبدع من حدثان الدهر ونوائبه، بل استمراره قديماً وحديثاُ على وجه واحد ينقرض أهله كما أتاه، ويفنى فيه كل معلوم حواه، ويدرس كل أثر اقتناه ووعاه. وهذا الكلام إظهار اليأس من المفقود، وتضعيف الطمع في بقاء الموجود. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وقالت أم قيس الضبية من للخصوم إذا جد الضجاج بهم ... بعد ابن سعد ومن للضمر القود قوله (إذا جد الضجاج بهم) أي صار ضجاجهم جداً. ويقال: ضج يضج ضجيجاً، والإسم الضجاج، قال العجاج يصف حرباً: وأغشت الناس الضجاج الأضججا ... وصاح خاشى شرها وهجهجا وقوله (من للخصوم) لفظه استفهام، والمعنى التوجع والاستفظاع. فيقول: من يفصل بين الخصوم إذا اشتد بهم النزاع، وطال الجدال والدفاع، فاحتيج إلى من يرد الجامح، ويلين الكامح، حت إذا رجع كل منهم إلى ما يقرب مسمعه، ولا يبعد عن الفحص مستنزعة، أنفذ قضيته فقطعها، لا يلفتهم عن القبول مراجعة، ولا تخلجهم عن الإلتزام مماتنة ومدافعة بعد ابن سعد. ومن للضمر القود بعدة، أي من أصحاب الخيل المضمرة، وتريد: من يدفعهم عن اشتطاطهم إذا جاءوا واترين أو موتورين. ويجوز أن تريد أنه كان غزا بها فمن لها بعده. والضمرة جمع ضامر. والقود: الطوال العناق. ومشهد قد كفيت الغائبين به ... في مجمع من نواصى الناس مشهود فرجته بلسان غير ملتبس ... عند الحفاظ وقلب غير مزءود

стр. 721

يقول: ورب مشهد عظيم الشأن يسأل عن حال حاضريه، ويستمع إلى ما ينشر عنه من حجاج منافريه، تكلمت فيه عن نفسك ونبت عن الغائبين من معتلقي حبلك، واليوم يوم مشهود، ورؤساء الناس وأماثلهم فيه شهود؛ ثم كشفت الغمة، وأثبت الحجة بكلام فصيح لا يلتبس، وجدال راجح لا يخيل ولا يغتمص، وقلب ثابت لا يرتدع إذا استنهض، ولا ينتكس إذا استقدم. وقوله (نواصى الناس) أي أشراقهم والمقدمين منهم. وهذا كما وصفوا بالذوائب، يقال: فلان ذؤابة قومه، وناصية عشيرته. وقوله (بلسان غير ملتبس) يريد بكلام. وفي القرآن: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) ، وتسمى الرسالة لساناً. وقال: إني أتتنى لسان لا أسربها وقوله (غير مزءود) فالزؤد: الذعر، والفعل منه زند فهو مزءود. وقوله (عند الحفاظ) أي فعلت ذلك كله عند المحافظة على الشرف، والإحتماء من عار الهضمية والعنت. إذا قناة امرىء أزرى بها خور ... هز ابن سعد قناة صلبة العود ذكرالقناة مثل للإباء والامتناع، وأن المكره لا يخرج منهم الخضوع والانقياد. ألا ترى قول سحم بن وئيل: وإن قناتنا مشظ شظاها ... شديد مدها عنق القرين ويقال: مشظت يده تمشظ مشظاً. والشظية والشظا من العصا كالليطة منها، تدخل ي اليد فتمشظ منها. ومثل هذا قول عمرو بن كلثوم: عشورنة إذا غمزت أرنت ... تشج قفا المثقف والجبينا وقال أيضاً: وإن قناتنا ياعمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا

стр. 722

وزاد الآخر عليهم فقال: ولنا قناة من رديئة صدة ... زوراء حاملها كذلك أزور وقال الجعدي ألم تعلمي أني رزئت محارباً ... فما لك منه اليوم شيء ولا ليا ومن قبله ما قد رزئت بوحوح ... وكان ابن أمي والخليل المصافيا يخاطب صاحبته أم محارب، ومحارب ابنه. وقوله (ألم تعلمي) ظاهره تقرير، وإنما هو تحسر وتوجع. لذلك قال: (فما لك منه اليوم شيء ولا ليا) أي قد فجعنا به فأصبحنا خلوا من الاستمتاع بحياته، والانتفاع بمكانه، ثم ذكرأنه قد فجع قبله بأخيه أيضاً وكان نسيباً قريباً وصديقاً مصافياً حبيباً. فتى كملت خيراته غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا فتىتم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا قوله " فتى كملت خيراته " يجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو فتى. وقوله " غير أنه جواد " استثناء منقطع، وقد تقدم الكلام في مثله، وأن من كان عيبه والمستثنى من خصاله المحمودة ما يذكر بعد غير فناهيك به رجلاً كاملا. وقوله " فتى تم فيه ما يسر صديقه " مثله، وقد تقدم في مواضع وشرحناه. وقال رجل من بني هلال يرثي ابن عم له أبعد الذي بالنعف من آل ماعز ... يرجى بمران القرى ابن سبيل لقد كان للسارين أى ممرس ... وقد كان للغادين أي مقيل بني المحصنات الغر من آل مالك ... يربين أولاداً لخير خليل يقول على وجه الانكار: أيرحى ابن السبيل القرى بمران بعد المدفون بالنعف من آل ماعز. أي لايكون ذلك، لأن من كان يشمل خيره ويرتجى النزول مكرماً

