← Тафсир

Тафсир · id 26539

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

الحرالي، أبو الحسن

Полный текст (573 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بمشاهدة متكرره في هذه الأمة، من نظائر جميع أولئك الأعداد وتلك الأحول والآثار، حتى يسمع السامع جميع القرآن من أوله إلى خاتمته منطبقا على هذه الأمة وأيمتها، هداتها وضلالها، فحينئذ ينفتح له باب الفهم، ويضيء له نور العلم، وتتجه له حال الخشية، ويرى في أصناف هذه الأمة ما سمع من أحوال القرون الماضية، وإنه كما قيل في المثل السائر: "إياك أعني، واسمعي ياجارة". ثم إذا شهد انطباق القرآن على كلية الأمة، فكان بذلك عالما، ينفتح له باب ترق، فيترقى سمعه إلى أن يجد جميع كلية القرآن المنطبق على كلية الأمة منطبقا على ذاته، في أحوال نفسه وتقلباته، وتصرفات أفعاله وازدحام خواطره، حتى يسمع القرآن منطبقا عليه، فينتفع بسماع جميعه، ويعتبر بأي آية سمعها منه، فيطلب موقعها في نفسه، فيجدها بوجه ما، رغبة كانت أو رهبة، تقريبا كانت أو تبعيدا، إلى أرفع الغايات، أو إلى أنزل الدركات، فيكون بذلك عارفا. هذا مقصود التنبيه في هذا الفصل جملة، ولنتخذ لذلك مثالا يرشد لتفهم ذلك الانطباق على كلية الأمة علما، وعلى خصوص ذات القارىء السامع عرفانا. اعلم أن أصول الأديان المزدوجة التي لم تترق إلى ثبات حقائق المومنين، فمن فوقهم من المحسنين والموقنين، التي جملتها تحت حياطة الملك والجزاء والمداينة، الذين تروعهم رائعة الموت أولا، ثم رائعة القيامة ثانيا، إلى ما يشتمل عليه يوم الدين من أهوال المواقف الخمسين، التي كل موقف منها ألف من السنين. ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. فعدد هذه الأديان سبعة، ما من دين منها إلا ويوجد في صنف من أصناف

стр. 107

هذه الأمة، ويجده المعتبر في نفسه في وقت ما بقلة أو كثرة، بدوام أو خطرة، بضعف أو شدة، عن أثر رين غالب، أو عن لمح غين زائل. وهذه الأديان السبعة هي: دين الذين آمنوا، من هذه الأمة، ولم يتحققوا بحقيقة الإيمان، فيكونوا من المومنين، الذين صار الإيمان وصفا ثابتا في قلوبهم، الموحدين المتبرئين من الحول والقوة، المتحققين لمضاء أقدار الله عليهم بما شاء، لا بما يشاءون: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. وأما الذين آمنوا فهم الذين لايثبتون على حال إيمانهم، ولكنهم تارة وتارة، ولذلك هم المنادون والمنهيون والمأمورون في جميع القرآن، الذين يتكرر عيلهم النداء في السورة الواحدة مرات عديدة، من نحو ما بين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. إلى ما بين ذلك من نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾. فهؤلاء هم أهل دين غير ثابت، ينتظمون به مع من ليس له ثبات من ماضي الأديان المنتظمين مع من له أصل في الصحة من الأديان الثلاثة، في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ﴾ المنتظمين أيضا مع المغيرين لأديانهم، والمفترين لدين لم ينزل الله به من سلطان، في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.

стр. 108

فهذا هو الدين الأول. وأما الدين الثاني: فهو دين الذين هادوا، الذين منهم: ﴿الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. والذين: ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. والذين: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. والذين: ﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. والذين ياكلون الربا: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾. والذين: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. فهؤلاء أهل الدين الثاني. وأما الدين الثالث: فدين ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، الذين منهم الذين ضلوا عن سواء السبيل الذين غلوا في دينهم، وقالوا: ﴿عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، واتخذوا رهبانهم ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾. وأما الدين الرابع: فدين الصابئة الذين منهم متألهو النجوم، عباد الشمس والقمر، والكواكب ومغيروهم، هم بالترتيب أول من عبد محسوسا سماويا. وأما الدين الخامس: فدين المجوس الثنوية، الذين جعلوا إلهين: نوراً وظلمة، وعبدوا محسوسا أفاقيا.

стр. 109

وأما الدين السادس: فدين الذين أشركوا، وهم الذين عبدوا محسوسا أرضيا، غير مصور، وهم الوثنية، أو مصورا وهم الصنمية. فهذه هي الأديان الستة الموفية لعد الست، لما جاء فيه. وأما الدين السابع: فاعلم أن الله، سبحانه، جعل السابع أبدا جامعا لسته، خيرا كانت أو شرا، فالدين السابع هو دين المنافقين، الذين ظاهرهم مع الذين آمنوا، وباطنهم مع أحد سائر الأديان الخمسة المذكورة، إلى أدنى دين شركها الدين ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. فهذه الأديان السبعة متكررة بكليتها في هذه الأمة، بنحو مما وقع قبل في الأمم الماضية، وهو مضمون الحديث الجامع لذكر ذلك في قوله، ﷺ : "لتاخذن، كما أخذت الأمم من قبلكم، ذراعا بذراع، وشبرا بشبر، وباعا بباع، حتى لو أن أحداً من أولئك دخل في جحر الضب لدخلتموه، قالوا يارسول الله، كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب قال: وهل الناس إلا هم". وما بينه النبي، ﷺ في هذا الحديث، هو من مضمون قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ وأهل هذه الأديان السبعة هم، أو منهم، هم عمرة دركات جهنم السبع، على ترتيبهم، والناجون بالكلية الفائزون هم المومنون، فمن فوقهم من المحسنين والموقنين. ومزيد تفصيل في ذلك وتثنية قول بما ينبه عليه، بحول الله، من جهات تتبع

стр. 110

طوائف من هذه الأمة صنن من تقدمهم في ذلك. أما وجه تكرار دين الذين أشركوا في هذه الأمة، فباتخاذهم أصناما وآلهة يعبدونها من دون الله، محسوسة جمادية، كما اتخذ المشركون الأصنام والأوثان من الحجارة والخشب، فاتخذت هذه الأمة بوجه ألطف وأخفى، أصناما وأوثانا، فإنها اتخذت الدينار والدرهم أصناما، والسبائك والنقر أوثانا، من حيث أن الصنم هو ماله صورة، والوثن ما ليس له صورة، قال ﷺ : "صنم أمتي الدينار والدرهم" وقال، ﷺ : "لكل أمة عجل يعبدونه من دون الله، وعجل أمتي الدينار والدرهم" فلا فرق بين ظن المشرك أن الصنم الذي صنعه بيده ينفعه، وظنه المفتونين، من هذه الأمة، أن ما اكتسبوا من الدينار والدرهم ينفعهم، حتى يسير مثلهم: "ما ينفعك إلا درهمك" ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾. فما من آية نزلت في المشركين، في ذكر أحوالهم، وتبيين ضلالهم، وتفاصيل سرهم وإعلانهم، إلا وهي منطبقة على كل مفتون بديناره ودرهمه، فموقع قول المشركين في أصنامهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. مثله موقع نظيره من قول المفتون: ما أحب المال إلا لأعمل الخير، واستعين به على وجوه البر، ولو أراد البر لكان ترك التكسب والتمول له أبر، قال ﷺ : "إنما أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم، وهما مهلكاكم" فكل من أحبهما وأعجب

