Полный текст (1 295 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وقوله (ويقر عيني وهي نازحة) يريد أنه يسره فيها على بعدها منه مالا يسر به عاقل. وإنما نبه بهذا على شدة تمنعها، وعلى قوة يأسه منها، حتى أنه مع البعاد إذا أخطر بباله شيئاً من أحوالها التي يشاركه فيها، عده مرزئة منها، واستمتاعاً بها. وقد شرح ذلك فيما بعده. وقد روى بعضهم: (بعين ذي الحلم) بضم الحاء، وليس بشيء.
إني أرى وأظن أن سترى ... وضح النهار وعالي النجم
لك أن تروى (أني) وتجعله في موضع الرفع بدلاً من (مالا يقر) ؛ ولك أن تكسر إن، كأنك تستأنف شرح ما قدم، وتفصل ما أجمل. ويكون المعنى: بقر عيني أني أرى بياض النهار وعالي الكواكب بالليل، وهو أضوؤها وأعلنها، وأظن أنها تشاركني في رؤيتها، فأفرح بذلك، وهذا مما لا يفرح به عاقل، ولا يعتده لذة، ويروى والمعنى ما بينته، على غير هذا، وهو:
إني الذي سأظن أن سترى ... وضح النهار وعالي النجم
فيرتفع وضح على أن يكون خبر إن، وأتى بعالي النجم على أصله فضم الياء منها. والمعنى ذلك المعنى، إلا أنه زاد الظن تراخياً بإدخال السين عليه. ويروى:
إني أرى وأظن أن سترى ... وضح النهار عوالي النجم
فينتصب وضح على الظرف، وعوالي على أنه مفعول أرى. والمعنى: أرى الكواكب ظهراً، فيما أقاسيه من برح الهوى، وأظن أنها ستمتحن في حبها لي بمثل ما امتحنت في حبي لها، وأن أسباب الهوى تفارقني وتعود إليها، فترى مثل ما أرى، فأفرح بذلك وتطيب له نفسي، وهذا مما لا يفرح به عاقل.
ولليلة منها تعود لنا ... في غيرما رفث ةلا إثم
أشهى إلى نفسي ولو نزحت ... مما ملكت ومن بني سهم
نبه بهذا الكلام على تهالكه في هواها، وتناهى صبابته بها، وأن اليسير إذا عاد عليه منها عده كثيراً. وقد أظهر العفاف في بلواه، وأنه يتمنى ما يتمنى فيها حلالاً لا
стр. 842
حراماً، فيقول: ولليلة من أوقاتها تحصل لنا في غير فحش تذكر به، أو إثم تكتسبه، ألذ إلى نفسي وأطيب في قلبي من ملكي كله، ومن عشيرتي بأسرهم.
وقوله (أشهى إلى نفسي) في موضع المبتدأ، وهو ولليلة منها. وقوله ولو نزحت شرط فيما تمنى حصوله، وقد فصل بها بين أشهى إلى نفسي وبين ما ملكت أي وإن بعدت تلك الليلة فعادت إلى أولى أحوالها في التمنع علي والتفصى مني.
قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم
ولما بقيت ليبقين جوى ... بين الجوانح مضرع جسمي
فتعلمي أن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شيت عن علم
عاد إلى مخاطبتها، بعد أن تألم مما تألم، فقال يعتب عليها: قد كان لنا في الموت قطيعة وافتراق، لكنك لم تصبري إلى حين وقوعه، ولم تنتظري نزوله، فتعجلت الصرم قبل الموت، فلا جرم أن بين جوانحي داء يبقى مدة بقائي فيها، ويذيب جسمي، ويكسف بالي. وقوله (ولما بقيت) أدخل اللام الموطئة للقسم على مابقيت، وهو مصدر في موضع الظرف، لما يتضمن من معنى الشرط. وقوله (ليبقين جوى) جواب القسم المضمر، والكلام كأنه: لئن بقيت ليبقين جوى؛ لأن المعنى: ولمدة بقائي ليبقين جوى. فمحصول الكلام يعود إلى ذلك.
وقوله (فتعلمي أن قد كلفت بكم) يضعون تعلم موضع أعلم، إلا أن المخاطب ليس له في الجواب أن يقول تعلمت، لكن يقول: علمت. والمعنى: اعلمي كلفي بكم، وانحطاطي في هواكم، وكنه ما أقاسيه في حبكم، ثم آثرى في بابي ما أردت بعد علمك بالحال، لأن الذي أطلبه رضاك، ثم لا أبالي بما يلحقني من بقاء أو فناء، أو سراء او ضراء.
وقال آخر:
إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
стр. 843
بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها
يقول: إن المرأة التي ادعت عليك ملال قلبك منها، وإعراضك عنها، ونيتك في استبدالك بها، خلقت هوى لك كما خلقت أنت هوى لها. والمعنى أن دعواها تجن منها، وتسخط لما يظهر من شعفك بها، وهي لك لا انفكاك لقلبك من عشقها، كما تدعي أنها لك بهذه المنزلة، فأنت تهواها كما أن تلك تهواك، لا مرية في ذلك ولا شك.
وقوله (بيضاء باكرها النعيم) يريد أنها نشأت في النعمة والنعمة، وأن خفض العيش رباها وحسن خلقها بحذق ولباقة، فجعل محاسنها مرتبة بين ما يستحب دقتها، وبين ما يستحب ٤فخامتها. ومعنى (باكرها) سبق إليها في أول أحوالها؛ لأن البكور: اسم لابتداء الشيء؛ على ذلك باكورة الربيع. واللباقة: الحذق؛ يقال: هو لبق ولبيق، أي حاذق. ومعنى أدقها وأجلها: أتى بها دقيقة جليلة، فما يستحب دقتها منها مثل الأنف والعين والثغر والخصر جعلها دقيقة، وما يستحب جلالتها منها مثل الساق والفخذ والعجز والصدر جعلها جليلة. وهذا كما قال الآخر:
فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت
وكما قال:
يمانيه تلم بنا فتبدي ... دقيق محاسن وتكن غليلا
حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها
وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير لها إلى فسلها
كأنها لما لامته في ملامه وظهور التسلي منه، هجرته وأقبلت لا تقبل تحية ولا ترد جوابها. فيقول: لما أعرضت وتحجبت عن رسلي، وأظهرت اطراح ودي، قلت متأسفاً ومتعجباً: ماكان أكثرها لنا حين كانت متوفرة علينا وما أقلها لنا الساعة وقد زهدت فينا هذا الزهد المسرف، وضجرت بنا الضجر المفرط. والذي استكثره واستقله هو نيلها وميلها. هذا إذا جعلت الضمير من (أكثرها) و (أفلها) راجعاً إلى
стр. 844
المرأة، ويجوز أن يرجع الضمير إلى التحية، والمراد: ما كان أكثرها لنا لو حصلت، إذ كان فيه مساك أرماقنا، وحياة قلوبنا. وما كان أقلها في نفسها. وهذا كما قال الآخر:
إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير ممن يحب القليل
وقوله (وإذا وجدت لها وساوس سلوة) يبين به استحكام حبتها في قلبه، وأنه كلما تداخله ضجر بدلالها وتأبيها، فحدت نفسه بالتسلي عنها والتصبر دونها، أقبلت دواعي الميل إليها، والأسباب المتسلطة على قلبه والمشتملة على لبه، ولها تشفع وتعصب، فنزعت ما خطر، بالبا من ذلك، وصارت شوافع الضمير أغلب على تدبيره، وأملك لمتصرفاته، حتى يصير الحكم لها، والغلب لقضاياها. وفي طريقته قول كثير:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
وقال آخر:
أما الذي حجت له العيس وأرتمى ... لمرضاته شعث طويل ذميلها
لئن نائبات الدهر يوماً أدلن لي ... على أم عمرو دولة لا لأقيلها
افتتح كلامه بأما، ثم أقسم بالله، لأن الذي قصدت العيس بيته، وطلبت الحجاج الغبر الوجوه الطوال الذميل مرضاته، هو الله ﵎.
واللام من (لئن) هي الموطئة للقسم، وجواب القسم (لا أقيلها) . والمعنى: والله لئن جعلت نوائب الدهر لي دولة على أم عمرو لعددت ذلك ذنباً لا أقيلها منه. فالضمير من لا أقيلها يرجع إلى النائبات، كأن لذته كان في الهوى، وأن يكون لتلك عليه البسطة في الأمر، والتمكن من التصريف فيما يسوءه أو يسره، فإذا تغير الأمر عن ذلك عدة شقاء وضرراً فادحاً. وهذا الوجه حسن. ويجوز أن يكون الضمير يعود إلى المرأة، فيكون المعنى: إنى إن صارت لي اليد عليها، وجعلت أملك من أمرها مثل ما تملك من أمري جازيتهاحينئذ بما تعاملني به كيل الصاع بالصاع، وتركتها لا أنعشها من صرعتها، ولا أقيلها عثرتها. وهذا المعنى وهذا المعنى إذا قايسته إلى ما تقدم ذكره كان
стр. 845
منحطاً عنه، وواقعاً دونه، وفيه إظهار العجز عن مكابدة الصبابة، والتصريح بسوء الملكة. ومثل هذه الطريقة لا يرتضيها أرباب الهوى، والحكام على مدعي العشق ولهم. ومعنى (أدلنني) جعلن لي دولة. ويروى: أدرن لي فينتصب دولة على أنه مفعول به. والدائرات كالدائلات لا فصل. ومن روى (أدلن لي) انتصب دولة على أنه مصدر، فيكون موضوعاً موضع الإدالة. ويقال: أدالك الله من عدوك، أي جعل لك عليه دولة.
وقال آخر:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائداً ... لقلبك يوماً أتبعتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
الرائد: الذي يتقدم القوم فيطلب لهم الماء والكلأ، ولذلك قيل في المثل: (لا يكذب الرائد أهله) لأنه إن كذبهم هلك معهم. فيقول: إنك إذا جعلت عينك رائداً لقلبك تطلب له مصب هواه، ومقلا لهوه وصباه، أتعبتك مناظرها في مطالبك، وأوقعتك مواردها في أشق مكارهك؛ وذلك أنها تهجم بالقلب في ارتياده لها على مالا يصبر في بعضه على فراقه مع مهيجات اشتياقه، ولا يقدر على السلو عن جميعه مع تذكر غرائب الحسن منه، فهو الدهر ممتحن ببلوى مالا يقدر على كله، ولا يصبر عن بعضه. والجناية فيهما للعين، لكونها قائداً للفؤاد إلى الردى وسائقاً، وهادياً لدواعي الحب إليه وحادياً.