стр. 723

ضيفه قد مات. والنعف: ما ناعفك من الجبل، أي استقبلك، وقيل: هو ماانحدر عن السفح وغلظ، فكان فيه صعود وهبوط. ذكره الدريدي، قال: وجمعه نعاف. وقوله " لقد كان للسارين " جواب قسم محذوف. والتعريس: النزول عند الصبح. والمقيل: موضع القيلولة، فيقول: من أسرى ليلة ثم طلب من ينزل به، كان هذا الرجل معرساً له كريماً، وأي معرس. وهذا الكلام فيه تعجب وتفخيم. وكذلك من ارتحل غدواً ثم أراد الرواح كان فناؤه له مقيلاً طيباً وأي مقيل. وقوله " بني المحصنات " جمع الى ذكره ذكر اخوته، فقال: اذكر قوماًكرام الأطراف، أمهات من الحصانة والطهارة في أعلى محل، وأبعد رتبة، ويرببنأولاداً لبعول لايوازى بهم، علو منصب، وزكاء منسب وتقدماً في الشرف والافضال. وبراعةً في جميع الأحوال. وقال كبد الحصاة العجلى ألا هلك المكسر يال بكر ... فأودى الباع والحسب التليد ألا هلك المكسر فاستراحت ... حوافي الخيل والحي الحريد افتتح كلامه بألا، ثم أخذ يعظم الخطب ويفظع الشأن، فقال: مات هذا الرجل فمات بموته الكرم العميم، الشرف الصميم. وقوله " يال بكر " استغاثة مما دهاه. وقد مر القول في هذه الام والفصل بينها وبين لام التعجب من قولك يا لبكر. ومعنى أودى: هلك. والباع ها هنا الكرم. ويقال: باع الرجل يبوع بوعاً، اذا مد باعه، وتبوع. وكذلك تبوع البعير، اذا مد ضبعه. والحسب: الشرف، وأصله من الحساب، لأن الحسيب يعد لنفسه مآثر فتلك المآثر حسب. كما يقال نفضت نفضاً، ثم يسمى المنفوض نفضاً. والتليد والتالد: ضد الطريف والطارف. والتلاد: ما ولد عندك من مالك. قالوا: وأصل هذه التاء الواو.

стр. 724

وقوله (ألا هلك المكسر) كرره لتفظيع الأمر. ومعنى (استراحت حوافي الخيل) وصفه بأنه يبعد الغزو فلا يبقى على الخيل وان حفيت، فلما مضى نالت الراحة وتودعت. وقال (حوافي الخيل) على أن يصفها بما كان آل أمرها اليه بعد الغزو. وكذلك قوله (الحي الحري) هو المنفرد والمتباعد عن غيره. كأنه لايسلم عليه وان حذر وتباعد. ويقال: كوكب حريد، اذا طلع في أفق السماء متنحياً عن الكواكب. ورجل حريد المحل، اذا لم يخالط الناس ولم ينزل معهم. وقال: أما بكل كوكب حريد وقال آخر: حريد المحل غويا غيورا وقال ابن أهبان الفقعسي يرثي أخاه: على مثل همام تشق جيوبها ... وتعلن بالنوح النساء الفواقد فتى الحي أن تلقاه في الحي أة يرى ... سوى الحي أو ضم الرجال المشاهد يقول: عظم الرزءبموت همام فلا مخبأ للجزع ولا مصطبر، ولا اسرارللالتياع ولامدخر. وأنى يكون للسامع به معدل الى التجمل والتجلد، وقد فقد به من يستباح في ندبته كل محظور، ويستجاز في الرثاء له كل مذكور، فلا منع من شق الجيوب، وصدع الأكباد والقلوب، واعلان النياحة، وامتداد المآتم في الاعوال الى كل غاية. وقوله (على مثل همام) يذكر المثل والمقصود نفسه لاغير صيانة له ونزاهة. على ذلك قول القائل: مثلك لايحسن به كذا معناه: أنت لايحسن به ذلك؛ ولكن الغرض ما ذكرته، وقوله (بالنوح) يراد به مصدر ناح. وقد يراد به في غير هذا المكان النساء النائحات. وقوله (فتى الحي أن تلقاه) جعل له الفتوة والرياسة مسلمة له في كل حال، وعلى كل وجه. ألا ترى أنه قال: هو الفتى بين رجال الحي وعند لقائك اياه فيهم.