стр. 111

بجمعهما، فهو مشرك هذه الأمة، وهما لاتاه وعزاه، اللتان تبطلان عليه قول كلمة لا إله إلا الله، لأنه تأله ماله، قال ﷺ : "لا إله إلا الله نجاة لعباد الله من عذاب الله، مالم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم". فمن وجد من هذا سمة فليستمع جميع ما أنزل في المشركين من القرآن منطبقا عليه، ومنزلا إليه، وحاقا به، حتى يخلصه الله من خاص شركه، كما خلص من أخرجه من الظلمات إلى النور من الأولين، فيخلص هذا المشرك بما له من ظلمته، التي غشيت ضعيف إيمانه، إلى صفاء نور الإيمان، بما في مضمون قوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. فهذا وجه تفصيل يبين نحواً من تكرر دين الشرك في هذه الأمة. وأما وجه وقوع المجوسية ونظيرها في هذه الأمة: فإطباق الناس على رؤية الأفعال من أنفسهم؛ خيرها وشرها، وإسنادهم أفعال الله إلى خلقه، حيث استحكمت عقائدهم على أن فلانا فاعل خير، وفلانا فاعل شر، وفلانا يعطي، وفلانا يمنع، وفلانا حرمني، وفلانا أعطاني، حتى ملأوا الدواوين من الأشعار والخطب والرسائل أمداحا لخلق الله على ما لم يفعلوا، وذما لهم على ما لم يمنعون، يحمدون الخلق على رزق الله، ويذمونهم على ما لم يؤته الله، ويلحدون في أسمائه، حتى يكتب بعضهم لبعض: سيدي وسندي، وأسنى عددي، وعبدك ومملوكك، يبطلون بذلك أخوة الإيمان، ويكفرون تسوية خلق الرحمان، ويدعون لأنفسهم أفعال الله، فيقولون: فعلنا وصنعنا، وأحسنا وعاقبنا، كلمة نمرودية أن أتاهم الله ما لم يشعروا باختصاص الله تعالى فيه بأمره، كالذي "حاج إبراهيم في ربه أن أتاه الله الملك" حين "قال: أنا أحيي وأميت". وهذه هي المجوسية الصرف والقدرية المحضة، التي لايصح دين الإسلام معها، لأن المسلم من أسلم الخلق

стр. 112

والأمر لربه، ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. وما سوى ذلك قدرية، هي مجوسية هذه الأمة، حيث جعلوا للعبد شركة في فعل الرب، وجعلوا له معه، تعالى، قدرة وقوة، ومشيئة واختيارا وتدبيرا، ولم يعلموا أن المقدور منع التدبير، وأنه هو، تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قال: ﷺ : "القدرية مجوس هذه الأمة". فكل ما أنزل الله، ، في القرآن الجامع لذكر جميع الملل والأديان، مما عزاه لمن وزع الأفعال بين الحق والخلق، من كلام ذي فرعنة أو نمرودية، أو ذي سلطان، فلمعتقد المدح والذم للخلق حظ منه، على حسب توغلهم واستغراقهم في الذين زعموا أنهم فيهم شركاء، فخافوهم ورجوهم، فكل خائف من الخلق أو راج منهم، من عداد الذين آمنوا والذين أسلموا في هذه الأمة، فهو من مجوس هذه الأمة. فليسمع السامع ما يقرؤه من ذلك حجة عليه، يسأل الله التخلص منها، وليعلم أن ذلك لم يزل حجة عليه، وإن كان لم يشعر به قبل. فهذا وجه من وقوع المجوسية في هذه الأمة. وأما وجه وقوع الصائبة ونظيرها في هذه الأمة: فيما غلب على أكثرها، وخصوصا ملوكها وسلاطينها، وذوي الرئاسة منها، من النظر في النجوم، والعمل بحسب ما تظهره هيئتها عندهم من سعد ونحس، والاستمطار بالنجوم، والاعتماد على الأنواء، وإقبال القلب على الآثار الفلكية، قضاء بها وحكما، بحسب ما جرى عليه

стр. 113

النحليون الذين ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ من العناية بها. قال، ﷺ : "أربعة في أمتي هن بهم كفر، وليسوا بتاركيهن". فذكر منها الاستمطار بالنجوم، فالمتعلق خوفهم ورجاؤهم بالآثار الفلكية هم صابئة هذه الأمة، [كما أن المتعلق خوفهم ورجاؤهم بأنفسهم وغيرهم من الخلق، هم مجوس هذه الأمة]، وكما أن المتعلق خوفهم ورجاؤهم بدرهمهم ودينارهم هم مشركو هذه الأمة، وما انطوى عليه سر كل طائفة منهم، مما تعلق به خوفهم ورجاؤهم، فهو ربهم ومعبودهم الذي إليه تصرف جميع أعمالهم، واسم كل امرئ مكتوب على وجه ما اطمأن به قلبه، فكل ما أنزل في القرآن من تزييف آراء الصابئة فهو حجة عليه، حين يقرؤه أو يسمعه، من حيث لا يشعر، حتى يقرأ قوم القرآن وهو نذير لهم بين يدي عذاب شديد وهم لا يشعرون، ويحسبون أنهم يرحمون به، وهم به الأخسرون ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾، فمما يختص بهذه الطائفة المتصبئة ما هو نحو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآيات في ذكر الكوكب والقمر والشمس، إلى آيات ذكر التسخير لهن، نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ

стр. 114

وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. كل ذلك ليصرف، تعالى، خوف الخلق ورجاءهم عن الأفلاك والنجوم المسخرة، إلى المسخر القاهر فوق عباده. الذي استوى على جميعها. فهذا وجه من وقوع الصابئة في الذين آمنوا والذين أسلموا في هذه الأمة. وأما وجه وقوع ما غلب على هذه الأمة: وكثر فيها، وفشا في أعمالها وأحوالها، من تمادي طوائف منهم على نظير ما كان عليه اليهود والنصارى في اختلافهم، وغلبة أحوال ملوكهم وسلاطينهم، على أحوال أنبيائهم وعلمائهم وأوليائهم، فهو الذي حذرته هذه الأمة، وأشعر أولو الفهم بوقوعه منهم، بنحو ما في مضمون قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وما أنبأ به، ﷺ في قوله "لتتعبن سنن من كان قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لا تبعتموهم" وفي بعض طرقه: "حتى لو كان فيهم من أتى أمه جهارا لكان فيكم ذلك. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " وإنما قوى وكثر في هذه الأمة حال هاتين الملتين، لما أتاهما الله من الكتاب والعلم والحكمة، فاختلفوا فيها بالأغراض والأهواء، وإيثار عرض الدنيا، وسامحوا الملوك والولاة، وحللوا لهم ما حرم الله، وحرموا لهم ما حلل الله، وتوصلوا بهم إلى أغراضهم في الإعتداء على من حسدوه من أهل الصدق والتقوى، وكثر البغي بينهم، فاستقر حالهم على مثل حالهم، وسلطت عليهم عقوبات مثل عقوبتهم، وتمادى ذلك فيهم، منذ تبدلت الخلافة

