Полный текст (1 295 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
التبس عليه إذا باغته الفراق حاله معه، فلا يدري أي الأمرين يقع: أيغلبه الهوى فيسلبه التجمل، ويلبسه التهتك، أم يغلب بدوام مسكته وكمال تثبته الهوى فيستمر حال السلامة به. ثم قال كالمتسلي والمنقاد لخاتمة الكائنة: فإن أطقت وكان في مقدوري - إذا اجتهدت - غلب الهوى فهو المراد؛ وإن جرى القدر بخلافه فمثل ما أقاسيه يغلب معانيه، ويجتذبه إلى ما يكرهه، وعذره لائح.
وقال آخر:
فيا أهل ليلى أكثر الله فيكم ... من أمثالها حتى تجودوا بها ليا
فمامس جنبي الأرض إلا ذكرتها ... وإلا وجدت ريحها في ثيابيا
بنى الكلام على أن عشيرتها والمالكين أمرها إنما ضنوا بها لأنها معدومة النظير فيهم، وأقبل يستعطفهم ويدعو لهم بأن يكثر الله أمثالها وأشباهها فيهم، حتى يتركوا المنافسة، وتحتمل قلوبهم الجود له بها. وقوله فما مس جنبي الأرض إلا ذكرتها يريد: ما اضجعت للمنام خالياً بنفسي إلا امتنع النوم فقام ذكرها مقام خيالها، ثم صرت من الشوق والتحفي أتصورها معي، وأجد رائحتها في ثيابي. وهذا المعنى هو مخالف لمعنى الأنس بالخيال.
وقال آخر:
تقول العدى لا بارك الله في العدى ... قد أقصر عن ليلى ورثت وسائله
ولو أصبحت ليلى تدب على العصا ... لكان هوى ليلى حديثاً أوائله
يروى: وارثت وسائله. المراد بالعدى الوشاة المفسدون. وأصل البركة الثبات مقترناً بالنماء ومنه مبرك الإبل، وبراكاء القتال. ويقال: أقصر عن الشيء، إذا كف عنه وهو يقدر عليه؛ وقصر عنه، إذا عجز؛ وقصر، إذا فرط. يقول: ادعى الوشاة أني قد كففت عن ليلى وزال ولوعي بها، وأن وسائلي لديها قد أخلقت وتقطعت، فلا بارك الله فيهم فإنهم ادعوا باطلاً، واختلفوا إفكاً، ومرادهم إفساد قلبها علي، وصرفها عن الإنطواء على الجميل لي وفي. ثم ذكر ما دل به على بقائه على العهد، واستمراره في
стр. 912
عمارة الود، وعلى بطلان قولهم فيما صنفوه، وبهتهم وتمويههم فيما نسبوه إليه ووضعوه، فقال: لو شاخت ليلى حتى يصير مشيها دبيباً وهي متوكئة على عكاز، لكان هواها في قلبي جديداً أوائله، شديداً أركانه وقواعده.
وقال حفص بن عليم
أقول لحلمي لا تزعني عن الصبا ... وللشيب لا تذعر علي الغوانيا
طلبت الهوى الغوري حتى بلغته ... وسيرت في نجديه ما كفانيا
يصف انهماكه في البطالة، وتماديه في الغواية، والتذاذه للصبا واللهو والخسارة فقال: أقول لحلمي: تباطأ عني، ولا تعاجلني فتكفني عما أهواه وقصرت شغلي عليه؛ وللشيب: تراخ ولا تبادر فتروع النساء وتنفر. وهذا الكلام وإن كان ظاهره تلطفاً وسؤالاً فإنه يجري مجرى التمني في استدامة ما كان يشتهيه، ويوزع به.
وقوله طلبت الهوى الغوري يريد: تفننت في الهوى فأنجد بي طوراً، وغار بي طوراً، إلى أن تناهيت، وبلغت أقصى الغايات فوقفت. وموضع ما من قوله ما كفانيا نصب على المصدر من سيرت، يريد: سيرت في نجديه سيراً كفانيا. ومعنى سيرت أكثرت السير وكررته. والغواني من النساء: اللاتي تستغني بجمالها عن التحلي. وقيل: الغانية: التي تستغني بزوجها عن الرجال.
فيارب إن لم تقضها لي فلا تدع ... قذور لهم واقبض قذور كما هيا
وياليت أن الله إن لم ألاقها ... قضى بين كل اثنين ألا تلاقيا
البيت الأول دل به على ضيق صدره بحاله، وشدة ضنه بصاحبته، فدعا ربه أن يقبض قذور إليه إن لم يقدر بينهما مرافأة والتحاماً، ويتوفاها بالموت ليأمن أن يملك أمرها غيره. وهذا يدل على شدة غيرة فيه، ومضايقة للناس كافة في شيء يتمناه ثم يقصر عنه. فأما قوله كما هي فموضعه من الإعراب نصب على الحال، وما من قوله كما، يجوز أن يكون بمعنى الذي ويكون هي خبراً لمبتدأ محذوف، كأنه قال: كالذي هو هي. ويجوز أن يكون ما كافة الكاف عن عمل الجر ويكون هي في موضع المبتدأ والخبر محذوف، والمعنى: أقبضها كما هي عليه.
стр. 913
والبيت الثاني وهو ياليت أن الله إن لم ألاقها، دل به على حسد شديد منه، وقلة رضا بمساعدة القدر في شيء يجرم المشاركة فيه. وقوله ياليت يريد: يا قوم ليت، والمنادى محذوف، والكلام بعده تمن في ألا يحصل الاجتماع بين متحابين إن لم يرزق مثله في صديقه. وقوله ألا تلاقيا أن فيه مخففة من الثقيلة، والمعنى أنه لا نلاقي لنا، فخبر لا محذوف، والجملة في موضع خبر أن، والضمير المقدر ضمير الأمر والشأن، وخبر أن الله قضى وقد حصل في الجملة جواب الشرط، وهو إن لم ألاقها، وخبر ليت.
وقال آخر:
وقفت لليلى بالملا بعد حقبة ... بمنزلة فانهلت العين تدمع
وأتبع ليلى حيث سارت وودعت ... وما الناس إلا آلف ومودع
كأن زماماً في الفؤاد معلقاً ... تقود به حيث استمرت فأتبع
يقول: وقفت من أجل ليلى ومن أجل منازلاً بالملا، بعد زمان ممتد، ودهر متصل، فتجدد لي من الوجد ما هيج لي بكاء، وطرى لي عهوداً فإني أسير هواها، وتبيع البلوى فيها، فقلبي معها حيث ظعنت وأقامت. وقوله ودعت معناه تودعت. ثم قال: وما الناس إلا آلف ومودع يريد: أن الناس من بين آلف لها لكونه مسافراً معها ومرافقاً لها في طريقها، أو منصرف عنها بعد توديعها وتشييعها، وأنا على خلافهم كلهم، لأني ملازمها في كل حال.
وقد كشف عن هذا الغرض بما بينه في قوله:
كأن زماماً في الفؤاد معلقاً ... تقود به حيث استمرت فأتبع
يريد طاعة قبله وانقياده لها. ومثل ودعت ومودع يسمى التجنيس الناقص.
وقال ورد الجعدي
خليلي عوجاً بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لرضكما قصداً
стр. 914
وقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا
يخاطب خليلين له متلطفاً لهما، وسائلاً تعويجها على ديار هند وإن لم تكن مسامته لقصدهما، وأن يبلغاها إذا التقيا معها أنا تعمدنا زيارتك طلياص لقضاء ذمامك، وتجديداً للعهد بك، ولم يكن العدول إليك عن ضلال ملك قيادنا، وصرفنا عن وجه رشادنا، ليقع الاعتداد منها بتحرينا وفعلنا.
وقال:
وما في الخلق أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكياُ في كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي ... وتسخن عينه عند التلاقي
وفي هذه الأبيات حق القسمة، وأقام شرط المقسوم على حده المألوف من التجربة. فيقول: ليس فمن خلقه الله من البشر أو في شقاء، وأعظم بلاء من المحب، وإن استحلى ذواق الحب واستلان جسه، إذ كنت تجده كل وقت متألماً من حاله، ضجراً بعيشه؛ ذلك أنه لا يخلو من إحدى حالتين: إما أن يكون مجتمعاً مع محبوبه فيخاف الافتراق، أو يكون بعيداً منه فيكده الاشتياق، ولا حالة ثالثة للاجتماع والافتراق، وهو سخين العين في كل منهما، قليل التودع فيعقبهما. وقوله وإن وجد الهوى جواب الشرط منه في قوله ما في الخلق أشقى من محب. وقوله شوقاً إليهم انتصب على أنه مفعول له وكذلك قوله خوف الفراق ومخافة فرقة. ألا ترى أنه عطف عليه أو الاشتياق فجعل حرف الجر فيه اللام.
وقال ابن الطثرية
عقيلية أما ملاث إزارها ... فدعص وأما خصرها فبتيل
стр. 915
تقيظ أكناف الحمى وبظلها ... بنعمان من وادي الأراك مقيل
الملاث: الموضع الذي يدار به الشيء. ويقال: لثت على رأسي العمامة لوثاُ. ومنه قوله:
كانوا ملاويث فاحتاج الصديق لهم
أي كانوا الذين يدار بهم، ويطاف عليهم، ويرجى خيرهم. والمراد بالملاث هاهنا العجز. وشبهها بالدعص، وهو الرمل المجتمع، لكثرة اللحم عليها واكتنازه، والبتيل: الهضم الدقيق، وأصل البتل القطع، ومنه قول الله تعالى: " وتبتل إليه تبتيلاً ". وصف المرأة بالنعمة والنعمة، ومطاوعة الخير لها والسعة، فيقول: هي دقيقة الخصر، قليلة العجز، وهي في فصول سنتها تنتقل في المواضع الطيبة المخصبة، لا تكابد ضيقاً ولا تعاني جهداً. وتقيظ بالمكان: أقام قيظه فيه. ونعمان: وادي الأراك. وأصل تقيظ تتقيظ، فحذف إحدى التاءين.
أليس قليلاً نظرة إن نظرتها ... إليك، وكلا، ليس منك قليل
فياخلة النفس التي ليس دونها ... لنا من أخلاء الصفاء خليل
ويا من كتمنا حبه لم يطع به ... عدو ولم يؤمن عليه دخيل
أما من مكان أشتكي غربة النوى ... وخوف العدى فيه إليك سبيل
قوله: أليس، يقرر به في الواجب الثابت، وكذلك ألم وألا؛ وذلك أن حرف الاستفهام يضارع حرف النفي، ونفي النفي إيجاب، فإذا قال القائل: ألم أحسن إليك؟ يجب أن يكون قد أحسن، فتقريره به فيما قد وقع وثبت. وفي القرآن: " ألست بربكم ". فكأنه قال مدلاً بما يقاسيه فيها، ويتحمله من أجلها: أليس قليلاً نظرة منك إذا حصلت لي. ثم استدرك على نفسه راجعاً فيما أطلقه، وناقضاً لما اعتقده، فقال: كلا - وهو حرف ردع ونفي - لا قليل منك.