стр. 725

فمعنى أن تلقاه، هو الفتى لأن تلقاه في الحي، ووقت تلقاه في الحي. وقوله (أو يرى سوى الحي) أيفي مكان آخر وفي قوم آخرين. بدلا من الحي. لأنك اذا قلت: عندي رجل سوى زيد، معناه: عندي رجل مكان زيد، وبدلاً من زيد. وقوله (أو ضم الرجال المشاهد) معناه وهو الفتى اذا حصلت وفود القبائل وألسنتهم ورؤساؤهم في مجامع الملوك الأعاظم، ومشاهد السادة الأكابر. وقوله (أو ضم) محمول على المعنى. يريد: وهو الفتى لأن ضم الرجال. والقسمة بما رتبه قد استوفت الأحوال كلها. اذا نازع القوم الأحاديث لم يكن ... عييا وعبئاً على من يقاعد طويل بحاد السيف يصبح بطنه ... خميصاً وجاديه على الزاد حامد وصفه بالبراعة وتمام الآلة، وأنه سهل الخلق، سهل الجانب، يباسط منازعه في الأحاديث ويطاوله، لاعى يقصر حديثه، ولا كبر ينفر قعيده، فهو طيب المجلس، خفيف الملتزم، واذا تاملت خلقته كان حسن القوام، تام الجسم، طويل حمائل السيف. هذا في الحي ما أقام، وفي السفر تراه يؤثر غيره بالزاد، فبطنه خميص، ومجتديه والمعول عليه حامد له شكور. وأبلغ من قوله (طويل نجاد السيف) قول مسلم: يطول مع الرمح الرديني قامة ... ويقصر عنه طول كل مجاد وقال ابن عمار الأسدي يرثي ابنه ظللت بجسر سابور مقيماً ... يؤرقني أنينك يا معين وناموا عنك واستيقظت حتى ... دعاك الموت وانقطع الأنين أصل الظلول العكث في النهار، ولكنه يتوسع فيه فيجعل للأوقات كلها. على ذلك قوله تعالى: (واذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً) وذلك لايختص بالنهاردون الليل. وهذا الكلام اقتصاص حاله معه في تمريضه، وتوليه منه ما تفرد به، وفيه التشكي مما قاساه وتجرع الغصص عنه، فيقول: بقيت

стр. 726

مقيماً بذلك المكان يسهرني تألمك وأنينك، ونام كل من صحبته فاستيقظت أنا متجرداً فيك، ومتحملا ما أمكن تحمله عنك، الى أن أجبت داعيك، واطلقت من أسر الانتظار ناعيك، فانقطع الأنين، وجد منى لفقدك العويل. وقال أبو وهب العبسي يرثي ابنه أرابع مهلا بعض هذا وأجملى ... ففي اليأس ناه والعزاء جميل فان الذي تبكين قد حال دونه ... تراب وزواء المقام دحول سلك فيما مسلك أوس بن حجر، حين قال: أيتها النفس أجملى جزعا ... ان الذي تحذرين قد وقعا والمرأة المخاطبة فيما نظن أم المرثى. (مهلابعض هذا) انتصب بعض باضمار فعل، كأنه قال: رفقاً كفى بعض ما تأتينه، وأحسني العزاء، ففي اليأس ممن قد مضى ناه لك عن الاسراف في الجزع، والافراط في الالتياع والهلع؛ والصبر جميل كيف كان، فإن من تبكينه حجز بينه وبيننا تراب مهيل، ولحد قعير، وحفرة معوجة، وهوة مهولة، فلا طمع في الالتقاء، ولا في الرجوع والانكفاء. وقوله (وزوراء المقام) أي معوجة الموضع الذي يقام فيه منها. وقوله دحول، يقال بثر دحول، أي ذات تلجف. نحاه للحد زبرقان وحارث ... وفي الأرض للأقوام قبلك غول فأي فتى واروه ثمت أقبلت ... أكفهم تحثي معاً وتهيل اللحد: ما حفر في عرض القبر. ويقال لحدث القبر وألحدته، وقبر ملحود وملحد ولاحد، أي ذو لحد، يقول: ولاه للحد قبره هذان الرجلان، والعادة مستمرة في فناء الأمم السالفة قبلنا؛ لأن الأرض لا تخلو مما يغتال الأحياء ويهلكهم. والغول: الهلكة، ويقال: غالة الموت. وقال الشاعر: وما ميتة إن متها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها

стр. 727

والكلام فيه تأس وتعز، بعد أن اقتص دفنه ومن تولى ذلك منه. ثم قال على وجه التعجب: أي فتى غيبوه ودفنوه؟! يعظم أمره ويفخم شأنه. وقوله (ثمت أقبلت) التاء من ثمت علامة التأنيث، وهو تأنيث الخصلة. وكما تتصل هذه العلامة بالاسم نحو امرىء وامرأة، وبالصفة نحو قائم وقائمة، تتصل بالفعل، والاسم والفعل هما موضعها، إلا أنها في الاسم يبدل منها الهاء في الوقف، وينتقل الإعراب عن آخر الاسم إليها. وفي الفعل يسكن إلا أن يلاقيه ساكن آخر، ويكون تاء في الوصل والوقف جميعاً. وفي الحرفيقل دخوله، وإذا دخل حرك بالفتح، نحو ربت وثمت، وتبقى تاء في كل حال. وقوله (تحثي معاً) انتصب معاً على الحال. والحثى: أن ترفع يدك بالتراب أو غيره فتفرقه في الجو. قال: الحصن أدنى لو تآبيته ... من حثيك الترب على الراكب والحاثياء: تراب يجمعه اليربوع، من هذا: والهيل: أن تجرفة من غير أن ترفع اليد به. ويقال: هلت التراب وأهلته. وفي المثل (محسنة فهيلى) ويقال: (جاء بالهيل والهيلمان) أي بالشيء الكثير، ويجوز أن يكون من هذا، لأن المعنى جاء بما اجتمع هيلاً لا كيلاً. وفي الطريقة التي سلكها من اقتصاص الحال في الدفن والحثي، قد أحسن من قال: ألم ترني أبني على الليث بيته ... وأحثى عليه الترب لا أتخشع كأنى أدلى في الحفيرة باسلاً ... عقيراً ينوء للقيام ويصرع تخال بقايا الروح فيه، لقربه ... بعهد الحياة، وهو ميت مقنع ألا تراه كيف صور التهيب منه والإعظام له في تلك الحالة.

