Полный текст (1 295 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
وفي طريقته قول الآخر:
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك
واللصاب: جمع لصب، وهو شقوق في الجبل. والقارس: البارد. وقوله فارس أراد به المتفرس. ويقال: هو فارس على الخيل بين الفروسة، وإذا كان يتفرس في الأشياء ويحسن النظر فيها قلت: هو فارس بين الفراسة. والدامس: المظلم، ويقال: دمس، أي أظلم؛ وأتيته دمس الظلام.
وقال الحارث بن خالد المخزومي
إني وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تؤودها العقل
لو بدلت أعلى مساكنها ... سفلاً وأصبح سفلها يعلو
لعرفت مغناها لما ضمنت ... منى الضلوع لأهلها قبل
أقسم بالقرابين التي ينحرها الحجيج عند المحصب غداة منى وهي معقولة أنه لو غيرت ديار هذه المرأة عن خططها المعهودة، ورسومها المشهورة، حتى جعلت أعاليها أسافلها، وأسافلها أعاليها لعرف مغناها المختص بها، ومثواها الجامع لأسبابها لما انطوت عليه محاني ضلوعه من ود أهلها أيام مواصلتها، حتى كان لا يلتبس عليه شيء منها. ومعنى تؤودها تثقلها. وجواب اليمين لعرفت. والمغنى: المنزل. ويقال غنينا بمكان كذا نغنى به غنى.
وجواب لو بدلت ماهو إلا جواب القسم، وهو لعرفت.
آخر:
مريضات أوبات التهادي كأنها ... تخاف على أحشائها أن تقطعا
تسيب أنسياب الأيم أخصره الندى ... فرفع من أعطافه ما ترفعا
стр. 877
التهادي: المشي بين اثنين؛ يقال: رأيته يهادى بين اثنين ويتهادى. يصفها بالنعمة والرقة وضعف الحركة، لثقل ردفها، ودقة خصرها، وترفتها المتملكة لأعضائها وحواملها، فيقول: إذا تهادت بين اثنين فعطفات حركاتها مريضة، ونهضات اندفاعها بطيئة، فكأنها تجذب أعاليها أسافلها، تخاف على خصرها التقطع إن انبسطت في المشي، أو تسرعت في القصد. وقوله تسيب انسياب الأين. فالأين: الجان من الحيات. ويروى الأيم أيضاً، وهي الحية. والحبة لا تصبر على البرد، لأنه إذا أثر فيها يبس جرمها فتكسرت. فيقول: هي تنساب أي تتدافع في مشيها تدافع الحية وقد أثر فيها الندى فخصرت وأخذت من جرمها وأعطافها ما أطاعها وأمكنها. كأن الحية وقد خصرت شق عليها ما ينالها من خصر الندى وبرده، فهي في انسيابها تجافي عن الأرض جهدها. ويقال: ساب وانساب بمعنى واحد. وفي القرآن: " ولا سائبة ". قال الدريدي: ساب الماء، إذا جرى.
آخر:
أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا
وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا
لف في البيت الأول الخبرين لفا، ثم رمى بتفسيرهما جملة، ثقة بأن السامع لكلامه يرد إلى كل ماله، وذلك لأنه قال أبت الروادف والثدي لقمصها، فجمع بين ما يكون خلفاً وقداماً من الردف والثدي. وهو يريد أن يصفها بأنها ناهدة الثديين، دقيقة الخصر، لطيفة البطن، وأنها عظيمة الكفل والردف، فالثدي تمنع القمص أن تلتصق ببطنها، والردف يمنعها أن تلتصق بظهرها، فبين في التفسير في عجز البيت ما لفه في صدره كما ترى.
وقوله وإذا الرياح مع المشي تناوحت، يريد: وإذا دنت الأصل وهبت رياح الصيف، فتقابلت ريحان كالشمال والجنوب، أو الصبا والدبور، وابتردت هذه، التصق من درعها ببطنها وظهرها ما كان يمنعه ثديها وردفها قبل هبوبها، وظهر من
стр. 878
محاسنها ما ينبه الحاسد ويهيج الغيور، لأن ما هفي منها ظهر للعيون والمناظر، فالغيور يكره، والحاسد يتنبه. وقوله وأن تمس جاز انعطافه على مس البطون لكون العامل والمعمول فيه في موضعه ومعناه. والبطون مع لفظ مس، كظهوراً مع أن تمس.
وقال بكر بن النطاح
بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو وحف أسحم
فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم
وصف شعرها بالطول، وكثرة الأصول، فإذا قامت سحبته، وإذا أرسلته سترها فتغيب فيه، وهو مع ذلك شديد السواد، مسترسل في جعودة وارد في جثولة، فكأنها لشدة بياضها إذا تغشاها، نهار يسطع من خلل الظلام، وكأن شعرها لشدة سوداه عليها، ليل مظلم تغشى بياض نهاره.
آخر:
تأملتها مغترة فكأنما ... رأيت بها من سنة البدر مطلعا
إذا ما ملأت العين منها ملأتها ... من الدمع حتى أنزف الدمع أجمعا
يقول: نظرت إليها على غرة منها اختسلتها، وقفلة ترصدتها، فكأنني رأيت بها بدراً طالعاً. وسنة البدر، أراد وجهه. ويقال: اغتر فلان، إذا فوحى عن غرة.
وقولهإذا ما ملأت العين منها ملأتها من الدمع، يقول: إذا تزودت عيني من حسنها فنظرت في أعطافها، امتلأت متحيرة من جمالها، كما يتحير ظرف الماء إذا امتلأ منه. وإنما قال ملأتها من الدمع، لأنه كان يتقطع وصل تحمله، وتنحل عقد نجلده، وجداً بها، وتحسراً فيها. والذي يدل على أن نظره لم يكن عن اتفاق أنه قال: تأملتها مغترة، ومعنى أنزف الدمع، أفنيه كله. يقال: نزفت الماء وأنزفته بمعنى واحد.
стр. 879
وقال كثير
وددت وما تغنى الودادة أنني ... بما في ضمير الحاجبية عالم
فإن كان خيراً سرني وعلمته ... وإن كان شراً لم تلمني اللوائم
يقول: تمنيت أنني عالم بما ينطوي عليه قلب هذه المرأة لي، وما ينفع التمني إذا لم يساعد القدر. وقوله: وما يغني الودادة اعتراض بين وددت ومفعوله، وهو أنني. ويقال: وددت ودادة وودادة، بفتح الواو وكسرها. وقوله فإن كان خيراً يريد: فإن كان ما تضمره لي وداً صافياً، وميلاً ناصعاً سرني ذلك وسكنت إليه، فلا يذهب ما أتكلفه في هواه باطلاً، وإن كان ما تضمره وتنطوي عليه اعتراضاً خالصاً، وجفاء مراً، قتلت نفسي وأرحتها من لوم اللائمات. وقوله وعلمته أكتفى بمفعول واحد لأنه بمعنى عرفته.
وما ذكرتك النفس إلا تفرقت ... فريقين منها عاذر لي ولائم
يقول: ما أخطرتها ببالي على ما أقاسي فيها، ويوافيني من اطراحها وزهدها إلا تفرقت نفسي فريقين: ففريق يعذرني ويقول: إن مثلها في كمالها وظرفها وحسبها ومنصبها، وشرفها وسرورها، يصبر على كل أذى يعرض في اكتسابها ويعتلق على جميع علاتها، احتفالاً باسمها في العشاق، وتكثراً بمكانها بين ذوي الأهواء. وفريق يلومني ويقول: إنك جاهل بمالك وعليك، مبتذل الروح في هوى من لا يشفق عليك ولا يرفق بك، ولا يرجع إلى شيء مما تؤثره، وإن امتج مدى ذهابها عنك. وهذا قاله عاى عادة الناس فيما يهمون، وتردهم بين ما يقوى العزم عليه وبين ما يضعفه، فجعل كل واحد منهما كأنه نفس على حيالها.
وقال أيضاً:
وأنت التي حببت شغباً إلى بدا ... إلي وأوطاني بلاد سواهما
стр. 880
وحلت بهذا حلة ثم أصبحت ... بهذا فطاب الواديان كلاهما
خاطبها في البيت الأول معتمداً عليها بأنه كما آثرها على أهله وعشيرته، آثر بلادها على بلاده، فذكر طرفيى محالها فقال: " أحب لك وفيك شغباً إلى بدا، وبلادي " بلاد غيرها. ثم أخبر عنها في البيت الثاني فقل: ونزلت بهذا - يشير إلى شغب - نزلة، ثم أصبحت ببدا، ففاح الوديان وتضوعها برياها. ومثله قول الآخر:
استودعت نشرها الرياض فما ... تزداد إلا طيباً على القدم
ومثله أيضاً:
تضوع مسكاً بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات
وقال نصيب
لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن وهنا وإني لنائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقاً ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
هتفت: صاحت. في جنح الليل، أي فيما مال من الليل. والفنن: الغصن. وهنا: بعد ساعة من الليل. يقول: جددت لي حمامة بتغريدها وجداًوصبابة. وهي على غصن فيما مال من الليل، وإني لساكن نائم، ولوكنت عاشقاً وحق بيت الله لما سبقتني الحمائم بالبكاء، لكني كاذب في دعواي متزيد. وهذا كلام مستقصر فيما هو عليه، مستزيد لنفسه فيما يجري إليه، يصورها بصورة المتشبع بما ليس فيه. وهذه الطريقة زائدة على طريقة الملتذ بالهوى. وقوله " لما سبقتني "، على عادتهم فيما يعتقدون من شجو الحمام. لذلك قال أبو تمام:
لاتشجين لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام
стр. 881
وسلك مسلك نصيب عدي بن الرقاع فيما أظن فقال:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابةً ... بلبني شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهاج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم
وقوله " لما سبقتني بالبكاء الحمائم " اشتمل على جواب اليمين، وعلى جواب لو.
وقال الشماطيط الغطفاني
أرار الله مخك في السلامي ... إلى من بالحنين تشوقينا
فإني مثل ما تجدين وجدي ... ولكني أسر وتعلنينا
وبي مثل الذي بك غير أني ... أجل عن العقال وتعقلينا
قوله: " أراد الله " يخاطب ناقته ووجدها تحن فقال داعياً عليها: جعل الله مخك ريراً. والرير: الرفيق من المخ. والقصد في الدعاء إلى أن يجعلها الله نضواً مهزولاً، وخص اللامى لأنها والعين آخر ما يبقى فيه المخ عند الهزال. لذلك قال الشاعر:
لايشتكين ألماً ما أنقين ... مادام مخ في السلامي أو عين
وقوله: " إلى من بالحنين تشوقينا "، يجوز أن يكون إنكاراً منه على الناقة في حنينها، ويجوز أن يريد تفخيم شأن المشتاق إليه، كأنه قال: تشوفينني بحنينيك إلى إنسان وأي إنسان، ويكون " من " اسماً نكرةً، ويكون الكلام خبراً، وفي الأول يكون استفهاماً. وإنما أنكر ضجراً بها، لأنه لم يدر أحنينها إلى ولد أو وطن أو صاحب.