وقد ألم بهذا المعنى أبو تمام حيث يقول:
لم تطلع الشمس المضيئة مذ رأت ... عيني خلال الخدر شمساً تغرب
لأعذبن جفون عيني إنما ... بجفون عيني حل ما أتعذب
وأبين من هذا قول الآخر:
ألا إنما العينان للقلب رائد ... فما تألف العينان فالقلب يألف
стр. 846
وقوله (رائداً) انتصب على الحال، وجواب إذا أرسلت (أتعبتك المناظر) . وقد حصل خبر كنت فيه ومعه. وقوله (رأيت الذي) تفصيل لما أجمله قوله (أتعبتك المناظر) .
وقال الصمة بن عبد الله القشيري
أقول لصاحبي والعيسى تهوى ... بنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
العيس: بياض في ظلمة خفية. والعرب تجعله في الإبل العراب خاصة. والمنيفة: موضع، أو هضبة مرتفعة. ومنه: أناف على كذا، أي أشرف، وقولهم: مائة ونيف. والضمار: مكان أو واد منخفض يضمر السائر فيه، لذلك قال الأعشى:
نراناإذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم
ومنه قيل للعدة المسوفة: الضمار، وقيل لما لايرجى رجوعه من المال: الضمار. قال:
وعينه كالكالىء الضمار
يذمه بأن حاضره كغائبه. يقول: إني أجاري رفيقي وأباثه قصتنا، والرواحل تسرع بين هذين الموضعين، وأقول في أثناء ذلك متلهفاً: استمتع بشم عرار نجد، فإنا نعدمه إذا أمسينا بخروجنا من أرض نجد ومنابته.
والشميم: مصدر، وأكثر ما يجيء فعيل مصدراً في الأصوات، كالصهيل والشحيج؛ ومثله العذير والنكير. ويقال: تمتعت بكذا ومن كذا. والعرار: بقلة صفراء ناعمة طيبة الريح، والواحدة عرارة. قال الخليل: العرارة البهارة البرية، وقيل هو شجر. وقد شبه لون المرأة بها. قال
стр. 847
الأعشى:
بيضاء صحوتهاوصف ... راء العشية كالعراره
وقوله (من عرار) من لاستغراق الجنس، وموضع (من عرار) رفع على أن يكون اسم ما. والواو من قوله (والعيس تهوى بنا) واو الحال، وموضع (تمتع من شميم) نصب لأنه مفعول أقول. وقوله (بين المنيفة فالضمار) أجود الروايتين (بين المنيفة والضمار) لأن بين يدخل لشيئين يتباين أحدهما عن الآخر فصاعداً، وإذا كان كذلك لا يكتفي بقوله المنيفة فيرتب عليه الضمار بالفاء العاطفة، اللهم إلا أن تجعل بين الأجزاء (المنيفة) فتصير المنيفة كاسم الجمع، نحو القوم والعشيرة وما أشبههما. وعلى هذا قول امرىء القيس:
بين الدخول فحومل
وكان الأصمعي يرده ويرويه بالواو.
ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضة غب القطار
وأهلك إذ يحل الحي نجداً ... وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار
ألا: حرف لافتتاح الكلام، والمنادى في ياحبذا محذوف كأنه قال ياقوم أو يا ناس، حبذا نفحات نجد. وارتفع نفحات بالابتداء، وخبره حبذا، كأنه قال: محبوب في الأشياء نفحات نجد، وهو تضوع الرياح بالنسيم الطيب. ويقال: له نفحة طيبة وخبيثة. وقوله (ريا روضه) يراد بها الرائحة هنا. وارتفع قوله (وأهلك) عطفاً على وريا، وهما جميعاً معطوفان على (نفحات) وكأنه قال: وحبذا أزمان أهلك حين كانوا نازلين بنجد وأنت راض من الزمان، لمساعدته إياك بما تهواه وتريده، فلا تعيبه ولا تشكوه. ويقال: زريت عليه، إذا عبت عليه؛ وأزريت به، إذا قصرت به. وقوله (وأنت) الواو واو الحال، وارتفع (شهور) على أنه مبتدأ، وهو تفسير الزمان الذي حمده وتلهف على إنقضائه. وقوله (ينقضين) خبره. ويجوز أن يرتفع شهور
стр. 848
على أنه خبر مبتدأ محذوف، وما ينقضين حينئذ يكون صفة له. وقوله (وما شعرنا) أي ما علمنا. يقال: شعرة وشعراً. ومنه الشعر. يقال: شعر الرجل، إذا قال الشعر، فشعر بكسر العين أي صار شاعراً. وسرار الشهر: آخره؛ لأن القمر يستسر فيه. وقد حكى كسر السين فيه، وليس بكثير. والمعنى: يا قوم، محبوب فيما تقضى نسيم أرواح نجد وروائح رياضه عقب إتيان المطر عليه، وهز الريح لنباتها. ومحبوب أيضاً زمان أهلك وإقامتهم بنجد، حين كنت تشكر وقتك وترضيه، إذ كانت شهوره وأيامه تنقضي وأنت لا تشعر بأنصافها، ولا بأواثلها وأواخرها، لاشتغالك بلهوك، وذهابك في غفلتك. وهم يستقصرون أيام السلامة والسعادة ومواصلة الأحبة، وعند طاعه الدهر والأقدار لهم، كما يستطيلون ما كان على خلافه من الشهور والأعوام.
وقال آخر:
ومما شجاني أنها يوم لأعرضت ... تولت وماء العين في الجفن حائر
فلما أعادت من بعيد بنظرة ... إلى التفاتاً أسلمته المحاجر
يقول ملما بالمعنى الذي شرحه أبو تمام حين قال:
لأودعنك ثم تدمع مقلتي ... إن الموع هي الوداع الثاني
يقول: ومما حزني وصار نصب عيني وحلف قلبي تذكرنيه الأحوال فلا أنساه، وتمثله لناظري الأوقات فلا أتغاباه، أن صاحبتي يوم الفراق عند الوداع أعرضت لي ودمعها يترقرق في جفن عينها ويتحير، لامتلائها به، إلا أنها كانت تحسبه فلا تسيله، فلما أعادت التفاتها إلى بعد إعراضها عني، بنظرة جددتها، أسلمت محاجر عينها ما اجتمع فيها من الدمع، فتحدر في مدامعها؛ لأن ذلك كوداع ثان منها، وكمتعة متعتني بها وزيادة زاد في الحب زودتنيها. وقوله (أنها) مبتدأ و (مما شجاني) خبره. ويقال: شجاه يشجوه شجواً فشجى يشجى؛ فهو شج. وحار الماء والدمع، إذا تحير في موضعه وقد ملأه فلا موضع له. وقوله (أعرضت) : أبدت عرضها. وخبر أن تولت.
стр. 849
وقوله (فلما أعادت) يجوز أن يكون التفاتاً مفعول أعادت، وموضع بنظرة حالاً، كأنه قال: لما أعادت التفاتها ناظرة من بعيد إلى أسلمته. وجواب لما (أسلمته) وإلى تعلق بنظرة. ولا يجوز أن يتعلق بالتفاتاً، لأنه إذا جعل كذلك يكون صلة المصدر وقد قدمت على الموصول. ويجوز أن يكون بنظرة في موضع المفعول لأعادت، والباء إن شئت جعلتها مؤكدة، كما جاء في قول الآخر:
سود المحاجر لا يقرأن بالسور
ويصير (التفاتاً) مصدراً في موضع الحال، والتقدير: لما أعادت نظرتها من بعيد إلى ملتفتة أسلمته. والهاء من أسلمته للدمع كما قدمته. والمحاجر: جمع المحجر، وهو ما يبدو من نقاب المرأة إذا تنقبت. والكية حول العينين يقال لها: التحجير. ويقال: حجر القمر، إذا استدار حوله خط رقيق.
وقال آخر:
ولما رأيت الكاشحين تتبعوا ... هوانا وأبدوا دوننا نظراً شزرا
جعلت وما بي من جفاء ولا قلي ... أزوركم يوماً زأهجركم شهراً
الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع، والكاشح: العدو الباطن العداوة. ويقال: هو بين الكشاحة والمكاشحة؛ ويقال: طوى فلان كشحه على كذا، إذا استمر عليه. وهذا كلام مبق على المحبوب، كاره لانتشار القالة فيهما، مختار لاستتار الهوى بينهما. فيقول: لما رأيت الوشاة يتتبعون أحوالنا بالنميمة وإفشاء أسرارنا، وأخذوا ينظرون إلينا نظر الأعداء بتحديق شديد، واستكشاف لما خفي من أمرنا بليغ، أقبلت أحترز وأقصر أشواطهم فيما ينتحونه من مساءتنا، والقعود والقيام بذكرنا، فأتأخر عن زيارتكم شهراً وأوفيكم يوماً؛ هذا ولا أقصد جفاء ولا أضمر بغضاً، وإنما بي مضى أيامنا بالسلامة منهم، ورد كيدهم في نحورهم، ولئلا يجدوا مقالاً فيركبون عليه قصصاً وأنباء. وقوله (نظراً شزراً) يقال: هو يشزر الطرف إلى، إذا نظر نظراً منكراً يتبين
стр. 850
فيه العداوة. قال أوس:
إذ يشزرون إلى الطرف عن عرض ... كأن أعينهم من بغضتي عور
وقوله (جعلت) لا يحتاج إلى مفعول لأنه في معنى طفقت وأقبلت. وانتصب يوماً وشهراً على الظرف، و (تتبعوا هواناً) في موضع المفعول الثاني لرأيت.
وقال بعض القرشيين
بينما نحن بالبلاكث فالقا ... ع سراعاً والعيس تهوى هوياً
خطرت خطرة على القلب من ذك ... راك وهنا فما استطعت مضيا
قلت لبيك إذ دعاني لك الشو ... ق وللحاديين كرا المطيا
قد تقدم القول في (بيننا) و (بينما) جميعاً، وأنهما يستعملان في المفاجأة. وانتصب (سراعا) على الحال، لأنه جعل بالبلاكث مستقراً. والواو من قوله (والعيس) واو الابتداء وهو للحال أيضاً.
وقوله (خطرت خطرة) هي الحالة التي فاجأتهم. وانتصب (وهنا) على الظرف، ومعناه بعد ساعة من الليل. وقوله (خطرت خطرة) يقال: خطر ببالي خطوراً، وخطر البعير بذنبه خطرانا. ويقال: سنح لي سانح، وهجس هاجس، وخطر خاطر. وكأنه أجرى خطرت خطرة مجرى قوله: دعت دعوة من ذكراك، لقوله: (قلت لبيك إذ دعاني لك الشوق) . والشاعر وصف ما هو عليه من طاعة الهوى، وأنه في ملكته، إذا دعاه أجاب حتى لايقدر إلا على ذلك. فيريد: بينما نحن بهذين الموضعين نسير مسرعين، والرواحل تهوي بنا في أثنائهما ومعاطفهما، وتقطع المسافة
стр. 851
بينهما، خطرت ذكرة ببالي، وقد مضى من الليل ساعة، فتحيرت حتى لم أقدر على التوجه في المقصد الذي كنت أؤمه، وحتى لم أملك إلا إجابة داعي الشوق إليك بالتلبية والوقوف له، وبعد ذلك قلت للحادين: انصرفا واعطفا برؤوس مطيكما، فقد منع ما طاعته أوجب، ودفع في صدورنا من أمره أنفذ. وقد تقدم الفرق بين الهوى والهوى.