стр. 115

ملكا، إلى أن تضع الحرب أوزارها، وتصير الملل كلها ملة واحدة، ويرجع الافتراق إلى ألفة التوحيد. فكل من اقتطع واقتصر من هذه الشريعة المحمدية الجامعة للظاهر والباطن حظا مختصا من ظاهر أو باطن، ولم يجمع بينهما في عمله وحاله وعرفانه، فهو، بما لزم الظاهر الشرعي، دون حقيقة باطنه، من يهود هذه الأمة، كالمقيمين لظاهر الأحوال الظاهرة، التي بها تستمر الدنيا على حسب ما يرضي ملوك الوقت وسلاطينهم، المضيعين لأعمال السرائر، المنكرين لأحوال أهل الحقائق، الشاهد عليهم تعلق خوفهم ورجائهم بأهل الدنيا، المؤثرين لعرض هذا الأدنى. فبهذا ظهرت أحوال اليهود في هذه الأمة، مر الأعراب مع النبي، ﷺ ، بسدرة خضراء نضرة، وكان لأهل الجاهلية سدرة يعظمونها، ويجتمعون عندها، وينيطون بها أسلحتهم، ويسمونها: "ذات أنواط" فقالوا يا رسول الله، اجعل لنا هذه السدرة ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال، ﷺ : "قلتموها ورب الكعبة". "اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة". إنها السنن، فبحيث ظهرت أحداث اليهود من البغي والحسد، وتعظيم ما ظهر تعظيمه، من حيث الدنيا واستحقار ضعفاء المؤمنين، فهنالك أعلام اليهودية. وكذلك أيضا من اقتصر، من هذه الشريعة الجامعة المحمدية، على باطن: من إصلاح حال أو قلب، مع تضييع ظاهر الأمر، ومجامع الخير، وتعاضد الإسلام، واكتفى بما استبطن وتهاون بما استظهر، فهو من نصارى هذه الأمة، ليس بصاحب فرقان، فكيف أن يكون صاحب قرآن، وذلك أن هذا الدين الجامع، إنما يقوم بمعالم إسلام ظاهرة، وشعائر إيمان في القلوب، وأحوال نفس باطنة، وحقائق إحسان شهودية، لايشهد المحسن مع الله سواه، ولا يومن المؤمن مع الله بغيره، ولا يخضع المسلم إلى شيء من دونه، فبذلك يتم الدين.

стр. 116

وقد التزم بمعالم الإسلام طوائف يسمون: المتفقهة، والتزم بشعائر الإيمان طوائف يسمون: الأصوليين والمتكلمين، وترامى إلى الإحسان طوائف يسمون: المتصوفة، فمتى كان المتفقه منكرا لصدق أحوال الصوفية، لما لعله يراه من خلل في أحوال المتصوفة، فقد تسنن بسنن اليهودية، ومتى كان المتصوف غير مجل للفقهاء، لما لعله يراه من خلل في أحوال المتفقهة، فقد تسنن بسنن النصارى، وكذلك حال المتكلم بين الفرقتين لأيهما مال، وإنما أيمة الدين الذين جمع لهم الله إقامة معالم الإسلام، وإيمان أهل الإيمان، وشهود أهل الإحسان، تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، فتأتم بهم الصوفية، وتظهر أنوار قلوبهم على ظلم المتشابهات، فيأتم بهم أهل الإيمان، وتبدو في أعمالهم معالم الإسلام تامة، فيأتم بهم أهل الإسلام. ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ أفضل الناس مؤمن في خلق حسن، وشر الناس كافر في خلق سيء، فأولو الفرقان جامعون ومستبصرون. فمن اقتصر على ظاهر وأنكر باطنا، لزمه مذام اليهود، فيما أنزل من القرآن فيهم، بحسب توغله أو اقتصاره. ومن اقتصر على باطن دون ظاهر، لزمته مذام النصارى، فيما أنزل من القرآن فيهم. يذكر أن رجلا من صلحاء المسلمين دخل كنيسة، فقال لراهب فيها: دلني على موضع طاهر أصلي فيه، قال الراهب: طهر قلبك، مما سواه، وقم حيث شئت. قال ذلك الصالح المسلم: فخجلت منه. فاعلم أن كل واحد من هذين الحالين ليس صاحب فرقان، ولا حال صاحب قرآن، لأن صاحب القرآن لا يخجل لهذا القول، لأنه حاله، وقلبه مطهر مما سوى الله، وبعد ذلك لابد أن ينظف ظاهره، لأن الله، سبحانه، كما أنه الباطن، فيحب صفاء البواطن، فإنه الظاهر يحب صلاح الظواهر.

стр. 117

فصاحب القرآن إذا دعى إلى صفاء الباطن أجاب ولم يتلعثم، وإذا دعى إلى صلاح ظاهر أجاب ولم يتلكأ، لقيامه بالفرقان، وحق القرآن. يذكر أن مالكا، ﵀، دخل المسجد بعد العصر، وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر، فجلس ولم يركع، فقال له صبي: يا شيخ، قم فاركع، فقام فركع، ولم يحاجه بما يراه مذهبا، فقيل له في ذلك؛ فقال: خشيت أن أكون من الذين إذا ﴿قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. ووقف النبي، ﷺ ، على سقاية زمزم، وقد صنع العباس أحواضا من شراب فضيح، والمسلمون يردون عليه، وقد خاضوا فيه بأيدهم، فأهوى النبي، ﷺ ، يشرب من شرابهم، فقال له العباس: يا رسول الله، "ألا نسقيك من شراب لنا في أسقية" فقال، ﷺ : أشرب من هذا ألتمس بركة أيدي المسلمين، فشرب منه ﷺ . فصاحب القرآن يعبد الله بقلبه وجسمه، لا يقتصر على باطن دون ظاهر، ولا على ظاهر دون باطن، ولا على أول دون آخر، ولا على آخر دون أول. قال، ﷺ : "أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره". فمن حق القارىء أن يعتبر القرآن في نفسه، ويلحظ مواقع مذامه للفرق، ويزن به أحوال نفسه من هذه الأديان، لئلا يكون ممن يسب نفسه بالقرآن، وهو لا يشعر. فهذا وجه من وقوع هذه الأديان الستة في هذه الأمة. وأما وجه وقوع النفاق وأحوال المنافقين: فهي داهية القراء وآفة الخليقة، قال، ﷺ : "أكثر مناففي أمتي قراؤها". وقال بعض كبار التابعين: أدركت سبعين ممن رأى

стр. 118

النبي، ﷺ ، كلهم يخاف النفاق على نفسه، وأصل مداخله على الخلق من إيثار حرمة الخلق على حرمة الحق، جهلا بالله، واعتزارا بالناس، فيلتزم لذلك محاسنة أولي البر والصدق ظاهرا، وتكرمهم بقلبه باطنا، وتتبع ذلك من الذبذبة بين الحالين ما وصفه الله، سبحانه، من أحوالهم، وما نبه النبي، ﷺ ، عليه من علاماتهم، حتى قال: "بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما" كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. ينظر المنافق إلى ما يستسقط به فضائل أهل الفضل، ويتعامى عن محاسنهم، كما روى أن الله يبغض التارك لحسنة المؤمن الآخر لسيئته. والمؤمن الصادق يتغافل عن مساوئ أهل المساوئ، فكيف بمعايب أهل المحاسن. ومن أظهر علامات المنافق تبرمه بأعمال الصادق، كما ذكر، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جنبه منافق يكره عمله، وعن ذلك المنافق غماز لماز، بخيل جبان، مرتاع مستثقل في مجامع الخير، أجنبي منها، مستخف في مواطن الشر متقدم فيها، طلق اللسان بالغيبة والبهتان، ثقيل اللسان عن مداومة ذكر الله، عم عن الله في كل حال، ناظر إلى الناس بكل وجه، وهو مع ذلك يصانعهم ولا يصادقهم، ياخذ من الدين ما ينفع في الدنيا، ولا ياخذ ما ينفع في العقبى، ويجتنب في الدين ما يضر في الدنيا، ولا يجتنب ما يضر في العقبى مما يضر في الدنيا.

