Полный текст (1 295 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وقال آخر:
وإذا عتبت على بت كانني ... بالليل مختلس الرفاد سليم
ولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علق بقلب من هواك قديم
يبقي على حدث الزمان وريبه ... وعلى جفائك إنه لكريم
يقول: اليسير من إنكارك ولومك يعظم عندي ويصعب علي، حتى أبقى له ليلتي ساهراً مؤرقاً، وسادماً قلقاً، كأنني لديغ حية، أو مسلم لعارض علة. ولقد رمت التسلي عنك، والتصبر منك، فدفني عن المراد ما علق بقلبي من هواك قديماً وملك قيادي لك، حتى لا أجد دونك منصرفاً ومحياً. ثم يوصف العلق اللازم له، والحب الغالب عليه فقال: إنه يبقى على تغير الزمان، وتلون الحدثان، فلا يعض له فتور ولا نكوص؛ وعلى ما يتجدد عليه في كل حال من جفاء فيك شديد، وإعراض أليم، فلا يبدله قصور ولا نبوء؛ إن هذا العلق لكريم المحتد، محكم العقد، ثابت الأساس والبناء، مقدم الذكر في صحف الوداد والصفا.
وهذا الكلام، اعني قوله إنه لكريم يسمى الالتفات.
وقال آخر:
ألمم على دمن تقادم عهدها ... بالجزع واستلب الزمان جمالها
رسم لقاتله الغرانق ما به ... إلا الوحوش خلت له وخلا لها
ظلت تسائل بالمتيم أهله ... وهي التي فعلت به أفعالها
لإلمام: الزيارة الخفيفة. يخاطب صاحباً له ويسأله مساعدته في زيارة دار أحبته، فقال: زر آثار دار متقادمة العهد بسكانها. مسلوبة الجمال لتأثير نوائب الزمان فيها، بالجزع - وهو منعطف الوادي. وروى بعضهم: جلالها، ويكره هذا لما حكاه الأصمعي من أنه لا يقال الجلال إلا في الله تعالى، ولأنه وإن جاء في غيره فهو قليل في العرف والاستعمال.
стр. 947
وقوله رسم لقاتلة الغرانق، ابتداء كلام، أي هو رسم دار لامرأة كانت تصيد الغرانق وتقتتلهم بالحب. والغرانق: الشاب الناعم الحسن، بضم الغين، وجمعه الغرانق بفتحها العراعر، والجوالق والجوالق. وقد استبدلت بأهلها وحوشاً فهي خالية لها، وهي رائعة فيها، لا تعدل عنها. وقوله ظلت تسائل، أي تبقى نهارها تسأل عشيرة العاشق عنه وعن استهتاره وعلته، وهي أعرف الناس بأخباره، إذ كانت المتولية لفتنته وخباله. والمتيم: المعبد؛ يقال: تيمه الحب، أي عبده واستعبده. وقوله خلت له، في موضع الصفة للرسم.
وقال آخر:
وما برح الواشون حتى ارتموا بنا ... وحتى قلوبنا عن قلوب صوادف
وحتى رأينا أحسن الوصل بيننا ... مساكتة لا يقرف الشر قارف
قد تقدم القول في ما برح وأنه في معنى ما زال. فيقول: لم ينفك السعاة عن الوشاية والتقاط الأحاديث للنميمة، واستدراج المختلطين بنا، واستشفاف المتبلغين بأخبارنا وأخبار غيرنا، حتى فرقوا بيننا، فأققبلوا يرمي بعضها بعضاً بمصاير أمورنا، وحتى صدفت القلوب، فمال كل من عشيرتنا إلى الاستبدال بموضعه، والانتقال عن جوار صاحبه، وإلى أن رأينا أحين المواصلة بيننا ملازمة السكوت، واطراح الإيحاء والرموز، توقياً من فرقة تتوجه، وتفادياً من تهمة تتسلط. هذا إذا رويت لا يقرف بضم الفاء. ويروى لا يقرف بكسر الفاء، ويكون في موضع الجزم جواباً للأمر الذي يدل عليه قوله مساكتة، لأنه في هذا الوجه مصدر في معنى الأمر، والجملة في موضع النصب على أن يكون مفعولاً ثانياً لقوله رأينا. والمساكتة تكون مواصلة تجعل بدلاً منها. ويكون هذا مثل قول الآخر:
تحية بينهم ضرب وجيع
стр. 948
ويكون المعنى: رأينا أحسن المواصلة بيننا تواصينا بأن ساكتوا الأحبة ومن يختلف بيننا وبينهم، لا يقرف الشر قارفه. وفي الوجه الأول يكون مساكتة مفعولاً ثانياً. والمعنى سكوتاً من الجانبين، أي كفافاً لا يتولد منه قرف ولا تهمة، ويكون قوله لا يقرف الشر، تفسيراً للمساكتة، وبياناً لاختيارهم لها. ويروى صوارف بالراء، والمعنى قلوب تصرف الود بما تأتيه وتستعمله عن القلوب الأخر.
وقال آخر:
فإن ترجع الأيام بيني وبينها ... بذي الأثل صيفاً مثل صيفي ومربعي
أشد بأعناق النوى بعد هذه ... مرائر إن جاذبتها لم تقطع
رجع هذا معدى، لأنه بمعنى رد. يقال: رجعته رجعاً فرجع رجوعاً. وصيفاً انتصب على المفعول من قوله ترجع. وكان الواجب أن يقول: صيفاً ومربعاً مثل صيفي ومربعي، أو يقول: بذي الأثل صيفي ومربعي، أي أياماً كأيامها، فلما لم يلتبس المراد قال: صيفاً مثل صيفي ومربعي. وقوله أشد بأعناق النوى، أشد في موضع الجزم، لأنه جواب الشرط. ولك أن تضم الدال منه إتباعاً للضمة الضمة، وأن تكسرها لالتقاء الساكنين وأن تفتحها، لأن الفتحة أخف الحركات. والمعنى إن ردت الأيام الدائرة بيني وبينها ربيعاً مثل مربعي، وصيفاً مثل مصيفي معها، استظهرت على النوى بأن أوثق أواخيها، وأمر حبالها التي أربطها بها، حتى إن جاذبتها قاومتك فلم تتقطع. وهذا مثل. والمراد أنى أحكم التألف والتجمع بما يؤمن معه تعقب الآراء بالمزايلة والافتراق.
وقال كلثوم بن صعب
دعا داعياً بين فمن كان باكياً ... معي من فراق الحي فليأتني غدا
فليت غداً يوم سواه وما بقي ... من الدهر ليل يحبس الناس سرمدا
لتبك غرانيق الشباب فإنني ... إخال غداً من فرقة الحي موعدا
كان شعباهما متجاورين في النجعة، فلما تقضى أيامها وهموا بالانصراف إلى المزالف وجوانب القرى، دعا داعي الفراق في كل شعب منهما، وبعثوا على التهيؤ، لذلك ثنى فقال: داعياً بين. وقوله فمن كان باكياً، يريد: فمن آلمه ما أحس به
стр. 949
من النوى، وأزعجه ما عزم عليه من شق عصا الهوى، وأراد إسعادي على البكاء فليحضرني غداً، فإنه اليوم الموعود، والمشهد المشهود. وقوله فليت غذاً يوم سواه وما بقى، يقول: بودي أن يكون بدل يوم غد يوم آخر غيره، تفادياً مما يجرى ويحدث، وليت بدل الليلة الحائلة دائماً. وما بقي لغة طيء، كأنهم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت الياء الفاً.
وقوله لتبك غرانيق الشباب، فالغرانيق جمع، واحدها غرانق. وقال الخليل: يقال: شباب غرانق. وأنشد:
ألا إن تطلاب الصبا منك زلة ... وقد فات ريعان الشباب الغرانق
وقال أيضاً: الغرنوق: الشاب الأبيض الجميل، والجمع غرانيق. ومراد الشاعر: لتبك من استصلح للصبا من الشبان وأرباب الهوى، فإن غدا فيما أظن أو أتيقن يوم مواعدة الحي بالزيال. وانتصب سرمدا على الظروف، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: حبساُ سرمدا.
وقال زياد بن حمل، وقيل زياد بن منقذ
حبذا انت يا صنعاء من بلد ... ولا شعوب هوى مني ولا نقم
ولن أحب بلاداً قد رأيت بها ... علماً ولا بلداً حلت به قدم
صنعاء: مدينة اليمن. وشعوب ونقم: موضعان باليمن. وعنس وقدم: حيان من اليمن. وقوله لا أحبذا أنت، ذا اشير به إلى لفظة الشيء، والتقدير: لا محبوب في الأشياء أنت يا صنعاء من بين البلاد، وكما أنت لست بمحبوب إلي، فكذلك شعوب ونقم ليسا بهوى مني، أي لا أهواهما ولا أحن أليهما. وقوله ولن أحب بلاداً، يريد: ولن أحب أيضاً منازل هذين الحيين. كأنه كره المواضع بأهلها فاجتواها وذمها. وقوله بلاداً قد رأيت بها عنساً، ضم إلى لفظة بلاد من الصفة ما يخصصها.
стр. 950
وقوله حبذا حب فعل، والأصل في حبب، وذا أشير به إلى الشيء، ولذلك وقع للمذكر والمؤنث على حالة واحدة فقلت: حبذا زيد، وحبذا هند؛ لأن لفظة الشيء يشمل المذكر والمؤنث، والواحد والجمع. فهو كما، وضع للجنس.
إذا سقى الله أرضاً صوب غادية ... فلا سقاهن إلا النار تضطرم
لما كان القصد في الدعاء بالسقيا بقاء المدعو له على نضارته، والزيادة في طرواته، واستمرار الأيام به سالماً، مما يؤثر في عنفوان حسنه، أو يغير رونق مائه، جعل عند الدعاء على المذموم عنده السقيا بالنار، لكون النار ضداً للماء ومميتاً لما يجيبه. فيقول: إذا أطال الله تعالى جده تنعم أرض بما يقيم من خصبها، ويديم من رفاغتها ورفاهتها، بتأتي الأمطار عليها، وتبكير الغوادي نحوها، فلا سقى هذه الديار إلا ناراً يهيج ضرامها، ويؤجج لهبا وسعارها، لتبيد خيرها، وتفيت حسنها وزهرتها. وقوله تضطرم في موضع الحال للنار.
وحبذا حين تمسي الريح باردة ... وادي أشى وفتيان به هضم
الواسعون إذا ما جر غيرهم ... على العشيرة والكافون ما جرموا
والمطمعون إذا هبت شامية ... وباكر الحي ن صرداها صرم
قوله وحبذا حين تمسي الريح باردة، جعل ما نفاه من الحب والحمد عما قدم ذكره من البلدان ثابتاً لوادي أشي وأهله، ونبه على انهم في أوان الجدب والقحط يشركون غيرهم من العشيرة في خيرهم، ويستنفذون الأموال التي يتنافس فيها فيما يجلب الحمد، وبيب النشر، إذا هبت الريح باردة، واقتشعرت البلاد هامدة، حتى يصير وسعهم مبذولاً لهم يتوسعون فيه إذا جر غيرهم الجرائر على عشيرته، وذوي لحمته، ثم من اكتسب جريمة منهم تكلفوا باستنقاذة منها، وأقاموا ظل الحماية والصيانة عليه فيها.
وقوله والمطعمون حذف مفعوله، وإنما يصقهم بأنهم يقيمون القرى للأضياف إذا هبت الريح شمالاً، وغادي الحي السحائب الباردة طوائف وفرقا. وقوله هضم جمع هضوم، وهو المنفاق في الشتاء. وقوله هبت شامية انتصب على الحال. وقوله الواسعون مأخوذ من الوسع وهو الطاقة، ويقال: لا يسعك كذا، أي لست منه في سعة. والصرم، أصله في أقطاع الإبل، فاستعاره.