وقوله (بالبلاكث فالقاع) رتب القاع على البلاكث بالفاء العاطفة، كأنه ارتقى منها إليها، ويجوز أن البلاكث اسم لبقاع مختلفة؛ لأن بناءه بناء الجمع.
وقوله (لبيك) هو من ألب بالمكان، إذا أقام؛ إلا أنه لاينصرف كما أن سبحان الله لاينصرف. والكلمة مثناة عند سيبويه، والمراد عنده إقامة للداعي تتبعها إقامة ودوام على طاعته ومتابعته. ويقرن بها سعديك، المعنى: مساعدة بعد مساعدة واستمرار على مشايعته. وحصل التكثير والاتصال فيه بالتثنية، كما حصل بالتكرير في قولك: ادخلوا الأول فالأول. قال سيبويه: أخبرنا أبو الخطاب أنه يقال للمداوم على الشيء لايقلع عنه ولايفارقه: قد ألب عليه. أنشد للتثنية فيه قول الشاعر:
دعوت لما نابني مسوراً ... فلبي فلبي يدي مسور
هكذا روايته وإنشاده عن العرب بهذا اللفظ. وحكى أيضاً عن بعضهم: لب بالكسر، يجعله صوتاً مثل غاق. وعند يونس أنه موحد لبي، وانقلب ألفه ياءً كما انقلب في على ولدي عند الإضافة إلى مضمر. وعلى مذهبه يجب أن يكون (فلبي يدي) كما أن على وإلى ولدي إذا أضيفت إلى الظاهر لا يتغير ألفها. تقول: على زيد وإلى عمرو.
وقال آخر:
استبق دمعك لا يود البكاءبه ... واكفف مدامع من عينيك تستبق
стр. 852
ليس الشؤون وإن جادت بباقية ... ولا الجفون على هذا ولا الحدق
بقوله (لايود البكاء به) يجوز أن يكون جواب الأمر، ويجوز أن يكون نهياً وهو أحسن وإن لم يكن معه حرف العطف، لأنه قد ذكر بعده (واكفف مدامع من عينيك) ولم يأت له بجواب، كأنه أمره بكف المدامع وهي تستبق. وإذا كان الكلام نهياً بعد أمر وأمراً بعد نهي، كان أبلغ. ومعنى أودى بكذا أهلكه. والاستباق في المدامع مجاز؛ لأن الذي استبق في التحدر هو الدمع. والمدمع: مجرى الدمع، وهو مصدر دمعت، ويكون المراد به أيضاً العين الذي هو الجاري؛ لأن الاستباق لايصح إلا فيه.
وقوله (ليس الشؤون وإن جادت بباقية) يريد: أنك إن أدمت البكاء استهلكت منابع الدمع ومجاريها، وأطباق العين وحماليقها؛ لأن شيئاً من هذه الآلات وإن سمحت بالإجابة مدة لايدوم على فعلك، ولايقوم لتكليفك. وقوله (على هذا) أشار بهذا إلى فعله، وعلى تعلق بباقية، وهو مضمر دل عليه الباقية المذكورة، كأنه قال: ولا الجفون باقية على هذا، وجعل (لا) من قوله والجفون بدلا من ليس، والجفن في اللغة: المنع والحبس؛ لذلك سمي غلاف السيف الجفن.
وقال آخر:
قد كنت أعلو الحب حيناً فلم يزل ... بي النقض والإبرام حتى علانيا
يقول: بقيت أزاول الحب وأجاذبه، وهو معي متردد بين أن أعلوه تارةً فأدفعه عن نفسي بجهدي، وبين أن يعلوني فيغلبني على مرادي، ويأخذ مقره من فؤادي، فلم نزل بين النقض والإمرار، أنقض عليه وهو يمر، وينقض علي وانا أمر، إلى أن صار الغلب له.
стр. 853
وهذا الذي أشار إليه حالة الحب إذا لم يكن عن اعتراض. لذلك قال أبو تمام:
هوى كان خلساً إن من أبرح الهوى ... هوى جلت في أفيائه وهو جائل
كأنه يريد المحبوب فيفكر في محاسنه حالاً بعد حال، ووقتاً بعد وقت، ويستحلبها شيئاً بعد شيء، إلى أن يصير لها في قلب قادح ونازع، فيدفعه عن نفسه بأن يزيف تلك المحاسن، ويتناسى ويدرأ في صدر ذلك القادح من الهوى ويتأنى، فكلما قدر أنه تخلى عاوده الوسواس جذعاً، فلا يزال بين القبول والامتناع، والتماسك والانهيار، ومدافعة الداء بالدواء، إلى أن يصير الغلب للهوى.
والمعترض من الهوى هو الذي يقع عن أول وهله، فيسبي القلب في دفعة واحدة، إلا أن تركه أسرع، كما أن أخذه أسرع. على ذلك قول الأعشى:
علقتها عرضا
ومايجري مجراه. وهم يشبهون مثل هذا الهوى بنار توقد بضرام أو بعرفج وما يجري مجراه، فترتفع سريعاً وترجع سريعاً. وأنشد ابن الأعرابي بيتاًفي قسمة الهوى زعم أنه لاثاني له، وأ، قائله لايعرف وهو:
ثلاثة أحباب فحب علاقة ... وحب تملاق وحب هو القتل
يعني ما يكون من تعمل وطول تأمل.
ولم أر مثلينا خليلي جنابة ... أدش على رغم العدو تصافيا
نبه بهذا الكلام على أنها مع المجانية واستعمال الحذر، واستدفاع شر الرقباء والحافظين بترك الورود والصدر، وإكساد سوق الوشاة والنمامين بإخماد نائرة الخبر، يصافي كل واحد منهما صاحبه، حتى لاخلل في الهوى ولافساد، ولا استزادة في الحب ولاعتاب، ولاتسلط تهمة لعارض تسل وحؤول عن عهد.
стр. 854
وإنما قال (على رغم العدو) استهانة بهم. وهو من الرغام: التراب. وإذا قيل: أرغم الله أنفه فالمعنى أذله الله وأسخطه. وانتصب (تصافيا) على التمييز. وقوله (خليلي جنابة) انتصب على أنه بدل من مثلينا، وأشد مفعول ثان لأرى.
خليلين لا نرجو لقاءً ولا ترى ... خليلين إلا يرجوان التلاقيا
ذضكر أن اليأس قد استقر في قلب كل واحد منهما من ملاقاة صاحبه والتصافي بينهما هو أن ذلك من كمال البلاء، إذ لا يوجد خليلان غيرهما إلا وهما على شفا الرجاء في الاجتماع، وقوة من الطمع في الالتقاء والاستمتاع، واليأس لذي أشار إليه كأنه لارتفاع منزلة المحبوب عن منزلته: أو لكثرة أوليائه وقوة عشيرته أو لعفافه وتألهه، وما يجري مجراها.
وقال آخر:
وكل مصيبات الزمان رأيتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
موضع (سوى فرقة الأحباب) نصب على أنه مستثنى مقدم، لأن تقدمه على صفة المستثنى منه كتقدمه عليه نفسه. ومعنى البيت ظاهر.
وقال الحسين بن مطير
فيا عجبا للناس يستشرفونني ... كأن لم يروا بعدي محباً ولا قبلي
قوله (يستشرفونني) أي ينظرون إلي، وتطمح أبصارهم نحوي. ويودون أني على شرف من الأرض، لأكون معرضاً لهم.
والشاعر أخذ يتعجب من أحوال الناس فيما رأوه عليه، واستطرافهم لحالته في حبه، واستشرافهم لما يشاهدونه عليه، حتى كأنه بدع من الحوادث لم يشاهد مثله، ولم يقع في تقدير أحد جواز صورته، فقال: يا عجباً للناس في حال استشرافهم لي،
стр. 855
واستطلاعهم من جهتي ما أنا عليه، وإفراطهم في التعجب مما يجدونني مبتلي به، ومرهوناً له كأنهم لم يشاهدوا قبل مشاهدتهم لي، ولابعد مشاهدتهم لي محباً، وكأن الحب شيء أنا ابتدعته، وكأن مسبباته لم توجد قط إلا في. وليس الأمر كذلك، لأن الدنيا وأهلها إذا تؤملت أحوالهم فيها لم يعوز تقديراً أو تحصيلاً من حاله حال مثلي فيه زائداً على ما أنا عليه، أو قاصراً عنه. هذاإذا جعلت (لم يروا) بمعنى لم يشاهدوا. فإن جعلته بمعنى لم يعلموا كان المعنى أكشف وأبين، إلا أنه يكون بمعنى يعرف، ويكتفي بمفعول واحد. وقوله (بعدي) أي بعد رؤيتهم لي، وقوله (يا عجباً) يجوز أن يكون منادى مضافا، ويجوز أن يكون مفرداً، وقد تقدم القول فيه وفي أشباهه.
يقولون لي اصرم برجع العقل كله ... وصرم حبيب النفس أذهب للعقل
يقول: يشير الناس علي بالتسلي عنها، ةالأخذ في مصارمتها، وأخذ النفس على الانفكاك منها، فإن في ذلك يزعمهم إذا تدرجت فيه مراجعة العقل كاملا، وانتزاع ربقة الذل عاجلاً. وإذا تأملت حالي في قبول ما يشيرون به وركوب الجد في قطيعتها، والحيلولة بين النفس ومرادها فيها، وجدت ذلك أدعى إلى زوال العقل كله، وإن كان الباقي منه شفافةً، وأجلب لهلاك النفس، وحرج الصدر، وإن كنت عائشاً بصبابة. وقوله (أذهب للعقل) قد تقدم القول في أن سيبويه يجوز بناء فعل التعجب بعد الثلاثي مما كان على أفعل خاصة، فإذا جاز ذلك فبناء التفضيل يتبعه.
ويا عجبا من حب من هو قاتلي ... كأني أجزيه المودة من قتلى
تعجب من حال نفسه في مقاساة ما يقاسى منا، وبقائه على حبها فيقول: إني أداوم اعتقاد الجميل لها، وقيام القلب بعمارة الهوى فيها، حتى كأني أجازيها على قتلها إياي بأن أزيد في ودها وإخلاص العقيدة لها. وقوله (من قتلى) أراد من قتلها لي. والمصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل، وكذلك قوله (من حب من هو قاتلي) أي من حبي من هو قاتلي، لأن من في موضع المفعول. وقوله (يا عجبا) يجوز أن يكون الألف بدلاً من ياء الإضافة ويجوز أن يكون ألف الندبة وزيدت ليمتد الصوت به، ويكون يا عجب منادى مفرداً، وامتداد الصوت يدل على عظم البلية، وتفخيم أمر العجيبة.