стр. 728

وظلت في الأرض الفضاء كأنما ... تصعد بي أركانها وتجول وشد إلى الطرف من كان طرفه ... بعهد عبيد الله وهو كليل يقول: دبر بي لما شاهدت من أمره ما أنكرت، واسودت الأرض في عيني فصارت على سعتها كأنما جمعت جوانبها، فأصعد فيها وهي تجول فلا تهدأ، وتدور فلا تقر. وقوله (وشد إلى الطرف) أي نظر إلى بشدة وتحديق. وفي الحديث: قيل لأبي محذورة وشد أذانه: (أما خشيت أن تنشق مريطاؤك) . ويقال: شددنا على يد فلان وشددنا يده، أي قويناه، والطرف: تحريك الجفن في النظر. يقول: شخص بصره فما يطرف. وقوله (من كان طرفه) كان هذه هي التامة. والمعنى من وقع طرفه وحدث طرفه وحدث طرفه في زمن عبيد الله وبعهده وهو كليل، يريد: من كان لا يملأ عينه منى في حياته تهيباً صار ينظر إلى شزرا ونظراً شديداً. وإنما قواه تجاسره وما حدث له وفي تقديره، من منة استجدها، وقوة عاودته واستظهر بها. وقوله (وهو كليل) الواو واو الحال. لئن كان عبد الله خلى مكانه ... على حين شيبي بالشباب بديل لقد بقيت منى قناة صليبة ... وإن مس جلدي نهكة وذبول وما حالة إلا ستصرف حالها ... إلى حالة أخرى وسوف تزول اللام من (لئن) موطئة للقسم المضمر، وجوابه (لقد بقيت) . وخلى مكانه، أي ترك مكانه من العيون والقلوب خالياً. ويجوز أن يريد ترك مكانه من دنياه لمن شاء. على حين شيبي، أي في وقت استبدلت بالشباب شيباً، وبالقوة ضعفاً، لقد بقي مني إباء شديد، ولجاج على من يقصد اهتضامي بليغ؛ فقناتي صلبة على غامزها، ممتنعة على مثقفها، وإن كانت المصيبة نالت مني فنحل جسمي، وذبل جلدي، وحال لوني، وتحول عما كان عليه أمري وشأني. وقد تقدم القول في القناة

стр. 729

وطريقتهم في استعارتها وجعلها مثلاً. وقوله (وما حالة إلا ستصرف حالها) يريد: وما خطه إلا ستحول صورتها إلى صورة أخرى ما بقيت وأمهلت، ثم من بعد سوف تزول فلا تبقى، ونحول عن المعهود فتفنى. والمعنى: إن شيئاً من أسباب الدنيا وأعراضها لا يدوم على حد، ولا يستمر على طريق ووجه، لكن يسلط عليه التغير والتبدل، فيزداد عما يكون عليه، أو يتراجع هذا إذا سلم، ومن بعد سوف يكون مغيره مهلكة، ومدبرة مدمرة. وأنشد أيضاً: وقاسمني دهري بنى بشطره ... فلما تقضى شطره عاد في شطري ألا ليت أمي لم تلدني وليتني ... سبقتك إذ كنا إلى غاية نجري كانت رواية الناس برهة (وقاسمني دهري بني بشطره) مضافاً، (فلما تقضى شطره) بالضاد، وارتفاع الشطر به، فجاء شيخ لنا فرواه: بشطرة فلما تقصى شطره وكان يقول: هذه ضالة أنا وجدتها، وهو مما حكاه أبو زيد من قولهم: بنو فلان شطرة، إذا كان ذكورهم بعدد إناثهم. يريد: ناصفني. ومعنى (تقصى شطره) بلغ أقصاه واستوفاه. والذي أختاره أن يروى (بشطره) على الإضافة. ومن الظاهر أن تقصى أحسن من تقضى في اللفظ، وأبلغ في المعنى. ومعنى بشطره كأن الدهر ادعى أنه قسيمة في بنيه وأن له منهم الشطر، وهو النصف، فقاسمه على ذلك، فلما استوفى حظه أقبل بأخذ من نصيبه الذي كان أفر له به، وساهمه عليه، وإنما اخترت بشطره على (شطرة) ، لأن شطرة لم يستعمل في الانصباء والسهم، والشطر في النصف معروف ومستعمل، ومنه شاة شطور، إذا يبس أحد ضرعيها. وكذلك قولهم: حلب الدهر أشطرة، إذا جرب الأمور، وأصله من الحلب، أي حلب شطراً من الخير وشطراً من الشر، حتى تبصر وعرف مواضع النجاة من مواضيع العطب والهلكة.