стр. 916
ومثلى هذا قول الآخر:
هل إلى نظرة إليك سبيل ... فيروى الظما ويشفي الغليل
إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير ممن يحب القليل
فقوله: القليل مبتدأ، وكثير ممن يحب خبره.
وقوله فياخلة النفس في هذا الكلام اعتداد في المناداة بما يتوخاه معها، فيقول: يا صديقة النفس التي تفردت بملكها واجتذبها من أيدي خطابها ففازت بها، فليس لنا خليل ممن يصافى المودة من دونها، ويامن سترنا حبه عن الناس كافة، صيانة له عن الانتشار والابتذال، فلم نطع فيه في حماه واشياً فيفسد ذات بيننا ولا مضرباً، ولم نأمن عليه دخيله يزاحمه في حماه فيصير موضعه مشتركاً، أما عندك مقام لي فيه إليك سبيل أشتكي غربة النوى، وخوف العدى. فالمنادى له قوله: أما من مقام أشتكي.
فديتك أعدائي كثير وشقتي ... بعيد وأشياعي لديك قليل
وكنت إذا ما جئت بعلة ... فأفنيت علاتي فكيف أقول
فما كل يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كل يوم إليك رسول
الشقة: بعد مسير أرض إلى أرض بعيدة، وإنما لم يقل بعيدة، لأن فعيلاً كثيراً ما يقع للمؤنث والمذكر على حالة واحدة، حملاً على النسب أو على فعول. يقول: تفديك نفسي، في أعدائي بحضرتك وفي الطريق إليك كثرة، وفي المسير بيني وبينك بعد ومشقة، وفي النصار لي بحضرتك قلة، وكنت متى جئتك من قبل، ولم تبلغ الحال منا هذا المبلغ، أقيم معذرة وأنصب لفعلي علة. وقد كثر ذلك مني حتى فنيت المعاذير والعلل، فلا أدري ماذا أقول، ومن أين أتوصل، بأي شيء أتبلغ، وعلى ماذا أعول، ومع ذلك فالحاجات بأرضك لا تكاد تعرض كل يوم فتذكر، والرسل لا توجد فتتقاطر، فإذا تومل حالي فإنى حبيس على المكاره، أسير في أيدي النوائب، ضيق المجال والشأو في الزيادة، موفور الحظ من الأسباب الصادة، عظيم
стр. 917
المحنة فيما اجتمع على من أنواع البلاء، وموانع القضاء. وقوله فكيف أقول، يريد: كيف أقول ما أقوله، فحذف المفعول، ويجوز أن يكون المراد بأقول اتكلم، فيستغني عن المفعول، كقول الآخر:
بحاجة نفس لم تقل في جوابها ... فتبلغ عذرا والمقالة تعذر
أي لم تتكلم في جوابها.
وقال آخر:
أبعد الذي قد لج تتخذينني ... عدواً وقد جرعتني السم منقعا
وشفعت من يبغي علي ولم أكن ... لأرجح من يبغي عليك مشفعا
ألف الاستفهام تطلب الفعل، وإن كان المراد به هنا القريع والمعنى: أتتخذينني عدواً بعد ما لج من الحب فيك والهوى، وغلب من عصيان القلب والسى، وبعد أن سقيتني جرع السم المنقع، وأذقتني مرارة المنع الجامد، فوجدتني صابراً على الأذى، منصباً إليك بنوازع الصبا، لا يخلى ورده وإن حلى، ولا يكدر صفاء وده وإن دوفع. والمنقع: المثبت، يقال: أنقع له الشر حتى يسأم. وقوله وشفعت من يبغي علي أي رددت الباغي على مشفعا بما جاء له في معناي وطليه، وبقيت أنا لا أقبل نصح النصاح، ولا أصدق قول الوشاة، ولا أوحى الشفيع عني منجحا، ولا أصرف الباغي عليك مظفراً.
فقالت وما همت برجع جوابنا ... بل أنت أبيت الدهر إلا تضرعا
فقلت لها ما كنت اول ذي هوى ... تحمل حملاً فادحاً فتوجعا
يقول: أجابتني بعد أن كانت في صورة من لا يعبأ بما يبدأ به فلا يجيب، ولا يرق لمن يشكو إليه فيستجيب: بل أنت تأبى إلا ضراعة وتوجعاً، وانخزالا وتألماً. هذا عادتك والمألوف من طرائفك، فإلى متى هذه الشكوى، وأنى يكون مني في مقابلة عتبك العتبي؟ فقلت في جوابها: ما أنا ببدع في الهوى، ولست بأول من حمل مالا يطيقه، أوثقل عليه ماكلفه فتشكى. والفادح: المثقل. يقال: دين فادح، وقد
стр. 918
فدحه الدين. والتضرع: التصاغر والتذلل. يقال: رجل ضرع وضارع وقوم صرع. ويقال: خده ضارع، وجنبه ضارع.
وقال آخر:
أبى القلب إلا أم عمرو وحبها ... عجوزاً ومن يحبب عجوزاً يفند
كسحق اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ما شئت في العين واليد
انتصب عجوزاً على الحال. والتنفيد: التوبيخ. والسحق: الخلق من الثياب الذي قد انسحق وانجرد، وأضافة إلى اليماني إضافة البعض إلى الكل. هذا إذا جعلت اليمامي البرد. ولك أن تجعله التاجر صاحب البرد، فيكون الإضافة إليه. والمعنى: أبي قلبي إلا هذه المرأة وحبه لها في حال تعجيزها، ومن صرف وده إلى العجائز وبخ، لكنها في النساء كخلق البرد اليماني في الثياب، وقد قدم عهده، أي معهوده، وإذا مسته أو نظرت إليه وجدت رقعته زائدة على كل رقعة دقة ومتانة، ومنظره راجحاً على كل منظر حسناً وجودة، وكذلك منظر أم عمرو ومختبرها. وقوله وحبها أضاف المصدر إلى المفعول. وقوله ما شئت يريد ما شئته، فحذف المفعول من الصلة تخفيفاً. وقوله في العين يريد في النظر. وفي اليد يريد عند اللمس.
وقال آخر:
هجرتك أياماً بذي الغمر إنني ... على هجر أيام بذي الغمر نادم
وإنى وذاك الهجر لو تعلمينه ... كعازبة عن طفلها وهي رائم
الكلام اعتذار من إخلاله بزيارتها، وهجرانه لها لعارض عرض بذي الغمر، ثم أظهر تندمه على ذلك، وأنه مدة هجره في وجده بها وشفقته عليها وتشوقه لها، كأم
стр. 919
حيل بينها وبين طفل لها، وهي بعيدة عنه بنفسها، ورئمانها - أي عطفها - متوفر عليه. قال: وكذلك كنت في انقطاعي بالنفس، وتوفري بالقلب. شبه نفسه بالعازبة، والمهجورة بالطفل.
فإن قيل: إنمت قال: وإني وذاك الهجر، فيقتضى كلامه أن يكون التشبيه متناولاً له ولهجره؟ قلت: يجوز أن يريد إنى مع ذاك الهجر، وهذا كما يقال: إن الرجال وأعضادها، أي مقرونان؛ وإن النساء وأعجازها، أي مقرونان، لأن المراد مع أعضادها ومع أعجازها.
ويجوز أن يكون أراد بالهجر المهجور، لأن المصدر يوسف به؛ ويجوز أن يكون ذكر الهجر لما كان من سببها، والمراد تلك. وقوله لو تعلمينه الضمير منه يعود إلى الهجر، والمراد ما ذكرته. والعازبة: البعيدة. ويقال: عزب عنه عقله. والعازب أيضاً، الكلأ البعيد المطلب.
وقال آخر:
ما أحدث النأي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول اجتماع تقاليا
خليلي إلا تبكيا لي أستعن ... خليلاً إذا أفنيت دمعي بكي ليا
كأن لم يكن بين إذا كان بعده ... تلاق ولكن لا إخال تلاقيا
قوله ما أحدث النأي يصف أن الوجد الذي به قد صار غراماً، فلا البعد منها يحدث سلوا عنها، والاجتماع معها يوجب ملالاً منها، لكنه في الحالتين. جميعاً على حد واحد من تباريح الهوى. ثم أقبل على صاحبين له يخالفهما فطلب منهما إسعاده في البكاء، وأنهما متى لم يسعفا له بمطلوبه استعان بغيرهما، حتى إذا نزف دمعه بكى له نائباً عنه.
وقوله كأن لم يكن بين شبه البين إذا تعقبه المواصلة أو الاجتماع بما لم يكن، لكنه زعم أنه يائس لا يظن تسهل التلاقي بينه وبين محبوبه واقعاً. وقوله ولا طول اجتماع ارتفع بفعل مضمر، كأنه قال: أحدث طول اجتماع.
وقوله خليلي غلا تبكيا لي، تألم وتشك من زمانه، حين لم يكن له من يساعده في شدة أو رخاء، وبتحمل عنه ثقلاً في مسرة أو مضرة.
стр. 920
وقوله كأن لم يكن كان هذه هي التامة، والمراد: كأن لم يقع بين. وكأن مخففة من الثقيلة، وقع على محذوف، كأنه قال: كأن الأمر والشأن لم يكن بين إذا حصل بعده التقاء. وقوله لا إخال تلاقيا، المفعول الثاني محذوف كأنه قال: لا أحسب تلاقيا بعده. وساغ ذلك لتقدم ذكره، فهو في حكم الملفوظ به.
وقال جميل
وقد حارب الفخذ الين منهم بثينة:
تفرق أهلانا بثين فمنهم ... فريق أقام واستقل فريق
فلو كنت خواراً لقد باخ ميسمى ... ولكنني صلب القناة عتيق
كأن لم نحارب يا بثين لو انها ... تكشف غماها وأنت صديق
قوله أهلانا أراد شعبيهما. وقال الخليل: أهل الرجل: أخص الناس به. وأهل البيت: سكانه. وأهل الإسلام: من يدين به. وبثين: نداءمفرد مرخم. وقوله فمنهم فريق أقام، تفصيل لما أجمله في تفرق. وإنما افترقوا حتى ارتحل قوم وأقام قوم للخلاف الواقع كان بينهما.
