Полный текст (1 295 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وقوله (أن لست) أن مخففة من الثقيلة، واسمه يجوز أن يكون ضمير الرجل، أراد أني لست، ويجوز أن يكون ضمير الأمر والشان. و (ماعشت) في موضع الظرف. و (لاقيا) خبر ليس. و (اذ اتى) ظرف له. والأوصال: جمع وصل، وهو اسم للأعضاء المتصل بعضها ببعض. ويقال: وصل ووصل، بالفتح والكسر.
وكنت أرى كالموت من بين ليلة ... فكيف ببين كان ميعاده الحشر
وهون وجدي أنني سوف أغتدي ... على اثره يوماً وان نفس العمر
قوله (كالموت) جعل الكاف وحده اسماً. وكان أبو العباس يتبع أبا الحسن الأخفش في جواز وقوعه اسماً في غير الضرورة، وأنشد:
أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يهلك فيه الزيت والفتل
وبجعل الكاف في موضع فاعل ينهى. وسيبويه لايرى ذلك الا في الضرورة، كأنه قال: وكنت أرى شيئاً أو أمراً مثل الموت.
وقوله (من بين ليلة) من دخل للتبيين، والمعنى: كنت أعد مفارقت له في ليلة كالموت، أو قاسى مثل الموت من أجل مفارقة ليلة منه، فكيف يكون حالي وقد فرق بيني وبينه بين موعد الالتقاء بعده يوم القيامة. ومثل قوله (من بين ليلة) قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) . ولك أن تجعل من بين، في موضع المفعول لأرى، وتجعل من زائدة على طريقة الأخفش في جواز دخوله زيادةً في الواجب، فيكون التقدير: كنت أرى بين ليلة، أي فراق ليلة، كالموت. فيكون كالموت في موضع المفعول الثاني. وقوله (كان ميعاده) وضع الماضي موضع المستقبل أي يكون ميعاده، والهاء يرجع الى البين، كأنه وعده الزوال والالتقاء معه من بعده في يوم الحشر.
وقوله (وهون وجدي أنني) موضع رفع، لأنه فاعل هون والمعنى: خفف وجدي وقلقي أنني ذاهب في إثره، ومخل مكاني في الدنيا بعده يوماً، وإن أطيل عمري، ونفس في أجلي.
стр. 737
فتى كان يعطي السيف في الروع حقه ... إذا ثوب الداعي وتشقى به الجزر
فتى كان يدينه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
يريد أن المرثي كان إذا حضر الوغى تصور السيف عليه حقاً، فجاهد نفسه في توفير ذلك الحق عليه إذا أعاد الداعي وكرر: يال فلان!! مراراً. والتثويب في الآذان معروف. وقوله (وتشقى به الجزر) يريد وقت نزول الأضياف، وأنه كان لا يرضيه أقرب المنازل في نزل الضيف، بل كان يرتقى إلى أعلاها.
وهذا المعنى قد مضى قريباً، وكذلك البيت الثاني قد مضى مثله. ومعنى يدينه الغنى من صديقه أنه كان يعد التفرد بالغنى لؤماً، وكان يشرك أصدقائه فيه، كما يعد في حال الإضافة والفقر ملابسة الأصدقاء كالتعرض لخيرهم، فيبتعد عنهم.
وقالت عمرة الخثعمية، ترثي ابنيها
لقد زعموا أني جزعت عليهما ... وهل جزع أن قلت: وا بأباهما
الزعم يستعمل كثيراً فيما لا حقيقة له، لذلك قالت فيما حكمت عن القوم: زعموا. كأنها لما استشرف الناس جزعها وهلعها، فتذاكروا أمرها فيما بينهم أظهرت الانكار والتكذيب فيما توهموه، فقالت: وهل جزع أن قلت وأباباهما، من التوجع لهما على قدر القائل: وأباباهما. ولفظة (وا) تألم وتشك، وهي حرف للندبة. و (بأباهما) أرادت: بأبي هما، ففر من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت ألفاً. على ذلك قولهم: باداة وناصاة، في بادية وناصية. وقولها (وهل جزع) ارتفع جزع على أنه خبر مقدم، (وأن قلت) في موضع المبتدأ، وبأبا خبره. هذا على طريقة سيبويه، وعلى مذهب الأخفش يرتفع بالظرف. ورواه بعضهم: (بأناهما) ، أي أفديهما بنفسي وأنا هو ضمير المرفوع، وقد وقع موقع المجرور، وكقولهم: هو كأنا، وأنا كهو.
стр. 738
هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوماً نبوة فدعاهما
ألمت في هذا بقوله:
إذا لم أجن كنت مجن جان
تقول: كان ينصران من لا ناصر له من القوم إذا خشي نبوة من نبوات الدهر يوماً فاستغاث بهما. وقولها (أخوا في الحرب من لا أخا له) فصلت فيه بين المضاف إليه والمضاف بالظرف، فلذلك حذفت النون من أخوان فهو كقوله:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج
ففصل بقوله (من إبغالهن بنا) . قولها (من لا أخا له) نوت الإضافة ثم أدخلت اللام تأكيداً للإضافة التي قصدتها، لذلك أثبتت الألف من لا أخا، لأن هذه الألف لا تثبت إلا في الإضافة إذ كان في الأفراد يقال اخ. وخبر لا محذوف كأنها قالت: لا أخا موجوداً وفي الدنيا. ولوقالت: لا أخ له، لكان له خبراً للا، على قولهم: لا أب لك، وإنما قلت أدخلت اللام لتوكيد الإضافة التي قصدتها، لأن الإضافة غير معتد بها هنا، فلا تعرف الأخ، واللام تبطل الإضافة في الأصل. وهذه اللام لا تدخل إلا في بابين: أحدهما باب النفي، وهو ما نحن فيه، والثاني باب النداء في مثل قولهم: يابوس للحرب، لأن المراد: يابوس الحرب.
هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما
وصفتهما بأنهما يكتسبان المجد ويستمتعان به أحسن استمتاع وأجمل اكتساب، وأنهما يضنان به حيث ظهر وطلع فلا يتركانه لأحد ماداما يستطيعان كسبه والفوز به. وانتصب (أحسن لبسة) على أنه مصدر. وارتفع (شحيحان) على أنه خبر مقدم،
стр. 739
والمبتدأ (كلاهما) ، و (ما اسطاعا) في موضع الظرف وإسم الزمان محذوف معه. واسطاع منقوص عن استطاع. وتقدير الكلام: كلاهما شحيحان به مااسطاعا عليه، أي ما قدروا عليه، ومعنى (يلبسان المجد) ، أي يتمليانه ويمتعان به. وقال:
لبست أبي المجد أبي تمليت عيشه ... وبليت أعمامي وبليت خاليا
شهابان منا أوقدا ثم أخمدا ... وكان سداً للمدلجين سناهما
ارتفع (شهابان) على أنه مبتدأ، وجاز الأبتداء به لكونه موصوفاً بمنا، وأوقد في موضع الخبر، والمعنى: أنهما لم يمهلا للتمام والكمال، بل كانا كنارين أوقدتا ثم أنبعتا بالإخماد. والكلام توجع وتلهف. وقولها (وكان سداً للمدلجين سناهما) تريد نارهما الموقدة للضيفان وللطراق بالليل، وأنهم كانوا يستضيئون بها فيردون فناءه مستمسكين أرماقهم به، ومتخلصين من سلطان البرد والجوع وشقة السفر إليه. ولا يمتنع أن يرتفع شهابان على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هما شهابان.
إذا الأرض المخوف بها الردى ... يخفض من جاشيهما منصلاهما
تصفها بالصبر في دار الحفاظ، وأنهما إذا نزلا مكاناً مخوفاً لا يؤمن الردى فيه يسكن من قلقها سيفاهما. وهذا فيه إعلام بأنهما كانا لايعتمدان في الشدة تنزل بساحتهما على غيرهما، وأنهما كانا يتحملان الأثقال بأنفسهما، فلا صاحب لهما يتكل عليه، ولا معين يسكن إليه، إلا السيف. فهو كقول الآخر:
ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
إذا استغنينا حب الجميع إليهما ... ولم ينأ عن نفع الصديق غناهما
تقول: وإذا نالا الغنى وساعدها الحال حبب جماعة الحي والمتعلقين بحبلهما، فازداد توفرا عليهم، وتفقدا لهم، ولم يبعد غناهما من انتفاع الغرباء والأجانب، ومن يتسبب بود صداقة إليهما. فقولها (حب الجميع إليهما) مقصور
стр. 740
على النسب، وآخر البيت مصروف إلى الصديق الغريب. وساغ أن يراد بالجميع الحي كلهم لاجتماعهم حوله. والجميع والجمع: المجتمعون. والجماع: المتفرقون. قال:
من بين جمع غير جماع
إذا افتقرا لم يجثما خشية الردى ... ولم يخش رزءا منهما مولياهما
تريد أنهما إذا مسهما الفقر، وضاق بهما الأمر، لم يلزما بيوتهما تاركين للغزو والتجوال في طلب المال، خوفاً من الهلاك، وميلاً إلى الراحة عن التسيار لكنهما يسعيان للاكتساب، ويتحملان من المشاق ما ينالان به مناهما، أو يقيمان به العذر عند من راعى أحوالهما. وقولها (ولم يخش رزءاً منهما مولياهما) تريد أنهما لا يستحملان موليهما عبثاً من فقرهما، ولم يضعا أنفسهما في موضع الارتزاء منهما، وجبر الحال بمالهما ويسارهما. وهذا كقول الآخر:
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه
وقولها (لم يحثما) من جم الطائر. وهم يسمون من رضى بفقره وصار لبيته كبعض أحلاسه: الضايع والضجعى؛ لأن الضجعة خفض العيش. وإلى هذا المعنى يشير القائل في ذمة قوماً:
أولئك معشر كبنات نعش ... ضواجع لا تسير مع النجوم
يروى: (رواكد) . وانتصب خشية الردى على أنه مفعول له. وقولها (مولياهما) ليس يراد به التثنية، بل المراد به الكثرة. وعلى ذلك. وعلى ذلك قولهم: لبيك وسعديك.
لقد ساءني أن عنست زوجتاهما ... وأن عريت بعد الوجى فرساهما
ولن يلبث العرشان يستل منهما ... خيار الأواسي أن يميل غماهما
стр. 741
يقال: عنست المرأة وعنست بالتشديد، إذا قعدت بعد بلوغ النكاح أعواماً لا تنكح. ويستعمل في الرجل أيضاً. قال:
حتى أنت أشمط عانس
كأنهما كانا تزوجا بامرأتين ولم يحولاهما، ولما اتفق عليهما ما اتفق بقيتا على حالهما زهداً في النكاح بعدهما، وعلماً بألا اعتياض منهما. فتقول: زاد ذلك في مساءتي، وزاد فيها أيضاً تعرية من الإسراج والإلجام، بعد أن كانا يستعملان على ما يعترض لهما من الحفي في غزو الأعداء وغيره. وإنما ساءها ما حصل من الأمنة في الجوانب التي كانا يقصدان ويوقعان بها بعد الرقبة الشديدة، وما علم أنهم وجدوه ولزموه من الشماتة وإظهار الفرح والمسرة.