стр. 856
ومن بينات الحب أن كان أهلها ... أحب إلى قلبي وعيني من أهلي
يقول: ومن آيات حبي البينة، وشواهده الصادقة، على تكامله لها، وتناهيه في استحكامها، أني أوثر أهلها على أهلي، وأن رتبتهم في العين والقلب أعلى من رتبة عشيرتي عندي. وقد خلص هذا المعنى عنترة حيث قال:
علقتها عرضاً وأقتل قومها ... زعماً لعمر أبيك ليس بمزعم
لأن في قضية الهوى والعقل أن حبها مع عداوة أهلها ليس بمتسق ولا متسبب، بل ينافي كل واحد صاحبه، وأن الواجب أنها إذا كرمت عليه فكل متسبب إليها بسبب، ومنتسب بنسب، يجب أن يكون مؤثراً عنده مبجلاً في حكمه.
وأبين من ذلك كله قول الآخر:
وأقسم لو أني أرى نسباً لها ... ذئاب الفلا حبت إلى ذئابها
وقوله (أن كان أهلها) أن مخففة من الثقيلة، أراد أنه كان أهلها، والهاء من أنه ضمير الأمر والشأن، وقد تقدم مثله. وموضع أن بما بعده رفع بالإبتداء وخبره قوله ومن بينات الحب.
وقال عمر بن أبي ربيعة
ولما تفاوضنا الحديث وأسفرت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
فقلت لمطريهن ويحك إنما ... ضررت فهل تستطيع نفعاً فتنفعا
قوله (لما) يحتاج إلى جواب، لأنه لوقع الشيء لوقوع غيره، إذا كان علماً للظرف، فيقول: لما تنازعنا الحديث، واندفعنا فيه، وأشرقت وجوه تلألأ نوراً، استخف أربابها الحسن الجائل في جوانبها، ومنعها من أن يسترها بقناع عجباً بها،
стр. 857
والتذاذاً بخوض عيون الناس في محاسنها، قلت للمثنى عليهن: إن ثناءك يضرنا، لتنبيهك على كثير مما لعله يخفي عليهن من دقائق الجمال، ولطائف الكمال. إذ كان ذلك يزيد في الإعجاب بأنفسهن، ويكسب الكبر في أخلاقهن، فهل تقدر بدل ذلك على ما ينفعنا معهن. وجواب لما إن شئت جعلته (فقلت) على أن يكون الفاء زائدة، وإن شئت جعلته محذوفاً، كأنه قال: لما فعلنا ذلك كله توانسنا، أو ما يجري مجراه. وقد تقدم القول في أن لو ولما وحتى يحذف أجوبتها، ويكون لإبهامها لحذقها أبلغ في المعنى. ويقال: أطرى فلان فلاناً إذا مدحه بأحسن ما قدر عليه. وقوله (تسطيع) منقوص عن تستطيع. وويح، قال الأصمعي: هو ترحم، فإذا أضيف بغير اللام بنصب، ويكون العامل فيه فعلاً مضمراً، كأنه قال: ألزمه الله ويحاً، وانتصب فتنفعا بأن مضمرة، وهو جواب الاستفهام. ومعنى (زهاها الحسن) استخفها ويقال: زهت الأمواج السفينة والرياح النبات. وقوله (أن تتقنعا) أراد من أن تتقدما، وهم يحذفون الجار مع أن كثيراً.
وقال أبو الربيس التغلبي
هل تبلغي أم حرب وتقذفن ... على طرب بيوت هم أقاتله
مبينة عنق حسن خد ومرفقاً ... به جنف أن يعرك الدف شاغله
قوله (على طرب) يجوز أن يتعلق بتبغلني، ويجوز أن يتعلق بوتقذفن، والفعلان جمعا على قوله (مبينة عنق) وهي ناقة. والاختيار عند أصحابنا البصريين أن يرتفع بالأقرب، وهو تقذفن، ويجوز أن يرتفع بتبلغني، وعلى هذا: جاءني وأكرمني زيد. والطرب: خفة تلحق لنشاط وجذل، واهتمام وجزع. وبيوت هم، فعول من قولك: باب يبيت. كأنه هم جاءه ليلاً فلازمه. وعلى هذا قيل في الصقيع: البيوت. وانتصب (حسن خد) على التمييز. والجنف: الميل. ورجل أجنف: في خلقه ميل، وقيل: هو الطويل المنحني. والعرك: الدلك والغمز. وقوله (به جنف) في موضع النصب، لأنه صفة لمرفق. و (شاغله) صفة لجنف. وإضافته على طريق التخفيف، فهو نكرة والتنوين منوى، كأنه شاغل له. ويريد بقوله (به جنف) أن المرفق متباعد عن الزور، لأن الناقة فتلاء؛ ولولا بعده عنه لكان يكون ناكتاً أو حازاً
стр. 858
أو ضاغطاً، أو ناقراً وذلك عيب يمنع من إدامة السير. فيقول عى وجه التمني: هل أراني راكب ناقة وصلني إلى هذه المرأة، نشيطة طربة، وتطرح عني ثقل هم أزواله وأدافعه، وهي تلازمني بالليل ولا تفارقني. وهذه الناقة لها شواهد توجب عتقها وكرمها، من حسن الخد والمرفق المتجانف عن الزور.
مطارة قلب إن ثنى الرجل ربها ... بسلم غرز في مناخ تعاجله
هذا يرجع إلى صفة الناقة، والمراد أنها ذكية الفؤاد، شهمة النفس، فكأن بها لنشاطها وذكائها جنوناً أطار قلبها، وأزال مسكتها. وقوله (إن ثنى الرجل ربها) جواب الشرط فيه قوله (تعاجله) وأصله تعاجله، اللام ساكنة للجزم، ولكنه نقل إليها حركة الهاء، وهو ضمير يرجع إلى (ربها) . ومثله قول طرفة:
لو أطيع النفس لم أرمه
يريد: لم أرمه، فنقل. والمعنى أنها لخفتها وحدتها، متى هم صاحبها بركوبها فثنى رجلها، أي غطف بغرزها الذي هو كالسلم، وهو الركاب، عاجلته فنهضت به قبل تمكنه من ركوبها، واستقراره على ظهرها.
وقد سلك هذا المسلك ذو الرمة في البائية التي أولها:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
حدثت عن الكسروي علي بن مهدي الأصفهاني عن شيوخه، أن ذا الرمة أنشد هذه القصيدة كثير عزة، فلما انتهى إلى قوله:
حتى إذا ما استوى في غرزها تئب.
قال له: أهلكت والله راكبها، هلا قلت كما قال الراعي:
تراها إذا قمت في غرزها ... كمثل السفينة أو أوقر
стр. 859
فهذا ما روى لنا. وقد ذكر الراعي في موضع آخر فقال:
وكأن ريضها إذا ياسرتها ... كانت معاودة الرحيل ذلولا
وحكى لي أن سعيد بن سلم الباهلي، قال: قرأنا هذه القصيدة على الأصمعي من شعر الراعي، فلما انتهينا رواه:
وكأن ريضها إذا باشرتها
فقلت: ما معنى (باشرتها) ؟ قال: ركبتها، من المباشرة. فسألنا ذلك أبا عبيدة عنه، فقال: صحف والله، إنما هو (إذا ياسرتها) أي لم أعازها ولم أقتسرها. ومثله قوله.
إذا يوسرت كانت وقوراً أديبة ... وتحسبها إن عوسرت لم تؤدب
يباري بها القود النوافخ في البري ... قليل النزول أغيد الخلق عاطله
مراجع نجد بعد فرك وبغضة ... مطلق بصرى أصمع القلب جافله
يقول: يعارض بهذه الرالة التي وصفتها رواحل طوال الأعناق، تنفخ في براها لنشاطها، رجل قليل النزول عنها، ناعم الخلق عاطله، يعني نفسه، أي أنه يجد في السير ويديمه. وقوله: (مراجع نجد) أي أنه بعد أن فارق نجداً وأبغضه لخلوه من حبيبه يريد أن يراجعه وينتقل عن بصري - وهي قرية بالشأم تطبع فيها السيوف البصرية - ويخليها. ومعنى أصمع القلب: حديده. جافله، أي مسرعه. ويقال: أجفل الظليم وجفل، إذا نشر جناحيه ومر يعدو، وكل هارب من شيء فقد أجفل عنه. والظليم مجفل وجافل جميعاً. وذكر الرماجعة والتطليق، واستعارة للانتقال والتخلية. وقد فعل أبو تمام مثل هذا فقال:
فبها وطلقت السور ثلاثاً
إلا أن ماقاله هذا الشاعر أحسن، حين زاوج التطليق بالمراجعة. وقوله (نوافخ في البري) النوافخ: المتنفسات نفخاً لنشاطها. والبري: الحلق التي في
стр. 860
أنوفها. وقوله (أغيد الخلق) أي منثنيه، وعاطله أي يعطله من الترفه، ويفطمه عن النعمة. وكل مهمل متروك فهو معطل وعاطل.
وقال عبد الله بن عجلان النهدي
وحقة مسك من نساء لبستها ... شبابي وكأس باكرتني شمولها
جديدة سربال الشباب كأنها ... سقية بردى نمتها غيولها
قوله (وحقة مسك) كناية عن امرأة جعلها لطيب رباها كظرف مسك. ومعنى (لبستها) تمتعت بها. وقال ابن أحمر:
لبست أبي حتى تمليت عيشه ... وبليت أعمامي وبليت خاليا
وموضع قوله: (شبابي) نصب على الظرف. والمعنى زمن شبابي، ومدة شبابي. والمصادر تحذف منها أسماء الزمان كثيراً. وقوله (وكاس) انعطف على قوله (وحقة مسك) والعامل فيها رب، والواو واو العطف، وليست بنائبة عن رب، بدلالة أنه لو كان كذلك لوجب أن يدخل الحرف العاطف عليه، فيقال ووحقة مسك. والشمول: الخمرة التي لها عصفة كعصفة الشمال وقد قيل: هي التي تشتمل على العقل فتملكه وتذهب به.