стр. 951
وشتوة فللوا أنياب لزبتها ... عنهم إذا كلحت أنيابها الأزم
حتى انجلى حدها عنهم وجارهم ... بنجوة من حذار الشر معتصم
فللوا: كسروا. واللزبة: السنة المجدبة، وجعل الأنياب مثلاً لشدائدها. والكلوح: بدو الأسنان عند العبوس. والأزم: جمع أزوم، وهي العواض، وقوله وجارهم بنجوة، أي عز ومنعة. والنجوة: المرتفعة من الأرض لا يبلغها السيل، فضربه مثلاً للملاذ الذي أووا إليه في فنائهم حذراً من الشر، فيقول: دب شتوة دفعوا أذاها ومعرتها عن العشيرة أشد ما كانت، بما قاموا به من إصلاح أمورهم، وإزالة ضررها عنهم، إلى أن انكشف حدها عنهم، وجارهم معتصم فيهم بأحمى مكان، وأمنع عز وملاذ.
هم البحور عطاؤ حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقى بهم بهم
وهم إذ الخيل حالوا في كوائبها ... فوارس الخيل لا ميل ولا قزم
انتصب عطار على التمميز، ويجوز أن يكون مفعولاً له. وارتفع بهم بالابتداء، وخبره في اللقاء، ومفعول تلقي محذوف، كأنه قال: إذا تلقى بهم الأعداء. والبهم: جمع بهمة، وهو الشجاع الذي لا يدري كيف يوتى له، لاستبهام شأنه وتناهى شجاعته. والمعنى: هم البحور إذا اجتداهم المجتدى، لكثرة عطائهم، أي لا ينفذ عطاؤهم على كثرة الاجتداء، كما لا ينفد ماء البحر على كثرة الوراد، وهم بهم في اللقاء إذا لقيت بهم الأعداء، وإذا ركب الفرسان الخيل وثبتوا في كواثبها - والكاثبة: قدام المنسج منها - ففرسانها لالثام ضعاف صغار الأجسام، ولا ماثلون عن وجوه الأعداء. والميل: جمع أميل، وهو الذي يعرض عن وجه الكتيبة عند الطعان، وقيل: هو الذي لا يثبت على ظهر الدابة. ويقال: حال في ظهر دابته، إذا ركبها. وارتفع ميل على أن يكون معطوفاً على فوارس الخيل، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: لاهم ميل ولا قزم. وقد مضى القول في فوارس وشذوذه:
لم ألق بعدهم حياً فأخبرهم ... إلا يزيدهم حياً إلى هم
كم فيهم من فتى حلو شمائله ... جم الرماد إذا ما أخمد البرم
يقول: لم أخالط بعد فراقي لهم حياً من الأحياء فخيرتهم إلا وازدادوا في عيني ورجحوا، إذا قستهم بمن سواهم في قياسي ونظري، كمال آلة وتناهى رياسة،
стр. 952
وتوفراً على من متحرم بذمة، أو مدل بقرابة. وارتفع هم الأخير بيزيد، وقد وضع الضمير المنفصل موضع المتصل لأنه كان لوجه أن يقول: إلا يزيدونهم حباً إلي. وهذا كما يوضع الظاهر موضع المضمر والمضمر موضع الظاهر إذا أمن الالتباس. وانتصب فأخبرهم لأنه جواب النفي بالفاء، والعامل أن مضمرة بين الفاء والفعل.
وقوله كم فيهم من فتى حلو شمائله فكم للكتثير، وموضعه رفع بالابتداء وخبره من فتى. ومعنى جم الرماد أي كثير الأضياف، لأن الرماد إنما يكثر بحسب اتساع ضيافته، وكثرة غاشيته. والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر، ومفعول أخمد محذوف، والمراد ما أخمد البرم النار لبخله ولشدة الزمان ونكده. فجعل الفتى حلو الشمائل، وهي الطبائع؛ لأن الضيافة إنما تكرم وتشرف بحسن خلق المضيف وخفته في الخدمة، وملاطفته لضيوف، وتحفيه وبره بهم.
تحب زوجات أقوام حلائله ... إذا الأنوف امترى مكنونها الشيم
وصف النساء منهم بحسن التوفر على أشباههن، وكمال التفقد بما يهدين إليهن إذا قلت الهدايا واشتد الزمان، وبلغ البرد حداً يستخرج مكنون الأنوف من الرعام فيقول: زوجات الأبرام ومن يشبههم من ذوي الحاجة، أو الممتنعين من الميسر، يحببن أزواج هؤلاء الفتيان إذا أمحل الزمان واشتد القحط والجدب، لحسن تعطفهن عليهن، وصرف العناية وجميل التفقد إليهن. وامترى: استخرج. والشيم: البرد. وأراد بالمكنون المخاط. والحلائل: النساء المتزوجات سمين بذلك لأنها تحال أزواجها، أي تنزل معها؛ والواحدة حليلة وفعيلة بمعنى مفاعلة، كقعيدة، وجليسة.
ترى الأرامل والهلاك تتبعه ... يستن منه عليهم وابل رزم
كأن أصحابه بالقفر يمطرهم ... من مستجير غزير صوبه ديم
الأرامل: جمع الرمل والأرملة، لأنه يقع الذكر والأنثى، وهم الذين قد انقطع زادهم وضاقت الأحوال بهم. والهلاك، هم الفقراء الذين أشرفوا على الهلاك، وإنما قال تتبعه لأنهم كانوا يتفيئون بظله، ويعيشون في أفنيته من خيره. وقوله يستن منه عليهم وابل، مثل لما كانوا ينصب عليهم ويجري ويدوم، من إحسانه لهم، لأن الحيا يحي الأرض، كما أن معروف هؤلاء كان يحييهم.
стр. 953
والرذم السائل. ومعنى: يستن ينصب. سنت الماء وأسنته بمعنى. والوابل: المطر الضخم القطر. وقوله كأن أصحابه بالقطر يمطرهم، يريد أنهم في دورهم ومحلهم ذك فعلهم مع عشيرتهم، ومع روادهم ومؤمليهم، فإذا سافروا ترى الصحابة في المكان الخالي يمطرهم من نواله ما يجري مجرى الصوب من سحاب متحير ممتلىء ماء، غزيزر النوء، دائم السيل. والديم: جمع ديمة، وهي المطر يدوم بسكون، والمستحير والمتحير. بمعنى واحد. وهذا التحير إنما هو كناية عن الامتلاء. ويقال: استحار شبابه.
غمر الندى لا يبيت الحق بثمده ... إلا غدا وهو سامي الطرف يبتسم
إلى المكارم يبنيها ويعمرها ... حتى ينال أموراً دنها قحم
الغمر: الواسع العطاء. ومعنى بثمده يكثر عليه حتى يفنى ما عنده. والماء المثمود: المزدحم عليه حتى ينزر نزفاً. وقوله وهو سامي الطرف، أي لا يكسبه امتداد العطاء منه، ودوام الإحسان، غضاضة طرف وانكسار نشاط، بل يرى بعقبه ضحوكاً عالي النظر. وقوله لا يبيت الحق يثمده إلا غدا، يشتمل على معنى الشرط والجزاء، أي كلما بات الحق يثمدها عنده غدا سامي الطرف مبتسماً.
وقوله يبنيها ويعمرها، في موضع الحال، أي بانياً عامراً. وقوله إلى المكارم، اتصل إلى بقوله إلا غدا. والقحم: الشدائد، واحدتها قحمة، والمعنى أنه بذال سخي جم المعروف، لا يبيت تورد الحقوق نحوه يستغرق ماله إلا ابتكر وهو ضحاك عالي النظر إلى ابتناء المكارم، جرياً على العادة وألفاً لها، وهو يعمرها ويصل جوانبها بأمثالها حتى يصيب أموراً تحول بينها وبين من يريد نيلها والوصول إليها شدائد وتكاليف. وقحم الطريق: ما صعب منها، وفي الحديث: إن للخصومة قحماً، أي يتقحم على المهلك.
تشقى به كل مرباع مودعة ... عرفاء يشتو عليها تامك سنم
ترى الجفان من الشيزى مكللة ... قدامة زانها التشريف والكرم
стр. 954
ينوبها الناس أفواجاً إذا نهلوا ... علوا كما على بعد النهلة النعم
المرباع: الناقة التي من شأنها أن تضع ولدها في الربيع، وهي المحمود من النتاج، ولذلك قال:
أفلح من كان له ربعيون
ومرباع: بناء المبالغة. والمودعة: المكرمة الموفرة على التناسل لا تعمل ولا تحمل. والعرفاء: التي لسمنها صار لها كالعرف. والتامك: تلسنام المشرف. والسنم: العالي، ويقال: بعير سنم، أي مشرف السنام، والمعنى: تبقى شتوتها سمينة لا يغيرها الجدب والقحط، وإنما قال تشقى به، وهو يريد الفتى لأن المراد لا ينحر من الجزر إلا ما يتنافس فيه مثل ناقة هذه صفتها. وقوله ترى الجفان من الشيزى مكللة، يريد أن الجفان المعدة للأضياف عليها كالأكاليل من فدر اللحم، وقد زينها كرم بارع، وتشريف فاخر، وهذا بما يستعمله من اللطف والتأنيس مع الأضياف، ومن توفر خدمة الخدم عليهم، ولكمال بهاء المجلس وكونه مشحوناً بما يروق ويعجب. وقوله ينوبها أي ينتابوها طائفة بعد طائفة، وفوجاً بعد فوج، فإذا تنالوا النهل رجعوا فأعقبوه العلل، كما يفعل ذلك النعم عند وروده الماء. وانتصب أفواجاً على الحال. والنعم يقع على الأزواج الثمانية، والغالب عليها الإبل.
زارت رويقة شعثاً بعدما هجعوا ... لدى نواحل في أرساغها الخدم
وقمت للزور مرتاعاً وأرقني ... فقلت أهي سرت أم عادتي حلم
وكان عهدي بها والمشي يبهظها ... من القريب ومنها النوم والسأم
يصف الخيال فيقول: زارت خيال هذه المرأة قوماً غبراً، أنضاء مرها، بعدما ناموا عند إبل ضوامر مهازيل، شدت في أرساغها سيور الغد، لشدة سيرها وتأثير الكلال فيها، فقمت من مضجعي للطيف الزائر خائفاً، وطار النوم عني، وأخذني القلق، ووساوس النفس والزمع، فميلت الفكر بين شيئين أحدهما زيارتها بنفسها، والثاني حلم نائم اعتادني فأرانيها، وصرت أراجع نفسي وأقول: كيف يجوز مجيئها،
стр. 955
وكنت أعهدها وقطع المسافة القريبة كانت تتكلفه بشق النفس، وتحمل الثقل والكد. هذا والغالب عليها الملال مما يتعب وإن خف، وطلب الراحة بالنوم ليسير الخطب منها ببال ولو قل. وانتصب مرتاعاً على الحال.
وقوله أم عادني حلم، أم هذه هي المعادلة، والمعنى أي هذين الأمرين كان. وقوله أهي سرت، أسكن الهاء من هي مع ألف الاستفهام، لأنه أجراها مجرى واو العطف وفائه، فكلما يسكن معها لأنها لا تقوم بنفسها ولا تستقل كذلك أسكن مع الألف. ومعنى يبهظها: يثقل عليها ويشق. وقوله: والمشي يبهظها، خبر كان فيه. وقوله: وكان عهدي بها الواو واو الحال من قوله أهي سرت.
