Полный текст (1 295 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
قوله: (مدفقة) أي مملوءة. والأحسن أن يروى معه: (ثرداً) بضم الثاء. ويروى (مدفقة ثردا) بفتح الثاء. والمراد مثردة ثرداً دقيقاً. والنهد: الجسم المشرف من الخيل.
وإن الذي بيني وبين أبي ... وبين بني عمي لمختلف جداً
فإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غي هويت لهم رشداً
وإن زجروا طيري بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيراً تمر بهم سعدا
ذكر بعد ما عدد معاذيره فيما أنكروه عليه، أن إخوته وأبناء عمه يحسدونه ويأتمرون العداوة والغواية له، وهو يصابرهم ويجاملهم، ويتغابى معهم، فقال: إن ما بيني وبينهم في طرفي نقيض، وعلى لون من الخلاف عجيب؛ فإنهم إن اغتابوني وتطعموا لحمي أمسكت عنهم، وتركت أعراضهم موفورة، لم يتخونها مني إذالة ولا ثلب، وأعراقهم محفوظة لم يتحيفها تحامل ولا غض. وإن سعوا في نقض ما أبرمته من مسعاة كريمة، وهدم ما أسسته من خطة مجد علية، جازيتهم باببتناء شرف لهم مستحدث، وإعلاء شأن لهم مستأنف. وإن أهملوا غيبي فلم براعوه بحسن الدفاع عنه، وإسباغ ثوب المحاماة عليه حفظت أنا غيبهم، وأرصدت الغوائل لمن اغتالهم. وإن أحبوا لي الغواية، والتسكع في الضلالة والبطالة، اخترت لهم المراشد، وهويت في مباغهم المناجح. وإن تمنوا لي المنحسة، وزجروا من بوارح الطير وسوانحها في المشأمة، جعلت عيافتي لهم فيما يمر بي منها المسعدة والطيرة الحميدة. وقوله: (سعدا) صفة لطيراً.
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضيف مادام نازلا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
أثبت لنفسه الرياسة عليهم في هذا البيت. والمعنى أنه متى استعطفوه عطف عليهم، وإن استقالوه أقالهم وأسرع الفيئة لهم، غير حامل الضغن واللجاج معهم، ولا معتقداً انتهاز الفرص فيهم، لما اكتمن من عوادي الحقد عليهم.
стр. 807
وقوله: (وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا) يجري مجرى الالتفات، كأنه أقبل على مخاطب فقال: إني لا أتجمل بترك مؤاخذتهم، وأطراح الحقد في مساوقتهم، فإن الرئيس يحب ذلك عليه في شروط الرياسة. وقوله: (لهم جل مالي) يريد إن تواصل الغنى لي أشركتهم في معظمه، من غير امتنان ولا تكدير، وإن تحيف مالي حادث يلم، أو عارض يحدث، لم أنتظر من جهتهم معونة، ولا كلفتهم فيما يخف أو يثقل مؤونة.
وقوله (وإني لعبد الضيف) أراد أن يبين ما عنده للغريب الطارق، والضيف النازل، بعد أن شرح حاله مع مواليه، وخصاله في مرافقة ذويه، فقال: وابلغ في خدمة الضيوف مبالغ العبيد فيها. ثم أكد ما حكاه بقوله (وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا) ، فانتصب (غير) على أنه مستثنى مقدم؛ وذاك لأنه لما حال بين الموصوف والصفة، وهما شيمة وتشبه، وتقدم على الوصف صار كأنه تقدم على الموصوف، لأن الصفة والموصوف بمزنلة شيء واحد. وقوله (تشبه العبدا) يريد: تشبه شيم العبد، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
فليتأمل الناظر في هذا الباب وفي مثل هذه الأبيات، وتصرف قائلها فيها بلا اعتساف لا تكلف، وسلاسة ألفاظها، وصحة معانيها، فهو عفو الطبع، وصفو القرض.
وقال رجل من الفزاريين
إلا يكن عظمي طويلاُ فإنني ... له بالخصال الصالحات وصول
ولا خير في حسن الجسوم ونبلها ... إذا م تزن حسن الجسوم عقول
إذا كنت في القومالطوال أصبتهم ... بعارفة حتى يقال طويل
يقول: إن لم يكن في طولي امتداد، ولا في خلقي بسطة وكمال، فإني لا أزال أصل نقص جسمي، وأمد قصر قامتي بما أتولاه من الأفعال الكريمة، وأختاره من الخصال الحميدة، حتى أمحو سمة الإزراء عن نفسي. ومن أوتي الفضل في خلقه ونفسه، وعاداته وشيمه، خير ممن أوتي العظم في خلقه، والبراعة في جسمه، فلا فضيلة لمن حسن وجهه ونبل منظره، إذا لم يزينه عقل وافر، ومخبر رائق.
стр. 808
ومتى حصلت بين أقوام طوال القامات، قابلت طولهم بطول يدي فبهم، وأنلتهم معروفي حتى عظمت في أعينهم، وامتلأت من حبهم لي وميلهم إلى قلوبهم، فأنساهم طول باعي بالغطية قصر قامتي بين قاماتهم. وقوله (حتى يقال طويل) ارتفع طويل على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو طويل. أي يسلمون له فضيلة الطول عندهم.
وكم رأينا من فروع كثيرة ... تموت إذا لم تحيهن أصول
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل.
هذا مثل ضربه للخصال المجتمعة في الانسان، لا تعد فضائل إلا إذا اقترنت بخصال أخر، وهي كالأصول لها. ومثال ذلك ما قدمه من ذكر عبالة الخلق إذا عربت من نباهة الخلق، وما شاكلها من صباحة الوجه إذا خلت من صحابة العقل. ثم قال: ولو أر شيئاً كإسداء المعروف وبث العطاء والإحسان، فإن من ذاقه استجلاه، ومن رآه استحسنه وارتضاه. وهذا تأكيد ما ذكر من قوله: (أصبتهم بعارفة حتى يقال طويل) .
وقال عبد الله بن معاوية
أرى نفسي تتوق إلى أمور ... ويقصر دون مبلغهن مالي
فنفسي لا تطلوعني ببخل ... ومالي لا يبلغني فعالي
قد مضى له أمثال، ومعناه ظاهر، ويروى: (لا يقوم له فعالي) .
وقال مضرس بن ربعي
إنا لنصفح عن مجاهل قومنا ... ونقيم سالفة العدو الأصيد
ومتى نخف يوما فساد عشيرة ... نصلح وإن نر صالحاً لا نفسد
стр. 809
يصف صفاء نيتهم لقومهم، وأنهم يسلكون معهم طرائق ما يعود على المسود بالصلاح، وعلى السائد باستكمال الرياسة والارتفاع، فقال: إذا جهلوا علينا صفحنا عنهم، وأبقينا على الحال بيننا وبينهم، واستفأنا إقامتهم ورجعتهم. كل ذلك لئلا ينفروا فيزداد ما بيننا وبينهم تفاقماً. فأما الأعداء فإنا نكسرهم ونستل عنهم كبرهم وخنزواتهم، وانلين أعناقهم حتى ينقادوا على ضغن منهم. والسالفة: صفحة العنق. والصيد: ميل في العنق من الكثير كما ما يكون الصغر في الخد، وكما أن الصاد يستعمل في الناظر.
وقوله: (ومتى نخف يوماً فساد عشيرة) يريد: إنا نسعى في إصلاح ذات بينهم، ولا ندعهم يتدابرون ويتضاغنون؛ لأن عز الرجل بعشيرته. ثم إن رأيناهم على حد مت الصلاح زدنا في قوة نياتهم، وحملناهم على ما يزدادون به استقامة واستمراراً.
وإذا نموا صعداً فليس عليهم ... منا الخبال ولا نفوس الحسد
ونعسين فاعلنا على ما نابه ... حتى نيسره لفعل السيد
يقول: وإذا ارتقوا في درجات العز وتبوءوا منازل الفضل، لم نحسدهم، ولم نضيق عليهم طرائق مقاصدهم، فيورثهم ذلك خبلاً وفتوراً. والساعي منهم إذا جد في إقامة ما ينوبه من الحقوق أعنا على إتمام ما يشيده، والزيادة فيما يؤيده، حتى نبلغ به فعل السيد، علماً بأن رفعتهم لنا، وجمالهم جمالنا.
ونجيب داعية الصباح بثائب ... عجل الركوب لدعوة المستنجد
فنفل شوكتها ونفثأ حميها ... حتى تبوخ وحمينا لم يبرد
ونحل في دار الحفاظ بيوتنا ... رتع الجمائل في الدرين الأسود
قوله (ونجيب داعية الصباح) ، يريد: وإن استعان بنا من أغير عليه صباحاً من ذي محرم أو جار، أو متسبب بإل وقرابة، أجبناه سريعاً بجيش سريع الركوب لدعوة المستصرخ، فنكسر شوكة المغيرين، ونخمد نائرتهم ونسكن حماهم حتى تبرد، وحمانا لم تسكن ولم تبرد. وجعل الشوكة كناية عن السلاح والقوة جميعاً، وقوله (نفثأ) هو من فثأت القدر، إذا سكنت غليانها. وقوله (حتى تبوخ) يقال باخت النار إذا طفئت.
стр. 810
ومعنى (ونحل في دار الحفاظ بيوتنا) نصبر في دار المحافظة على الشرف إذا اشتد الزمان، وإذا قصد غيرنا للخصب أو طلب الإنتجاع أقمنا مرتعين في الدرين مالنا، ولانمكن أعدائنا من أرضنا وحمانا. والدرين: اليابس من الكل القديم العهد. وجعله أسود لفساده وطول قدمه. ويروى (وتحل في دار الحفاظ بيوتنا) . وانتصب (رتع الجمائل) على أنه مصدر في موضع الحال. ومثله قول الآخر:
ونحل في دار الحفاظ بيوتنا ... زمناً ويظعن غيرنا للأمرع
وقال المتوكل الليثي
إني إذا ما الخليل أحدث لي ... صرماً ومل الصفاء أو قطعا
لاأحتسي ماءه على رنق ... ولا يراني لبينه جزعا
يقول: إذا اعوج صديق لي والتوى، وطلب الخلاف علي فأحدث لي نبواوجفاء، وتبرم من مصافاتي فاقبل يتجنى علي، فإني لا أروم منه العود، ولا أعرض عليه الرجوع، بل أصارحه ولا أتجرع ماء الود بيني وبينه علىكدر فأحتمل مكروهه، ولا أظهر جزعاً لاستحداث فراق من، أو تنكر ينطوي عليه فأخبث له، لأني وصال صروم، أصافي من يصافيني، وأجامل من يجاملني، وأداجي من يداجيني.
أهجر ثم تنقضي غبر ال ... هجران عني ولم أقل قذعا
اخذر وصال اللئيم إن له ... عضها إذا حبل وصله انقطعا
الغبر: البقايا، واحدتها غبرة. ويقال: تغبرت الناقة، إذا احتلبت غبرتها. وغبر الليل: مآخيره. قال:
فيا صبح كمش غبر الليل مصعداً ... ببم ونبه ذا العفاء الموشح
والقذع والقذيعة: الفحش. يقال: قذعته، إذا رميته بالقذع. وأقذع الرجل: أتى بالفحش. وكلام قذع. ويتوسع فيه فيقال للقذر: القذع، حتى يقال: قذع ثوبه بالبول
стр. 811
وغيره. يقول: أقطع العلائق بيني وبينه فأنصرف عنه هاجراً، وتنقضي مدة الهجران عنا ولم أعتبه ةلا قلت فيه فحشاً، ولا ذكرته بزلة كانت منه.