وقوله: " فإني مثل ما تجدين " يجوز أن يكون " وجدي " في موضع النصب، على أن يكون بدلاً من المضمر في إني، ويكون مثل في موضع خبر إن، فكأنه قال: إن وجدي مثل ما تجدين، ويجوز أن يكون وجدي في موضع الرفع على الابتداء،
стр. 882
ومثل خبر له مقدم، والجملة في موضع خبر إن، كأنه قال: إني وجدي مثل ما تجدين.
وقوله: " ولكني أسر وتعلنينا " يريد إن عقلي يمسكني، وإن كان وجدي مثل وجدك وبرحي مثل برحك، عن إظهار التألم، وفي القلب ما فيه، وأنت تعلنين وتصيحين.
وقوله: " وبي مثل الذي بك " يقول: إن نزاعي مثل نزاعك، ولكني يؤمن مني أن أهيم على وجهي، إذ كنت أضبط نفسي بما أعطيت من تمييزي وإبقائي، وأنت تعقلين مخافة أن تندي على وجهك، إذ لا مسكة بك، ولا رقبة لك، ولا حياء يردعك، ولا رعة تمسكك.
وقال:
ولما أبى إلا جماحاً فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل
تسلى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى ولاتسلي
يقول: لما عصى قلبه وتأبى إلا جماحاً في لجاجته، وخروجاً عن طاعته، ولم تنصرف نفسه عن ليلى شغلاً بتئمير مال، وترقيح عيش، ولا بإرضاء أهل واستصلاح عشيرة، أخذ يطلب السلو عنها في مواصلة غيرها من النساء وشغل القلب بحبها دونها، فإذا التي طلب التسلي بها تبعث على الرجوع إلى ليلى، وتحض على ترك الإيثار عليها، لأنه يظهر من زيادات محاسنها، وأنواع ما توحدت به من فضائلها، ما يدعو إلى التشبث بها، وعمارة هواها. وجواب لما أبى " تسلى ". والجماح من قولهم: جمح الفرس، إذا جرى جرياً غالباً لراكبه. وقوله " فإذا التي تسلى بها " إذا هي هذه التي للمفاجأة، ومن الظروف المكانية لا الزمانية، وما بعده مبتدأ وخبر، فإنه لم يجعل مستقراً.
٤٩٨- اخر:
١- عجبت لبرئى منك يا عز بعدما ... عمرت زمانا منك غير صحيح
стр. 883
فإن كان برء النفس لي منك راحةً ... فقد برئت إن كان ذاك مريحي
تجلى غطاء الرأس عني ولم يكد ... غطاء فؤادي ينجلي لسريح
يقول: قضيت العجب من انصراف قلبي عنك، وبرئي من الداء فيك، بعد ما بقيت زماناً مبتلي النفس في هواك، عليل القلب بوجدك، مبرحاً بي حبك؛ فإن كان برء النفس يعقب لي راحةً منك وفي هواك فقد برئت والراحة منتظرة، إن كانت من نتائجه ومسبباته. ثم قال " تجلى غطاء الرأس " يريد شبت واستبدلت بلون وسواد شعري لوناً آخر حديثاً، فكأن المتقدم كان كالغطاء على رأسي، تكشف بالتأني، ولم يكد ما تغشى قلبي من حبك ينكشف بالهويني.
فإن قيل: في ظاهر هذا الكلام تناقض، لأن القائل إذا قال كدت أفعل كذا معناه شافهت فعله وشارفته، ولا يكون قد فعله؛ وإذا قال: لم يكد فلان يفعل كذا، معناه يقرب وقوع ذلك منه. فإذا كان كذلك فقد نفى عن نفسه ما أثبته بقوله " تجلى غطاء الرأس " لقوله: ولم يكد غطاء فؤادي ينجلي لسريح؟ قلت: لو أمسك عند قوله " ولم يكد غطاء فؤادي ينجلي " لكان الأمر على ما قلت، لكنه لما قال " لسريح " بين أنه لم يكن عن سهولة وبعجلة، وقلة تعب ومشقة، فنفيه في الحقيقة لقلة التعب والسهولة لا للانجلاء، وإذ كان كذلك يكون الغطاء قد انجلى عن القلب، لكنه انجلى بعد طول مزاولة نصب، ومقاساة كمد، وعن شدة تفاقم، وبلاء ملازم. ويقال في الدعاء للمرأة إذا طلقت عند الولادة: اللهم اجعله سهلاً سرحاً. فالسراح والتسريح والسريح كلها في طريق واحد، وهو السهولة والعجلة. ويقال: سرحه اللهتعالى للخير، أي وفقه له وعجله. وفي المثل: " السراح من النجاح ".
وقال عروة بن أذينة
إلفان يعنهما للبين فرقته ... ولايملان طول الدهر ما اجتمعا
مستقبلان نشاصاً من شبابهم ... إذا دعا دعوةً داعي الهوى سمعا
لايعجبان بقول الناس عن غرض ... ويعجبان بما قالا وما صنعا
стр. 884
البين يقع على وجوه: أحدهما أن يكون مصدر بان يبين وبينونة. والثاني أن يكون ظرفاً، تقول: بين القوم كذا، وهو لشيئين يتباين أحدهما ن الآخر فصاعداً. والثالث أن يفيد معنى الوصل، على ذلك قوله تعالى: " لقد تقطع بينكم ". ألا ترى معناه تقطع وصلكم، ولا يصح أن يكون المراد تقطع افتراقكم، لفساج المعنى. وعلى هذا قولهم: سعى فلان لإصلاح ذات البين من عشيرته، لأن المراد إصلاح الوصل لا الافتراق. والذي في البيت هو الثالث، لأن المعنى: هما متحابان قد ألف كل منهما صاحبه، والذي يهمهماويعنيهما للوصل ما يخشى تعقبه له من الفرقة، فخوفها منها وفكرهما فيها، ولا يكتسبان ملالاً من اتصال طول الدهر. فقوله طول الدهر يجوز أن يكون مفعول يملان، أي لا يملان تطاول الوقت إذا اجتمعا، ومدة اجتماعهما. ويجوز أن يكون طول الدهر. وقوله مستقبلان نشاصاً فالنشاص أصلهالسحاب إذا ارتفع من قبل العين حين ينشأ ويعلو، فاستعير هنا لما يقتبل من الشباب وأيام الصبا واللهو. كأنه يمطرهما النشاط والسرور كما يمطر السحاب الغيث. وجعل ذلك فيهما بحيث يسمعان قريباً دعاء منادى اللهو ويحييانه؛ لأن الوقت وقت التصابي والبطالة. وإلى هذا أشار أبو النواس في قوله:
قد عذب الحب هذا القلب ما صلحا ... فلا تعدن ذنباً أن يقال صحا
وقوله لا يعجبان بقول الناس عن عرض، هو من قولهم: نظرت إليه عن عرض، أي عن ناحية. والمعنى أنه لا يعجبها من مقال الناس وفعالهم شيء، ولا يأخذ قلبهما وعينيهما حديث ولا إبلاع ممن كان عن ناحية وشق، لكن الحسن عندهما فيما يتفاوضانه أو يتقارضانه، والإعجاب يتعلق بما يصنعانه ويؤثرانه؛ إذ كان كل واحد منهما قد صار في ملكة هوى صاحبه، وفي رفاق قبيله، فلا يبصر إلا بعينه، ولا يسمع إلا بأذنه.
وقال:
ولما بدا لي منك ميل مع العدى ... سواى ولم يحث سواك بديل
стр. 885
صددت كما صد الرمى تطاولت ... به مدة الأيام وهو قتيل
قال سيبويه: معنى سوى بدل ومكان تقول. عندي رجل سوى زيد، معناه ومكان زيد وبدل زيد، وعلى ما فسره يكون معنى البيت: ولما بدا لي ميلك مع الأعداء بدل ميلكك إلى ومكان ميلك، ولم يحدث لي بديل مكانك وعوضاً منك أعرضت عنك إعراض المرمى من الصيد المصاب بسهم الصياد، وهو قتيله، لأن الإصابة عملت عملها، لكن المدة تطاولت به، فهو رهين بإصابته. يريد: صددت عنك صدود يأس لا صدود مقلبة، وأنا أعلم أن هواك قاتلي كهذا المرمى الذي لا يشك في كونه قتيلاً وإن طال نفس مهلته، ومد من أمد منيته.
وقال آخر:
أحبا على حب وأنت بخيلة ... وقد زعموا أن لا يحب بخيل
بلى والذي حج الملبونيته ... ويشفي الهوى بالنيل وهو قليل
وإن بنا لو تعلمين لغلة ... إلي كما بالحائمات غليل
الألف من قولهأحبا لفظه الإستفهام ومعناه التوبيخ. وانتصب حبا باضمار فعل، كأنه قال: أتجمعين على حبا على حب، أو أتزيدينني حبا بعد حب، مع بخلك وإيثار زهدك، وعند الناس وفي أحكامهم واعتقادهم أن البخيل لا يكون محبوباً. كأنه عاتبها وقرعها من أمر الذي بينهما، وأنهما من أجله في طرفي نقيض، وفي لون من العشق طريف، وذلك أن معاملتها له معاملة من لا ينتدى عليه ولا يرحمه، ولا يتسخى بشيء له، وأن جذبها إياه في الهوى جذب من لا يكتفي معه بعفوه حتى يجهده ويزيده وجداً على وجد، وألما بعد ألم. قال: هذا حالي معك، وفي زعمات الناس أن القلوب جبلت على حب المحسنين الباذلين، لا المسيئين الباخلين، ثم استدرك فقال: بلى والله المحجوج بيته، المعظم حرمه، المداوي من داء الهوى باليسير الخفيف من النيل، إن البخيل ليحب. ودل على المقسم له بقوله: وإن بنا لو تعلمين لغلة، وهي حرارة العطش، كما يكون غلة الحائمات، وهي الطيور التي تحوم على الماء وتدور من شدة العطش ثم تقع عليه، وقد تكون العطاش أنفسها. وقوله: وأنت بخيلة، الواو واو الحال. وقوله ألا يحب إن شئت جعلت أن الناصبة للفعل فنصبت يحب به، وإن شئت جعلته المخففة من الثقيلة فيرتفع يحب، يريد أنه لا يحب. ثم قال: بلى، وهو جواب استفهام مقرون بنفي. على ذلك قول
стр. 886
الله : " أليت بربكم قالوا بلى ". كأنه قيل له مستفهماً منه: أيحب البخسيل الممسك؟ فقال: بلى وأقسم أيضاً، تأكيداً. والحج: القصد. والنيل: مصدر فلته أناله. وقوله لو تعلمين، كالعذر لها، وقد أقامه مستعطفاً، يصورها بأنها لو علمت ما به كانت لا تستجيز ما يجري عليه.