وقولها: (لن يلبث العرشان) جعلت لكل واحد عرشاً به كان يثبت ويقوم، فيقول: العرش إنما بقاؤه بعمده، فإذا انتزع خيارها منه فلن يلبث أن يميل سقفه فيسقط. وهذا مثل ضربته لعز ذويهما، وإذ قد مضيا فيوشك أن يتثلم وينخفض. والأواسي: جمع آسية، وهي الأساطين. والغماء، بكسر العين والمد: سقف البيت. والغما بالفتح والقصر لغة.
وقال الآخر:
صلى الإله على صفي مدرك ... يوم الحساب ومجمع الأشهاد
نعم الفتى زعم الرفيق وجاره ... وإذا تصبصب آخر الأزواد
يروى: (ومجمع الأشهاد) تجره وتعطفه على الحساب، ويكون مجمع في معنى جمع. ويروى (ومجمع) بالنصب، ويكون ظرف مكان ومعطوفاً على يوم الحساب. والصلاة من الله تعالى: الرحمة. والمراد: رحم الله مدركاً صفي في الود، رحمة تأتي من وراء ذنوبه، وتعفى على سوابق فرطاته يوم القيامة، إذا حضر الشهود ووضع الحساب على تحاكم الخصوم، وقام الجزاء من الثواب والعقاب على المطيعين والعصاة.
стр. 742
وقوله: (نعم الفتى) الممدوح محذوف، كأنه قال نعم الفتى مدرك. قال: وليست هذه الشهادة مني ومن جهتي، ولا من جملة مدحي، على عادة الناس في تأبين الهلاك، ولكنها مما أداه وكثره رفقاؤه في السفر، وجيرانه في الحضر؛ فهي حكاية ألسنتهم، ومؤادة قضيتهم. وقوله (وإذا تصبصب آخر الزواد) معنى تصبصب قرب من النفاد. يريد: ونعم الفتى هو في ذلك الوقت، لأنه يؤثر غيره بالطعم على نفسه. وتلخيص الكلام: نعم الفتى مدرك في المرافقة والمجاورة، وعند نفاد الزاد. والأشهاد: جمع الشهود. واكتفى زعم بالفاعل في اللفظ، لأن مفعوليه دل على الكلام عليهما:
وإذا الركاب تروحت ثم اغتدت ... حتى المقيل فلم تعج لحياد
يريد: ونعم الفتى هو إذا وصلت الركاب السير باسرى، فلم تعطف لا محراف وازورار، ولم تعرج لإصلاح شأن، لكنها استمرت وجدت لما أزعجهم وبعثهم على استدامة التشمير، وتعجيل الحركة وترك التقصير، وطي المنازل، واستقصار المراحل. ومعنى تروحت راحت. والرواح: العشي. وراحت الأبل رواحاً. والإراحة: رد الإبل عشياً من المرعى. يقال: سرحتها بالغداة وأرحتها بالعشى. ومعنى اغتدت حتى المقيل: سارت غدواً إلى وقت القيلولة. أي كان في هذه الحالة يأتي بما يستحق به المدح من أصحابه ورفقائه، لكرم صحابته، وحسن رفاقته. ومعنى (لم تعج) لم تعطف. يقال: عاج عوجا وعياجا. والحياد: الإعراض عن السير للنزول. والفعل منه حاد.
ويقال: مالك عن هذا محيد وحيدان وحياد.
حثوا الركاب تؤوبها أنضاؤها ... فزها الركاب مغنيان وحاد
لما رأوهم لم يحسوا مدركاً ... وضعوا أناملهم على الأكباد
وصف وراد فنائه بعد فنائه، وزاور قبره طلباً لحبائه، فيقول: استعجلوا رواخلهم وحضوها على قصده والوصول إلى بابه، ومهازيلها التي قد أثر بعد الشقة فيها فأنضاها، تؤوب إليها إذا نزلت، أي تسير النهار كله حت يتصل سيرها بالليل،
стр. 743
طلباً للتلاحق معها، فاستخفها ونشطها مغنيان بالحداء، وسائق يحدوها حتو وصلوا، فلما رأوا أنفسهم قد فقدت مدركاً، يعني المرثى، أمسكوا على أكبادهم خوفاً من تصدعها، إذ لو أدركوا حياً لم يكن بينهم وبين الغنى إلا مالا يعد حاجزاً ولا مانعاً.
إن قيل: لم جاز لما رأوهم، والفاعلون هم المفعولون، وأنت لا تقول ضربتني ولا ضربتك، بل تأتي بدل ضمير المنصوب بالنفس، تقول: ضربت نفسي وضربتنفسك؟ قلت: إن أفعال الشك واليقين جوز فيها ذلك. تقول: حسبتني ورأيتك وعلمتني، لمخالفتها سائر الأفعال في دخولها على المبتدأ والخبر. وقوله (تؤوبها أنضاؤها) في موضع الحال من الركاب.
وقال الشماخ
في عمر بن الخطاب ﵁:
جزى الله خيراً من أمير وباركت ... يدالله في ذاك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
يقول: جزاه الله عن الرعية خيراً من بين الأمراء، وباركتنعمة الله - تعالى جده وإحسانه - في أديمه الممزق، يعني جلد عمر ﵁، ومنه برك البعير بروكاً. وبراكاء القتال: حيث يبتركون، أي يبحثون، على ركبهم. وقوله (فمن يسع) يريد أن شأوه في الإيالة واستصلاح الرعية وتفقد مصالحهم لا يدرك، فمن أراد بلوغه والارتقاء إلى غايته بقي حسيراً مسبوقاً ولوركب جناح النعامة. يريد: لو أسرع إسراعها. وقوله (بالأمس) ذكره على طريق تقريب الأمد. وقوله (يسبق) هو جواب الجزاء.
стр. 744
قضيت أموراً ثم غادرت بعدها ... بوائج في أكمامها لم تفتق
يقول: أحكمت أموراً بصائب نظرك، وجميل رأيك، وحسن تألهك ثم أعجلت فتركت بعدها دواهي وخطوباً عظيمة، هي في أغطيتها لم تظهر ولم يكشف عنها. والفتق: ضد الرتق، وكل متصل مستو رتق، فإذا انفصل وانكشففهو فتق. والبوائج: الدواهي العامة. ويقال: باجهم الشر، أي عمهم. قال الشاعر:
فبجته وأهله بشر
والأكمام: الأغطية، منه كم الثمرة. ويقال: لكل شجرة مثمرة كم وهو برعومتها.
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاه بأسواق
قوله (أبعد قتيل) لفظه استفهام، ومعناه التفظيع والإنكار. وحرف الاستفهام يطلب الفعل، فكأنه قال: أتهتز العضاه على أسؤقها بعد قتيل بالمدينة أظلمت له الأرض. هذا عجب.
وقوله (أظلمت له الأرض) من صفة قتيل. والمعنى أن حصول هذا الأمروجريانه على ماكان منكر فظيع، بعد ما اتفق على قتيل هذا صفته. والعضاه: شجر، واحدتها عضة. قال:
ومن عضة ما ينبتن شكيرها
وقد مضى القول في مثل هذا البيت. ويشبهه قول الآخر:
أيا شجر الخابور ما لك مورقاً ... كانك لم تخزن على ابن طريف
تظل الحصان البكريلقى جنينها ... نثا خبرها فوق المطى معلق
وماكنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفى سبنتي أزرق العين مطرق
стр. 745
الحصان: العفيفة وقد أحصنت وحصنت. والبكر: التي حملت أول حملها، فهي بكر والولد بكر. والنثا، استعمل في الخير والشر. يقال: نثوت الكلام أنثوه نثواً، إذا أظهرته. فيقول: ترى الحامل يسقط حملها ما ينثى من خبر سار به الركبان، وتقاذفته الأقطار، استفظاعاً لوقوعه، واستشعاراً لكل بلاء وخوف منه.
وقوله (وما كنت أخشى) يقول: إن ةإن لم آمن الحدثان عليه، وصرت أرقب جميع أسباب الردى فيه حتى ظنت ظنون المشفقات، مستدفعاً للآفات عنه، فإنه لم يخطر ببالي أن يكون في جلالته وارتفاع محله يرديه عبد جسور لئيم جريء، أزرق العين، مسترخي الأجفان. وإنما حلى قاتله بهذه الحلية تنبيهاً على حقارته في نفسه وجنسه، وذما لأصله وفرعه، وإعلاماً بأن الصغير من الرجال يجنى الكبير من الأمور، وأن ما لايقع في الوهم استبعاداً لكونه، يشاهده الإنسان أقرب من كل قريب، ثم لا يملك إلا استغرابه وقضاء العجب منه والتزام الجزع فيه، والسبنتي والسبندي، أصله في النمر، ويستعمل في الجريء المقدم. وقال الدريدي؛ المطرق: الغليظ الجفن الثقيلة.
وقال صخر بن عمرو أخو الخنساء
وقالوا ألا تهجو فوارس هاشم ... ومالي وإهداء الخنا ثم ماليا
أبى الهجر أنى قد أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
يريد: قال الناس باعثين لي على هجاء من أصابني في أخ معاوية ونحت أثنتهم، وذكر أعراضهم: ألا تنتقم منهم بالقول إلى أن يتسهل الفعل فتذكر معايبهم، وتكشف عن مستور مخازبهم، ومجهول مقابحهم ومساويهم؟ فأجبتهم وقلت: مالي وذكر القبيح وإهداء الفواحش ثم مالي؟ أما تعلمون أن ما بيني وبينهم أقذع من
стр. 746
الهجاء، وأن جزاء من أصاب كريمتي أفضع من الإهجار، وأنه ليس قول القبيح وتنقص الناس من عادتي وطبيعتي، إذ كنت أرباً بقدري عن الوقوف موقف المغتابين والطاعنين في الأنساب والأعراض. وقوله (ومالي وإهداء الخنا) انتصب إهداء بفعل مضمر، وتكريره لمالي دلالة على استقباحه لما بعث عليه، ودعى إليه. والخنا هو الفحش، كأنه قال: مالي ألابس الخنا وأتكلفه. وقوله (أصابوا كريمتي) فالكريمة أخرج إخراج المصادر، وعلى ذلك ماروى على النبي ﷺ (إذا أتا كم كريمة قوم فأكرموه) .