ثم قال: احذر مواصلة اللئيم ومؤاخاته، لأنه إذا انقطع حبل وصله، وانصرم ما يجمعك وإياه من وده يتكذب عليك، ويخلق من الإفك فيك ما لم تكتسبه لابيدك ولا لسانك، وهذا كأنه لما نفى عن نفسه في البيت الأول ما نفى بين في البيت الثاني أنه لايفعل ذلك، لكونه من فعل اللئام. والعضه: ذكر القبيح كذباً وزوراً. ويقال: عضهته، إذا رميته بالزور. واعضه الرجل أتى بالعضيهة، وهي الإفك. ومن كلامهم: يا للعضيهة! ويا للأفيكة! وقال بعضهم:
خليلي بين السلسلين لو أنني ... بنعف اللوى أنكرت ما قلتما ليا
ولكنني لم أنس ما قال صاحبي ... نصيبك من ذل إذا كنت خاليا
النعف: ما ناعفك، أي عارضك من الجبل أو المكان المرتفع. واللوى: مسترق الرمل. وجواب لو (أنكرت) ، وكأن نعف اللوى كان أرضه ودياره، فيقول: لوكنت في أرضي ومعي عشيرتي وأهلي، ثم سمتماني ما سمتماني لأنكرته ولم أقبله، ولكنني لم أذهب عما وصاني به صاحبي من قوله: الزم نصيبك من الذل إذا كنت في دار غربة، ومتباعداً عن نصارك والمشفقين عليك. وانتصب (نصيبك) بإضمار فعل.
وقال قيس بن الخطيم
وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا بلاء
وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء البطن ليس له دواء
يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما يشاء
وكل شديدة نزلت بحي ... سيأتي بعد شدتها رخاء
стр. 812
قوله (وما بعض الإقامة) إنما بعضها لأنه أشار إلى الإقامة التي أوائلها تنزاح معها العلل، ويسهل في اختيارها الانفصال والترحل، وأواخرها تتغير بما يعرض فيها حتى يشق لها التلوم والتلبث. وارتفع (بلاء) لأنه خبر المبتدأ، وهوبعض الإقامة، (ويهان بها الفتى) في موضع الصفة لقوله في ديار. فيقول: إذا أمكن الارتحال عن دار الهوان، ولادافع ولامانع يوجبا الصبر فالإقامة بها بلاء، ويجب على الحر طلب الانفكاك منه، وروم الخلاص من أذاه.
وقوله (وبعض خلائق الأقوام) يريد أن يعض ما يتخلق به الناس يتعذر مفارقته ومداواة إزالته، فهو كالداء الذي يكون بالإنسان وقد استصحبه من بطن أمه. يريد أن ما اعتاده الإنسان من الأخلاق يصير لإذا أتت الأيام عليه، وقوى الإلف له، كالخلقة أو ما يجري مجراها.
وقوله (يريد المرء أن يعطي مناه) معناه أن الإنسان يتمنى أن يحصل له ما يتعلق به شهوته، ويرتاده هواه وإرادته، ويمنع الله ﵎ إلا ما يكون بشيئته، ويعرفه من مصالح خليقته.
وقوله (وكل شديدة) يريد أن الشيء لايدوم على حال، فالشدائد إذا نزلت يتعقبها الخير ورخاء العيش وسعته، لأن لكل أمر أمداً يمد له الوقت، فإذا تناهى انقطع.
ولايعطى الحريص غنىً لحرص ... وقد ينمي إلى الجود الثراء
غنى النفس ما عمرت غنى ... وفقر النفس ماعمرت شقاء
وليس بنافع ذا البخل مال ... ولا مزر بصاحبه السخاء
وبعض الداء ملتمس شفاه ... وداء النوك ليس له شفاء
قوله (ولا يعطى الحريص) يريد أن حرص الإنسان في طلب الغنى لايجدي عليه نفعاً، ولايقرب منه بعيداً، لأن ميسر اليسر والغنى هو من له الخلق والأمر، وإليه الإبرام والنقض.
وقوله (وقد ينمي إلى الجود) يريد أن الثروة والكثر هما ينميان مع الجود. وإنما يقدح بهذا الكلام في البخل والإمساك، وأن زيادة المال وبقاءه لايحصلان لهما وبهما. وقوله (إلى الجود) إلى بمعنى مع. تقول: هذا إلى ذاك.
стр. 813
وقوله (غنى النفس ما عمرت غنى) ، يريد أن غنى النفس خير من كثرة المال؛ لأن من كان راضياً بماله، غنياً عن غيره بما يحصل في يده، تراه باكتفائه اغنى الموسرين، وفقير النفس وإن ساعده المال، وأطاعه القدر يزداد على مر الأيام وزيادة الحال، حرصاً ونهمةً وشقاء.
وقوله (وليس بنافع ذا البخل مال) ، يريد أن البخيل لاينتفع بماله، لنه يجمعه ويتركه لغيره، والسخاء لايقصر بصاحبه، بل يرفع منه، ويكسبه الحمد والأحدوثة الجميلة.
وقوله (وبعض الداء ملتمس شفاه) جعل الداءللجنس فناب عن الجمع فقال: بعضها يعرف شفاؤه فيطلب إزالته، وداء الحمق لاشفاء له، ولامحيد لصاحبه عنه. وقوله (شفاه) قصر الممدود، وهذا لاخلاف في جوازه على المذهبين.
وقال يزيد بن الحكم
يا بدر والأمثال يض ... ربها لذي اللب الحكيم
دم للخليل بوده ... ما خير ود لا يدوم
قوله (والأمثال يضربها) اعتراض دخل بين قوله (يا بدر) وبين دم للخليل من البيت الثاني، ونبه بهذا الاعتراض على أن وصيته وصية حكيم، وأن اللبيب العاقل يأخذ بها ويتأدب.
ومعنى قوله (دم للخليل بوده) أي بودك له، فأضافه إلى المفعول، والمصدر كما يضاف إلى الفاعل يضاف إلى المفعول. وقوله (ما خير ود) استفهام على طريق الاستثباب والقصد إلى النفي والمعنى: أن الوداد إذا لم يصف ولم يدم فلا خير فيه. وقوله (لايدوم) صفة لود. تلخيصه: أي شيء خير ود غير دائم.
واعرف لجارك حقه ... والحق يعرفه الكريم
واعلم بأن الضيف يو ... ماً سوف يحمد أو يلوم
والناس مبتنيان مح ... مود البناية أو ذميم
يقول: ارعف حق الجوار لمجاورك، فإن الكريم هو الذي يعرف حق مثله. وقوله (والحق يعرفه) الواو واو الحال، وهو واو الابتداء. فإذا رويته بالواو يكون حالاً لقوله حقه، كأنه قال: اعرف حقه معروفاً للكرام، وهو معروف للكرام.
وقوله (واعلم بأن الضيف) يقال علمت كذا، وبكذا. وهذه الوصاة بالضيف قد عللها بقوله (سوف يحمد أو يلوم) . والمعنى: أحسن إليه وتفقده، عالماً بأن نزوله بك يجلب حمداً إن أحسنت إليه، أو لوماً إن أسأت إليه أو قصرت في حقه.
وقوله (محمود البناية) أتى بالبناية غير مبنى على مذكر حصل من قبل، ثم ادخل تاء التانيث عليه، فهو كالثناية اسم الحبل، والشقاوة والرعاية والغباوة. ولو كان مبنياً على مذكر لكان (البناءة) لأن الواو والياء إذا كانا حرفي إعراب بعد ألف زائدة تبدل منهما الهمزة. على ذلك: الرعاء والكساء والرداء والباب كله.
ومعنى البيت: ان افعال عقلاء الناس لاتخلو من أن تكون مما يستحق به حمد او ذم، فهم يبنون مبانيهم، ويؤسسون مكاسبهم على أحد هذين الركنين، وذلك لأن الأفعال تابعة للأغراض، وغرض العاقل إليهما ينقسم، فانظر ماذا تجلب على نفسك بما من فعلك، وتدخره من كسبك.
وارتفع (محمود) على أنه بدل من (مبتنيان) ، أو خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هما محمود البنية أو ذميم.
стр. 814
واعلم بني فإنه ... بالعلم ينتفع العليم
أءن الأمور دقيقها ... مما يهيج له العظيم
والتبل مثل الدين تق ... ضاه وقد يلوى الغريم
والبغي يصرع أهله ... والظلم مرتعه وخيم
قوله (بني) إن ضممته فهو منادى مفرد، وإن كسرته فهو منادى مضاف وقد حذف ياء الإضافة. وإذا كان ياء الإضافة في المنادى يحذف في نحو يا غلام لأن الكسرة تدل عليه، وهو واقع موقع ما يحذف في هذا الباب وهو التنوين وباب النداء باب حذف، لكثرة الاستعمال، فهو في بني أولى بالحذف، لاجتماع الياءات
стр. 815
والكسرات. في آخرهاوقوله (فإنه بالعلم يتنفع العليم) الهاء ضمير الأمر والشأن، والجملة اعتراض بين اعلم ومفعوليه. والمراد باستعمال العلم، وذاك أن من علم طرق الرشاد ثم لم يسلكها كان معرفته بها وبالاً عليه.
وقوله (إن الأمور) مفعول واعلم، ودقيقها مبتدأ وما بعده خبره، والجملة خبر إن. ولك أن تكسره فتقول (إن) عل الاستئناف، ويكون واعلم معلقاً والمعنى: أن الشر يبدؤه أصغره، كما أن السيل أوله مطر ضعيف. وهذا الكلام بعث على النظر في ابتداءات الأمور وتصور عواقبها.
وقوله (والتبل مثل الدين) ، التبل: الذخل، ومعنى يلوي يمطل، ومصدره اللي والليان. وفي الحديث: (لي الواجد يحل عقوبته) . وقد روى (يلوى) و (يلوى) فإذا رويت يلوى بالكسر، فمعناه يذهب بالحق، يقال: الوى بالشيء إذا ذهب به، و (يلوى) هو بناء ما لم يسم فاعله، لوى إذا مطل. والغريم: اسم لمن له الدين، وللذي عليه الدين. وأصل الغرامة اللزوم، ولكون كل واحد منهما ملازماً لصاحبه إلى أن ينقضي ما بينهما أجرى الاسم عليهما. والمعنى أن الوتر والذحل كالدين على الواتر، فهو بعرض المطالبة به كالغريم ثم، قد يقضي وقد يمطل، فلا تكتسبه، لأن العداوات وخيمة الأواخر، سيئة المبادىء.
وقوله (والبغي يصرع أهله) يقول: وإذا كان لك خصم في شيء فلا تستهن به، ولا تستعمل البغي معه، فإن من بغى عليه بعرض النصرة، والباغي بعرض التلف والهلكة، ولاتظلم فإن الظلم ذميم المرتع وبيله، وفظيع المسمع قبيحه. ويقال: ظلمته ظلماً بفتح الظاء وهو المصدر، وظلما بضم الظاء وهو الاسم.
