Полный текст (573 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾
وقال الْحَرَالِّي: سحاب ممطر دار.
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ وهو كما
قال الْحَرَالِّي: ما علا فوق الرأس.
﴿وَبَرْقٌ﴾ أي نور مبهت للمعانه وسرعته، قاله الْحَرَالِّي.
﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾
وقال الْحَرَالِّي: جمع صاعقة، وهو الصوت الذي يميت سامعه أو يكاد.
﴿قَدِيرٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: القدرة إظهار الشيء من غير سبب ظاهر. انتهى.
﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ وجعل الْحَرَالِّي: المثلين للمنافقين فقال: ضرب لهم مثلين لما كان لهم حالان، وللقرآن عليهم تنزلان: منه ما يرغبون فيه لما فيه من مصلحة دنياهم، فضرب لهم المثل الأول، وقدمه لأنه سبب دخولهم مع الذين آمنور، لما رأرا من معالجة عقاب الذين كفروا في الدنيا؛ ومنه ما يرهبونه ولا يستطيعون سماعه، لما يتضمنه من أمور شاقة عليهم، لا يحملها إلا مؤمن حقا، ولا يتحملها إلا من أمن، ولما يلزم منه من فضيحة خداعهم، فضرب لهم المثل الثاني؛ فلن يخرج حالهم عند نزول نجوم القرآن عن مقتضى هذين المثلين. انتهى.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾
قال الْحَرَالِّي في تفسيره: "يا" تنبيه من يكون بمسمع من المنبه ليقبل على الخطاب. وهو تنبيه في ذات نفس المخاطب، ويفهم توسط البعد بين "آيا" الممدودة، وأي المقصورة. "أي" اسم مبهم، مدلوله اختصاص ما وقع عليه من مقتضى اسم شامل. "ها" كلمة مدلولها تنبيه على أمر يستفيده المنبه - انتهى.
стр. 142
وقال الْحَرَالِّي: اعلم أنه كما اشتمل على القرآن كله فاتحة الكتاب، فكذلك أيضا جعل لكل سورة ترجمة جامعة تحتوي على جميع مثاني أيها، وخاتمة تلتئم وتنتظم بترجمتها، ولذلك تترجم السورة عدة سور، وسيقع التنبيه على ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى.
واعلم مع ذلك أن كل نبي منبأ - يقرأ بالهمز - من النبأ، وهو الخبر، فإنه شرع في دعوته وهو غير عالم بطية أمره وخبر قومه، وأن الله جعل نبيه محمدا، ﷺ ، نبيا منبيا من النبوة - يقرأ بغير همز - ومعناه رفعة القدر والعلو، فيما أعلاه الله به أن قدم له بين يدي دعوته علم طية أمره، ومكنون علمه، تعالى، في سر التقديم الذي لم يزل خبأ في كل كتاب، فأعلمه بأنه، تعالى، جبل المدعوين الذين هم بصفة النوس مترددين بين الاستغراق في أحوال أنفسهم، وبين مرجع إلى ذكر ربهم، على ثلاثة أضرب: منهم من فطر على الإيمان، ولم يطبع عليه أي على قبله، فهو مجيب ولابد. ومنهم من طبع على الكفر، فهو آب ولابد. ومنهم من ردد بين طرفي الإيمان ظاهرا، والكفر باطنا، وأن كلا ميسر لما خلق له؛ فكان بذلك انشراح صدره في حال دعوته، وزال به ضيق صدره الذي شارك به الأنبياء - بالهمز، ثم علا بعد ذلك إلى مستحق رتبته العلية، فكان أول ما افتتح له كتابه أن عرفه معنى ما تضمنته "الم" ثم فصل من ذلك ثلاثة أحوال المدعوين بهذا
стр. 143
الكتاب، وحينئذ شرع في تلقينه الدعوة العامة للناس، فافتتح بعد ذلك الدعوة والنداء والدعوة إلى العبادة، يعني بهذه الآية، وتولى الله، سبحانه، دعوة الخلق في هذه الدعوة العامة التي هي جامعة لكل دعوة في القرآن.