وقال آخر:
إذا كنت لا يسليك عن من توده ... تناء ولا يشفيك طول تلاق
فهل أنت إلا مستعير حشاشة ... لمهجة نفس آذنت بفراق
يخاطب نفسه متوجعاً لها، ومستوحشاً من الحالة التي منى بها، فيقول: إذا لم تستوفق مع من تحب التباعد عنه، وأخذ النفس بالتفصى منه، ليورثك سلوا دونه، ولم يقرب شفاءك من الداء فيه طول الاجتماع معه، واتصال التردد منه، والمريض في العرف والعادة إذا اشتكى من دواء عولج به نقل إلى ما يضاده، فإن لم يغن سلم لعلته، فكذلك أنت إذا لم ينفعك فيما تقاسيه لا التنائي ولا التداني، فما ذاك إلا غرام، وما أنت فيه إلا مستعير حشاشة، وهي روح القلب، ورمق من حياة النفس وقد آذنت بالمفارقة. والمهجة: خالصة النفس؛ ومنه لبن أمهجان.
وقال عبد الله بن الدمينة
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد زادني مسراك وجداً على وجد
أأن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنن غصن النبات من الرند
بكيت كما يبكي الوليد ولم تزل ... جليداً وأبديت الذي لم تكن تبدي
الصبا: القبول. يقال: صبت الريح تصبوا صبواً. ومتى هجت، أي متى ثرت واهتجت. يقال: هاج الفحل والريح هياجاً. وهم يخاطبون الريح والبرق إذا كانا من نحو أرض المحبوب. فيقول: متى اهتجت من أرضي نجد فقد زادني سيرك شوقاً، وجدد لي هبوبك على ماكنت أكابده من الوجد وجداً.
стр. 887
وقوله: أأن هتفت، يخاطب نفسه مبكتاً فيقول. ألأن صاحت حمامة ورقاء في أول الضحى واقعة على غصن غض من شجر الرند بكيت بكاء الصبى إذا أعياه مطلوبه، وأظهرت العجز عما حملته، وعهد الناس بك فيما مضى من أيامك ولم تزل ثابت القدم فيما ينوبك، دائم الصبر على بلواك، إن هذا منكر.
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على ذاك قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود
يقول: زعم الناس أن الاستكثار من المحبوب والتداني منه يكسب المحب ملالاً، وأن الاستقلا من زيارته والتنائي عن محله وداره ينتج له سلواً، فداويت بكل واحد من ذلك فلم ينجع؛ إلا أنه على الأحوال كلها وجدت قرب الدار منه خيراً من بعدها عنه، لما توسوس به النفس في الوقت بعد الوقت من طمع فيه، ولتطلع المجاورين له، وتجدد الحديث عنه، إلى كثير مما يعدم في البعاد. ثم رجع فيما أعطى فقال: على أن تقارب الديار لا يكاد ينفع إذا كان المحبوب لا ود له، ولا ميل له. ويروى: ليس بذي عهد، أي لا يبقى على ما عهده عليه.
آخر:
إذا مشت أن تسلى خليلاً ... فأكثر دونه عدد الليالي
فما سلى خيلك مثل نأى ... ولا بلى جديدك كابتذال
معناهما ظاهر بما تقدم، ويقال: بمعنى سلوت. قال:
لو أشرب السلوان ما سليت
وقال آخر:
ألا طرقتنا آخر الليل زينب ... عليك سلام هلى لما فات مطلب
стр. 888
وقالت تجنبنا ولا تقربننا ... فكيف وأنتم حاجتي أتجنب
يقول: أتتنا هذا المرأة سحراً فقلت مسلماً عليها: عليك سلام الله هل لما فات من أيام الوصال والإقبال على الإحسان مطلب لي فأسأله. فقالت لي مجيبة: جانبنا ولا تدنون منا. فقلت: أنى يكون مني مجانبة وأنتم في الدنيا حاجتي ومناي، ولا اختيار مع الضرورة، كما أنه لا غنى عن الفاقة. هذا هو ظاهر الكلام. وقد رأيت من يفسره على أن المراد بآخر الليل آخر أيام الشباب. وكان يروى: عليك سلام بفتح الكاف، ويجعل الخطاب والتسليم من المرأة للرجل، ويقول: إنما حيته بتحية الموتى لتولي أيامه، وتناهي عمره، وقولها: هل لما فات مطلب من كلامها معاتبة، كأنها أنكرت التعرض لها وقد فاته دالة الشباب، وشفاعة النضارة والإقتبال. والأولى ما قدمته.
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب ... فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جل خطب الشيب إن كنت كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
المضمر في يقولون المتعصبون للمرأة والناس. يريد: عيروني بتعاطي الصبا واللهو واللعب، بعد تقضي الثلاثين من أيام عمري فقالوا: هل بعد الثلاثين ملعب، أي لا ينبغي اللهو لمثلك، فقلت لهم: وهل قبل الثلاثين ذلك. والمعنى أن من عد ما دون الثلاثين فهو في عداد الصبيان، لا يعرف اللذات، ولا يصلح للبطالات. ويجوز أن يكون المراد: وهل تسهل لي قبل الثلاثين شيء من مباغي اللهو واللعب فينكر مني طلبي إياه بعده.
وقوله: لقد جل خطب الشيب، لقد جواب يمين مضمرة، ولك أن تروي أن كنت كلما، والمعنى لأن كنت كلما. ولك أن تكسر الهمزة فتكون إن المفيدة للشرط، والمراد: إن كنت كلما بدت في رأسي لمعة من الشيب يلزم منها أن أعرى مركباً من مراكب اللهو، فلقد عظم خطب الشيب، ويكون جواب إن في قوله لقد جل خطب الشيب، وكلما في موضع الظرف.
وقال كثير
وأد نيتني حتى إذا ما فتنتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح
стр. 889
تناهيت عني حين لا لي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح
يقول: توفرت علي ولطفت لي المقال والفعال، على تطلق من وجهك، وهشاشة ظاهرة منك، حتى أوقعتني في حبالتك، وخببت قلبي بكلام يقرب البعيد، ويسهل العسير، ويؤنس النافر، ويطمع اليائس، فلما استكمل مرادك في ضممت أطرافك إليك، وقبضت ما انبسط من أملي فيك. والعصم: جمع أعصم وعصماء، وهي الوعول الجبلية التي في قوائمها بياض. وجواب إذا تناهيت عني. والمعنى: بعد ما كسبتني خبالاً، وجلبت على عقلي وقلبي فساداً، كففت عني، وتباعدت مني وقت أعيتني الحيل في الانفكاك، وتأبى تمازج الهوى وتلاصقه من الإنسلاخ، وتركت بين جوانحي ما تركت من وجد متصل، وحزن دائم.
فإن قيل: إن كثير علم في النسيب، فلم لم يرض بإظهار التوجع من المعاملة، والتألي من التهاجر والقطيعة، حتى اعتد على صاحبته ذنباً. ونسب إليها خيانة ووزراً؛ لأن الذي وصف من افتتانها في افتتان الرجال ليس من شأن العفائف؟ إن كثيراً لم يصف صاحبته إلا بصفة العفائف. ألم تسمع قول الآخر:
برزن عفافاً واحتجبن تستراً ... وشب بقول الحق منهن باطل
فذو الحلم مرتاب وذو الجهل طامع ... وهن عن الفحشاء حيد نواكل
كواس عوار، صامتات نواطق ... بعف الكلام، باذلات بواخل
فتأمل ما قاله فإنه غاية في استقامة الطريقة، وإن هلكت نفوس، وخبلت عقول. وحدثت عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، عن رواية كثير قال: كنت مع جرير وهو يريد الشام، فطرب فقال: أنشدني لأخي بن مليح، يعني كثيراً، فأنشدته حتى انتهيت إلى قوله: وأدنيتني حتى إذا ما فتنتني، الأبيات، قال جرير: لولا أنه لا يحسن بشيخ مثل النخير لنخرت حتى يسمع هشام على سريره.
وقال آخر:
تعرضن مرمى الصيد ثم رميننا ... من النبل لا بالطائشات الخواطف
стр. 890
ضعائف يقتلن الرجال بلا دم ... فيا عجبا للقاتلات الضعائف
وللعين ملهى في التلاد ولم يقد ... هوى النفس شيء كاقتياد الطرائف
قوله: مرمى الصيد، موضعه نصب على الظرف، أي تعرضن لنا وبيننا وبينهن غلوة سهم، فعل المتعرض للصيد إذا أراد رميه. ويراد بالصيد المصيد، كما يراد بالخلق المخلوق. وقوله: ثم رميننا من النبل، يريد: ثم نظرن إلينا وعرضن محاسنهن علينا، وتلك نبالهن التي لا تخف فتعدل، ولا تخطف فتقصر. والخاطف من السهام: الذي يقع على الأرض ثم يحبو إلى الهدف كأنه يخطف من الأرض شيئاً. والطائش: الخفيف الذي لا يستقيم؛ ومنه الطيش والطياش، كأنه يرى لخفته عادلاً عن سواء السبيل. ومفعول رميننا الثاني محذوف كأنه قال: رميننا لا بالطائشات، ولكن بالصائبات الناقرات. والناقر: الذي ينقر الهدف.
وقوله ضعائف يقتلن الرجال بلا دم، يريد بلا ترة وذحل. والضعف الذي أشار إليه يريد في الخلقة والخلق، أي يقتلن الرجال وإن ضعفن عن جذابهم كيداً وفعلاً. ثم قال: يا عجباً لمن يقتل القوى على ضعفه. ويا عجباً يجوز أن يكون على طريق الندبة، ويكون منادى مفرداً ألحق به الألف ليمتد به الصوت، ويدل على فرط الشكو. ويجوز أن يكون منادى مضافاً ففر من الكسرة وبعدها ياء فانقلبت ألفاً. واللام من قوله للقاتلات هي التي تفسر بأنها لام العلة، كأنه علل تعجبه بقوله للقاتلات، فارتفع ضعائف على أنه خبر مبتدأ محذوف.
وقوله وللعين ملهى في التلاد، يريد أن للعين لهواً وراحة إذا نظرت في التلاد الرائق المعجب - والتلاد: ما قدم ملكه - ولم يجذب هوى النفس شيء كما يجذبه الطرائف، وهي المستحدثات، وهذا كما يقال: لكل جديدة لذة، وما أشبهه. وقاد واقتاد بمعنى واحد، والملهى كما يجوز أن يراد به الحدث، وهو اللهو، يجوز أن يراد به موضع الحدث ووقته.