стр. 730

وقوله (ألا ليت أمي لم تلدني) تمنى السلامة بأن كان لا يخلق ولا يخترع فينجو من الابتلاء، وملابسة أنواع البلاء، والتردد بين السعادة والشقاء؛ وتمنى بعد أن أوجد وخلق ألا يكون فاقدة والمعزى فيه، بل كان السابق له والمقدم عليه، سيما وهما جاريان إلى غابة من العطب لا محيص عنها، ولا مفر منها. وكنت به أكنى فأصبحت كلما ... كنيت به فاضت دموعي على نحري وقد كنت ذا ناب وظفر على العدى ... فأصبحت لا يخشون نابي ولا ظفري جرى على افتتنانهم في تحويل الكلام عن الاخبار إلى الخطاب، وصرفه عن العموم إلى تخصيص بعضهم بالذكر. ألا ترى أنه أخبر في قوله (وقاسمني دهري بني) ثم قال (ليتني سبقتك) فرجع إلى خطاب واحد منهم، ثم قال (وكنت به أكني) فأخبر به عن أحد بنيه. والمعنى: كنت اكتنيت به حباً لذكره واسمه، وتفاؤلاً ببقائه وداومه، فبقي الاسم والشخص مفقود، فلا جرم أني متى كنيت به تجدد لي حزن أفاض عبرتي، وأغاض ماء عيشتي. وقوله (وقد كنت ذا ناب وظفر على العدى) يريد: إني كنت تام السلاح بهم، موفور العدد والعدد بمكانهم، مخشي الجانب، لا يطمع في استنزالي عن حجة أركبها، أو شبهة اتعلق بها. وذكر الناب والظفر مثل ضربه لسلاحه وآلاته التي كان يدفع الخصوم بها، ويقهر الأعداء باستعمالها. وقوله (لا يخشون نابي ولا ظفري) يريد لا ناب لي بعدهم ولا ضفر فيخشى. فهو مثل: ولا ترى الضب بها ينجحر وأنشد لامرأة ترثي أباها إذا ما دعا الداعي عليا وجدتني ... أراع كما راع العجول مهيب وكم من سمى ليس مثل سميه ... وإن كان يدعي بأسمه فيجيب يقول: متى قرع أذني دعاء داع بإسم ولدي أذعن وأقلق، كما يذعر الثكلى مهيب، وهو الداعي. والثكلى تفزع لأدنى صبحة ترهقها، أو قرعة تصدم قلبها.

стр. 731

ويجوز أن يريد بالعجول ناقة فقدت ولدها بنحر أو موت، فهي في حنينها تنفر من أخفض إهابة، وأدنى بعث وإزعاجة. ويقال لأمثالها من النوق: المعاجيل أيضاً. ووجدهن يزيد على كل وجد. لذلك قال: فما وجد أظار ثلاث روائم ... رأين مجراً من حوار ومصرعاً يذكرن ذا البث الحزين ببثه ... إذا حنت الأولى سجعن لها معاً وقوله (وكم من سمى) يقول: ليس التوافق في الأسماء مما يوجب التعادل والتشابه في المسميات، لأن الأعلام لا تفيد في المسمين شيئاً، لكن التشابه إنما يكون بالأوصاف الحاصلة، والمعاني المتماثلة، وإذا كان كذلك فالتشارك في الأسماء وإن حصلت به الإجابة عند الدعاء لا يوجب تقارب المسمين ولا تباعدهم. وقال رجل من كلب لحى الله دهراً شره قبل خيره ... ووجدا بصيفي أتى بعد معبد بقية إخواني أتى الدهر دونهم ... فما جزعي أم كيف عنهم تجلدي فلو أنها إحدى يدي رزيتها ... ولكن يدي بانت على إثرها يدي قياليت أسى بعدهم إثر هالك ... قدي الأن من وجد على هالك قدى لحى الله: دعاء على الدهر الذي وصفه، وقد تقدم القول في حقيقته. ومعنى (شره قبل خيره) أي ما كان يختشى من شره في الأحبة سبق ماكان يرتجى من خيره بهم. ثم دعا على وجد تعجل له بصيفي بعد وجد تقدم في معبد، كأنه كان لايأمن من أحداث الدهر فيما حبى وأنعم عليه في اخوة كرام تناسقوا في الولاد والوداد، وتقابلوا في جواز تعليق الرجاء بهم عند الحفاظ، فيخاف. وعلى ذلك كان يغلب في

стр. 732

نفسه وعلى قلبه سلامتهم وبقاؤهم، حسن ظن بالواهب، وشدة طمع في الموهوب، فيسكن ولا يهاب. فلما جرى الأمر على خلاف ما ظن زعم أن شر الدهر سبق خيره، فدعا عليه. وقوله (ووجداً بصيفي) يقول: ولحى أيضاً جزعاً تجدد بصيفي بعد معبد. وهذا تبرم منه بما قاسى من الدهر، وكابد من جزع بعد جزع. وفيه اشارة الى معنى قول الآخر: نوكل بالأدنى وان جل ما يمضى وقوله (بقية اخواني) يجوز أن يكون المراد به خيار اخواني، كما يقال: فلان من بقية الناس. ويجوز أن يريد به أنه كان في اخوانه وفور ففقد منهم عدةً، وجعل يأنس ببقيتهم، فأتى الدهر عليهم أيضاً. وقوله (فما جزعي أم كيف عنهم تجلدي) كأنه كان لايعتد بالجزع الواقع لهم ومن أجلهم، ليقصوره عن الواجب، ووقوعه دون اللازم، ولا يطمع من نفسه في مسكة يتعلقها، أو سلوة يتكلفها، اذ كان الخطب أعظم، والرزء أملك. وقوله (فلو أنها احدى يدي رزيتها) جواب لو محذوف، يريد: لو أصبت ببعضهم لسهل ما تعذر أو خف ما ثقل، ولكنهم تجاوبوا للدعوة، وتتابعوا في النقلة، ففدحت المصيبة، وجلت الرزيئة. وقوله (وآليت آسى بعدهم) يريد: حلفت لا آسى بعدهم في اثر هالك، فحذف لا ولم يخف التباسه بالواجب، اذ كان للواجب صيغة مفردة باللام واحدى النونين الثقيلة أو الخفيفة، وقد مر مثله. والمعنى أن خوفي كان فيهم، واذ أصيب بهم فاني لا أجزع لفائت، فحسبي على الهلاك ما بي حسبي. وقال (قدى) ولو قال: قدني، فأتى بنود العماد ليسلم سكون قد، لجاز. قال الشاعر: قدني من نصر الخبيبين قدى فأتى بهما جميعاً. وقوله (اثر هالك) انتصب على الظرف.