وقوله (جديدة سربال الشباب) أدخل الهاء على جديدة، والأكثر أن يقال: ملحفة جديدة. وطريقة سيبويه فيه أنه صفة مذكرة تبعت مؤنثاً، وينوي في ذلك المؤنث ما يكون لفظه مذكراً، كأنه ينوي بالملحفة إزاراً، وما يجري هذا المجرى. وبعضهم يذهب إلى أنه فعيل في معنى فاعل، فلحقه الهاء قياساً، فهو كظريف وظريفة، لأن الفعل منه جد الثوب يجد جدة وبعضهم ذهب إلى أنه فعيل في معنى مفعول، كأن ناسجها جدها قريباً، أي قطعها، فلهذا يستنكر إلحاق الهاء به. ومعنى (جديدة سربال الشباب) أنها في عنفوان شبابها، وأن عليها غضارة الحدوث، ونضارة النشىء، فكأنها سقية بردى. والسقيه في معنى مسقية، جعلها اسماً، فهي كالبنية
стр. 861
واللقيطة. وشببها بها لزيادة خلقتها وحسن بنيتها. ألا ترى أنه قال: (نمتها غيولها) . والغيول: جمع الغيل، وهو الماء الذي يجري بين الأشجار. وقال الدريدي: الغيل: الماء الذي بين الحجارة في بطن واد. والغيل، بكسر الغين: الماء يجري بين الأشجار، وربما سموا الشجر الملتف غيلاً. ويشبه هذا قول الآخر:
بردية سبق النعيم بها ... أقرانها وغلابها عظم
وفي طريقته قول الآخر:
لم تلتفت للداتها ... ومضت على غلوائها
وإنما يكون ذلك من نتائج الترفه، ولوائح النعمة. وقد ظهر معنى البيتين بما ذكرته، لأنه تبجح بتعاطيه الصبا واللهو، وشرب الخمر مدة الصبا وأيام الشباب.
ومخملة باللحم من دون ثوبها ... تطول القصار زالطوال تطولها
كأن دمقسا أو فروع غمامة ... على متنها حيث ستقر جديلها
قوله (زمخملة) من جملة صفاتها وإن عطفتها بالواو، فعلى هذا لك أن تقول: مررت برجل فاضل عاقل أديب، وأن تقول: برجل فاضل وعاقل وأديب. ومعنى (ومخملة) أن أعضاءها تساوت في ركوب اللحم إياها، وظهور السمن والبدن عليها، فكأن اللحم جعل خملاً لها. وفائدة (من دون ثوبها) أنها ملء درعها، فهي سمينة المعري. وإلى هذا أشار الأعشى في قوله:
صفر الوشاح وملء الدرع بهكنة
وقوله (تطول القصار) يريد أنها ربعة، فإذا حصلت في القصار طالتهن، وإذا حصلت في الطوال طلنها يشير إلى التوسط الذي هو المختار في كل عقل،
стр. 862
ولذلك قيل: (خير الأمور أوساطها) ولأن الغلو والإفراط مذمومان، كما أن القصور والتفريط مذمومان. و (تطول) في البيت معدي، لأنه بمعنى تغلب في الطول، فهو من طاولته فطلته.
وقوله (كأن دمقساً أو فروع غمامة) الدمقس: الحرير الأبيض. وفروع الغمامة، أشار إلى أطرافها وجوانبها والشمس تحتها، لأن تلك الأطراف بشعاع الشمس تشرق أبداً. والمعنى أنها لينة المجس براقة اللون، كأن الحرير وأطراف غمامة استكنت الشمس تحتها على متنها. وقوله (حيث استقر جديلها) تخصيص لما عمه قوله (على متنها) . والجديل، هو الوشاح، وما تشده المرأة في حقوها من الأدم المضفور. وليس هذا من عادات العرب. وإذا كان من لونين فهو البريم. وهذا يشد في أحقي الصبيان يدفع به العين.
وقال عبد الله بن الدمينة الخثمعي
ولما لحقنا بالحمول ودونها ... حميص الحشا توهي القميص عواتقه
قليل قذى العينين نعلم أنه ... هو الموت إن لم تلو بوائقه
قوله (ولما لحقنا) جوابه ما دل عليه البيت الثالث، وهو (عرضنا) . وأراد بالحمول الظعائن وأثقالها. وقوله (ودونها خميص الحشا) يريد قيمهن. فيقول: لما دعانا الشوق إلى اللحوق بالظعائن بعد تشييعنا لها، وإلى تجديد العهد بها، فأدركناها ودونها رجل قليل اللحم على بدنه، لطيف طي البطن، مديد القامة، حتى إن عواتقه، وهي النواحي من عاتقي الإنسان، تكاد أن توهي قميصه. وهذا مما تتمدح به العرب، لأن السمنة عندهم مذمومة.
وقد كشف عن هذا المعنى قول الآخر:
فتى لا يرى قد القميص بخصره ... ولكنما تفرى الفرى مناكبه
وقوله (قليل قذى العينين) يصف امتعاضه وقلة صبره على درن العار. ويقال: فلان لا يغضى على قذى، إذا لم يحتمل ضيماً. وقوله (نعلم أنه ع هو الموت) يصفه بشدة الحمية عند غضبه. وأن ناره لا يصطلى بها إذا غار على حرمه. والمعنى أنا
стр. 863
مع تعرضنا له نحذره نخافة أن يحمى، لتحققنا أن شره لا يقام له إذا سطا. والبوائق: جمع بائفة، وهي الخصلة المنكرة في شمولها، فيقال: باقتهم بائفة. والبوقة. الدفعة الشديدة من المطر، منه. قال رؤبة:
من باكر الوسمى نضاح البوق
وقول (تلو عنا) أي تصرف. ويرى (تلق عنا) من الإلقاء.
عرضنا فسلمنا فسلم كارهاً ... علينا وتبريج من الغيظ خانقه
فساي رته مقدار ميل وليتني ... بكرهي له ما دام حيا أرافقه
يقول: لما لحقنا بالظعائن عرضنا لهن، وسلمنا على قيمهن والمحامي دونهن، فأجابنا جواب الكاره لنا، والمنكر لتسليمنا، قد خنقه غيظ مبرح. ويقال: لحقته ولحقت به. وانتصب (كارهاً) على الحال. والتبريج: التشديد. ويقال: برح بي كذا وكذا، ومنه قول الأعشى:
أبرحت ربا وأبرحت جارا
ويقال: هو في برح من الشوق بارح. وقوله (خانقة) يريد أنه امتلأ صدره من الغيظ فارتقى إلى ما هو فوقه حتى خنقه. وقوله (فسايرته مقدار ميل) انتصب مقدار على الظرف. ومعنى ساريرته صاحبته في السير، ثم قال: وليتني أرافقه مادام حياً، على كره مني، لأنه استطاب صحبته لما له من الذاذة في النظر إليهن، واستكره الكون معه لما يخاف على نفسه منه، إلا أنه غلب الالتذاذ. و (مادام حياً) انتصب على الظرف، و (أرافقه) في موضع خبر ليت. وقوله (بكرهي له) نصب على الحا، والعامل فيه أرافقه.
فلما رأت أن لا وصال وأنه ... مدى الصرم مضروب علينا سرادقه
رمتني بطرف لو كمياررمت به ... لبل نجيعاً نحره وبنائقه
ولمح بعينها كأن وميضه ... وميض الحيا تهدى لنجد شقائقه
стр. 864
قوله (أن لا وصال) أن فيه مخففة من أن الثقيلة، يريد أنه لا وصال. ألا ترى أنه عطف عليه (وأنه مدى الصرم) . ووصال انتصب بلا، وخبره محذوف، كأنه قال: لا وصال بيننا. والجملة في موضع خبر إن، والضمير في أنه الأولى والثانية ضمير الأمر والشأن. وقوله (مدى الرم) في موضع الإبتداء، و (مضروب علينا) خبره. وسرادقه ارتفع بمضروب، لأنه قام مقام الفاعل. وقوله (رمتني بطرف) جواب لما. كأنه لما تأملت حاله في مسايرته، وضيق الوقت عن مجاذبته، لما كان يجو بينهما من مراقبته، ثم رأت تغيظ الرقيب وكراهيته، مع معرفتها بنتائج ضجره، نظرت إلى الشاعر نظر إنكار استدل منه على ضلاله فيما يأتيه، وسوء توفيقه فيما يلح فيه، فكأنه رمته بسهم لو لم يكن نظراً، بل كان سهماً رمي به شجاع في معركة، لأصيب مقله، فكان يبتل نحره وبنائق قميصه نجيعاً. والنجيع: دم الجوف. ويقال: تنجع به، أي تلطخ.
وقوله (ولم بعينيها) انعطف على قوله بطرف. واللمح: النظر، ويستعمل في البرق والبصر. وكذلك الطرف هو النظر هنا، كأن الرمي بالطرف كان إنكاراً منها. واللمح بالعينين مواعدة وتوحية بجميل بعد تعذر المطلوب: والومض والوميض: اللمع. وأومضت له فلانة بعينها، إذا برقت. لذلك شبه وميض لمحها بوميض الحيا، وهو الغيث المحي للأرض وأهلها وقد هدبت أي أرشدت شقائقه، وهي قطع سحابه، لنجد. كأنه جعلها قاتلة في رميها، محيية بلمحها. والشقيقة: البرقة إذا استطارت في عرض السحاب وتكشفت ايضاً.
وقال أبو الطمحان القيني
ألا عللاني قبل صدح النوائح ... وقبل ارتقاء النفس فوق الجوانح
وقبل غد يالهف نفسي عى غد ... إذا راح أصحابي ولست برائح
يروي (يا لهف نفسي من غد) . والصدح: شدة صوت الديك والغراب وغيرهما. والصيدحي: الشديد الصوت. والجوانح: ضلوع الصدر. وارتقاء النفس
стр. 865
فوقها، كما يقال: بلغت نفسه التراقي. فيقول: عللاني بالمقترح عليكما قبل أن أموت فتقوم النوائح علي يندبنني، وقبل ميقات أجلي. وأو أن تخلفي عن أصحابي وقد راحوا عني، لنزول القدر المقدور بي.
فإن قيل: كيف قدم ذكر صدح النوائح على ذكر الموت، وإنما يكون بعده؟ قلت: إن العطف بالواو لا يوجب ترتيباً. ألا ترى أن الله تعالى قال: واسجدي واركعي، والركوع قبل السجود في تريب أفعال الصلاة. وقوله (إذا راح أصحابي) يجوز أن يكون إذا في موضع الخبر بدلاُ من غد، والبدل إذا جاء مؤكداً للمبدل منه ومفصلاً جمله قد لا يستغني عن المبدل منه، وإذا كان كذلك فليس لأحد أن يقول: من شرط البدل أن يلقي المبدل منه ويجعل هو مكانه. وإذا كان كذلك لم يجز أن بلى إذا العامل في غد، وهو (على) أو (من) في الروايتين جميعاً. على أن أبا العباس قد جوز وقوع إذا في موضع المجرور والمرفوع. ويجوز أن يكون نصباً بدلاً من موضع (من غد) أو (على غد) العامل والمعملول فيه جميعاً، لأن موضعهما نصب على المفعول مما دل عليه قوله يالهف نفسي، وهو: أتلهف من غد.