وبالتكاليف تأتي بيت جارتها ... تمشي الهوينا وما تبدو لها قدم
سود ذوائبها بيض ترائبها ... درم مرافقها في خلقها عمم
يقول: ومما عهدتها عليه أنها كانت تأتي بيت جارتها قضاء لذمام، او أداء لواجب حق، بعد الجهد والشدة، ومداورة النفس على أدنى الكلفة والمشقة، ومشيتها الهوينا، أي على رفق لا استعجال فيها ولا تهافت، ولا تقاذف في أعضائها ولا تتابع، ولذيلها على الأرض سحب وجر، فقدمها لا تبدو، ووقراها المتسبب من كبرها وعجبها لا يهفو. والهوينا: تصغير الهوني والهوني: تأنيث الأهون، وموضعها من الإعراب نصب على المصدر. وقوله تمشي الهوينا، في ضمنه ما يوصف به مثلها من الترفة وفرط الحياء، كما قال:
كأن لها في الأرض نسياص تقصه ... على أمها وإن تكلمك تبلت
وقوله سود ذوائبها يصفها بأنها في عنفوان شبابها، ففرعها أسود، وصدرها بما حواليه أبيض، ومرافقها لا حجم لها لكثرة لحمها، وخلقها تام لاستكمالها.
روبق إنى وما حج الحجيج له ... وما اهل بجنبي نخلة الحرم
قوله: وما حج الحجيج له يجوزأن يكون ما بمعنى الذي، كأنه أقسم بالبيت الذي حج إليه الحجاج، وبإهلال الحرم، وهو رفع الصوت بالتلبية، بجنبي نخلة،
стр. 956
وهو مكان بقرب مدينة الرسول ﵇ يقال له بطن نخلة. ويجوز أن يكون ما موضوعاً موضع من، على ما حكى أبو زيد من قولهم: سبحان ما سبح الرعد بحمده، ويكون الله تعالى المقسم به.
وقوله ما أهل يراد به وما أهل له، فحذف له لتقدم ذكره وطول الكلام به. ويجوز أن يكون الضمير من له يعود إلى الله تعالى وإن لم يجر ذكره، لأن المراد مفهوم، أي حجوا له إقامة لطاعته، وابتغاء لمرضاته. وجواب القسم في قوله لم ينسني. ويقال: أحرم الرجل بالحج فهو محرك، وقوم حرام وحرم ومحرمون.
لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم ... عيش سلوت به عنكم ولا قدم
ولم تشاركك عندي بعد غانية ... لا والذي أصبحت عندي له نعم
حلف بما حلف أنه لم يشغله عن ذكرهم منذ حصل الفرق بينهم، لا عيش استطابة لمساعدة الزمان له بما سره فتسلى عنهم، ولا بلى ما كان يستجده كل وقت من الوجد بهم وتذكار عهودهم تقادم أيام فتناساهم، ولا شاركها في مستوطن هواها ومقر حبه لها امرأة غانية، فتضايق عنها حماها. ثم ثنى اليمين توكيداً فقال: لا والله الذي أصبحت له عندي نعم مقابلتها بالشكر واجبة للأمر كما قلت، فحذف لأن المراد مفهوم.
وقوله لم ينسني ذكركم يجاب اليمين من حروف النفي بما، ولكنه اضطر فوضع لم ينسى موضع ماأنساني. ولا يمتنع أن ينفرد القسم الأول به جواباً، ويكون جواب القسم الثاني: ولم تشاركك عندي، لأنه خبر ثان، فقدم المقسم له على المقسم به، كما تقول: ما فعلته والله.
متى أمر على الشقراء معتسفاً ... خل النقا بمروح لحمها زيم
والوشم قد خرجت منها وقابلها ... من الثنايا التي لم أقلها برم
قوله: متى أمر استبعاد واستعجال بما يتمناه من العود إلى هذه الأماكن التي ذكرها. وراوه بعضهم حتى أمر، ويتعلق حتى بقوله لا والذي أصبحت عندي له
стр. 957
نعم، أي حصلت له نعم عندي كي أمر، لأن لحتى موضعين، والفعل بعدهما منصوب: أحدهما أن يكون بمعنى لأن وكي، والثاني أن يكون بمعنى إلى أن، تقول: جئتك حتى تكرمني، والمعنى لأن تكرمني، وكي تكرمني. وتقول: انتظر حتى تخرج، والمعنى إى أن تخرج. والشقراء، قال الأصمعي: يعني فرسه، وعلى هذا يكون الشقراء والمروح فرساً واحداً. والباء من بمروح، يتعلق بقوله معتسفاً، وعلى الشقراء بأمر، ويكون في موضع الحال، أي راكباً الشقراء. وانتصب معتسفاً على الحال. والاعتساف: الأخذ على غير هداية ولا دراية. يقال: فلان يتعسف الناس، أي يأخذهم بغيرالحق. والخل: الطريق في الرمل. والنقا: الرمل. والمروح: النشيط. ومعنى زيم: متفرق. ووشم وبرم: موضعان. والثنايا: العقاب. ويروى: من العقاب التي لم أقلها ثرم، وهي جمع ثرمة، وهي صدع يكون في الثنية. ومنه قولهم: فلان أثرم، إذا سقط بعض ثناياه فصارت بينهما فرجة. ولم أقلها: لم أبغضها. وقد قيل في الشقراء: إنه موضع أو هضبة. وانعطف الوشم عليه، وبمروح حينئذ يتعلق الباء منه بحتى أمر. وعلى الوجه الأول تنصب الوشم وتعطف على خل النقا.
ياليت شعري عن جنبي مكشحة ... وحيث يبني من الحناءة الأطم
عن الأشاءة هل زالت مخارمها ... وهل تغير من آرامها إرم
وجنة ما يذم الدهر حاضرها ... جبارها بالندى والحمل محتزم
قوله ياليت شعري يا حرف النداء، والمنادى محذوف. وهذا الكلام تحسر في إثر ما فاته من أمر الأرضيين المذكورة. وشعري أسم ليت، وخبره محذوف لا يظهر البتة، ومفعولاً شعري قوله هل زالت مخارمها. وقوله عن جنبي مكشحة بيان ما تمنى علمه، وفي أي جانب هو. ويروى: عن جزعي مكشحة وحوث. والجزع: جانب الوادي. ومكشحة: أرض. وحوث لغة في حيث، لأن فيه أربع لغات: حيث، وحيث، وحوث، وحوث. فالضم تشبيهاً له بالغايات قبل وبعد، والفتحة لخفته. والحناءة: أرض. والأطم: الحصن وكل بناء مرتفع، والجمع آطام.
стр. 958
وقوله عن الأشاءة، فإن كان الأشاءة موضعاً وبعض ما يقع عليه مكشحة فإنه بدل من عن جنبي مكشحة، وقد أعيد حرف الجر معه. وإن كان النخلة فإنه يجوز أن يريد بقعتها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ولا يمتنع أن يكون أراد: وعن الأشاءة، فحذف العاطف كما تقول: رأيت زيداً، عمراً، خالداً. وأنشدنا أبو علي الفارسي:
كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يزرع الحب في فؤاد الكريم
فيقول: ليت علمي كان واقعاً بأحوال هذه المواضع، وهل هي باقية على ما عهدتها من قبل، أو هل تغيرت أعلامها وزالت مخارمها. وإنما يدل على حنينه إليها، وتأسفه على البعد عنها. وقوله وجنة يريد وعن جنة حاضرها يرضي عن الدهر ويحمده، فلا يتسخط أيامه، ولا يذم عوارضه. والجبار من النخل: ما فات اليد طولاً. وقوله بالندى والحمل محتزم تنبيه على الخصب فيها، وعلى غضارة عيش سكانها. والاحتزام كالالتفاف، ويروى جبارها بالندى والخير.
فيها عقائل أمثال الدمى خرد ... لم يغذهن شقا عيش ولا يتم
ينتابهن كرام ما يذمهم ... جار غريب ولا يؤذي لهم حشم
مخدمون ثقال في مجالسهم ... وفي الرحال إذا صاحبهم خدم
قوله فيها أي في الجنة. عقائل، أي نساء كريمات، كأنهن الصور المنقوشة حسناً، منعمات لم تمسهن فاقة وفقر، ولا جهدن بأيام أدبرت عنهن، ولا شقين بمناكدة عيشهن، ولا أصبن بموت كافلهن أو قيمهن، عفيفات، حييات، لا يعرفن منكر الأخلاق، ولا مايشين من الأفعال، فهن ربائب النعم، وغرائر الزمن، ومدللات العشائر والسكن.
وقوله: ينتهابهن كرام مدح الرجال عطفاً على مدحهن فقال: يدبر هؤلاء النسوة رجال كرام أعزاء، يحمدهم الجار الغريب، لوفائهم له بالعقد، وحسن تعطفهم عليه عند البلاء والجهد، ويرضى عنهم الخليط النسيب لجمال عشرتهم،
стр. 959
وكرم أخلاقهم، لا كبر فيهم، ولا ترفع نعهم، ثم ترى حشمهم يسالمهم في الحضر رزان سادة يخدمهم من يغشاهم، وفي السفر خفاف لطاف يكرمون الصابة والمرافقة، ويخدمون الغاشية والمجاورة، ويتحملون في أحوالهم المؤن المجحفة، وفي أموالهم النوب المثقلة. والحشم: خدم الرجل ومن يحتشم له، أي يغضب عند النازلة، ويدافع دونه لطروق الكائنة. وقوله ينتابهن، يروى: يأتابهن يفتعل من الإياب.
بل ليت شعري متى أغدوا تعارضني ... جرداء سابحة أو سامح قدم
نحو الأميلح من سمنان مبتكراً ... بفتية فيهم المرار والحكم
ليست عليهم إذا يغدون أردية ... إلا جياد قسى النبع واللجم
بل: حرف يدخل للإضراب عن الأول والإثبات للثاني، كأنه لما صرف الكلام عما كان فيه وشغله بغيره أتى ببل، إيذاناً بذلك. فيقول: ليت علمي واقع بما يقتضي هذا السؤال، وهو متى ابتكر من سمنان نحو الأميلح - وهما موضعان - وتعارضني في السير حجر قصيرة الشعر، تسبح في عدوها، أو ذكر سابق يسبق أصحابه ويتقدمها من حيث جرى، ومعي فتيان فيهم هذان المذكوران، ثم وصف الفتيان بأنهم لا يهمهم إلا الفروسية وركوب الخيل، وإعداد آلات الحرب، والصيد والطرد. وقوله إلا جياد رفعة والوجه الجيد النصب، لأنه منقطع مما قبله، لكن بني تميم يرفعون مثل هذا على البدل. وهذا يشبه بدل الغلط، لهذا ضعف في الإعراب.
والبيت يشبه قول لبيد:
فرط وشاحي إذ غدوت لجامها
وانتصب مبتكراً على الحال. وقسى مقلوب، وأصله قووس، ويروى: قياس النبع. والمرار قيل هو أخوه. والحكم: ابن عمه، كذا ذكره الأصمعي.