стр. 733

وأنشدني لأعرابي لحى الله دهراً شره قبل خيره ... تقاضى فلم يحسن الينا التقاضيا فتى كان لا يطوى على البخل نفسه ... اذا ائتمرت نفساه في السر خاليا قد مر القول في بيان الدعاء على الدهر وشرحه، وفي معنى (شره قبل خيره) فأما قوله (تقاضى فلم يحسن الينا التقاضيا) فالمعنى طالبنا برد ما منحنا فلم يحسن في التقاضي، لاسرافه في الفعل، واستعجاله في الرد، واعتسافه في الأخذ، ولأن العواري قد ترتجع، ة المنائح قد تسترد، على وجه لايخل فيه بالاجمال، ولايفسد به ماتقدم من الافضال. وقوله (فتى كان لايطوى على البخل نفسه) يريد أنه اذا اجتداه المجتدي لايرى لنفسه أن تطوى على البخل والامساك، والضن بم في يده عليه، اذا ائتمرت نفساه، أي تشاورت فيما بينه وبينهما، فأقبلت واحدة تأمر بالبذل، والأخرى تشير بالامساك. ففي ذلك الوقت يصمم على ترك الائتمار للآمر بالبخل ويخرج من طاعته الى العطاء والبذل. والائتمار: التشاور ها هنا. فأما قوله: ويعدو على المرء ما يأتمر فالمراد به ما يجعله من أمره وهمه، فيقول: اذا ائتمر المرء لغيره ما ليس برشاد فانه يعدو عليه فيهلكه. وهذا كما قيل: من حفر مهواةً وقع فيها. وقال الأبيرد اليربوعي: ولما نعى الناعي يزيد تغولت ... بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر

стр. 734

يقول: لما خبر المخبر بموت يزيد تلونت الأرض في عيني فابيضت تارةً واسودت أخرى، لشدة حزني، وانقطع ظهري، وتساقطت قواي، وقوله (تغولت) اشتقاقه من الغول. وهم يعتقدون في هذا القبيل من الجن أنهم يتصورون بما شاءوا من الصور. ويقال: غولتهم الغول وتغولتهم، اذا توهتهم. وانتصب (فرط الحزن) على أنه مفعول له. والكلام تسل من غير الدهر وتأثير المصيبة فيه، حتى انكسر قناة ظهره، واختل ما كان قويماً من أمره. عساكر تغشى النفس حتى كأنني ... أخو سكرة دارت بهامته الخمر العساكر: جمع عسكرة، وهي الشدة. قال: ظل في عسكرة من حبها فيقول: غشيت نفسي أنواع البلاء، فزال عقلي لها، حتى صرت كأني سكران دبت الخمر في عقله ودماغه، حتى دارت هامته، وزال تماسكه وقوته. ولك أن تروي: (دارت بهامتي الخمر) لأنه لما كان أخو السكرة نفسه جاز أن يجعل الضمير الراجع اليه ضمير نفسه. وهم يفعلون في الصفات والصلات هذا. على ذلك قوله: أنا الذي سمتن أمي حيدره ولم يقل أمه، وان كان وجه الكلام. وان رويت (دارت بهامته الخمر) فهو الصواب المختار. فتى ان هو استغنى تخرق في الغنى ... وان قل مال لم يضع متنه الفقر فتى لايعد الرسل يقضي ذمامه ... اذا نزل الأضياف أو تنحر الجزر

стр. 735

البيت الأول يشبهه قول الهذلي: أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه وقوله (تخرق في الغنى) أي تكرم في غناه وتوسع. وهو تفعل من الخرق: الكريم من الرجال، الذي يتخرق بالمعروف. وقوله (وان قل مال) أراد ماله. ومعنى (لم يضع متنه الفقر) أي لم يورثه اقلاله تخضعاً وتخشعاً حتى تطأطأ ظهره وانخفض شخصه. وان رويت (وان قل مالاً) بالنصب جاز، ويكون فاعل قل ما استكن فيه من ضمير الفتى، وانتصب مالاً على التمييز، كقوله عزوجل: (واشتعل الرأس شيباً) . وقوله (فتى لايعد الرسل يقضي ذمامه) يريد اذا نزل الأضياف به لايعد اللبن قاضياً ذمام قراهم، ولا كافياً فيما يجب عليه لهم، حتى ينحر جزره، ويوسع مطاعمه. وقوله (أو تنحر) أو بدل من الا، وانتصب الفعل باضمار أن. وأنشد لسلمة الجعفى يرثي أخاه لأمه: أقول لنفسي في الخلاء ألومها ... لك الويل ما هذا التجلد والصبر ألم تعلمي أن لست ما عشيت لاقيا ... أخي اذ أتى من دون أوصاله القبر يقول: اني اتسخط ما أقيمه من الهلع فيمن أصبت به، حتى أرجعالى نفسي اذا خلوت بها باللوم والتعنيف، وأقول حل بك الويل، ما الذي يظهر منك من تكلف الجلد والصبر فيما بليت به. أما علمت أني مدة عيشي لا ألاقي أخي وقد حجز بيني وبينه الثرى؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وقوله (ألومها) في موضع الحال، (ولك الويل) في موضع المفعول لأقول، و (ما هذا التجلد) استفهام على طريق التقريع والتوبيخ. وارتفع التجلد على أنه عطف البيان. وقوله (ألم تعلمي) تقرير فيما هو واجب، لأن حرف الاستفهام قد ضامه حرف النفي، والاستفهام غير واجب فهو كالنفي، ونفي النفي ايجاب.