وقال آخر:
لئن كان يهدي برد أنيابها العلى ... لأفقر مني إنني لفقير
стр. 891
قوله يهدي يجوز أن يكون من الإهداء الإتحاف، ويجوز أن يكون من الهداء الزفاف. وقوله أنيابها العلي، يراد به الشريفة العالية الشأن. ويجوز أن يراد بالعلي الأعالي من الأسنان، لأنها موضع القبل. ويعني ببرد الأسنان عذوبة الرضاب عند المذاق. وقوله إنني لفقير، فعيل بناء المبالغة، ولا سيما إذا أطلق إطلاقاً، فلا يقال فقير إلى كذا وكذا فيخصص. والمعنى: إن كان يتربص بمتسق مضحكها، وواضح مقبلها، وطيب رضابها، وبراد أسنانها، لمن هو أفقر مني إليها، فإنني الفقير مطلقاً. والمعنى: لا غاية وراء فقري. ومما يجري مجرى فقير إذا أطلق، قولهم سقيم. ألا ترى قول الآخر:
لئن لبن المعزى بماء مويسل ... بغاني داء إنني لسقيم
يريد المتناهي في السقم حتى لا غاية وراءه. وأفقر، كأنه بني على فقر المرفوض في الاستعمال. وإنما قلت هذا لأن فقيراً كان حكمه أن يكون فعله على فقر، ولم يجيء منه إلا افتقر. وشرط فعل التعجب وما يتبعه من بناء التفضيل أن لا يجيء إلا من الثلاثي في الأكثر، وما كان علي أفعل خاصة، وإذا كان كذلك فأفقر لا يصح أن يكون مبنياً على افتقر ولكن على فقر؛ فهذا طريق. ولك أن تقول: بنى منه على حذف الزوائد، كما جاء: ريح لاقح والمراد ملقح، وما أشبهه.
فما أكثر الأخبار أن قد تزوجت ... فهل يأتيني بالطلاق بشير
قوله أن قد تزوجت، أراد: بأن قد تزوجت. وحذف الجار مع أن كثير، وموضعه من الإعراب مفعول من قوله الأخبار. والأخبار: جمع خبر، ووضع خبراً موضع الإخبار، كما يوضع الطاعة موضع الإطاعة، ثم عداه وهو مجموع، ومثله:
مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
ألا تراه أنه انتصب أخاه عن جمع وهو مواعيد. ومعنى البيت: كثر في أفواه الناس الإخبار بتزوجها، واشتغالها ببعلها عن غيره، فهل يأتيني مبشر بتطليقها. وهذا ليس باستفهام وإنما هو تمن.
стр. 892
وقال آخر:
يقر بعيني أن أرى رملة الغضى ... إذا ما بدت يوماً لعيني قلالها
ولست وإن أحببت من يسكن الغضى ... بأول راج حاجة لا ينالها
أضاف الرملة إلى الغضى تشهيراً لها. وقوله يقر بعيني، هذه الباء تزداد كثيراً مع أقر، والأصل يقر عيني، وزيدت الباء تأكيداً. تقول قرت عيني وأٌرها الله. وقوله أن أرى في موضع الفاعل ليقر، والمراد: إذا بدت يوماً لعيني قلاق الغضى - وهو جمع القلة وهي أعلى الجبل - فقره عيني في أن أرى رمالها أيضاً وبطحاواتها. ثم قال على طريق اليأس من ذلك: ولست بأول من رجا مؤملا. وائتمر مقدراً، ثم لم يحصل منهما على طائل. يريد: ولا غرو إن كنت أحببت سكان الغضى أن يكون هذا حالي معهم. كأنه كان بين أهل الغضى وبين قومه عداوة، أو حالة مانعة من المزاورة والمواصلة، فلذلك قال ما قال.
وقال آخر:
سلى البانة الغناء بالأجرع الذي ... به البان هل حييت أطلال دارك
وهل مت في أظلالهن عشية ... مقام أخي البأساء واخترت ذلك
ليهنك إمساكي بكفي على الحشا ... ورقراق عيني رهبة من زيالك
سلي، أصله اسألي فحذف الهمزة تخفيفاً وأبقيت حركتها على السين فصار اسلي، ثم استغنى عن همزة الوصل لتحرك ما بعدها فحذفت فصارت سلي. وهذا كما تقول في الأحمر إذا خففته: لحمر. ومن قال الحمر يقول: اسلى فيبقي ألف الوصل. ويروى: البانة الغيناء، والغناء: الملتفة الكثيرة الورق والأغصان، فإذا
стр. 893
ضربتها الريح غنت. وهذا كما قال الآخر:
للثرى تحتها سبات وللما ... ء خرير وللغصون غناء
والأجرع من الأماكن: السهل المختلط بالرمل. والغيناء، هي العظيمة الواسعة، من قولهم غان عليه كذا إذا ستر، وبه سمى السحاب الغين. وإنما قال: الذي به البان، لأنه كان منبته. وهل حيا أطلاله تحية المتقرب إليها، والقاضي لوازمها، وهل قام في أظلال البان بها مقام الضرير البائس، والكسير الرزاح، تذللاً لها، وتلؤماً بها؛ وهل ذلك كله عن اختيار وقصد أو كما اتفق. ثم قال: ليهنك إمساكي، كأنه لما وقف على الدار وتذكر العهود فتصور له ما كان درس من آيات هواه، وتجدد ما أخلق منها، خشي على كبده التصدع فأمسك بكفه على حشاه، تثبيتاً لها وتقوية، وبكى فترقرق الدمع في عينيه ثم سال. فقال: هناك الله ذلك كله مني. وانتصب رهبة لأنه مفعول له. وهذا من باب التجلد في الهوى. والزيال: مصدر زايل. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
يرفع يمناه إلى ربه ... يدعو وفوق الكبد اليسرى
وقال آخر:
تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن ... عليك شجى في الصدر حين تبين
وإن هي أعطتك الليان فإنها ... لغيرك من خلانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين
يصف النساء وأخلاقهن في الانقياد والتأبى إذا روودن، واستمالهن الوفاء من بعد غدرهن، ويوصي باستبقاء المقاربة معهن، وترك تدقيق محاسبتهن، والرضا بالميسور من مصافاتهن، فيقول: عليك في الاستمتاع بهن مدة انقيادهن لك، وإسعافهن بالمراد من جهتهن، لا يشجونك تنكرهن لك، وبينونتهن إذا عدلن عنك، وأعلم أن الواحدة منهن إذ لانت لك فهي بعرض أن تلين لغيرك، فلا تعتمد عليهن
стр. 894
وإن حلفت لك أنها تفي وتيقي على عهدها معك، وأعلم أنه لا يمكين لمثلها يستوثق بها، أو يستنام إليها، وفي طريقته قول بشار:
لا يوئسنك من مخبأة ... قول تغلطه وغن جرحا
عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعد ما جمحا
وقال العباس بن مرداس
قليلة لحم الناظرين يزبنها ... شباب ومخفوض من العيش بارد
أرادت لتنتاش الرواق فلم تقم ... إليه ولكن طأطأته الولائد
تناهى إلى لهو الحديث كأنها ... أخو سقطة قد أسلمته العوائد
الناظران: عرقان في مدمع العينين: يصفها بأنها ليست بجهمة الوجه، لكنها أسيلة الخدين، ويزينها شباب مقتبل، ورفاهة من العيش ودعة، ويقال: عيش خفض، وخفضت عيشه فهو مخفوض. والبارد: الثابت. ويقال: برد لي على فلان حق، أي ثبت.
وقوله أرادت لتنتاش الرواق، فالانتياش: التناول. يصفها بأنها مخدمة لا تبتذل نفسها في مهنة، ولا في عارض خدمة، حتى أنها إذا أرادت تناول رواق البيت - والرواق: ما مد مع البيت من ستارة - لم تترك والقيام إليه، ولكن قدمته الولائد، وأملنه لها حتى نظرت إلى ماوراءه، فإذا كانت في مثل هذا تودع وتكفي، فما هو أثقل منه أبعد من استعمالها فيه. والطأطأة: خفض الرأس وغيره عن الاشتراف. ويقال للفارس إذا ضبط فرسه بفخذيه ثم حركه للحضر: طأطأ فرسه. وقوله: تناهى إلى لهو الحديث أراد أنها تنصب من كل أحوالها إلى اللهو، وتنتهي إليه، إذ كان ما عدا اللهو قد كفيت، فهي منعمة لا تتعلل إلا باللعب والهزل، فكأنها عليل يترفرف عليه ويشفق، حتى يترك لا يهمه شيء، ولا يشغله شأن، يعني أنها في توفرها على الحديث والملاهي على نعمتها وكسلها، كذلك العليل في توفره على مقاساته ما به.
стр. 895
آخر:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... على ودوني تربة وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من داخل القبر صائح
واعبط من ليلى بمالا أناله ... ألا كل ما قرت به العين صالح
يقول: لو أن هذه المرأة سلمت علي وقدمت فحال بيني وبينها صفائح القبر، وثرى اللحد، لتسرعت إلى جوابها، وقابلت سلامها ببشاشة مني لها وطلاقة وجه، لتلقيها وإجابتها. فإن حصل منع دون المراد صاح إليها صدى لي من داخل قبري بدل جواب مني. وهذا على اعتقادهم كان، أن عظام الموتى تصير هاماً وأصداء. وقوله: وأغبط من ليلى، يقول: إني مرموق ومحسود منذ عرفت بلبلي وإن لم أنبل منها مطلوباً، ولا حصلت من الشقاء بها طائلاً. ثم قال: ألا كل مافرت به العين صالح، يريد أني قرير العين بأن أذكر بها وتعرف بي دون طلابها، وهذا القدر نافع وإن تجرد مما سواه.
وقال آخر:
فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها ... فلن تمنعوا مني البكا والقوافيا
فهلا منعتم إذ منعتم حديثها ... خيالاً يوافيني على النأي هاديا
يقول: إن حلتم بيني وبين ومنازعتها الكلام، والتأنس بحديثها، وحبس النفس على التزود منها ومن مغازلتها، فإنكم لا تقدرون على ما أنا بصده من البكاء لها وجداً فيها، ومن قرض الشعر في النسيب بها؛ وإذ قد منعتم حديثها والدنو منها، فهلا حبستم عني خيالاً عارفاً بالطريق على البعد بيني وبينها، حسن الاهتداء إلى حيث ذهبت عنها، يزورني في المنام فيطري من الشوق ما أخلق، ويعيد من الهوى مادرس. وهذا الكلام تحسير لهم، وتشهير بمكايدتهم، وتذكير بما يسوؤهم، وإعلام أن العهد بينهما مرعي، والهوى مما يقدح فيه من الجانبين
стр. 896
محفوظ، بدلالة أنه لو استجفاها لامتنع خيالها، لزوال نومه، وذهاب هدوه. ألا ترى الآخر يقول:
وكان يزورني منه خيال ... فلما أن جفا منع الخيالا
وقال نصيب
كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح
قطاة عزها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح
يقول: لما أحسست بالليلة التي رسمت بوقوع الفراق في صبيحتها، أو في وقت الرواح من غدها، وتصورت أن المتواعد به حق، والمتحدث به واقع، صار قلبي في الخفقان والاضطراب كقطاة وقعت في شرك يحبسها، فيقيت ليلتها تجاذبه والجناح علق لا متخلص له، نشب لا متنزع منه، وكمثل ذلك قلبي قلق في حشاه، غلق عند بلواه.