ويجوز أن تكون الهاء للمبالغة. وقوله (وأن ليس إهداء الخنا) أن مخففة من الثقيلة، واسمه مضمر، والجملة التي بعده في موضع الخبر، وموضع أن رفع بكونه معطوفاً على أنى قد أصابوا، وأنى فاعل أبي الهجر.
إذا ماامرو أهدى لميت تحية ... فحياك رب الناس عني معاوياً
لنعم الفتى أدى ابن صرمة بزه ... إذا راح فحل الشول أحدب عارياً
يقول: اذا رجل حيا ميتا فتولى الله تعالى عني تحيتك يا معاوية. والتحية من الله تعالى: الاكرام والاحسان، والتفضل عليه بما هو أهله.
وقوله (لنعم الفتى) المحمود بهذا الكلام محذوف، كأنه قال: لنعم الفتى الذي ذا صفته. وقوله (ادى ابن صرمة بزه) اراد سلاحه وسلبه. وقوله (اذا راح) ظرف لما دل عليه نعم الفتى. أي يحمد في هذا الوقت اذا اشتد الزمان وأجدبت الأرض، وانصرف فحل الشول من مرعاه عارياً من اللحم مهزولاً، لكثرة أفضاله، وحسن تفقده واتصال بره بمن يجمعه اليه نسب أو سبب. والشول: النوق القليلة الألبان، واحدتها شائلة. وابن صرمة المذكور يجوز أن يكون القاتل لمعاوية أو المعين عليه.
وطيب نفسي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل عليه بماليا
وذي اخوة قطعت أقران بينهم ... كما تركوني واحداً لا أخاليا
стр. 747
تسلى فيما أوجعه من الرزء بأن لم يكن جفاه وهو حي قولاً ولا فعلاً، ثم تسلى أيضاً بأنه كما فرق بينه وبين اخوته وترك فريداً وحيدا، قد تولى مثل ذلك من معاديه، فرب اخوة متناصرين صارت كلمتهم واحدةً، وأهواؤهم متفقة، وهم في تألفهم وتشابههم، وتلاؤمهم وترافدهم، كالحلقة المفرغة لايدرى أين رأسهم، أنا قطعت علائق بينهم، ووصل نظامهم، فتفرقوا وتفاقدوا حتى صاروا في التشتت مثلا، كما كانوا في التجمع مثلا. وهذا بازاء ما فعل بي، وفي مقابلة مانيل مني. والدهر تارات، و (ومن ير يوماً يرى به) . وقد مر القول في قوله (لاأخاليا) . وانتصب (واحداً) على الحال من تركوني، ولا أخالياصفة له، كأنه قال: تركوني وحيداً فريداً. وقوله (أقران بينهم) أي وصل بينهم. وأصل الأقران الحبال، والواحد قرن. يريد: إني قطعت الأسباب الجامعة بينهم بقتلهم وتفريقهم. و (بين) جعله اسماً. وفي القرآن: لقد تقطع بينكم.
وقالت أخت المقصص
ياطول يرمي بالقليب فلم تكد ... شمس الظهيرة تتقي بحجاب
ومر جم عنك الظنون رأيته ... ورآك قبل تأمل المرتاب
قول (ياطول يومي) لفظه نداء، ومعناه تعجب واشتكاء، وإنما استطاله لأنه كان يوم نحس ومكروه. فيقول: يومي بالقليل امتد وطال حتى كادت الشمس لا
стр. 748
تحتجب عن الأبصار بحجابها المعلوم؛ فيا له من يوم ما أطوله. والقليب: موضع. وأضاف الشمس إلى الظهيرة كأنه لما قام قائم الظهيرة وقفت حيرى فلم تكن تجنح إلى المغيب، ولا كانت تسير فتهوى للغروب.
وقوله (ومرجم عنك الظنون) وصفه بأن الآفاق على بعدها كانت قريبة عليه لما أيد به من العزم وتسهل له وفي نفسه من وعورة السير، فيقول: رب مكاشح لك كان على تنائيه عنك، وتحزمه معك، واستظهاره بإبعاد الدار منك، يرجم الظن فيك، ويوسوسإليه ما يعرفه من إبعادك في الغزو، وقلة احتفالك فيما تركبه بلواحق التعب، وعوارض الخطر - أنك تقصد وتوقع به آمن ماكان منك، وهو فيه وسواسه لم يحدث نفسه بتأمل ما وقع في خلده، ولا بالكشف عما ارتاب له، إذ أنت أتيته من حيث لا يحتسبه، واستبحت حريمه، واتسغنمت. وقوله (قبل تأمل المرتاب) يجوز أن يريد به قبل تأمله، فيكون المرتاب هو المرجم المكاشح. ويجوز أن يكون جعله مثلاً.
وقد ألم بهذا المعنى أبو تمام في قوله:
أسرت لك الآفاق عزمة همة ... جبلت على أن المسير مقام
فأفأت أدماً كالهضاب وجاملاً ... قد عدنا مثل علائف المقصاب
لكم المقصص لا لنا إن أنتم ... لم تأتكم خيل ذوو أحساب
يقول: غزوته فجعلت ماله فيئاً وغنيمةً: نوقاً كالجبال سماناً، وذكورةً عظاماً ضخاماً، عدنا كالتي يسمنها الجزار للنحر.
وقوله: (لكم المقصص لا لنا) يقول: إن لم تأتكم خيل إذا طلبوا الثأر طلبوه عن إمتعاض وشدة أنفة، وجد في الأمر واجتهاد، فعل الحسيب الكريم الذي لا يغمض عن قذى، ولا يصبر فيما يحق له على أذى، فأنتم أولياء دمه من دوننا، والمالكون له سوانا. وقد تركنا لكم، وفزتم بما أصبتموه، واستمرأتم ما طعمتموه.
стр. 749
وقوله (أفأت) من الفيء: الغنيمة، لا من الفيء الرجوع. والجامل موحد اللفظ مصوغ للجمع، ويراد به الإبل، لكنه مشتق من لفظ الجمل كالباقر من البقر. والعلائف: جمع العلوف، وهو ما يسمن في البيوت. ويقال: شاة معلفة، أي مسمنة. والمقصاب، بناه بناء مايكون آلة، فهو كالمفتاح، لا بناء ما يكون الحرفة والمزوالة. والواجب أن يكون (القصاب) ، وهو من القصب: القطع والفصل، لأنه يقصب الشاة أي يقطعها.
وأبو اليتامى ينبتون ببابه ... نبت الفراخ بمكلىء معشاب
فكه إلى جنب الخوان إذا غدت ... نكباء تقلع ثابت الأطناب
قوله (وأبة اليتامى) أي كان يكفلهم ويعولهم، ويشفق عليهم ويتحدب، حتى كأنه ابوهم. وارتفع (أو) كأنه خبر ابتداء محذوف كأنها قالت: وهو لليتامى أب. ومعنى (ينبتون ببابه) يروى (فناءه) ، وانتصابه على أنه أخرجه الى باب الظروف، كما فعل ذلك بمقعد القابلة، ومناط تاثريا وما أشبههما. والمعنى أنهم يتربون في فنائه ويتنعمون، تري فراخ الطير بمكان كثير العشب والكلأ. ويقال: أكلأ الموضع، اذا صار ذا كلإ وعشب. والمعشاب: الكثير العشب.
وقوله (فكه الى جنب الخوان) فالفكه: الكثير المزاح واللعب، تأنيساً للضيف وبسطاً منه، كما قال الآخر:
أحدثه إن الحديث من القرى
وقوله (اذا غدت) ظرف للفكه. يريد: يفاكه الضيف عند الأكل بملح الكلام، كي يستأنس ويتسع الوقت له فيستوفى. والى من قوله (إلى جنب الخوان) تعلق بفعل مضمر دل عليه فكه، كانه مع قرب الخوان يفكه. و (اذا غدت نكباء) يريد البرد وهبوب الريح الباردة المزعزعة للبيوت، القالعة لأوتادها وحبالها. وأطناب البيوت: حبالها. ومنه إطنابة الحزم والقسى. والجميع الأطانيب.
стр. 750
قال:
يركضن قد قلقت عقد الأطانيب
وقالت عمرة بنت مرداس ترثي أخاها عباساً
أعيني لم أختلكما بخيانة ... أبى الدهروالأيام أن تتصبرا
وما كنت أخشى أن أكون كأنني ... بعير اذا ينعى أخي تحسرا
ترى الخصم زوراً عن أخى مهابةً ... وليس الجليس عن أخى تحسرا
ترى الخصم زوراً عن أخى مهابةً ... وليس الجليس عن أخى بأزورا
تقول: يا عيني لاأقول إنكما لم تجزعا ولم تذرفا، ولم تخلطا بدمع دماً، فاكون قد خدعتكما بخيانة استعملتها معكما. وكيف لا تكونان كذلك والأيام والليالي امتنعت عليكما أن تتصبرافيها، اذ كانت حملتكما من أعباء الرزية ما استنفد وسعكما، واستغرق طوقكما، حتى نزفت دموعكما، وتوقفت عن الإجابة شؤونكما، فما بقي منكما إلا شفاً.
وقولها: (وما كنت أخشى) يقول: كنت قبل هذه الرزيئة واثقاً بقوتي وصبري، ومسكتي وعقلي، حتى لا أخشى - اذا أخطرت ببالي أحداث الدهر وتأثيرها في الأحبة والأهل - سوء احتمال فيها، وضعف منة عنها، إلى أن نعى أخى فورد له على نفسي ما أبدلني بالتماسك تهالكا، وبالتثبت تساقطا، حتى صرت كأني بعير ألح عليه فتحسر ورزح، وعقل في مبركه بالعجز فما برح.
وقولها (ترى الخصم زوراً) جعلت الخصم للجمع فلذلك قالت زوراً. والمصدر اذا وصف به بقي على حاله فلم يثن ولم يجمع. وقد قيل: خصمان وخصوم، لما غلبت عليه الوصفية وكثر في الاستعمال أجرى عليه حكم الصفة. والمعنى: ترى منابذي أخي منحرفين عنه وعن كل متصل به، مسلمين له ولمن اعلق حبله بحبله، إعظاماً له وتهيباً، وإكباراً وتخوفاً. وترى جلساءه وندماءه مباسطين له ومستأنسين به، لايتداخلهم منه رعب، ولا يقبضهم عنه تجبر وكبر. والختل:
стр. 751
المكر. وقال الخليل: هو تخادع عن غفلة. وإنما قال الدهر والأيام، لأنه أراد بالأيام الأحداث. وهذا كما قيل للوقعات: الأيام. وإنما صغرت الأخ لتلطيف المحل. هذا على قولهم صديقي. والتحسر: الضعف عن الاعياء. ويقال: الحسر والحسور أيضاً. وحسرت الناقة فهي حسير والجمع الحسرى. ولك أن تروى: (أختي) وهو الأصل، و (أخي) فتحذف ياءً استثقالاً لاجتماع الياءات، وتبنيه على الفتح لأنه أخف الحركات. وانتصب (مهابة) لأنه مفعول له.