стр. 736

وقوله (أن لست) أن مخففة من الثقيلة، واسمه يجوز أن يكون ضمير الرجل، أراد أني لست، ويجوز أن يكون ضمير الأمر والشان. و (ماعشت) في موضع الظرف. و (لاقيا) خبر ليس. و (اذ اتى) ظرف له. والأوصال: جمع وصل، وهو اسم للأعضاء المتصل بعضها ببعض. ويقال: وصل ووصل، بالفتح والكسر. وكنت أرى كالموت من بين ليلة ... فكيف ببين كان ميعاده الحشر وهون وجدي أنني سوف أغتدي ... على اثره يوماً وان نفس العمر قوله (كالموت) جعل الكاف وحده اسماً. وكان أبو العباس يتبع أبا الحسن الأخفش في جواز وقوعه اسماً في غير الضرورة، وأنشد: أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يهلك فيه الزيت والفتل وبجعل الكاف في موضع فاعل ينهى. وسيبويه لايرى ذلك الا في الضرورة، كأنه قال: وكنت أرى شيئاً أو أمراً مثل الموت. وقوله (من بين ليلة) من دخل للتبيين، والمعنى: كنت أعد مفارقت له في ليلة كالموت، أو قاسى مثل الموت من أجل مفارقة ليلة منه، فكيف يكون حالي وقد فرق بيني وبينه بين موعد الالتقاء بعده يوم القيامة. ومثل قوله (من بين ليلة) قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) . ولك أن تجعل من بين، في موضع المفعول لأرى، وتجعل من زائدة على طريقة الأخفش في جواز دخوله زيادةً في الواجب، فيكون التقدير: كنت أرى بين ليلة، أي فراق ليلة، كالموت. فيكون كالموت في موضع المفعول الثاني. وقوله (كان ميعاده) وضع الماضي موضع المستقبل أي يكون ميعاده، والهاء يرجع الى البين، كأنه وعده الزوال والالتقاء معه من بعده في يوم الحشر. وقوله (وهون وجدي أنني) موضع رفع، لأنه فاعل هون والمعنى: خفف وجدي وقلقي أنني ذاهب في إثره، ومخل مكاني في الدنيا بعده يوماً، وإن أطيل عمري، ونفس في أجلي.

стр. 737

فتى كان يعطي السيف في الروع حقه ... إذا ثوب الداعي وتشقى به الجزر فتى كان يدينه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر يريد أن المرثي كان إذا حضر الوغى تصور السيف عليه حقاً، فجاهد نفسه في توفير ذلك الحق عليه إذا أعاد الداعي وكرر: يال فلان!! مراراً. والتثويب في الآذان معروف. وقوله (وتشقى به الجزر) يريد وقت نزول الأضياف، وأنه كان لا يرضيه أقرب المنازل في نزل الضيف، بل كان يرتقى إلى أعلاها. وهذا المعنى قد مضى قريباً، وكذلك البيت الثاني قد مضى مثله. ومعنى يدينه الغنى من صديقه أنه كان يعد التفرد بالغنى لؤماً، وكان يشرك أصدقائه فيه، كما يعد في حال الإضافة والفقر ملابسة الأصدقاء كالتعرض لخيرهم، فيبتعد عنهم. وقالت عمرة الخثعمية، ترثي ابنيها لقد زعموا أني جزعت عليهما ... وهل جزع أن قلت: وا بأباهما الزعم يستعمل كثيراً فيما لا حقيقة له، لذلك قالت فيما حكمت عن القوم: زعموا. كأنها لما استشرف الناس جزعها وهلعها، فتذاكروا أمرها فيما بينهم أظهرت الانكار والتكذيب فيما توهموه، فقالت: وهل جزع أن قلت وأباباهما، من التوجع لهما على قدر القائل: وأباباهما. ولفظة (وا) تألم وتشك، وهي حرف للندبة. و (بأباهما) أرادت: بأبي هما، ففر من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت ألفاً. على ذلك قولهم: باداة وناصاة، في بادية وناصية. وقولها (وهل جزع) ارتفع جزع على أنه خبر مقدم، (وأن قلت) في موضع المبتدأ، وبأبا خبره. هذا على طريقة سيبويه، وعلى مذهب الأخفش يرتفع بالظرف. ورواه بعضهم: (بأناهما) ، أي أفديهما بنفسي وأنا هو ضمير المرفوع، وقد وقع موقع المجرور، وكقولهم: هو كأنا، وأنا كهو.

