← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فيقول: إذا رغبت عن مواصلتي، وتقطعت حبال الود بيني وبينك ففي الناس واصل غيرك، وإذا نبا بي جوارك، وضاق عني أرضك وديارك ففي جوانب الأرض سعة ومزحل عنك، سيما والتحول عن دار البغض والنبو لى عادة أعتادها، وسنة أسيرها ولا أعدل عنها، وأعلم أنك إذا لم تعط أخاك النصفة ولم توفر حقوقه متوخياً المعدلة، ولم يوجب به عليك مثل ما توجبه لنفسك عليه، ألفيته هاجراً لك، مشارفاً قطيعتك، مستبدلاً بك وبمؤاخاتك إن كانت به مسكة، أو يمتلكه عقل ومعرفة، ثم لا يبالي أن يركب من الأمور ما يقطعه تقطيع حد السيف ويؤثر تأثيره فيه، مخافة أن يدخل عليه ضيم، أو يلحقه عار واهتضام، متى لم يجد عن ركوبه مبعداً ومعدلاً. وكما قال هذا (دار القلى) قال غيره: دار الهوان لمن رآها داره وقوله (من أن تضيمه) معناه بدلاً من أن تضيمه. ويجوز أن يريد بركوب السيف على الحرب والموت. وشفرة السيف: حده. والشفير: حرف كل شيء، منه. وكنت إذا ما صاحب رام ظنتي ... وبدل سوءا بالذي كنت أفعل قلبت له ظهر المجن فلم أدم ... على ذاك إلا ريث ما أمحول إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل يقول واذا رأيت صاحبي يتجنى علي ويتجرم، ويتطلب على ما ينتج ظنه ويولد تهممة، وطفق يفبح آثاري، ويبدل حسناتي، اتخذته عدواً، وقلبت له ظهر الترس متقياً منه، ومدفعاً له، ولم أدم على تلك الحال المتقدمة معه إلا قدر ما أتحول، وبطء ما أتثقل. فقوله (رام ظنتي) أي رام ارتفاع التهنة علي. وقوله (بالذي كنت أفعل) أي أفعله، فحذف الضمير استطالةً لصلة الذي. وقوله (إذا انصرفت نفسي) يريد أني أمد نفسي التصبر ما أمكن، فاذا أعجزتني الحال العارضة عن الاحتمال انصرفت مالكاً عناني، ثم لايثنيني على ما أعرضت (عنه) شيء أبد الدهر. (وقوله بوجه) الباء تعلق بقوله تقبل أي لم تكد تقبل إليه بوجه من الوجوه، وعلى لون من الالوان.

стр. 772

وقال عمرو بن قمية يالهف نفسي على الشباب ولم ... أفقد به إذ فقدته أمما إذ أسحب الريط والمروط إلى ... أدنى تجاري وأنفض اللمما لاتغبط المرء أن يقال له ... أضحى فلان لعمره حكما إن سره طول عيشه فلقد ... أضحى على الوجه طول ما سلما يتحسر على ما فاته من الشباب وحسن أيامه، ونضارة العيش به، فقال: يا حسرة نفسي على مقتضى الشباب ومتوليه، فإن ما فاتني منه لم أفارق به أمراً قريباً، وشيئاً هيناً، لكني فقدت به صحة بدني، وروعة وجهي، وطيب عيشي، وقوة روحي، حين كنت أجر ريطتي (وهو الإزار الذي ليس بملفق) ومروطي (وهو جمع مرط، وهو ملحفة يؤتزر بها) إلى أقرب الخمارين إلى وأنفض شعر رأسي إعجاباً به، واستحسانا له، وطرباً يداخلني في جميع أسبابي معه. ثم قال مزرياً بالشيب وبما يكتسبه المرء اذا علاه، من إكبار الناس له، وتقديمهم في المجالس إياه، ومن الرجوع إلى قوله، واستشارتهم فيما يعز من الخطوب رأيه، فقال: لاتغبطن الرجل ولا ترمقن ولاتجعلن محسداً اذا قيل فيه: صار فلان حكماً في عشيرته لكثرة تجاربه، وامتداد عمره، ودوام مزاولته للأمور، واتصال لقائه للناس وممارسته لهم وفيهم، لأنه إن سره امتداد عمره، وتنفس عيشه فلقد ظهر في نفسه من ضعف وانحناء، وعلى وجهه من ذبول وسهوم إلى غيرها مما يدل على طول سلامته التي هي الداء الذي لادواء له. ومثل هذا قول الشاعر: وحسبك داءً أن تصح وتسلما وقول الآخر: فدعوت ربي بالسلامة جاهداً ... ليصحني فإذا السلامة داء

стр. 773

وقوله (أن يقال له) أراد لايغبط لأن يقال له، ومن أجل أن يقال له. وقوله (أدنى تجاري) إظهار لغلوه في سباء الخمر وسرفه، ثم تبجح بإضافتهم إلى نفسه. وقال إياس بن القائف يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النوى بالمفترين المراميا يفضل الغنى على الفقر ويبعثه على طلبه وارتياده. فقال: ترى الموسرين يتودعون، وتطول إقامتهم في دورهم وأرضهم يمتعون، والفقراء تراهم ترتمي بهم البلدان النائية، وتقذف النوى بهم المقاذف البعيدة، والمهالك المستصعبة، فلا يهدؤون ولا يقرون. والنوى: وجهة القوم التي ينوونها. والمرامي: جمع مرمى، وهو المكان لاغير هنا، لأنه قابل الأغنياء بالمقترين، وأرض الأغنياء بمرامى الفقراء، لأنهم لاتذوبهم دار أبداً، فمجال تسيارهم لكسبهم وتصرفهم كدور أولئك لهم. ومفعل يكون اسماً للحدث، وزمانه، ومكانه. فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معاً ... كفى بالممات فرقة وتنائياً إذا زرت أرضاً بعد طول اجتنابها ... فقدت صديقي والبلاد كما هيا يقول: أحسن صحبة أخيك وصاحبك. وتناوله بالإكرام طول الدهر ومدة العمر، فإن المنايا كفتك مفرقةً ومبعدةً. وقوله (الدهر) انتصب على الظرف، وما دمتما انتصب على أنه بدل من الدهر. وانتصب (معاً) على أنه خبر ما دمتما. ومعنى ما دمتما معاً: مدة بقائكما ودوامكما مجتمعين. وقوله (كفى بالمنايا) موضع بالمنايا رفع على أنه فاعل كفى. وانتصب (فرقةً) على التمييز، أو يكون في موضع الحال، كأنه قال: كفى بفرقة المنايا فرقةً. والتقدير: كفى فرقةً بالمنايا من فرقة، أو كفى المنايا مفرقة ومتنائية. وقوله (إذا زرت أرضاً بعد طول اجتنابها) هذا الكلام توجع وتشك من نوائب الدهر. يقول: أرى الإخوان تخترمهم المنايا فهم يتفاقدون، وبلادهم وأروضهم على ما كانت عليه، فمتى زرت مكاناً بعد طول العهد به وجدت أصدقائي مفقودين،

стр. 774

وأماكنهم كما كانت. وقد تقدم القول في إعراب (كما هيا) وقول صديقي يراد به الكثرة لا الواحد. وقال ربيعة بن مقروم وكم من حامل لي ضب ضغن ... بعيد قلبه حلو اللسان ولو أني أشاء نقمت منه ... بشغب أو لسان تيحان كم لفظة وضعت للتكثير، كما أن رب وضع للتقليل، إلا أنه اسم ورب حرف وله موضعان: الاستفهام، والخبر، وهو من باب الخبر هنا. والضب: الحقد. قال: فما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي وأضافه إلى الضغن لأن الضغن العسر، فكأنه حقد عسر ولجاج. فيقول: كثير من الرجال يحملون لي الضغائن، ويسرون لي البغضاء، وقد حلا منطقهم لي جرياً على سنتهم في المداجاة، وبعد قلبهم مني استمراراً في طريق الشنآن لي والمعاداة، ولو شئت لانتقمت منه بالفعل أو بالقول، فإني لساني عريض ويدي عالية، يتأتى له مكافأة كل الناس على مقدار فعله، ونقمت منه بمعنى انتقمت. ونقم ونقم لغتان. والتيحان لا يكسر ياؤه، وقد مضى القول فيه. ولكني وصلت الحبل منى ... مواصلةً بحبل أبى بيان وضمرة إن ضمرة خير جار ... علقت له بأسباب متان هجان الحي كالذهب المصفى ... صبيحة ديمة يجنيه جان قوله (ولكني وصلت الحبل منى) يقول: أبقيت على من يعاديني ولم أعجل مؤاخذته بإساءته وإصراره. وتماديه فيما أكرهه ولجاجه، لأني قد واصلت أبا بيان

стр. 775

وعلقت حبلي بحبله؛ وكذلك احتشمت ضمرة لأنه خير جار، وقد استحكمت بيني وبينه أواصر حفظها عن القطيعة واجب، ولأن العصم المتينة التي تجمعنا تلزمني الوقوف فيما يكرهانه، وترك ما لا يؤمنني استيحاشهما، وهما مع ذلك كرام الحي لا غائلة لهما، ولاشبهة في مصافاتهما وحسن عقيدتهما، فما ودهما إلا كإبريز الذهب، المصفى، وما يظهر من معادن الذهب صبيحة مطرة تكشف عن عروق الذهب، فيجتنيه المجتنون، أي يلتقطه الملتقون. وهذا الذي وصفه يقال إنها تكثر في نواحي اليمن واليمامة، وتسمى تلك المعادن معادن اللقط، فإذا مطرت وانكشفت الهبوات والغبار عن وجوه حجارتها يظهر من عروق الذهب في صفائحها مثل ماوصفه أو أحسن. وقوله (هجان الحي) ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هم هجان الحي. وهجان جمع، وواحده هجان أيضاً، لأن فعيلا وفعالاً يشتركان في الجمع كثيراً؛ فهجان جاء من هجان واحداً كظراف من ظريف. وقوله (كالذهب) في موضع الحال، وكذلك قوله (يجنيه جان) حال من الذهب المصفى. وقوله (مواصلةً) يجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال، أي مواصلاً، ويجوز أن يكون موضوعاً موضع صلة فيكون مصدراً من غير لفظه، مثل قوله تعالى: (والله أنبتكم من الأرض نباتاً) : وقوله (يجنيه جان) وضعه موضع يلقطه. ؟؟ وقال سلم بن ربيعة إن شواءً ونشوةً ... وخبب البازل الأمون يجشمها المرء في الهوى ... مسافة الغائط البطين والبيض يرفلن كالدمى ... في الريط والمذهب المصون والكثر والخفض آمناً ... وشرع المزهر الحنون من لذة العيش والفتى ... للدهر والدهر ذو فنون واليسر كالعسروالغنى ... كالعدم والحي للمنون