وقالت ريطة بنت عاصم
وقفت فأبكتني بدار عشيرتي ... علىرزئهن الباكيات الحواسر
غدوا كسيوف الهند وراد حومة ... من الموت أعيا وردهن المصادر
فوارس حاموا عن حريم وحافظوا ... بدار المنايا ز القنا متشاجر
ولو أن سلمى نالها مثل رزئنا ... لهدت ولكن تحمل الرزءعامر
تقول: دعاني ما أصبت به في عشيرتي إلى الوقوف بدارهم، فشجيت بشجى النساء النوادب الحواسر، حتى بكيت لبكائهن على حادث الرزء، واقتفرت آثارهن في الهلع والحزن.
وقولها (غدوا كسيوف الهند) أخذت تصف حال عشيرتها فقالت: ابتكروا وهم في خلقهم وتجردهم، وصفائهم ونفاذهم كسيوف الهند، فوردوا حومة من الموت أعجزهم الصدر عنها. والحومة: معظم الحرب وغيرها. وحومة البحر: أكثر موضع منه ماء، وكذلك حومة الحوض. ويقال: حام الطائر على الماء يحوم حوماً، إذا دار عليه في الطيران.
وقولها (فوارس حاموا عن حريم) وصفتهم بأنهم حفظوا ما وجب عليهم حفظه من حرمهم. وفي المثل: (لا بقيا للحمية بعد الحرام) أي عند الحرمة، والحرمة: مالا يحل لك انتهاكه، وكذلك المحارم، واحدتها محرمة. قال:
ومحرمات هتكها بجري
стр. 752
ومن ذلك قيل: حريم الدار، لما كان من حقها.
وقولها (وحافظوا بدار المنايا) أي ثبتوا في دار الحفاظ، ودافعوا وصبروا، ولم ينتقلواعنها طلباً للسلامة، وحرصاً على نيل الخصب والأمنة. وفي هذه الطريق قول من الآخر:
وتحل في دار الحفاظ بيوتنا ... زمناً ويظعن غيرنا للأمرع
وقولها (والقنا متشاجر) الواو منه واو الحال. وأشار بذلك إلى قيام الحرب بينهم، وانتصاب الشر فيهم، وأن للطعن تلاحقاً كما أن للقنا في الأختلاف تداخلا.
وقولها (ولوأن سلمى) فسلمى: أحد جبلي طيء. والمعنى: لو أن ما نزل بنا من الرزء مثله نزل بهذا الجبل لانهد، ولكن الإنسان صبور شديد، يتحمل كل ما حمل؛ وإن ضوعف على وسعه وثقل. وعامر: قبيلتهم.
وقالت عاتكة بنت زيد بن نفيل
آليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي اغبرا
فلله عيناً من رأى مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الموت أحمرا
روى بعضهم أن علياً ﵇ استأذن عمر ﵁ في مكالمة عاتكة بنت زيد، وهي يومئذ زوجته، فقال عمر ﵁: لا غيره منك يا أبا الحسن! فقال علي ﵇ مازحاً: آنت القائلة:
آليت لا تنفك عيني قريرة ... عليك ولا ينفك جلدي أصفرا
فقالت: لم أقل كذا. وعاودت حزنها وجزعها. ومعنى (لا تنفك) لا تزال.
стр. 753
وقولها (فلله عينا) تعجب، وهي في تعظيم الشيء ينسبونه إلى الله ، وإن كانت الأشياء كلها له تعالى وفي ملكته.
وقولها (أكر) أي لأكثر كرا. و (أحمى) يجوز أن يكون من الحماية ويجوز أن يكون من الحمية. والمعنى: لله عينا رجل رأى فتى مثله أكر منه وأحمى. وقولها (من) نكرة يرتيد رجلاً أو إنساناً. و (رأى مثله) صفة لمن. وقولها (إذا أشرعت فيه الأسنة) ، تريد: في الهياج. ويجوز أن تريد في المرثى، أي قبله. والهياج يجوز أن يكون مصدر هائج، ويجوز أن يكون جمع هيج، والراد به الحرب وقد هاجت. فتريد: إذا هيئت الرماح لطعنه اقتحمها وتلقاها، لا يحيد عنها حتى يخوض الموت بها، فيتركه أحمر، أي شديداً.
ويقال: ميتة حمراء، وسنة حمراء، وسنون حمراوات. ويقولون: (الحسن أحمر) ، أي طلب الجمال تتجشم فيه المشاق.
وقالت امرأة من طيء
تأوب عيني نصبها واكتئابها ... ورجيت نفساً رث عنها إيابها
أعلل نفسي بالمرجم غيبة ... وكاذبتها حتى أبان كذابها
أصل التأوب والتأويب: سير النهار كله حتى يتصل بالليل. وقد فسر ابن الأعرابي قول النابغة:
وليس الذي يتلو النجوم بآيب
على أنه من هذا لا من الأوبة الرجوع. والنصب، من قولهم أنصبه المرض والحزن، إذا أثر فيه. قال:
تعناك نصب من أميمة منصب
وقال الدريدي: يقال نصبه أيضاً. والاكتئاب: الحزن. والمعنى أنه ناب عيني، وواظب عليها من السهر والكآبة والهم الناصب، ماأثر فيها، وعلقت رجائي بنفس غائبة عني قد استعجمت أخبارها علي، فأبطأ رجوعها إلي.
стр. 754
وقولها (أعلل نفسي بالمرجم غيبة) تريد: أزجى وقتي وأرضي نفسي بظن مرجوم وأمل مرجو، وحديث مؤلف، وتمن مزخرف فيما لا حقيقة يعتمد عليها، ولا أمارة يتأكد الطمع فيها. ويقال: رجم الرجل بالغيب، إذا تكلم بما لا يعلم.
وقولها (وكاذبتها حتى أبان كذابها) أي استعلمت ملفق الأحاديث ومموه الأباطيل معها، إلى أن برح الخفاء، وانكشف عن جلية الأمر الغطاء، وتعلى رغوة الكذب عن مصدوقة الخبر. والمكاذبة تكون من اثنين، كأنه كان يكذب نفسه فتقتربهوتزيد عليه.
فلهفي عليك ابن الأشد لبهمة ... أفز الكماة طعنها وضرابها
متى يدعه الداعي إليه فإنه ... سميع إذا الآذان صم جوانبها
هو الابيض الوضاح لو رميت به ... ضواح من الريان زالت هضابها
تتلهف على مافات عشيرتهمنه من حسن الدفاع، والثبات في وجه الشجاع الذي لا بدري كيف يدفع، وأنى يؤتى ويقدع، وقد طرد الشجعان وطرقهم ذعراً، شدة مطاعنته، وقوة مضاربته. وقال الخليل: أفزه: أفزعه. واستفزوه: أخرجوه من داره وخدعوه حتى ألقوه في الجهل. وفي القرآن: وإن كادور ليستفزوانك من الأرض ليخرجوك منها. والبهمة تقع على الواحد والجماعة، وهاهنا هي للواحد، بدلالة قولها (متى يدعه الداعي إليه) فلم تقل إليهم، فأما قولها (طعنها وضرابها) فالضمير جاء فيه على لفظ البهمة.
ومعنى (متى يدعه الداعي إليه) ، أنه إذا الداعي لمارزة هذه البهمة ومنازلته، فإنه كان يسمع ويجيب، في وقت تستك فيه المسامع لشدة الأمر، وإلباس الخوف. وجعل الصمم للجواب مجازاً، وإنما تصم الآذان عن السماع فينقطع الجواب.
وقولها (هو الابيض الوضاح) تريد خلوص النسب وزكاء المنصب، واشتهار الذكر في الأفق. وقولها (لورميت به ضواح) تريد نفاذه وحسن خروجه مما يدخل فيه وشدة صدمته للأمور، ولجاجه في إبرامها. فيقول: لو رميت بوارز هذا الجبل به لزعزعها، وهد جوانبها.
стр. 755
وقالت العوراء ابنه سبيع
أبكي لعبد الله إذ ... حشت قبيل الصبح ناره
طيان طاوى الكشح لا ... يرخي لمظلمة إزاره
يعصى البخيل إذا أرا ... د المجد مخلوعاً عذاره
تريد أنها إذا تذكرت حال المرثي فيما كان تجري أموره عليه، ويأخذ نفسه به، عاودها البكاء والنحيب. ومعنى (حشت ناره) ضم ما تفرق من الخطب إليها وأوقدت. وإنما تريد نار الضيافة. ومعنى (طيان) صغير البطن، مهضوم الجنبين، قليل الطعم. وقولها (طاوى الكشح) أي يمضى في الأمور لوجهه لا يعرج على شيء ولا ينثني. ويقال: انطوى كشحاً فيصير من باب تصبب عرقاً. قال:
أخ قد طوى كشحاً وأب ليذهبا
وقولها (لا يرخى لمظلمة إزاره) تريد أنه إذا نابته النوائب تجرد لها وفيها وهو مشمر الإزار، مقلص الذيل، فدواها بدوائها، ونهض فيها نهض المقتدرعليها، الفاصل لها.
وقولها (يعصى البخيل) تقول: وإذا أراد اكتساب المجد أهان ماله للفقراء والعفاة، وفي إصلاح أمر العشيرة، وعصى المشير عليه بالإمساك والبخل، فخلع ربقة طاعته، وعذار احتشامه.
وقالت عاتكة بنت زيد
من لنفس عادها أحزانها ... ولعين شفها طول السهد
جسد لفف في أكفانه ... رحمة الله على ذاك الجسد
فيه تفجيع لمولى غارم ... لم يدعه الله يمشي بسبد
стр. 756
قولها (من لنفسي) توجع وتشك واستغاثة. وعادها، أي اعتادها. قال:
عاد قلبي من اللطيفة عيد
والمعنى من يؤمن نفساً مما اعتادها من الأحزان، واجتمع عليها في رزئها من الأوصاب والآلام، ومن لعين آذان طول الأرق، ودوام السهر.
وقولها (جسد لفف في أكفانه) لفف بما بعده صفة للجسد، ورحمة الله بما بعده، اعتراض بين الأوصاف، لأن قولها (فيه تفجيع) صفة أيضاً. والكلام تحسر وتلهف. فتقول: رحم الله جسداً جهز بما يجهز به الموتى، وفجع به مواليه الذين كانوا يعيشون في فنائه، فإذا لحق أحدهم غرم وقد ضاقت حاله عن احتماله وشع له في جنابه، وأعانه على دهره بماله. وقولها: (لم يدعه الله يمشي بسبد) تريد أفقره فلم يبق له شيئاً. ويقال: (ماله سبد ولا لبد) ، فالسبد: الشعر، واللبد: الصوف.