من غير عدم ولكن من تبذلهم ... للصيد حين يصيخ القانص اللحم
стр. 960
فيفزعون إلى جرد مسحجة ... أفنى دوابرهن الركض والأكم
قولهمن غير عدم ولكن، تعلق من بقوله ليست عليهم إذا يغدون أردية. والمعنى أن إخلالهم بلبس الأردية واستسرائها والتأنق فيها، لا لفقر وفاقة، لكن لولعهم بالصيد، وتبذلهم له في الوقت الذي يستمع الصائد القرم إلى اللحم إلى أصحابه، في اختيار مواضع الصيد، وافتقاره لقلته. ويروى: حين ينادي السائف اللحم. قال الأصمعي: يريد يرتدون بقسيهم ولجم خيلهم إذا ابتكروا، لا هم لهم غيره. والسائف: الذي يحوش الصيد على أصحابه، أي ينادي أصحابه باعثاً على الأخذ، ومحذراً من الفوت. وقوله فيفزعون إلى جرد مسحجة أي يلتجئون إلى خيل قصيرة الشعر، نشيطة، قد سحج بعضها بعضاً بالعض والاستنان. ويجوز أن يريد أن العمل والكد سحجها، ألا ترى أنه قال: أفنى مآخير حوافزهن ركض الفرسان لها، واستحثاثهم إياها، وتأثير الإكام في حوافرها، لأن جريها كان عليها. ويقال: أكمة وأكم، وإكام وأكم.
يضرحن صم الصفا في كل هاجرة ... كما تطايح عن مرضاحه العجم
يغدو أمامهم في كل مربأة ... طلاع أنجدة في كشحه هضم
أصل الضرح الرمي. وإنما وصف الخيل بصلابة الحوافر، وأنها تكسر ما تطأه من صلاب الصفا إذا سارت في الهاجرة. ثم شبه ما يتطاير من حوافرها من الحصي بما يتطاير من النوى عن مرضاحه. والمرضاح: الحجر الذي يكسر عليه النوى أو به. ومعنى تطايح: تطاير. وقوله: يغدو أمامهم يعني في التصيد. والمربأة: المحرسة. وقوله طلاع أنجدة جمع كفرخ وأفرخة، ولا يمتنع أن يكون أنجدة جمع نجاد، ونجاد جمع نجد، فيكون أنجدة جمع الجمع. ويقال: طلع الجبل، إذا علاه. والهضم: انضمام الضلوع. يصف خفته وشهامته، وابتذاله نفسه في الصيد والفروسية.
стр. 961
وقال عمرو بن ضبيعة الرقاشي
تضيق جفون العين عن عبراتها ... فتسفحها بعد التجلد والصبر
وغصة صدر أظهرتها فرفهت ... حزازة حر في الجوانح والصدر
العبرة: الدمعة، وقد استعبر، أي جرى عبرته، ويقال: لامه العبر، وأراه عبر عينه، أي سخنه عينه وما أبكاه. فيقول: تمتلىء العين دمعاً حتى تتضايق جفونها عن احتباسه، فتصبها بعد تجلد منها في الإخفاء، وتصبر على مدافعة البكاء.
وقوله وغصة صدر يريد غمة اغتص بها الصدر فأظهرتها، بعد أن كانت لا تسوغ بتنفس الصعداء، فسكنت تفظيع لوعة تمكنت بين الجوانح والصدر. والجزازة: وجع القلب من أذى يصيبه. والجوانح: الأضلاع القصيرة، الواحدة جانحة. وقوله: رفهت: وسعت؛ وعيش رافة.
ألا ليقل من شاء ما شاء إنما ... يلام الفتى فيماا استطاع من الأمر
قضى الله حب المالكية فاصطبر ... عليه فقد تجرى الأمور على قدر
ألا: افتتاح كلام. واللام من ليقل لام الغائب، وقد يدخل في فعل الحاضر، على ذلك ما روى عن النبي ﷺ أنه قرأ: " فبذلك فليفرحوا ". وقوله ماشاء أراد ماشاء أن يقوله، فحذف المفعول، وكذلك قوله من شاء محذوف المفعول، أي من شاء القول؛ فإن الملام يستحقة الفتى فيما يطيقه ويدخل تحت مقدوره ثم لايفعله، فأما ما لا يطيقه فقد سقط اللوم فيه عنه.
وقوله " قضى الله حب المالكية "، يريد حتمه الله عليك وأوجبه، فتكلف الصبر فيه، فقد تجري الأمور على قدر، أي على تقدير، تضيق السبل عن الانفكاك منه، فلا حيلة فيه إلا التزامها. وهذا تسلية منه لنفسه وبعث لها على الرضا بما قسم له. وقضي عليه.
وقالت وجيهة بنت أوس الضبية
وعاذلة تغدو على تلومني ... على الشوق لم تمح الصبابة من قلبي
стр. 962
فما لي إن أحببت أرض عشيرتي ... وأبغضت طرفاء القصيبة من ذنب
تقول: رب لائمة همها مقصور على لومي وعتبي، فيما أهواه وأميل إليه، وأعد نفسي به فتتشوقه، فلا يؤدي عتبها إلى طائل لها، لأن تنصحها مردود، ووعظها مدفوع؛ ولا إلى طائل لي، إذ كان لاتزداد الصبابة في قلبي إلا تمكناً وثباتاً، ولا الاشتياق اللازم لي إلا ازدياداً ودواماً؛ وأنا إذا أحببت أرض عشيرتي ورهطي، ووطن أحبتي وأهلي، ومسقط رأسي، وحيث حل الشباب تميمتي، وأبغضت القصيبة منبت الطرفاء، أرضاً لم أقض مأربةً فيها، ولا أوجبت مذمة لها، فلا ذنب لي ألام فيه، ولا جريرة مكتسبة فأعتب عليها.
وقوله " من ذنب " في موضع الرفع، لأنه اسم مالي، وجواب الجزاء من قوله " إن أحببت أرض عشيرتي " في قوله " مالي من ذنب "، وجواب رب في قوله " لم تمح الصبابة ".
فلو أن ريحاً أبلغت وحي مرسل ... حفي، لناجيت الجنوب على النقب
فقلت لها أدى إليهم تحيتي ... ولاتخلطيها، طال سعدك، بالترب
فإني إذا هبت شمالاً سألتها ... هل ازداد صداح النميرة من قرب
الوحي: مصدر وحيث لك بخير، أي أجبرت؛ ويستعمل أوحى ووحي في معنى البعث والإلهام. والإيحاء: الإيماء والإشارة. فيقول: لو أن ريحاً أدت خبر مرسل، أو بعث ملح منفذ لساررت ريح الجنوب على الطريق - والحفي يكون الملح، ويكون اللطيف، ومصدره الحفاية. والنقب: الطريق في الجبل - ولقلت: ياريح بلغيهم تحيتي، وصونيها عن الإذالة، وخلطها بالتراب، أطال الله سعادتك. وقوله " طال سعدك " دعاء لها، وهو من الاعتراضات المستحسنة، ومثله قول الآخر:
فما مكثنا دام الجميل عليكما ... بثهلان إلا أن تزم الأباعر
وقول الآخر:
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
стр. 963
وقوله: فإني إذا هبت الريح شمالاً، انتصابه على الحال. وساغ ذلك فيه لكونه صفةً لااسماً. وعلى هذا الجنوب والقبول والدبور، يجوز في جميعها أن تقع أحوالاً لكونها صفات. وكأن الجنوب كانت تهب من نحو أرضه مستقبلةً لديار أحبته، فلذلك جعلها رسوله. وكانت الشمال تهب من ناحية أرض حبيبه مستقبلةً بلاده، فلذلك زعم أنه يسائلها عما استعجم عليه من أخبارهم.
وقال ابن الأعرابي: مهب الجنوب يمان من قبل اليمن، وقلما تسري بالليل، وهي مباركة. والشمال شآمية، فهي أكثر الرياح هبوبا، وهي صاحبة الشتاء.
و" صداح النميرة " الصدح: الصوت، يقال: صدح الديك والغراب، إذا صوتا. ويعني جلبة الصوت ونداء داعيهم. والمنادى بالرحيل فيهم كأنه ينتظرهم لحضور وقت انتجاعهم ونهضاتهم، وكان يتعرف ذلك ليستبشربه.
وقال مرداس بن هماس الطائي
هويتك حتى كاد يقتلني الهوى ... وزرتك حتى لامني كل صاحب
وحتى رأى مني أدانيك رقةً ... عليك ولولاأنت ما لان جانبي
ألاحبذا لوما الحياء وربما ... منحت الهوى ما ليس بالمتقارب
بأهلي ظباء من ربيعة عامر ... عذاب الثنايا مشرقات الحقائب
يقول: بلغت الغاية القصوى في كل ما كان فيك ولك، فحملت نفسي من أعباء الهوى وطلب التناهي فيه ما كاد يأتي علي، أعد ذلك واجباً لك أؤديه، وفرضاً من حقوقك أقيمه وآتيه، ثم أدمنت الزيارة خادماً، وترددت في التعرف والاستعطاف متقرباً، حتى توجه إلى اللوم من أصحابي، واستسرفني في البرجيرتي وأودائي، وإلى أن ظهر لأقاربك شفقتي عليك ورقتي، ووضح ما اشتهر به أمري عندهم وعرف. ولولا أنت لبقيت على ما وجدت عليه قديماً من صبانة النفس وإكرامها وتبعيدهاعن المراكب الشائنة المؤدية إلى ابتذالها، فلم يلن جانبي، ولم يزل جماحي وصعوبتي.
стр. 964
وقوله " ألا حبذا " المحبوب محذوف، كما حذف المحمود في قولهتعالى: " نعم العبد إنه أواب "، والمراد حبيب إلى التهتك في الهوى، وتجاوز المألوف فيه إلى المستشنع القبيح، لولا الحياء، على أني ربما منحت هواي مالا مطمع في بلوغه ودنوه. وهذا كما قال أبو تمام:
غالي الهوى، مما يرقص هامتي ... أروية الشعف التي لم تسهل
وقوله " بأهلي ظباء " رجوع منه إلى استلذاذ الهوى وإظهار التجلد فيه، فيقول: أفدي بأهلي نساء من ربيعة عامر، عذاب المباسم، حسان الثغور والمضاحك، عظيمات الأكفال، مشرفات الأرداف.
والحقائب: جمع الحقيبة، وهي عجز الرجل والمرأة جميعاً. ويقال: امرأة نفج الحقيبة. والقصد بالتفدية في قوله " بأهلي ظباء " إلى صاحبته، وإن كان لفظه عاماُ لها ولغيرها.
وقال بعض بني أسد
تبعت الهوى يا طيب حتى كأنني ... من أجلك مضروس الجرير قؤود
تعجرف دهراً ثم طاوع أهله ... فصرفه الرواض حيث تريد
وإن ذياد الحب عنك وقد بدت ... لعيني آيات الهوى لشديد
يقول: أعطيت الهوى مقادتي فيك، فتبعته حيث جرني، لاأتمنع عليه، ولا أطلب معدولاً إليه، حتى صرت كأنني بعير قد عضه الجرير فلان وانقاد.
والجرير: جبل مضفور من أدم. والضرس: العض. والقؤود: فعول في معنى مفعول، فهو كالقتوب والركوب، والهمزة فيه بدل من العين.
وقوله " تعجرف "، أي أخذ غير القصد زماناً، لأنه كان صعباً ثم تذلل ودخل في طاعة مداوره، وهذا مثل ضربه للنفس في ابتداء هواه، وأنه تأبى عليه مدة، فتردد بين جده وهزله، واقتساره وليانه، حتى ركب منه كل مركب، واستوطأ ظهره كل كل استيطاء. فهذا معنى " وصرفه الرواض حيث تريد ".
стр. 965
وقوله " وإن ذياد الحب عنك "، يريد أن دفاع حبه عنها وصرفه عسر صعب وقد بدت آيات الهوى. والمعنى أن للهوى علامات حيث مالت بالإنسان ذهب معها، فيعد الغي رشداً، ويرى التهالك فيه حياةً، ولورام دفع حبه عنه، ولي نفسه دونه، لتعذر وامتنع.