стр. 776

هذه المقطوعة خارجة عن البحور التي وضعها الخليل بن أحمد، وأقرب ما يقال فيها أنها تجيء على السادس من البسيط، وليس هذا موضعاً لبسط الكلام فيه. والنشوة: الخمر والسكر. والخبب والخبب: ضرب من السير. والبازل: التي قد استكمل لها تسع سنين فتناهى قوتها. والأمون: الموثقة الخلق. وخبر إن في قوله (من لذة العيش) . وقوله (يجشمها المرء) من صفة البازل والمعنى يكلفها صاحبها قطع المسافة البعيدة فيما يهواه. والمسافة مأخوذة من السوف، وهو الشم. وكان الدليل إذا اشتبه عليه الطريق يفعل ذلك. والغائط: المطمئن من الأرض. والبطين: الواسع الغامض. وقوله (والبيض يرفلن كالدمى) يعنى به النساء. ويرفلن: يتبخترن في الريط، وهي الملاءة الواسعة. والمذهب المصون؛ يراد به الثياب الفاخرة المطرزة بالذهب. وتعلق في من قوله (في الريط) بيرفلن، وكا الدمى في موضع الحال. والمعنى: والنساء البيض يتبخترن في المصونات من الثياب الكريمات وهن مشبهات للصور. والكثر انعطف على البيض، كما أن البيض انعطف على (وخبب البازل الأمون) . والمراد بالكثرة كثرة المال ومساعدة الحال، وضده القل. وقال الخليل: كثر الشيء: أكثره، وكذلك قله أقله. والخفض: التودع. وانتصب (آمناً) على الحال، وانعطف (وشرع) على الخفض. فيقول: إن لذات الدنيا من مأكول ومشروب وملبوس، ومركوب وقد استعمله صاحبه فيما يهواه، وكلفه قطع المسافات فيما تدعوه إليه نفسه، والنساء البيض بالصفة التي ذكرها، والغنى والراحة في الأمن والملاهي، جميع ذلك من لذة العيش. وقوله (وشرع المزهر) أي الأوتار، واحدها شرعة. والمزهر: العود. والحنون: يريد به الصبت من الحنين، فكأنه أشار إلى المزهر منقوراً ينقره الملهى. فانظر فإنه جمع كل ما يلتذ به النفس، وجعلها تامة بما قرن به من حال الأمن، لأن جميع ذلك إذا عرى من الأمن لم يستعطب ولم يستمراً. ثم قال: (والفتى للدهر والدهر ذوفنون) الواو واو الحال، وذو فنون أي ضرب. يريد: أن كل ذلك مما يتلذ العائش به، لكن الفتى مهدف للدهر، والدهر ذو تارات: كما يهب يرتجع، وكما يسلم بعل، وكما يودع يتعب، وكما يصفى

стр. 777

يكدر، وبعد ذلك قال: واليسر كالعسر والغنى ... كالعدم والحي للمنون يريد أن شيئاً من هذه الأحوال لا يدوم إلا ريث ما يسلط عليه القواطع والمغيرات، فاليسار إذا حصل كالإعسار، في أن واحداً منهما لا يبقي، وغنى النفس كفقرها، ثم انتهاء كل ذلك للحي منا إلى الموت الذي لا غاية وراءه، وليس يتخلص منه بحيلة تنقذ، أو روية تعمل. وقال آخر: وأنت امرؤ إما ائتمنتك خالياً ... فخنت وإما قلت قولاً بلا علم فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم يقول: أنت رجل إما وثقت بك في شيء يحتاج إلى أداء الأمانة فيه، وقد خلوت معك وأظهرت السكون إليك فخنتني، وإما أستنيم إلى ناحيتك في الخير فكذبت علي، وخبرت بما لا علم لك به، فأنت مما بيني وبينك واقف في محل بين الخيانة فيما ائتمنت فيه. والإثم فيما رجع إليك في الكشف عنه. وقوله (ائتمنتك) هو افتعل من الأمانة، ولك أن تخفف الهمزة وتبدل منها ياء، ولك أن تعوض من الهمزة تاء فتدغمه في التاء التي بعدها فتقول: اتمنتك. وخالياً انتصب على الحال، وذو الحال يجوز أن يكون الشاعر. والمعنى: جعلتك موضعاً للأمانة وقد خلوت بك لئلا يتجاوزنا السر الذي أودعتك. ويجوز أن يكون حالاً للمخاطب، والمعنى منفرداً. ويروى أن رجلاً أتى عبيد الله بن زياد فأخبره أن عبد الله بن همام السلولي سبه وأسرف جهاراً، لا حشمة تردعه، ولا رقبة تمنعه. فأرسل عبيد الله إلى ان همام واستحضره ليقابله بالرجل، ويتبين من حضورهما صحة الخبر، فأتاه ابن همام، فلما استقر به المجلس قال عبيد الله: يا ابن همام، إن هذا يزعم أنك قلت كذا وكذا. فأقبل ابن همام على الرجل وخاطبه بقوله: (أنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا) ... البيتين.

стр. 778

فإن قيل: ما موضع (إما ائتمنتك) من الإعراب؟ قلت: هو في موضع الرفع على أن يكون صفة لامرىء. وإما هذه هي التي تعد في حروف العطف، والكلام خير. يريد: أنت رجل لا تخلو مما تصك به وجهي من أحد الأمرين اللذين أذكرهما. فهو كما تقول: أنت رجل إما صالح وإما طالح. وقوله (فخنت) انعطف على ائتمنتك، كأنه قال: أنت رجل إما مؤتمن فخائن، وإما قاتل قولاً لا علم لك به. وقوله (وإما) الواو هي العاطفة. وإما كأو في أنه لأحد الأمرين، إلا أن (أو) يبنى الكلام فيه على اليقين، ثم يعترض ما يخرج به عنه؛ و (إما) يبنى الكلام فيه على عين اليقين. ولهذا الذي قلناه قال حذاق أصحابنا: إنه ليس من حروف العطف، وكيف يكون منها وهو يحيء قبل ما يعطف عليه أو مع حرف العطف. تقول: رأيت إما زيداً وإما عمراً. فإما الأولى سابق المعطوف عليه وهو زيد، وإما الثانية معها الواو العاطفة. وقوله (فأنت من الأمر الذي كان بيننا) مبتدأ وخبره (بمنزلة) وبين الخيانة صفة للمنزلة. والمعنى: أنت مما بيننا في موقف يشفي بك إما على الخيانة فيما ائتمنت فيه، وإما على الإثم فيما تستشهد فيه، فتقول بما لا علم لك به. وقال شبيب بن البرصاء قلت لغلاق بعرنان ما ترى ... فما كاد لي عن ظهر واضحة يبدي عرنان: إسم واد. وقوله (عن ظهر واضحة) يجوز أن يريد عن ظهر خصلة بينة والمراد: لما استشرته وقد حصلنا بعرنان ارتبك فلم يكد يكشف لي عما يصح المراد به، ويمكن الإعتماد عليه. ويجوز أن يريد بالواضحة السن. والمعنى: لم يكد يتهلل أو يكشف عن أسنانه به ضاحكاً أو كاشراً. ويكون استعمال الواضحة كما قال طرفة: كل خليل كنت عاهدته ... لا ترك الله له واضحه وقوله (تبسم كرها) يدل على الوجه الثاني.

стр. 779

تبسم كرهاً واستنبت الذي به ... من الحزن البادي ومن شدة الوجد إذا المرء أعراه الصديق بدا له ... بأرض الأعادي بعض ألوانها الربد انتصب كرها على أنه مصدر في موضع الحال. يقول: بسم لي كارهاً فتبينت الذي به من حزن ظهر عليه، ومن وجد استكن في قلبه. ويقال استنبت وتبينت بمعنى واحد. وبسم وابتسم بمعنى واحد، إلا أن في تبسم زيادة معنى التكلف، كأنه تكلف منه ما تكلف على كراهية. وقوله (إذا المرء أعراه الصديق) يريد به: إذا الرجل خذله صديقه وقعد عن نصرته، وتركه بالعراء، في أرض الأعداء، بدا له من ألوان الأرض يكون إذا اسودت بعضها. وهذا التفصيل والتبعيض دل على أن اسوداد الأرض يكون من وجوه عدة، وللحالة التي أشار إليها ما يختص بها، ويجب أن يكون شدها. وهذا لأن ما يرد على النفس من المكاره مراتب، فاسوداد الأرض عليه لها حسب مقاديرها في أنفسها. وقال سالم بن وابصة أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كأن به عن كل فاحشة وقرا سليم دواعي الصدر لا باسط أذى ... ولا مانع خيراً ولا قائل هجرا يقول: أحب من أخلاق الفتى أن يكون متكرماً إذا طرق أذنه ذكر الفواحش، فلا بعيها ولا يجعلها من نفسه ببال، حتى كأن به صمماً عن أنواع الفواحش كلها. وقوله (سليم دواعي الصدر) ، ارتفع سليم لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو سليم، ويكون ما بعده صفات له. ويريد بالدواعي ما يتعلق بالأغيار منه لاما يخصه في نفسه. ألا ترى أنه فسره بقوله (لا باسط أذى ولا مانع خيرأ ولا قائل هجراً) وكل ذلك للغير لا للنفس. ويكشف هذا أنه إذا بسط أسباب الأذى عاد الضرر منها لا عليه. وإذا منع خيره كذلك عاد الضرر على المنتفع به وعلى هذا إذا قال هجراً. والهجر: الفحش. ويقال: أهجر الرجل، إذا أنى به. وقد

стр. 780

كان من فلان هاجرة. على ذلك قوله: إذا ما شبت نالك هاجراتي ولك أن تنصب (سليم) بما بعده، فيكون في موضع الحال، وما يتبعه صفات له، وهو لا باسطاً أذى ولا مانعاً خيراً ولا قائلاً هجراً. إذا ما أتت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالاً لزلته عذرا غنى النفس مايكفيك من سد حاجة ... فإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقراً يقول واعظاً ومهدئاً: إذا اتفقت من صديق لك زلة، أو وقوف موقف تهمة، فحسن أمره في ذلك واحمله على ضروب مما يبسط عذره فيه، بل كن أنت المحتال لعذره، فلا تحوجه إلى تكلف الأعتذار. وقوله (غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة) يقول: خذ من دنياك ما تسد به فقرك، فإن غنى النفس ما يضمن الكفاية، فإن زاد قليلا عاد ذلك بزيادتك فيه الفقر، وذاك أن الدواعي إنما تكثر وتتوسع الأسباب وكثرتها، وما يفضل عن الكفاية يمت كل جزء منه بماتة صاحبه فلا يكاد يكتفي ببعضه إلا وما عداه يمت بمثل ماتته. وإذا صار الأمر على ذلك فكل منزلة ينتهي إليها طلب الفضل تدعوه إلى مافوقها، فيبقى أبداً متعباً فقيراً. وقوله (فإن زاد، شيئاً) انتصب شيئاً على المصدر، لأنه واقع موقع زيادة. وزاد هاهنا بمعنى ازداد، فلا يتعدى. وانتصب فقراً على الحال. وقال آخر: وكم من لشيم ود أنى شتمته ... وإن كان شتمي فيه صاب وعلقم