ولقد يكون لك الغري ... ب أخاً ويقطعك الحميم
والمرء يكرم للغنى ... ويهان للعدم العديم
قد يقتر الحول التق ... ي ويكثر الحمق الأثيم
يملى لذاك ويبتلي ... هذا فأيهما المضيم
قوله (ولقد يكون) معناه أن لوفاء قد يكون في الغريب إذا آخيته، والخيانة تتفق من القريب إذا صافيته، فانظر لنفسك إذا اخترت، ولا تعتمد القربى
стр. 816
والقرابة، فإن المواخاة مبنية على الأصول الزكية، والنفوس الوفية، لا على الأنسا والأسباب.
وقوله (والمرء يكرم) يقول: ادخر المال واسع في جمعه، وإياك واستعمال التبذير فيه، فإن اليسير منه مع حسن التدبير يتصل بقاؤه، وكرامة المرء متسببة عن غناه، كما أن هوانه في قران فقره. وقوله (والمرء) ارتفع بالابتداء، وخبره يكرم، وقد عطف على هذه الجملة جملة مخلفة لها من التقارب لما صلح ذلك. ومثله قول الآخر:
أموف بأدراع ابن ظبية أم تذم
على العكس من هذا قول الله تعالى: سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون، لأن هذا عطف فيه على المبتدأ والخبر على الفعل والفاعل.
وقوله (قد يقتر الحول) فالحول: الكثير الحيلة. وصحح بناؤه ولم يقل إخراجاً له على أصله، وتنبيهاً أن ما علل من نظائره كان حكمه أن يجيء على هذا. ومما جاء على القياس من نظائره: رجل مال وصات وما أشبههما. وكذلك هذا كان يجب أن يقال حال. والمعنى أن الكثير الحيل، الخراج الولاج، وهو سديد في طرائقه، قد يفتقر فيكون مقلاً، وأن المائق الناقص في عقله، المكتسب بجهله، المرتكب للأوزار بحرصه، قد يستغنى هو فيكون مكثراً، إذ كانت القسم والحظوظ لا تقف علي كيس المرء وخرقه، ولا على تقاه وفسقه.
وقوله (يملى لذاك) أشار بذاك إلى الحمق الأثيم، وبهذا إلى الحول التقى. وقد طابق بذاك وهذا فيقول: أملي لذاك الجاهل وأرخى له الحبل فنال ما نال، وابتلى هذا الحول التقي حتى شقى وحرم، فأيهما المظلوم. والمعنى أن ذلك من قسمة من عرف مصالح خلقه، وعلم ما يتأدى إليه حال كل واحد منهم، فاختار الأحكم في التدبير، والأصلح للصغير والكبير.
والمرء يبخل في الحقو ... ق وللكلالةما يسيم
ما بخل من هو للمنو ... ن وريبها غرض رجيم
стр. 817
ويرى القرون أمامه ... همدوا كما همد الهشيم
يقول: ترى الرجل يسوف بما يلزمه من أداء الحقوق، فيبخل بإخراجه وأدائه، فيموت عما يجمعه ويبخل به، ويتركه للكلالة. والكلالة هم الوارث وقد خلوا من الوالد والولد. وأصله من تكلله النسب، إذا أحاط به. وقيل هو من الكلال: الإعياء؛ كأن بعد النسب أكله. وقوله (مايسيم) يجوز أن يكون مصدراً، كأنه قال: فإسامته لماله للغيرلا لنفسه. ويجوز أن يكون ما بمعنى الذي، وقد حذف الضمير العائد إليه من يسيم، كأنه قال: وللورثة ما له الذي يسيمه. والإسامة: إخراج المال إلى المرعى. ويقال أسمت البعير فسام. ومنه السائمة للمال: الراعية.
وقوله (ما بخل من هو) استفهام على طريق الإنكار. فيقول: ما يغنى بخل من هو للحوادث كالغرض المنصوب للرمي، فإذا علم من نفسه أنه غير مخلد، بل هو منقول من دار الفناء إلى دار البقاء، فلماذا يمسك ولا ينفق، ويجمع ولا يفرق. هذا وقد رأى الأمم الخالية قبله ماتوا وفنوا فعادوا رميماً، كما يهمد النبات فيصير بعد نضارته دريبنا هشيماً، وهو اليابس المتشهم الأسود لطول القدم. والمنون يكون اسماً للدهر فيذكر، ويراد به المنية فيؤنث. وهو من المن: القطع. فلك أن تروى: (وريبه) (وريبها) جميعاً. ومعنى (وريبها) نزولها، قال أبو عبيدة: راب عليه الدهر، أي نزل. وقد يراد بريب الزمان أحدائه وصروفه الرائبة.
وتخرب الدنيا فلا ... بؤس يدوم ولانعيم
كل امرىء ستئيم من ... هـ العرس أو منخها يئيم
ما علم ذي ولد أيث ... كله أم الولد اليتيم
يقول: وإذا كانت الدنيا مبنيةً للفناء لا للبقاء، والخراب لا للعمارة، وكذلك أعراضها مخلوقة للزوال لا للدوام، وقرب الأمد في الاستمتاع بالمعار لا الإملاء، فلماذا يفرح الإنسان بما ينال، ويجزع لما يفوت، وكل بائد غير ثابت، ومستلب غير موفر.
وقوله (كل امرىء) ، يقول: إن الأليفين فيها لابد من فقدان أحدهما للآخر، والبعل يموت فتبقى العرس منه أيماً، لتقدم موته، والعرس تموت فيبقى هو منها أيماً
стр. 818
لتقدمها. ويقال: رجل أيم وامرأة أيم. وقد آمت تئيم أيمةً. وكذلك ذو الولد لايدري أيموت فيتيم الولد، أم يهلك الولد فيثكل الوالد، فإن سكان الدنيا موعودون آجال منتظرة، مدعوون لأحوال مؤخرة.
وقوله (ما علم ذي ولد) استفهام معناه النفي، والمراد: لايعلم الوالد ما يكون منه ومن ولده في الإمهال والاستعجال، أي لايدري أي الأمرين يقع. وقد عطف قوله (أم الولد اليتيم) وهو جملة من ابتداء وخبر على (أيثكله) وهو فعل وفاعل. وجاز ذلك لما قدمته.
والحرب صاحبها الصلي ... ب على تلاتلها العزوم
من لايمل ضراسها ... ولدي الحقيقة لايخيم
واعلم بأن الحرب لا ... يسطيعها المرح السؤوم
والخيل أجودها المنا ... هب عند كبتها الأزوم
الصليب: الصلب ذو الصلابة. والتلاتل: الشدائد، ويقال: تلتله، إذا حركه، يقول: وصاحب الحرب هو الصبور على شدائدها، القوى العزم في مصارفها، الحامي الشكة على نوائبها، فلا يمل عضاضها، ولايخيم عند حقائقها. ومعنى يخيم: يجبن.
وقوله (من لايمل ضراسها) في موضع الرفع على أن يكون بدلاً من قوله الصليب. والضرس: العض، وأصله إصابة الشيء بضرسه.
ثم قال: واعلم أن الحرب لايطيقها الملول النزق، العجول الطرف، لأن مبانيها على الصبر والثبات، والتدبير السديد، والحذر الشديد، واستعمال الإقدام في وقته، والإحجام لدى موجبه. وقوله (لايسطيعها) يريد لايستطيعها. والماضي منه اسطاع يستطيع بكسر الهمزة، وأصله استطاع، وقوله (والخيل أجودها) يريد: خير الخيل ما ينتهب الأرض انتهاباً في سعيه. وقال الخليل: المناهبة: المباراة في الجري والحضر. ومعنى (عند كبتها) أي حملتها. وسئل رجل: كيف طعنت قتيلك؟ قال: (طعنته في الكبة، طعنةً في السبة فأنفدتها من اللبة) . وكل ما جمعته فقد كببته ومن كبة الغزل.
стр. 819
والأزم: العض، وكنى به عن الاحتماء فقيل: (نعم الدواء الزم) ، فكأنه أراد بالأزم هنا الصبر والثبات.
وقال منقذ الهلالي
أي عيش عيشي إذا كنت منه ... بين حل وبين وشك رحيل
كل فج من البلاد كأني ... طالب بعض أهله بذحول
ما أرى الفضل والتكرم إلا ... كفك النفس عن طلاب الفضول
وبلاء حمل الأيادي وأن تس ... مع منا تؤتىبه من منيل
قوله (أي عيش) استفهام مبتدأ. والمعنى الإزراء به والذم له. (وإذا) تعلق بما دل عليه عيشي. والمراد؛ إذا كنت من عيشي بين سفر متواصل، ونزول وارتحال متتابع، ولاأنال دعةً، ولا أحصل خفضاً وراحة، فكأنه لا عيش لي. وقوله:
كل فج من البلاد كأني ... طالب بعض أهله بذحول
قد سلك مثل هذا المسلك أبو تمام في قوله:
كأن به ضغناً على كل جانب ... من الأرض أو شوقاً إلى كل جانب
والمعنى: أني لا أقتصر على قصد منتوى، ورمى نفسي في جانب من الأرض مرتمى، ولكني أتنقل في أطراف الأرض وآفاقها، وأضرب في أعراض البسيطة وأعماقها، كأني أطلب بعض أهلها بترة، فهو في الهرب وأنا في الطلب.
وقوله (ما أرى الفضل) ينبه به على أن سعيه في إصلاح عيشه، وترك ما لايعنيه من شأنه، فقال: ليس الفضل والعفاف، وحبس النفس فيما بينك وبين الناس على التكرم والكفاف، إلا إذا زممت نفسك عما يتجاوز رم الحال، ووقفت عندما يمكن الاكتفاء به من المعاش. فمن البلاء العظيم تحمل النعم عن المفضلين، وسمعك امتنان المنيلين. وهذا دأبى فيما ألتزمه من التعب، وأحمل عليه نفسي من التجوال في البلاد والتقلب. وارتفع (بلاء) على أنه خبر مقدم، والمبتدأ حمل الأيادي. وقوله (تؤتى به) من صفة المن.
стр. 820
وقال محمد بن أبي شحاذ
إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما ... بريب من الأدنى رماك الأباعد
قوله (إذا أنت) جوابه ألقيت، وهو الفعل الواقع فيه، لأن إذا بتضمنه للجزاء يطلب جواباً ويكون ظرفاً له، فيقول: إذا نلت اليسار والغني، ومكنت من أطماع الدنيا فملكتها، ثم لم تتسخ بما يفضل من وجدك، وجدت لا يثنى عليك حامد، ولا يحفظ غيبك ذائد، وفي الثناء الباقي على الدهر خلف من نفاذ العمر، فإن لم تكتسبه بما تناله لحقك الذم ممن ألحاظهم سهام، وألفاظهم سمام. وقوله (إذا أنت لم تعرك) جوابه رماك الأباعد. وكما بعث في البيت الأول على الإفضال وذم الإمساك مع القدرة، بعث في هذا البيت على مصابرة العشيرة واستبقائهم، وترك مؤاخذتهم بما يتفق من هفواتهم، وتدقيق محاسبتهم علي بدوائهم وزلاتهم. فقال: لا يؤمنك إقبال الدنيا عليك إدبارها عنك، ولا دولة لك من إدالة منك. وأعلم أنك إذا لم تعف عما يريبك من أدانيك، ولم تحتمله في عفوك وحلمك، اجترأ عليك الأباعد فرموك بما لا صبر لك عليه من أذاهم ومكروههم. ويقال: عركت كذا بجنبي، أي احتملته وجعلته مني بظهر. والعرك والدلك بمعنى واحد. وقال: (بعض ما يريب من الأدنى) ، إشارة إلى ما يكون فيه على الحلم محمل. لأنه ليس كل ما يريب يعد التجافي عنه حسناً.