стр. 119

فهذا وجه من وقوع شياع النفاق في هذه الأمة: فلذلك من حق القارئ أن يستشعر مواقع آي القرآن من نفسه في ذات قلبه، وفي أحوال نفسه وأعمال بدنه، وفي سره مع ربه، وفي علانيته مع خلقه، فإنه بذلك يجد القرآن كله منطبقا عليه، خاصا به، حتى كأن جميعه لم ينزل إلا إليه، حتى إذا رغب في أمر رغب هو فيه، من وجه ما، ولا يقول هذا إنما أنزل في كذا، وإذا أرهب القرآن في أمر رهبه من وجه ما. وإذا أعلى فكذلك، وإذا أسفل فكذلك، ولا يقول هذا إنما أنزل في كذا، حتى يجد لكل القرآن موقعا في عمله، أي عمل كان. ومحلا في نفسه أي حال كان، ومشعرا لقلبه، أي ملحظ كان، فيسمع القرآن بلاغا من الله بغير واسطة بينه وبينه، فعند ذلك يوشك أن يكون ممن يقشعر له جلده ابتداء، ثم يلين له جلده وقلبه انتهاء، وربما يجد من الله، سبحانه، نفح رحمة، يفتح له بابا إلى التخلق بالقرآن؛ إسوة بالنبي، ﷺ ، سئلت عائشة، ﵂، عن خلق رسول الله، ﷺ ، فقالت: "كان خلقه القرآن". وبذلك هو ذو الخلق العظيم، والله واسع عليم، والحمد لله رب العالمين. * * * *

стр. 120

آخر نسخة باريس المكتبة الوطنية: ب: [آخر الكتاب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم] * * * * آخر نسخة المكتبة العامة بالرباط: ط: [كمل القفل والمفتاح والعروة والتوشية، للشيخ الإمام العلامة: أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسن الْحَرَالِّي التجيبي. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، آمين، آمين، آمين، آمين].

стр. 121

صفحة فارغة

стр. 122

نصوص تفسير الْحَرَالِّي المفقود المستخرجة من الجزء الأول من تفسير البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"

стр. 123

[تقديم البقاعي]: وانتفعت في هذا الكتاب - كثيرا - بتفسير على وجه كلي، للإمام الرباني: أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسن التجيبي الْحَرَالِّي - بمهملتين مفتوحتين، ومد وتشديد اللام - المغربي، نزيل حماة من بلاد الشام، سماه: "مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل" وكتاب: "العروة" لهذا المفتاح، يذكر فيه وجه إنزال الأحرف السبعة، وما تحصل به قراءتها، وكتاب: "التوشية والتوفية" في فصول تتعلق بذلك. وقد ذكرت أكثر هذا الكتاب في تضاعيف كتابي [هذا] معزوا إليه في مواضيع تليق [به]، ثم بعد وصولي إلى سورة الأنفال ملكت جزءا من تفسيره، فيه من أوله إلى "إن الله اصطفى" في آل عمران، فرأيته عديم النظير. وقد ذكرت فيه المناسبات، وقد ذكرت ما أعجبني فيها، وعزوته إليه، يسر الله الاطلاع على بقيته، بحوله وقوته [انتهى كلام البقاعي]. * * * سورة (الفاتحة) * * * وقال الأستاذ أبو الحسن الْحَرَالِّي في تفسيره في غريب ألفاظ البسملة: الباء معناها أظهره الله، سبحانه، من حكمة التسبيب. الاسم ظهور ما غاب أو غمض للقلوب بواسطة الآذان على صورة الأفراد، ﴿الله﴾ اسم ما تعنو إليه القلوب عند

стр. 124

موقف العقول، فتأله فيه أي تتحير فتتالهه وتلهو به أي تغنى به عن كل شيء. ﴿الرَّحْمَنِ﴾ شامل الرحمة لكافة ما تتناوله الربوبية. ﴿الرَّحِيمِ﴾ خاص الرحمة بما ترضاه الإلهية. وقال في غريب معناها: لما أظهر الله سبحانه حكمة التسبيب، وأرى الخلق استفادة بعض الأشياء من أشياء أخر متقدمة عليها، كأنها أسبابها، وقف بعض الناس عند أول سبب، فلم ير ما قبله، ومنهم من وقف عند سبب السبب إلى ما عساه ينتهي إليه عقله فطوى الحق تعالى تلك الأسباب وأظهر بالبسملة، أي بتقديم الجار، أن كل شيء باسمه لا بسبب سواه. وقال استفتح أم القرآن بالبسملة لما كانت نسبتها من متلو الصحف والكتب الماضية نسبة أم القرآن من القرآن: الكتاب الجامع للصحف والكتب لموضع طيها الأسباب، كما تضمنت أم القرآن سر ظهور الأفعال بالعناية من الحميد المجيد في آية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. هذا في ظاهر الخطاب، إلى ما وراء ذلك من باطنه، فإن لكل آية ظهرا وبطنا. وليلزمها الخلق في ابتداء أقوالهم وأفعالهم، هكذا قال.

стр. 125

قال الْحَرَالِّي: و"الحمد" المدح الكامل الذي يحيط بجميع الأفعال والأوصاف، على أن جميعها إنما هو من الله ، وأنه كله مدح لايتطرق إليه ذم، فإذا أضمحل ازدواج المدح بالذم، وعلم سريان المدح في الكل استحق عند ذلك ظهور اسم الحمد مكملا معرفا بكلمة "ال" وهي كلمة دالة فيما اتصلت به، على انتهائه وكماله. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الْحَرَالِّي: واليوم مقدار ما يتم فيه أمر ظاهر ثم قال: و ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ في الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء المجازاة، حيث تسقط دعوى المدعين، وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد، وهو في الحقيقة من أول يوم نفوذ الجزاء عند مقارفة الذنب في باطن العامل إثر العمل إلى أشد انتهائه في ظاهره، لأن الجزاء لايتأخر عن الذنب، وإنما يخفى لوقوعه في الباطن، وتأخره عن معرفة ظهوره في الظاهر، ولذلك يؤثر عنه، ﵊: "أن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء". وأيضا فكل عقاب يقع في الدنيا على أيدي الخلق فإنما هو جزاء من الله، وإن كان أصحاب الغفلة ينسبونه للعوائد، كما قالوا: ﴿مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ ويضيفونه للمعتدين عليهم بزعمهم، وإنما هو كما قال

стр. 126

تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وكما ورد عنه ﵊: "الحمى من فيح جهنم، وإن شدة الحر والقر من نفسها"، وهي سوط الجزاء الذي أهل الدنيا بأجمعهم مضروبون به، ومنهل التجهم الذي أجمعهم واردوه من حيث لا يشعر به أكثرهم، قال ﵊: "المرض سوط الله في الأرض يؤدب الله به عباده"، وكذلك ما يصيبهم من عذاب النفس بنوع الغم والهم والقلق والحرص، وغير ذلك. وهو تعالى ملك ذلك كله ومالكه، سواء ادعى فيه مدع أو لم يدع، فهو تعالى بمقتضى ذلك [كله ملك] يوم الدين ومالكه مطلقا في الدنيا والآخرة، وإلى الملك أنهى الحق تعالى تنزل أمره العلي، لأن به رجع الأمر عوداً على بدء بالجزاء العائد على آثار ما جبلوا عليه من الأوصاف تظهر عليهم من الأفعال،