وارتفع قطاة على أنه خبر كأن، وعزها في موضع الصفة لقطاة، يريد غلبها. وانتصب ليلة على الظرف مما دل عليه كأن القلب من التشبيه، ولا يجوز أن يكون ظرفاً بقيل، لأنه بما بعده مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. وقوله تجاذبه والمفاعلة تكون في الأكثر من اثنين، فلأنه جعل منع الشرك للقطاة من التخلص جذباً منه.
وقال أبو حية النميري
رمتني وستر الله بيني وبينها ... ونحن بأكناف الحجاز رميم
стр. 897
فلو أنها لما رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم
رميم: اسم المرأة، وارتفع لأنها فاعلة، وقد بنى على رمتني. وأراد بستر الله الإسلام. فيقول: نظرت إلى رميم، ى فكأنها رمتني بسهم، ونحن مقيمون بأكناف الحجاز، والإسلام حاجز بيني وبينها، يمنع من مغازلتها ومراودتها. ومثل قول الهذلي:
فليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى الحق شيئاً واستراح العواذل
كنى عن الإسلام في منعه عن القبائح وأنواع الفحش والظلم بالسلاسل في الأغلال المحيطة بالأيدي والأعناق. وقوله فلو أنها لما رمتني رميتها، جواب لو محذوف، والمراد لو تعرضت لها وقابلتها في عرض محاسنها بمثل ما يكون للشبان بمنزلة الشفعاء عند النساء، لحق الأمر وكان القدر يجري إلى القدر، ولكني قد شخت وكبرت، فعهدي بمناضلة النساء قديم.
؟ وقال آخر:
أسجناً وقيداً واشتياقاً وعبرةً ... ونأى حبيب إن ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على كل ما قاسيته لكريم
انتصب سجناً بإضمار فعل، كأنه قال: أتجمع علي حبساً وتقييداً، واشتياقاً إلى حبيب وبكاء، مع بعد بيني وبينه، إن ذلك أمر منكر فظيع، يتضايق نطاق الصبر عن احتماله والبقاء معه، وأشار بذا إلى اجتماع هذه الأشياء عليه، ونبه على عجزه في احتمالها لولا كرم عرقه، واستحكام عقده. ألا ترى أنه تحمد بحاله، واعتد على حبيبه بقاءه على العهد له. ودوام وده على اجتماع هذه الأحوال عليه، فقال: إن امرأ دامت مواثيق عهده، يريد: إن رجلاً ثبت على أولية شأنه، ومبادىء مواثيقه،
стр. 898
مع ما يقاسيه من تزاحم هذه البلايا على قلبه، لكريم المهد، نببه الشأن، وثيق العقيدة.
ويروى: أسجن وقيد بالرفع، والمراد: أتجمع هذه الأشياء على طريق التفظيع والتهويل.
وقال آخر:
رعاك ضمان الله يا أم مالك ... ولله أن يشفيك أغنى وأوسع
يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقع
أشار بقوله: ضمان الله إلى ما في القرآن من قوله تعالى: " أدعوني أستجب لكم "، فقال: أنا أدعو بأن يشفيك الله يا أم مالك، وقد ضمن الإجابة للداعي فرعاك ضمانه. ثم قال: ولله بأن يشفيك، فحذف حرف الجر، والجار يحذف مع أن كثيراً، لأن حذفه حذفه أظهر غناء وأوسع قدرة. ونبه بهذا الكلام أنه في كلته الأمر إلى الله تعالى الغني القادر اعتمد على ما لا بد من وقوعه. وقوله يذكرنيك الخير والشر، يريد: أنه لا ينساها في شيء من الأحوال والأوقات، فما يتقلب فيه من خير باكر، أو شر طارق، فهو يذكره، وكذلك ما يخاف وقوعه أو يرجوه، ولم يصر منهما على يقين يذكره أيضاً، وكذلك ما صار منه على يقين، فهو يتوقعه، يذكر أيضاً. وإذا تأملت حوادث لدهر وجدتها لا تنقسم إلا إلى قسمته، لأنها لا تخلو من أن تكون محبوبة أو مكروهة، أو واقعة أو منتظرة، أو مخوفة أو مرجوة.
وقال الحكم الخضري
تساهم ثوباها ففي الدرع رادة ... وفي المرط لفاوان ردفهما عبل
стр. 899
فوالله ما أدرى أزيدت ملاحة ... وحسناً إلى النسوان أم ليس لي عقل
معنى تساهم تقاسم، ولذلك قيل: سهمة فلان من هذا كذا، أي قسمته ونصيبه. ويجوز أن يكون أصله من السهام: القداح التي تجال بين الخصوم إذا تقارعوا ليستبد كل بما خرج له لقسمته وبدنه. وفي القرآن: " فساهم فكان من المدحضين "، فكأنه استعار - وإن كان أصله ما ذكرت - للتقاسم، إذ كان يفعل للقسم وما يشبهه لاغير، فيقول: انقسم جسم هذه المرأة بين درعها وإزارها، ففي درعها بدن ناعم وخصر دقيق، وفي مرطها فخذان غليظتان عليهما ردف ضخم. وقوله: فوالله ما أدرى، يريد: أن الحيرة قد ملكته في أمرها، لما يرى من ميل قلبه إليها، وشدة افتتانه بها، فهو لايدري أزيدت حسناً وملاحة على نساء الدنيا كلها، أم هو فائل الرأي في الإختيار، مخبول العقل في الإعتبار، ضعيف التبصر، في الإرتياد والتخير. والرادة والرؤدة: الناعمة. واللفاء: الكثيرة اللحم والعبل: الضخم، ومصدره العبالة.
آخر:
أروح ولم أحدث لليلى زيارة ... لبئس إذا راعى المودة والوصل
تراب لأهلي لا ولا نعمة لهم ... لشد إذاً ما قد تعبدني أهلي
كأن من صحبه من أهله استعجلوه عن زيارة ليلى، فيقول منكراً ومفظعاً: أروح من غير أن أقضى حفها، أو أجدد الإلمام بها، لبئس راعي المودة والمواصلة أنا. حذف المذموم ببئس لأن المراد مفهوم، ومثله في القرآن: " نعم العبد إنه أواب "، والمعنى: نعم العبد أيوب، فحذف الممودح بنعم، لكون المراد مفهوماً. وإذاً جواب وجزاء، وكأنه حشا به الكلام ليعلم أن ما يقوله جواب لما سيم. واللام من لبئس لام الابتداء، وارتفع راعى المودة به. وقوله تراب أهلي دعء عليهم، وتحقير لهم، واستخفاف بهم. وجاز الابتداء بقوله تراب وهو نكرة، لأن معنى الدعاء منه مفهوم. ومثله قوله:
فترب لأفواه الوشاة وجندل
стр. 900
والمراد في الدعاء طلب الذل لهم.
وقوله: لا ولا نعمة لهم، يجوز أن يكون المنفي بلا الأولى حذف لما دل عليه الكلام، فكأنه قال: لأهله التراب لا عز لهم ولا نعمة. ويجوز أن يكون لا رداً لما عرضوا عليه. وهذا كما يقال للإنسان. افعل لفلان كذا وكذا، فيقول: لا ولا كرامة، أي لا أفعل ذلك ولا أكرم من يسومنيه. قوله: لشد إذاً ما قد تعبدني أهلي، تعبده واستعبده بمهنى واحد، أي استذله، ولشد ما، هو كما يقال: لعز ما. والمعنى الإنكار فيما عرض عليه ودعي إليه، وأنهم تجاوزوا كل حد في امتهانه حين عرضوا عليه مثل ذلك. وهذا الكلام مشتمل على الخلاف وقلة الاحتفال. ويجوز أن يجري شد ما، مجرى نعم وبئس.
وقال أو دهبل الجمحي
أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذا لصبور
قوله: أأترك، لفظه الاستفهام والمعنى معنى الإنكار، كأنه أنكر من نفسه أن يترك التعريج على ليلى وبينهما مسيرة ليلة، فقال: أأخل بزيارتها وأداء واجبها مع قرب المسافة بيني وبينها؟ إني إذاً لمتناه في الصبر عن الأحباب، كسول عن البر بذوي الأذمة والأسباب. وإنما قال هذا باعثاً لصحبه على مساعدته، وطالباً منهم تمكينه من من مراده. لذلك قال:
هبوني امرأ منكم أضل بعيره ... له ذمةإن الدمام كبير
وللصاحب المتروك أعظم حرمة ... على صاحب من أن يضل بعير
عفا الله عن ليلى الغداة فإنها ... إذا وليت حكماً على تجور
قوله هبوني، معناه احسبوني واجعلوني، وهو يتعدى إلى مفعولين. وحكى ابن الأعرابي: وهبني الله فداءك بمعنى جعلني فداءك. وقوله أضبل بعيره، يقال
стр. 901
في الشيء الزائل عن مكانه إذا فقد: أضللته، فإن ثبت في مكانه ولم يهتد إليه قيل: ضللته. وقوله: إن الذمام كبير، كالتفات، وقوله: أضل بعيره في موضع الصفة لامرأ، وكذلك له ذمة صفة أخرى. ومعنى منكم من خاصتكم وبطانتكم، وهو يفيد معنى الوصف أيضاً، والمعنى: أجروني مجرى رجل منكم ند له بعير، وله ذمام الصحبة والنسب والقرابة، فإن للذمام حقه، وحرمه المرافقة كبيرة، ودعوني أقض من حق ليلى واجبه، ولا تستعجلوني في ذلك ولا تمنعوني عنه، ثنم قال: فإنكم إذا تركتموني ولم توفروني على ماأهم به فيما يختص بي لها، كنتم وتركتم رفيقاً لكم وضيعتموه أشد ما كان حاجة إليكم، والرفيق أعظم حرمة في صاحبه المتروك من ضلال بعير. يريد: وإذا عد ترك الاستبناء بمن أراد نشدان ضالته، تجوزا في المحافظة، وتعديا في حكم المرافقة كان مثل ذلك إذا فعل مع من يروم تجديد العهد بروحه، والاستبقاء على لبه، أعظم في الجناية، وأقبح في الأحدوثة.
وقوله: عفا الله عن ليلى الغدة، تشك وتألم من سوء معاملتها وأنها متى حكمت فيه وفيما يتعلق به جارت ولم تنصف. وهذا الكلام منه إيذان بأنها تستعظم الصغير إذا وقع منه، بل تعده كبيرة وتغلظ العقوبة عليها، والمؤاخذة بها.