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك يروق جمة ورواعد
إذ العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... جنيباً كما استتلى الجنيبة قائد
قوله (إذا الحلم) جوابه لم تزل، فيقول: تحلم في كثير مما يعروك ويطرقك، وانظر أن تكون لك الغلبة على جهلك، والتملك لاحتدادك وصولك، فإنك إن لم تستعمل الأناة في مقارضاتك، وتسرعت إلى المكافأة على ما يظهر لك، ولم تضن بمن بلوته فعرفت مذاهبه، وخبرت خلائفه وصار مستمد رأيك ومشتكي حزنك لم تنتفع بغيره، واجتمعت عليك البروق والرواعد ممن تعده لك وعليك. وهذا مثل لأنواع الأذى والمكروه، والتوعد بضروب القول، وفنون الفعل.
стр. 821
وقوله (إذا العزم لم يفرج) جوابه لم تزل جنيباً. والمعنى: أنظر لنفسك فيما تشرف عليه طالباً للحزم ثم اعزم، ودع التشكك والتلوم فيما يريك رأيك وإلا بقيت تابعاً لغيرك، متوقفاً فيما يمسك، كما يستتبع قائد الخيل مجنوباً له. وهذا بعث على اقتحام الأمور، واستعمال الإستبداد فيها بعد النظر والتحزم في الظاهر، وترك التعرج على قول مانع، أو دفع مزاحم، أو مذكر بعاقبة. كما وصى في البيت الذي قبله بالرفق في الأمور التي تكسب العداوات، واستعمال الصبر فيما يجلب الضغائن ويهيج التراث.
وقل غناء عنك مال جمعته ... إذا كان ميراثاً وواراك لأحد
تجللت عاراً لا يزال يشبه ... سباب الرجال نثرهم والقصائد
المراد بذكر القلة هاهنا النفي، لا إثبات شيء قليل. وانتصب (غناء) على الحال، أي مغنياً عنك. فيقول: لا يعني عنك مال تجمعه إذا ذهبت عنه وتركته لورثتك، فإن ما تملكه هو ماتنفقه أيام حياتك، وتصرفه فيما يدخر لك أجراً، أو يكسب لك حمداً، فأما إذا سترك من يلحد قبرك، فما تتركه لغيرك لا حظ لك فيه ولا نصيب، بل تكتسي عاراً منه لا يزال يوقد ناره، ويرفع في المحافل ذكره سباب الرجال، من النثر تارة، ومن النظم أخرى، لأن الباخل مذموم بكل لسان حياً وميتاً، وفي كل زمان موجوداً ومفقوداً، ثم تراه كالجاني على كل من يعرفه، فهم يذمونه بظهر الغيب، ويقذعونه في الحضور، فلا يزال مسبوباً، مأكول اللحم مدحوراً.
وقال:
ويلم لذات الشباب معيشة ... مع الكثر يعطاء الفتى المتلف الندى
وقد يعقل القل الفتى دون همه ... وقد كان لولا القل طلاع أنجد
لفظه (ويل) إذا أضيفت بغير اللام فالوجه فيها النصب، تقول: ويل زيد، والمعنى ألزم الله زيداً ويلاً، فإذا أضيفت باللام فقيل: ويل لزيد، فحكمه أن يرفع
стр. 822
فيصير مع ما بعده جملة، ابتدىء بها وهي نكرة لأن معنى الدعاء منه مفهوم. والمعنى: الويل ثابت لزيد. كأنه عدد محصلاً له، كما يقال: رحيم الله زيداً! فيجعل اللفظ خبراً. وإذا كان حكم ويل هذا وقد ارتفع في قوله (ويلم لذات الشباب) فمن الظاهر أن أصله ويل لأم لذات الشباب، فحذف من أم الهمزة، واللام من ويل، وقد أبقى حركة الهمزة على اللام الجارة، فصار ويلم. وقيل: ويلم، كما قيل: الحمد لله والحمد لله إتباعاً إحدى الحركتين الأخرى، وقصده إلى مدح الشباب وحمد لذاته بين لذات المعاش وقد طع لصاحبه الكثر، وهو كثرة المال، فاجتمع الغنى والشباب له وهو سخي مبذر فيما يكسبه ذكراً جميلاً، وصيتاً عالياً. ثم قال: وقد يحبس قلة المال صاحبه دون ما يهتم له أو يهتم به. وقد كان لولا إضافته وقلة المال صاحبه دون ما يهتم له أو يهتم به. وقد كان لوللا إضافته وقلة ذات يده طلاباً للترقي في درجات الفضل والإفضال، طلاعاً على عوالي الرتب في النهايات. وانتصب (معيشة) على التمييز.
وقالت حرفة بنت النعمان
بينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن منهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف
بينا: كله تستعمل في المفاجآت، وهي من ظروف الزمان. وقد يقال بينما؛ كأنهم أرادوا أن يصلوه بدلا مما كان يضاف إليه من قبل الناس وندبر أمرهم بما نريد، وطاعتنا واجبة، وأحكامنا نافذة، إذا الأمر انقلب فانضعت الأحوال، وتسلطت الأبدال. وصرنا سوقة نخدم الناس. والناص في اللغة: الخادم. والسوقة: من دون الملك. ومعنى (والأمر أمرنا) ، أي لا يد فوق أيدينا. والعامل في بينا مادل عليه قولها (إذا نحن منهم سوقة) . وإذا هذه ظرف مكان، وهي للمفاجأة، وقد تقدم القول فيه.
وقوله (فأف) فيه لغات عدة، يفتح ويكسر ويضم، وينون في كل ذلك ويترك التنوين فيه. وهو اسم من أسماء الفعل، وأسماء الفعل أكثر ما تقع في الأمر والنهي، وفي باب الخبر تقع قليلاً، فمنها أف هذه، وواها، وهيهات وأحرف أخر. ومعنى أف
стр. 823
الحقير. كأنه قال: حقارة لدنيا نعيمها يزول، وحالها لا يدوم، بل تقلب بأهلها وتتحول، وتتصرف بطلابها وتتبدل. فمن فتح أف فلخفة الفتحة، ومن كسر فلالتقاء الساكنين؛ لأن الكسر فيه أولي، ومن ضم فلإنباع الضمة الضمة. والتنوين فيه أمارة للتنكير، وترك التنوين أمارة للتعريف.
وقال الحكم بن عبدل
أطلب ما يطلب الكريم من ال ... رزق بنفسي وأجمل الطلبا
وأحلب الثرة الصفى ولا ... أجهد أخلاف غبرها حلبا
يقول: مطالبى من الدنيا ومراغبي على حد من استعمال الكرم والتعفف، لايزري بي نظر الناظر إلي، لأني إذا طلبت أجملت، وإذا سدت مفاقري اكتفيت، ثم لاأعول فيما أزاوله إلا على نفسي، متهماً سعي غيري، وكل ذلك أبقى على مراعاة العفاف والكفاف.
وقوله: (وأحلب الثرة الصفي) يقول: أعلق طمعي بمن إذا استدر حلبه كان غزيراً، لأني لاأسف للمطامع الدنية، ولا أضع نفسي في المواضع الخسيسة. والثرة: الغزيرة. ويقال: عين ثرثار، إذا كانت كثيرة الماء. والصفى: الجامع بين محلبين في حلبة. وقوله (ولا أجهد أخلاف غبرها حلبا) انتصب الحلب على أنه مصدر في موضع الحال. والمعنى: أني لاأطلب الزهيد الحقير القدر، ولا أستدر البكى القليل الدر. والحلب قد يراد به المصدر، وقد يراد به المحلوب.
إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعة رغبا
والعبد لايطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئاً إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن مشياً إلا إذا ضربا
قوله (إني رأيت الفتى الكريم) يقول: إن من تكرم عروقه وتزكو أصوله، إذا دعوته إلى اصطناع صنيعة، وهززته لابتناء مكرمة، أجابك حريصاً على استغنامه. وترى الدنى الخسيس الهمة والنفس لايطلب ارتفاعاً ولا يكسب ادخاراً، ولا يسمح بشيء إلا عن رهبة، فعل من لايبتغي في مصارفه حمداً، ولايقتني ليومه وغده
стр. 824
خلاً، فهو كالحمار السوء، الذي بظهره آثار دبر وقد ذلل في العمل، لايجيب إلا إذا استحث حتى يضرب، بلادةً منه وكسلاً. وقوله (لايحسن) موضعه من الإعراب نصب على الحال. وارتفع (مثل) على أنه خبر مبتدأ مضمر.
وقوله (مثل الحمار الموقع) يجوز أن يراد منه الذي في ظهره أثر الإكاف أو الدبر، ويجوز أن يراد به المذلل، كما يقال: طريق موقع. ويجوز أن يكون من وقعت الحديدة، إذا ضربتها بالميقعة، كأنه لبلادته يضرب كثيراً.
ولم أجد عروة الخلائق إلا ... الدين لما اعتبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وما ... شد بعنس رحلاً ولاقتبا
ويحرم المال ذو المطية والرحل ومن لا يزال مغتربا
قوله (لم أجد) يريد أن مساك الخلائق الشريفة، ووثائق عراها، إنما هي إذا اعتبره المعتبر في الدين وعمارته، وفي الشرف وتحصيله. كأنه جعل طلب الحسب للدنيا وأسبابها والاعتلاء فيها، وجعل الدين للآخرة وتقديم ما يفوز به من رضا الله ، والثواب الجسيم.
وقوله (قد يرزق الخافض المقيم) سلك فيه مسلك الآخر في قوله:
ماذا يكلفك الروحات والدلجا ... البرطوراً وطوراً تركب اللججا
البيتين، وقد تقدما.
والخافض: الوداع الذي لم يحدث نفسه بتجوال وارتحال. فيقول: قد ينال الرزق الواسع من لايؤثر على الإقامة في وطنه شيئاً، وقد ترى قاطع الشقة البعيدة، وصاحب الرحل والمطية، الصابر على الغربة، محروماً مضيق العيش، مكدود العمر. والرحل: مركب البعير؛ والرحالة نحوه؛ وهوالسرج أيضاً. والقتب: إكاف الجمل، كذا ذكره الخليل. وقوله (ذو المطية والرحل) ، الرحل: مصدر رحلت البعير، إذا شددت عليه الرحل.