стр. 127

كما قال تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ و ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وبه تم انتهاء الشرف العلي، وهو المجد الذي عبر عنه قوله تعالى: ﴿مجدني عبدي﴾ انتهى. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: ومعنى "نعبد" كما قال الْحَرَالِّي، نبلغ الغاية في أنحاء التذلل، وأعقبه بقوله مكررا للضمير، حثا على المبالغة في طلب العون ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته، وإلى أن ملاك الهداية بيده، فانظر كيف ابتدأ سبحانه بالذات، ثم دل عليه بالأفعال، ثم رقى إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات "إيماء إلى أنه الأول [و] الآخر المحيط، فلما حصل الوصول إلى شعبة من علم الأفعال والصفات علم الاستحقاق للأفراد بالعبادة فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلبت الإعانة. قال الْحَرَالِّي: وهذه الآيات، أي هذه وما بعدها، مما جاء كلام الله فيه جاريا على لسان خلقه، فإن القرآن كله كلام الله، لكن منه ما هو كلام الله عن نفسه، ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق به الخلق على اختلاف ألسنتهم وأحوالهم وترقي

стр. 128

درجاتهم ورتب تفاضلهم، مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه، لقصورهم وعجزهم، فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء عنهم بما كان يجب عليهم، مما لا يبلغ إليه وسع خلقه، وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم نازلا لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهراً منهم؛ لطفا بهم، وإتماما للنعمة عليهم، لأنه، تعالى، لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح به أحوالهم في دينهم ودنياهم، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم من كلامه، مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك، وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم، فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده، فإذا ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو بغير فهم، وتلك هي صلاتهم المقسمة التي [عبر] عنها فيما صح عنه ﵊ من قوله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، ثم تلا هذه السورة. فجاءت الآيات الأولى الثلاث الأول بحمد الله تعالى نفسه، فإذا تلاها العبد قبل الله

стр. 129

منه تلاوة عبده كلامه، وجعلها منه حمدا وثناء وتمجيدا، وجاءت هذه الآيات على لسان خلقه، فكان ظاهرها التزام عهد العبادة، وهو ما يرجع إلى العبد، وعمادها طلب المعونة من الله سبحانه، وهو ما يرجع إلى الحق، فكانت بينه وبين عبده وتقدمت بينيته تعالى لأن المعونة متقدمة على العبادة وواقعة بها، وهو مجاب فيما طلب من المعونة، فمن كانت عليه مؤنة شيء فاستعان الله فيها على مقتضى هذه الآية جاءته المعونة على قدر مؤنته، فلا يقع لمن اعتمد مقتضى هذه الآية عجز عن مرام أبدا، وإنما يقع العجز ببخس الحظ من الله تعالى، والجهل بمقتضى ما أحكمته هذه الآية، والغفلة عن النعمة بها، وفي قوله: "نعبد" بنون الاستتباع إشعار بأن الصلاة بنيت على الاجتماع. انتهى. ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: مرجع الضال إلى ما ضل عنه، والصراط الطريق الخطر السلوك. والآية من كلام الله تعالى، على لسان العلية من خلقه، وجاء مكملا بكلمة "ال" لأنه الصراط الذي لا يضل بمهتديه لإحاطته ولشمول سريانه وفقا لشمول معنى الحمد في الوجود كله، وهو الذي تشتت الآراء وتفرقت الفرق بالميل إلى واحد من جانبيه، وهو الذي ينصب

стр. 130

مثاله - وعلى حذو معناه - بين ظهراني جهنم يوم الجزاء للعيان، وتحفه مثل تلك الآراء خطاطيف وكلاليب، تجري أحوال الناس معها في المعاد على حسب مجراهم مع حقائقها، التي ابتداء في يوم العمل، وهذا الصراط الأكمل، وهو المحيط المترتب على الضلال الذي يعبر به عن حال من لا وجهة له، وهو ضلال ممدوح، لأنه يكون عن سلامة الفطرة، لأن من لا علم له بوجهة، فحقه الوقوف عن كل وجهة، وهو ضلال يلتزم هدى محيطا، منه ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ وأما من هدى وجهة ما فضل عن مرجعها فهو ضلال مذموم، لأنه ضلال بعد هدي، وهو يكون عن اعوجاج في الجبلة - انتهى. قال الْحَرَالِّي: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الذين ظهر منهم المراغمة، وتعمد المخالفة، فيوجب ذلك الغضب من الأعلى، والبغض من الأدنى، و (الضَّالِّينَ﴾ الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها من غير تعمد لذلك ﴿آمين﴾ كلمة عزم من الأمن، مدلولها أن المدعو مأمون منه أن يرد من دعاه، لأنه لا يعجزه

стр. 131

شيء ولا يمنعه، وهي لا تصلح إلا لله، لأن مادونه لا ينفك عن عجز أو منع [انتهى] وهو صوت سمى به الفعل الذي هو استجب. وقد انعطف المنتهى على المبتدأ بمراقبة القسم الأول اسم الله، فحازوا ثمرة الرحمة، وخالف هذان القسمان، فكانوا من حزب الشيطان، فأخذتهم النقمة. وعلم أن نظم القرآن، على ما هو عليه، معجز، ومن ثم اشترط في الفاتحة في الصلاة، لكونها واجبة فيها، الترتيب، فلو قدم فيها أو أخر لم تصح الصلاة [وكذا لو أدرج فيها ما ليس منها للإخلال بالنظم] هـ. وقال في تفسيره: القرآن باطن، وظاهره، محمد ﷺ ، قالت عائشة ﵂ "كان خلقه القرآن" فمحمد، ﷺ ، صورة باطن صورة القرآن، فالقرآن باطنه وهو ظاهره، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾. وقال في تفسير الفاتحة: وكانت سورة الفاتحة أما للقرآن، لأن القرآن جميعه مفصل من مجملها، فالآيات الثلاث الأول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها، والآيات الثلاث الأخر من قوله ﴿اهْدِنَا﴾ شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الأصول إلى الله، والتحيز

стр. 132

إلى رحمة الله، والانقطاع دون ذلك، فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع هذه، وكل ما يكون وصلة بين ذلك، مما ظاهرهن وهذه من الخلق ومبدأه وقيامه من الحق، فمفصل من آية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انتهى. * * * سورة (البقرة) * * * " الم " وقال الْحَرَالِّي في تفسيره "ألف" اسم للقائم الأعلى المحيط، ثم لكل مستحلف في القيام، كآدم والكعبة، "ميم" اسم للظاهر الأعلى الذي من أظهره ملك يوم الدين، واسم للظاهر الكامل الموتى جوامع الكلم، محمد، ﷺ ، ثم لكل ظاهر دون ذلك، كالسماء والفلك والأرض، "لام" اسم لما بين باطن الإلهية التي هي محار العقول، وظاهر الملك الذي هو متجلي يوم الجزاء، من مقتضى الأسماء الحسنى، والصفات العلى، التي هي وصل تنزل ما بينهما كاللطيف ونحوه، ثم للوصل الذي كالملائكة وما تتولاه من أمر الملكوت. وهذه الألفاظ عند انعجام معناها تسمى حروفا، والحرف طرف الشيء الذي لا يؤخد منفردا، وطرف القول الذي لا يفهم وحده، وأحق ما تسمى حروفا إذا نظر إلى صورها، ووقوعها أجزاء من الكلم ولم تفهم لها دلالة فتضاف إلى مثلها جزء من كلمة مفهومة تسمى عند ذلك حروفا، وعند النطق بها هكذا: ألف، لام، ميم، [فينبغي أن يقال فيها أسماء،