стр. 781

وللكف عن شتم اللئيم تكرما ... أضر له من شتمه حين يشتم اللئيم: الذي اجتمع فيه خصال مذمومة في نفسه وأبويه. فيقول: كم من رجل دنى النفس والأصل، يتمنى أن أتخذه نظيراً لي أكابله وزناً بوزن، وأكافيه لفظاً بلفظ، وإن كان في هجوى له وشتمي إياه ما يجري مجرى الصاب والعلقم في المرارة. والصاب: شجرة لها لبن فإذا أصاب العين حلبها. والعلقم: الحنظل. وقال الخليل: يقال: علقم الحنظل، إذا اشتدت مرارته. ثم قال: لإمساكي عن مشاتمة اللئام آخذاً بالكرم، أصون لعرضي، وأعود عليهم بالضرر من كل ذم وهجو. وانتصب (تكرما) على أنه مصدر في موضع الحال، أي متكرما، ويجوز أن يكون مفعولاُ له، أي للتكرم. وقال عقيل بن علفة وللدهر أثواب فكن في ثيابه ... كلبسته يوماً أجد وأخلقا وكن أكيس الكيسي إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا ذكر الأثواب مثل، وإنما يريد تلون الدهر بأهله، وتصرفه بأحداثه وتاراته وغيره. واللبسة: اسم حالة اللابس. أي البس ثيابه لبسته مجداً أو مخلقاً، وإن أجد أو أخلق، لأن الحال يتضمن معنى الجزاء. والقصد إلى توصية المخاطب بأن يطلب موافقة الناس في دهرهم، ويتخلق بأخلاقهم. والقصد إلى توصية المخاطب بأن يطلب موافقة الناس في دهرهم، ويتخلق بأخلاقهم. ومعنى أجد: جعل ثوبه جديداً. وكذلك أخلق الثوب نفسه فهو مخلق؛ وهذا أشهر من الأول. وقد قيل في الدعاء للآبس الجديد: (أبل وأجدد) يراد به فعل مثله في المستأنف، واتصال عمره. وقد صرح عن المعنى فيما بعده، لأنه قال: وكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم. والمعنى: تكيس مع الأكياس، بل اجتهد أن تفوقهم في كيسهم وإن ابتليت بحمقى فتحامق معهم. وقوله (كن أنت) أنت توكيد للمضمر في كن. و (أحمقا) يجوز ألا يريد به أفعل الذي يتم بمن ويكون المعنى تحامق. ويجوز أن يكون أفعل الذي يتم بمن، وقد حذف منه من لأنه خبر فجاز ذلك فيه. ويدل على هذا أنه قال: كن أكيس الكيسى. وقد قيل: ما أحمقه، لأنه ليس من الخلق في شيء. ألا ترى أن صاحبه يوبخ على ما يأتيه منه. فأما قوله (الحمقى) ففعلي جمع فيما يكون بلاء وزمانة. على ذلك

стр. 782

الجرحى والمرضى، فشبهت الحماقة به، ثم حمل الكيسى عليه، لأنهم يحملون النقيض على النقيض كثيراً. وقال بعض الفراريين أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوءة اللقبا كذاك أدبت حتى صار من خلقي ... إني وجدت ملاك الشيمة الأدبا يصف حسن عشرته لصاحبه وجليسه، ومؤاخذة نفسه بصيانته وإكرامه فيقول: إذا خاطبته خاطبته بأحب أسمائه إليه، وهو الكنية، وأعدل عن نبزه ولقبه؛ لأني على هذا أدبت، حتى به تطبعت، فصار خلقاً ثانياً لي وإن كان أصله تخلقا؛ إني وجدت الأدب ملاك الأخلاق. والملاك: اسم لما يمتلك به الشيء، فهو كالرباط والنظام وماأشبهما. وقوله (ولا ألقبه والسوءة اللقبا) ينصب السوءة. فتنصب اللقب من ألقب، وينتصب السوءة على أنه مفعول معه، فيكون من باب: جاء البرد والطيالة. والتقدير: لا ألقبهاللقب مع السوءة. ويجري هذا المجرى قوله تعالى: فأجمعوا أمركم وشر كاءكم، لأن المعنى مع شركائكم. ويكون المراد: لا أجمع بين اللقب ومايسوءه من فحش الكلام. فهذا وجه للنصب. ويجوز أن يكون انتصاب السوءة على المعنى، كأنه قال: ولا آتي السوءة، فعمل فيه معنى لا ألقبه، فيكون على هذا من باب: ياليت بعلك قد غذا ... متقلداً سيفاً ورمحاً وعلفتها تبنا وماء بارداً ويجوز أن يمون السوءة مفعولاً به، وقد عمل ماقبل الواو فيه، كما تقول: مازلت وزيداً حتى فعل كذا، أي مازلت بزيد حتى فعل. وتقدير الباب في هذا أكشف

стр. 783

من تقدير مع وإن تقارب معنياهما، كأنه قال: لا ألقبه اللقب بالسوءة. ويقال: سميته كذا وبكذا، ولقبته كذا وبكذا. قال الله تعالى: ولا تنابزوا بالألقاب. وإن رفع فارتفاعه يجوز أن يكون بالإبتداء ويكون الخبر مضمراً، كأنه قال: والسوءةذاك، يعني إن لقبته فالفحش فيه. ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره للقبا، ويكون مصدراً كالجمزى والوكرى وما أشبههما. والمراد: والفحش استعمال اللقب معه، ويكون تفظيعاً للأمر لو فعل. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: لا ألقبه اللقب، وهو السودة. وهذا أقرب. والسوءة: الفعلة القبيحة. قال الشاعر: يالقوم للسوءة السواء ويسمى الفرج السوءة، لقبحه. وفي القرآن: فبدت لهما سواتهما. ويقال: سوءة لفلان! دعاء عليه. وقال رجل من بني قريع متى ماير الناس الغنى وجاره ... فقير يقولوا عاجز وجليد وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسمت وجدود أخرج هذا الكلام مخرج الإنكار لما تعوده الناس في الحكمعلى الأغنياء والفقراء. فيقول: مما يقضى به الناس على الغنى وإلأى جنبه فقير، ان يقولوا: هذا من عجزه أتى، وهذا لجلادته أغنى. وهذا خطأ، لأن الغنى والفقر مما قدر الله تعالى وأجرى به قسمه في خلقه، وليس المعتم فيه على احتيالهم، وسعيهم واجتهادهم، لكنها جدود وحظوظ درجوا عليها، وخلقوا لها، على ماعرف الله تعالى من صالح خلقه. وجواب (متى ما ير) قوله (يقولوا) . وارتفع عاجز على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه: هذان عاجز وجليد.

стр. 784

إذا المرء أعيته المرورءة ناشئاً ... فمطلبها كهلاً عليه شديد وكأن رأينا من غنى مذمم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد قوله (إذا المرء أعيته) بعث وتحضيض على النهوض في طلب المعالي في ابتداء النشء، وحين كان في القوة فضلة، وفي العمر مهلة، حتى تتلاقى أوائل عمره وأواخرهفي طلب الرياسة، وإقامة المروءة، وأنه إن دافع بما عليهفي ذلك وماطل انتظاراً لأحوال تجتمع له، فاكتهل ولما تساعده تلك الأحوال فإنه يتعذر عليه طلبها، ويشتد عليه إدراكها. وانتصب (ناشئاً) على الحال، والعامل فيته أعيته. ويقال: فتى ناشىء، أي شاب. قال الخليل: ولا يوصف به الجارية. والناشئة: أول الوقت، من هذا. وينتصب (كهلاً) على الحال أيضاً، والعامل فيه مطلبها، لأن المعنى مطلبه لها وهو كهل، فالمصدر مضاف إلى المفعول، أو مطلبه لها إذا كان كهلاً، ومثله: هذا تمراً أطيب منه بسراً. وقوله (وكائن رأينا) كائن بمعنى كم. وكأنه أخذ يفضل الفر إذا جرى صاحبه في محمود الطرائق من التجمل، والإكتفاء والتعفف، على الغنى وصاحبه يبطر، ويطفى ويأشر، ثم لا يؤدي حق النعمة عليه، فقال: كم من غنى ساعدته الدنيا والأقدار، ثم أصبح مذمماً حين لم يلتزم شروط محمود الغنى، وكم من فقير قوم لما جرى في ميدان العفاف والتجمل، والرضا بماله والتشكر، مات وهو حميد الطريقة، رضى السريرة. والصعلوك: الفقير. ويقال: صعلكته، أي ذهبت بماله كله. وقال بعضهم: وأضحت أمور الناس بغشين عالماً ... بما يتقى منها وما يعتمد جدير بإلا أستكين ولا أرى ... إذا الأمر ولى مدبراً أتبلد قوله (يغشين عالماً) أي يغشين منى عالماً، لأن العالم هو هو، فحذف منى. والمعنى: إني باشرت الأمور العظيمة، ولا بست الخطوب الجليلة، فصرت بطول تجربتي، واتصال ممارستي، عالماً من أمور الناس إذا وردت أخبارها على بما يتحامى منها ويحذر، وما يتمنى منها فيطلب. فلا جرم أني خليق بألا أضرع عند نوائب الدهر

стр. 785

ولا أخضع، ولا أرى إذا فاتني أمر أتحسر في إثره وقد ولى، وأضرب بلدة إحدى كفى بالأخرى، ثوجعاً وتلهفاً، إذا كنت واثقاً بأن الأمور يملكها التغير، وأن الفائت يتلافى، فلا يدوم شيء على حال إلا ريث ما يتسلط عليه انتقال. وقال الدريدي: تبلد الرجل، إذا تحير في أمره فأقبل يضرب بلدة نحره بيده. وبلدة النحر: الثغرة وما حواليها. وقال الخليل: التبلد: نقيض التجلد وهو استكانة وخضوع. وبلد الرجل، إذا انكسر في العمل وضعف. وقال آخر: وإنك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أم هو أسعد عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سولاً أن يكون له غد وفي كثرة الأيدي لذي الجهل زاجر ... وللحلم أبقى للرجال وأعود هذه الأبيات تشبه قول الآخر: وأكرم كريماً إن أتاك لحاجة ... لعاقبة إن العضاه تروح وقوله الأخر: لا تهين الفقر علك أن ... تركع يوماً والدهر قد رفعه وقوله (أأنت بما تعطيه أم هو أسعد) تقديره أأنت أسعد بما تعطيه أم هو. وأم هذه هي المتصلة المعادلة لألف الاستفهام، فانعطف هو به على أنت. وقد يجيء الخبر في مثله مكرراً، كقول الشاعر: بات يقاسي أمره أمبرمه ... أعصمه أم السحيل أعصمه فيكون التكرار فيه على طريق التأكيد. ويجري (بين) هذا المجرى في نحو قولهم: بين زيد وبين عمرو خلاف، ولو لم يكرر بين لكان الوجه. والشاعر يقول:

стр. 786

اذا زارك سائل فتوفر عليه، ولين قولك وجانبك له، فإنك لاتعلم أأنت أسعد بما يناله منك أم هو، واعلم أن المحتاج إليك إن منعته سؤله وطلبته فهو حقيق بأن ينال ما منعته في غده. وقوله (أن يكون له غد) في موضع خبر عسى، والضمير من له يعود إلى السائل، والمعنى: عساه إن منعته سؤله من يوم كان عليه، أن يكون غد ذلك اليوم له، ولهذا قال الله : وتلك الأيام نداولها بين الناس، فغد يرتفع بيكون، وله في موضع الخبر. وقوله (وفي كثرة الأيدي لذي الجهل زاجر) يريد استبق إخوانك وذويك، واعلم أن في التكاثر بهم مزجرةً للجاهل، ولتعاون أيديهم مدفعة لأذى المغلب الخامل. ومع ذلك فالحلم أبقى شأناً وأمراً للرجال، وأرد عليهم وأنفع لهم. وهذه الوصاة اشتملت على أمرين: أحدهما اكتساب مودات الإخوان لكي يكونوا إذا احتيج إليهم عوناً. والثاني استعمال الحلم مع الأعداء، والجري معهم على حد لايخرجهم إلى المكاشفة، ولا يحوجهم إلى خرق الهيبة. وقوله (من اليوم سولا) يقال: أعطى فلان سوله، فيهمز ولا يهمز. وقال آخر: إياك والأمر الذي إن توسعت ... مداخله ضاقت عليك المصادر فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر انتصب (والأمر) بفعل مضمر. وإياك ناب عن أحذرك، فكأنه قال: أحذرك أن تلابس الأمر الذي إن توسعت موالجه ضاقت عليك مخارجه. والمعنى: تأكل كل ما تلابسه، واعرف أواخره وإن اشتبهت، كما تعرف أوائله وإن تبينت، لأنه يقبح بالمرء أن يكون فيما يقتحمه عند نفسه معذوراً، وعند الناس ملوماً. وقوله (فما حسن أن يعذر المرء نفسه) في إعراب (أن يعذر) وجوه: أحدها أن يرتفع بالابتداء وخبره متقدم عليه، وهو حسن، لأن ما النافية إذا قدم خبره على اسمه يبطل عمله. ويجوز أن يكون موضعه رفعاً بفعله وفعله حسن، ويرتفع حسن بالابتداء، ويستغنى بفاعله عن خبره، وجاز الابتداء بحسن وإن كان نكرةً لاعتماده على حرف النفي. والمعنى: ما يحسن عذر المرء نفسه فيما يتولاه

стр. 787

وليس له من الناس عاذر. ويجوز أن يرتفع (أن يعذر) بأنه خبر المبتدأ الذي هو حسن، وهذا أضعف الوجوه. ويروى: (إن توسعت موارده ضاقت عليك المصادر) وقوله (من سائر الناس) أي من باقي الناس، وهو من السؤر. ومن موضع الجميع فقد أخطأ. وقال العباس بن مرداس ترى الرجل النحيف فتزدربه ... وفي أثوابه أسد مزير ويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير ينبه بهذا الكلام على أن الرجال ليسوا بجزر يطلب عظمها وسمنها، لأن المرء بأصغريه: قلبه ولسانه. فيقول: ترى الرجل النحيف المهزول الدقيق، فتستحقره لضؤولته، واذا فتشت عنه واستشفقت ما وراء ظاهره وجدته أسداً مزيراً. والمزير هو الجلد الخفيف النافذ في الأمور. ويروى: (يزير) وليس بجيد من طريق المعنى، فكأنه أصله يزئر فنقلت الحركة إلى الزاء وأبدل من الهمزة ياءً، كما يقال المراة والكماة، في المرأة والكمأة. وإنما ضعف من طريق المعنى لأن تشبيهه إياه بالأسد لا فائدة لذكر الزئير معه، إذ لاتدوم حاله على ذلك. ووجهه على ضعفه أن يكون مورد (يزئر) تأكيداً للتشبيه، كما يستعار صفة المشبه به للمشبه وإن كان حصوله لو حصل ذماً فيه، تأكيداً للتشبيه. على ذلك قوله: أزل إن قيد وإن قاد نصب والزلل من صفة الذئب. ومثله قول الآخر: صكاء ذعبلة إذا استدبرتها والصكك من صفة النعام.

стр. 788

وقوله (فيعجبك الطرير) فالطرير: الشاب الناعم ذو الكدنة. فيقول: ويتفق في الرجال من يعجبك خلقته، فإذا بلوته وامتحنت أخلاقه وجدته لايصدق ظنك فيه، بل يخلف ويخالف في كل ما تعتمد عليه، أو تكله إليه. فما عظم الرجال لهم بفخر ... ولكن فخرهم كرم وخير ضعاف الطير أطولها جسوماً ... ولم تطل البزاة ولا الصقور بغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأم الصقر مقلات نزور صرح عن الغرض المقصود فيما تقدم فقال: إنما يحمد من المرء كرمه وفضله وكثرة محاسنه وخيره، وكل ذلك يرجع إلى الأخلاق لا إلى الخلق، فلا اعتبار بالعظم، ولا فخر في البسطة إذا حصلت في الجسم خاصةً من دون العلم. ثم أخذ يمثل فقال: ترى الطير ضعافها كالكراكي وطيور الماء أطولهاجسوماً، وأمدها أعناقاً وسوقاً، ثم كرائمها كالبزاة والصقور، وهي تصيد ما وزنه يتضاعف على وزنها. وما طوله وعرضه يتزايد على طولها وعرضها، ثم بغائها وهي صغارها ومصطادها أكثر فراخاً وأوسع نسلاً، وأم الصقر قليلة الفراخ مقلات لايبقى لها أيضاً ما تفرخه. وانتصب (جسوماً) و (فراخاً) على التمييز. والمقلات: مفعال من القلت، وهو الهلاك. والنزور: القليلة الأولاد، من النزر، وهو القليل. لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير يصرفه الصبي لكل وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي ... فلا غير لديه ولا نكير لما ضرب المثل بذوات الأجنحة والماشية على رجلين، عاد يذكر من ذوات الربع مثل ذلك فقال: ترى البعير مع عظمه وقوته، وصبره على النهوض بالأعباء الثقيلة، والأحمال العظيمة، لما لم يصحب عظمه اللب، وقوته التمييز، لم يستغن بما أعطي من ذلك، بل تراه مسخراً لأن يديره الصبي على وجه من وجوه التذ ليل، ةيحبسه زمامه على كل خسف وهضم، حتى أن الوليدة تضربه أوجع الضرب، فلا إنكار منه ولا ذهاب عنه، ولاتغيير إليه ولا نكير لديه.

стр. 789

وقوله (الهراوي) جمع هراوة، ووزنه فعائل هرائي، لأن فعيلة وفعالة يشتركان في هذا البناء من التكسير، تقول: صحيفة وصحائف، ورسالة ورسائل، إلا أنهم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فصار هراءا، فاجتمع همزة وألفان فكأنه قد اجتمع ثلاث ألفات أو ثلاث همزات، فأبدلوا من الهمزة واواً فصار هراوى. فإن قيل: هلا أبدلت منه الياء، كما فعلته في مطايا وما أشبهها؟ قلت: أرادوا أن يظهر في الواو كما ظهر في الواحد ليتميز بنات الياء عن بنات الواو. فإن أك في شراركم قليلاً ... فإني في خياركم كثير يقول: إن كثرني شراركم وأراذلكم، لوفور عددهم وكوني واحداً فيهم، فإني أكثر خياركم وأغلبهم لقلتهم وكثرتي، وذلك أني أنوب عن جماعة إذا عد الأخابر. ويجوز أن يريد أنه لاخيار لكم، فأنا وإن كنت واحداً من حيث العدد، كثير إذا طلب الخيار منكم، إذ لم يكن لكم خيار. وقد مضى القول في غير موضع في حذف النون من لم أك وإن أك. وقال بعضهم: أعاذل ماعمري وهل لي وقد أتت ... لداتي على خمس وستين من عمري رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضاً ... أخاً سفر يسرى به وهو لايدري مقيمين في دار نروح ونغتدي ... بلا أهبة الثاوي المقيم ولا السفر وقوله (ما عمري) استفهام على طريق التحقير والاستقلال، فكأنه العاذلة كانت عتبت عليه في تبذير وإنفاق، وخوفته العواقب وما تؤدى إليه باتفاق، فأخذ يجيبها ويقول: يا عاذلة، أي شيء عمري، وكيف يدوم بقائي حتى أخوف بالفقر، وهل لي عمر وأقراني يعدون خمساً وستين سنة. ثم أخذ يذم الحريص على الدنيا وأعراضها، ويقص ما تستوي فيه أقدام الخلائق من إرصاد الفناء لها فقال: رأيت صاحب الدنيا وإن كان متودعاً مقيماً، كامسافر يسار به وهو لا يعلم؛ وذلك لأن له أجلاً يساق إليه، ومنتهى من العمر يحال عليه، فالأيام تأخذ منه، وتنقص من عمره، فهو كالمسافر وقد انتوى نيةً فما يقطعه من المسافة يقربه من مقصده، ويعجل وصوله إلى أمده. وقوله (مقيمين في دار) انتصب على الحال من قوله (أخا الدنيا) ، لأنه أراد به الكثرة، فهو كأسماء الأجناس. وقال: (نروح ونغتدي) لأنه من إخوان الدنيا، فادخل

стр. 790

نفسه فيهم. وقوله (بلا أهبة الثاوي المقيم ولاالسفر) يريد: لانأمل البقاء في هذه الدنيا، ولا نأمن الفناء، فلسنا كالثاوي فنتأهب أهبته، ولا كالمسافر فنعد عدته. واراد بالثاوي المقيم الكثرة لا الواحد. وقد تقدم القول في حقيقة العمر. وقال بعضهم: لاتعترض في الأمر تكفى شؤونه ... ولاتنصحن إلا لمن هو قابله ولاتخذل المولى إذا ما ملمه ... ألمت ونازل في الوغى من ينازله يوصى مخاطبه بأن يعرض عن الأمر الذي لايعنيه، ويترك الاعتراض فيه، والا يتنصح إلا لمن يرجو قبول النصح منه، وبألا يخذل ابن عمه إذا نزلت به نازلة، بل من ينازله، ويناوىء من يناوئه. وهذا على طريقتهم في قولهم: (انص أخاك ظالماً أو مظلوماً) . وأصل الوغى هو الجلبة والصوت. وقوله (في الأمر تكفى شؤونه) يريد تكفى أسبابه وجوانبه. والضمير من (قابله) لما دل عليه قوله لاتنصحن، وهو النصح. وقال منظور بن سحيم ولست بهاج في القرى أهل منزل ... على زادهم أبكى وأبكى البواكيا فإما كرام موسرون أتيتهم ... فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا وإما كرام معسرون عذرتهم ... وإما لئام فادكرت حيائيا يصف نفسه بالتعفف عن المطامع الدنية، والمطامع الذميمة، فيقول: لاأهجو بسبب القرى، وهو ما يقدم إلى الضيف، ولا أشكو أهل دار فأبكي على ما يفوتني من زادهم وأبكي غيري معي. وقوله (أبكي وأبكي البواكيا) لا بكاء ثم، وإنما أراد