وقالت امرأة من بني الحارث
فارس ما غادروه ملحماً ... غير زميل ولا نكس وكل
لو يشا طار به ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل
غير أن البأس منه شيمة ... وصروف الدهر تجري بالأجل
قولها: (فارس ما غادروه) ماصلة، والكلام فيه تفخيم لأمر المرثي وتعظيم لشأنه. تريد: تركوا فارساً رفيع المحل ملحماً، أي طعمة لعوافي السباع والطير. قال:
قد ألحمتني المنايا السبع والرحما
وقولها (غير زميل) فالزميل والزمال والزمل: الضعيف، كأنه زمل في العجز كما يزمل الرجل في الثوب. وقولها (ولا نكس وكل) فالنكس: المقصر عن غاية النجدة والكرامة، وأصله في السهام، وهو الذي انكسر فجعل أسفله أعلاه، فلا يزال ضعيفاً. والوكل: الجبان الذي يتكل على غيره فيضيع أمره.
стр. 757
وقولها (طار به ذر ميعة) حكى الحال، والمراد لو شاء أنجاه فرس له ذو نشاط. وقال الخليل: ميعة الحضر والنشاط: أولهما وجدتهما. وقولها (لا حق الآطال) تريد: ذامر الجنبين. نهد، أي غليظ، ذو خصل أي من الشعر.
وقولها: (غير أن البأس منه شيمة) تقول: ثبت ولم ير لنفسه الانقباض والإحجام، لأن الصبر في الشدة والبأس عادة منه وطبيعة، ولأن صروف الدهر تجري إلى النفوس بآجالها، ولكل حي وقت من يوم معلوم، فإذا انتهى العمر به إلى ذلك الوقت انقطع.
وقال جرير يرثي قيس بن ضرار
وباكية من نأى قيس وقد نأت ... بقيس نوى بين طويل بعادها
أظن انهمال الدمع ليس بمنته ... عن العين حت يضمحل سوادها
وحق لقيس أن يباح له الحمى ... وأن تعقر الوجناء إن خف زادها
قوله (وباكية من نأى قيس) ألم فيه بقول الآخر:
وكنت أرى كالموت من بين ليلة ... فكيف ببين كان ميعاده الحشر
فيقول: رب امرأة باكية لبعد قيس عن مقر عزه، ومسكن فخره، ونأى قيس الساعة لمنتوى بعده طويل. والنوى: وجهة القوم التي ينوونها، وهي مؤنثة. وأضاف النوى إلى البيتين - وهو الفراق - لأن الغرض في تلك النوى كان مفارقة الأحياء، والتنقل إلى دار القار، فالبين سببها ومقتضيها. وارتفع (بعادها) بطويل، والضمير منها يعود إلى النوى. والواو من قوله (وقد نأت) واو الحال.
وقوله (أظن انهمال الدمع) يريد أن أوقات البكاء متصلة، وآماد سيلان الدموع غير منقطعة، والعين وشؤونها لا تثبت لذلك ولا تقوى به، فلا شكأن سوادها يبطل. وذللك أن مسببات الأشياء إنما تقوى وتدوم بقوة أسبابها ومقتضياتها، فما دام سب البكاء - وهو الحزن والهلع - يملك الباكي ويقود زمامه، فالدمع سائل ذارف، وسواد العين مشف على البطول هالك.
стр. 758
وقوله (وحق لقيس أن يباح له الحمى) الأصل في الحمى الماء والكلأ، ولما كان العزيزمنهم يستبيح الأحمية ويحفظ حمى نفسه ويمنع منه كل أحد، وإذا قال أحميت هذا المكان، أي جعلته حمى، كان يتجنب ويتحامى إجلالاً وخوفاً منه - استعير من بعد للقلب وما يمتلك منه الحب أو الحزن أو غيرهما وما لا يمتلك منه، فيصير كأنه حمى العقل. فيقول: حق لقيس وللمصاب به أن يباح له من القلوب ما كان حمى، فلا ينزل به غم، ولا ولا يمتلكه سرور، أي حق للجزع به أن يبلغ من القلب حداً لم يبلغ منه شيء. وقد أخرجوا هذا المعنى في معارض لأنه صحيح حكيم الشريف، فقال كثير في الحب يصف إمرأة:
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلت تلاعاً لم تكن قبل حلت
يريد: بلغت من القلب هذا المبلغ.
وأخذه منه عبد الله بن الصمة القشيري، فقال:
فحلت محلاً لم يكن حل قبلها ... وهانت مراقيها لريا وذلت
وأخذه أبو نواس فقال:
مباحة ساحة القلوب له ... يرتع فيها أطالب الثمر
بصحن خد لم يغض ماؤه ... ولم يخضه أعين الناس
فنقل إلى الخد وغمض كما ترى.
وقال آخر يصف ناقة:
حمراء منها ضخمة المكان
يريد عظيمة المكان من القلب. ذكره الأصمعي. يريد أنها محببة. وقد قيل فيه غير هذا. وقوله: (وأن تعقر الوجناء أن خف زادها) كان الواحد منهم إذا مر بقبر رئيس وهو في صحبة أحب أن ينوب عن المقبور في الضيافة، فإذا لم يساعده من الطعام ما
стр. 759
يدعو الناس إليه عقر ناقته؛ إكراماً له. لذلك قال (وأن تعقر الوجناء إن خف زادها) . والوجناء: الناقة الصلبة، أخذ من الوجين، وهو الأرض الصلبة. فمن روى (أن خف زادها) بفتح الهمزة، فالمراد لأن خف زادها. ومن روى (إن خف) بكسر الهمزة فهي للشرط. وقد اعتذر بعضهم من ترك ذلك فقال:
لولا السفار وبعد خرق مهمة ... لتركتها تحبو على العرقوب
يعني ناقته.
وقد حكى ابن الأعرابي حكاية مليحة، قال: كان رجل يواصل امرأة فخرج في سفر له وعاد وقد استبدلت به، فأتاها لعادته، فقالت:
ألم تر أن الماء بدل حاضراً ... وأن شعاب القلب بعدك حلت. فأجابها:
فإن تك حلت فالشعاب كثيرة ... وقد نهلت منها قلوصي وعلت
تم باب المراثي بحسن توفيق الله وجميل صنعه، وله على تواتر نعمه، وتتابع أياديه، أجزل الحمد.
стр. 760
باب الأدب
قال مسكين الدارمي
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سر بعض غير أتى جماعها
قوله: (وفتيان صدق) أضاف الفتيان إلى الصدق، كما يقال فتيان خير. والمعنى أنهم يصدقون في الود ولا يخونون. وقال الخليل: يقال رجل سوء وإذا عرفت قلت الرجل السوء، ولم تضف، بل تحعله نعتاً. وتقول: عمل سوء وعمل السوء، وقول صدق وقول الصدق، ولا تقل الرجل الصدق، لأن الرجل ليس من الصدق.
فيقول: رب فتيان هكذا استناموا إلي واستودعوني أسرارهم، فكنت أنا نظامها لا يفوتني من خبيثات صدورهم شيء، ثم أردت كلاً منهم بالوفاء له، وكتمان ماأودعني من سره، ولا أطلع بعضهم على ما يستكتمني البعض الآخر، بل أصونه من الإذاعة، وأحفظه من النشر بالطي والصيانة. وذاك لأن حفظ السر يجري مجرى أداء الأمانات، فهو في الدين والدنيا مأخوذ به ومبعوث عليه. وقوله (جماعها) هو كما يقال نظام، لأن النظام اسم لما ينظم به الشيء فهو كالوثائق والرباط، وكذلك الجماع: اسم لما يجمع به الشيء. والضمير من جماعها يرجع إلى الفتيان، ويجوز أن يرجع إلى ما دل عليه الكلام من ذكر الأسرار. وانتصب (غير) على أنه استثناء منقطع.
لكل امرىء شعب من القلب فارغ ... وموضع نجوى لا يرام اطلاعها
стр. 761
يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
قوله (لكل امرىء) يريد لكل رجل منهم جانب من القلب، وشق قد فرغ له وخص بموضع سره ونجواه، لا يطلب الاطلاع عليه والكشف عنه، لما عرف من محافظتي ووفائي. والنجوى يجري على أحكام المصادر: الدعوى، والعدوى، وألفه للتأنيث، ويوصف به الأمر المكتوم. ويقال: نجوته فهو نجى. وقد وصف بالنجوى والنجى الواحد والجمع. وفي القرآن: خلصوا نجيا، وإذ هم نجوى، وما يكون من نجوى ثلاثة. ويقال: تناجوا وانتجوا. وقوله (يظلون شتى في البلاد) يريد أنهم يفارقونه فيتغيبون في أقطار الأرض، وسرهم مكتوم محصن، كأنه أودع صخرة أعجز الرجال صدعها، ويقال: شت الأمر شتاً وشتاتاً، وهو شتيت وشت، وهم أشتات وشتى. فأشتات جمع شت، وشتى: جمع شتيت. ويروى (أعيا الجبال اتضاعها) والمعنى أن هذه الصخرة لإشرافها وثبوتها في موضعها لو رام الجبال حطها لأعجزها ذلك. وقوله (إلى صخرة) أي مضموم إلى صخرة. فتعلق إلى بفعل مضمر دل عليه الكلام.
وقال يحيى بن زياد
لما رأيت الشيب لاح بياضه ... بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا
ولو خفت أني إن كنت كففت تحيتي ... تنكب عني رمت أن يتنكا
ولكن إذا ما حل كره فسامحت ... به النفس يوماً كان للكره أذهبب
قوله (لما رأيت الشيب) لما علم للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره. وجوابه (قلت للشيب مرحبا) . وكان الواجب أن يقول: قلت له مرحباً ولكنهم يكررون الأعلام وأسماء الأجناس كثيراً، والقصد بالتكرير التفخيم. والمعنى: لما وجدت الشيب اشتعل رأسي ببياضه، طيبت نفسي بطلوعه وقلت له: أتيت رحباً وسعةً. وقوله (مرحباً) انتصب على المصدر. ويقال: رحبت بلادك رحباً ورحابة.
стр. 762
وحكى رحبت بلادك بكسر الحاء ترحب رحباً. والرحبة والرحبة، واحد وهما ساحة المسجد.