وقوله فلو كنت خواراً، تنبيه على كراهته لما حدث، وإظهار أن ميله مع أهل بثينة، فقال: لو كنت ضعيف المسكة منحل العقدة، لكان ميسمي وقد بخ، أي زالت حرارته، وسكنت حميته، بما أقاسيه وأشاهده حالاً بعد حال، من عوارض الدهر ونوائب الزمان، ولكنني عتيق النبع، صليب القناة. وهذا مثل ضربه لإبائه، وبقائه على طريقة واحدة في العهد والوفاء. ثم اعتذر بعد ذلك فقال: كأن لم نحارب يا بثين، يريد أن جميع ما يجرى عليه يخف ويهون إذا بقيت له على ما فارقها عليه، وتعاقدا له، حتى كأنه لم يقع تجاذب بين الحيين، ولا تحارب بين الأهلين، إذا انكشفت الغيابة الحاصلة، وارتفعت العناية الراكدة، وتلك باقية على المصافاة. ويقال: باخت النار بوخا وبؤوخاً، إذا خمدت. والغمى، هي الخصلة المظلمة. ولك أن تروى تكشف بالرفع، يريد تتكشف، فحذفت إحدى التاءين استثقالاُ لاجتماعهما. وإنما عدل عن الإدغام إلى الحذف؛ لأنه كان يحتاج عند الإدغام لسكون أول الحرفيين، إلى جانب ألف الوصل، وألف الوصل لا تدخل على الفعل المضارع. ولك أن تروى تكشف على أن يكون التاء للماضي. وجواب لو في قوله كأن لم نحارب، والواو من وانت واو الحال. وذكر صديق لأن المراد ذات
стр. 921
صداقة، ولو قال صديقه لجاز. قال:
إذ الناس ناس والزمان بغرة ... وإذ أم عمار صديق مساعف
وقال آخر:
شيب أيام الفراق مفارقي ... وأنشزن نفسي فوق حيث تكون
يقول: أثرت أيام الفراق في فأبدلني بالشاب مشيباً، وبالجدة والقوة خلوقة ووهناً شديداً، وأزعجت نفسي من مقرها فارتفعت من مركزها إلى ما فوقها، فالشيب وإن جاء قبل حينه يؤذنني باقتراب المهل، ونشوز النفس يبشرني بدنو الأجل. هذا إلى ما اعانيه من حوادث الفراق، ولواذع الاشتياق. وقوله فوق حيث تكون جعل حيث اسماً وأضاف فوق إليه. وحيث في الأمكنة بمنزلة حين في الأزمنة. ولذلك احتاج إلى جمليتن. وتكون: مستقبل كان التامة، ومعناه يقع ويحصل. ويقال للرجل إذا تزحف عن مجلسه فارتفع فويق ذلك: نشز نشوزاً، وأنشزته إنشازا. وقوله أيام الفراق مفارقي، يسمى التجنيس الناقص. وفرق الرأس ومفرق واحد.
وقد لان أيام اللوى ثم لم يكد ... من العيش شيء بعدهن يلين
يقولون ما أبلاك والمال غامر ... عليك وضاحي الجلد منك كنين
فقلت لهم لا تعذلوني وانتظروا ... إلى النازع المقصور كيف يكون
حمد أيامه باللوى إذ كان فيه اجتماع مع الأحبة، ومساعفة من المقدار والأقضية. ثم تعقب بزعمه ما صعب منها وخشن، لما حدث من البعاد فيه فاستنكر، فلم يستوفق بعدها شيئاً من الأوقات، ولا ارتضى حالاً من الأحوال، لتعسر العيش، ونكد الفراق.
وقوله: يقولن ما أبلاك والمال غامر، يريد أن الناس متعجبون من شأني وأمري، مستنكرون ما يشاهدون من حؤولي وضمري، فيرجعون بالسؤال علي، ويقولون: ما الذي بلاك، وهزلك وأنضاك، وفي مالك وفور، والضاحي من جلدك بالكسوة مستور، فلا تبذل للحرور اعتراك، ولا إضافة في المعاش تغشاك. قال:
стр. 922
فأجبتهم بأن اصرفوا عني العقب والملام، واعتبروا حالي بالنظر إلى البعير الحان إلى وطن، مع أنه أغلظ ما خلقه كبداً، وأثبت على الشدائد نفساً وجلداً، كيف يضج، ولو خلى كيف يهيم على وجهه ويند. واعلموا أن ما يبلغ به من العجة والغباوة، حقيق بأن يكمد مثلي ما توحدت به من التمييز والتحصيل، والفرق بين أحناء الأمور وأبحاثها. وقد أخذ أبو تمام هذا المعنى فنقله إلى الدار وقد خلت من السكان فقال:
إن شئت الا ترى صبراً لمصطبر ... فانظر على أي حال أصبح الطلل
وقال أبو دهبل الجمحي
أقول والركب قد مالت عمائمهم ... وقد سقى القوم كأس النعسة السهر
يا ليت أنى بأثوابي وراحلتي ... عبد لأهلك هذا الشهر مؤتجر
أول البيت الثاني، وهو ياليت أنى بأثوابي، في موضع المفعول لأقول. والواو من قوله والركب، واو الابتداء، وهو للحال. وقوله وقد مالت عمائمهم، يريد لغلبة النوم عليهم، ومجاهدة السير والسرى فيهم، ومزاولتهم السهر، حتى كأنهم سقاهم كؤوس النعاس فسكروا، والمعنى أن أقول، على معاناة هذه الأحوال: بودي أنى مستعبد لأهلك طول الشهر الذي نحن فيه، مؤنجر بكسوتي وزادي وراحلتي، لا أكلفهم مؤونة، ولا أحملهم مرزئة، كل ذلك رغبة في التقرب إليك، والاستسعاد بخدمة أهلك، والفوز بالتعريج على محلك ومرتحلك. وقوله يا ليت، المنادى محذوف، كأنه قال: يا قوم يا ليت أنى.
إن كان ذا قدراً يعطيك نافلة ... منا ويحرمنا، ما أنصف القدر
جنية أو لها جن يعلمها ... رمى القلوب بسهم ما له وتر
جواب الشرط في قوله ما أنصف القدر، على إرادة الفاء. وقوله يعطيك نافلة، في موضع الصفة لقدراً. وأشار بهذا إلى ما بينه وبين محبوبه. والمعنى: إن
стр. 923
كان ما يرى بيننا ويشاهد قدراً قدره الله تعالى، يعطيك منا ما تستغنيه وتستفضلينه، ثم يمنعنا مثل ذلك منك فلا يوجبه لنا، فما أعطانا النصفة في القضية، ولا سار بالسيرة المحمودة في الحكومة.
وقوله جنية، يريد أن فعلها مباين لفعل الإنس، وكذلك شكلها وحسنها، فإما أن تكون من الجن، أو لها من الجن من يعلمها فتتان العقول، واختبال الأفئدة في الصدور. وقوله بسهم ماله وتر، يريد سهماً لا ينزيه الوتر على القسي، بل تهيئه مقل العيون، ونواظر الفتون، إصابة حبات القلوب، وانتظام غرات النفوس.
وقال توبة بن المضرس
يقول أناس لا يضيرك نأيها ... بلى كل ما شفت النفوس يضيرها
اليس بضير العين أن ترد البكا ... ويمنع منها نومها وسرورها
يقال: ضاره يضيره، في معنى ضره يضره. وشف النفوس، أي آذاها وأذابها. والمعنى: أن الناس يطيبون قلبي ويرومون بمحاجتهم لي تسليتي، ويقولون إن بعدها لا يورثك خبالاً، ولا يكسبك ضرراً ووبالاً، بل يعقبك سلوة، ويبدلك من التأنس بالاجتماع معها نفرة، فأثبت ما نفوه، وأبطلت ما ألقوه، وقلت: بلى كل ما يذيب النفس ويهزلها، ويسلبها القرار ويقلقها، فهو عائد بأكمل الضرر عليها، ثم رددتهم إلى الشاهد مستدلاً بها، فقلت: أليس العين إذا أديم البكاء بها، ومنسع النوم وما يلتذ به من مسارح اللهو والسرور منها، يضرها ذلك؟ كذلك النفس إذا جمع عليها مالا تهواه، وفرق بينها وبين ما تلتذه وترضاه.
وقال ابن أبي دباكل الخزاعي
يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقي فيه قصير
стр. 924
وقالوا لا يضيرك نأى شهر ... فقلت لصاحبي فمتى يضير
يقول: إن السنة الكاملة إذا اتصل الالتقاء بيننا فيها، أستقصرها وأحرص على الاستزادة منها، التذاذاً بها وبعدا من الملال لها، وإن اليوم الواحد إذا حيل بيني وبينك فيه استطيله تقالياً له، وتفادياً منه، وكراهية لامتداده والناس يقولون لي: إن الشهر لا يجلب عليك ضرراً، فقلت لصاحبي: فمتى يضير إذاً؟ استبعاداً للأجل المضروب. ويروى: لصاحبي فمن يضير، والمعنى: إذا لم يضرني الفطم عما لم أرتو منه فمن فمن المضرور إذاً.
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتام الفطور
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور
يصف استحكام أمر الهوى وشدة تسلطه على قلبه وتمكنه من عقله، فيقول: شققت قلبي، وجعلت هواك ذروراً فيه، فرسخ في جوانبه بعد أن دب في مسامه وموالجه، ثم جمعت فتوقه حتى التأمت شقوقه، فتوصل الهوىمنه إلى حيث أعجز كل سرور وحزن. والمعنى أن الهوى ملك مجامع قلبي فأحمي منه ما كان محرماً على غيره. وقوله ليم أصله الهمز فأبدل من همزته ياء وانكسر اللام لها. والتغلغل: التوصل على مقاساة تعب وشدة. ولا يقال لمن توصل والمذهب سهل: تغلغل. ويقال: ذر الشيء، إذا فرقه؛ وذر الحب في الأرض. وقوله التام الفطور، أراد الفطور منه، فحذف تخفبفاً، لأن المراد معلوم. والفطر: الشق، ومنه تفطر الورق.
стр. 925
وقال ابن ميادة
وما أنس ملى أشياء لا أنس قولها ... وأدمعها يذرين حشوالمكاحل
تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الشهور الأطاول
انجزم أنس بما، وما موضعه نصب على المفعول من أنس. والمعنى: إن أنس شيئاً من الأشياء لا أنس قولها. فلا أنس أنجزم على انه جواب الشرط وقوله مل أشياء أصله من الأشياء، وجعل الحذف بدلاً من الإدغام لما تعذر إتيانه في المتقاربين، وقد مر مثله مستقصي. وقوله يذرين يريد يسقطن حشو المكاحل. أراد كحلاء، فكان الدمع حين ذرف صحبه الكحل.
وقوله تمتع بذا اليوم القصير، موضعه من الإعراب نصب على أنه مفعول من قولها، أي لا أنسى قولها، وقد شافهنا الفراق من يوم التوديع والتشييع وهي تبكي: تمتع بيومك القصير لكون يوم اجتماع، فإنه مرتهنمن الشهور الطويلة، لكونها أيام التباين؛ أي مثل هذا اليوم لا يفك من الارتهان، ولا يحصل بعد تلك الأيام المستطالة.