وقال آخر:
أآخر شيء أنت في كل هجعة ... وأول شيء أنت عند هبوبي
مزيدك عندي أن أقيك من الردى ... وود كماء المزن غير مشوب
قوله: في كل هجعة، العامل فيه أآخر، وكذلك عند هبوبي العامل فيه أول شيء. يقول: لا أخلو من ذكراك ساعة؛ لأني إن نمت كان خيالكسميري مدة هجوعي، وإن أوقظت كنت لزيم ذكراك مدة يقظتي، فأنت في النوم آخر شيء لي، ولا فاصل بين الحالين. ثم قال: والذي يزيدك من عندي ألا أشهر بك، ولا أبوح بسرك، ولا أعلن النسيب بإسمك، إذ كان في جمعية تنفيرك، وتعريضك للردى: فضيحتك، فأنا أقيك من ذلك، وأنا أصفي لك الود حتى لا يشركك في قلبي أحد، فيصير ثاوي الود مشوباً، وصافي الهوى مكدراً ويجوز أن يكون المراد: مزيدك عندي أن أدعو الله تعالى بالصيانة لك، وتوفير الحياطة عليك من كل ما تكرهينه، أو يؤدي إلى شينك فيما ترومينه.
стр. 902
والذي يشهد لقوله من الردى وأن المراد به الفضيحة قول امرىء القيس:
صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... ولست بمقلي الخلال ولا قال
ألا ترى أنه كان ملكاً لا يخاف معارضاً له فيما يتعاطى من اللهو، ويختاره من الصبا والبطالة مع من كان وفيمن اتفق، فكيف ما يتعداه من طلب الغوائل له، لكنه عند انتشار الحديث فيه، وقيام الناس وقعودهم يذكره هلاكاً وعطباً. وقوله أن أقيك في موضع خبر المبتدأ وهو مزيدك، وانعطف عليه قوله وود كماء المزن.
وقال آخر:
ما أتصف ذلفاء أما دنوها ... فهجر وأما نأيها فيشوق
تباعد ممن واصلت فكأنها ... لآخر ممن لا تود صديق
يقول: جارت هذه المرأة علي في حكم الهوى ولم تنصف، لأني إن طلبت التداني منها هجرتني واطرحتني، وإن رمت التنائي منها شوقتني وهاجتني، وإذا كانت من مواصلها متباعدة، ولموادها مهاجرة، فكأنها تصادق معاديها، وتخالص منابذها من دون مواصلها ومقاربها، وهذ عجب من مثلها. وقوله أما دنوها فهجر، المعنىى في دنوها فتهجر. ألا ترى أنه قال وأما نأيها فيشوق، كأنه: وأما في نأيها فتشوق. إلا أنه جعل فعلها منسوباًإلى دنوها ونأيها.
وقال عبد الرحمن الزهري
ولما نزلنا منزلاً طله الندى ... أنيقاً وبستاناً من النور حاليا
أجد لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا
جواب لما قوله أجد لنا. فيقول: لما خرجنا إلى ظاهر محالنا متنزهين، ونزلنا موضعاً رياضه ركبها الطل بالليل، فتناثر عنها القطر بالغدوات، ونباته شرقت
стр. 903
بالري بعد الشمس، وضاحكت الشمس بعد الشروق؛ وبساتين تحلت بالأزاهير، وتحفت من بركة الله بآثار الصنع، دعتنا نفوسنا إلى أن نتذكر لطيب المكان، ومساعدة الوقت والزمان، ما يكمل به السرور، ونتمنى ما إليه تتناهى في الاقتراح العيون والقلوب، فوجدنا الأماني كلها لا تتعلق إلا بك، ولا تحوم فيما تجال فيه وتراود عنه إلا عليك، ذهاباً فيك وشعفاً بك.
ويقال: طلت الأرض فهي مطلولة. والأنيق: المعجب. ويقال: حلي بكذا، وتحلى بكذا.
وقال معدان بن مضرب
إن كان ما بلغت عني فلامتني ... صديقي وشلت من يدي الأنامل
وكفنت وحدي منذراً في ردائه ... وصادف حوطاً من أعادي قاتل
قد مضى تفسيره في باب الحماسة.
وقال آخر:
صفا ود ليلى ما صفا لم نطع به ... عدواً ولم نسمع به قيل صاحب
فلما تولى ود ليلى لجانب ... وقوم تولينا لقوم وجانب
وكل خليل بعد ليلى يخافني ... على الغدر أو يرضى بود مقارب
سلك في هذا مسلك ذي الرمة حين قال:
فيا مي هل يجزى بكاي بمثله ... مراراً وأنفاسي إليك الزوافر
وقد زيف النقاد هذا وقالوا: ذو الهوى لا يستدعي ممن يهواه المكافأة على ما يتحمله فيه، وقد عاب ابن أبي عتيق على كثير قوله:
ولست براض من خليلي بنائل ... قليل ولا راض له بقليل
وقال: هذا كلام مكاف لا كلام محب. فقوله ود ليلى، يجوز أن يكون الود مضافاً إلى المفعول، والمراد ودنا لليلى، فينتصب موضع قولهما صفا، لكون
стр. 904
ظرفاً، والمعنى: صفا ودنا لليلى مدة بقائه خالصاً مما يشوبه ويفسده من طاعة عدو لها، وإصغاء إلى قيل ناصح يتنصح فيها. ويجوز أن يكون المراد: صفا ودنا لليلى مدة صفاء ودها لنا، فحميناه من قدح الأعداء فيه والإصغاء إلى قيل اللائمين وعتبهم له. ويدل على هذا التفسير قوله من بعد:
فلما تولى ود ليلى لجانب ... وقوم تولينا لقوم وجانب
فإن قيل: كيف زعمت أن المعنى ما صفا ودها لنا، وقد ذكرت أن الود مضاف إلى المفعول؟ قلت: إن المضمر في الثاني هو ود ليلى، والمصدر كما يضاف إلى المفعول يضاف إلى الفاعل أيضاً، واللفظ لفظ واحد. وإذا كان كذلك صلح أن ينوي في قوله ما صفا عود الضمير إلى ود ليلى، ويكون ليلى فاعلة لأن اللفظ ذلك اللفظ، فيكون التقدير: صفا ود ليلى ما صفا ود ليلى. والمعنى: صفا ودنا لليلى ما صفا ودها لنا، أي صافيناها ما دامت تصافينا. ويجوز أن يكون ود ليلى أضاف الود إلى ليلى، وهي الفاعلة، لكنه حذف لمضاف وأقام المضاف إليه مقامه، والمراد: صفا جزاء ود ليلى منا ما صفا هو في نفسه لنا. وقد روى: لم تطع بها عدواً فيعود الضمير إليها، وكذلك ولم نسمع بها. وإذا رويت به يعود الضمير إلى الود. وقوله: فلما تولى ود ليلى، يرد: ود ليلى لنا. والمعنى: لما مالت إلى جنبة غير جنبتي، وقوم غير قومي، نفضت يدي من الاعتماد عليها، وأخليت قلبي من هواها، وصرفت نفسي إلى جنبة أخرى غير جنبتها، وطائفة أخرى غير طائفتها، لأني كما أصل أقطع، وكما أخالط أزايل، ولست ممن يقتل نفسه في إثر من لا يريدني إذا تولى عني. وقوله تولى، يجوز أن يكون من التولي الإعراض والذهاب، ويجوز أن يكون من الولاء والطاعة.
وقوله: وكل خليل بعد ليلى يخافني، يريد أن الناس لما رأوا ولوعي بليلى، وصفاء عقيدتي في الميل إليها والبقاء على العهد معها، ثم رأوا بعده انصرافي عنها في أقرب المدد، ولأدنى السبب، صار كل خليلي فيما بيني وبينه يخافني على الغدر. ويتهمني في الود، فلا يطلب مني التناهي فيما يجمعني وإياه، خوفاً من الإعراض عنه، أو يرضى معي ومن جهتي بود قريب لا سرف فيه ولا اشتطاط.
стр. 905
وقال آخر:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وذكرك لا يسري إلي كما يسري
وهل يدع الواشون إفساد بيننا ... وحفرا لنا العاثور من حيث لا ندري
هذا كلام متبرم بالهوى، مستقيل من الوشاة وإفسادهم، متفاد من تحريشهم وألبهم، متمن أن تنقطع أسباب الهوى، وتنقلع أغراس الود.
وقوله " ليت شعري " موضع شعري نصب لأنه اسم ليت. وقوله " هل أبيتن ليلةً " سد مسد مفعولي شعري، لأن معناه علمي، وبتعدي تعديه، وخبر ليت مضمر لايظهر. والتقدير: ليت علمي واقع، وما يجري مجراه والمعنى: أتمنى أن أعلم هل أبقى أنا ليلةً من ليالي الدهر وخيالك لايسري الساعة، وهل أرى نفسي سليمةً من رمي الوشاة وطلبهم إفساد ما بين وبينك، وحفر المغواة لنا إذا غبنا عنهم من حيث لانشعر ولاندري فنتقيه ونحذره. فإن قيل: كيف جاز أن يكنى عن الخيال بالذكر حتى قال: " وذكراك لايسري إلي "؟ قلت: إن الخيال في المنام لايكون إلا عن التذكر في اليقظة، يشهد لذلك قول أبي تمام الطائي.
نم فما زارك الخيال ولكن ... ك بالفكر زرت طيف الخيال
وهذا ظاهر وعليه مباني وصف الخيال.
والعائور: مصيدة للبهائم، ويجعل اسماً للمتالف، وهو فاعول من العثار والعثور، وكذلك استعير للنقص في الحسب، لأن صاحبه يعثر به عن غاية السابق. وانتصب قوله " العاثور " من المصدر المنون وهو حفراً، وأقوى ما يكون المصدر في العمل إذا كان منوناً، إذ كان شبه الفعل فيه أقوى. وقال بعض أصحاب المعاني: إنما يتمنى أن يملكها على حد يسقط تسوق المفسدين فيه، ويأمن التبعة معه، ويرتفع العشق والهوى من بينهما.
آخر:
إن كان هذا منك حقاً فإنني ... مداوى الذي بيني وبينك بالهجر
ومنصرف عنك انصراف ابن حرة ... طوى وده والطى أبقى من النشر
стр. 906
يقول: إن كان هذا الذي يظهر منك موافقاً لما يبطن، وهذا الإعراض عن جفاء وقلىً لادلال وهوى، فإني سأداوي ما بيني وبينك بالتهاجر، وقاعد عنك قعود حر لايصبر على الجفاء والتدابر، ولايرضي من وديده بالمماذقة دون الصفاء، فأطوي ودي معه وأصونه عن النشر، لأن الطي أوقى فيه، وصيانته عن الإبتذال أوعى له.