في قوله (ولو خفت) يريد بخفت رجوت، وهم يضعون كل واحد من الرجاء والخوف موضع الآخر. ألا ترى قولع تعالى: إنهم كانوا لا يرجون حساباً، أي لا يخافون. وقول الآخر، وهو الهذلي: (يرجون لسعه) . يعني النحل. فيقول: لو رجوت أني إذا تكرهت الشيب وتسخطته، وكففت عن إظهار الرضا به والسرور لطلعته فارقني وانحرف عني، لرمت ذلك، ولكن إذا حل مايكرهه فطاوعت نفسه به، وتلقاه بالصبر عليه، كان ذلك أعون على زوال الكراهة فيه، وإلا اجتمع وجهان مما يشق نزوله به، واغتنامه له. وقوله (فسامحت به النفس) أي ساهلت. ومنه قيل: عود سمح أي لا ابن فيه. ومما يجري مجرى المثل: (إذا لم تجد عزا فسمح) أي لن وهن. وقوله (كان للكره أذهبا) كان الحكم أن يقول أشد إذهاباً، لأن الفعل منه ليس بثلاثي. ولكن على طريقة سيبويه يحىء أن يبنى فعل التعجب مما كان على أفعل أيضأ، وإن كان الباب على الثلاثي. ةقد يمكن أن يقال: إنما قال (أذهبا) على حذف الزوائد. ألا ترى قوله:
فإن وجدنا العرض أفقر ساعة ... إلى الصون من برد يمان مسهم
والفعل لم يجيء إلا افتقر، فكأنه نوى حذف الزوائد ورده إلى فة، وعليه جاء (فقير) وإن لم يستعمل الفعل.
وقوله (ولكن إذا) لكن جاء في هذا المكان لترك قصة إلى قصة، وهي إذا جاءت عاطفة كانت لاستدراك بعد النفي. وجواب (لو) في قوله: لو خفت (رمت أن يتنكبا) ، وجواب إذا من قوله (إذا ما حل كره) : (كان للكره أذهبا) . ويوماً انتصب على الظرف، والعامل فيه حل، واسم كان ما دل عليه قوله سامحت، كأنه قال: كان المسامحة أذهب للكره.
стр. 763
وقال المرار بن سعيد
إذا شئت يوماً أن تسود عشيره ... فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم
وللحلم خير فاعلمن مغبة ... من الجهل إلا أن تشمس من ظلم
جواب وقوله (إذا شئت) قوله فبا لحلم، والمعنى أن السيادة لها آلات، وإليها مراق ودرجات، فمن أتاها من وجهها ومأتاها تمت له؛ وذاك أن منها استعمال الحلم، وترك التعجل، وكظم الغيظ، وتسهيل الجانب، والاحتمال في النفس والمال والجاه، إلى غير ذلك مما يطول ذكره. فمن صبر في طلب الرياسة وحصول سيادة العشيرة، على هذه الخصال، فهو حقيق بإدراكها، فإن أخذ يخشن جانبه ويقطب وجهه، ويغلظ كلامه، ويوسع غيظه ويفظظ قلبه، ويعجل الطاعة له، نفرت العشيرة منه، وبانوا عنه. لذلك قال من قال:
فإن كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل
وقوله (وللحلم خير فاعلمن مغبة) انتصب على التمييز. قوله (فاعلمن) حشو. فإن قيل: كيف اختير هذا البيت بهذا الحشو، والمتكلم إذا استعمل في كلامه مع المخاطب أعلم وأسمع وما يجري مجراهما، عد ذلك منه عيا؟ قلت: إن هذه اللفظة في هذا المكان محتاج إليها في عمدة المعنى المقصود، وإن ما أشرت إليه إنما يكون زوائد وفضولاً لا يحتاج إليه، فإذا وصل المتكلم بها كلامه مستعيناً بها عد منه خطلاً وعيا، وهو في هذا الكان وصاه بالفكر فيما أورده والتبين له، وبمعرفة الحلم ووقته حتى يدري كيف يأخذ به. فقوله: فاعلمن، فاعرفن، ومفعوله محذوف، والمراد فاعلمن الحلم ومغبته، فأطلق. رجع فيما أشار به مطلقاً، واستثنى في كلامه فقال: إلا أن تنفر من ظلم يركبك، وهضيمة تنالك؛ فإن الجهل في ذلك الوقت أرجح في الاختيار من الحلم، إذ كان صدم الشر بالشر أقرب، ودفع الجهل بالجهل أحلم. ويقال: غبت الأمور، إذا صارت إلى أواخرها. وإن لهذا الأمر لمغبة محمودة، أي عاقبة. وقوله (تشمس) ، يقال إنه لذو شماس شديد، إذا كان عسراً. وشمس لي فلان إذا تنكر وهم بالشر.
стр. 764
؟
وقال عصام بن عبيد الله
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام
أدخلت قبلي قوما لم يكن لهم ... في الحق يدخلوا الأبواب قدامى
قوله (مغلغلة) أي رسالة يغلغلها إلى صاحبها. وهو من قولهم: تغلغل الماء، إذا دخل بين الأشجار، وغلغلته أنا. وقال الدريدي: الغلغلة: دخول الشيء في الشيء. وقال الخليل: الغلغلة: سرعة السير. يقال تغلغلوا ومضوا. ورسالة مغلغلة: محمولة من بلد إلى بلد. وقوله (وفي العتاب حياة بين أقوام) اعتراض، وقد مر القول في فائدة الاعتراضات. والمعنى أنهم ماداموا بتعاتبون فإن نياتهم تعاود الصلاح وتراجعه، وإذا ارتفع العتاب من بينهم انطوت صدورهم عن الإحن والضغائن، وظهر الشر على صفحات أقوالهم وأفعالهم، فاهتاجت الحميات، وأنتجت من سوء عقائدهم البليات. وفي طريقته قال أبو تمام:
إن الدم المغتر يحرسه الدم
وقال غيره: (القتل أقل للقتل) . فأما قول الله تعالى: ولكم في القصاص حياة فإن بلاغة القرآن لا تدانيها بلاغة، وكل كلام وإن علا ينحط دونه. والرسالة قوله: أدخلت قبللي يوماً. والمعنى أنك قدمت على في الإذن والدخول قوماً لم يكن من حقهم أن يتقدموا على إذا وردنا الأبواب، ولا بلغت من محالهم ورتبهم أن ترفع على ما يقسم لي في مجالس الكبار. وقوله (أن يدخلوا الأبواب) حقه عند سيبويه أن يقال أن يدخلوا في الأبواب، يجعله مما يتعدى في الأصل بحرف الجر ثم يحذف الجار من اللفظ تخفيفاً. ومسألة الكتاب: دخلت البيت. وغيره يذهب إلى أنه مما يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف الجر، وفي أنهم يقولون دخلت في الأمر فيعدى بفي لا غير، وأن ضده وهو خرجت يتعدى بحرف الجر، بيان لصحة قول سيبويه.
ولو عد قبر وقبر كنت أكرمهم ... ميتاً وأبعدهم من منزل الذام
стр. 765
فقد جعلت إذا ماحاجتي نزلت ... بباب دارك أدلوها بأقوام
قوله: (لو عد قبر وقبر) المراد به والأصل فيه: لو عدت القبور قبراً قبراً، إلا أنه اختصر الكلام وحذف القبور ورفع قبراً على أن يقوم مقام الفاعل، فلما رفعه وأزاله عن سنن الحال في نحو قولهم: بعت الشاء شاة شاة، وقبضت المال درهماً درهماً، وصمت رمضان يوماً يوماً، رد حرف العطف، وإنما قلت هذا لأنه من مواضع العطف، لكنهم اتسعوا في الحال لعلم المخاطب. وقال سيبوبه: إن الغالب على هذا الباب كله أن يكون انتصابه من إحدى الجهتين: الحال أو الظرف، لأن الاتساع منهم على هذا الحد والجواز لم يكن إلا فيهما. والظرف كقوله: لقيته يوم يوم، وصباح مساء، وماجانسهما. قال: والإفراد في هذا الباب لا يجوز حماية على المعنى الذي يتضمنه التكرار.
وإن قيل: هل يجوز على ما بينت: لو عدت القبور قبر وقبر، على البدل، وكذلك بين حسابه باب وباب؟ قلت: لا يجوز ذلك، لأن القصد والغرض من الكلام، وقد أجرى على ماتقدم، التفصيل والتتابع، ومن الإبدال على ما ذكرت لا يتبين ذلك. ومع ذكر القبور يحذف من الاسمين المترجمين عن الحال بعده. لا يجوز بعت الشاء شاة وشاة؛ فكذلك هذا، على أن بابي الحال والظرف يحتملان من التوسع ما يضيق عنه أكثر أبواب الإعراب ويعجز، وإذا كان كذلك لم يجز تجاوزهما بالاتساع فيهما إلى غيرهما. ألا ترى أنه لو قال: لو عد قبران كنت أكرمهما ميتاً، لم يجز، ولم يتبين منه ذلك المعنى، وإن كان المعطوف والمعطوف عليه إذا قلت جاءني رجل ورجل بمثابة جاءني رجلان.
ومعنى البيت: لو عدت القبور منوعة مفصلة - وإنما يعني أسلاف من قدم عليه في الإذن والدخول خؤولة وعمومة - لكنت أكرمهم أباً، وأشرفهم بيوتاً. فكنى عن البيت والمنصب بقوله (وأبعدهم من منزل الذام) أي من منزل العيب، لأن الذام والذم بمعنى. يقال: ذامه يذيمه، كما يقال ذمه يذمه، وحيث يحصل العيب يحصل الذم، أظهر أو لم يظهر.
وقوله (فقد جعلت إذا ماحاجتي نزلت) يريد بجعلت طفقت وأقبلت. يقال: جعل يفعل كذا. والمعنى: أنى قعدت عنك وتركت زيارتك، وإذا اتفق مالا بد لي منك ومن معونتك من حاجة أو عارض سبب فإني معتمد على غيري في التنجز
стр. 766
والاستسعاف. ومعنى (أدلوها) من قولك دلوت الدلو، إذا أخرجتها من البئر، أي أتسبب بغيري، وأصون من التبذل عرضي.