وما كل ما في النفس للناس مظهر ... ولاكل مالا تستطيع تذود
وإني لأرجو الوصل منك كما رجا ... صدى الجوف مرتاداً كداه صلود
يقول: ليس جميع ما يشتمل عليه صدري، ويشقى في الهوى بتحمله جوانحي، ممكناً إظهاره؛ ولا كل ما تطيقه النفس، أو لاتنهض به، يسهل دفعه؛ فأنا أسير الهوى وتبيعه، متردد في بلواه، لاأجد منه مخلصاً، ولا استطيع عنه ملجأً ومناصاً.
وقوله " وإني لأرجو الوصل منك " يقول: وعلى ما أصفه من حالي فيك أرجو وصالك رجاء إنسان شديد العطش، يطلب الماء من موضع حفره فأكدى، أي بلغ كديته، وهي حجر يعرض في البئر عند الاحتفار فيمتنع قطعه بالمعاول، وجمعها كدي. وهذا مثل، والمعنى أن رجائي في خيرك مع حاجتي رجاء رجل عطشان يطلب الماء ويرجوه من بئر هكذا. والصلود: اليابس، ويقال للبخيل: أصلد وصلد وصلود، تشبيهاً به، وكذلك زند صلود إذا لم يور. والمرتاد: الطالب، ومفعوله محذوف، ويجوز أن يعنى بالمرتاد المطلوب، ويراد به الماء، وقد أقام الصفة مقام الموصوف، وعلى الوجه الأول ينتصب على الحال.
وكيف طلابي وصل من لو سألته ... قذى العين لم يطلب وذاك زهيد
ومن لو رأى نفسي تسيل لقال لي ... أراك صحيحاً والفؤاد جليد
يصف بخلها وتمنعهافيقول: كيف أستجيز طلب وصال إنسان لو سألته إزالة قذى العين لم يجبني إليه، وذاك قليل فيما يسأل ويلتمس. فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، كما قال الآخر:
يا صخر وراد ماء قد تناذره ... أهل الموارد ما في ورده عار
стр. 966
يريد: ما في ترك وروده عار، فحذف المضاف. ويجوز أن يريد لو سألته ألا يقذى عيني، كما تقول: سألت فلاناً ضرب فلان، أي استوهبته صربه لم يطلبني. ويجوز أن يريد من لو سألته تافهاً لا خطر له ولا اعتداد به، فضرب المثل بالقذى، والمعنى: لو سألته ما يقذي العين.
وقوله " من لو رأى نفسي " عطفه على من لو سألته، يريد: ولو رأى دمي يسيل لقال لقسوة قلبه علي: أراك صحيحاً لاداء بك ولا آفة، وقلبه جليد، أي يرق لي ولا يرحمني، والمراد على هذا بالقلب قلب المرأة، ويكون الواو في " والفؤاد " واو الحال، ويجوز أن يكون من تمام الحكاية ومن كلام المرأة، والمعنى أنها تقول مع ما ترى من سيلان دمي: أرى نفسك صحيحة، وقلبك ثابتاً ماضياً، لا آفة بك ولا غائلة.
فيأيها الريم المحلى لبانه ... بكرمين كرمي فضة وفريد
أجدي لاأمسي برمان خالياً ... وغضور إلا قيل أين تريد
كأنه استعطفها وذكرها اشتهاره بها، وتوجه التهم إليه بسببها، حتى ضاق بهذين الموضعين مجاله، وتعسر عليه وإن تفرد فيها إمساؤه.
والرئم: الظبي الخالص البياض. والمحلى لبانه، أي ترائبه. بكرمين، أي بقلادتين. والفريد: الدر. واللبان: الصدر. وقوله " وفريد " إن جعلته معطوفاً على فضة يكون إقواءً، ولك أن ترفعه بالابتداء والخبر محذوف، كأنه قال: وفريد فيهما. ويروى: " كرما فضة وفري "، فينعطف الفريد على " كرما " ويكون الكلام على الاستئناف لا الإبدال، كأنه قال: هما كرما فضة وفريد. وهذا أصح وأجود.
وقوله " أجدى " يريد: أعلى جد منى هذا الأمر، وهو أني لا أمسي منفرداً بنفسي برمان وغضور إلا قيل: أين مرادك. و " أجدى " في موضع المصدر، والفعل العامل فيه محذوف، وذكر الإمساء والمراد الإمساء والإصباح جميعاً، لكنه اكتفى بذكر أحدهما لعلم الناس بأن حاله فيما ذكره يستوي فيه الليل والنهار.
وقال رجل من بني الحارث
منىً إن تكن حقاً تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا
стр. 967
أماني من سعدى حساناً كأنما ... سقتك بها سعدى على ظمإ بردا
المنى: جمع منية، وموضعها من الإعراب رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هي منىً. فيقول: هذه الخصال التي نعد بها أنفسنا في هذه المرأة وتعدنا بها، لاتخلو من أن تكون صادقةً أو كاذبةً؛ فإما نعيش بذكرها منتظرين لها زمناً ممتداً، وعيشاً واسعاً رافها.
وقوله " أماني من سعدى " نصب بإضمار فعل، كأنه قال: أذكر أماني من سعدى. وكرر لفظ سعدى تلذذاً لاسمها، وقد تقدم القول في أن الأعلام وأسماء الأجناس يفعل بها ذلك. والمعنى أذكر أماني من هذه المرأة جميلةً تزجى أوقاتنا، وكأن موقعها من قلوبنا موقع الماء البارد من ذي الغلة الصادي. وقوله " زمناً رغداً " الرغد: السعة في العيش. ويقال: عيش راغد ورغيد. وانتصاب رغداً على أنه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: عشنا عيشاً رغداً بها زمناً. ولا يمتنع أن يكون صفةً لقوله زمناً، كأنه قال عيشاً واسعاً. وقوله " على ظمإ بردا " يريد ماءً ذا برد.
آخر:
وخبرت سوداء القلوب مريضةً ... فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
فوالله ما أدري إذا أنا جئتها ... أأبرئها من دائها أم أزيدها
قوله " خبرت " تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، ومريضةً المفعول الثالث. وقوله " أعودها " في موضع الحال من أقبلت. ويجوز أن يريد بقوله " سوداء القلوب " أنها تحل من القلوب محل السويداء منه، كأن القلوب على اختلافها تميل إليها وتنطوي على حبها. ويجوز أن يكون كان اسمها سوداء وأضافها إلى القلوب، كما قال ابن الدمينة:
قفي يا أميم القلب نقض تحيةً ... ونشكو الهوى ثم افعلي ما بدالك
стр. 968
ويجوز أن يكون أراد أنها قاسية القلب سوداؤه، فجمع القلب بما حوله فقال القلوب، أو لأنها كأن لها مع كل متيم بها قلباً، فقال القلوب على ذلك. فيقول: نبيت أنها تألمت لعارض علة، فأقبلت من أهلي بمصر عائداً لها، ووالله أحلف ما أدري إذا حصلت عندها أأصبر شفاءً مما بها، أو أزيد في شكواها لتبرمها بي؛ كأنه ظن بها تنكراً وحؤولاً عن العهد. وقوله " أم أزيدها " يريد: أم أزيدها داءً، فحذف لأن المراد مفهوم.
وقال آخر:
إني وإياك كالصادي رأى نهلاً ... ودونه هوة يخشى بها التلفا
رأى بعينيه ماءً عز مورده ... وليس يملك دون الماء منصرفاً
يقول: مثلي ومثلك في مساس حاجتي إليك، وتناهى رغبتي في وصلك والنيل منك، وفي احتجازك عني وامتناعك منى، مثل رجل عطشان شاهد ماءً، وقد حال بينه وبين وروده وهدة عميقة يخشى من اقتحامها الهلاك، فالماء بمرأى منه، وقد غلبه المانع عنه، ليس يقدر على انصرافه من دونه، لغلبة العطش عليه، وشدة الفاقة إليه، فكذلك أنا وأنت. وقوله " رأى نهلاً " في موضع الحال، وقد مقدرة في الكلام، لأن رأى بناء للماضي. والنهل والمنهل: الماء، وموضع الماء. وقوله " ودونه هوة " في موضع الصفة للنهل، كما أن عز مورده في موضع الصفة للماء. وإنما قال " رأى بعينيه " فذكرالعين تأكيداً للرؤية. ومثله قوله تعالى: " ولاطائر يطير بجناحيه " وما أشبهه.
وقال آخر:
ألا بأبينا جعفر وبأمنا ... نقول إذا الهيجاء سار لواؤها
ولا عيب فيه غير ماخوف قومه ... على نفسه ألا يطول بقاؤها
قوله ألا بأبينا، الجملة في موضع المفعول لقوله نقول. والباء من بأبينا تعلق بفعل مضمر، والمراد: نفدى بأبينا وأمهاتنا جعفراً إذا سار الخميس وحمل لواء الجيش قاصداً إلى الهيجاء. وأضاف اللواء إلى ضمير لحاجتها إليه.
стр. 969
وقوله ولا عيب فيه يريد أن جعفراً بريء من العيوب إلا من مخافة قومه على نفسه ألا تطول مدتها، ولا يتنفس مهلها. وليس ذلك بعيب، وإنما يشفقون مما ذكر تنافساً في حياته، ورغبة في الانتفاع به وبمكانه، لكنه أراد أن من ذلك معيبه، فكيف يكون مرضيه. فإن قيل: لم أدخل هذا في جملة النسيب وليس هو منه؟ قلت: لطافة لفظه وحلاوة معناه، ومناسبته بذلك للنسيب، أدخلته في هذا الباب. وقد فعل لمل هذه العلة مثل هذا فيما تقدم، ونبهنا عليه.
وقال آخر:
وإني على هجران بيتك كالذي ... رأى نهلاً ريا وليس مناهل
يرى برد ماء ذيد عنه وروضة ... برود الضحى فينانة بالأصائل
يقول: إني على ما أجرى عليه من تعزلي لبيتك، ومهاجرتي لفنائك، ولما أتقى به من مكاشفة الرقباء على ترصدهم بالمكروه لي ولك، واختلافهم في التقاط حديثي وحديثك، لكالعطشان وقد رأى ماء مروياً كثيراً، بارداً شهياً، فمنع منه، وشافه روضة باردة الظل عند الضحاء، كثيرة الأفنان والغصون، إذا هبت رياح العشاء فحيل بينه وبينها. والنهل: الماء. والناهل: الريان هاهنا، ويكون العطشان أيضاً في غير هذا. وذيد عنه، أي منسع منه. والفينانة: الكثيرة الأفنان؛ وهو فيعال. والفنن: الغصن. والأصائل: العشيات.
وقوله يرى برد ماء، فيقول: يرى ماء بارداً، لأن البرد لا يدرك بالعين. وإن شئت قلت: جعله للمبالغة في الوصف كالمحسوس.
وقال آخر:
فمرا على أهل الغضي إن بالغضى ... رقارق لا زرق العيون ولا رمدا
أكاد غداة الجزع أبدى صبابة ... وقد كنت غلاب الهوى ماضياً جلدا
يخاطب صاحبين له يسألهما أن يجوزا بأهل الغضى، لأن فيها نساء يترقرق ماء الشباب فيهن، لا زرق في عيونهن ولا رمد. ويقال: فتى رقراق، وفتاة رقراقة،
стр. 970
والمراد به ابتداء الشباب. وذكر بعضهم أن المراد بالرقارق مياه رقيقة، وأن الزرق الصافية، والرمد المتغيرة الألوان، والأول أقرب، لأن الرمد لا يستعمل إلا في الحاسة، ولأن الفائدة في كون مياه بالغضي على هذه الصفة قليلة. وقصد الشاعر فيما كلف صاحبيه أن يجددا عهد بأهل الغضى، ويتعرفا من أخبار محبوبته، ما تسكن نفسه إليه. وفي قوله إن بالغضي رقارق، إذا جعلت الرقارق نساء، نسيب بها وبصواحبها: وقوله لا زرق العيون، ثبت لهن كحل العيون وسلامتها من الآفات، بنفي الأضداد عنها، وهذا كتحديد الشيء بالسلب.