وإنما جاز أن يودع البيتين باب النسيب لرقتهما ولأن المتعلل به كان لذة من اللذات. وهذا عادته في أبواب اختياره.
آخر:
هلة الوجد إلا أن قلبي لودنا ... من الجمر قيد الرمح لاحتراق الجمر
أفي الحق أني نغرم بك هائم ... وأنك لا خل هواك ولا خمر
فإن كنت مطبوباً فلا زلت هكذاوإن كنت مسحوراً فلا برأ السحرقوله: هل الوجد استفهام لفظه ومعناه النفي، بدلالة وقوع إلا بعده، كأنه قال: ما الوجد، أوليس الوجد إلا هذا الذي بي، وهو أن قلبي لو قرب من الجمر حتى لايكون بينهما إلا قدر رمح لغلب ناره نار الجمر، وكان يحترق. وقوله
стр. 866
" الوجد " مبتدأ وخبره إلا مع ما بعده. وانتصب " قيد الرمح " على الظرف. ويقال: بيني وبينه قاب قوس، وقيد رمح، وغلةوة سهم. وحكى بعض أهل التفسير في قوله تعالى: " فكان قاب قوسين " أن لكل قوي قابين، وهو ما بين المقبض والسية. وأهل اللغة على ما قدمته.
وقوله " أفي الحق أني مغرم بك هائم " فالمغرم: الذي قد لزمه الحب يقال: حبه غرام، أي لاتفصى منه. ومنه عذاب غرام. والهائم: المتحير. والهيام كالجنون من العشق، ومنه المهيم: الذي يهذي بالشيء ويكثر ذكره. والمعنى أنه لايدخل في الحق ووجوهه، وأنواع قسمه. أن يكون حبي لك غراماً، وحبك لايرجع إلى معلوم، ولايحصل على حد محصور. ويقال: ما هو بخل ولاخمر، والمعنى أنه ليس بشيء يخلص ويتبين.
وقوله " فإن كنت مطبوباً " فالطب: السحر والعلم جميعاً. وهو طب، أي عليم. وفي الحديث: " حين طب " أي سحر. وهو مطبوب، أي مسحور. ومعنى البيت: إن كان الذي بي وأقاسيه داءً معلوماً يعرف دواؤه، فلا فارقى فأني ألتذ به - وهذا هو الفتيانية في الهوى، والتجلد على البلاء - وإن كنت مسحوراً، يريد وإن كان الذي بي لايعلم ما هو، وأعيا الوقوف عليه الأطباء، والعلماء بالأدواء، حتى يسلم للسحر فلا فارقني أيضاً. وإنما قال هذا من عادة العامة، لأنهم كذا يعتقدون في الأوصاب والعلل. ولايجوز أن يكون معنى مطبوباً مسحوراً، لأنه يصير الصدر والعجز لمعنى واحد.
آخر:
تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي
وكانت لنفسي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولابعدي
هذا كلام من تجلد في الهوى وادعى التلذذ به وإن برح به وأثر فيه، فيقول: شكا المحبون جناية الصبابة عليهم، وجريرة العشق لديهم، وبودي أني تحملت أعباءها كلها وحدي، وخلص للصبر فيها ولها عفوي وجهدي، وكانت نفسي تنال لذة
стр. 867
مجموعها ومفرقها، وتنفرد بمكابدة مجهولها ومعرفها، فأفوز بادعائها، وتسقط المشاركة بيني وبين أربابها ممن سبقني لتقدم زمانه، أو تأخر عني لتأخر ميلاده.
وقال شبرمة بن الطفيل
ويوم شديد الحر قصر طوله ... دم الزق عنا واصطكاك المزاهر
لدن غدوةً حتى أروح، وصحبتي ... عصاة على الناهين شم المناخر
كأن أباريق الشمول عشية ... إوز بأعلى الطف عوج الحناجر
قوله " ويوم " انجر بإضمار رب، وجوابه قصر طوله. يقول: رب يوم من أيام الصيف شديد الحر، جعل طوله قصيراً، ما اشتغلنا به فيه من الشرب والقصف. وأراد بدم الزق الخمر. واصطكاك المزاهر: ودافعة أوتار البربط بعضها لبعض بالضرب. ويقال: ازدهر الرجل، إذا فرح. فيجوز أن يكون العود وقوله " لدن غدوةً " انتصب غدوةً عن النون من لدن، ولاينتصب به غيره، فهو شاذ. والمعنى: باكرنا الشرب، فلما رحنا كان أصحابي قد سكروا واكتسبوا كبراً ونبلاً، وذهاباً عما يشير به الناهي والمسدد.
وقوله " كأن أباريق الشمول عشيةً " شبه أواني الخمر وقد فرغت وأمليت بطيور ماء اجتمعت عشيةً بأعلى الساحل، معوجة الحناجر والحلوق.
وأدخل هذه القطعة في باب النسيب لرقتها ودلالتها على اللهو والخسارة.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟ وقال جابر بن ثعلب الجرمي:
ومستخبر عن سر ريا رددته ... بعمياء من ريا بغير يقين
فقال انتصحني إنني لك ناصح ... وما أنا إن خبرته بأمين
يروي: " انتصحني إنني ذو أمانة، وهذا في كتمان سر المحبوب، والمحافظة على الذمام والحرم. يقول: رب مستدرج لي فيما بين ريا وبيني، طالب للوقوف على المكتوم من أمرها وأمري، رددته عن نفسي بقصة عمياء لايهتدي فيها لمطلوب، ولا
стр. 868
يرجع فيها الى يقين، فلما لم يمكنة انزالى عما حاوله قال: انتصحنى، أي أدخلني في أمرك، وأجرني مجرى نصحائك، إني أمين لادغل في همتي، ولا خيانا في شأني، ولو خبرته بما التمس، وأطلعته على ما استشرح، كنت أنا غير أمين، فكيف أصير معه مؤتمناً، وذاك أني إن بحت بسرها فقد ضيعت أمانتها، والسر إذا جاوز اثنين خرج من أن يكون سراً. ومثل هذا قول جرير:
ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا ... حصراً بسرك يا أميم ضنينا
؟؟ وقال نفر بن قيس، وبنو نفر رهط الطرماح:
ألا قالت بهيشة ما لنفر ... أراه غيرت منه المرأة ازدرته وأنكرت شحوبه وهزاله، وتغيره الدهور
وأنت كذاك قد غيرت بعدي ... وكنت كأنك الشعري العبور
كأن عما عهدته، فصرفت ذلك إلى أنه من مقتضيات الكبر، ومسببات القشف، وقالت مستفهمةً: ما لنفر، أرى الأيام أثرت فيه، والأحداث أضنته وهزلته، فأجابها من طريق إنكارها وقال: إن كان ذلك من عقب الأيام فإنها لم تغفل عنك ولم تهمل تغييرك أيضاً، فما أنكرته مني موجود فيك وظاهر على سحنتك ولونك، فقد كنت كالشعري العبور إشراقاً وتلألؤا، وقد حلت وتغيرت و " العبور " قيل فيه: هو من عبرت النهر، إذا جزته. وقيل: بل هو من عبرت به، إذا أشفقت عليه، كأنها إذا طلعت تعبر المال الراعية بحرها، وإذا سقطت فببردها. وقوله: وأنت كذاك "، الكاف الأولى للتشبيه، و " ذا " أشار به إلى ما أنكرت منه، والكاف الأخيرة للخطاب ولاموضع له من الإعراب، فهو حر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ف.
وقال برج بن مسهر
وندمان يزيد الكأس طيباً ... سقيت إذا تعرضت النجوم
رفعت برأسه وكشفت عنه ... بمعرفة ملامة من يلوم
стр. 869
الندمان والنديم: من ينادمك على الشراب، ومثله في البناء سلمان وسليم، وحمدان وحميد، ورحمن ورحيم. ومعنى يزيد الكأس طيباً، أي بحسن عشرته، وأدب مجالسته يزداد شرب المدام وإدارة الكأس معه لذة. والمعنى: رب نديم على ما وصفته سقيته إذا تعرضت النجوم، أي أبدت عرضها للغيوب. ويقال: تعرضت الجبل، أي أخذت يميناً وشمالاً فيه، ولم أصتقم في الصعود. وقال:
تعرضى مدارجاً وسومى ... تعرض الجوزاء للنجوم
ومعنى قوله رفعت برأسه أنبهته من منامه، وأزلت عنه ماكان يداخله من الغم بلوم اللائمين إياه على معاطاة الشرب وإدمانه اللهو، بأن سقيته معرقة - وهي الصرف من الخمر، وقيل هي القليلة المزاج. ويقال: تعرقت الخمرة، إذا مزجتها. وأعرقه الساقي، إذا سقاه معرقاً. وقوله إذا تعرضت النجوم يشير به إلى الاصطباح.
فلما أن تنشى قام خرق ... من الفتيان مختلق هضوم
إلى وجناء ناوبة فكاست ... وهي العرقوب منها والصميم
انتشى ونشى وتنشى بمعنى سكر. والنشوة: السكر. وأراد بالخرق نفسه، وهو الكريم المتخرق بالعروف. والمختلق: التام الخلق. والهضوم، قال الأصمعي: هو المنفاق في الشتاء. وقال غيره: هو الكريم المفضال، كأنه يهضم ماله بأن يخرج منه أكثر من الواجب فيه. والوجناء، هي الناقة الغليظة الوجنتين. وقيل بل هي الصلبة، مأخوذ من الوجين، وهي الأرض الغليظة. قال الخليل: وقل ما يقال للجمل أو جن. والناوية: السمينة.
وقوله فكاست اختصر الكلام، والمراد فعرقبها فكاست. والكوس: المشي على ثلاث قوائم. وأراد بالصميم العضو الذي به القوام؛ يقال: هذا صميم الوظيف، وصميم الرأس. والعرقوب: عقب موتر خلف الكعبين فويق العقب من الإنسان وبين مفصل الوظيف والساق من ذوات الأربع. وعرقبته: قطعت عرقوبه. وقوله وهي
стр. 870
العرقوب إظهار للعلة في كوسها. والوهى: الشق والخرق. وفي المثل " غادر وهية لا ترقع "، أي فتقة لا يطاق إصلاحها ورتقها. والمعنى: لما أيم رسم الاصطباح، وانتشى الندمان، قام هو إلى ناقة بهذه الصفة فعرقبها.
كهاة شارف كانت لشيخ ... له خلق يحاذره الغريم
فأشبع شربه وجرى عليهم ... بإبريقين كأسهما رذوم
تراها في الإناء لها حمياً ... كميتاً مثل ما فقع الأديم
ترنح شربها حتى تراهم ... كأن القوم تنزفهم كلوم
الكهاة: الناقة الضخمة كادت تدخل في السن، وكذلك الكيهاة. والشارف: المسنة. وقوله كانت لشيخ كان الكريم منهم المحسان إلى عشيرته، المفضال على رفقائه وندمائه، يتعمد إذا نحر لهم في الشرب وعند السكر، أن يفعل ذلك في غير ملكه، يستام مالك الجزور بها أغلى الأثمان فيغرمه، ويعد ذلك الغرم غنماً، والصبر على سوء خلقه وإنكاره التبسط في ملكه بغير إذنه كرماً. لذلك قال: له خلق يحاذره الغريم، يريد البخل منه والاستقصاء.