стр. 791

تفظيع التأسف. فيريد: لا آسف لما أرى من الحرمان أسف من يبكي ويبكي غيره تهالكاً على مال غيره، وتوجعاً لشدة نهمته. وقوله (فإما كرام) فصل بين حرف الجزاء والفعل بقوله كرام، فارتفع بفعل مضمر دل عليه الفعل الذي بعده. كأنه قال: فإما يقصد كرام موسرون أتيتهم. وقوله (فحسبي) في موضع الابتداء، و (ما كفاني) في موضع الخبر، والفاء ما بعده جواب الشرط. وقوله (من ذي عندهم) أراد من عندهم. والعرب تقول: هذا ذو زيد، يريدون: هذا زيد. وهذا من إضافة المسمى إلى الاسم. قال الكميت: إليكم ذوي آل النبي تطلعت يريد أصحاب ذا الاسم. وقال الأ عشى: فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجى الموت والشرعا أي العسكر الذي يقال له آل حسان. ويروى: (من ذو عندهم) ويكون ذو بمعنى الذي، وعندهم في صلته، وذو هذه طائية. والمعنى: لايخلو من أقصده وأنزل به من وجوه: إما أن يكونوا قوماً يرجعون إلى كرم ويسار، فيتوفرون على حسب ما يقتضيه كرمهم وأكتفى من الذي عندهم لي بما يكفيني، وإما أن يكونوا كراسسماً مضيقين أثر الدهر فيهم، فأعذرهم لإضاقتهم، وعلمي بحالهم. فقوله (وإما كرام معسرون) بيانه: وإما قصد كرام مضيقون عذرتهم في تقصيرهم، وإما أن يكونوا قوماً لئاماً في أخلاقهم دناءة، وفي أعراقهم نذالة، فتذكرت حيائي وصيانتي لنفسي، فلم أبذل لهم وجهي، ولم أبتذل بتقاضيهم ومطالبتهم جاهي. وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرةً ... وبطني أطويه كطي ردائيا قوله (أبقى ما ادخرت) ما في موضع الجر، كأنه قال: عرضي أبقى شيء أدخره ذخيرة، أي اكتسبه ذخيرة. فعلى هذا ينتصب (ذخيرة) على الحال المؤكدة لما

стр. 792

قبله. وادخر: افتعل من الذخر لكنه ابدل من التاء دالاً فأدغم الدال فيه، فلك أن تقول ادخر ولك أن تقول اذخر. وهذا الكلام بيان ما يأخذ به نفسه من الصيانة والقناعة، وسلوك طرائق الانقباض عما يشين ولايزين من الانبساط إلى اللئام. فكأنه قال: أبقي على عرضي، لأنه أعز الذخائر لي، وأطوي بطني عن المآكل المردية كما أطوي ردائي، إذ كان التزهد قيما يخزي أولي عندي. وقال سالم بن وابصة ونيرب من موالي السوء ذي حسد ... يقتات لحمي وما يشفيه من قرم داويت صدراً طويلاً غمره حقداً ... منه وقلمت أظفاراً بلا جلم النيرب: النميمة والعداوة وقوله (ونيرب) أراد وذي نيرب، والمصدر وما يجري مجراه إذا وصف به إما أن يكون على حذف المضاف، وإما أن يجعل الموصوف نفس الحدث لكثرة وقوعه منه. فيقول رب ذي نيرب حسود من موالي السوء، يغتابني بظهر الغيب، ويأكل لحمي ولا يشفيه ذلك من قرم. والقرم: شهوة اللحم. والمعنى أنه لايكفيه ما يتناول مني وإن كان لا يألو جهداً في ثلبي. وجواب رب قوله (داويت) من البيت الثاني. ويقتات: يفتعل من القوت، وهو فعل المطاوعة. ويقال: قاته كذا فاقتاته. ومعنى (داويت صدراً طويلاً غمره) أي صابرته على مداجاته وانطوائه على حقدي، فدفعت شره عن نفسي بطول مداواتي، وفللت حده بترك مكاشفته حتى لم يجد إلى إثارة كامن غمره طريقاً، فاحتاج إلى الإمساك عن أذاتي، لدوام تمسكي بمجاملته شاء أو أبى. وقوله حقداً هو اسم الفاعل من حقد، وهولغة في حقد. يقال حقد يحقد فهو حقود، وحقد يحقد فهو حقد. بالحزم والخير أسديه وألحمه ... تقوى الإله وما لم يرع من رحمي فأصبحت قوسه دوني موترةً ... يرمي عدوى جهاراً غير مكتم الباء من قوله (بالحزم) تعلق بقلمت او داويت من البيت المتقدم. والخير: الكرم، وقيل: هو الهيئة والطبيعة، يقال: هو كريم الخيم والخير جميعاً وقوله

стр. 793

(أسديه وألحمه) خبران لف أحدهما بالآخر. فقوله (تقوى الإله) يرجع إلى أسديه، و (ما لم يرع من رحمي) رجع إلى ألحمه. والمعنى: داويت صدره أي مكنون صدره، وقلمت ظفره باستعمال الحزم والخير معه، ثم جعلت تقوى الله تعالى سدى ما بيني وبينه، وألحمته رعاية ما ضيعه من الرحم، فلا جرم أنه كف من شأو شره وغرب عداوته، وأقبل في الظاهر يعادي من يعاديني، فقوسه الآن موترة دوني يرمي منها أعدائي بأسهم النصرة. مجاهرةً لا مكاتمةً. إن من الحلم ذلاً أنت عارفه ... والحلم عن قدرة فضل من الكرم نبه بهذا الكلام على أن تحلمه عن أدانيه كان عن قدرة لا عن عجز ونقيصة، ولو شاء لانتقم منهم. وأنه لم يكسبه إمساكه عن مجاذبتهم ذلاً، ولو كان يفضي به الحال إلى ذلك لما فعل، فتحلمه كرم، وإبقاؤه على ما يجمعه وإياهم من قربي وقرابة تقي وتفضل. وقوله (فضل من الكرم) يريد أنه نوع من الفضل يعد في خصال الكرم. ومثل هذا قول الآخر: جهول إذا أزرى التحلم بالفتى ... حليم إذا أزرى بذي الحسب الجهل وقال بعضهم: وأعرض عن مطاعم قد أراها ... فأتركها وفي بطني انطواء فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء يماثل هذا قول الآخر: ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المطعم قوله (وأظلله) يريد أظل عليه، فحذف حرف الجر، كما قال: لولا الأسى لقضاني

стр. 794

أي لقضى علي. وقال نافع بن سعد الطائي ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت ... على طمع لم أنس أن أتكرما ولست بلوام على الأمر بعدما ... يفوت ولكن عل أن أتقدما يقول: أما علمت من أخلاقي الكف عن كثير من المباغي الجالبة لقالة الناس وتصرفهم في الحكم عليه وله، وأنني إذا أمكنني الفوز بالمطامع القريبة والمآكل الهنيئة، فأشرفت منها على تحصيلها لم أنس أخذ النفس بالنظر فيها، واستعمال الكرم في ترك ما يجمع على عاراً منها. وقوله (على طمع) أي على مطموع فيه، ومنه قيل لأرزاق الجند: أطماعهم. وقوله (ولست بلوام) يقول: إذا فاتني أمر لا أرجع على نفسي بللوم الكثير تحسراً في إثرهم، لكنني حقيق أن أتقدم في تحصيله قبل فواته إن كان مما يهم وقوله (ولكن عل) هو أصل لعل، وهو حرف موضوع للطمع والإشفاق، واسمه مضمر كأنه قال ولكن لعلني أن أتقدم. وهويجيء بأن وبغير أن، فإذا كان معه أن أفاد فائدة عسى، وإذا جاء بغير أن كان الفعل أقرب وقوعاً، لأن أن للاستقبال، ولعل وإن كان حرفاً يعد مع أفعال المقاربة وهي عسى وكاد ولوام بناء المبالغة، وليس بمبنى على لوم لأن المبني عليه هو ملوم. وقال بعض بني أسد إني لأستغني فما أبطر الغنى ... وأعرض ميسوري على مبتغى قرضي وأعسر أحياناً فنشتد عسرتي ... فأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي ومانالها حتى تجلت وأسفرت ... أخو ثقة منى بقرض ولا فرض

стр. 795

يعدد في هذه الأبيات عاداته في حالتي الغنى والفقر، فقال: إني أنال الغنى فلا يكسبني أشراً ولا بطراً، لكني أشكر الواهب وأبقى على حالتي الأول، بل يقربني ما أناله من المتصلين بي، والمضمين إلى بسبب من الأسباب، فأعرض ما يتيسر لي عن طلاب قرضي، وأشرك من يمت إلى في الخير المتاح. وقد يتعقب الإيسار إعسار في الوقت بعد الوقت، فأصبر وإن اشتد عسري، وأسبل على نفسي جناح تحملي وتعففي حتى أدرك ميسور الغنى ونفسي معي، لم أبتذلها ولم أدنسها بتعريض أو تصريح لمفضل أطلب بهما عنده مطمعاً، وأجتلب مرغبا. وقوله: (وما نالها) يريد وما نال تلك العسرة أخ لي يوثق بوده لا بعارية ولا بعطية، إلى أن انكشف وفارقت. وقوله: (أبطر الغنى) معناه أبطر في الغنى حتى أذهب عن سنن الشكر فأتجاوزه وأخلفه ورائي، غمطاً للنعمة، أو جهلاً بحق الصنيعة. وقال الله تعالى: وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها. وقوله (أعرض ميسوري) وضعه بلفظ المفعول للمصدر، يريد اليسر. ومثله ماله معقول. وضده حمل عليه وهو العسر، فقيل معسور. وإنما قال (ومعي عرضي) لأنه إذا صانهعن القبائح ولم يسلط عليه من يتملكه بهبة أو صلة، فكأنه معه لم يفارقه. ولو أجراه على غير هذا لكان مفارقاً له، وداخلاً في ملكه غيره. ولكنه سيب الإله ورحلتي ... وشدى حيازيم المطية بالغرض الهاء من قوله (ولكنه) يعود إلى الميسور الغنى. واستدراك النفي من قوله (ما نالها حتى تجلت) بقوله لكن، يريد: لكن الغنى المتجدد، وهو عطية الله ﵎، وتقلبي وارتحالي، وشدى حيازيم المطايا بالغروض. كأنه ذكر الأسباب التي يسرت له الغنى، وأنها لم تخرج من تفضل الله تعالى واجتهاده. وقوله (المطية) أراد بها الجنس، لذلك قال (حيازيم) وجمعها. والسبب: العطاء والمعروف، وكثر في الاستعمال حتى سمى الكنوز سيوباً، وقيل لكا تخرجه المعادن سيوب. والغرض والغرضة: البطان، وهو للبعير بمنزلةالحزام للدابة. والمعرض منه كالمحزم. وأستنقذ المولى من الأمر بعدما ... يزل كما زل البعير عن الدحض وأمنحه مالي وودي ونصرتي ... وإن كان محي الضلوع على بغضي