وقال محمد بن بشير
بيضاء آنسة الحديث كأنها ... قمر توسط جنح ليل مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسد ... إن الحسان مظنة للحسد
وترى مدامعها ترقرق مقلة ... سوداء ترغب عن سواد الإئمد
وصف المرأة بإشراق اللون. ومعنى آنسة ذات أنس، لأن الحديث يؤنس ولا يأنس، كقولهم: هم ناصب، والمراد منصب. ثم شبهها بقمر توسط السماء فيما جنح من ليل كان فيه غيم وبرد. والقمر إذا خرج من حلك الغمام في ليلة مطيرة كان أضوأ وأحسن. ويجوز أن يكون قوله ليل مبرد، يراد به ليل ذو برد أو برد، ويكون من باب أشملنا، أي دخلنا في الشمال، وأشتينا، أي دخلنا في الشتاء. ويقال: بردت
стр. 926
الأرض، إذا مطرت البرد، فهي مبرودة. وأبردنا، أي دخلنا في البرد أو البرد، وكذلك قزله شملنا: أصابتنا ريح الشمال، وأشملنا: دخلنا في الشمال. وقال الخليل: يقال أبرد القوم، إذا صاروا في وقت القر في آخر النهار. والأبردان: طرفا النهار. وقال الشاعر:
إذا الأرطي توسد أبرديه ... خدود جوازي بالرمل عين
يصف بقرة وحشية بأنها تتوسد غصون الأرطي التي تلي الغرب بالغداة، فإذا دارت الشمس دارت معها إلى ناحية الشرق، فتوسدت الغصون التي مالت الشمس عنها. وقوله موسومة بالحسن، يريد أنه جعل سيماها الحسن، فهي ممسوحة به موسومة. وأصل السمة العلامة، ومنه السيما. ومعنى ذات حواسد، أي من يراها من الناس يحسدها، لأن الحسان معلم للحسد. وهكذا كما يقال: إن الحسد يتبع النعم.
وقوله وترى مدامعها ترقرق مقلة، فالمدامع مسابل الدمع من القبائل في الرأس. ومعنى ترقرق مقلة، أي ترقرق الدمع في مقلة. والرقراق: الدمع الذي يترقرق في العين ولا يسيل. قال:
أو الدر رقراقة المنحدر
والمعنى أنها كحلاء، وأن الدمع يتجمع في مقلة لها مستغنية عن سواد الكحل، لكحلها.
وقال آخر:
صفراء من بقر الجواء كأنما ... ترك الحياء بها رداع سقيم
من محذيات أخي الهوى جرع الأسى ... بدلال غانية ومقلة ريم
وقصيرة الأيام ود جليسها ... لو دام مجلسها بفقد حميم
стр. 927
وصفها بأنها درية اللون، وأن فيها مشابه من بقر الجواء، وأنها حيية قليلة الحركات لنعمتها، قليلة الكلام لفرط حيائها، فكأن بها نكس سقم لما الفته من الكسل. وقال الخليل: الردع والرداع: النكس؛ ورجل مردوع. وقيل الرداع: الوجع في الجسد. فأما قول الأعشى:
بيضاء ضحوتها وصفرا ... والعشية كالعراره
فجعل لها لونين: بياضاً في أول النهار، وصفرة في آخره حتى لونها لون العرار. وإنما يريد أنها تقيل فيمتد النوم بها إلى آخر النهار، والقائم من نومه أبداً يكون متغير اللون. ومثل قوله ترك الحياء بها رداع سقيم، قول الآخر:
كأن لها في الأرض نسياُ تقصه ... على أمها وإن تكلمك تبلت
وقوله من محذيات أخي الهوى، يريد أنها من النساء اللاتي تسقى الشبان وهي الحذيا والحذوة. والأسى: الحزن.
وقوله بدلال غانية تعلق الباء منه بمحذيات. والغانية: التي تستغني بجمالها عن الحلي. والريم: الظبي الخالص البياض. والمعنى: أنها تفتنه بعينها وكلامها وغنجها.
وقوله " وقصيرة الأيام " يريد أنها لاتمل، فالأيام في ملازمتها قصيرة، حتى أن مجالسها يود أن يدوم مجلسها له وإن فقد أقاربه. والقصد إلى أنها طيبة الحديث، مؤنسة المجلس، مصرفة الملازم في أصناف الملاذ حتى ينسى كل شيء غيرها، ويبشم جميع المناظر سواها.
وقوله " بفقد حميم " الباء فيه يفيد معنى العوض، فهو كما يقال: هذا لك بكذا، أي عوضاً منه.
وقال آخر:
ونار كسحر العود يرفع ضوءها ... مع الليل هبات الرياح الصوارد
стр. 928
أصد بأيدي العيس عن قصد أهلها ... وقلبي إليها بالمودة قاصد
شبه النار في حمرتها وتصاعدها بسحر العود. والسحر: الرئة وما تعلق بالحلقوم. ويقال لمن نزت به البطنة: انتفخ سحره؛ كما يقال: عدا طوره. وأكثر ما يقال ذلك لمن جبن عن شيء. والعود: الجمل المسن؛ وقد عود، أي نيب، والجميع العودة، وفي لغة: العيدة. ويستعمل العود في السؤدد القديم، والطريق العادي.
وقوله " يرفع ضوءها " يريد أن هبات الرياح الباردة تهيجها، فكأنها ترفع من ضوئها في ظلام الليل ومعه. والصوارد: البوارد، وهي من صفة الهبات.
وقوله " أصد بأيدي العيس " جواب رب.
ويشبه البيت الثاني قول الآخر:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل
ومثل البيت الأول قوله:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال
وهذا منهم على التشوق والتحفي. ألا إنهم كانوا يتعللون بما كان من نحو أرض الحبيب.
وقال الحسين بن مطير
وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليلي ما بالعيش عتب لو أننا ... وجدنا لأيام الحمى من يعيدها
يقول: كنت أصبر النفس فيما ركبها وثقل عليها من الوجد، وأحبس العين مما ترومه من البكاء، فقد عيل الصبر، وتسلط الحزن، وغلب البكاء، فقد وردت عيني المورد الذي كنت أحلها منه، وأدفعها عنه.
стр. 929
وقوله " خليلي ما بالعيش عتب " رواه بعضهم: " ما بالعيش عيب "، وذكر العتب أحسن هاهنا. والمراد أنه لامعتبة على العيش، لأن صفاءه بأن تتصل له أيام كأيام الحمى، فلو وجدنا من يعيد أمثالها فساعد فيها قرب المزار، وإمكان الوصال، لطاب وصفا كما كان من قبل فلا ذنب للعيش، إنما الذنب لما يكدره ويشحنه بالمكاره.
وقال آخر:
ولي نظرة بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلي قد أصيب وليدها
هل الله عاف عن ذنوب تسلفت ... أو الله إن لم يعف عنها معيدها
يقول: قذيت عيني بما حصل من صدود الحبيب، فلي نظرة بعده لجوي القلب والجوف، كنظرة أم أصيبت بوليدها فثكلته. ثم قال متمنياً: هل يعفو الله عما سلف لنا من ذنوب، أو يعيد لنا تسهيل أمثالها والتمكين من اقتراف مشابهها إن ضاق عفوه عنها. وهذا كلام من حرج صدره بمستقبل أمره، وامتلأ قلبه من التأسف في إثر مستدبره.
وقال سوار بن المضرب
يأيها القلب هل تنهاك موعظة ... أو يحدثن لك طول الدهر نسيانا
إني سأستر ما ذو العقل ساتره ... من حاجة وأميت السر كتمانا
عتب على قلبه في عصيانة له، واطراحه مواعظه، وولوعه المستمر على تطاول الدهر، وتقادم الأمر، وقال: هل لين الوعظ منك أو أحداث مواصلة الأيام واستمرارها نسياناً لك، فتكف عما يكره منك، أو تقبل بعض ما تدعى إليه من رشدك.
وقوله " أو يحدثن " زاد النون الخفيفة في المعطوف من غير أن حصل في المعطوف عليه، وهو " ينهاك " مثله؛ وساغ ذلك لأنهم ألفوا زيادة إحدى النونين فيما ليس بواجب من الأفعال، فكأنه قدر أن الأول حصل فيه النون فزاد في الثانية، لتوهم مثله في الأولى، واستمرار العادة بزيادته. وهذا كما عطف في بيت امرىء
стр. 930
القيس:
فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
قوله أو قدير معجل، وهو مجرور، على صفيف شواء وهو منصوب، لنيته حذف التنوين، وجعل الإضافة بدلاً منه في منضج.
وقوله " إني سأستر ما ذو العقل ساتره "، وصف نفسه بحسن التماسك فيما يأتيه، واستعمال العقل في ستر ما يجب إخفاؤه من حاجاته، وضبطه للسر، وقوة كتمانه، حتى يصير السر كالميت الذي لاأثر له. ويشير بذلك كله إلى دوام وفائه، واتصال عهده، وكتم ما يجري بينه وبين محبوبه. وانتصب " كتماناً " لأنه مفعول له، ويجوز أن يكون في موضع الحال، كأنه قال: كاتماً له.
وحاجة دون أخرى قد سنحت لها ... جعلتها للتي أخفيت عنواناً
إني كأني أرى من لاحياء له ... ولا أمانة بين الناس عريانا
يريد: رب حاجة عرضت لها ولأظهرتها وفي النفس خلافها، لأني جعلت المظهر في التوصل به إلى المضمر كعنوان الكتاب الذي يظهر وما ينطوي عليه الكتاب مستور. يصف نفسه بالذكاء وجودة الفطنة، وحسن التأني، والاهتداء فيما يرومه للحيل اللطيفة. وكل ذلك لئلا يقف مةقفاً يوجه إليه الظنون السيئة، ويجلب عليه القالة المنكرة.
والعنوان يجوز أن يكون فعوالاً من عن لي الشيء، إذا اعترض؛ ويجوز أن يكون فعلاناً من عناء كذا. وفيه لغات وكلام طويل أتيت عليه في (شرح الفصيح) .
وقوله إني كأني أرى من لا حياء له، يريد: من خلع ربقة الحياء، واطرح حشمة الناس، وعرض الأمانة للضياع، والمروءة للزوال، فحكمة حكم من أظهر عورته، وهتك لعائبيه ستره، ورضى بما نيل منه، وتحيف من عرضه ودينه.
وقال آخر:
أها بك إجلالاً وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها
стр. 931
وما هجرتك النفس أنك عندها ... قليل ولكن قل منك نصيبها
انتصب إجلالاً لأنه مفعول له، جعله علة في تهيبه لها. ويجوز أن يكون في موضع الحال، فيقول: أحتشمك بظهر العيب، وأخافك ليس لاقتدار سلطاني منك علي، وامتلاك لضرى ونفعي في يديك، ولكن رفعاً منك، وإكباراً لقدرك، ولأن العين تمتلىء ممن تحبه استكباراً. واستعظاماً، لأنه يحمدها والضمير من حبيبها للعين، وإن جعلتها للمرأة، أي ما تحبه وترضاه يملأ العين، جاز. والملء: القدر الذي يمتلىء منه الشيء؛ والملء، بفتح الميم: مصدر ملأت.
وقوله وما هجرتك النفس، يريد أن الإخلال بالزيارة؛ والتأخر عن إقامة العادة ليس لزهد ولا لاستقلال للحال، وإزراء بالحق، ولكن قل حظي منك، ودام إعراضك عني، فرمت رضاك في البعد عنك، وترك التثاقل عليك وقوله ملء عين جاز الابتداء به وإن كان نكرة لحصول الفائدة في تعليق الخير.