стр. 825
وقال آخر:
يأيها العام الذي قد رابني ... أنت الفداء لذكر عام أولا
أنت الفداء لذكر عام لم يكن ... نحساً ولا بين الأحبة زيلا
يفضل أيامه الماضية على أيامه الحاضرة، فقال كالمخاطب لها: أيها العام الذي قد أتى بما يريبني، جعلك الله فداءً لعام أول من عامي، تقضى بما سرني. وقوله (عام أولا) مما ألف فيه كثرة الاستعمال، فوصف بصفة لم توصف به نظائره، اعتماداً على التعارف. والمراد بهذا أنه لم يقل شهر أول ولا حول أول، ول سنهة أولى، وإنما خص هو بذلك لكثرة الاستعمال، ولأن دلالة الحال وتعارف المتكلمينبه سوغ الحذف والإجراء على ما ألف قيه.
وقوله (أنت الفداء) يريد تكرير الدعاء على التضجر بحاضر وقته وعامه، والتنبيه على ما رابه منه. فيقول: جعلك الله فداء لذكر عام لم يعد بمنحسة، ولاحكم بين الأحبة بفرقة. وإنما قال (لذكر عام) لأن العام وقد تقضى لايصح فيه التفدية. والنحس: ضد السعد، وقد وصف به الغبرة والأمر المظلم. وفي القرآن: في أيام نحسات. ويقال: رجل منحس أي محزون.
وقال الفرزدق
إذا ما الدهر جر على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
يقول: إذا صروف الدهر أناخت على قوم بإزالة نعمهم، وتكدير عيشهم، فجرت عليهم أذيال الشر والتغيير، ودرست آثارهم ومحت دولهم، تراها تنتقل إلى آخرين، لأنها كما تهب ترتجع، وكما تولى تستلب.
ثم قال: قل لمن شمت بنا فيما رأى من أثر الزمان فينا: انتبهوا من رقدتكم واصحوا من شمانتكم، فستلقون كما لقينا، وتمتحنون كما امتحنا؛ لأن حياتنا وجميع ما في أيدينا عوار، والعواري تسترد وإن طالت المهلة.
стр. 826
وقال الصلتان العبدي
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الليالي ومر العشى
إذا ليلة هرمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتى
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لاتنقضي
ذكر في الأبيات ما تدور عليه دوائر الأيام، وصروف الأزمان، وأنها لاتقف عند غابة، ولا تعرف فيما تجري فيه مقر نهاية، وأن من عادتها تغيير الأمور، وفي تقضيها وقضاياها تحويل الأحوال، فقال: إن كرور الأيام، ومرور الليالي والأوقات، تراها تجعل الصغير كبيراً، والكبير حقيراً، وتجعل الطفل شاباً، والشيخ فانياً، فكلما خلقت جدة يوم جاء بعدها يوم آخر فتى جديد، ونحن فيها ندأب في حاجاتنا، فلا نحن نمل، ولا حاجاتنا تفنى أو تقل، ولا الوقت بنا يقف، ولا واحد منا ينتظر أو يتوقف، إذ كان ذو العيش مآربه متصلة، كما أن أوقاته دائرة متتابعة.
معنى هرمت يومها: ضعفته مسلماً للزوال. ويقال: هو ابن هرمة أبيه، كما يقال: هو ابن عجزة أبيه، لآخر الأولاد، كأنه من الهرم. والهرمى من الخشب: مالاً دخان له، لعتقه وذهاب قوته. والفتى مصدره الفتاء، وضده الذكي. ويقال: فتاء فلان كذكاء فلان وكتذكية فلان.
تموت مع المرء حاجاته ... ويبقى له حاجة ما بقي
إذا قلت يوماً لمن قد ترى ... أروني السرى أروك الغنى
يقول: تموت مع المرء حاجاته. يريد أن المرء ما دام حياً فمآربه وشهواته تتجدد تجدد الأوقات، وأمانيه تتصل ما اتصل عمره، فإذا جاء أجله وتناهى أمده، انتهت مآربه، ووقفت مطالبه.
وقوله (إذا قلت يوماً لمن قد ترى) يريد: وإن سألت كل من تقع عينك عليه من المميزين، عن سراة الرجال وكرامهم، أحالوا على المثرين وإن ضعفت رغباتهم
стр. 827
في اكتساب الخير، واستجلاب الحمد. والسرو: سخاء في مروة. ويقال: سرو الرجال يسرو، وهو سري من قوم سراة. وكأن هذا سلك مسلك الآخرحين قال:
وأن ثراء المال ينفع ربه ... ويثني عليه الحمد وهو مذمم
ألم تر لقمان أوصى بنيه ... وأوصيت عمراً ونعم الوصي
بني بدا خب نجوى الرجال ... فكن عند سرك خب النجى
وسرك ما كان عند أمرىء ... وسر الثلاثة غير الخفى
معنى (ألم تر) : اعلم. ويريد التنبيه على أن له في وصاته ابنه اقتداءً بالحكماء قبله، فكما ساغ للقمان أن يوصي ابنه ساغ للصلتان أن يوصي عمراً ولده. والمحمود في قوله (نعم الوصى) محذوف، كأنه قال: ونعم الوصى هو. وهذا ترغيب منه لعمرو في الاحتذاء بما يرسم له. وقوله (بني بدا خب نجوى الرجال) فالخب: المكر بكسر الخاء، والخب بفتحها: المكار. ومثله رجل صب. والنجوى: مصدر، وهو يستعمل فيما يتحدث فيه اثنان على طريق الستر والكتمان. فيقول: إذا ناجيت صاحباً لك فكن خباً فيما تودعه من سرك، فإن نجوى الرجال إذا بدا خبها، ومكر أربابها فيها، عادت وبالاً وفضيحة. والنجي يقع على الواحد والجمع، وكذلك النجوى. وفي القرآنإذ هم نجوى.
وقوله (وسرك ما كان عند امرىء) ذهب فيه مذهب من قال:
إذا جاوز الاثنين سر فإنه ... ببث وتكثير الوشاة قمين
وقد قيل في (الاثنين) من هذا البيت أراد به الشفتين. وكأن من فسر هذا التفسير يريد: لاتتفش سرك إلى أحد.
آخر باب الأدب، والحمد لله وحده، والصلاة على نبيه محمد وآله بعده.
стр. 828
وقال الصمة بن عبد الله القشيري
حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعبا كما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعاً ... وتجزع أن داعي الصببابة أسمعا
الحنين: تألم من الشوق وتشك. وريا؛ اسم امرأة. فإن قيل: هلا قيل روى، لأن فعلى إذا جاء اسماً من بنات الياء يقلب ياؤه واواً، على هذا الفتوى والشروى والتقوى والبقوى؟ قلت: إنه سمي به منقولاً عن الصفة، وفعلى صفة يصح فيه الياء، على هذا قولهم: خزيا وصديا وريا كأنه تأنيث ريان في الأصل، كما يقال عطشان وعطشى، ثم نقل من باب الصفات إلى بابالتسمية بها فترك على بنائه. وقوله (ونفسك باعدت) الواو واو الحال، وهي للابتداء، ومعنى باعدت بعدت، وهو كمل يقال ضاعفت وضعفت. وفي القرآن: باعد بين أسفارنا، والمزار: اسم مكان الزيارة. والشعب. شعب الحي، يقال: التأم شعبهم، أي اجتمعوا بعد تفرق، وشت شعبهم، إذا افترقوا بعد تجمع. وقوله (وشعبا كما معا) الواو واو الحال أيضاً، والعامل في (ونفسك باعدت) حننت، وفي قوله: (وشعبا كما) باعدت. ومعنى قوله: (معا) مجتمعان ومصطحيان، وموضعه خبر المبتدأ.
стр. 829
وقوله (فما حسن أن تأتي الأمر طائعاً) في حسن وجوه: يجوز أن يكون مبتدأ، وجاز الابتداء به وهو نكرة لاعتماده على حرف النفي، و (أن تأتى) في موضع الفاعل لحسن، واستغنى بفاعله عن خبره، والتقدير: ما يحسن إتيانك الأمر طائعاً. وانتصب طائعاً على الحال من أن تأتي. ويجوز أن يرتفع حسن على أنه خبر مقدم، وأن تأتي في موضع المبتدأ. ويجوز أن يرتفع حسن بالابتداء وأن تأتي في موضع الخبر، وهذا أضعف الوجوه لكون المبتدأ نكرةً والخبر معرفة. وقوله (وتجزع أن داعي الصبابة) أن مخففة من أن الثقيلة، والمراد: وتجزع من أن داعي الصبابة أسمعك صوته ودعاك. ومعنى البيتين: شكوت شوقك إلى هذه المرأة، وأنت آثرت البعد عنها بعد أن كان حياً كما مجتمعين، وليس بجميل اختيارك الأمر طائعاً غير مكره. وجزعك بعده، لأن داعي الشوق والعائد منه إليك أسمعك وحرك منك.
قفا ودعا نجداً ومن حل بالحمى ... وقل لنجد عندنا أن يودعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا
يخاطب صاحبين له يستوقفهما ويكلفهما توديع نجد معه والناول بالحمى منه. ثم استأنف فقال ملتفتاً: ويقل لنج وساكنه التوديع من، لأن حقهما أعظم من ذلك، ولكنا لانقدر على غيره. والحمى: موضع فيه ماء وكلأ يمنع منه الناس. ويقال: أحميت المكان، إذا جعلته حمى. وحكى ابن الأعرابي أنهم يقولون للمكان وقد أبطل وأبيح ولم يحم: بهرج. وأنشد:
فخيرت بين حمىً وبهرج ... ما بين أجراذ إلى وادي الشجى
وقوله (أن يودعا) في موضع الفاعل لقل. ومعنى قوله (وليست عشيات الحمى برواجع) أنك وإن أفرطت في الجزع، فإن أوقات المواصلة بالحمى مع أحبابك لاتكاد تعود، ولكن أدم البكاء لها، مع التوجع في إثرها، تجد فيه راحةً. وفي هذا إلمام بقول الآخر:
فنلت له إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن ألا تلاقيا
وقوله (تدمعا) جواب الأمر. ولو قال تدمعان، لكان حالاً للعينين.
ولما رأيت البشر أعرض دوننا ... وحالت بنات الشوق يحنن نزعا
стр. 830
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
البشر: جبل. وأعرض دوننا: ابدى عرضه. وحالت: تحركت. يقال: استحلت الشخص، إذا نظرت هل يتحرك. ومنه لاحول ولا قوة إلا بالله! والمعنى: لما تباعدنا عن نجد؛ وحجز بيننا وبينه البشر، تحركت بنات الشوق نوازع كثيرة الحنين، مظهرةً ضعف الصبر. وجواب لما قوله (بكت عيني اليمنى) . وأراد ببنات الشوق مسبباته. وهذا كما قال الآخر:
يضم إلى الليل أطفال حبها ... كما ضم أزرار القميص البنائق
فأطفال الحب كبنات الشوق. والنزع، الأشهر فيه أن يكون جمع نازع بمعنى كاف، فوضعها موضع نوازع، واللفظتان المتواخيتان لكونهما من أصل واحد يستعار ما إحداهما للأخرى. وإنما قال (بكت عيني اليمنى) لأنه كان أعور ممتعا بعينه اليسرى. والعين العوراء لاتدمع. فيقول: بكت عيني الصحيحة؛ فاجتهدت في زجرها عن تعاطي الجهل بعد أن كنت تحلمت وتركت الصبي، فلما تكلفت ذاك لها أقبلت العوراء تدمع معها وتبكي. ونبه بهذا على عصيان النفس والقلب، وقلة ائتمارهما له، وأنهما إذا زجرا وردا عن مواردهما زادا على المنكر منهما
تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتاً وأخدعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا
يقول: أخذت في مسيري من لما أبصرت حال نفسي في تأثير الصبابة فيها، ملتفتاً إلى ما خلفته من الحي وأرض نجد، حتى وجدتني وجع الليت - وهو عرق فيها - لطول إصغائي، ودوام التفاتي؛ كل ذلك تحسراً في إثر الفائت من أحبابي وديارها، وتذكراً لطيب أوقاتي معهم فيها. وقد قيل فيه: إن من رموزهم أن من خرج من بلد فالتفت وراءه رجع إلى ذلك البلد. وأنشد فيه أبيات منها قوله:
عيل صبري بالثعلبية لما ... طال ليلى وملني قرنائي
كلما سارت المطايا بناميلاً تنفست والتفت ورائي
قالوا: التفت لكي يقضى له الرجوع، لكونه عاشقاً
стр. 831
وانتصب (ليتاً) لأنه تمييز، وهذا من باب ما نقل الفعل عنه، كأن الأصل: وجع ليتني وأخدعي، فلما شغل الفعل عنهما بضميره أشبها المفعول فنصبهما. ومثله: تصببت عرقاً، وقررت به عيناً.