стр. 796

يقول: إني أتعطف على أبناء عمي، فأخلصهم من الشدائد، وآخذ بأضباعهم إذا زلت أقدامهم، فأقيمهم بعد أن كانت زلتهم كزلة البعير عن المزلفة. وإنما خص البعير لأن سقطته أفظع وأسرع في المزل. يقال: مكان دحض ومدحضة. ودحضت رجل البعير، إذا زلقت. قال: وحدت كما حاد البعير عن الدحض ومنه: حجتهم داحضة أي لا تثبت. ودحضت الشمس عن كبد السماء: زالت. وقوله (وأمنحه مالي) يريد: أني بعد استنقاذي إياه أتوفر عليه ببذل المال، وإخلاص الود، وتقريب النصرة، وإن كان منطوياً على العداوة والبغضاء. وقوله (محنى الضلوع) أي معطوفها. ويقال: حنيت الشيء وحنونه حنياً وحنواً، فهو محني. وقال حاتم الطائي وما أنا بالساعي بفضل زمامها ... لتشرب ماء الحوض قبل الركاب وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها ... لأبعثها خفا وأترك صاحبي يقول: لا أجتذب إلى نفسي الفضل مع خلطائي وشركائي في الشرب وغيره فلا أتسرع في الورود مستعجلاً براحلتي لتشرب ماء الحوض قبل ورورد ركائبهم. ومعنى

стр. 797

قوله (بالساعي بفضل زمامها) السابق بما أعطى راحلتي من زمامها. وهذا مثل. والركائب: جمع ركوب، وهو إسم يجمع ما يركب، ويقال: ركوبة، فهي كالحلوبة والحمولة، وتقع للواحد والجمع. وقوله (وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها) ، يقول: وإذا كان لي رفيق في السفر وسعت جنابي له، ولا أتركه يمشي وقد خففت حقيبة رحل ناقتي طلباً للإبقاء عليها، ولكني أردفه أو أركبه. والحقيبة: ما يشد خلف الرحل. قال: والبر خير حقيبة الرحل والفعل منه احتقب واستحقب. واستعير فقيل: احتقب إثما. قال: فاليوم فاشرب غير مستحقب ... إنما من الله ولا واغل وقال آخر: وإني لأنسى عند كل حفيظة ... إذا قيل مولاك، احتمال الضغائن وإن كان مولي ليس فيما ينوبني ... من الأمر بالكافي ولا بالمعاون يصف نفسه بأن الحقد ليس من طبعه ولا عادته، فيقول: إني أشفق على موالي حتى إذا اتفق لواحد ما يحتاج منى إلى معونة نسيت سيئته، ولم أحتمل في صدري له ضغنة، فأخذت بيده وأعنته على دهره، وإن كان فيما ينوبني ليس بكاف لي ولا معين، إذ كنت أوجب له بكونه مولى ما ينسى تباغضه وجفاءه. والحفيظة: الخصلة يحفظ لها الإنسان، أي يغضب. ويقال: (أهل الحفائظ أهل الحفاظ) ، لأنهم يحامون من وراء إخوانهم. وانتصب (احتمال) بأنسى. والضغائن: جمع الضغينة، وقد مر ذكرها.

стр. 798

وقال آخر: ومولى جفت عنه الموالى كأنه ... من البوس مطلى به القار أجرب رئمت إذا لم ترأم البازل ابنها ... ولم يك فيها للمبسين محلب يقول: رب ابن عم زهد أقاربه في الإحسان إليه فاطرحوه وانثنوا عن الفكر فيه والتوفر عليه، نبوا عنه وعن اصطناعه، فأثر فيه البؤس، وأحلط بجوانبه الشقاء والضر، حتى صار كالبعير الجرب وقد طلى بالقار، هيئة ولوناً، وضؤولة وانخزالاً، وتباعداً عن الناس وتجافياً، أنا عطفت عليه، وأشركته فيما وهب الله لي في وقت من الزمان لا يؤوي أحد من أهله غيره، لشمول القحط، وغلبة الضر والفقر، حتى أن النوق تؤثر التباعد عن أهلها فلا ترأمها، وترى الذين يبسون بذوات الألبان عند الحلب، لا يجدون في ضرعها خيراً، وترى الذين يبسون بذوات الألبان عند الحلب، لا يجدون في ضرعها خيراً. ويقال: بس بالناقة وأبس، إذا دعاها للحلب. ومن أمثالهم: (لا أفعل كذا ما أبس عبد بناقة) ، أي دعاها للحلب. ويقال: رئمت الناقة رئماناً، إذا عطفت. وقال عروة بن الورد دعيني أطوف في البلاد لعلني ... أفيد غنى فيه لذي محمل أليس عظيماً أن تلم ملمة ... وليس علينا في الحقوق معول يخاطب عاذلة له فيما هم به من الترحال في طلب المال، فقال: اتركيني وما اختاره من التجوال، والتنقل في البلدان، طمعاً في خير أستفيده، وغنى أستجده، لكي إذا نابنا ذو حق وجد على مالنا محملاً وعلينا في التزام واجبه متكلاً؛ لأن من جال نال، ومن قرع باباً وجد ولوجاً، وأول درج الحرمان الوقوف عند أدنى الهمتين، وآخرها الرضا بأودع العيشين. وقوله (أليس عظيماً) يريد تقريرها على فضاعة الفقر والفاقة، وقباحة إمساك الناس عن تعليق الرجاء بهم والطاعة، فقال: ألا تستعظم أن تنوب الحي نائبة فلا يعولون علينا في الإحتمال عنهم، ولا يرتجون منا تعطفاً عليهم، لا تضاع حالنا، وتأكد

стр. 799

اليأس من نيلنا. وقوله (أفيده) بمعنى أستفيد. وأليس يقرر به في الواجب الواقع، وأن تلم في موضع الرفع بليس. وقال آخر: تناقلت إلا عن يد أستفيدها ... وخلة ذي ود أشد به أزرى هذا في طريقة ما تقدم. والمعنى: أني أتباطأ عن المطالب والمباغى كلها إلا إذا اتفق مصنع عند حر، فإني أتسرع إليه، وأتخفف في تحصيله، مخافة أن يفوز به غيري، لأن اعتقاج المنن في أعناق الرجال أعده غنيمة تغتنم، وفائدة تدخر؛ وإلا صداقة أخ وديد أعتمدها في مدافعة شر، ولا شتداد أزر، فإني أجمع يدي عليها، ولا أصبر على المزاحمة فيها. ويقال: شد فلان أزره، إذا شد معقد إزره. ويقال: آزره على امره، إذا ظاهره وعاونه عليه. وقال عبد الله بن الزبير لا أحسب الشر جاراً لا يفارقني ... ولا أخر على ما فاتني الودجا وما نزلت من المكروه منزلة ... إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا يصف حسن ثقته بربه، وجميل ظنه بتفضله، وأنه قد جرب وتبصر، وعرف من أعقاب الأمور ما جعله لا يذل لنائبة، ولا يتخشع لنازلة، فلا يظن الشر إذا بلى به ضربة لازم لا يخالف، وجار سوء لا يفارقز قال: وإذا فاتني أمر وإن جل لا أهلك أسى في إثره، ولا أقتل نفسي جزعاً لفوته، ولا أنزل من مظان الماره منزلة إلا وثقتي بتلى الفرج وتعجله على أقرب مسافة مني. والودجان: عرقان يقطعهما الذابح. ويقال: ودجت الدابة، إذا أصبت ودجها. وقال مالك بن حزيم أنبيت والأيام ذات تجارب ... وتبدي لك الأيام ما لست تعلم بأن ثراء المال ينفع ربه ... ويثنى عليه الحمد وهو مذمم

стр. 800

وأن قليل المال للمرء مفسد ... يحز كما حز القطيع المحرم يرى درجات المجد لا يستطيعها ... ويقعد وسط القوم لا يتكلم قوله (والأيام ذات تجارب) اعتراض وقع بين أنبيت ومفعوليه، وهما في قوله (بأن ثراء المال ينفع ربه) لأن أنبيت ونبيت وأخواتها كل واحدة منها تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل. وقوله (وتبدي لك الأيام) اعتراض ثان وإن عطف على ماقبله. والمعنى أن الأيام والليالي تفيد أربابها تجارب بما يحدث فيها من الحوادث، ويتحول من الأحوال، وتعلمهم بما ينكشف عنها ويشتملعليها من غوامض الأمور وخفياتها، مالا يخطر لهم ببال، ولا يؤديهإليهم رسم ولا مثال. فيقول: أخبرت والأيام هذه حالها أن كثرة المال، والتوسع في الحال، يرجعان بالنفع على صاحبهما فيصورانه بصورة المشكور والمحمود، وإن كان عند التحقيق والتحصيل مشكواً مذموماً؛ وأن قي قلة المال مفسدة لحال المقل وجاهه ونفسه، حتى يبريه ويقطعه بري السوط الجديد الذي لم يلين بعد، المضروب به، فتراه يبخع نفسه، وبتخشع للاقيه والناظر إليه، ويلزم السكوت في نادي الحي فلا ينبس تماوتاً وتصاغراً، إذ كان قد علم من نفسه أنه لا يستطيع الترقي في مدارج الفضل والإفضال، وانه تقعد الحال به عن النهوض بما ينهض به أماثل الرجال، فهو يسلم الأمر لهم، ويبرأ من التدبير إليهم إليهم. وقوله (بأن ثراء المال) تعلق بأنبيت بأن الأمر كذا وأن الأمر كذا. والقطيع: السوط. والمحرم: الذي لم يمرن بعد. وقال محمد بن بشير لأن أوجى عند العرى بالخلق ... وأجتزي من كثير الزاد بالعلق خير وأكرم لي من أن أرى منناً ... خوالداً للئام الناس في عنقي يصف رضاه بيسير الحظ من الدنيا، وعفافه عن كثير ما يستغني عنه فيتوقى، فيقول: لأن أتبلغ عند التعري باكتساء الخلق، وأكتفي من الزاد الكثير بما يمكن به سد