وإنما قال: ابن حرة، والقصد إلى الكريم من الرجال، الذي يصون نفسه ونفس صاحبه فلا يوحش مع التهاجر، ولا يفحش على التنكر والتباغض، لكنه يلزم المجاملة والمساترة في كل حال، لأن الأم إذا كانت متملكة تبعها الولد في الرق، فيحصل الرق والهجنة معاً، ومتى كانت حرة لم يتبع الولد أباه في الرق وإن كان عبداً مملوكاً، ولكنه يكون هجيناً غير عربي خالص.
آخر:
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة ... غزال كحيل المقلتين ربيب
فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى ... ولكن من تنأين عنه غريب
كان شعبا الشاعر وصديقته مجتمعين ببطن وجرة زماناً، فوقعت الألفة بينهما ثم افترقوا، فقال متأسفاً في إثرها، ومتلهفاً لما فاته من الاجتماع بينهما: وفي الخلطاء الباكرين من هذا المكان امرأة كأنها غزال مكحل العينين مريب في البيوت، منعم بالاقتناء، ملك قلبي. ثم قال مخاطباً لها: لا تظني أن الغريب من بعد عن سكنه، ونأى عن إلفه ووطنه، ولكن الغريب هو من تبعدين عنه وفي يدك قياده، فعلى البعد تجذبينه، ومن مراده تمنعينه، وقد ضاق عنه مكانه حتى صار فيه كمن نأى عن أهله، وحصل في غير أرضه ومنزله.
وقال آخر:
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... به سكتة حتى يقال مريب
стр. 907
تعلق الباء من قوله " بنفسي " بفعل مضمر، كأنه قال: أفدي بنفسي وعشيرتي إنساناً - ويعني به محبوبه - إذا اجتمع عليه اللوام، وتصرفوا في فنون الغض منه والعتب عليه، فآذوا قلبه وضيقوا صدره، ارتبك في الجواب وحار، ولم يدر لغرارته بماذا يجيب، ولسوء اهتدائه بوجود الحيل كيف يتخلص، فلا عذره عذر من لا جناية له، ولاسكوته سكوت من لااحتفال بهم معه، فهو في إطراقه وخفوته إذا قضيتم نفذت فيه بأنه مريب، مرتكب، ولما رمى به مكتسب، استدلالاً بسكوته على الذنب، وبإمساكه عن إقامة المعاذير على صحة القرف.
وقال آخر:
أرى كل أرض دمنتها، وإن مضت ... لها حجج، يزداد طيباً ترابها
ألم تعلمن يا رب أن رب دعوة ... دعوتك فيها مخلصاً لو أجابها
يقول: أرى كل مكان أقامت فيه هذه المرأة زمناً فأثرت فيه أثراً يزداد على استمرار السنين والأحقاب ترابه طيباً، وإن لم يكن لإقامتها أوان ممتد وزمان متصل، فقوله " يزداد " في موضع المفعول الثاني لأرى. ودمنتها: فعل مبني من الدمنة: أثر الدار وما سود بالرماد وغيره، فكأن معنى دمنتها أثرت فيها بالإقامة. وانتصب " طيبا " على التمييز، وقد نقل الفعل عنه لأن الأصل يزداد طيب ترابها، فجعل الفعل للتراب فأشبه " طيباً " المفعول. وعلى هذا: قررت به عيناً. فإن قيل: هل في هذا دلالة على صحة قول المخالف لسيبويه في جواز تقديم التمييز إذا كان العامل فيه فعلاً، وهل يفصل بين هذا البيت وبين ما استدلوا به من قول الآخر:
وما كان نفساً بالفراق تطيب
قلت: لادلالة في هذا الذي نحن فيه وإن كان البيت الذي أوردته أمكن التعلق به، حتى ذكر أصحاب سيبويه أن الرواية على غيره، وهو:
وما كان نفسي بالفراق تطيب
стр. 908
وذلك أن " طيباً " لم يقدم على العامل وهوالفعل، وإنما قدم على ما صار فاعلا، وإذا كان كذلك لم يصح الاحتجاج به له، لأن الموضع المختلف فيه هو جواز تقدمه على العامل فيه وامتناعه منه لاغير، فأما مادام واقعاً بعد الفعل فلا مستدل به على موضع الخلاف.
وقوله " ألم تعلمن يا رب أن رب دعوة "، أن مخففة من أن الثقيلة، والتقدير: أنه رب دعوة. وفي رب لغات: إحداها التخفيف. وكأنه يتضرع في هذا الكلام إلى خالقه ومن يستغيث به فيما يقاسيه، ويقرر في الدعاء عليه أنه قد ضمن الاستجابة في قوله تعالى: " ادعوني استجب لكم " فقال: إنك تعلم يا رب أني قد أخلصت دعاءك في أوقات كثيرة لطلبتي لو اقترن بالدعاء إجابة وإسعاف، وضمانك الأصح الأوفى، فاستجب. وفيه أيضاً ما يجري مجرى الاستزادة إذا توجه إلى غيره تعالى. وانتصب " مخلصاً " على الحال. وقوله " لو أجابها " يريد به لو أجاب فيها.
وأقسم لو أني أرى نسباً لها ... ذئاب الفلا حبت إلى ذئابها
لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحت ... بوادي القرى ما ضر غيري اغترابها
قوله " أقسم " جملة تنوب عن اليمين، والجواب " حبت إلى ذئابها " متعلقاً بالشرط المذكور، وهو أن تكون مناسبة. وجواب لو هو ما صار جواباً لليمين، وكذا يقع الشرط والجزاء بعدها، تقول: والله لئن جئتني لأكرمنك ويروى: " حبت " بفتح الحاء والأصل حببت، وفعل في المضعف قليل. ويروى " حبت " بضم الحاء، وهو بناء لما لم يسم فاعله. ويقال: حببته فهو محبوب، لغة في أحببته.
وقوله " لعمر أبي ليلى " إقسامه بأبيها تعظيم لها، وتنبيه على محله من قلبه، وأنه إلى من يجمعه وإياها علقة وإن ضعفت، فكيف أبوها والمختص بها. وفي هذا زيادة على ما قاله الآخر، وهو:
ومن بينات الحب أن كان أهلها ... أحب إلى قلبي وعيني من أهلي
واللام من " لئن " موطئة للقسم، وجواب القسم ما ضر، والمعنى: إن عادت هذه المرأة إلى موضعها من وادي القرى لم يضر غير ي البعد منها، والاغتراب عنها. وقوله " اغترابها " يريد اغترابي عنها، ويجوز أن يريد تباعدها
стр. 909
وقال آخر:
لعمرك ما ميعاد عينيك والبكا ... بداراء إلا أن تهب جنوب
أعاشر في داراء من لا أحبه ... وبالرمل مهجور إلى حبيب
إذا هب علوي الرياح وجدتني ... كأني لعلوي الرياح نسيب
يقول: وبقائك ما الموعد بين البكاء وأنت بداراء إلا عند هبوب الجنوب، وإنما قال هذا لأن الجنوب كان مهها من أرض صاحبته، فعلى هذا التأويل يكون " والبكا " في موضع الجر عطفاً على عينيك. ولا يمتنع أن يكون المراد. ما ميعاد عينيك مع البكا بهذا المكان إلا إذا هبت الجنوب؛ فيكون مفعولاً معه. ولإنما قال ذلك لأنها تهدي إليه أريجتها، أو يعتقد أنها رسولها، فتجدد ذكراها، وتطري الوجد بها، فيبكي شوقاً إليها. وقال الخليل: الميعاد لايكون إلا وقتاً أو موضعاً. وإذا كان كذلك فالميعاد مبتدأ وخبره أن تهب، والمراد وقت هبوبها، حتى يكون الآخر هو الأول، إلا أنه حذف المضاف.
وقوله " أعاشر في داراء من لا أوده " شكو من الدهر حين جمع بينه في داراء وبين من لاهوى له معه، وفرق بينه وبين محبوبه فجعله بالرمل.
وقوله " إذا هب علوي الرياح " يريد: إذا هبت الريح من نحو عالية نجد، فكأني يجمعني وإياها نسب، لاهتزازي لها، وارتياحي لهبوبها، فأنا أنتظرها ترقب المسافر وقد دنا موافاته.
آخر:
هل الخب إلا زفرة بعد زفرة ... وحر على الأحشاء ليس له برد
وفيض دموع العين يا مي كلما ... بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو
الاستفهام هنا في معنى النفي، كأنه حاجته صاحبته أو إنسان لائم أو غيرهما، فيما يدعيه من الحب، فقال راداً عليه حين كذبه في دعواه: ما الحب إلا تتابع الزفرات تحسرا، والتهاب توجدفي الحشا لايتعقبه ابتراد، وسيلان دمع من العين لا
стр. 910
يرقئه انقطاع، في كل وقت ظهر في مرأى العين له جبل من أعلام ارضكم لم يكن يبدو من قبل، وجميع ذلك أعتاده من نفسي، ويدركه من يتأمل حالي، وتصدقه المشاهدة مني.
وقال ابن ميادة
كأن فؤادي في يد ضبئت به ... محاذرةً أن يقضب الحبل قاضيه
وأشفق من وشك الفراق وإنني ... أظن لمحمول عليه فراكبه
الضبث: القبض على الشيء؛ ومنه ناقة ضبوث، أي لايشك في سمنها إذا ضبث على سنامها. وانتصب " محاذرة " لأنه مفعول له، وموضع " أن يقضب " نصب من محاذرةً. فيقول: كأن قلبي يعصر بقبض قابض عليه، لخوفي من أن يقطع الوصل قاطعه من البين، ومع ذلك أخاف من وقوعه سريعاً لقوة الأمارات، وتتابع المحذرات المنذرات. وإنما قال " أظن لمحمول عليه، والظن بمعنى اليقين، فهو مثل قوله تعالى: " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ". وقوله " لمحمول عليه " إيذان بأنه ليس يقع عن اتفاق معه أو مشاركة في تدبيره. وأظن مقعوله الأول، والثاني مستدل عليه، لأن المراد ذلك في ظني أو علمي، فهو ملغىً. والقضب: القطع، ومنه سيف مقضب وقضاب. ووشك الفراق: سرعة القطيعة. ويقال أوشك هذا أن يكون، أي أسرع.
فوالله ما أدري أيغلبني الهوى ... إذا جد البين أم أنا غالبه
فإن أستطيع أغلب وإن يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
يقول: شارفت فراق الأحبة بالدلائل اللائحة، وأحلف بالله ما أعلم من حالي إذا وقع، أأجزع أم أصبر.
وقوله " إذا جد جد البين " يجوز أن يكون المراد: إذا ازداد جده جداً، كأنه يظهر من جلية أمره ما يزول اللبس والشبهة معه. ويجوز أن يريد: إذا صار هزله جداً، فسماه بما يؤول إليه، كما يقال: خرجت خوارجه، وريع روعه. والمراد أنه
стр. 911
التبس عليه إذا باغته الفراق حاله معه، فلا يدري أي الأمرين يقع: أيغلبه الهوى فيسلبه التجمل، ويلبسه التهتك، أم يغلب بدوام مسكته وكمال تثبته الهوى فيستمر حال السلامة به. ثم قال كالمتسلي والمنقاد لخاتمة الكائنة: فإن أطقت وكان في مقدوري - إذا اجتهدت - غلب الهوى فهو المراد؛ وإن جرى القدر بخلافه فمثل ما أقاسيه يغلب معانيه، ويجتذبه إلى ما يكرهه، وعذره لائح.