стр. 133

وإن كانت غير معلومة الدلالة كحروف ألف باء تام] فإنها كلها أسماء على ما فهمه الخليل، وإنها تسمى حروفا عندما تكون أجزاء كلمة محركة للابتداء أو مسكنة للوقف والانتهاء. وأما حقيقتها فهي جوامع أصلها في ذكر أول من كلام الله تعالى فنزلت إلى الكلم العربية، وترجمت بها، ونظم منها هذا القرآن العربي المبين، فهي في الكتب العلوية الملكوتيه المترتبة في الجمع والتفصيل آية وكلم وذات كتاب، فلما نزلت إلى غاية مفصل القرآن أبقيت في افتتاحه لتكون علما على نقله للتفصيل من ذلك الكتاب، ولأنها أتم وأوجز في الدلالة على الجمع من المفصل منها، ودلالتها جامعة للوجود كله من أبطن قيمه إلى أظهره، وأظهر مقامه، ومابينهما من الوصلة [و] الواصلة، وهي جامعة الدلالة على الكون المرئي للعين بالعين والوحي المسموع، ولأجل ما اقتضته من الجمع لم تنزل في كتاب متقدم، لأن كتاب كل وقت مطابق بحال الكون فيه، والكون كان بعد لم يكمل، فكانت كتبه وصحفه بحسبه، ولما كمل الكون في وقت سيدنا محمد، ﷺ ، كان كتابه كاملا جامعا، فوجب ظهور هذه الجوامع فيه ليطابق الختم البدء، لأنهما طرفا كمال، وما بينهما تدرج إليه، وقد كان وعد

стр. 134

بإنزالهما في بعض تلك الكتب، فكان نزولها نجازا لذلك، انتهى. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ﴾: قال الْحَرَالِّي: "ذا" اسم مدلوله المشار إليه، واللام مدلوله معها بعد ما "الكتاب": من الكتب، وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفية من أصله، كالخرز في الجلد بقد منه، والخياطة في الثوب بشيء من جنسه، ليكون أقرب لصورة اتصاله الأول، فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام، وما أثبت بالرقوم من الكلام، "لا": لنفي ما هو ممتنع مطلقا، أو في وقت. "الريب" التردد بين موقعي تهمة، بحيث يمتنع من الطمأنينة على كل واحد منهما. انتهى. ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: جمع المتقي، وهو المتوقف عن الإقدام على كل أمر لشعوره بتقصيره عن الاستبداد، وعلمه بأنه غير مستغن بنفسه، فهو متق لوصفه وحسن فطرته، والمتقي كذا متوقف لأجل ذلك، والتقوى أصل يتقدم الهدى وكل عبادة، لأنها فطرة توقف، تستحق الهدى وكل خير، وهي وصية الله [لأهل الكتاب]. انتهى. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . وقال الْحَرَالِّي: "يؤمنون" من الإيمان، وهو مصدر آمنه يؤمنه إيمانا، وإذا آمن من ينبهه على أمر ليس عنده أن يكذبه أو يرتاب فيه. و"الغيب" ما غاب عن الحس، ولم يكن عليه علم يهتدي به العقل، فيحصل به العلم، وصيغة "يؤمنون" و

стр. 135

"يقيمون" تقتضي الدوام إلى الختم، وإدامة العمل إلى الختم تقتضي ظهوره عن فطرة أو جبلة، وأنه ليس عن ئعمل ومراءاة، وعند ذلك يكون علما على الجزاء، و"الصلاة" الإقبال بالكلية على أمر، فتكون من الأعلى عطفا شاملا، ومن الأدنى وفاء بأنحاء التذلل، والإقبال بالكلية على التلقي، وإيمانهم بالغيب قبولهم من النبي، ﷺ ، ما تلقاه بالوحي من أمر غائب الدنيا الذي هو الآخرة وما فيها، وأمر غائب الملكوت وما فيه، إلى غيب الجبروت وما به، بحيث يكون عملهم على الغائب الذي تلقته قلوبهم على سبيل آذانهم، كعملهم على ما تلقته أنفسهم على سبيل أعينهم، وسائر حواسهم، وداموا على عملهم ذلك على حكم إيمانهم إلى الخاتمة. ولما كانت الصلاة التزام عهد العبادة مبنيا على تقدم الشهادة متممة بجماع الذكر وأنواع التحيات لله، من القيام له، تعالى، والركوع له والسجود الذي هو أعلاها، والسلام بالقول الذي هو أدنى التحيات، كانت لذلك تعهدا للإيمان وتكرارا، ولذلك من لم يدم الصلاة ضعف إيمانه، وران عليه كفر، فلا إيمان لمن لا صلاة له، [والتقوى وحده أصل] والإيمان فالصلاة ثمرته، والإنفاق خلافة، ولذلك البخل عزل عن خلافة الله، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ وهذا الأمر بتمامه هو الذي جعلت الخلافة لآدم به إلى ما وراء ذلك من كمال أمر الله الذي أكمله بمحمد، ﷺ ، فالتقوى قلب باطن، والإنفاق وجه ظاهر. والإيمان فالصلاة وصلة بينهما.

стр. 136

ووجه ترتب الإيمان بالغيب على التقوى أن المتقي لما كان متوقفا غير متمسك بأمر، كان أذا أرشد إلى غيب لايعلمه، لم يدفعه بمقتضى ما تقدم له علمه؛ ووجه ترتب الإنفاق على الإيمان بالغيب أن المدد غيب، لأن الإنسان لما كاد لا يطلع على جميع رزقه، كان رزقه غيبا. فإذا أيقن بالخلف جاد بالعطية، فمتى أمد بالأرزاق تمت خلافته، وعظم فيها سلطانه، وانفتح له باب إمداد برزق أعلى وأكمل من الأول، فإذا أحسن الخلافة فيه بالإنفاق منه أيضا، انفتح له باب إلى أعلى إلى أن ينتهي إلى حيث ليس وراءه مرأى. وذلك هو الكمال المحمدي. وإن بخل فلم ينفق، واستغنى بما عنده، فلم يتق فكذب، تضاءل أمر خلافته، وانقطع عنه المدد من الأعلى، فبحق سمي الإنفاق زكاة، وفي أول الشورى كلام في الإيمان عن علي، ﵁، نفيس. انتهى. ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ قال الْحَرَالِّي: الآخرة معاد الأمر بعد تمامه على أوليته. انتهى. والإيقان، كما قال الْحَرَالِّي: صفاء العلم وسلامته من شوائب الريب ونحوه، من يقن الماء، وهو ما نزل من السماء فانحدر إلى كهف جبل فلم يتغير من قرار ولا وارد انتهى. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وخرج الخطاب في هذه الآية مخرج المخاطبة للنبي، ﷺ ، ومخرج إحضار المؤمنين بموضع الإشارة، وهي مكانة حضرة دون مكانة حضرة المخاطب. انتهى. قال الْحَرَالِّي: فحصل بمجموع قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخره، وبقوله:

стр. 137

﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبر تام عن سابقة أمرهم، ولاحقة كونهم، فتم بالكلامين الخبر عنهم خبراً واحدا ملتئما، كتبا سابقا، وكونا لاحقا. انتهى. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: وشركه في الختم مع القلب، لأن أحداً لايسمع إلا ما عقل. انتهى. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي قوله: "ولهم" إعلام بقوة تداعي حالهم لذلك العذاب، واستحقاقهم له، وتنشؤ ذواتهم إليه، حتى يشهد عيان المعرفة به - أي العذاب - وبهم أنه لهم، وكان عذابهم عظيما آخذا في عموم ذواتهم، لكونهم لم تلتبس أبدانهم ولانفوسهم ولا أرواحهم بما يصد عنهم شيئا من عذابها، كما يكون للمعاقبين من مذنبي مؤمني الأمم، حيث يتنكب العذاب عن وجوههم ومواضع وضوئهم ونحو ذلك. انتهى. قال الْحَرَالِّي: "الكفر" تغطية ما حقه الإظهار، و "الإنذار" الإعلام بما يحذر، و"الختم" إخفاء خبر الشيء بجمع أطرافه عليه على وجه يتحفظ به، والقلب" مبدأ كيان الشيء من غيب قوامه، فيكون تغير كونه بحسب تقلب قلبه في الانتهاء، ويكون تطوره وتكامله بحسب مدده في الابتداء والنماء، والقلب من الإنسان، بمنزلة السكان من السفينة، بحسب تقلبه يتصرف سائره، وبوضعه للتقلب والتقليب سمى قلبا. وللطيف معناه في ذلك كان أكثر قسمه، ﷺ ، بمقلب القلوب و"الغشاوة" غطاء مجلل

стр. 138

لا يبدو معه من المغطى شيء، و"العذاب" إيلام لا إجهاز فيه. و"العظيم" الآخذ في الجهات كلها. انتهى. لما ذكر طرفي الإيمان والكفر وأحوال المؤمنين، وأحوال الذين كفروا، ذكر المنافقين المترددين بين الاتصاف بالطرفين بلفظ الناس، لظهور معنى النوس فيهم، لاضطرابهم بين الحالين، لأن النوس هو حركة الشيء اللطيف المعلق في الهواء، كالخيط المعلق الذي ليس في طرفه الأسفل ما يثقله، فلا يزال مضطربا بين جهتين، ولم يظهر هذا المعنى في الفريقين لتحيزهم إلى جهة واحدة. قاله الْحَرَالِّي. ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وجاء بصيغة المفاعلة لمكان إحاطة علم الله بخداعهم، ولم يقرأ غيره ولا ينبغي، والخداع إظهار خير يتوسل به إلى إبطان شر، يؤول إليه أمر ذلك الخير المظهر. انتهى. و"النفس" قال الْحَرَالِّي: ما به ينفس المرء على غيره، استبدادا منه واكتفاء بموجود نفاسته على من سواه. انتهى. ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ وعبر هنا بصيغة المفاعلة لشعورهم، كما قال الْحَرَالِّي، بفساد أحوالهم في بعض الأوقات ومن بعض الأشخاص، وبصيغة المجرد لعمههم عن فساد أحوالهم في أكثر أوقاتهم وعمه عامتهم، ولا يكون من الله

стр. 139

سبحانه إلا بلفظ الخدع، لأنهم لا يعلمون ما يخفى عنهم من أمره، ولذلك جاء في آية النساء: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ انتهى. و"الشعور" كما قال الْحَرَالِّي: أول الإحساس بالعلم، كأنه مبدأ إنباته قبل أن تكمل صورته تتميز وانتهى. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ لأن المرض كما قال الْحَرَالِّي: ضعف في القوى يترتب عليه خلل في الأفعال. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ والزيادة قال الْحَرَالِّي: استحداث أمر لم يكن في موجود الشيء هـ انتهى. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة، أي شديد الألم، وهو الوجع اللازم. قاله الْحَرَالِّي. ﴿بِمَا كَانُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: [من كان الشيء، وكان الشيء كذا، إذ ظهر وجوده، وتمت صورته، أو ظهر ذلك الكذا من ذات نفسه. انتهى]. ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ والفساد انتقاض صورة الشيء. قاله الْحَرَالِّي. ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ والإصلاح تلافي خلل الشيء، قاله الْحَرَالِّي. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ولما كان حال الطمأنينة بالإيمان إصلاحا، وجب أن يكون اضطرابهم فيه إفسادا، لاسيما مع ظنهم أن كونهم مع هؤلاء تارة، ومع هؤلاء تارة، من الحكمة والإصلاح، وهو عين الإفساد، لأنه بالحقيقة مخالفة هؤلاء وهؤلاء، فقد أفسدوا طرفي الإيمان والكفر، وكذلك قيل: ما يصلح المنافق؛ لأنه

стр. 140

لا حبيب مصاف، ولا عدو مبائن، فلا يعتقد منه على شيء. انتهى. ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ والإيمان المضاف إلى الناس أدنى مراتب الإيمان. قاله الْحَرَالِّي. ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والعلم قال الْحَرَالِّي: ما أخذ بعلامة وأمارة نصبت آية عليه. انتهى. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولكن إيمانهم كما قال الْحَرَالِّي: فعل من أفعالهم، لم ينته إلى أن يصير صفة لهم، وأما المؤمنون الذين صار إيمانهم صفة لهم، فلا يكادون يلقونهم بمقتضاه، لأنهم لا يجدون معهم مدخلا في قول ولا مؤانسة، لأن اللقاء لابد فيه من إقبال ما من الملتقيين. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ والشيطان: هو الشديد البعد عن محل الخير، قاله الْحَرَالِّي. ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ والهزء: إظهار الجد وإخفاء الهزل فيه. قاله الْحَرَالِّي. ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ وقال الْحَرَالِّي: من المدد، وهو مزيد متصل في الشيء من جنسه. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ وقال الْحَرَالِّي: إفراط اعتدائهم حدود الأشياء ومقاديرها. انتهى. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ قال الْحَرَالِّي: من العمه، وهو اتبهام الأمور التي فيها دلالات ينتفع بها عند فقد الحس، فلا يبقى له سبب يرجعه عن طغيانه، فلا يتعدون حدا إلا عمهوا، فلم يرجعوا عنه، فهم أبدا متزايدو الطغيان. انتهى.