وقال ابن الدمينة
ألا لا أرى وادي المياه يثيب ... ولا النفس عن وادي المياه تطيب
أحب هبوط الواد بين وإنني ... لمشتهر بالواد بين غريب
قوله يثيب أي يجعل لي ثواباً، ويقسم لي لتوفري عليه رداءا ونفعا، ويجوز أن يكون من قولهم: بئر لها ثائب، إذا كان ماؤها ينقطع أحياناً ثم يعود؛ فيكون أثاب بمعنى صار لها ثائب، كأن الوادي كان كان اتفق فيه مواصلة بينه وبين محبوبه ثم انقطع، فكان لا يثوب خيره، وهذا الذي قلناه في أثاب ذكره أبو زيد. ويجوز أن يكون ذكر الوادي كالكناية عنها، فيقول: ليست تسلو نفسي عن وادي المياه وما يتصل به وعن أحبتي فيهما، وأراه لا يوجب لي مثل ما أوجبه، ولا يرضخ لي جزاء على ما أتحمله، وأنا أحب النزول بالواديين والانتعاش بزيارتهما، لكني مشتهر بهما غريب لا ناصر لي فيهما، فأحتاج أن أحاذر الرقباء خوفاً على نفسي، وتفادياً مما يلحق صاحبي من المروه والإعنات بسبي.
أحقا عباد الله أن لست وارداً ... ولا صادراً إلا على رقيب
стр. 932
ولا زائراً فرداً ولا في جماعة ... من الناس إلا قيل أنت مريب
هذا شرح للاشتهار الذي أجمله، والاغتراب الذي اشتكى منه. وقوله أحقا، في موضع الظرف، كأنه قال: أفي حق. وأن لست أن مخففة من الثقيلة، وموضعه بما يعده موضع الابتداء، وأحقا في موضع الخبر. وقوله فرداً، انتصب على الحال، والعامل ما دل عليه ولا زائراً، من الفعل، فيقول: أفي حق يا عباد الله أنى لا أراد الوايين، يعني وادي المياه، وما ذكره فيما بعد من ذكر الكئيب الفرد، ولا أصدر عنهما إلا وعلى رقيب محافظ، يعد لحظاتي وأنفاسي، ويتأمل قصودي وإرادتي، ولا أزورهما منفرداً ولا في صحابة إلا وسلطت على التهم، ونسبت فيما أتعاطاه إلى الريب، حتى ضاق علي المجال، وأظلم لي المسرح والمطاف.
وقوله إلا قيل، في موضع الحال، أي لا أزورهما إلا مقولاً فيه ذلك. وموضع أنت مريب، الجملة رفع على أنه قام مقام فاعل قيل.
وهل ريبة في أن تحن نجيبة ... إلى إلفها أو أن يحن نجيب
وإن الكئيب الفرد من جانب الحمى ... إلى وإن لم آته لحبيب
قوله هل ريبة، لفظه استفهام ومعناه النفي، فيقول: لا ريبة في حنين أحد المتألفين الكريمي العهد إلى الآخر، ولا استنكار فيما تنطوي عليه النفس من الهوى والود، ولا محاسبة فيما يوجب المتحابان ويؤثرانه من المصافة على البعد، وإن موضع الحبيب من جانب الحمى قلبي موكل به وإن لم أزره، إذ كان مجانيتي إياه، وتأخرى عنه، لإبقائي على الحال بيني وبين من أحتشمه، ولإيثاري صيانته من تحدث الوشاة فيه، لا لغيره.
لك الله إني واصل ما وصلتني ... ومثن بما اوليتني ومثيب
فلا تتركي نفسي شعاعاً فإنها ... من الوجد قد كادت عليك تذوب
وإني لأستحييك حتى كأنما ... علي بظهر الغيب منك رقيب
قوله لك الله، يجوز أن يكون جعاء لها، والمعنى: إحسان الله لك، وحفظه مشتمل عليك. ويجوز أن يكون قسماً، كما يقال أعطيك الله، وجوابه إني واصل.
стр. 933
وكأنه أقسم لها أو دعا لها بأنه يبقى على العهد لها مدة دوام مواصلتها وبقائها على المصافاة والإيثار له، وأنه يوجب من إعظامها والثناء عليها، ومكافأتها بالحسنى فيما تسدى إليه وتوليه ما ينتفي عنه سمة التقصير والإقصار. ووجه الدعاء لها استعطافها وترقيق قلبها، ويكون كالتشبيب من السائل.
وقوله فلا تتركي نفسي شعاعا، فالشعاع: المنتشر، وكذلك الشع والفعل منه شع. ويقال: تطاير القوم شعاعاً، أي متفرقين. فيقول: أحفظي نفسي عن الانتشار والزوال، فإنها شارفت الذوب والسيلان وجداً بك، وشافهت التلف والبوار شوقاً إليك. ثم قال: وإني مستحي منك على البعد، إعظاماً لك، وتهيباً منك، حتى كلأن لك رقيباً معي في كل حال، فأتفف عن المنكرات، وأتنزه عن ذميم المقالات، فكوني لي على ما توجبه صورتي، وتقتضيه قصتي. ومثل هذا قول الآخر:
وإني لأستحي فطيمة طاوياً ... خميصاً وأستحي فطيمة طاعما
وإني لأستحييك والخرق بيننا ... مخافة أن تلقي أخا لي لائما
وقال آخر:
تحمل أصحابي ولم يجدوا وجدي ... وللناس أشجان ولي شجن وحدي
أحبكم ما دمت حيا فإن أمت ... فوا كبدا ممن يحبك بعدي
الشجن: الحاجة، والجميع الأشجان والشجون. قال:
والنفس شتى شجونها
وموضع وحدي نصب على المصدر، وهو موضوع موضع الإيحاد. يقول: ارتحل أصحابي ولم ينلهم من الوجد ما نالني، وفي نفوس الناس حاجات وقد أوحدت نفسي بحاجة إيحاداً. ثم أقبل على المحبوب مفسراً لشجنه الذي تفرد به، فقال أحبكم مدة حياتي، وإذا مت فواكبدا ممن يلي حبكم بعدي. وهذا تحسر في إثر ما يفوته من الهوى إذا فارق الدنيا. ويروى: من ذا يحبكم بعدي.
стр. 934
وقد عيب الشاعر بهذا فقيل: لم يرض بأن جعل لها محباً حتى صار يتحزن له. وقال بعض أصحاب المعاني: في هذا ظلم للشاعر، وذلك أن غرضه في التماسه محباً لها إشادة ذكرها، وإعلاء قدرها، وتشهيرها عند الناس حتى يصير لها الجاه عند السلاطين. قال: وكثير من نساء العرب طلبن التشبيب من الشعراء مع العفة، كعزة، وليلى، ومية. ولخلفاء بني أمية وأقرانها من الأمراء معهن محاورات.
ويروى عن بعض السلف الصالحين أنه حج، فلما قضى نسكه قال لصاحب له: هلم نتمم حجنا! ألم تسمع قول ذي الرمة:
تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام
والطريقة في تصرفه وتحسين قوله ما قدمته.
وأشنع من هذا قول الآخر:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوكل بدعد من يهيم بها بعدي
وقد قيل في هذا أيضاً: إنه لو قال:
فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي
لكان صواباً، سالماً مما يهجنه.
أبو حية النميري
رمته أناة من ربيعة عامر ... رقود الضحى في مأتم أي مأتم
فجاء كخوط البان لا متتابع ... ولكن بسيما ذي وقار وميسم
أناة أصله وناة، لأنه من الونى: الفتور والكسل.
والواو المفتوحة لم تبدل منها الهمزة إلا في أحرف قليلة، وهي أناة في صفة المرأة الثقيلة الناعمة؛ وأحد صفة وإسماً للعدد؛ وما جاء في الحديث من قولهم: أي مال أديت زكاته فقد ذهبت أبلته، يراد وباله. وقال أبو زيد: الأبلة في الطعام
стр. 935
أصله الوبلة. ويقال: أجمعت أجوماً، في وجمت. فهذه الأحرف جاءت على ما ترى.
وقوله رقود الضحى وصفها بالترفة، وأنها مكفية الخدمة، فهي تنام القيلولة. وهذا كما قال امرؤ القيس:
نؤوم الضحى لم تنطلق عن تفضل
والمأتم: النساء يجتمعن في الخير والشر. يقول: نظرت إلى هذا الرجل امرأة طلعت عليه في جملة نساء، مترفة منعمة سمينة، تنام عن شؤونها أوقات الضحى، لأن لها من يكفيها كل ما تهتم له ففتنته، ثم اقتص كيف نصبت الحبالة له، ومن أين وقع فيها حتى اصطادته، فقال: جاء الرجل وكأنه غصن بان لحسن شطاطه وطراءة شابه، لا متهافت في مشيه وتصرفه، ولا خفيف طائش في وروده وصدره، ولكن بعلامة ذي سكون، وميسم ذي صلاح وهدو. والتتابع يوصف به الحيران والسكران إذا رمى بنفسه. وتتابع البعير في مشيته، إذا حرك ألواحه حتى كأنه يتفكك. والمأتم أصله من الأتم، وهو أن تلتقي الخرزتان فتصيرا واحدة. وموضع كخوط نصب على الحال من جاء. والخوط: الغصن الناعم لسنة. وقوله لا متتابع ارتفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: لا هو متتابع. وقوله ولكن استدراك بعد نفي، أي جاء غير متتابع ولكن بهذه السيما.
فقلن لها سراً فديناك لا يرح ... صحيحاً وإن لم تقتليه فألمى
فألقت قناعاً دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين: كف ومعصم
وقالت فلما أفرغت في فؤاده ... وعينيه منها السحر قلن له قم
قوله سراً يجوز أن يكون مصدراً في موضع الأمر، كلأنه قال ساريه. مسارة، فوضع السر موضع المسارة، ويكون على هذا قوله لا يرخ جواب الأمر الذي دل عليه سراً. ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال، ويكون لا يرح مجزوماًبلا النهي. وجعل النهي في اللفظ للرجل والمرأة هي المنهية، كما يقال: لا أرينك هنا. والمعنى: لا تكن هناك فأراك، والمراد: لا تدعيه يروح صحيحا. يقول قالت النساء
стр. 936
المحتفة بالاناء المذكورة لها: أشيري إليه في السر إشارة تفتنه، واعرضي عليه محاسنك ما يخبل قلبه بعد تعرضه لنا في سمته ووقاره حتى لا يروح عنا صحيحاً، وإن لم تبالغي في استغوائه وفتله عن رشاده، وإهلاكه، فكوني منه على أوفى محل. فائتمرت لهن وألقت قناعاً وراءه الشمس، أي وجه إشراقه كإشراق الشمس، فعرضت وجهها ثم سترته فأيدت كفها ومعصمها - وهو موضع السوار من يدها - أيضاً، وتكلمت بكلام كالمنكرة من نفسها ما اتفق عليها، والمستححية المتذممة من حالها، فلما علم النساء أنها أفرغت في فؤاده بالكلام، وفي عينيه بالكف والوجه السحر أي صبت - قلن للشاب المتعرض: قم عنا فابك لما نابك وأنت لا تعلم. والسحر: إخراج الشيء في أحسن معراضه حتى يفتن، لذلك قيل للرائق المعجب: هو السحر الحلال. يقال: سحرت الفضة، إذا طليتها بالذهب. إن قيل: أين مفعول قالت؟ قلت: إنه هنا في معنى تكلمت، فاستغنى عن المفعول، ومثله قول عمر بن أبي ربيعة:
لحاجة نفس لم تقل في جوابها
أي لم تتكلم.