وقال آخر:
فيا أهل ليلى أكثر الله فيكم ... من أمثالها حتى تجودوا بها ليا
فمامس جنبي الأرض إلا ذكرتها ... وإلا وجدت ريحها في ثيابيا
بنى الكلام على أن عشيرتها والمالكين أمرها إنما ضنوا بها لأنها معدومة النظير فيهم، وأقبل يستعطفهم ويدعو لهم بأن يكثر الله أمثالها وأشباهها فيهم، حتى يتركوا المنافسة، وتحتمل قلوبهم الجود له بها. وقوله فما مس جنبي الأرض إلا ذكرتها يريد: ما اضجعت للمنام خالياً بنفسي إلا امتنع النوم فقام ذكرها مقام خيالها، ثم صرت من الشوق والتحفي أتصورها معي، وأجد رائحتها في ثيابي. وهذا المعنى هو مخالف لمعنى الأنس بالخيال.
وقال آخر:
تقول العدى لا بارك الله في العدى ... قد أقصر عن ليلى ورثت وسائله
ولو أصبحت ليلى تدب على العصا ... لكان هوى ليلى حديثاً أوائله
يروى: وارثت وسائله. المراد بالعدى الوشاة المفسدون. وأصل البركة الثبات مقترناً بالنماء ومنه مبرك الإبل، وبراكاء القتال. ويقال: أقصر عن الشيء، إذا كف عنه وهو يقدر عليه؛ وقصر عنه، إذا عجز؛ وقصر، إذا فرط. يقول: ادعى الوشاة أني قد كففت عن ليلى وزال ولوعي بها، وأن وسائلي لديها قد أخلقت وتقطعت، فلا بارك الله فيهم فإنهم ادعوا باطلاً، واختلفوا إفكاً، ومرادهم إفساد قلبها علي، وصرفها عن الإنطواء على الجميل لي وفي. ثم ذكر ما دل به على بقائه على العهد، واستمراره في
стр. 912
عمارة الود، وعلى بطلان قولهم فيما صنفوه، وبهتهم وتمويههم فيما نسبوه إليه ووضعوه، فقال: لو شاخت ليلى حتى يصير مشيها دبيباً وهي متوكئة على عكاز، لكان هواها في قلبي جديداً أوائله، شديداً أركانه وقواعده.
وقال حفص بن عليم
أقول لحلمي لا تزعني عن الصبا ... وللشيب لا تذعر علي الغوانيا
طلبت الهوى الغوري حتى بلغته ... وسيرت في نجديه ما كفانيا
يصف انهماكه في البطالة، وتماديه في الغواية، والتذاذه للصبا واللهو والخسارة فقال: أقول لحلمي: تباطأ عني، ولا تعاجلني فتكفني عما أهواه وقصرت شغلي عليه؛ وللشيب: تراخ ولا تبادر فتروع النساء وتنفر. وهذا الكلام وإن كان ظاهره تلطفاً وسؤالاً فإنه يجري مجرى التمني في استدامة ما كان يشتهيه، ويوزع به.
وقوله طلبت الهوى الغوري يريد: تفننت في الهوى فأنجد بي طوراً، وغار بي طوراً، إلى أن تناهيت، وبلغت أقصى الغايات فوقفت. وموضع ما من قوله ما كفانيا نصب على المصدر من سيرت، يريد: سيرت في نجديه سيراً كفانيا. ومعنى سيرت أكثرت السير وكررته. والغواني من النساء: اللاتي تستغني بجمالها عن التحلي. وقيل: الغانية: التي تستغني بزوجها عن الرجال.
فيارب إن لم تقضها لي فلا تدع ... قذور لهم واقبض قذور كما هيا
وياليت أن الله إن لم ألاقها ... قضى بين كل اثنين ألا تلاقيا
البيت الأول دل به على ضيق صدره بحاله، وشدة ضنه بصاحبته، فدعا ربه أن يقبض قذور إليه إن لم يقدر بينهما مرافأة والتحاماً، ويتوفاها بالموت ليأمن أن يملك أمرها غيره. وهذا يدل على شدة غيرة فيه، ومضايقة للناس كافة في شيء يتمناه ثم يقصر عنه. فأما قوله كما هي فموضعه من الإعراب نصب على الحال، وما من قوله كما، يجوز أن يكون بمعنى الذي ويكون هي خبراً لمبتدأ محذوف، كأنه قال: كالذي هو هي. ويجوز أن يكون ما كافة الكاف عن عمل الجر ويكون هي في موضع المبتدأ والخبر محذوف، والمعنى: أقبضها كما هي عليه.
стр. 913
والبيت الثاني وهو ياليت أن الله إن لم ألاقها، دل به على حسد شديد منه، وقلة رضا بمساعدة القدر في شيء يجرم المشاركة فيه. وقوله ياليت يريد: يا قوم ليت، والمنادى محذوف، والكلام بعده تمن في ألا يحصل الاجتماع بين متحابين إن لم يرزق مثله في صديقه. وقوله ألا تلاقيا أن فيه مخففة من الثقيلة، والمعنى أنه لا نلاقي لنا، فخبر لا محذوف، والجملة في موضع خبر أن، والضمير المقدر ضمير الأمر والشأن، وخبر أن الله قضى وقد حصل في الجملة جواب الشرط، وهو إن لم ألاقها، وخبر ليت.
وقال آخر:
وقفت لليلى بالملا بعد حقبة ... بمنزلة فانهلت العين تدمع
وأتبع ليلى حيث سارت وودعت ... وما الناس إلا آلف ومودع
كأن زماماً في الفؤاد معلقاً ... تقود به حيث استمرت فأتبع
يقول: وقفت من أجل ليلى ومن أجل منازلاً بالملا، بعد زمان ممتد، ودهر متصل، فتجدد لي من الوجد ما هيج لي بكاء، وطرى لي عهوداً فإني أسير هواها، وتبيع البلوى فيها، فقلبي معها حيث ظعنت وأقامت. وقوله ودعت معناه تودعت. ثم قال: وما الناس إلا آلف ومودع يريد: أن الناس من بين آلف لها لكونه مسافراً معها ومرافقاً لها في طريقها، أو منصرف عنها بعد توديعها وتشييعها، وأنا على خلافهم كلهم، لأني ملازمها في كل حال.
وقد كشف عن هذا الغرض بما بينه في قوله:
كأن زماماً في الفؤاد معلقاً ... تقود به حيث استمرت فأتبع
يريد طاعة قبله وانقياده لها. ومثل ودعت ومودع يسمى التجنيس الناقص.
وقال ورد الجعدي
خليلي عوجاً بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لرضكما قصداً
стр. 914
وقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا
يخاطب خليلين له متلطفاً لهما، وسائلاً تعويجها على ديار هند وإن لم تكن مسامته لقصدهما، وأن يبلغاها إذا التقيا معها أنا تعمدنا زيارتك طلياص لقضاء ذمامك، وتجديداً للعهد بك، ولم يكن العدول إليك عن ضلال ملك قيادنا، وصرفنا عن وجه رشادنا، ليقع الاعتداد منها بتحرينا وفعلنا.
وقال:
وما في الخلق أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكياُ في كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي ... وتسخن عينه عند التلاقي
وفي هذه الأبيات حق القسمة، وأقام شرط المقسوم على حده المألوف من التجربة. فيقول: ليس فمن خلقه الله من البشر أو في شقاء، وأعظم بلاء من المحب، وإن استحلى ذواق الحب واستلان جسه، إذ كنت تجده كل وقت متألماً من حاله، ضجراً بعيشه؛ ذلك أنه لا يخلو من إحدى حالتين: إما أن يكون مجتمعاً مع محبوبه فيخاف الافتراق، أو يكون بعيداً منه فيكده الاشتياق، ولا حالة ثالثة للاجتماع والافتراق، وهو سخين العين في كل منهما، قليل التودع فيعقبهما. وقوله وإن وجد الهوى جواب الشرط منه في قوله ما في الخلق أشقى من محب. وقوله شوقاً إليهم انتصب على أنه مفعول له وكذلك قوله خوف الفراق ومخافة فرقة. ألا ترى أنه عطف عليه أو الاشتياق فجعل حرف الجر فيه اللام.
وقال ابن الطثرية
عقيلية أما ملاث إزارها ... فدعص وأما خصرها فبتيل
стр. 915
تقيظ أكناف الحمى وبظلها ... بنعمان من وادي الأراك مقيل
الملاث: الموضع الذي يدار به الشيء. ويقال: لثت على رأسي العمامة لوثاُ. ومنه قوله:
كانوا ملاويث فاحتاج الصديق لهم
أي كانوا الذين يدار بهم، ويطاف عليهم، ويرجى خيرهم. والمراد بالملاث هاهنا العجز. وشبهها بالدعص، وهو الرمل المجتمع، لكثرة اللحم عليها واكتنازه، والبتيل: الهضم الدقيق، وأصل البتل القطع، ومنه قول الله تعالى: " وتبتل إليه تبتيلاً ". وصف المرأة بالنعمة والنعمة، ومطاوعة الخير لها والسعة، فيقول: هي دقيقة الخصر، قليلة العجز، وهي في فصول سنتها تنتقل في المواضع الطيبة المخصبة، لا تكابد ضيقاً ولا تعاني جهداً. وتقيظ بالمكان: أقام قيظه فيه. ونعمان: وادي الأراك. وأصل تقيظ تتقيظ، فحذف إحدى التاءين.
أليس قليلاً نظرة إن نظرتها ... إليك، وكلا، ليس منك قليل
فياخلة النفس التي ليس دونها ... لنا من أخلاء الصفاء خليل
ويا من كتمنا حبه لم يطع به ... عدو ولم يؤمن عليه دخيل
أما من مكان أشتكي غربة النوى ... وخوف العدى فيه إليك سبيل
قوله: أليس، يقرر به في الواجب الثابت، وكذلك ألم وألا؛ وذلك أن حرف الاستفهام يضارع حرف النفي، ونفي النفي إيجاب، فإذا قال القائل: ألم أحسن إليك؟ يجب أن يكون قد أحسن، فتقريره به فيما قد وقع وثبت. وفي القرآن: " ألست بربكم ". فكأنه قال مدلاً بما يقاسيه فيها، ويتحمله من أجلها: أليس قليلاً نظرة منك إذا حصلت لي. ثم استدرك على نفسه راجعاً فيما أطلقه، وناقضاً لما اعتقده، فقال: كلا - وهو حرف ردع ونفي - لا قليل منك.
следующие страницы →