وقد سلك هذا المسلك طرفة فقال ووفى المعنى حقه، وكأنه صب في قالب هذا الشاعر:
وبرك هجود قد أثارت مخافتي ... نواديها أمشى بعضب مجرد
فمرت كهاة ذات خيف جلالة ... عقيلة شيخ كالوبيل ألندد
يقول وقد تر الوظيف وساقها ... ألست ترى أن قد أنيت بمؤيد
وقال ألا ماذا ترون بشارب ... شديد علينا بغية متعمد
فقال ذروه إنما نفعها له ... وإلا تكفوا قاصي البرك يزدد
стр. 871
فظل الإماء يمتللن حوارها ... ويسعى علينا بالسديف المسرهد
قوله فأشبع شربه يعني من النافة المعقورة. وجعل الجاري عليهم بأبريقين والكأس ملأى تقطر؛ لأن شربهم كان بداراً. ثم وصف الخمرة فقال: أحمر فاقع. ويروى مثل ما نصع والمراد خلص. والحميا مصغر لا مكبر له، وقد تقدم القول في بنائه. وكميت: مصغر مرخم، والمراد به تكبيره، وهو أكمت، لذلك جمع على كمت. ومثله فرس ورد، ثم قيل خيل ورد، لأنه أريد به أفعل. ومما جاء مصغراً قولهم كعيت، وهو طائر، وجميل، والثريا، والغبيراء، والمريطاء، واللجين، وهنيدة.
وقوله ترنح شربهم أي لشدتها تويل قواهم، فكأنهم أسارى نزفت دماؤهم. ويقال: ضربته حتى رنحته، أي غشى عليه.
فقمنا والركاب مخيسات ... إلى فتل المرافق وهي كوم
كأنا والرحال على صوار ... برمل خزاق أسلمه الصريم
يروى محبسات أي معقولات مناخة بالفناء، وهو الوجه. وروى بعضهم: مخيسات أي مذللات، لكي إذا ركبت للهو، وفي حالة السكر كما فعله هؤلاء، لم تعسف بركبانها، ولم تأت العرضنة فس سيرها. والفتل: جمع أفتل وفتلاء، وهي البعيدة المرفق عن الزور. والكوم: العظام الأسمنة. وقال الخليل. الكوم، العظم في كل شيء. وقوله كأنا والرحال شبه ركائبهم بقطيع من البقر بالرمل الذكور، أسلمه الصريم إلى الصيادين والكلاب، فخفت وعدت. والصريم استعمل في الصبح والليل جميعاً، لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه وقت السحر. وإنما ركبوا بعد الاصطباح للتنزه أو في بطالة حضرتهم.
فبتنا بين ذاك وبين مسك ... فيا عجبا لعيش لو يدوم
وفينا مسمعات عند شرب ... وغزلان يعد لها الحميم
стр. 872
تبجح بأنهم نالوا أكثر أنواع اللذات، من شرب وقصف، وتنزه ولهو، ومعاشرة وطرب، وتسخ وإفضال، وتند على الندماء وإكرام، وتترف وتعطر، وتمتع بالنساء وتغزل. وقوله فيا عجبا إنما تعجب من استمرار الوقت بمثل العيش الذي وصف، وكيف سمح الزمان به ثم غفل عنه حتى اتصل. والمسمعات: المغنيات. والسماع: الغناء. وذكر الحميم لتنعمهن، ولأن بلادهن كانت صروداً. وعلى هذا قال عمرو بن كلثوم:
مشعشعة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها شخينا
قال ابن الأعرابي: سخيناً حال بمعنى مسخن، لأن البرد اقتضاهم بذلك الماء.
وقوله فبتنا بين ذاك يريد أن حاضر وقتهم كان على ذلك ثم تغير.
نطوف ما نطوف ثم يأوى ... ذوو الأموال منا والعديم
إلى حفر أسافلهن جوف ... وأعلاهن صقاح مقيم
يقول: يكثر الواحد منا التطواف على اللذات، والتجوال في الأطراف لطلب البطالة، وليس مآل الجميع مقترناً وغنينا إلا حفر، يعني بها القبور. ثم وصفها بأنها جوف الأسافل للحودها، وأن أعاليها نصبت عليها حجارة عراض كالسقوف لها، وهي دائمة على هذه أبداً.
وقوله نطوف ما نطوف أي مدة تطوافنا. ويقال: أوى إلى كذا أويا.
وقال إياس بن الأرت
هلم خليلي والغواية قد تصبي ... هلم نحي المنتشين من الشرب
نسل ملامات الرجال برية ... ونفر شرور اليوم باللهو واللعب
قوله والغواية قد تصبي اعتراض، وكرر هلم على طريق التأكيد. والفائدة في هذا الاعتراض تحقيق القصة المدعو إليها.
وللعرب في هلم طريقتان: منهم من يحريه مجرى أسماء الأفعال، وحينئذ يقع الواحد والجمع مؤنث والمذكر على حالة واحدة، والقرآن نزل به، لأنه قال
стр. 873
تعالى ذكره: " يقولون لإخوانهم هلم إلينا ". ومنهم من يجعل أصلها ها التبيه ضم إليه لم، وهو فعل، جعلا معاً كالشيء الواحد، فيثنبه ويجمعه ويؤنثه. وكان الفراء يقول: هو هل أم تركبا معاً. وليس لهل في الكلام إلا موضعان: أحدهما - وهو الأكثر - أن يكون للاستفهام؛ ولا معنى للاستفهام ها هنا. والثاني: أن يكون بمعنى قد، على ذلك فسر قوله تعالى " هل أتى على الإنسان "، وليس لمعنى قد في هذا مدخل. وإذا كان كذلك فما قاله فاسد. وقوله والغواية قد تصبي يريد أن الغي يدعو صاحبه إلى أمور كثيرة مختلفة، وقد يحمله على الصبا واللهو في الوقت بعد الوقت. وطلب من صاحبه مساعدته على تحيته للشرب، والدخول في جملتهم، وتسلية النفوس عن ملامات من يدعو إلى الرشاد، ويحمل على سلوك طرق الصلاح والسداد، بشرب رية، وهي الكأس الممتلئة خمراً، وقطع وقت الشر والغم باللهو واللعب. وقوله نسل في موضع الجزم، لأنه جواب الأمر. ونفر، معطوف عليه. ويقال: فريت الأديم، إذا قطعته على جهة الصلاح، وأفريته إذا قطعته للفساد.
إذا ما تراخت ساعة فاجعلنها ... لخير فإن الدهر أعصل ذو شغب
فإن يك خير أو يكن بعض راحة ... فإنك لاق من غموم ومن كرب
قوله: إذا ما رتاخت ساعة فاجعلنها في طريقته ماأنشده ابن الأعرابي:
إذا كان يوم صالح فاقبلنه ... فأنت على يوم الشقاوة قادر
وقوله فإن الدهر أعصل، العصل: اعوجاج الأنياب. قال الخليل: ولا يقال أعصل إلا لكل معوج فيه صلابة وكزازة. والمعنى: أن ما يعض عليه الدهر لا يمكن انتزاعه منه، كما لا يمكن انتزاع الشيء من الناب التي فيها عصل. والشغب: تهييج الشر. ويقال: رجل مشغب.
وقوله فإن يك خير أو يكن بعض راحة، يريد أن الدهر لا تصفو أحواله من الكدر، ولا عطاياه من التعب والأذى، فلا تعنه على نفسك، واجتهد في إصلاح ما يفسده، وإلأقاء ما يشق منه. وقوله فإنك لاق من غموم، من زائدة على مذهب الأخفش، كأنه قال: إنك لاق غموماً. وسيبويه لا يرى زيادة من في
стр. 874
الواجب، فطريقته في مثله أنه صفة لمحذوف، كأنه قال: إنك لاق ما شئت من غموم.
وقال آخر:
أحب الأرض تسكنها سليمتي ... وإن كانت توارثها الجدوب
وما دهري بحب تراب أرض ... ولكن من يحل بها حبيب
يذكر حنينه إلى محل سليمى ومكانها، وميله وإن كان قفراً متردداً في الجدوبة متناهياً أقطاره في اليبوسة، وأن ذلك زعيله لكونها به، فأما حب الأرضين مجردة فليس من دأبة وعادته. وقوله وما دهري بحب تراب أرض، جعل الحب للدهر على طريقتهم في قولهم: نهاره صائم، وليله قائم. والمعنى: ليس حب الأرضين مني بعادة في دهري، وقوله ولكن من يحل بها حبيب يشبه قول الآخر:
ألا يا بيت بالعلياء بيت ... ولولا حب أهلك ما أتيت
يريد أن بيوت في الموضع الذي جئت منه قد كثرت، ولكني قصدتك لحب أهلك. وقوله توارثها أي تتوارثها. فحذف إحدى التاءين استثقالاً. وقد مضى مثله.
أعاذل لو شربت الخمر حتى ... يكون لكل أنملة دبيب
إذن لعدرتني وعلمت أني ... بما أتلفت من مالي مصيب
كأن عاذلة أفرطت في لومه على ما يدمنه من الشرب، ويذهب فيه من طرق اللهو، فقال لها: لو شربت الخمر فأخذت منك، ودبت في عروقك ومفاصلك، وجمعت السار لك، وكشفت أنواع الغم عنك، لعرفت من لذاتها ومنافعها، وحدوث الطرب والجذل في النفوس لها، واستمتاع الروح بنشوتها وقواها، ما يبعثك على بسط عذرى في الولوع بها، والثبات على هواها، ولعلمت أني راكب ثبح الصواب، وغير
стр. 875
عادل عن الواجب في إنفاق المال. معنى لما أتلفت أي من أجل إتلافي. ويروى: بما أتلفت والمعنى أني مصيب بسببه ومن أجله.
وقال أبو صعترة البولاني
فما نطفة من حب مزن تقاذفت ... به حسن الجودي والليل دامس
فلما أقرته اللصاب تنفست ... شمال لأعلى مائه فهو قارس
بأطيب من فيها وما ذقت طعمه ... ولكنني فيما ترى العين فارس
قوله حسن الجودي رواه البرقي: به حزن الجودي، وكثير من الناس يرويه: به جنبتا الجودي. وقيل في حسن الجودي: إنه قطعة متصلة بالجودي، والجودي: جبل. وقال صاحب العين: حسن: اسم رمل لبني سعد. وذكر البرقي أن الحزنة والحزن من الأرض والدواب: ما فيه خشونة، والفعل منه حزن حزونة، ورجل حزن: شرس، وقوم حزن. ومن روى: به جنبتا الوادي فالمراد به الكنف والناحية. وبعضهم استدل على أن قول الناس: فلان في جنبة فلان ليس بشيء، وإنما الصواب في جنبة فلان، بسكون النون، استدلالاً بهذا البيت.