وقوله أكاد غداة الجزع يصف ما ناله يوم البين، وأنه مع ثباته في الشدائد، وصبره على النوائب، وحسن تمسكه عن جوالب الهوى، يفتضح ويظهر عليه من الاكتئاب والوجد ما يستدل به على مستكنات صبابته، وخفيات أحواله.
فلله درى أي نظرة ذي هوى ... نظرت وأيدى العيس قد نكبت رقدا
يقربن ما قدامنا من تنوفة ... ويزددن ممن خلفهن بنا بعدا
قوله لله درى يجري مجرى: لله خيري. ومن عادتهم أن ينسبوا ما يعجبهم إلى الله تعالى ذكره، وإن كانت الأشياء كلها في الحقيقة له. وقد فارق درى بالاستعمال على هذا الوجه المصادر، فلا يتعلق به شيء من متعلقاتها. وقوله أي نظرة ذي هوى تعجب، وانتصب أي بنظرت. وكأنه لما صبر عندما رأى من أيات الفراق ولواذع البين، وصار بمرأى منه وبمسمع، من التهيؤ للارتحال، ومن تدبير عوارض السفر، عد ذلك من نظره وجلده شيئاً عجيباً. ومعنى نكبت رقدا وهو موضع كان يجمعهم. ويجوز أن يريد بذلك نظره في إثر الظعائن تحسراً وصاحبته معهن، كما قال الآخر:
بعيني ظعن الحي لما تحملوا ... لدى جانب الأفلاج من جنب تيمرا
وقوله:
ولما بدا حوران في الآل دونها ... نظرت فلم تنظر بعينيك منظرا
стр. 971
ويكون على هذا قوله نكبت رقدا معناه انحرفن عنه وتركنه، لكونه مفرق الطرق.
وقوله يقربن ما قدامنا من تنوفة وصف العيس بالسرعة. والتنوفة: المفازة. والمراد أن ما يقطعه غيرها في يومين تقطعها هذه في يوم. والكلام تحسر وتوجع، لتباعده عمن هواه معهم. ومثله قول الاخر:
إذا نحن قلنا وردهن ضحى غد ... تمطين حتى وردهن طروق
وتعلق الباء من قوله بنا بقوله يزددن. وبعدا، انتصب على التمييز.
وقال ابن هرم الطائي
إني على طول التجنب والنوى ... وواش أتاها بي وواش بها عندي
لأحسن رم الوصل من أم جعفر ... بحذ القوافي والمنوفة الجرد
يصف حسن تأتيه في عمارة الهوى والحب، وبليغ لطفه في تلافي ما يخاف انقطاعه من علائق الوصل، وانتكائه من وثائق العهد، لوشاية واش، أو تضريب مفسد، أو قدح ساع بالنمائم متزيد. فيقول: إني على مطاولة البعاد، ومعاونة الوشاة بالتحريش والإفساد، لأحسن عمارة الحال بيني وبينها، ورم ما يسترم من جوانب وصالها، بما أنظمه من الشعر، وأحكمه من عقد السحر في رسائلي، وأردده من الرسل المتوجهين إليها على رواحلي. وقيل في الحذ: إنها الأبيات النافذة، وقيل: هي الخفيفة الوزن، اللطيفة السبك. وقيل: إنها المستقلة بأنفسها، ويقال: بيت أحذ، إذا لم يكن مضمناً. والمنوقة: المروضة المذللة من النوق. كذا قال الخليل. والجرد: السراع. ويقال: نجاء أجرد. قال الشاعر:
جذب القرينة للنجاء الأجرد
وخبر إن في قوله لأحسن رم الوصل.
وأستخبر الأخبار من نحو أرضها ... وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي
فإن ذكرت فاضت من العين عبرة ... على لحيتي نثر الجمان من العقد
стр. 972
قوله وأستخبر الأخبار، يجوز أن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. والمراد: وأستخبر ذوي الأخبار من نحو أرضها. ويجوز أن يريد أرجع فيما أعرف من أخبارها فيما بيني وبين نفسها حالاً بعد حال، طالباً لاستخراج زيادة فيها، ومستمتعاً بما يكون حاصلاً فيها، فكأني أستخبر نفس الخبر. وقوله وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي مثله قول الآخر:
وذكرك من بين الحديث أريد
استحلاء لاسمها، وتلذذاً بذكرها.
وقوله فإن ذكرت يقول: وإذا قرع سمعى ذكرها بكيت شوقاً إليها، ووجداً بها، فسال الدمع من عيني، وانتثر ما غشى لحبتي منه نثر الجمان من قلادة لم يتفقد نظامها، وخان سلكها، وتناثر حباتها. وانتصب نثر على المصدر من غير لفظه، فهو كقولك: تبسمت وميض البرق، وقوله عهدهم عهدي، الجملة في موضع الحال من أسأل.
وقال عمرو بن حكيم
خليلي أمسى حب خرفاء عامدي ... ففي القلب منه وقرة وصدوع
ولو جاورتنا العام خرقاء لم نبل ... على جدبنا ألا يصوب ربيع
جعل أمسى لاتصال الوقت. وخرقاء: اسم امرأة. وقوله عامدي: ممرضى، يقال: أي شيء يعمدك، أي يوجعك. والوفرة: الهزمة والأثر. يقال: وقر الشيء، إذا جعل فيه وقرأت. قال الهذلي:
فوقر بز ما هنالك ضائع
يعني بالبز سيفا.
يقول: يا خليلي، إن حب خرقاء أمسى يقدح في قلبي، فقد صار فيه من أجله صدوع، وآثار وشقوق، ولو اتفق في هذا العام معها اجتماع لم نبال وإن أجدينا ألا
стр. 973
يقع مطر؛ إذ كان التبرك بها، والاستسعاد الشامل بمكانها، يقوم مقام كل خصب. وقوله لم نبل جزمه مرتين لأنه كان نبالي، فدخل الجازم عليه فحذف له الياء فصار لم نبال، ثم أسكن اللام بعد أن طلب تخفيفه لكثرته في الكلام، فالتقى ساكنان: الألف واللام، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار لم نبل، ومثل هذا لا ينقاس. وقوله على جدبنا في موضع الحال، تقديره مجدبين. ويقال: صاب المطر يصوب، إذا وقع. والربيع: المطر. ويقال: ما باليت بكذا وكذا وبالية. أي لم نبال بأن تنقطع الأمطار على ما بنا من جدب.
وقال آخر:
ألما على الدار التي لو وجدتها ... بها أهلها ما كان وحشاً مقيلها
وإن لم يكن إلا معرج ساعة ... قليلاً فإنى نافع لي قليلها
يامر صاحبيه بزيارة دار حبيبه، ولو كان ساعة. وخصص الدار بقوله التي لو وجدتها بها أهلها، والمعنى التي لو وجدتها مأهولة ما كان موضعها وحشاً، أي خالياً موحشاً، لكثرة أهلها وكثرة غواشي النعم فيها. وفي الحديث. أن قريشاً قالوا للنبي ﷺ : إنا لأكرم مقاماً وأحسن مقيلاً، أي موضعاً، فأنزل الله : " أصحاب الجنة " - يعني النبي ﵇ وأصحابه - " يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ". ويقال: بات فلان وحشاً، أي خالي البطن؛ وتوحش للدواء. وقوله وإن لم يكن إلا معرج ساعة، يريد إلا تعريج ساعة، وعطف ساعة. ولم يرض بأن أضاف المعرج إلى الساعة حتى وصفه بقوله قليلاً، وهذا على هذا التقدير يكون من الصفات المؤكدة، لا المفيدة، كما يجيء الحال كذلك. ولا يمتنع أن يريد تعريجاً قليلاً في ساعة، فيكون الصفة مفيدة. وقوله فإني نافع لي قليها، يجوز أن يرتفع قليلها بنافع، ونافع خبر إن، كأنه قال: فإنى ينفعني قليها. ويجوز أن يكون قليلها مبتدأ ونافع خبر له مقدم عليه، والجملة في موضع خبر إن، والتقدير إنى قليلها نافع لي، وانتصب معرج على أنه خبر لم يكن، أراد: وإن لم يكن الإلمام إلا معرج ساعة.
стр. 974
وقال آخر:
ماذا عليك إذا خبرتني دنفاً ... رهن المنية يوماص أن تعودينا
أوتجعلي نطفة في القعب باردة ... وتغمسي فاك فيها ثم تسقينا
قوله دنفاً أي مشرقاً على الهلاك، وانتصابع على أنه مفعول ثالث الخبر. وقوله ماذا عليك لفظه استفهام ومعناه تقريع وبعث. وانتصب رهن المنية لأنه صفة لدنفا، ومعناه في ضمن المنية وملكتها، وكالرهن عندها، إن شاءت أغلقته، وإن شاءت فكته. والمراد: أي شيء عليك من أن تعودينا، إذا أخبرتني عليلاً. فقوله عليك يقتضى فعلاً، وذلك الفعل يعمل في أن تعودينا، وقد حذف حرف الجر منه، أي لا عار عليك ولا ضرر من عيادتنا، ولا من مداواتنا بماء هذه صفته، فهلا فعلت. وقوله يوماً ظرف لخبرتني. وقد تقدم القول في ماذا في مواضع.
وقال جميل
بثينة ما فيها إذا نا تبصرت ... معاب ولا فيها إذا نسيت أشب
لها النظرة الأولى عليهم وبسطة ... وإن كرت الأبصار كان لها العقب
إذا ابتذلت لم يزرها ترك زينة ... وفيها إذا ازدانت لذي نيقة حسب
تبصرت، أي استقصى النظر إليها، والكشف عن حالها. والمعاب: العيب. والأشب: الخلط: يقول: إنها عند السبر والنظر، والكشف والتأمل، نقية من العيب، بريئة من الشوب، فلها عند المبالغة في البحث النظرة الأولى، ولها البسطة وهي النظرة الثانية، ويعني بها أن يبسط التميز على ما يتجلي من أمرها، ويسلط التنقير على كثير مما يخفي من أحوالها. قال: ولها العقب أيضاً، وهو النظر بعد النظر، وفي موضع آخر الجري بعد الجري. والعرب تقول: النظرة الأولى حمقاء، فلهذا قال: لهذه المرأة النظرة الأولى، ولها الكشفة النانية وهي البسطة، ولها البحثة الثالثة، وهي تعقب التجربتين بتجربة ثالثة. وقوله إذا ابتذلت يقول: إذا تركت التزين واكتست المباذل لم يقصر بها ذلك، وإن تزينت كان فيها للمتأنق الكفاية من جميع ما يطلب فيها نفساً وخلقاً،
стр. 975
ومنسباً وخلقاً. وقوله لم يزرها أي لم يزر بها، يقال: زريت عليه وأزريت به، لكنه حذف الجار. وقوله حسب أي كاف، فهو مبتدأ. على هذا تقول: حسبي الله وحده، ومثل هذا قول جرير:
إذا جليت فالحلى منها بمعقد ... مليح وإلا لم يشنها عواطله
وقال الحارثي
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردة تضحى إليك وتحضر
وأخليتها من مخها فكأنها ... قوارير في أجوافها الريح تصفر
يقول: أذيتني بهوك، وانحسر اللحم من عظامي وتعرت، فهي بارزة في النهار للشمس، وعند الليل للبرد، إذا أوبت إليك وأسأدت. وإليك موضعه بالفعل الذي يقتضيه نصب على الحال، وإنما قال هذا لأن المهزول الحر والبرد إليه أسرع وأشد تأثيراُ فيه. ويقال: ضحى بضحى ضحى، أصاب حر الشمس، ولغة: ضحا يضحو ضحواً وضحواً.