وقوله (وأذكر أيام الحمى ثم أنثني) يقول: وأتذكر أوقاتي بالحمى لما كان من أسباب الوصال تساعد، وبين دورنا ودور الأحبة تقارب، وللتراسل إمكان، ومع الحبيب في الوقت بعد الوقت تلاق واجتماع، ثم أنعطف على كبدي وأقبض عليها مخافة تشققها، وخروجها من مواضعها، شوقاً إلى أمثالها، وحسرة في إثر منقطعها. وقد ذكر هذه الأبيات أبو عبد الله المفجع ﵀، في حد الغزل من كتابه المعروف بالترجمان، فنذكر بيتين منها في (باب الصبابة) ، وهما:
حننت إلى ريا ونفسك باعدت
وفما حسن أن تأتي الأمر طائعاً
وقال في تفسيرهما: (يقول: الحرب بينك وبين قومك تمنعك من قربها ولقائها) . وذكر مع البيتين قول عنترة:
علقتها عرضاً وأقتل قومها ... زعماً لعمر أبيك ليس بمزعم
ثم جاء إلى (باب الحنين) ، فذكر ما في الأبيات،
وأذكر أيام الحمى
ووليست عشيات الحمى برواجع
وبكت عيني اليمنى
الأبيات، وقال في تفسيرها: هذا كان مجروراً لأحبابه وهم منتجعون بجنوب الحمى فنشأت عين - والعين: سحابة تجيء من ناحية القبلة - فنشأت من عين يسار القبلة، فارتاع لذلك، وخشى الفرقة إذا اتصل الغيث، فذلك معنى قوله: بكت عيني
стр. 832
اليسرى، كنايةً عن السحاب. وجهلها: كثرة مطرها. وجعل ارتياعه منها زجراً لها. ثم نشأت أخرى من عن يمين القبلة، فأيقن حينئذ بالفراق. فذلك معنى قوله: أسبلتا معا. ثم قال معترفاً بالبين: خل عينيك تدمعا، يعني السحابتين. وقال جرير:
إن السواري والغوادي غادرت ... للريح منخرقاً بها ومجالا) .
هذا كلامه في كتابه، وقد حكيناه على ما أورده لازيادة فيه ولا نقصان. وأظن أنه تذكر أبيتاً غير هذه، ثم تصرف في تفسيرها وذكر هذه الأبيات في أثناء تفسير ما ذكره، ولم يأت بها. وقد أحسنت الظن مستطرفاً فعله. والله أعلم.
وقال آخر:
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلى فهلا نفس ليلى شفيعها
أأكرم من ليلى علي فتبتغي ... به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها
نبىء يحتاج إلى ثلاثة مفاعيل، وقد حصلت إلى قوله (أرسلت بشفاعة إلى) . وقوله (هلا نفس ليلى) هلا: حرف تحضيض، وهو يطلب الفعل، وقد وقع في البيت بعده جملة من مبتدأ وخبر. وفارق (هلا) هذه أختها (لولا) في قوله:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطري لولا الكمي المقنعا
وذاك لأن تأثير الفعل بالنصب بعد لولا من البيت دل عليه، فأمره في إضمار الفعل بعده قوى. وهذا لم يصلح له أن ينصب النفس بعد هلا، فكان يجيء التقدير: فهلا أرسلت نفسها شفيعها؛ لأن القوافي مرفوعة، فجعل ما بعده مبتدأ لما لم يتأت له ما تأتي لذاك. وقد يفعلون هذا في الحروف المختصة بالأفعال إذا كان في الكلام دلالة على المضمر من الفعل. ألا ترى أن ويطلب الفعل. ثم جاء قوله تعالى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق.
стр. 833
وعلى ذلك جاء إن الجازمة الدالة على الشرط في وقوع الإسم بعده، وإن كان يطلب الفعل عاملاً فيه بالجزم، وذلك نحو: إن زيد أتاني أكرمته. وقول الشاعر:
إن ذو لوثة لانا
وما أشبهه. فإن قيل: هلا جعلت المضمر بعد هلا فعلاً رافعاً فيرتفع النفس به لا بالإبتداء، كما يفعل ذلك في: إن زيد أتاني أكرمته، فيصير هلافي ذلك أجرى في بابه من أن يكون ارتفاعه بالإبتداء؟ قلت: إن قولك إن زيد أتاني أكرمته، ارتفع زيد بفعل هذا الظاهر تفسيره، وأكرمته جواب إن، فساغ فيه مالم يسغ هاهنا، لأنه ليس هاهنا شيء يكون تفسيراً لذلك الفعل. وإنما جاء بد الفعل المفسر شفيعها، ويكون خبراً، ويكون خبراً لا غير، وإذا كان كذلك لم يمكن حمل هذا عليه.
ومعنى البيت: خبرت أن ليلى أرسلت إلى ذا الشفاعة في بابها، تطلب به جاهاً عندي، مستكفية عن ذكرها في الشعر وعن إتيانها وما يجري مجراه. ثم قال: هلا جعلت نفسها شفيعاً. فقوله (بشفاعة) حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، الفعل الذي يقتضيه هلا دل عليه شفيعها، لو قال: هلا نفسها شفيعها - لكان أقرب في الإستعمال، إلا أنه قصد إلى التفخيم بتكرير اسمها.
ثم قال: (أأكرم من ليلى علي) ، فأتى بلفظ الاستفهام، والمراد التقريح والإنكار، كأنه أمكر منها استعانتها بالغير عليه، وطلب الشفيع فيما أرادت لديه. وقوله (فتبتغي) في موضع النصب على أن يكون جواب الاستفهام بالفاء. وقوله (أم كنت) هي أم المتصلة، كأنه قال: أي هذين توهمت: طلب إنسان أكرم علي منها، أم اتهامها لطاعتي لها. وخبر أكرم علي محذوف، كأنه قال: أأكرم منها موجود، أو في الدنيا.
وقال آخر:
أما يستفيق القلب إلا انبرى له ... توهم صيف من سعاد ومربع
стр. 834
أخادع عن أطلالها العين إنه ... متى تعرف الأطلال عينك تدمع
عهدت بها وحشاً عليها براقه ... وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع
استفاق وأفاق بمعنى صحا. وانبرى: تعرض. وأراد بالصيف المصيف. وقوله (من سعاد) أراد من دار سعاد وأرضيها. و (أما) هي ما النافية أدخل عليها ألف الاستفهام تقريراً او إنكارا. والمراد: لا يحدث القلب بالسلو والإقامة مما تداخله من علائق حب هذه المرأة، وتشبث به فألهاه عن كل شيء، إلا اعترض له تذكر مصيف ومربع من أرضيها بعد التوهم. كأنه كان يقف على منازلهم فيتوهمها بآياتها وعلاماتها، ثم يعرفها. وأكثر ما يذكرون التوهم في الديار يعقبونه بالعرفان دون العلم. وهذا أحد ما نفصل به بين العلم والمعرفة، ولهذا وأشباهه ممتنع من أن نصف الله تعالى بأنه عارف. لذلك، قال زهير:
فلآياً عرفت الدار بعد توهم
أشباهه كثير. وقوله (أخادع عن أطلالها العين) يريد أني إذا وقفت على آثار دارها وجوانب محلها رمت خداع النفس والعين عن تأملها، تفادياً مما يتسلط من الوجد بها، ويتجدد لي من الصبابة نحوها. ولائلا أتذكر بما أتفرس فيها أحوالي قبلها، ولأن العين إذا عرفتها وكفت بالدمع، والنفس إذا تبينتها أشقيت بالوجد.
وقوله (عهدت بها وحشاً) هذا تحسر فيما رأى الدار عليه من الإستبدال وحوشاً، فقال: عهدت بها نساء مبرقعة - يشير بذلك إلى عفافها وقلة تبرجها - كالوحش كمالاً وحسناً، ونفوراً عن الريب، وأرى الآن وحوشاً تختلف فيها غير
стр. 835
مبرقعة. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
يعز على أن يرى عوض الدمى ... بحافاته هام وبوم وهجرس
وقوله (عليها براقع) صفة للوحش، وكذلك (أصبحت لم تبرقع) .
وقال آخر:
فيا رب إن هلك ولم ترو هامتي ... بلبلى أمت لا قبر أعطش من قبري
وإن أك عن ليلى سلوت فإنما ... تسليت عن يأس ولو ألمن صبر
وإن يك عن ليلى غنى وتجلد ... فرب غنى نفس قريب من الفقر
حذف الياء من (يارب) لوقوعها موقع ما يحدث في باب النداء، البتة، وهو التنوين، ولأن الكسرة تدل عليه، وإن باب النداء باب حذف وإيجاز، لكثرة تردده في الكلام، وقوله (أمت) جواب الشرط. وقوله (لا قبر أعطش من قبري) الجملة في موضع الحال. وقد روى: (ترو) بفتح التاء ويكون الفعل للهامة، (وترو) بضم التاء والفعل لله . فيقول متألماً من برح الصبابة، وعطش الاشتياق، ومتشكياً إلى الله تعالى: يا رب إن مت ولم أنل شفاء من دائي، وريا من عطشي إلى هذه المرأة مت ولا قبر لعاشق أشد عطشاً من قبري. وإنما قال: لم ترو هامتي، لأنهم كانوا يزعمون أن عظام الموتى تصير هاماً فتطير. والأصلح في هذا المكان أن يكون جعل نفسه مقتتلاً لحبها. ومعنى (ترو هامتي) لم تطلب دمي من قاتلي، تبق هامتي أعطش من كل هام. وكانوا يقولون: إنه يخرج من رأس المقتول هامة فتصيح وتقول: اسقوني اسقوني! إبى أن يدرك ثأره.