وقد روى الأصمعي:
والناس في جنب وكنا جنباً
فيقول: ما ماء اجتمع من حب مزن - وهو البرد، لأن المزن اسم يجمعأنواع السحاب، فهو كالغيم - ترامت به جوانب هذا الجبل والليل مظلم إلى أن زال رنقه، وانقطع كدره. وخبرما قوله بأطيب. ثم وصف الماء بأنه لما حصل في القرارات بعد تقطعه بنضد الحجارة، وجوانب المذانب والأدوية، فزال عنه أكثر شوبه، هبت عليه شماللينة فصفته وبردته. يريد: ما ماء ساربة بهذه الصفة بأعذب من رضاب فم هذه المرأة، ولا أقول هذا عن ذواق واختبار، ولكن عن صدق فراسة، واعتبار مشاهدة.
стр. 876
وفي طريقته قول الآخر:
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك
واللصاب: جمع لصب، وهو شقوق في الجبل. والقارس: البارد. وقوله فارس أراد به المتفرس. ويقال: هو فارس على الخيل بين الفروسة، وإذا كان يتفرس في الأشياء ويحسن النظر فيها قلت: هو فارس بين الفراسة. والدامس: المظلم، ويقال: دمس، أي أظلم؛ وأتيته دمس الظلام.
وقال الحارث بن خالد المخزومي
إني وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تؤودها العقل
لو بدلت أعلى مساكنها ... سفلاً وأصبح سفلها يعلو
لعرفت مغناها لما ضمنت ... منى الضلوع لأهلها قبل
أقسم بالقرابين التي ينحرها الحجيج عند المحصب غداة منى وهي معقولة أنه لو غيرت ديار هذه المرأة عن خططها المعهودة، ورسومها المشهورة، حتى جعلت أعاليها أسافلها، وأسافلها أعاليها لعرف مغناها المختص بها، ومثواها الجامع لأسبابها لما انطوت عليه محاني ضلوعه من ود أهلها أيام مواصلتها، حتى كان لا يلتبس عليه شيء منها. ومعنى تؤودها تثقلها. وجواب اليمين لعرفت. والمغنى: المنزل. ويقال غنينا بمكان كذا نغنى به غنى.
وجواب لو بدلت ماهو إلا جواب القسم، وهو لعرفت.
آخر:
مريضات أوبات التهادي كأنها ... تخاف على أحشائها أن تقطعا
تسيب أنسياب الأيم أخصره الندى ... فرفع من أعطافه ما ترفعا
стр. 877
التهادي: المشي بين اثنين؛ يقال: رأيته يهادى بين اثنين ويتهادى. يصفها بالنعمة والرقة وضعف الحركة، لثقل ردفها، ودقة خصرها، وترفتها المتملكة لأعضائها وحواملها، فيقول: إذا تهادت بين اثنين فعطفات حركاتها مريضة، ونهضات اندفاعها بطيئة، فكأنها تجذب أعاليها أسافلها، تخاف على خصرها التقطع إن انبسطت في المشي، أو تسرعت في القصد. وقوله تسيب انسياب الأين. فالأين: الجان من الحيات. ويروى الأيم أيضاً، وهي الحية. والحبة لا تصبر على البرد، لأنه إذا أثر فيها يبس جرمها فتكسرت. فيقول: هي تنساب أي تتدافع في مشيها تدافع الحية وقد أثر فيها الندى فخصرت وأخذت من جرمها وأعطافها ما أطاعها وأمكنها. كأن الحية وقد خصرت شق عليها ما ينالها من خصر الندى وبرده، فهي في انسيابها تجافي عن الأرض جهدها. ويقال: ساب وانساب بمعنى واحد. وفي القرآن: " ولا سائبة ". قال الدريدي: ساب الماء، إذا جرى.
آخر:
أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا
وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا
لف في البيت الأول الخبرين لفا، ثم رمى بتفسيرهما جملة، ثقة بأن السامع لكلامه يرد إلى كل ماله، وذلك لأنه قال أبت الروادف والثدي لقمصها، فجمع بين ما يكون خلفاً وقداماً من الردف والثدي. وهو يريد أن يصفها بأنها ناهدة الثديين، دقيقة الخصر، لطيفة البطن، وأنها عظيمة الكفل والردف، فالثدي تمنع القمص أن تلتصق ببطنها، والردف يمنعها أن تلتصق بظهرها، فبين في التفسير في عجز البيت ما لفه في صدره كما ترى.
وقوله وإذا الرياح مع المشي تناوحت، يريد: وإذا دنت الأصل وهبت رياح الصيف، فتقابلت ريحان كالشمال والجنوب، أو الصبا والدبور، وابتردت هذه، التصق من درعها ببطنها وظهرها ما كان يمنعه ثديها وردفها قبل هبوبها، وظهر من
стр. 878
محاسنها ما ينبه الحاسد ويهيج الغيور، لأن ما هفي منها ظهر للعيون والمناظر، فالغيور يكره، والحاسد يتنبه. وقوله وأن تمس جاز انعطافه على مس البطون لكون العامل والمعمول فيه في موضعه ومعناه. والبطون مع لفظ مس، كظهوراً مع أن تمس.
وقال بكر بن النطاح
بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو وحف أسحم
فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم
وصف شعرها بالطول، وكثرة الأصول، فإذا قامت سحبته، وإذا أرسلته سترها فتغيب فيه، وهو مع ذلك شديد السواد، مسترسل في جعودة وارد في جثولة، فكأنها لشدة بياضها إذا تغشاها، نهار يسطع من خلل الظلام، وكأن شعرها لشدة سوداه عليها، ليل مظلم تغشى بياض نهاره.
آخر:
تأملتها مغترة فكأنما ... رأيت بها من سنة البدر مطلعا
إذا ما ملأت العين منها ملأتها ... من الدمع حتى أنزف الدمع أجمعا
يقول: نظرت إليها على غرة منها اختسلتها، وقفلة ترصدتها، فكأنني رأيت بها بدراً طالعاً. وسنة البدر، أراد وجهه. ويقال: اغتر فلان، إذا فوحى عن غرة.
وقولهإذا ما ملأت العين منها ملأتها من الدمع، يقول: إذا تزودت عيني من حسنها فنظرت في أعطافها، امتلأت متحيرة من جمالها، كما يتحير ظرف الماء إذا امتلأ منه. وإنما قال ملأتها من الدمع، لأنه كان يتقطع وصل تحمله، وتنحل عقد نجلده، وجداً بها، وتحسراً فيها. والذي يدل على أن نظره لم يكن عن اتفاق أنه قال: تأملتها مغترة، ومعنى أنزف الدمع، أفنيه كله. يقال: نزفت الماء وأنزفته بمعنى واحد.
стр. 879
وقال كثير
وددت وما تغنى الودادة أنني ... بما في ضمير الحاجبية عالم
فإن كان خيراً سرني وعلمته ... وإن كان شراً لم تلمني اللوائم
يقول: تمنيت أنني عالم بما ينطوي عليه قلب هذه المرأة لي، وما ينفع التمني إذا لم يساعد القدر. وقوله: وما يغني الودادة اعتراض بين وددت ومفعوله، وهو أنني. ويقال: وددت ودادة وودادة، بفتح الواو وكسرها. وقوله فإن كان خيراً يريد: فإن كان ما تضمره لي وداً صافياً، وميلاً ناصعاً سرني ذلك وسكنت إليه، فلا يذهب ما أتكلفه في هواه باطلاً، وإن كان ما تضمره وتنطوي عليه اعتراضاً خالصاً، وجفاء مراً، قتلت نفسي وأرحتها من لوم اللائمات. وقوله وعلمته أكتفى بمفعول واحد لأنه بمعنى عرفته.
وما ذكرتك النفس إلا تفرقت ... فريقين منها عاذر لي ولائم
يقول: ما أخطرتها ببالي على ما أقاسي فيها، ويوافيني من اطراحها وزهدها إلا تفرقت نفسي فريقين: ففريق يعذرني ويقول: إن مثلها في كمالها وظرفها وحسبها ومنصبها، وشرفها وسرورها، يصبر على كل أذى يعرض في اكتسابها ويعتلق على جميع علاتها، احتفالاً باسمها في العشاق، وتكثراً بمكانها بين ذوي الأهواء. وفريق يلومني ويقول: إنك جاهل بمالك وعليك، مبتذل الروح في هوى من لا يشفق عليك ولا يرفق بك، ولا يرجع إلى شيء مما تؤثره، وإن امتج مدى ذهابها عنك. وهذا قاله عاى عادة الناس فيما يهمون، وتردهم بين ما يقوى العزم عليه وبين ما يضعفه، فجعل كل واحد منهما كأنه نفس على حيالها.
وقال أيضاً:
وأنت التي حببت شغباً إلى بدا ... إلي وأوطاني بلاد سواهما
стр. 880
وحلت بهذا حلة ثم أصبحت ... بهذا فطاب الواديان كلاهما
خاطبها في البيت الأول معتمداً عليها بأنه كما آثرها على أهله وعشيرته، آثر بلادها على بلاده، فذكر طرفيى محالها فقال: " أحب لك وفيك شغباً إلى بدا، وبلادي " بلاد غيرها. ثم أخبر عنها في البيت الثاني فقل: ونزلت بهذا - يشير إلى شغب - نزلة، ثم أصبحت ببدا، ففاح الوديان وتضوعها برياها. ومثله قول الآخر:
استودعت نشرها الرياض فما ... تزداد إلا طيباً على القدم
ومثله أيضاً:
تضوع مسكاً بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات
وقال نصيب
لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن وهنا وإني لنائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقاً ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
هتفت: صاحت. في جنح الليل، أي فيما مال من الليل. والفنن: الغصن. وهنا: بعد ساعة من الليل. يقول: جددت لي حمامة بتغريدها وجداًوصبابة. وهي على غصن فيما مال من الليل، وإني لساكن نائم، ولوكنت عاشقاً وحق بيت الله لما سبقتني الحمائم بالبكاء، لكني كاذب في دعواي متزيد. وهذا كلام مستقصر فيما هو عليه، مستزيد لنفسه فيما يجري إليه، يصورها بصورة المتشبع بما ليس فيه. وهذه الطريقة زائدة على طريقة الملتذ بالهوى. وقوله " لما سبقتني "، على عادتهم فيما يعتقدون من شجو الحمام. لذلك قال أبو تمام:
لاتشجين لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام
следующие страницы →