فود بجدع الأنف لو أن صحبه ... تنادوا وقالوا في المناخ له نم
يقول: انصرف عنهن وهو يتمنى أن جدع أنفه في وقت ما هم بالخروج إليهن، ويمنعه أصحابه من التعرض لهن، وقالوا له: نم في المناخ ولا تبرح، ويجوز أن يكون معناه: ود أن يتركه صحبه ويقولوا له: نم في المناخ ولا تتبعنا، وأن أنفه قطع. والباء من قوله بجدع هو الذي يفيد معنى العوض. تقول: هذا بذاك، أي عوض من ذاك.
وقوله تنادوا يجوز أن يكون معناه تجمعوا، من الندى وهو المجلس؛ ويجوز أن يكون من النداء، أي تداعوا وقالوا له ذلك.
وقال آخر:
نظرت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من فرط الصبابة أنظر
стр. 937
فعيناي طوراص تغرقان من البكا ... فأعشى وحيناً تحسران فأبصر
يقول: وقفت بدار الأحبة فتوهمت آياتها، ثم عرفتها فتمثل لي من كان بها، وتطرى ما كان دار بيني وبينها، فأغرورقت عيناي من الدمع تحسراً وتوجعاً، وبقيت إذا نظرت إلى الدار كأني أنظر من وراء زجاجة فلا أتبين الآثار، وإذا انهملتا بما فيهما عدت في صحة الإدراك بهما إلى ما كنت عليه من قبل. وقد مر القول في حقيقة النظر.
فأما تحسران فيجوز أن يكون من قولهم: حسر البحر، إذا نضب الماء عن ساحله؛ ويجوز أن يكون من حسرت القناع، ويكون على هذا مفعوله محذوفاً. والأول أحسن. ومن الثاني قولهم: امرأة حسنة المحاسر، كما يقال حسنة المعاري. وتلخيص البيت الأول: كأني من فرط الصبابة أنظر إلى الدار من وراء زجاجة. والطور: التارة. ويقال: الناس أطوار، أي على أحوال شتى.
وقال آخر
فما شنتا خرقاء واهية الكلى ... سقى بهما ساق فلم يتبللا
بأضيع من عينيك للدمع كلما ... توهمت ربعاً أو تذكرت منزلا
الخرقاء: التي لا رفق لها في الأعمال ولا بصيرة. والشنة، أراد بها هنا الدلو الخلق، وهي السقاء البالي في الأصل. ويقال: لقطران الماء من الشنة شيئاً بعد شيء: الشنين، ثم يستعمل في الدمع. قال:
يا من لدمع دائم الشنين
ولم يرض بأن جعل الدلو خلقاً حتى يجعلها لامرأة لا تحسن عملاً من خرز وغيره، فكانت تصلحها، ثم جعل سقى الإبل بها قبل تهللها وانسداد خرزها وثقبها. فيقول: ما دلوان هذه صفتهما بأشد إضاعة للماء من عينيك للدمع كلما توهمت دار الحبيب وهي مأهولة، أو تذكرت منزلاً من منازل سفرها وهي منتجعة.
стр. 938
وقوله بأضيع من عينيك، كان الواجب أن يقول: بأشد إضاعة للدمع، فجاء به على حذف الزوائد، أو على طريقة سيبويه في جواز بناء التعجب مما كان على أفعل مما زاد على الثلاثي خاصة.
وقال أبو الشيص
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيدة ... حباً لذكراك فليلمني اللوم
يقول: حبسني الهوى في الموضع الذي تستقرين فيه فألزمه ولا أفارقه، فأنا معك مقيمة وظاعنة، لا أعدل عنك ولا أميل إلى سواك، ومن لا منى فيك أستلذ لومه محبة لذكرك، ووجداً باسمك، فليستمر اللائمون في أقوالهم، ولتندم عظاتهم علي وإنكارهم، فإنهم لا يجدون مني اتباعاً ولا رجوعاً، ولا ملالاً ولا قصوراً. وقوله حباً لذكرك، انتصب لأنه مفعول له، وبيان لعلة لذته، بما يجلب على غيره ضجراً، وهو اللوم.
ومثل هذا قول الآخر:
وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي
يريد، أن يستلذ ذكرها.
وقوله حيث أنت، خبر المبتدأ وهو أنت محذوف، كأنه قال: حيث أنت واقفة، لأن حيث في الأمكنة بمنزلة حين في الأزمنة، في حاجته إلى جملتين، والمتأخر والمتقدم بنمزلة التأخر والتقدم، فهما مصدران.
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ صار حظي منك حظي منهم
стр. 939
وأهنتني فأهنت نفسي صاغراً ... ما من يهون عليك ممن أكرم
يقول: وافقت في مواصلتي أعدائي أخذا فيما أكرهه وأتسخطه، وذهاباً عما أحبه وأرضاه، ولأن حظي منك فيم أرومه يماثل حظي من أعدائي فيما أسومهم فأشرب قلبي حبهم، وانصب إلى جانبهم الميل معهم لمشابهتك لهم، ومماثلة فعالك لفعالهم، وأذللتني فأذللت نفسي على صغر مني، اقتداء بك، ومجانبة للخلاف عليك، ولأني لا أرى كرامة من ترين هوانه، ولا إرضاء من ترين إشخاصه. وانتصب صاغراً على الحال من أهنت. وقوله ممن أكرم العائد إلى الموصول محذوف، كأنه قال: ممن أكرمهم. وقوله حظي منهم يريد به التشبيه، كأنه قال: كحظي منهم، ومنك في موضع الحال، وكذلك منهم.
وقال آخر:
ولا غرو إلا ما بخير سالم ... بأن بني أستاهها نذورا دمي
ومالي من ذنب إليهم علمته ... سوى أنني قد قلت يا سرحة أسلمي
نعم فاسلمي ثم اسلمى ثمت أسلمى ... ثلاث تحيات وإن لم تكلمي
معنى لاغرو لاعجب، وخبر لا محذوف، كأنه قال: لا غرو في الدنيا، أو موجود. وموضع ما يخبر رفع على أنه بدل من موضع لا غرو. وإنما قال بني أستاهها لأنه يريد أنهم مخروون لا مولودن. فيقول متهانفاً: لا عجب إلا ما يخبر به سالم، بأن سقاطها والذين لا عقول لهم فيها، قالوا: لله علينا سفك دمه. ثم قال: هذا اعتقادهم وأقوالهم؛ ولا جناية لي عليهم، ولا ذنب مني اهتدي إليه فيهم سوى قولي: يا سرحة أدام الله لك السلامة - وكان جعل سرحة، وهي شجرة، كناية عن امرأة فيهم - نعم قد قلت وأقوله مكرراً: أسلمي أسلمي. يغايظهم ويناكدهم بهذا المقال. وقوله سوى أنني موضعه من الإعراب استثناء خارج. ويا سرحة إذا ضممته فالضمة الأصل في استعمال المنادى المفرد المعرفة، وإذا فتحته فلاعتيادهم الترخيم في مناداة ما في آخره هاء التأنيث، أتموه ونووا الترخيم فجعلوا حركته حركة المرخم منه. وهي الفتحة. وقوله نعم وإن كان في الأصل حرفاً بوجب به ويجاب في الاستفهام المحض فقد يتوصل به إلى بسط الكلام وصلته. وقوله ثلاث تحيات، انتصب على
стр. 940
المصدر من فعل دل عليه أسلمي، كأنه قال: أحيي ثلاث تحيات، وإن لم ترجعي الجواب إلي. والسرح من العضاه، ويكون دوحه محلالاً يحل الناس تحها في الصيف. وقال الفراء: كل شجرة لا شوك فيها فهي سرحة، ذهب إلى السرح، وهو السهل.
وقال ابن هرمة وكنى بها عن امرأة:
سقى السرحة لمحلال دون سويقة ... نجاء الثريا مرثعنا هطولها
وقد تسمى المرأة سرحة.
وقال خليد مولى العباس بن محمد
أما والراقصات بذات عرق ... ومن صلى بنعمان الأراك
لقد أضمرت حبك في فؤادي ... وماأضمرت حباً من سواك
أريت الآمر يك بصرم حبلى ... مريهم في أحبتهم بذاك
فإن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وإن عاصوك فاعصي من عصاك
أقسم بالحجيج وبرواحلهم التي ترقص بهم في السير متوجهين بوادي عرفة وذات عرق إلى بيت الله . وأضاف نعمان إلى الأراك لكثرتها بها. وجواب اليمين قوله لقد أضمرت حبك. والمعنى أنه أقسم أن وده لها مكتوم انطوى عليه قلبه، وخالص فيها قد أكنه ضميره لا يشاركها فيه عديل، ولا يجاذبها بسببه قسم، وإنما يتحمد عليها بحفظ السرار، وتخليص العقيدة، وشغل القلب والعقل بعمارة الهوى لها. ثم أقبل عليها فقال يخاطبها: أعلمت الذين يشيرون عليك بقطيعتي والتنكر لي، وجد الأسباب والمواثيق بيني وبينك؟ كرى عليهم مستدرجة لهم، وعاجمة تنصحهم، وأمريهم في أحبتهم بمثل ماأمروك في، فإن وجدتهم سامعين لك، وإن وجدتهم متأبين عليك مخالفين لك، فأعصى من عصاك، ودعي الاستنامة إلى رأي من
стр. 941
لا يرى لك مثل ما يراه لنفسه. وكان الواجب في قضية سياق الكلام أن يقول: وإن عاصوك فعاصيهم؛ فعدل عن الإتيان بالضمير إلى ذكر الظاهر، ليبين فيه ما يشنع به عليهم، وليظهر السبب الموجب للإغراء بهم، والانصراف عن رأيهم. ولو قال: فاعصيهم لم يبين ذلك فيه.
وقوله أريت أصله أرأيت، حذف الهمزة منه حذفاً كما حذف في يرى، وترى، ونرى.