إنما آثرت هذا لتوحيده هامة. والرةايتان في ترو وترو معنياهما ظاهران وقوله (وإن أك عن ليلى سلوت) قد تقدم القول في حذف النون من أكن. وجواب الشرط قزله (فإنما) بما بعده والمعنى: إن اك في الظاهر حصل لي سلو عنها لمن يتأمل حالي، فإنما تكلفت ما ظن مني سلوا لغلبة اليأس منها على، فأما نفسي فهي كما كانت، ذهاباً فيها وولوعاً بها. وقوله (سلوت) مهناه طبت نفساً. وتسليت معناه تكلفت ذلك، والتفعل لا يكون إلا عن تكلف في أكثر
стр. 836
الأحوال، وكذلك التفاعل، فأتى بسلوت بناء على ظنهم واعتقادهم، وتسليت بناء على حاله.
وقوله (وإن يك عن ليلى غنى) يريد: وإن كان ظاهر أمري أني استغنيت عنها بخلو قلبي من حبها، أو أني أتجلد للوهن العارض في الإشتياق إليها، فرب غني نفس يقرب من الفقر، والمعنى أن باطن أمري بخلاف ظاهره. وإنما يتصور مني غنى يقرب من الفقر إذا حصل وتؤمل. ومن روى (أمر من الفقر) فالمعنى ظاهر والفاء من فرب بما يعده جواب للشرط. وفائدة رب التقليل، كأنه استقل الحالات التي تشبه حاله، فلذلك أتى برب.
وقال آخر:
يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي ... والعقل متله والقلب مشغول
ثم انصرف إلى نضوى لأبعثه ... إثر الحدوج الغوادي وهو معقول
انتصب (يوم) بإضمار فعل، كأنه أراد: أذكر يوم هذا الأمر والشأن. وأضاف اليوم إلى الفعل تشيهراً له وتعظماً لما اتفق فيه. وذلك أنه باغته حديث الفراق وما هم به المجتمعون معه في النجمة من الارتحال، فلما ورد عليه مالم يحسبه ولم يحدث نفسه به تولة وخولط، حتى صار لا يدري ماذا يأتي عندما هم به من تشييعهم، والتهيؤ للكون معهم، فقال: أذكر يوم أقبلت أضع الرحل على الناقة قبل البرذعة، وعقلي فاسد وقلبي مشغول بما دهمه من الحال. وقوله (متله) هو مفتعل من الوله، وأصله مؤتله، فأبدل من الواو تاء كما تقول في اتقى واتجه وما أشبههما، ثم أدغم إحدى التاءين في الأخرى. ويروى: (مختبل) والخبل: الفساد.
وقوله (ثم انصرفت إلى نضوى) تتميم لبيان حاله فيما انعكس عليه من قصده، وفسد من همه، فقال: ثم رجعت إلى بعيري لأقيمه في إثر الظغائن الباكرة، وهو مشدود بعقالة لم أحله. وهذا غاية ما يقال في انحلال العقدة، واسترخاء المسكة، وسوء الضبط وانقلاب القلب. ومعنى أبعثه أهيجه. والنضو: البعير المهزول. والحدوج: مراكب النساء الظاعنة. وانتصب إثر على الظرف.
وقد سلك أبو تمام هذا المسلك فقال:
أصمني سرهم أياهم فرقتهم ... هل كنت تعرف سراً يورث الصمما
стр. 837
نأوا فظلت لوشك البين مقلته ... تندى نجيعاً ويندى جسمه سقما
أظله البين حتى إنه رجل ... لو مات من شغله بالبين ما علما
وقال جران العود
أيا كبداً كادت عشية غرب ... من الشوق إثر الظاعنين تصدع
عشية ما فيمن أقام بغرب ... مقام ولا فيمن مضى متسرع
يروى (ياكبدا) والمراد يا كبدي على الإضافة، ففر من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فانقلبت ألفا. ويروى (ياكبدا) والمراد به كبده وإن نكرها، بدلالة أنه وصفها بقوله (كادت عشية غرب من الشوق) ... البيت. وهذه الصفة لم تحصل إلا لها. والمراد أنه تألم مما دهمه من أمر الفراق بعد الاجتماع الحاصل في مواضع الانتجاع، وكأن المجتمعين تحزبوا حزبين، ارتحل أحدهما وصاحبته معهم، وأقام أحدهما بالتهيؤ والاستعداد وهوفيهم، فالمتقدمون ليس فيهم متسرع، لانتظارهم المتخلفين، والمتخلفون لا مقام لهم لاستعجالهم اللحاق بهم. فشكا الحالة الواقعة في أثناء ذلك، وهو مع ذلك يحن ويشتاق. وغرب: موضع. وأضاف المشية إليه تخصيصاً. وفصل بين كاد وبين الفعل الذي تناوله بالظرف على ما اتصل به. و (وإثر) انتصب على الظرف من الشوق، و (عشية) من البيت الثاني بدل من العشية الأولى. وكما أضاف الأولى إلى غرب تبيينا أضاف الثانية إلى قوله (ما فيمن أقام بغرب) تبيينا، وهما عشية واحدة وإن اختلف مبينهما.
وقال الحسين بن مطير
لقد كنت جلداً قبل أن توقد النوى ... على كبدي ناراً بطيئاً خمودها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي ... إذا قدمت أيامها وعهودها
стр. 838
يقول: كنت قوى النفس، ثابت القلب، راجح العقل، صبوراً في الشدائد، قبل أن بليت بفراق الأحبة، فلما أوقدت نيته التي انتوها نار الصبابة على كبدي فأبطأ سكونها ضعفت عن الثبات لها، وظهر عجزي عن تحمل أعبائها، وقد كنت أؤمل إذا أتت الأيام على ما أقاسيه، واستمرت النفس في التألم تارة وفي التصبر أخرى، أن يتنقص ذلك صبابتي، وأن قدم الأيام وانحاء العهود يؤثر في تسكين نائرتها، ويبطل ما تسلط على من أذاها ومكروعها. وقوله (إذا قدمت) ظرف لتوت صبابتي.
فقد جعلت في حبة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولى بشوق يعيدها
يريد أن ما كان يرجوه من سكون صبابته قد ازداد، لأنها صيرت في حبة القلب وأحشائه أمطار الهوى، تجدد وتتبع بولي من الشوق يردها كما كانت، وانتصب (عهاد) على أنه مفعول أول لجعلت. وتولى بشوق في موضع المفعول الثاني، ويعيدها في موضع الصفة للشوق. ومعنى (تولى) تمطر الولى. والولى المطرة الثانية لأن الأولى منها تسمى الوسمى. والعهاد: جمع العهد، وهو المطر الذي يجيء ولما تقدمه عهد باق لم يذهب. وحبة القلب هي العلفة السوداء في جوفه. ويورى (عهاد الهوى - بالرفع - يولى - بالياء - بشوق بعيدها، بالباء) ، فيكون معنى جعلت طفقت وأقبلت، ويكون غير متعد، ويرتفع عهاد بجعلت، وبعيدها يقوم مقام فاعل يولى. فيكون المعنى: فقد طفقت أوائل هواها يمطر أبعدها بشوق يجددها.
بسود نوصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها
مخصرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها
يمنيننا حتى ترف قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طل يجودها
الباء من قوله (بسود نواصيها) يجوز أن يتعلق بقوله تموت صبابتي، ويجوز أن يتعلق بجعلت إذا ارتفع عهاد الهوى به يريد: جعلت العهاد تفعل هذا بسبب نساء هكذا. وإنما جاز أن يجمع سود وحمر وغيرهما وإن ارتفع ما بعدها بها، لأن هذه
стр. 839
الجموع لها نظائر في هذه الأسماء المفردة، ولو كانت جموع سلامة أو مالا نظير له في الواحد لما جاز جمعه. تقول: مررت برجال ظراف آباؤهم، لم يجز.
وقوله (يمنيننا) يصف لطافتهن في مواعيدهن، وتقريبهن أمر الوصال بينه وبينهن، وأنها لا تزال تمنى وتضمن من حسن الإجابة ما يصير للقلوب به بريق ونضارة، كبريق الخزامى إذا بفي ليلته يطل بالجود، والرفيف كثرة الماء في النبات ونضارتها. ومعنى (حتر ترف) إلى أن ترف.
وقال أبو صخر الهذلي
أما والذي أبكي وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر
تكريره للذي ليس بتكثير للأقسام، لأن اليمين يمين واحدة بدلالة أن لها جواباً واحداً، ولو كانت أيماناً مختلفة لوجب أن يكون لها أجوبة مختلفة، وفائدة التكرير التفخيم والتهويل. وعلى هذا إذا قال القائل: والله والله لقد كان كذا، فاليمن واحدة. وما في القرآن من قوله: والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. وما خلق الذكر والأنثى. إن سعيكم لشتى مثله. على أن ما في البيت من اختلاف الأفعال الداخلة في الصلات جعل الكلام أحسن، والتفخيم أبلغ. وجواب القسم (لقد تركتني) ، وفاعل تركتني ضمير المرأة المستكن فيه. والمعنى: أنى إذا تأملت الوحوش وهي تأتلف في مراعيها ومتصرفاتها اثنين اثنين، لا يفزعها رقيب، ولا يدخل فيما بينها تنفير، حسدتها وتمنيت أن تكون حالتي مع صاحبتي كحالها في ألافها.
стр. 840
وقوله (أحسد الوحش) في موضع الحال، وأن أرى، في موضع البدل من الوحش. وقوله (لا يروعهما) في موضع الصفة لأليفين، لأن أرى من رؤية العين، ويكتفي بمفعول واحد، وهو أليفين.
فيا حبذا زدني جوى كل ليلة ... وياسلوة العشاق موعدك الحشر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
تجلد في الهوى وادعى اللذاذة به، حتى استزاد من أجزاء الجوى الحاصلله، وهو داء الجوف، ما يتضاعف بتجدد الأوقات، واستبعد التسلي منها حتى جعل الموعد بينهما يوم النشر. وهذا غاية التفتى في الهوى، والتصبر على الردى.
وقوله (عجبت لسعي الدهر) يجوز أن يريد به سرعة تقضي الأوقات مدة الوصال بينهما، وأنه لما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون. وهذا على عادتهم في استقصار أيام السرور واللهو، واستطالة أيام الفراق والهجر. ويجوز أن يريد بسعي الدهر سعاية أهل الدهر وإيقادهم نار الشر بينهما بالنمائم والوشايات، وأنه لما فترت أسواقهم بالتهاجر الواقع منهما، وارتفع مرادهم فيما طلبوه من الفساد بينهما، سكنوا. وكما أراد بسعي الدهر سعى أهل الدهر، كذلك أراد بسكون الدهر سكون أهل الدهر.
وقال:
بيد الذي شعف الفؤاد بكم ... تفريج ما ألقى من الهم
ويقر عيني وهي نازحة ... مالا يقر بعين ذي الحلم
الذي شغف القلب به من زعمه هو الله تعالى. ومعنى شعف الفؤاد: أصاب شعفته. وشعفة كل شيء أعلاه. وقوله (بكم) أراد بحبكم، ويقال: فلان مشعوف بكذا، إذا شغل قلبه به وأصيب. وارتفع (تفريج) بالابتداء، وخبره بيد الذي، على طريقة سيبويه، وعلى مذهب أبي الحسن الأخفش ارتفع تفريج بالظرف، والمعنى: بيد الله الذي ابتلاني بكم، وشغل قلبي بحبكم، كشف ما أقاسيه من الهم. وهذا للشاعر في الهوى على الضد ممن تقدم ذكره، لأن شكواه في نهاية القوة والعلو، كما أن التذاذ ذاك في نهاية الجدة والغلو.