وقوله وأخلبتها من مخها، يريد أنها أذهبت النقي من العظام أيضاُ ورققتها، فخلت من مخها واستنشقت، فهي كالقوارير الخالية لو هبت الريح لصفرت بما يتخللها من الريح صفيرها.
وقوله في أحوافها الريح تصفر الجملة في موضع الصفة للقوارير، وموضع تصفير نصب على الحال إن جعلت الريح ترتفع بالظرف، وكذلك مجردة في موضع الحال. ويروى: فكأنها أنابيب في أجوافها الريح، والأول أحسن.
إذا سمعت باسم الفراق تقعقعت ... مفاصلها من هول ما تنتظر
خذي بيدي ثم انهضي بي تبيني ... بي الضر إلا أنني أتستر
стр. 976
جعل الإخبار عن العظام، وإن كان ما وصفه حالاً للجملة لا لها وحدها، لقوله: سلبت عظامي لحمها. والمعنى إن ذكر الفراق يبلغ منها هذا المبلغ العظيم. وهي أنها لارتعادها تتداخل مفاصلها ويحتك بعضها ببعض حتى تسمع لها قعقعة، وذلك لهول ما ينتظره من وقوعه في نفسه، واستعظامه للخطب وفي وله. وقوله خذي بيدي أراد أن يريها ما تستعبده من وصف حاله بالخبر مشاهدة، فقال: خذي بيدي مستنهضة لي يبن لك أمري، ويظهر المكنون فيك من ضري، والمجلول علي من هزالي، والمستور عنك من سوء حالي، وقوله إلا أنني أتستر استثناء منقطع من الأول، كأنه أراد: لكني أتستر بتجلد أظهره، وبصبر أتقى الناس به. وفي البيت طباق بقوله تبيني وأتستر. وأصل تبيني تتبني، فحذف إحدى التاءين.
تم باب النسيب، والحمد لله على تظاهر آلائه، وتوالي نعمائه، والصلاة على سيدنا محمد وآله.
стр. 977
باب الهجاء
قال موسى بن جابر
كانت حنيفة لا أبالك مرة ... عند اللقاء أسنة لا تنكل
فرأت حنيفة ما رأت أشياعها ... والريح أحياناً كذاك تحول
هذا الكلام تهكم وسخرية. ولا أبالك: بعث وتحضيض، وليس بنفي للأبوة، وخبر لا محذوف، لأن النية في لا أبالك الإضافة، ولذلك أثبت الألف في أبا؛ فكأنه قال لا أباك موجود أو في الدنيا. وقد مضى القول فيه مشروحاً. فيقول: كانت هذه القبيلة فيما مضى من الأيام، وتقصى من المرار، عند لقاء الأعداء وفيما تباشره من الأمور والأحوال، أسنة لا تكبو ولا تضعف، نفاذاً في العزائم ومضاء، ولا تنبو ولا تقف، كلولاً في الصرائم ونكولاً، فقد عادت الآن مقتدية بأشياعها، وآخذة إخذهم في الارتداد والنكوص، والإحجام والنبو؛ والريح تتحول أحياناً كذلك، مرة تكون شمالاً ومرة جنوباً. وقوله كذا موضعه من الإعراب نصب على المصدر من تحويل. أراد: والريح تتحول أحياناً تحولاً كذلك. أي كما عرفت.
وقال قراد بن حنش الصادري
لقومي أرعى للعلى من عصابة ... من الناس يا حار بن عمرو وتسودها
وأنتم سماء يعجب الناس رزها ... بابدة تنحى شديد وئيدها
стр. 978
تقطع أطناب البيوت بحاصب ... وأكذب شيء برقها ورعودها
فويلمها خيلاً بهاء وشارة ... إذا لاقت الأعداء لولا صدودها
يقول: لقومي أحسن رعاية وتفقداً، وأوفر عناية وتكسباً لأسباب العلى وحفظ أواخيها وموادها، من طائفة من الناس أنت تسوسها وتدبرها، وما أشبهكم في كثرة دعاويكم وقلة فعالكم إلا بسحابة تكثر بروقها ورعودها، ويعجب متأملها ومستمعها ربابها وهديرها، بريح تعد آبدة - أي أعجوبة أو داهية تبقى على الأبد - شديدة الخفيف، قطاعة لحبال البيوت بما يجيء منها بالحصباء، ثم تراها مخلفة فيما وعدت من المطر، فأكذب شيء برقها اللماع، ورعدها النباح. والباء من قوله بآبدة تعلقت بقوله يعجب الناس أي يعجب رزها بآبدة، أي ومعها آبدة.
وقوله فويلمها خيلاً انتصب خيلاً على التمييز، وحذفت الهمزة من أم في قوله ويلمها لكثرة الاستعمال، وليس الحذف هذا بقياس. واللفظة تفيد التعجب. وبهاء انتصب على انه مفعول له، فيقول ساخراً: ويلمها من خيل، لكمال بهائها، وحسن شارتها، عند لقاء الأعادي، لولا انهزامها وإعراضها. وروى: لقومي أدعى للعلى بالدال، والأول أحسن وأصوب. والعصابة: الجماعة. وقوله يا حار بن عمرو الترخيم في قول من يقول في النداء يا حارث بن عمرو، فيضم وينون في غير النداء، فيقول: هذا زيد بن عمرو. وأحسن منه في قول من يقول: يا حارث بن عمرو، فيفتح ويجعل الأول والثاني بمنزلة شيء واحد، وذلك أنه يخرج آخر الاسم إذا جعل مع الصفة شيئاً من أن يكون آخراً، والترخيم يدخل الأواخر لا الأوساط.
وقوله وأنتم سماء يسمون السحاب سماء، وكذلك المطر. ألا ترى قوله:
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
والرز والوئيد جميعاً: الصوت. ومعنى تنحي تقبل. وقوله لولا صدودها جواب لولا في صدر البيت، وقد تقدم القول في المبتدأ بعده ومجيئه بلا خبر.
стр. 979
وقال عمارة بن عقيل
من مبلغ عني عقيلاً رسالة ... فإنك من حرب على كريم
ألم تعلم الأيام إذ أنت واحد ... وإذا كل ذي قربى إليك مليم
وإذ لا يقيك الناس شيئاً تخافه ... بأنفسهم إلا الذين تضيم
تمنى أن يتفق من يبلغ عقيلاً عنه رسالته، فأتى بلفظ الاستفهام، والرسالة إنك من حرب على كريم، وما بعده. وبنى كلامه على الاستعطاف، ثم أخذ في التقريع. ومعنى قوله: إنك من حرب على كريم، إنك تكرم على من جملة من ينتسب إلى بني حرب.
وقوله: ألم تعلم الأيام تذكير له بخذلان عشيرته إياه، وتفرده بما كان يقاسيه، فيقول: أتذكر حين كنت فرداً وحيداً لا ناصر لك، وإذ كان كل قريب ونسيب لك مليماً عندك - والمليم: الذي يأتي بما يلام عليه - وحين لا واقي لك من شيء تخافه إلا الذين أنت تظلمهم الساعة. فقوله إلا الذين استثناء بدل، ويجوز أن يكون في موضع النصب على الاستثناء المطق، والضمير العائد إلى الذين من الصلة محذف، استطالة للاسم، والتقدير: تضيمهم، أي تظلمهم. وقوله: ألم تعلم الأيام، ألم: يقرر به فيما ثبت ووقع. ويروى الأيام بالرفع، والأيام بالنصب. فإذا رويت الآيام بالنصب يكون الخطاب لعقيل، ويكون تعلم بمعنى تعرف. والمعنى: أما عرفت الأيام التي كان حالك فيها ما ذكرت، وأتنسى تلك الأيام. والمراد بالأيام حوادث الدهر. وقوله إذ أنت ظرف لها، وإذا رفعت الأيام يكون المعنى: ألم تعرف الأيام حالتك وقصتك - والمعنى أهل الأيام وأصحاب الأيام - حين كنت كذا وكذا. فيكون الكلام على حذف المضاف.
أترفع وهي الأبعدين ولم يقم ... لو هيك بين الأقربين أديم
فأما إذا عضت بك الحرب عضة ... فإنك معطف عليك رحيم
وأما إذا أنست أمناً ورخوة ... فإنك للقربى ألد خصوم
стр. 980
وقوله: أترقع لفظه استفهام، ومعناه التقريع، فيقول: إنك تسعى في استعطاف الأباعد وإدنائهم، وإصلاح الفاسد من أحوالهم، رجاء التئام أمرك بهم، وقد أفت نفسك حظك من أقاربك، ومن تحد بهم عليك، لسعيك في إفساد أحوالهم، ونحت أثلتهم، وتضييع غيبتهم. وهذا رأى فائل، وتوفيق سيء. وقوله لم يقم لو هيك، يريد بالوهي الذي يحصل بك وبثلبك واغتيابك. وذكر الأديم مثل، أي لا يبقى أصله لتمزيقك، ولا يثبت صحته لتخريفك. ويقال: فلان صحيح الأديم، وفلان نغل الأديم. وفي المثل: أوسعت وهيا فارقعه.
وقوله فأما إذا عضت بك الحرب عضة، يريد: أنك إذا نابتك نائبة، وأصابتك من أزمات الزمان وعضاته أزمة، وألجأتك من مصارف الحرب ضغطة فإنك تستعطف عليك ذويك وعشيرتك، وتعتمد رحمتهم لك، وتطلب شفقتهم والأخذ بالفضل فيك. وقوله رحيم هو فعيل في معنى مفعول، أي إنك معطوف عليك مرءوم. وقوله وأما إذا آنست، يقول: أما إذا أمنت ووجدت من مضايقك رخاء، ومن شدائدك ليناص، على حسب عادة الدهر في تلونه، فإنك تخرج خصماً ألد لهم، نطلب إعلاق الحجج عليهم، وتسد أبواب الخير دونهم، وتصرف مفاتح الرشد عن وجوههم وطرقهم، وهذا غاية للؤم وسوء الاختيار. والألد: الشديد الخصومة، العسر الانقياد. وهو اليلندد واللندد. والخصوم: بنا المبالغة، وهو أبلغ من خصيم، لأنه أشد تباعداً من أبنية أسماء الفاعلين.
وقال أرطأة بن سهية المرىء
تمنت وذاكم من سفاهة رأيها ... لأهجوها لما هجتني محارب
معاذ الإله، إني بقبيلتي ... ونفسي عن ذاك المقام لراغب
ارتفع قوله محارب بفعلها وهو تمنت. فيقول: تمنت هذه القبيلة لما تحككت بي وهجنتني، وتشهت مقابلتي إياها بمثل ما فعلت، وذلك لخفة رأيها، وتناهي جهلها. فقوله وذاكم الواو واو الابتداء، وهي للحال، وذاكم ابتداء، ومن سفاهة خبره. وتلخيص البيت: تمنت محارب لما هجتني لأن أهجوها، وذاكم من
стр. 981
سفاهة رأيها. والمراد: حدثت منيتها لهجوى لها. ومثله:
أريد لأنسى ذكرها
وفي القرآن: " يريد الله ليبين لكم ".