وقال شبيب بن البرصاء
وإني لتراك الضغينة قد بدا ... ثراها من المولى فما أستثيرها
مخافة أن تجنى علي وإنما ... يهيج كبيرات الأمور صغيرها
يقول: إني أصابر موالي وأحتمل أذاهم، وأعفى على فرطاتهم ما وجدت سبيلاً إلى الصبر، فأترك ضغائهم تبدو أوائلها، وتظهر مخابلها، ولا أكشف عنها ولا أطلب ثورانها، مخافة أن يستفحل الشر ويرجع الصغير منه كبيراً، وسهله عسيراً؛ فإن أوائل الأمور كلها ضعيفة ضيقة، فإذا اتفق لها من يهيجها ويزيد في موادها قويت واتسعت. والتراك: بناء المبالغة، وهو الكثير الترك للشيء، وليس هو باسم الفاعل من ترك. والضغينة والضغن والضغن واحد، وهي الحقد والعداوة. ويقال: ضغن على واضغن. وقال الخليل: الضغن في الدابة: عسره والتواؤه. ودابة ضغنة، إذا نزعت إلى وطنها. والثرى: الندى، والفعل منه ثرى. والمراد به هاهنا ما يستدل به على كامن الحقد. ويقال: ثار الأرنب من موضعها، واستثرتها أنا. وقوله (مخافة) انتصب على أنه مفعول له، و (أن تجنى) في موضع المفعول منها، وقد أضافها إليه، وقوله (صغيرها) يراد به الكثرة، أي صغائرها.
لعمري لقد أشرفت يوم عنيزة ... على رغبة لو شد نفسي مريرها
تبين أعقاب الأمور إذا مضت ... وتقبل أشباها عليك صدورها
قوله (على رغبة) أي على مرغوب فيه، كأنه كان ظهر له من الفرص في صاحبه مالو انتهزها ولم يغفل عنها لكان فيها الاشتفاء منه، ودرك المطلوب في بابه، فلما لم يفعل وأصر صاحبه على مساءته أخذ يتحسر. وقوله (لو شد نفسي مريرها) يريد: لو قوى نفسي عزيمها، وحصيف رأيها. والمرير: الممر المحكم. ووصف
стр. 767
الحبل به لذلك. ويقال: استمر مرير فلان، إذا استحكم رأيه واستحصف. وعنيزة: موضع.
وقوله (تبين أعقاب الأمور إذا مضت) مثله قول القطامي:
ولا يعلم الغيب امرؤ قبل ما يرى ... ولا الأمر حتى تستبين دوابره
وأكشف منه قول حميد بن ثور:
أشبه غب الأمر ما دام مقبلاً ... ولكنما تبيانه في التدبر
وأعقاب الأمور: أواخرها. ويروي: (تبين أدبار الأمور إذا انقضت) يراد به تتبين. وانتصب (أشباها) على الحال.
إذا افتخرت سعد بن ذبيان لم تجد ... سوى ما ابتنينا ما يعد فخورها
ألم تر أنا نور قو وإنما ... يبين في الظلماء للناس نورها
يقول: مفاخر سعد ومباني مكارمها على ما أسسه قديمنا، وعمره حديثنا، فمتى استعرضت المساعي في منافرة الخصوم لم تجد بنو سعد ما يعتمده فخورها، ويكاثر به خصيمها، إلا ما شيدناه على مر الأيام، وتعاقب الأحوال. فقوله (سوى ما ابتنينا) استثناء مقدم. و (ما) يعد في موضوع مفعول لم تجد.
وقوله (ألم تر) تقرير لمن تصوره مخاطباً فيقول: أما علمت أنا لأهل قو بمنزلة النور للأبصار، فهم بنا يهتدون، وبمعالنا يقتدون، ولمراسمنا يقتفرون، وبسنا رأينا يستضيئون، ولولا ذلك لكانوا يتوقفون في مراشدهم فلا يقضون، ويتحيرون في آرائهم فلا يمضون، كما أن الناس لولا ما يمد به النور أبصارهم في رواكد الظلم حتى يتبينوا المرئيات، ويتميزوا أشباح المدركات على حقائقها، لوقفوا حيارى لا يتقدمون ولا يتأخرون.
ومفعول (يبين) محذوف، والضمير من نورها يعود إلى الظلماء لما كان يتعقبها. وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى تناسب بينهما.
стр. 768
وقال معن بن أوس
لعمرك ما أدرى وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول
لعمرك مبتدأ، وخبره مضمر، وفيه معنى القسم، وقد تقصى القول فيه. وقوله (إني لأوجل) مما جاء فيه أفعل ولا فعلاء له، كأنهم استغنوا عن وجلاء بوجلة. ويقال: وجلت أوجل وآجل وجلاً، وهو وجل وأوجل. وقلبي من كذا أوجل وأوجر، بمعنى. ويروى: (تعدو المنية) و (تغدو) ومعناهما ظاهر. وأول، بني على الضم، كما فعل ذلك بقبل وبعد، وذاك انه لما كان أصله أفعل الذي يتم بمن، وأضيف من بعد، وجعل الإضافة فيه بدلاً من من، والمضاف إليه من تمامه ثم حذف المضاف إليه ليعلم المخاطب به، وجعل في نفسه غاية، وكان معرفة كما كان قبل وبعد كذلك وجب أن يبنى كما بنيا. وموضعه نصب على الظرف. ومعنى البيت: وبقائك ما أعلم أينا يكون المقدم في عدو الموت عليه، وانتهاء الأجل إليه، وإني لخائف مترقب. فموضع (على أينا) نصب لأنه مفعول ما أدرى، والذي لا يدريه هو مقتضى هذا السؤال. وقوله (إني لأوجل) اعتراض.
وأني أخوك الدائم العهد لم أحل ... إن ابزاك خصم أو نبا بك منزل
أحارب من حاربت من ذي عدواة ... وأحبس مالي إن غرمت فأعقل
يقول: إني وديدك الذي يدوم عهده، ويتصل على تقلب الأحوال وتبدل الأبدال، ولا يحول إن تطاول عليك الخصم، أو بطش بك عدو، أو ضاق عنك منزل، فاحتجت إلى التحول عنه والاستبدال به. وقال الخليل: يقال أبزيت بفلان، إذا بطش به وقهرته. وحكى الدريدي: بزاه يبزوه بزواً، إذا قهره. وأنشد:
جارى ومولاي لا يبزي حريمهما ... وصاحبي من دواء السر مصطحب
ويبزى يكون مستقبل بزى وأبزى جميعاً. والله أعلم. ويجوز أن يكون أبزى منقولاً بالألف عن بزى يبزى بزى فهو أبزى، وامرأة بزواء؛ وهو دخول الظهر
стр. 769
وخروج البطن. ويكون المعنى: إن خفض منك خصم، أو طأطأ من إشرافك عدو، وحملك من الثقل ما يبزى له ظهرك، فلا تطيق الثبات تحته، والنهوض به.
وقوله (أحارب من حاربت) هو تفسير دوام عهده وثبات وده. والمعنى تجدني ذاباً نك واقعاً معك، أرصد الشر لأعدائك، وأدافعهم دونك، وإن أصابك غرم حبست مالي عليك، واحتملت فيه الثقل عنك. وكان الواجب أن يقول: فأعقل عنك، لأنه يقال عقلته إذا أعطيت دبته، وعقلت عنه إذا غرمت ما لزمه في ديته. وقال الخليل: الغرم لزوم نائبة في مال من غير جناية. والمال إذا أطلق يراد به الأبل. ويجوز أن يكون معنى فأعقل: أشدها بعقلها بفنائك، لندفعا في غرامتك.
كأنك تشفى منك داء مساءتي ... وسخطى وما في ريثي ما تعجل
قوله (مساءتي) يريد مساءتك إلى، وكذلك (سخطى) يريد سخطك علي، فأضافهما إلى المفعول. ويقال: مساءة ومسائية. والسخط والسخط لغتان، ومثله السقم والسقم، والعدم العدم، وهو نقيض الرضا. ويقال: سخطته وتسخطته، إذا لم ترض به، وإن كان في التفعل فضل تكلف. ومعنى البيت أنك تستمر في إساءتك إلى وسخطك علي، حتى كأن بك داء ذاك شفاؤه، وما تطلبه من عجلتي لا تجده في بطئي، أي ما تقدره يتعجل لك من المكاشفة بيني وبينك، واستثارة الحقد الكامن فيك، لا يحصل لك مني متباطئاً أيضاً. والمعنى أني أصابرك وأتركك على مداجاتك.
وإن سؤنني يوماً صفحت إلى غد ... ليعقب يوماً منك آخر مقبل
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل
قوله (وإن سؤنني يوماً) يقال: سوؤت فلاناً، وسؤت له وجهه مساءة ومسائية. والمعنى: أني لا أؤاخذك بما يظهر من مساءتك، بل أقابله بصفح جميل عنك، انتظاراً لفيئة تظهر منك في مقتبل أمرك، ومراجعة تعفى على قبيحك، فإن لم يتفق منك عقبى حسنة تنسى زلاتك، بل تتابع بين مسببات القطيعة وموجباتها بما تظهره من الجفاء والعقوق فيما يجمعني وإياك، فإنك تقطع أخاً هو في مظاهرتك، وانطواؤ
стр. 770
على مساعدتك، والدخول تحت طاعتك في كل ما يعن ويعرض لك، بمنزلة يدك اليمنى، فانظر من بعد من تعتاض منه، وعلى من تعول إذا صارمته. وانتصب (أي كف) ب (تبدل) . وقوله (ليعقب يوماً منك آخر) يجوز أن يكون من قولهم أعقب هذا ذاك، أي صار مكانه، ويكون المعنى: ليصير مكان يوم من أيامك مذموم يوم آخر منها مقبل محمود. وهذا حسن. ويجوز أن يكون أعقب غير متعد، بيعقب، ويكون قوله يوماً منك ظرفاً. والمعنى: ليصير ما يقبل من أمرك يوماً ذا عاقبة محمودة. ويجوز أن يكون من أعقب فلان عزا، أي أبدل، ويكون المعنى: ليعقبنا يوماً منك محموداً أمر آخر مؤتنف. ورأيت من يرويه: (ليعقب يوماً منك آخر) بفتح الياء، ويكون من قولهم عقب فلان فلاناً إذا خلفه، وهما عقيبان، وقد اعتقبا ةتعاقبا. ويكون المعنى: ليخلف يوماً منك يوم آخر مقبل.