стр. 841
وقوله (ويقر عيني وهي نازحة) يريد أنه يسره فيها على بعدها منه مالا يسر به عاقل. وإنما نبه بهذا على شدة تمنعها، وعلى قوة يأسه منها، حتى أنه مع البعاد إذا أخطر بباله شيئاً من أحوالها التي يشاركه فيها، عده مرزئة منها، واستمتاعاً بها. وقد شرح ذلك فيما بعده. وقد روى بعضهم: (بعين ذي الحلم) بضم الحاء، وليس بشيء.
إني أرى وأظن أن سترى ... وضح النهار وعالي النجم
لك أن تروى (أني) وتجعله في موضع الرفع بدلاً من (مالا يقر) ؛ ولك أن تكسر إن، كأنك تستأنف شرح ما قدم، وتفصل ما أجمل. ويكون المعنى: بقر عيني أني أرى بياض النهار وعالي الكواكب بالليل، وهو أضوؤها وأعلنها، وأظن أنها تشاركني في رؤيتها، فأفرح بذلك، وهذا مما لا يفرح به عاقل، ولا يعتده لذة، ويروى والمعنى ما بينته، على غير هذا، وهو:
إني الذي سأظن أن سترى ... وضح النهار وعالي النجم
فيرتفع وضح على أن يكون خبر إن، وأتى بعالي النجم على أصله فضم الياء منها. والمعنى ذلك المعنى، إلا أنه زاد الظن تراخياً بإدخال السين عليه. ويروى:
إني أرى وأظن أن سترى ... وضح النهار عوالي النجم
فينتصب وضح على الظرف، وعوالي على أنه مفعول أرى. والمعنى: أرى الكواكب ظهراً، فيما أقاسيه من برح الهوى، وأظن أنها ستمتحن في حبها لي بمثل ما امتحنت في حبي لها، وأن أسباب الهوى تفارقني وتعود إليها، فترى مثل ما أرى، فأفرح بذلك وتطيب له نفسي، وهذا مما لا يفرح به عاقل.
ولليلة منها تعود لنا ... في غيرما رفث ةلا إثم
أشهى إلى نفسي ولو نزحت ... مما ملكت ومن بني سهم
نبه بهذا الكلام على تهالكه في هواها، وتناهى صبابته بها، وأن اليسير إذا عاد عليه منها عده كثيراً. وقد أظهر العفاف في بلواه، وأنه يتمنى ما يتمنى فيها حلالاً لا
стр. 842
حراماً، فيقول: ولليلة من أوقاتها تحصل لنا في غير فحش تذكر به، أو إثم تكتسبه، ألذ إلى نفسي وأطيب في قلبي من ملكي كله، ومن عشيرتي بأسرهم.
وقوله (أشهى إلى نفسي) في موضع المبتدأ، وهو ولليلة منها. وقوله ولو نزحت شرط فيما تمنى حصوله، وقد فصل بها بين أشهى إلى نفسي وبين ما ملكت أي وإن بعدت تلك الليلة فعادت إلى أولى أحوالها في التمنع علي والتفصى مني.
قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم
ولما بقيت ليبقين جوى ... بين الجوانح مضرع جسمي
فتعلمي أن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شيت عن علم
عاد إلى مخاطبتها، بعد أن تألم مما تألم، فقال يعتب عليها: قد كان لنا في الموت قطيعة وافتراق، لكنك لم تصبري إلى حين وقوعه، ولم تنتظري نزوله، فتعجلت الصرم قبل الموت، فلا جرم أن بين جوانحي داء يبقى مدة بقائي فيها، ويذيب جسمي، ويكسف بالي. وقوله (ولما بقيت) أدخل اللام الموطئة للقسم على مابقيت، وهو مصدر في موضع الظرف، لما يتضمن من معنى الشرط. وقوله (ليبقين جوى) جواب القسم المضمر، والكلام كأنه: لئن بقيت ليبقين جوى؛ لأن المعنى: ولمدة بقائي ليبقين جوى. فمحصول الكلام يعود إلى ذلك.
وقوله (فتعلمي أن قد كلفت بكم) يضعون تعلم موضع أعلم، إلا أن المخاطب ليس له في الجواب أن يقول تعلمت، لكن يقول: علمت. والمعنى: اعلمي كلفي بكم، وانحطاطي في هواكم، وكنه ما أقاسيه في حبكم، ثم آثرى في بابي ما أردت بعد علمك بالحال، لأن الذي أطلبه رضاك، ثم لا أبالي بما يلحقني من بقاء أو فناء، أو سراء او ضراء.
وقال آخر:
إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
стр. 843
بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها
يقول: إن المرأة التي ادعت عليك ملال قلبك منها، وإعراضك عنها، ونيتك في استبدالك بها، خلقت هوى لك كما خلقت أنت هوى لها. والمعنى أن دعواها تجن منها، وتسخط لما يظهر من شعفك بها، وهي لك لا انفكاك لقلبك من عشقها، كما تدعي أنها لك بهذه المنزلة، فأنت تهواها كما أن تلك تهواك، لا مرية في ذلك ولا شك.
وقوله (بيضاء باكرها النعيم) يريد أنها نشأت في النعمة والنعمة، وأن خفض العيش رباها وحسن خلقها بحذق ولباقة، فجعل محاسنها مرتبة بين ما يستحب دقتها، وبين ما يستحب ٤فخامتها. ومعنى (باكرها) سبق إليها في أول أحوالها؛ لأن البكور: اسم لابتداء الشيء؛ على ذلك باكورة الربيع. واللباقة: الحذق؛ يقال: هو لبق ولبيق، أي حاذق. ومعنى أدقها وأجلها: أتى بها دقيقة جليلة، فما يستحب دقتها منها مثل الأنف والعين والثغر والخصر جعلها دقيقة، وما يستحب جلالتها منها مثل الساق والفخذ والعجز والصدر جعلها جليلة. وهذا كما قال الآخر:
فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت
وكما قال:
يمانيه تلم بنا فتبدي ... دقيق محاسن وتكن غليلا
حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها
وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير لها إلى فسلها
كأنها لما لامته في ملامه وظهور التسلي منه، هجرته وأقبلت لا تقبل تحية ولا ترد جوابها. فيقول: لما أعرضت وتحجبت عن رسلي، وأظهرت اطراح ودي، قلت متأسفاً ومتعجباً: ماكان أكثرها لنا حين كانت متوفرة علينا وما أقلها لنا الساعة وقد زهدت فينا هذا الزهد المسرف، وضجرت بنا الضجر المفرط. والذي استكثره واستقله هو نيلها وميلها. هذا إذا جعلت الضمير من (أكثرها) و (أفلها) راجعاً إلى
стр. 844
المرأة، ويجوز أن يرجع الضمير إلى التحية، والمراد: ما كان أكثرها لنا لو حصلت، إذ كان فيه مساك أرماقنا، وحياة قلوبنا. وما كان أقلها في نفسها. وهذا كما قال الآخر:
إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير ممن يحب القليل
وقوله (وإذا وجدت لها وساوس سلوة) يبين به استحكام حبتها في قلبه، وأنه كلما تداخله ضجر بدلالها وتأبيها، فحدت نفسه بالتسلي عنها والتصبر دونها، أقبلت دواعي الميل إليها، والأسباب المتسلطة على قلبه والمشتملة على لبه، ولها تشفع وتعصب، فنزعت ما خطر، بالبا من ذلك، وصارت شوافع الضمير أغلب على تدبيره، وأملك لمتصرفاته، حتى يصير الحكم لها، والغلب لقضاياها. وفي طريقته قول كثير:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
وقال آخر:
أما الذي حجت له العيس وأرتمى ... لمرضاته شعث طويل ذميلها
لئن نائبات الدهر يوماً أدلن لي ... على أم عمرو دولة لا لأقيلها
افتتح كلامه بأما، ثم أقسم بالله، لأن الذي قصدت العيس بيته، وطلبت الحجاج الغبر الوجوه الطوال الذميل مرضاته، هو الله ﵎.
واللام من (لئن) هي الموطئة للقسم، وجواب القسم (لا أقيلها) . والمعنى: والله لئن جعلت نوائب الدهر لي دولة على أم عمرو لعددت ذلك ذنباً لا أقيلها منه. فالضمير من لا أقيلها يرجع إلى النائبات، كأن لذته كان في الهوى، وأن يكون لتلك عليه البسطة في الأمر، والتمكن من التصريف فيما يسوءه أو يسره، فإذا تغير الأمر عن ذلك عدة شقاء وضرراً فادحاً. وهذا الوجه حسن. ويجوز أن يكون الضمير يعود إلى المرأة، فيكون المعنى: إنى إن صارت لي اليد عليها، وجعلت أملك من أمرها مثل ما تملك من أمري جازيتهاحينئذ بما تعاملني به كيل الصاع بالصاع، وتركتها لا أنعشها من صرعتها، ولا أقيلها عثرتها. وهذا المعنى وهذا المعنى إذا قايسته إلى ما تقدم ذكره كان
стр. 845
منحطاً عنه، وواقعاً دونه، وفيه إظهار العجز عن مكابدة الصبابة، والتصريح بسوء الملكة. ومثل هذه الطريقة لا يرتضيها أرباب الهوى، والحكام على مدعي العشق ولهم. ومعنى (أدلنني) جعلن لي دولة. ويروى: أدرن لي فينتصب دولة على أنه مفعول به. والدائرات كالدائلات لا فصل. ومن روى (أدلن لي) انتصب دولة على أنه مصدر، فيكون موضوعاً موضع الإدالة. ويقال: أدالك الله من عدوك، أي جعل لك عليه دولة.
وقال آخر:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائداً ... لقلبك يوماً أتبعتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
الرائد: الذي يتقدم القوم فيطلب لهم الماء والكلأ، ولذلك قيل في المثل: (لا يكذب الرائد أهله) لأنه إن كذبهم هلك معهم. فيقول: إنك إذا جعلت عينك رائداً لقلبك تطلب له مصب هواه، ومقلا لهوه وصباه، أتعبتك مناظرها في مطالبك، وأوقعتك مواردها في أشق مكارهك؛ وذلك أنها تهجم بالقلب في ارتياده لها على مالا يصبر في بعضه على فراقه مع مهيجات اشتياقه، ولا يقدر على السلو عن جميعه مع تذكر غرائب الحسن منه، فهو الدهر ممتحن ببلوى مالا يقدر على كله، ولا يصبر عن بعضه. والجناية فيهما للعين، لكونها قائداً للفؤاد إلى الردى وسائقاً، وهادياً لدواعي الحب إليه وحادياً.
وقد ألم بهذا المعنى أبو تمام حيث يقول:
لم تطلع الشمس المضيئة مذ رأت ... عيني خلال الخدر شمساً تغرب
لأعذبن جفون عيني إنما ... بجفون عيني حل ما أتعذب
وأبين من هذا قول الآخر:
ألا إنما العينان للقلب رائد ... فما تألف العينان فالقلب يألف
следующие страницы →