стр. 141

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ وقال الْحَرَالِّي: سحاب ممطر دار. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ وهو كما قال الْحَرَالِّي: ما علا فوق الرأس. ﴿وَبَرْقٌ﴾ أي نور مبهت للمعانه وسرعته، قاله الْحَرَالِّي. ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: جمع صاعقة، وهو الصوت الذي يميت سامعه أو يكاد. ﴿قَدِيرٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: القدرة إظهار الشيء من غير سبب ظاهر. انتهى. ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ وجعل الْحَرَالِّي: المثلين للمنافقين فقال: ضرب لهم مثلين لما كان لهم حالان، وللقرآن عليهم تنزلان: منه ما يرغبون فيه لما فيه من مصلحة دنياهم، فضرب لهم المثل الأول، وقدمه لأنه سبب دخولهم مع الذين آمنور، لما رأرا من معالجة عقاب الذين كفروا في الدنيا؛ ومنه ما يرهبونه ولا يستطيعون سماعه، لما يتضمنه من أمور شاقة عليهم، لا يحملها إلا مؤمن حقا، ولا يتحملها إلا من أمن، ولما يلزم منه من فضيحة خداعهم، فضرب لهم المثل الثاني؛ فلن يخرج حالهم عند نزول نجوم القرآن عن مقتضى هذين المثلين. انتهى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال الْحَرَالِّي في تفسيره: "يا" تنبيه من يكون بمسمع من المنبه ليقبل على الخطاب. وهو تنبيه في ذات نفس المخاطب، ويفهم توسط البعد بين "آيا" الممدودة، وأي المقصورة. "أي" اسم مبهم، مدلوله اختصاص ما وقع عليه من مقتضى اسم شامل. "ها" كلمة مدلولها تنبيه على أمر يستفيده المنبه - انتهى.

стр. 142

وقال الْحَرَالِّي: اعلم أنه كما اشتمل على القرآن كله فاتحة الكتاب، فكذلك أيضا جعل لكل سورة ترجمة جامعة تحتوي على جميع مثاني أيها، وخاتمة تلتئم وتنتظم بترجمتها، ولذلك تترجم السورة عدة سور، وسيقع التنبيه على ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى. واعلم مع ذلك أن كل نبي منبأ - يقرأ بالهمز - من النبأ، وهو الخبر، فإنه شرع في دعوته وهو غير عالم بطية أمره وخبر قومه، وأن الله جعل نبيه محمدا، ﷺ ، نبيا منبيا من النبوة - يقرأ بغير همز - ومعناه رفعة القدر والعلو، فيما أعلاه الله به أن قدم له بين يدي دعوته علم طية أمره، ومكنون علمه، تعالى، في سر التقديم الذي لم يزل خبأ في كل كتاب، فأعلمه بأنه، تعالى، جبل المدعوين الذين هم بصفة النوس مترددين بين الاستغراق في أحوال أنفسهم، وبين مرجع إلى ذكر ربهم، على ثلاثة أضرب: منهم من فطر على الإيمان، ولم يطبع عليه أي على قبله، فهو مجيب ولابد. ومنهم من طبع على الكفر، فهو آب ولابد. ومنهم من ردد بين طرفي الإيمان ظاهرا، والكفر باطنا، وأن كلا ميسر لما خلق له؛ فكان بذلك انشراح صدره في حال دعوته، وزال به ضيق صدره الذي شارك به الأنبياء - بالهمز، ثم علا بعد ذلك إلى مستحق رتبته العلية، فكان أول ما افتتح له كتابه أن عرفه معنى ما تضمنته "الم" ثم فصل من ذلك ثلاثة أحوال المدعوين بهذا

стр. 143

الكتاب، وحينئذ شرع في تلقينه الدعوة العامة للناس، فافتتح بعد ذلك الدعوة والنداء والدعوة إلى العبادة، يعني بهذه الآية، وتولى الله، سبحانه، دعوة الخلق في هذه الدعوة العامة التي هي جامعة لكل دعوة في القرآن. ولما ضمن صدرها من الوعيد في حق رسوله فلم يجر خطاب ذلك على لسانه، ولما فيها من السطوة وخطاب الملك والجزاء، ومحمد، ﷺ ، رحمة للعالمين، فلم ينبغ إجراؤها على لسانه لذلك، وغيره من الرسل فعامة دعوة من خص الله، سبحانه، خبر في دعوته فهي مجراة على ألسنتهم، ولذلك كثرت مقاواة قومهم ومدعويهم لهم، ولما أجرى الحق، تعالى، هذه الدعوة من قبله، كان فيها بشري بالغلبة وإظهار دينه، لأن الله، ، لا يقاويه، خلقه. ولما انتهى إلى البشري التي هي رحمة أجرى الكلام على مخاطبته، ﵇، بقوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾ ومع إجراء دعوة المرسلين على ألسنتهم علقت باسم الله بلفظ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ونحوه، فعز على أكثر النفوس الإجابة لفوات اسم الله عن إدراك

стр. 144

العقول، ومع تولي الله، سبحانه، لهذه الدعوة بسلطانه العلي أجراها باسم الربوبية وهو أسم أقرب مثالا على النفوس، لأنها تشاهد آياته بمعنى التربية والربابة، ومع ذلك أيضا فذكر اسم الله في دعوة المرسلين غير متبع ولا موصوف بآيات الإلهية، ولو ذكر لما قرب مثال علمها، فهي كالشمس والقمر، ونحو ذلك، وذكر تعالى الربوبية في هذه الدعوة متبعة بآياتها الظاهرة التي لا تفوت العقل والحس، ولا يمكن إنكارها، ووجه بعد النفوس عن الانقياد عند الدعوة باسم الله أن آيات الربوبية التي يسهل عليها الانقياد من جهتها التي بيسير منها تنقاد للملوك وأولي الإحسان، لأنها جبلت على حب من أحسن إليها، تبقى عند الدعوة باسم الله بمعزل عن الشعور بإضافتها لاسم الله، ويحار العقل في المتوجه له بالعبادة، وتضيف النفوس الغافلة آيات الربوبية إلى ما تشاهده من أقرب الأسباب في العوائد، كالفصول التي نيطت الموالد والأقوات بها في مقتضى حكمة الله سبحانه، أو إلى أسباب هذه الأسباب كالنجوم ونحو ذلك، فلا يلتئم للمدعو حال قوامه بعبادته فيكثر التوقف والإباء. واقتضى اليسر الذي أراد الله بهذه الأمة ذكر الربوبية منوطا بآياتها - انتهى. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: ﴿الَّذِي﴾ اسم مبهم، مدلوله ذات موصوف

стр. 145

بوصف يعقبه، وهي الصلة اللازمة له، والخلق تقدير أمشاج ما يريد إظهاره، بعد الامتزاج والتركيب، صورة ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ القبل ما إذا عاد المتوجه إلى مبدأ وجهته أقبل عليه. انتهى. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لعل كلمة ترج لما تقدم سببه، وبدأ من آيات الربوبيه بذكر الخلق لأنه في ذواتهم، ووصل ذلك بخلق من قبلهم [حتى لا يستندوا بخلقهم إلى من قبلهم]، وترجى لهم التقوى لعبادتهم ربهم، من حيث نظرهم إلى خلقهم وتقدير أمشاجهم، لأنهم إذا أسندوا خلقهم لربهم كان أحق أن يسندوا إليه ثمرة ذلك من صفاتهم وأفعالهم، فيتوقفون عن الاستغناء بأنفسهم، فينشأ لهم بذلك تقوى. انتهى. ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ قال الْحَرَالِّي: من الجعل، وهو إظهار أمر عن سبب وتصيير. ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ أي المحل الجامع لنبات كل نابت: ظاهر أو باطن، فالظاهر كالموالد وكل ما الماء أصله، والباطن كالأعمال والأخلاق، وكل ما أصله ماء الماء آيته، كالهدى والعلم، ونحو ذلك، ولتحقق دلالة اسمها على هذا المعنى جاء وصفها بذلك من لفظ اسمها، فقيل أرض أريضة، للكريمة المنبتة، وأصل معناها: ما سفل في مقابلة معنى السماء الذي هو ما علا على سفل الأرض، كأنها لوح قلمه الذي يظهر فيها
следующие страницы →