стр. 738

هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوماً نبوة فدعاهما ألمت في هذا بقوله: إذا لم أجن كنت مجن جان تقول: كان ينصران من لا ناصر له من القوم إذا خشي نبوة من نبوات الدهر يوماً فاستغاث بهما. وقولها (أخوا في الحرب من لا أخا له) فصلت فيه بين المضاف إليه والمضاف بالظرف، فلذلك حذفت النون من أخوان فهو كقوله: كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج ففصل بقوله (من إبغالهن بنا) . قولها (من لا أخا له) نوت الإضافة ثم أدخلت اللام تأكيداً للإضافة التي قصدتها، لذلك أثبتت الألف من لا أخا، لأن هذه الألف لا تثبت إلا في الإضافة إذ كان في الأفراد يقال اخ. وخبر لا محذوف كأنها قالت: لا أخا موجوداً وفي الدنيا. ولوقالت: لا أخ له، لكان له خبراً للا، على قولهم: لا أب لك، وإنما قلت أدخلت اللام لتوكيد الإضافة التي قصدتها، لأن الإضافة غير معتد بها هنا، فلا تعرف الأخ، واللام تبطل الإضافة في الأصل. وهذه اللام لا تدخل إلا في بابين: أحدهما باب النفي، وهو ما نحن فيه، والثاني باب النداء في مثل قولهم: يابوس للحرب، لأن المراد: يابوس الحرب. هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما وصفتهما بأنهما يكتسبان المجد ويستمتعان به أحسن استمتاع وأجمل اكتساب، وأنهما يضنان به حيث ظهر وطلع فلا يتركانه لأحد ماداما يستطيعان كسبه والفوز به. وانتصب (أحسن لبسة) على أنه مصدر. وارتفع (شحيحان) على أنه خبر مقدم،

стр. 739

والمبتدأ (كلاهما) ، و (ما اسطاعا) في موضع الظرف وإسم الزمان محذوف معه. واسطاع منقوص عن استطاع. وتقدير الكلام: كلاهما شحيحان به مااسطاعا عليه، أي ما قدروا عليه، ومعنى (يلبسان المجد) ، أي يتمليانه ويمتعان به. وقال: لبست أبي المجد أبي تمليت عيشه ... وبليت أعمامي وبليت خاليا شهابان منا أوقدا ثم أخمدا ... وكان سداً للمدلجين سناهما ارتفع (شهابان) على أنه مبتدأ، وجاز الأبتداء به لكونه موصوفاً بمنا، وأوقد في موضع الخبر، والمعنى: أنهما لم يمهلا للتمام والكمال، بل كانا كنارين أوقدتا ثم أنبعتا بالإخماد. والكلام توجع وتلهف. وقولها (وكان سداً للمدلجين سناهما) تريد نارهما الموقدة للضيفان وللطراق بالليل، وأنهم كانوا يستضيئون بها فيردون فناءه مستمسكين أرماقهم به، ومتخلصين من سلطان البرد والجوع وشقة السفر إليه. ولا يمتنع أن يرتفع شهابان على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هما شهابان. إذا الأرض المخوف بها الردى ... يخفض من جاشيهما منصلاهما تصفها بالصبر في دار الحفاظ، وأنهما إذا نزلا مكاناً مخوفاً لا يؤمن الردى فيه يسكن من قلقها سيفاهما. وهذا فيه إعلام بأنهما كانا لايعتمدان في الشدة تنزل بساحتهما على غيرهما، وأنهما كانا يتحملان الأثقال بأنفسهما، فلا صاحب لهما يتكل عليه، ولا معين يسكن إليه، إلا السيف. فهو كقول الآخر: ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا إذا استغنينا حب الجميع إليهما ... ولم ينأ عن نفع الصديق غناهما تقول: وإذا نالا الغنى وساعدها الحال حبب جماعة الحي والمتعلقين بحبلهما، فازداد توفرا عليهم، وتفقدا لهم، ولم يبعد غناهما من انتفاع الغرباء والأجانب، ومن يتسبب بود صداقة إليهما. فقولها (حب الجميع إليهما) مقصور

стр. 740

على النسب، وآخر البيت مصروف إلى الصديق الغريب. وساغ أن يراد بالجميع الحي كلهم لاجتماعهم حوله. والجميع والجمع: المجتمعون. والجماع: المتفرقون. قال: من بين جمع غير جماع إذا افتقرا لم يجثما خشية الردى ... ولم يخش رزءا منهما مولياهما تريد أنهما إذا مسهما الفقر، وضاق بهما الأمر، لم يلزما بيوتهما تاركين للغزو والتجوال في طلب المال، خوفاً من الهلاك، وميلاً إلى الراحة عن التسيار لكنهما يسعيان للاكتساب، ويتحملان من المشاق ما ينالان به مناهما، أو يقيمان به العذر عند من راعى أحوالهما. وقولها (ولم يخش رزءاً منهما مولياهما) تريد أنهما لا يستحملان موليهما عبثاً من فقرهما، ولم يضعا أنفسهما في موضع الارتزاء منهما، وجبر الحال بمالهما ويسارهما. وهذا كقول الآخر: أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه وقولها (لم يحثما) من جم الطائر. وهم يسمون من رضى بفقره وصار لبيته كبعض أحلاسه: الضايع والضجعى؛ لأن الضجعة خفض العيش. وإلى هذا المعنى يشير القائل في ذمة قوماً: أولئك معشر كبنات نعش ... ضواجع لا تسير مع النجوم يروى: (رواكد) . وانتصب خشية الردى على أنه مفعول له. وقولها (مولياهما) ليس يراد به التثنية، بل المراد به الكثرة. وعلى ذلك. وعلى ذلك قولهم: لبيك وسعديك. لقد ساءني أن عنست زوجتاهما ... وأن عريت بعد الوجى فرساهما ولن يلبث العرشان يستل منهما ... خيار الأواسي أن يميل غماهما
следующие страницы →