وقال ابو القمقام الأسدي
إقرأ على الوشل السلام وقل له ... كل المشارب مذ هجرت ذميم
سقياً لظلك بالعشي وبالضحى ... ولبرد مائك والمياه حميم
لو كنت أملك منع مائك لم يذق ... ما في قلاتك ما حييت لئيم
الوشل هاهنا: ماء معروف في أرض محبوبه. وقال الدريدي: الوشل: موضع معروف بعينه. والوشل: الماء القليل يترقرق على وجه الأرض. وقال صاحب العين: الوشل محرك: الماء القليل يتحلب من صخرة أو جبل، يقطر منه قليلاً قليلاً. والوشل: القاطر، يقال: جبل واشل: يقطر منه الماء. والشاعر أهدى إليه التحية، وراسله أن المشارب كلها مذمومة عنده منذ تحول عنه وترك وروده. ثم دعا لظله بالسقيا فقال: سقيا لظلك بالعشى وبالضحى. والظل يكون للشجرة وغيرها بالغداة، والفيء بالعشى، فكان في الواجب أن يقول: سقيا لظلك بالغداة، ولفيئك بالعشى. ألا ترى قول الآخر:
فلا الظل من برد الضحى نستطيعه ... ولا الفيء من برد العشى نذوق
إلا أنه سمى الفيء ظلاً لتشابههما في منظر العين والغناء. فلما تساويا وأجرى عليهما معاً لفظة الظل، وكان الواو يفيد الجمع من دون الترتيب - لم يبال أن يقول بالعشى وبالضحى، فيقدم بالعشى، وإن كان الظل أليق بأن يليق بالضحى لو جرد. ولم يشبه هذا قول القائل: فلان أشعر الجن والإنس، لتركه فيما تقدمه من المعطوف والمعطوف عليه طلب المطابقة والموافقة. ألا ترى أن الوجه في هذا أن يقال: فلان أشعر الإنس والجن ليصح لفظ الأول، ويضاف أشعر إلى ماهو بعضه ثم يجيء الثاني؛ وأن قولك: سقياً لظلك وقد نويت إجراء الظل للفيء أيضاً صار حكمه حكم
стр. 942
اللفظة الموضوعة لشيئين، فإذا كان كذلك فأيهما أوليته من العشي والضحى فقد وقع إلى جنب ما يطابقه ويوافقه. فإن قيل: لو سلم لك ما نقوله وتدعيه من الاستعارة لما سلم الكلام المتنازع من أنه جاء على غير حده؛ وذاك أن الظل يكون في الضحى حقيقة علىالمجاز. قلت: إن الظل فيما حكاه الخليل ضد الضح، ويقال: أفاء الظل وتفيأ. وفي القرآن: " يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل "، فهو ظل قبل التفيؤ وبعده، وإنما نسخة للشمس هو الذي صار به فيئاً، وإذا كان كذلك لم يكن من باب ما يكون حقيقة في شيء، ومجازاً في آخر. وهذا بين. وقوله والمياه حميم فالواو فيه للابتداء، وهو واو الحال.
وقوله لو كنت أملك منع مائل جواب لو هو قوله لم يذق. وهذا الكلام فيه إظهار الضنانة بالماء المذكور، واستمراره في الحسد إلى كل حد معلوم بسببه، حتى كان بزعمه يمنع اللئام مدة حياته، ويعني به أربابه فيما أظنه، لأنهم أعداؤه. والقلات: جمع القلت، وهي حفرة في الجبل يستنقع فيها ماء المطر.
وقال ابن الدمينة
وقد كتب بها إلى أمامه:
وأنت التي كلفتني دلج السرى ... وجون القطا بالجلهين جثوم
وأنت التي قطعت قلبي حزازة ... وقرفت قرح القلب وهو كليم
وأنت التي أحفظت قومي فكلهم ... بعيد الرضا داني الصدود كظيم
قوله دلج السرى، فالسرى: سير الليل، والدلج: السير في بعض الليل. ويقال: سار دلجة، أي ساعة من أول، فلذلك أضاف الدلج إلى السرى، فجرى مجرى إضافة البعض إلى الكل. والشاعر يعدد عليها ما ناله حالاً بعد حال من ضروب المشقات والمتالف فيها، فيقول: تجملت فيك كل عظيمة وبلية، فأنت التي
стр. 943
كلفتني السرى والسير، وركوب الخطر بالليل والطيور ساكنة في عششتها لم تبرح، وأنت التي قطعت جوانحي، وصدعت جوانب كبدي حزازة بدوام تمنعك وتشددك، واتصال جفائك واطراحك - والحزازة: وجع في القلب - فنكأت الكلم من قلبي قبل اندماله، وقشرت جلبته عند صلاحه والتئامه، فأراه أبداً دامي الظاهر فاسد الباطن؛ وأنت التي أغضبت على معشري، وأفسدت على رهطي وأعزني، فكل واحد منهم إذا خبر واستكشف بعيد الرضا عني، قريب الهجران لي، ممتلىء الصدر من بغضي، يكظم غيظه تجملاً، ويسر نكره تصبرا. وقوله جون القطا، جمع جونية. قال:
جونية كحصاة القسم
وهذا كما يقال عربي وعرب، وهذا الجمع كالجمع الذي ليس بينه وبين واحده في اللفظ إلا طرح الهاء نحو تمرة وتمر وما أشبهه. وجثوم: جمع جاثم. وجم الطائر، إذا ألصق صدره بالأرض، ويستعمل في السبع وغيره، ومنه الجثمان لجسم الإنسان. وقال الأصمعي: الجثمان الشخص، والجسمان الجسم. والجلهلة: ما استقبلك من الوادي. ومعنى قرفت: قشرت ولم بكن رأ. ويقال: كطم غيظه، إذا جرعه. وكظم البعير جرته، إذا ابتلعها. والظم: مخرج النفس. ويقال للمحزون: إنه لمكظوم وكظيم.
فأجابته أمامة
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضاً أرمى وأنت سليم
فلو أن قولاص يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم
أخذت تقابله بمثل الذي ابتدأها، وتعدد من جناياته عليها كفاء ما عدده وعصب به رأسها، فقالت: إن ما ارتكبته مني أشنع، وما خملته وقتاً بعد وقت أفظع، لأنك الذي نكثت عهودي، ونقضت مواعيدي، وأشمت بي كل ناصح فيك، وصدقت مقال كل لائم بسببك، فظنوني بك مكذبة، وظنون النصاح واللوام
стр. 944
مصدقة؛ ثم جعلتني مضغة في أفواه الناس، وأكلة لمجامعهم، يتعللون بحديثي، ويتغلبون عند أعدائي بقصتي، فقد صرت كالغرض المنصوب لكل قدح مبري، والعلم المقصود لكل مشاء بنميم، يغرى بي من كان لي سلماً، ويرق لي من آل لي حرباً، وأنت سليم من المكاره، بعيد عن المتاعب، تعرك بجنبك ما يمسني، وتتقي بقلة الاكتراث ما ينضجني؛ لأن نار الوشاية اعتمادها بالإحراق في النساء أبلغ منه في الرجال، وعار الشناعة ألصق بجوانبهن منه بجوانب أمثالك، فلو أن كلاماً كلم جسماً لبدت بجسمي ندوب ومنافذ وجرزح بأنياب المغتابين، ونبال الرماة المراصدين. وقد عدل في هذه الأبيات وفيما تقدمها في صلات الذي والتي عن الإخبار إلى الخطاب، وقد مضى القول في جوازه مشروحاً، وبينا كيف ساغ تعرى الصلة من الضمير العائد إلى الموصول.
وقال المعلوط الأسدي
إن الظعائن يوم حزم سويقة ... أبكين عند فراقهن عيوناً
غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
بل لو يساعدنا الغيور بداره ... يوماً لقد مات الهوى وحيينا
الظعينة: المرأة، لأنها تظعن إذا ظعن زوجها، أي تشخص. وقيل: الظعينة: الجمل الذي تركبه، سميت به كما قيل للمزادة رواية. والحزم: ما غيظ من الأرض. وإنما وصف حالهن عند التوديع ووقت الفراق، فيقول: غنهن بكين وأبكين، وبجهد منهن كففن الدموع، وخفضن ما علا من النشيج، ثم قلن متحسرات: أي شيء لقيته أنت وقاسيت من أحداث الهوى وأسبابه، وقاسينا نحن، ولو ساعدنا الغيور ودانانا بداره يوماً لقضينا من أوطارنا ما تحيا به نفوسنا وقلوبنا، ويموت له كلفنا وهوانا.
وذكر موت الهوى كما قال الآخر:
فلما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوىلما أصيب مقاتله
стр. 945
وقوله غيضن أي قللن. ويقال: هذا من ذاك غيض من فيض، أي قليل من كثير. والمعنى مسحنه بأصابعهن تسترا.
واخذ ذو الرمة هذا فقال:
ولما تلاقينا جرت من عيوننا ... دموع وزعنا غربها بالأصابع
ونلنا سقاطا من حديث كأنه ... جنى النحل مزوجاً بماء الوقائع
ومعنى يساعفنا الغيور بداره، يقار بنا بمحله. والإسعاف: قضاء الحاجة وإدناؤها. ولك أن تجعل ماذا بمنزلة اسم واحد، فينتصب بلقيت: ولك أن تجعل ذا بمعنى الذي، ويكون ضميره العائد من الصلة محذوفاً، كأنه قال: لقيته ولقيناه.
وقال جميل
وماذا عسى الوشوان أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا إنني لك وامق
نعم صدق الواشون أنت كريمة ... علينا وإن لم تصف منك الخلائق
ماذا في موضع المبتدأ، كأنه قال: أي حديث عسى الواشوان يتدثونه سوى قولهم: إنني لك محب. فهو كقولك: أي ضرب عسى زيد أن يضربه، وسبيله سبيل المصدر والمضاف إلى المصدر إذا ابتدى بهما. ولا يجوز أن ينتصب بيتحدثوا، لأنه في صلة أن، فلا يعمل فيما قبل الموصوف، ولا يجوز أن يكون ذا منه بمنزلة الذي، لأن عسى لا يصلح لكونه غير واجب أن يقع صلة له، وكذلك أخوات عسى. ألا ترى أن الاستفهام والنفي وأخواتهما لا يقعن صلات، إذ كانت الصلات إنما تكون من الجمل الخبرية الواجبة والمعنى أنهم لا يقدرون في وشايتهم على أكثر من قطع القول بأنني لك محب وعاشق. ثم أوجب بنعم فقال: قد صدقوا فيما ادعوا ولفقوا، أنت تكرمين علينا وإن لم يعد علينا منك خير، ولا صادفنا من إحسانك صفاء ولين. كأنه يبري ساحتها، ويرى أن ميله وهواه لا يشبنها مع سلامة طريقتها، واستحكام عفافها.
стр. 946
وقال آخر:
وإذا عتبت على بت كانني ... بالليل مختلس الرفاد سليم
ولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علق بقلب من هواك قديم
يبقي على حدث الزمان وريبه ... وعلى جفائك إنه لكريم
يقول: اليسير من إنكارك ولومك يعظم عندي ويصعب علي، حتى أبقى له ليلتي ساهراً مؤرقاً، وسادماً قلقاً، كأنني لديغ حية، أو مسلم لعارض علة. ولقد رمت التسلي عنك، والتصبر منك، فدفني عن المراد ما علق بقلبي من هواك قديماً وملك قيادي لك، حتى لا أجد دونك منصرفاً ومحياً. ثم يوصف العلق اللازم له، والحب الغالب عليه فقال: إنه يبقى على تغير الزمان، وتلون الحدثان، فلا يعض له فتور ولا نكوص؛ وعلى ما يتجدد عليه في كل حال من جفاء فيك شديد، وإعراض أليم، فلا يبدله قصور ولا نبوء؛ إن هذا العلق لكريم المحتد، محكم العقد، ثابت الأساس والبناء، مقدم الذكر في صحف الوداد والصفا.