стр. 801

الفاقة - أصون لي وأرد على من أرى مننا معقودة في عنقي، مثقلةً لظهري، باقيةً على أعقاب الزمان للئام الناس عندي. والعلق: جمع العلقة، وهي اليسير من الشيء يتبلغ به ويعتلقه المحتاج إليه. ويجوز أن يكون من علق يعلق، إذا رعى. ومنه الحديث: (إن أرواح الشهداء لتعلق في الجنة) وتكون العلقة كالغرفة والطعمة وما أشبههما. وقوله (لأن أزجي) اللام لام الابتداء، وأن أزجى مبتدأ وخبره قوله (خير وأكرم بي) . إني وإن قصرت عن همتي جدتي ... وكان مالي لايقوى على خلقي لتارك كل أمر كان يلزمني ... عاراً ويشرعني في المنهل الرنق نبه على تمام الظلف والعفاف إذا أخذ به الإنسان، فيقول: أنا وإن عجزت غنيتي عما توجبه همتي، وكان في حالي قصور عما يدعو إليه خلقي، معرض عن كل أمر إذا نلته رجع منه على أذكر به، ويوردني مشارع الكدر، فإذا صدرت عنها لم أتهنأ بشربي منها. ولك أن تروى: (في منهل الرنق) فيكون المنهل مضافاً إلى المصدر، ولك أن تروى: (في المنهل الرنق) بكسر النون فيكون صفة له. والمنهل: موضع النهل. والناهل: العطشان، والريان جميعاً. والوجد والجدة: مصدر وجدت، في المال. ويقال: شرعت في الماء، إذا خضت. وأشرعني فيه فلان وشرعني أيضاً. وفي المثل: (أهون الورد التشريع) . وقال أيضا: ماذا يكلفك الروحات والدلجا ... البرطوراً وطوراً تركب اللججا كم من فتى قصرت في الرزق خطوته ... ألفيته بسهام الرزق قد فلجا قوله (ماذا) لفظة استفهام، والمعنى الإنكار، ويجوز أن يكون (ما) مع ذا بمنزلة اسم واحد مبتدأ، ويكلفك خبره. ويجوز أن يكون وحده اسماً، وذا في موضع الخبر، ويكلفك من صلته؛ كأنه قال في الأول: أي شيء يكلفك، وفي الثاني: ما الذي يكلفك السير في الليل والنهار متصلاً، لاتفتر تركب البر تارةً، والبحر أخرى. والروحات: جمع الروحة، وهو يريد به السير رواحاً. والدلج والدلجة: السير بالليل. وقوله (طرواً) انتصب على الظرف، والبر انتصب بفعل مضمر دل عليه الفعل الذي

стр. 802

بعده. واشتقاق الطور من قولهم: لاأطور به، ومن طوار الدار، وهو ما كان ممتداً معها. وقوله (كم من فتى) أفاد كم التكثير، والكلام خبر، والمراد: كثير من الفتيان تودعوا في منازلهم، وقصرت خطواتهم للسعي في طلب أرزاقهم، ألفوا قد نالوا ما غلبوا به المجد في الطلب، المتعب نفسه في التنقل. ومعنى فلج: غلب. وسهام الرزق، يراد به قداح الرزق، كأنه فاز لما خرج له من عند الإجابة بما غلب به مقامره ومزاحمه. ويجوز أن يري بسهام الرزق ما حظ له من الحظ، وأسهم له وقسم في الرزق. إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا لاتيأس وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا يقول: استعن بالصبر في كل ما تزاوله وتراوده، فإن الأمور إذا انسدت طرقها، وأعيت الحيل في تحصيلها، فإن الصبر يسهل مدارجها، ويوسع موالجها، ويفتح ما انغلق منها، ويفتق ما ارتتق من أسبابها، ولا يتسلطن عليك من اليأس ما يفتر عزمك، أو يقصر سعيك، وإن دامت مطالبتك، واتصلت مواظبتك. واعتقد أن الفرج يتلقاك، والنجح بأقرب المنازل منك؛ فإنك إذا فعلت ذلك فزت بكل ما ترومه، وتعجل لك كل ما تهواه. وقوله (أن ترى) في موضع المفعول من تيأسن. وقوله (فالصبر يفتق) جواب إذا، وخبر إن الأمور في الشرط والجواب. ويقال رتجت الباب وأرتجته، إذا أغلقته، وباب مرتج ومرتوج. والرتاج: الباب نفسه. أخلق بذي الصبرأن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا أبصر لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا زلقاً عن غرة زلجا يقول: إن مدمن الصبر في الأمور، وملازم التثبت والتلوم عند الخطوبحقيق بأن يظفر بطلبته، وبنجاح السعي في مرامه وبغيته. كما أن من أدام قرع أبواب

стр. 803

مداخله، وغمز مفاصل آرابه، حقيق بولوجه ووصوله، ومعرفة متيح ما يرجوه ومريحه. ثم قال: وإذا سعيت في أمر فاعرف مواطىء قدمك قبل أن تعلوها، ومواقع خطوك قبل أن تعدوها، واقسمها بين نظرك واختبارك، وتحقيقك وحدسك؛ فإن من ركب مزلقةً عن غرة وغفلة، يوشك أن يسقط ليديه وفمه، وتزل به قدمه إلى قرار هلكته وحينه. والزلج: السرعة في المشي والسقوط وغيره. وفرس زلوج: سريع السير. وكذلك يقال قدح زلوج. ومزلاج الباب: الخشبة التي يغلق بها. وقال آخر: لججنا ولجت هذه في التغضب ... وشد الحجاب بيننا والتنقب تلوم على مال شفاني مكاني ... إليك فلومي ما بدا لك واغضبي كان هذا الشاعر اطلع من أحوال أيتام أخيهعلى ماساءهوأنف منه، ثم دعاه التحنن والإشفاق مما يتداوله الناس في مجالسهم من أحاديث البر والعقوق، وتصرفهم في صرف المقت إلى مستحقه، والحمد إلى مكتسبه، إلى أن أمر عبديه الراعيين بإراحة ما ردا إلى فنائه من مسارح إبله عليهم، فاغتاظت امرأته من ذلك وأنكرت فعله، وخوفته في أثناء ملامها بالفقر وهجرته، فأخذ يقتص ما كان منها ومنه فقال: تمادت امرأتي في الغضب والهجران، واللوم والإحتجاب، وكل ذلك منها في مالي شفاني موضعه الذي وضعته فيه، ومصرفه الذي صرفته إليه. ثم أقبل عليها مستهيناً بها وبفعلها فقال: إليك فلوميما بدلك. والمعنى: اجمعي أمرك واستمريي عتبك وغضبك ما بدا لك، فإن الرشاد فيما آثرته، والصلاح في قران ما اخترته. و (إليك) : اسم من أسماء الأفعال هنا، كما يكون عليك، وعندك. ولذلك عطف عليه قوله (فلومي) . و (ما بدالك) في موضع الظرف. وقد تقدم القول في أمثاله.

стр. 804

رأيت اليتامى لا تسد فقورهم ... هدايا لهم في كل قعب مشعب فقلت لعبدينا أريحا عليهم ... سأجعل بيتي مثل آخر معزب عيالي أحق أن ينالوا خصاصة ... وأن يشربوا رنقاً إلى حين مكسبي يعني باليتامى أولاد أخيها المتوفي. يريد: رأيتهم لا تسد مفاقرهم ولا تقيم مختل أحوالهم، تحف توجه إليهم، وهدايا تحمل نحوهم في قعاب مشعوبة. يشير بذلك إلى ما كانت امرأته تتولاه وتأتيه من برهم وتفقدهم قبل ذلك. وفي قوله: (هدايا لهم في كل قعب مشعب) إزراء بصنيعها، وبالألبان المنقولة إليهم وظروفها. وجمع الفقور لاختلاف وجوهها. وقوله (فقلت لعبدينا) يعني راعييه اللذين أمرا بسوق الإبل المردود من المراعي إلى فناء أولاد أخيه. وإنما ثنى على عادتهم في تثنية مزاولي أعمالهم، كالبائن والمستعلى في الحلب وما أشبههما. وقوله: (سأجعل بيتي مثل آخر) ، يريد مثل بيت آخر وقد عزبت إبله وتباعدت، فإن عيالي ولهم كاسب مثلي أحق بمزاولة الفقر، ورثاثة العيش، والصبر على المشرب الرنق، إلى أن أكسب ما تعود به حالهم إلى ما ألفوه من الخطب والسعة، والخفض والدعة. ويقال: أعزب الرجل، إذا عزبت عنه إبله في المرعى. ذكرت بهم عظام من لو أتيته ... حريباً لآساني لدى كل مركب أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب

стр. 805

يقول: تذكرت بهؤلاء الأولاد أباهم الذي لو أتيته محزوناً مسلوباً، ومتعباً بأعباء الفقر مبهوراً، لضمني إلى صدره، وشملني تضاعيف بره، وجعلني إسوة نفسه في كل ما أركبه، والمسعف بطلبته عند جميع ما أخطبه، لأن الأخ الكامل الأخوة هو الذي يشد أزرك، ويحمي ظهرك، وإن دعوته لنائبة تنوب أجابك سريعاً، وإن أعملت سيفك أعمل سيفه معه حثيثاً. وقال المقنع الكندي يعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمداً أسد به ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سداً وفي جفنة ما يغلق الباب دونها ... مكللة لحماً مدفقة ثردا وفي فرس نهد عتيق جعلته ... حجاباً لبيتي ثم أخدمته عبداً كأن قومه ينعون عليه سرفه في الإنفاق، وتخرقه في الإفضال، وتجاوزه ما تساعده به حاله وتتسع له ذات يده إلى الاستقراض، وبذل الوجه في الأديان، فقال: كثرت لأئتمتهم فيما يركبني من الديون، وإنما هي مصروفة في وجوه مؤنها علي، وجمالها لهم، وقضاؤها في أنفسهم يلزمني، ومحامدها موفرة عليهم. ثم أخذ يعد فقال: من تلك الوجوه أن ما ينوب من الحقوق فيخلون بها ويضيعونها عجزاً عن الوفاء بواجبها، أنا أسد ثغورها، وأقيم فروصها. ومنها: أن لي دار ضيافة قدورها مشبعة موفورة، وجفانها معددة منصوبة، لا يمنع منها طالبها ولا يحجب عنها رائدها، فلحمانها كلأكاليل على رءوسها، وثرئدها قد نمق تدقيقها. ومنها: أن بفنائي فرساً مربوطاً قد أعد للمهمات، على عادة لأمثالي من الأكابر والرؤساء. ولكرمه وما يتوفر عليه من إكرامي إياه قد صار كالحجاب لباب بيتي، وقد شغلت بخدمته عبداً يتفقده بمرأى مني، لا أهمله ولا أغفل عنه.