وقوله معاذ الإله انتصب على المصدر، أي أعوذ بالله معاذاً من أن آتي ذلك، لأنني أرغب بنفسي بأصلي عن الوقوف في ذلك المقام، وأصون شرفي وأرفع عقلي عن مساوقتهم لفظاً بلفظ؛ وفعلاً بفعل.
وقال زميل
إني امرؤ أطوى لمولاي شرتي ... إذا أثرت في أخدعيك الأنامل
خلقت على خلق الرجال بأعظم ... خفاف تطوى بينهن الأنامل
وقلب جلت عنه الشؤون وإن تشأ ... يخبرك ظهر الغيب ما أنت فاعل
يصف نفسه في البيت الأول بأنه يكف أذاه عن مولاه، وأنه إذا أجمع أهل الرأي على نسبة مخاطبه إلى الغدر، والخيانة والشر، فأشاروا بأصابعهم إذا ولى إلى قفاه، فقالوا: هذا قفا غادر، فإنه ينطوي نسيباً، ولا يؤذي جاراً قريباً ولا غريباً.
وقوله: خلقت على خلق الرجال، تبجح في هذا البيت بأنه شخت من الرجال قليل اللحم، مديد القامة، فخلقه خلق الرجال لا خلق النساء، فلا يشينه سمنة ولا فشل، ولا يقعد به آفة ولا كسل، فأعظمه خفاف، ومفاصله بينها مطوية ممحصة لطاف.
وقوله: وقلب عطفه علي بأعظم، يريد: وبقلب هذبة الأمور، وكشف عنه الطبع والرين مزاولة الشؤون، فهو بتجاربه يتصور ما لم يكن بصورة ما قد كان، ومتى شئت أخبرك بخبره ومعرفته، وفرط شهامته وتمييزه، وحدة نظره وبصيرته بما أنت فاعله بعد الغيب. وانتصب ظهر الغيب على الظرف، وما أنت ما فيه بمعنى
стр. 982
الذي، وأنت فاعل من صلته، وقد حذف حرف الجر معه، كأنه قال: يخبرك بما أنت فاعله. ويقال: خبرته كذا وخبرته بكذا، وحدثته كذا وحدثته بكذا.
ولست بربل مثللك احتملت به ... عوان نأت عن فحلها وهي حافل
فجئت ابن أحلام النيام ولم تجد ... لصهرك إلا نفسها من تباعل
كان رواية الناس قبلنا احتملت به والصواب احتلمت به، بدلالة قوله فجئت ابن أحلام النيام. والربل: السمين الرطب، وقد تقدم ذكره وتصاريفه. والعوان: النصف من النساء، والفعل منه عونت، ويقال: عانت البقرة عوناً، صارت عواناً. وحرب عوان: قوتل فيها مرة بعد أخرى فيقول: لست برطب مسترخ مثلك، احتملت به امرأة عوان بعد عهدها بفحلها، وهي ممتلئة شبقاً، فحملت فجاءت من احتلامها بك. والمعنى: أنه لا والد لك إلا ما رأت أمك عند شدة غلمتها من احتلامها، فأنت شر ممن يجيء لزنية. ومعنى ولم تجد لصهرك، أي لم تصاهره فيك، أي تخالطه. وقال الخليل: الصهر حرمه الختن. وختن القوم: صهرهم. وحكي عن أبي الدفيش: أصهر بهم الختن، أي صار فيهم صهراً. فيقول: لم تجد ختناً إلا نفسها، إذا كان ذلك الاحتلام لم يتجاوزها، وغذ كان مباعلة النفس على ما وصفه إنما حصلت عن شبق ولوزم ذكر الجماع في اليقظة، وإلا نفسها: مستثنى مقدم. وقوله ابن أحلام النيام، نصب على الحال، لأن أحلام النيام لا يتخصص، فلا يصير المضاف إليه معرفة.
وقال خارجة بن ضرار المري
أحارج هلا إذ سفهت عشيرة ... كففت لسان السوء أن يتدعرا
وهل كنت إلا حوتكياً ألاقه ... بنو عمه حتى بغى وتجبرا
стр. 983
فإنك واستبضاعك الشعر نحونا ... كمستبضع تمراً إلى أهل خيبرا
قوله سفهت عشيرة، قال يونس: سفه لغة في سفه، وعلى هذا تنصب عشيرة على المفعول به، ويجوز أن يكون مما نقل عنه الفعل، كأه قال: سفهت عشيؤتك فنقل السفه إلى نفسه فقال: سفهت، فأشبه عشيرة المفعول، فنصب نصب التمييز. وقوله يتدعر أي يخبث ويفجر. يقال: رجل داعر بين الدعارة. وحكى: في خلقه دعارة، في معنى زعارة، وعلى زنته. ومنه عود دعر، أي كثير الدخان. والحوتكي: القصير الصغير. ومعنى ألاقه: ألصقه وضمه أبناء عمه إلى أنفسهم، فبغى لما رأى ذلك. واستبضاع السلعة: أن تحملها بنفسك؛ وإبضاعها: بعثها، وكما قيل في المثل: " كمستبضع تمراً إلى أهل خيبر، لكثرة نخلها، قيل أيضاً كمستبضع التمر إلى أهل هجر، وهذا كما قيل كمستبضع الملح إلى بارق.
ومعنى الأبيات: هلا إذ كنت سفيه العشيرة لئيم الفصيلة، أمسكت عن الحنا والفحش، وصنت نفسك ولم تعرضها للهجاء الممض: هذا وما كنت إلا حقيراً قليلاً؛ قميئاً صغيراً، رق له أقاربه بعد كا كانوا ينفونه ويتبرمون منه، فألصقوه بأنفسهم، فطغى من ذلك واستلى. وأما علمت أنك وحملك الهجاء إلينا في الندم والخسران، وسوء العاقبة، كمن حمل التمر إلى خيبر يتجر فيه، فرجع نادماً، وحصل خاسراً.
عمارة بن عقيل
بنى منقذ لا آمن الله خوفكم ... وزادكم ذلاً ورقة جانب
فمن يرتجيكم بعد نائلة التي ... دعت ويلها لما رأت ثأر غالب
دعته وفي أثوابه من دمائها ... خلبطاً دم من ثوبه غير ذاهب
نائله: امرأة زوجت قاتل أبيها أو أخيها، فجعل عمارة يعيرهم ذلك.
والعرب تقول: دم فلان في ثوب فلان، إذا كان قاتله.
стр. 984
قال أوس بن حجر:
نبيت أن دماً حراماً نلته ... فهريق في ثوب عليك محبر
وقال الفرزدق:
تمشي حرام بالبقيع كأنها ... نشاوي وفي أثوابها دم سالم
فيقول: أبدلكم الله يا بني منقذ بالأمن خوفاً لا يفارقكم، وزادكم على مر الأيام ذلاً وخضوعاً، ولين مجس وسقوطاً، فإنه لا يعلق الرجاء بكم، ولا يستنم أحد إليكم؛ بعد نائلة التي دعت بالويلات لما رأت ثأر غالب أخيها أو أبيها، وقد ملكتموه أمرها، وجعلتموه بالتزويج قيمها، ثم قال: دعت نائلة الويل وفي أثواب زوجها لها خليطا دم هما دم أبيها أوأخيها، بقتله له؛ والثاني دم عذرتها، لتزوجه بها، فهما لازمان لثوبه لا يفارقانه. ويروى شريجا دم. وكل لونين اجتمعا فيهما شريجان. وقوله غير ذاهب، غير صفة لدم، ويروى: مهرقاة غير ذهب، ويكون الجملة صفةلدم أيضاً. وقوله من يرتجيكم استفهام على طريق التقريع، وفيه معنى النفي، أي لا يرجوكم أحد. ومعنى دعت ويلها صاحت بالويل لي. وفي القرآن: " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ".
وقال طرفة بن العبد
وفرق عن بيتيك سعد بن مالك ... وعمراً وعوفاً ما تشى وتقول
وأنت على الأدنى شمال عرية ... شامية تزوى الوجوه بليل
وأنت على الأقصى صبا غير قرة ... تذاءب منها مرزغ ومسيل
وأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل
قوله ما تشى في موضع الفاعل لفرق. وما إن شئت جعلته بمعنى الذي، وصلته تشي، والضمير العائد من الصلة إليه محذوف كأنه قال: ما تشيه وتقوله. وإن شئت جعلت ما حرفاً ويكون مع الفعل في تقدير مصدر، ولا يحتاج إلى ضمير من
стр. 985
الصلة يعود إليه لكونه حرفاً، ويكون التقدير وشايتك وقولك. ويعني ببيتيك: أخواله وأعمامه. فيقول: فرق عن بيتي أهلك وذويك من قبل أبيك وأمك ما تأتيه من إبلاغات تتقولها، ونمائم تختلقها وتصنفها: سعد بن مالك وعمراً وعوفاً؛ وإنما يعني بهم أفخاذاً وبطوناً كان ضلعهم معهم، فلم يزل يسعى بالتحريش، ويمشي بالنميم، حتى فرق جمعهم، بما أوقع من الشر فيهم. وقوله وأنت على الأدنى شمال عرية، فالعرية: الباردة، ومنه قولهم: عرواء الحمى. فيقول: أنت على أقاربك في سوء اعتقادك لهم، وسوقك الشر إليهم، وجرك الجرائر عليهم، بمنزلة الريح الشمال الباردة، المرقة للوجوه، إذا هبت في الشتاء، ويصحبها بلل من المطر، وندى يقبض الجلد، ويجفف المفصل والوجه. وإنما قال شآمية، وإن كان الشمال لا تهب إلا من ناحية الشأم تأكيداً. وللصفات كما تجيء مفيدة مميزة تجيء أيضاً مؤكدة لا تفيد في الموصوف أكثر مما عرف فيه. وعلى هذا قد تجيء الأحوال أيضاً، لكونها صفات في الأصل.
وقوله وأنت على الأقصى صبا غير قرة يريد أنه على الأجانب في تعطفه عليهم، والانطواء على الجميل لهم، بمنزلة ريح الصبا تهب ولا برد معها. وقد تذاءب منها، أي تسهل واضطراب من اجلها. والذئب فيمن همزه منه اشتق، لأنه كلما طرد من جانب يتسهل ويحصل من جانب آخر، لوقاحته. والمرزغ: الذي يأتي بالرزغة، وهي الوحل. والمسيل: المذيب للجامد. والمعنى: أنت للأجانب بمنزلة القبول التي ترزغ الأرض في مهلبها، وتسيل التلاع، وتبث الخير، وتوسع الخصب. وقوله وأعلم علماً ليس بالظن لما كان لفظة العلم قد يطلق على الظن الغالب، ليقامه مقام ماهو علم في الحقيقة، أكد قوله وأعلم بقوله ليس بالظن، وبين بهذا الكلام الخطأ فيما يأتيه المخاطب، وأنه إذا أقامت نفسه حظه من أقاربه وعشائره بسوء معاملته، فإنه لا يستفيد من الأجانب ما عند الحاجة يغنى، وإذا ذل أتباعه ولم يستبقهم لنفسه فالذل لاحق له، ومحتف به. وبهذا الخطاب نعى عليه فعله، وبين له سوء التقدير فيما اختاره، وفعل الغواية فيما اعتقده واعتاده. والضمير من قوله إنه للأمر والشأن، كأنه قال: وإن الأمر الحق إذا ذل ابن عم المرء فهو ذليل.
следующие страницы →