وهذا الكلام، اعني قوله إنه لكريم يسمى الالتفات.
وقال آخر:
ألمم على دمن تقادم عهدها ... بالجزع واستلب الزمان جمالها
رسم لقاتله الغرانق ما به ... إلا الوحوش خلت له وخلا لها
ظلت تسائل بالمتيم أهله ... وهي التي فعلت به أفعالها
لإلمام: الزيارة الخفيفة. يخاطب صاحباً له ويسأله مساعدته في زيارة دار أحبته، فقال: زر آثار دار متقادمة العهد بسكانها. مسلوبة الجمال لتأثير نوائب الزمان فيها، بالجزع - وهو منعطف الوادي. وروى بعضهم: جلالها، ويكره هذا لما حكاه الأصمعي من أنه لا يقال الجلال إلا في الله تعالى، ولأنه وإن جاء في غيره فهو قليل في العرف والاستعمال.
стр. 947
وقوله رسم لقاتلة الغرانق، ابتداء كلام، أي هو رسم دار لامرأة كانت تصيد الغرانق وتقتتلهم بالحب. والغرانق: الشاب الناعم الحسن، بضم الغين، وجمعه الغرانق بفتحها العراعر، والجوالق والجوالق. وقد استبدلت بأهلها وحوشاً فهي خالية لها، وهي رائعة فيها، لا تعدل عنها. وقوله ظلت تسائل، أي تبقى نهارها تسأل عشيرة العاشق عنه وعن استهتاره وعلته، وهي أعرف الناس بأخباره، إذ كانت المتولية لفتنته وخباله. والمتيم: المعبد؛ يقال: تيمه الحب، أي عبده واستعبده. وقوله خلت له، في موضع الصفة للرسم.
وقال آخر:
وما برح الواشون حتى ارتموا بنا ... وحتى قلوبنا عن قلوب صوادف
وحتى رأينا أحسن الوصل بيننا ... مساكتة لا يقرف الشر قارف
قد تقدم القول في ما برح وأنه في معنى ما زال. فيقول: لم ينفك السعاة عن الوشاية والتقاط الأحاديث للنميمة، واستدراج المختلطين بنا، واستشفاف المتبلغين بأخبارنا وأخبار غيرنا، حتى فرقوا بيننا، فأققبلوا يرمي بعضها بعضاً بمصاير أمورنا، وحتى صدفت القلوب، فمال كل من عشيرتنا إلى الاستبدال بموضعه، والانتقال عن جوار صاحبه، وإلى أن رأينا أحين المواصلة بيننا ملازمة السكوت، واطراح الإيحاء والرموز، توقياً من فرقة تتوجه، وتفادياً من تهمة تتسلط. هذا إذا رويت لا يقرف بضم الفاء. ويروى لا يقرف بكسر الفاء، ويكون في موضع الجزم جواباً للأمر الذي يدل عليه قوله مساكتة، لأنه في هذا الوجه مصدر في معنى الأمر، والجملة في موضع النصب على أن يكون مفعولاً ثانياً لقوله رأينا. والمساكتة تكون مواصلة تجعل بدلاً منها. ويكون هذا مثل قول الآخر:
تحية بينهم ضرب وجيع
стр. 948
ويكون المعنى: رأينا أحسن المواصلة بيننا تواصينا بأن ساكتوا الأحبة ومن يختلف بيننا وبينهم، لا يقرف الشر قارفه. وفي الوجه الأول يكون مساكتة مفعولاً ثانياً. والمعنى سكوتاً من الجانبين، أي كفافاً لا يتولد منه قرف ولا تهمة، ويكون قوله لا يقرف الشر، تفسيراً للمساكتة، وبياناً لاختيارهم لها. ويروى صوارف بالراء، والمعنى قلوب تصرف الود بما تأتيه وتستعمله عن القلوب الأخر.
وقال آخر:
فإن ترجع الأيام بيني وبينها ... بذي الأثل صيفاً مثل صيفي ومربعي
أشد بأعناق النوى بعد هذه ... مرائر إن جاذبتها لم تقطع
رجع هذا معدى، لأنه بمعنى رد. يقال: رجعته رجعاً فرجع رجوعاً. وصيفاً انتصب على المفعول من قوله ترجع. وكان الواجب أن يقول: صيفاً ومربعاً مثل صيفي ومربعي، أو يقول: بذي الأثل صيفي ومربعي، أي أياماً كأيامها، فلما لم يلتبس المراد قال: صيفاً مثل صيفي ومربعي. وقوله أشد بأعناق النوى، أشد في موضع الجزم، لأنه جواب الشرط. ولك أن تضم الدال منه إتباعاً للضمة الضمة، وأن تكسرها لالتقاء الساكنين وأن تفتحها، لأن الفتحة أخف الحركات. والمعنى إن ردت الأيام الدائرة بيني وبينها ربيعاً مثل مربعي، وصيفاً مثل مصيفي معها، استظهرت على النوى بأن أوثق أواخيها، وأمر حبالها التي أربطها بها، حتى إن جاذبتها قاومتك فلم تتقطع. وهذا مثل. والمراد أنى أحكم التألف والتجمع بما يؤمن معه تعقب الآراء بالمزايلة والافتراق.
وقال كلثوم بن صعب
دعا داعياً بين فمن كان باكياً ... معي من فراق الحي فليأتني غدا
فليت غداً يوم سواه وما بقي ... من الدهر ليل يحبس الناس سرمدا
لتبك غرانيق الشباب فإنني ... إخال غداً من فرقة الحي موعدا
كان شعباهما متجاورين في النجعة، فلما تقضى أيامها وهموا بالانصراف إلى المزالف وجوانب القرى، دعا داعي الفراق في كل شعب منهما، وبعثوا على التهيؤ، لذلك ثنى فقال: داعياً بين. وقوله فمن كان باكياً، يريد: فمن آلمه ما أحس به
стр. 949
من النوى، وأزعجه ما عزم عليه من شق عصا الهوى، وأراد إسعادي على البكاء فليحضرني غداً، فإنه اليوم الموعود، والمشهد المشهود. وقوله فليت غذاً يوم سواه وما بقى، يقول: بودي أن يكون بدل يوم غد يوم آخر غيره، تفادياً مما يجرى ويحدث، وليت بدل الليلة الحائلة دائماً. وما بقي لغة طيء، كأنهم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت الياء الفاً.
وقوله لتبك غرانيق الشباب، فالغرانيق جمع، واحدها غرانق. وقال الخليل: يقال: شباب غرانق. وأنشد:
ألا إن تطلاب الصبا منك زلة ... وقد فات ريعان الشباب الغرانق
وقال أيضاً: الغرنوق: الشاب الأبيض الجميل، والجمع غرانيق. ومراد الشاعر: لتبك من استصلح للصبا من الشبان وأرباب الهوى، فإن غدا فيما أظن أو أتيقن يوم مواعدة الحي بالزيال. وانتصب سرمدا على الظروف، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: حبساُ سرمدا.
وقال زياد بن حمل، وقيل زياد بن منقذ
حبذا انت يا صنعاء من بلد ... ولا شعوب هوى مني ولا نقم
ولن أحب بلاداً قد رأيت بها ... علماً ولا بلداً حلت به قدم
صنعاء: مدينة اليمن. وشعوب ونقم: موضعان باليمن. وعنس وقدم: حيان من اليمن. وقوله لا أحبذا أنت، ذا اشير به إلى لفظة الشيء، والتقدير: لا محبوب في الأشياء أنت يا صنعاء من بين البلاد، وكما أنت لست بمحبوب إلي، فكذلك شعوب ونقم ليسا بهوى مني، أي لا أهواهما ولا أحن أليهما. وقوله ولن أحب بلاداً، يريد: ولن أحب أيضاً منازل هذين الحيين. كأنه كره المواضع بأهلها فاجتواها وذمها. وقوله بلاداً قد رأيت بها عنساً، ضم إلى لفظة بلاد من الصفة ما يخصصها.
стр. 950
وقوله حبذا حب فعل، والأصل في حبب، وذا أشير به إلى الشيء، ولذلك وقع للمذكر والمؤنث على حالة واحدة فقلت: حبذا زيد، وحبذا هند؛ لأن لفظة الشيء يشمل المذكر والمؤنث، والواحد والجمع. فهو كما، وضع للجنس.
إذا سقى الله أرضاً صوب غادية ... فلا سقاهن إلا النار تضطرم
لما كان القصد في الدعاء بالسقيا بقاء المدعو له على نضارته، والزيادة في طرواته، واستمرار الأيام به سالماً، مما يؤثر في عنفوان حسنه، أو يغير رونق مائه، جعل عند الدعاء على المذموم عنده السقيا بالنار، لكون النار ضداً للماء ومميتاً لما يجيبه. فيقول: إذا أطال الله تعالى جده تنعم أرض بما يقيم من خصبها، ويديم من رفاغتها ورفاهتها، بتأتي الأمطار عليها، وتبكير الغوادي نحوها، فلا سقى هذه الديار إلا ناراً يهيج ضرامها، ويؤجج لهبا وسعارها، لتبيد خيرها، وتفيت حسنها وزهرتها. وقوله تضطرم في موضع الحال للنار.
وحبذا حين تمسي الريح باردة ... وادي أشى وفتيان به هضم
الواسعون إذا ما جر غيرهم ... على العشيرة والكافون ما جرموا
والمطمعون إذا هبت شامية ... وباكر الحي ن صرداها صرم
قوله وحبذا حين تمسي الريح باردة، جعل ما نفاه من الحب والحمد عما قدم ذكره من البلدان ثابتاً لوادي أشي وأهله، ونبه على انهم في أوان الجدب والقحط يشركون غيرهم من العشيرة في خيرهم، ويستنفذون الأموال التي يتنافس فيها فيما يجلب الحمد، وبيب النشر، إذا هبت الريح باردة، واقتشعرت البلاد هامدة، حتى يصير وسعهم مبذولاً لهم يتوسعون فيه إذا جر غيرهم الجرائر على عشيرته، وذوي لحمته، ثم من اكتسب جريمة منهم تكلفوا باستنقاذة منها، وأقاموا ظل الحماية والصيانة عليه فيها.
وقوله والمطعمون حذف مفعوله، وإنما يصقهم بأنهم يقيمون القرى للأضياف إذا هبت الريح شمالاً، وغادي الحي السحائب الباردة طوائف وفرقا. وقوله هضم جمع هضوم، وهو المنفاق في الشتاء. وقوله هبت شامية انتصب على الحال. وقوله الواسعون مأخوذ من الوسع وهو الطاقة، ويقال: لا يسعك كذا، أي لست منه في سعة. والصرم، أصله في أقطاع الإبل، فاستعاره.
следующие страницы →