وفي الناس إن رئت حبالك واصل ... وفي الأرض عد دار القلى متحول
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على شرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
قوله (وفي الناس إن رثت حبالك واصل) إظهار للزهد في وداده إذالم يستقم معه. ويقال: رث الثوب يرث رثوثاً ورثاثة. وقال أبو زيد وأبو عبيدة: رث المتاع وأرث جميعاً. وأنشد لعدي:
أرث جديد الوصل من أم معبد
وفي طريقة ما قاله لبيد:
واحب المجامل بالجزيل وصرمه ... باق إذا ضلعت وزاغ قوامها
وقول أوس:
وإن قال لي ماذا ترى يستشيرني ... يجدنب ابن عم مخلط الأمر مزيلا
стр. 771
فيقول: إذا رغبت عن مواصلتي، وتقطعت حبال الود بيني وبينك ففي الناس واصل غيرك، وإذا نبا بي جوارك، وضاق عني أرضك وديارك ففي جوانب الأرض سعة ومزحل عنك، سيما والتحول عن دار البغض والنبو لى عادة أعتادها، وسنة أسيرها ولا أعدل عنها، وأعلم أنك إذا لم تعط أخاك النصفة ولم توفر حقوقه متوخياً المعدلة، ولم يوجب به عليك مثل ما توجبه لنفسك عليه، ألفيته هاجراً لك، مشارفاً قطيعتك، مستبدلاً بك وبمؤاخاتك إن كانت به مسكة، أو يمتلكه عقل ومعرفة، ثم لا يبالي أن يركب من الأمور ما يقطعه تقطيع حد السيف ويؤثر تأثيره فيه، مخافة أن يدخل عليه ضيم، أو يلحقه عار واهتضام، متى لم يجد عن ركوبه مبعداً ومعدلاً. وكما قال هذا (دار القلى) قال غيره:
دار الهوان لمن رآها داره
وقوله (من أن تضيمه) معناه بدلاً من أن تضيمه. ويجوز أن يريد بركوب السيف على الحرب والموت. وشفرة السيف: حده. والشفير: حرف كل شيء، منه.
وكنت إذا ما صاحب رام ظنتي ... وبدل سوءا بالذي كنت أفعل
قلبت له ظهر المجن فلم أدم ... على ذاك إلا ريث ما أمحول
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل
يقول واذا رأيت صاحبي يتجنى علي ويتجرم، ويتطلب على ما ينتج ظنه ويولد تهممة، وطفق يفبح آثاري، ويبدل حسناتي، اتخذته عدواً، وقلبت له ظهر الترس متقياً منه، ومدفعاً له، ولم أدم على تلك الحال المتقدمة معه إلا قدر ما أتحول، وبطء ما أتثقل. فقوله (رام ظنتي) أي رام ارتفاع التهنة علي. وقوله (بالذي كنت أفعل) أي أفعله، فحذف الضمير استطالةً لصلة الذي.
وقوله (إذا انصرفت نفسي) يريد أني أمد نفسي التصبر ما أمكن، فاذا أعجزتني الحال العارضة عن الاحتمال انصرفت مالكاً عناني، ثم لايثنيني على ما أعرضت (عنه) شيء أبد الدهر. (وقوله بوجه) الباء تعلق بقوله تقبل أي لم تكد تقبل إليه بوجه من الوجوه، وعلى لون من الالوان.
стр. 772
وقال عمرو بن قمية
يالهف نفسي على الشباب ولم ... أفقد به إذ فقدته أمما
إذ أسحب الريط والمروط إلى ... أدنى تجاري وأنفض اللمما
لاتغبط المرء أن يقال له ... أضحى فلان لعمره حكما
إن سره طول عيشه فلقد ... أضحى على الوجه طول ما سلما
يتحسر على ما فاته من الشباب وحسن أيامه، ونضارة العيش به، فقال: يا حسرة نفسي على مقتضى الشباب ومتوليه، فإن ما فاتني منه لم أفارق به أمراً قريباً، وشيئاً هيناً، لكني فقدت به صحة بدني، وروعة وجهي، وطيب عيشي، وقوة روحي، حين كنت أجر ريطتي (وهو الإزار الذي ليس بملفق) ومروطي (وهو جمع مرط، وهو ملحفة يؤتزر بها) إلى أقرب الخمارين إلى وأنفض شعر رأسي إعجاباً به، واستحسانا له، وطرباً يداخلني في جميع أسبابي معه. ثم قال مزرياً بالشيب وبما يكتسبه المرء اذا علاه، من إكبار الناس له، وتقديمهم في المجالس إياه، ومن الرجوع إلى قوله، واستشارتهم فيما يعز من الخطوب رأيه، فقال: لاتغبطن الرجل ولا ترمقن ولاتجعلن محسداً اذا قيل فيه: صار فلان حكماً في عشيرته لكثرة تجاربه، وامتداد عمره، ودوام مزاولته للأمور، واتصال لقائه للناس وممارسته لهم وفيهم، لأنه إن سره امتداد عمره، وتنفس عيشه فلقد ظهر في نفسه من ضعف وانحناء، وعلى وجهه من ذبول وسهوم إلى غيرها مما يدل على طول سلامته التي هي الداء الذي لادواء له. ومثل هذا قول الشاعر:
وحسبك داءً أن تصح وتسلما
وقول الآخر:
فدعوت ربي بالسلامة جاهداً ... ليصحني فإذا السلامة داء
стр. 773
وقوله (أن يقال له) أراد لايغبط لأن يقال له، ومن أجل أن يقال له. وقوله (أدنى تجاري) إظهار لغلوه في سباء الخمر وسرفه، ثم تبجح بإضافتهم إلى نفسه.
وقال إياس بن القائف
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النوى بالمفترين المراميا
يفضل الغنى على الفقر ويبعثه على طلبه وارتياده. فقال: ترى الموسرين يتودعون، وتطول إقامتهم في دورهم وأرضهم يمتعون، والفقراء تراهم ترتمي بهم البلدان النائية، وتقذف النوى بهم المقاذف البعيدة، والمهالك المستصعبة، فلا يهدؤون ولا يقرون. والنوى: وجهة القوم التي ينوونها. والمرامي: جمع مرمى، وهو المكان لاغير هنا، لأنه قابل الأغنياء بالمقترين، وأرض الأغنياء بمرامى الفقراء، لأنهم لاتذوبهم دار أبداً، فمجال تسيارهم لكسبهم وتصرفهم كدور أولئك لهم. ومفعل يكون اسماً للحدث، وزمانه، ومكانه.
فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معاً ... كفى بالممات فرقة وتنائياً
إذا زرت أرضاً بعد طول اجتنابها ... فقدت صديقي والبلاد كما هيا
يقول: أحسن صحبة أخيك وصاحبك. وتناوله بالإكرام طول الدهر ومدة العمر، فإن المنايا كفتك مفرقةً ومبعدةً. وقوله (الدهر) انتصب على الظرف، وما دمتما انتصب على أنه بدل من الدهر. وانتصب (معاً) على أنه خبر ما دمتما. ومعنى ما دمتما معاً: مدة بقائكما ودوامكما مجتمعين. وقوله (كفى بالمنايا) موضع بالمنايا رفع على أنه فاعل كفى. وانتصب (فرقةً) على التمييز، أو يكون في موضع الحال، كأنه قال: كفى بفرقة المنايا فرقةً. والتقدير: كفى فرقةً بالمنايا من فرقة، أو كفى المنايا مفرقة ومتنائية.
وقوله (إذا زرت أرضاً بعد طول اجتنابها) هذا الكلام توجع وتشك من نوائب الدهر. يقول: أرى الإخوان تخترمهم المنايا فهم يتفاقدون، وبلادهم وأروضهم على ما كانت عليه، فمتى زرت مكاناً بعد طول العهد به وجدت أصدقائي مفقودين،
стр. 774
وأماكنهم كما كانت. وقد تقدم القول في إعراب (كما هيا) وقول صديقي يراد به الكثرة لا الواحد.
وقال ربيعة بن مقروم
وكم من حامل لي ضب ضغن ... بعيد قلبه حلو اللسان
ولو أني أشاء نقمت منه ... بشغب أو لسان تيحان
كم لفظة وضعت للتكثير، كما أن رب وضع للتقليل، إلا أنه اسم ورب حرف وله موضعان: الاستفهام، والخبر، وهو من باب الخبر هنا. والضب: الحقد. قال:
فما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي
وأضافه إلى الضغن لأن الضغن العسر، فكأنه حقد عسر ولجاج. فيقول: كثير من الرجال يحملون لي الضغائن، ويسرون لي البغضاء، وقد حلا منطقهم لي جرياً على سنتهم في المداجاة، وبعد قلبهم مني استمراراً في طريق الشنآن لي والمعاداة، ولو شئت لانتقمت منه بالفعل أو بالقول، فإني لساني عريض ويدي عالية، يتأتى له مكافأة كل الناس على مقدار فعله، ونقمت منه بمعنى انتقمت. ونقم ونقم لغتان. والتيحان لا يكسر ياؤه، وقد مضى القول فيه.
ولكني وصلت الحبل منى ... مواصلةً بحبل أبى بيان
وضمرة إن ضمرة خير جار ... علقت له بأسباب متان
هجان الحي كالذهب المصفى ... صبيحة ديمة يجنيه جان
قوله (ولكني وصلت الحبل منى) يقول: أبقيت على من يعاديني ولم أعجل مؤاخذته بإساءته وإصراره. وتماديه فيما أكرهه ولجاجه، لأني قد واصلت أبا بيان
стр. 775
وعلقت حبلي بحبله؛ وكذلك احتشمت ضمرة لأنه خير جار، وقد استحكمت بيني وبينه أواصر حفظها عن القطيعة واجب، ولأن العصم المتينة التي تجمعنا تلزمني الوقوف فيما يكرهانه، وترك ما لا يؤمنني استيحاشهما، وهما مع ذلك كرام الحي لا غائلة لهما، ولاشبهة في مصافاتهما وحسن عقيدتهما، فما ودهما إلا كإبريز الذهب، المصفى، وما يظهر من معادن الذهب صبيحة مطرة تكشف عن عروق الذهب، فيجتنيه المجتنون، أي يلتقطه الملتقون. وهذا الذي وصفه يقال إنها تكثر في نواحي اليمن واليمامة، وتسمى تلك المعادن معادن اللقط، فإذا مطرت وانكشفت الهبوات والغبار عن وجوه حجارتها يظهر من عروق الذهب في صفائحها مثل ماوصفه أو أحسن.
وقوله (هجان الحي) ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هم هجان الحي. وهجان جمع، وواحده هجان أيضاً، لأن فعيلا وفعالاً يشتركان في الجمع كثيراً؛ فهجان جاء من هجان واحداً كظراف من ظريف. وقوله (كالذهب) في موضع الحال، وكذلك قوله (يجنيه جان) حال من الذهب المصفى. وقوله (مواصلةً) يجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال، أي مواصلاً، ويجوز أن يكون موضوعاً موضع صلة فيكون مصدراً من غير لفظه، مثل قوله تعالى: (والله أنبتكم من الأرض نباتاً) : وقوله (يجنيه جان) وضعه موضع يلقطه.
؟؟
وقال سلم بن ربيعة
إن شواءً ونشوةً ... وخبب البازل الأمون
يجشمها المرء في الهوى ... مسافة الغائط البطين
والبيض يرفلن كالدمى ... في الريط والمذهب المصون
والكثر والخفض آمناً ... وشرع المزهر الحنون
من لذة العيش والفتى ... للدهر والدهر ذو فنون
واليسر كالعسروالغنى ... كالعدم والحي للمنون
следующие страницы →