стр. 806

قوله: (مدفقة) أي مملوءة. والأحسن أن يروى معه: (ثرداً) بضم الثاء. ويروى (مدفقة ثردا) بفتح الثاء. والمراد مثردة ثرداً دقيقاً. والنهد: الجسم المشرف من الخيل. وإن الذي بيني وبين أبي ... وبين بني عمي لمختلف جداً فإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غي هويت لهم رشداً وإن زجروا طيري بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيراً تمر بهم سعدا ذكر بعد ما عدد معاذيره فيما أنكروه عليه، أن إخوته وأبناء عمه يحسدونه ويأتمرون العداوة والغواية له، وهو يصابرهم ويجاملهم، ويتغابى معهم، فقال: إن ما بيني وبينهم في طرفي نقيض، وعلى لون من الخلاف عجيب؛ فإنهم إن اغتابوني وتطعموا لحمي أمسكت عنهم، وتركت أعراضهم موفورة، لم يتخونها مني إذالة ولا ثلب، وأعراقهم محفوظة لم يتحيفها تحامل ولا غض. وإن سعوا في نقض ما أبرمته من مسعاة كريمة، وهدم ما أسسته من خطة مجد علية، جازيتهم باببتناء شرف لهم مستحدث، وإعلاء شأن لهم مستأنف. وإن أهملوا غيبي فلم براعوه بحسن الدفاع عنه، وإسباغ ثوب المحاماة عليه حفظت أنا غيبهم، وأرصدت الغوائل لمن اغتالهم. وإن أحبوا لي الغواية، والتسكع في الضلالة والبطالة، اخترت لهم المراشد، وهويت في مباغهم المناجح. وإن تمنوا لي المنحسة، وزجروا من بوارح الطير وسوانحها في المشأمة، جعلت عيافتي لهم فيما يمر بي منها المسعدة والطيرة الحميدة. وقوله: (سعدا) صفة لطيراً. ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا وإني لعبد الضيف مادام نازلا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا أثبت لنفسه الرياسة عليهم في هذا البيت. والمعنى أنه متى استعطفوه عطف عليهم، وإن استقالوه أقالهم وأسرع الفيئة لهم، غير حامل الضغن واللجاج معهم، ولا معتقداً انتهاز الفرص فيهم، لما اكتمن من عوادي الحقد عليهم.

стр. 807

وقوله: (وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا) يجري مجرى الالتفات، كأنه أقبل على مخاطب فقال: إني لا أتجمل بترك مؤاخذتهم، وأطراح الحقد في مساوقتهم، فإن الرئيس يحب ذلك عليه في شروط الرياسة. وقوله: (لهم جل مالي) يريد إن تواصل الغنى لي أشركتهم في معظمه، من غير امتنان ولا تكدير، وإن تحيف مالي حادث يلم، أو عارض يحدث، لم أنتظر من جهتهم معونة، ولا كلفتهم فيما يخف أو يثقل مؤونة. وقوله (وإني لعبد الضيف) أراد أن يبين ما عنده للغريب الطارق، والضيف النازل، بعد أن شرح حاله مع مواليه، وخصاله في مرافقة ذويه، فقال: وابلغ في خدمة الضيوف مبالغ العبيد فيها. ثم أكد ما حكاه بقوله (وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا) ، فانتصب (غير) على أنه مستثنى مقدم؛ وذاك لأنه لما حال بين الموصوف والصفة، وهما شيمة وتشبه، وتقدم على الوصف صار كأنه تقدم على الموصوف، لأن الصفة والموصوف بمزنلة شيء واحد. وقوله (تشبه العبدا) يريد: تشبه شيم العبد، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. فليتأمل الناظر في هذا الباب وفي مثل هذه الأبيات، وتصرف قائلها فيها بلا اعتساف لا تكلف، وسلاسة ألفاظها، وصحة معانيها، فهو عفو الطبع، وصفو القرض. وقال رجل من الفزاريين إلا يكن عظمي طويلاُ فإنني ... له بالخصال الصالحات وصول ولا خير في حسن الجسوم ونبلها ... إذا م تزن حسن الجسوم عقول إذا كنت في القومالطوال أصبتهم ... بعارفة حتى يقال طويل يقول: إن لم يكن في طولي امتداد، ولا في خلقي بسطة وكمال، فإني لا أزال أصل نقص جسمي، وأمد قصر قامتي بما أتولاه من الأفعال الكريمة، وأختاره من الخصال الحميدة، حتى أمحو سمة الإزراء عن نفسي. ومن أوتي الفضل في خلقه ونفسه، وعاداته وشيمه، خير ممن أوتي العظم في خلقه، والبراعة في جسمه، فلا فضيلة لمن حسن وجهه ونبل منظره، إذا لم يزينه عقل وافر، ومخبر رائق.

стр. 808

ومتى حصلت بين أقوام طوال القامات، قابلت طولهم بطول يدي فبهم، وأنلتهم معروفي حتى عظمت في أعينهم، وامتلأت من حبهم لي وميلهم إلى قلوبهم، فأنساهم طول باعي بالغطية قصر قامتي بين قاماتهم. وقوله (حتى يقال طويل) ارتفع طويل على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو طويل. أي يسلمون له فضيلة الطول عندهم. وكم رأينا من فروع كثيرة ... تموت إذا لم تحيهن أصول ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل. هذا مثل ضربه للخصال المجتمعة في الانسان، لا تعد فضائل إلا إذا اقترنت بخصال أخر، وهي كالأصول لها. ومثال ذلك ما قدمه من ذكر عبالة الخلق إذا عربت من نباهة الخلق، وما شاكلها من صباحة الوجه إذا خلت من صحابة العقل. ثم قال: ولو أر شيئاً كإسداء المعروف وبث العطاء والإحسان، فإن من ذاقه استجلاه، ومن رآه استحسنه وارتضاه. وهذا تأكيد ما ذكر من قوله: (أصبتهم بعارفة حتى يقال طويل) . وقال عبد الله بن معاوية أرى نفسي تتوق إلى أمور ... ويقصر دون مبلغهن مالي فنفسي لا تطلوعني ببخل ... ومالي لا يبلغني فعالي قد مضى له أمثال، ومعناه ظاهر، ويروى: (لا يقوم له فعالي) . وقال مضرس بن ربعي إنا لنصفح عن مجاهل قومنا ... ونقيم سالفة العدو الأصيد ومتى نخف يوما فساد عشيرة ... نصلح وإن نر صالحاً لا نفسد

стр. 809

يصف صفاء نيتهم لقومهم، وأنهم يسلكون معهم طرائق ما يعود على المسود بالصلاح، وعلى السائد باستكمال الرياسة والارتفاع، فقال: إذا جهلوا علينا صفحنا عنهم، وأبقينا على الحال بيننا وبينهم، واستفأنا إقامتهم ورجعتهم. كل ذلك لئلا ينفروا فيزداد ما بيننا وبينهم تفاقماً. فأما الأعداء فإنا نكسرهم ونستل عنهم كبرهم وخنزواتهم، وانلين أعناقهم حتى ينقادوا على ضغن منهم. والسالفة: صفحة العنق. والصيد: ميل في العنق من الكثير كما ما يكون الصغر في الخد، وكما أن الصاد يستعمل في الناظر. وقوله: (ومتى نخف يوماً فساد عشيرة) يريد: إنا نسعى في إصلاح ذات بينهم، ولا ندعهم يتدابرون ويتضاغنون؛ لأن عز الرجل بعشيرته. ثم إن رأيناهم على حد مت الصلاح زدنا في قوة نياتهم، وحملناهم على ما يزدادون به استقامة واستمراراً. وإذا نموا صعداً فليس عليهم ... منا الخبال ولا نفوس الحسد ونعسين فاعلنا على ما نابه ... حتى نيسره لفعل السيد يقول: وإذا ارتقوا في درجات العز وتبوءوا منازل الفضل، لم نحسدهم، ولم نضيق عليهم طرائق مقاصدهم، فيورثهم ذلك خبلاً وفتوراً. والساعي منهم إذا جد في إقامة ما ينوبه من الحقوق أعنا على إتمام ما يشيده، والزيادة فيما يؤيده، حتى نبلغ به فعل السيد، علماً بأن رفعتهم لنا، وجمالهم جمالنا. ونجيب داعية الصباح بثائب ... عجل الركوب لدعوة المستنجد فنفل شوكتها ونفثأ حميها ... حتى تبوخ وحمينا لم يبرد ونحل في دار الحفاظ بيوتنا ... رتع الجمائل في الدرين الأسود قوله (ونجيب داعية الصباح) ، يريد: وإن استعان بنا من أغير عليه صباحاً من ذي محرم أو جار، أو متسبب بإل وقرابة، أجبناه سريعاً بجيش سريع الركوب لدعوة المستصرخ، فنكسر شوكة المغيرين، ونخمد نائرتهم ونسكن حماهم حتى تبرد، وحمانا لم تسكن ولم تبرد. وجعل الشوكة كناية عن السلاح والقوة جميعاً، وقوله (نفثأ) هو من فثأت القدر، إذا سكنت غليانها. وقوله (حتى تبوخ) يقال باخت النار إذا طفئت.

стр. 810

ومعنى (ونحل في دار الحفاظ بيوتنا) نصبر في دار المحافظة على الشرف إذا اشتد الزمان، وإذا قصد غيرنا للخصب أو طلب الإنتجاع أقمنا مرتعين في الدرين مالنا، ولانمكن أعدائنا من أرضنا وحمانا. والدرين: اليابس من الكل القديم العهد. وجعله أسود لفساده وطول قدمه. ويروى (وتحل في دار الحفاظ بيوتنا) . وانتصب (رتع الجمائل) على أنه مصدر في موضع الحال. ومثله قول الآخر: ونحل في دار الحفاظ بيوتنا ... زمناً ويظعن غيرنا للأمرع وقال المتوكل الليثي إني إذا ما الخليل أحدث لي ... صرماً ومل الصفاء أو قطعا لاأحتسي ماءه على رنق ... ولا يراني لبينه جزعا يقول: إذا اعوج صديق لي والتوى، وطلب الخلاف علي فأحدث لي نبواوجفاء، وتبرم من مصافاتي فاقبل يتجنى علي، فإني لا أروم منه العود، ولا أعرض عليه الرجوع، بل أصارحه ولا أتجرع ماء الود بيني وبينه علىكدر فأحتمل مكروهه، ولا أظهر جزعاً لاستحداث فراق من، أو تنكر ينطوي عليه فأخبث له، لأني وصال صروم، أصافي من يصافيني، وأجامل من يجاملني، وأداجي من يداجيني. أهجر ثم تنقضي غبر ال ... هجران عني ولم أقل قذعا اخذر وصال اللئيم إن له ... عضها إذا حبل وصله انقطعا الغبر: البقايا، واحدتها غبرة. ويقال: تغبرت الناقة، إذا احتلبت غبرتها. وغبر الليل: مآخيره. قال: فيا صبح كمش غبر الليل مصعداً ... ببم ونبه ذا العفاء الموشح والقذع والقذيعة: الفحش. يقال: قذعته، إذا رميته بالقذع. وأقذع الرجل: أتى بالفحش. وكلام قذع. ويتوسع فيه فيقال للقذر: القذع، حتى يقال: قذع ثوبه بالبول
следующие страницы →