ولما ضمن صدرها من الوعيد في حق رسوله فلم يجر خطاب ذلك على لسانه، ولما فيها من السطوة وخطاب الملك والجزاء، ومحمد، ﷺ ، رحمة للعالمين، فلم ينبغ إجراؤها على لسانه لذلك، وغيره من الرسل فعامة دعوة من خص الله، سبحانه، خبر في دعوته فهي مجراة على ألسنتهم، ولذلك كثرت مقاواة قومهم ومدعويهم لهم، ولما أجرى الحق، تعالى، هذه الدعوة من قبله، كان فيها بشري بالغلبة وإظهار دينه، لأن الله، ، لا يقاويه، خلقه.
ولما انتهى إلى البشري التي هي رحمة أجرى الكلام على مخاطبته، ﵇، بقوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾ ومع إجراء دعوة المرسلين على ألسنتهم علقت باسم الله بلفظ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ونحوه، فعز على أكثر النفوس الإجابة لفوات اسم الله عن إدراك
стр. 144
العقول، ومع تولي الله، سبحانه، لهذه الدعوة بسلطانه العلي أجراها باسم الربوبية وهو أسم أقرب مثالا على النفوس، لأنها تشاهد آياته بمعنى التربية والربابة، ومع ذلك أيضا فذكر اسم الله في دعوة المرسلين غير متبع ولا موصوف بآيات الإلهية، ولو ذكر لما قرب مثال علمها، فهي كالشمس والقمر، ونحو ذلك، وذكر تعالى الربوبية في هذه الدعوة متبعة بآياتها الظاهرة التي لا تفوت العقل والحس، ولا يمكن إنكارها، ووجه بعد النفوس عن الانقياد عند الدعوة باسم الله أن آيات الربوبية التي يسهل عليها الانقياد من جهتها التي بيسير منها تنقاد للملوك وأولي الإحسان، لأنها جبلت على حب من أحسن إليها، تبقى عند الدعوة باسم الله بمعزل عن الشعور بإضافتها لاسم الله، ويحار العقل في المتوجه له بالعبادة، وتضيف النفوس الغافلة آيات الربوبية إلى ما تشاهده من أقرب الأسباب في العوائد، كالفصول التي نيطت الموالد والأقوات بها في مقتضى حكمة الله سبحانه، أو إلى أسباب هذه الأسباب كالنجوم ونحو ذلك، فلا يلتئم للمدعو حال قوامه بعبادته فيكثر التوقف والإباء. واقتضى اليسر الذي أراد الله بهذه الأمة ذكر الربوبية منوطا بآياتها - انتهى.
﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: ﴿الَّذِي﴾ اسم مبهم، مدلوله ذات موصوف
стр. 145
بوصف يعقبه، وهي الصلة اللازمة له، والخلق تقدير أمشاج ما يريد إظهاره، بعد الامتزاج والتركيب، صورة ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ القبل ما إذا عاد المتوجه إلى مبدأ وجهته أقبل عليه. انتهى.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: لعل كلمة ترج لما تقدم سببه، وبدأ من آيات الربوبيه بذكر الخلق لأنه في ذواتهم، ووصل ذلك بخلق من قبلهم [حتى لا يستندوا بخلقهم إلى من قبلهم]، وترجى لهم التقوى لعبادتهم ربهم، من حيث نظرهم إلى خلقهم وتقدير أمشاجهم، لأنهم إذا أسندوا خلقهم لربهم كان أحق أن يسندوا إليه ثمرة ذلك من صفاتهم وأفعالهم، فيتوقفون عن الاستغناء بأنفسهم، فينشأ لهم بذلك تقوى. انتهى.
﴿الَّذِي جَعَلَ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الجعل، وهو إظهار أمر عن سبب وتصيير. ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ أي المحل الجامع لنبات كل نابت: ظاهر أو باطن، فالظاهر كالموالد وكل ما الماء أصله، والباطن كالأعمال والأخلاق، وكل ما أصله ماء الماء آيته، كالهدى والعلم، ونحو ذلك، ولتحقق دلالة اسمها على هذا المعنى جاء وصفها بذلك من لفظ اسمها، فقيل أرض أريضة، للكريمة المنبتة، وأصل معناها: ما سفل في مقابلة معنى السماء الذي هو ما علا على سفل الأرض، كأنها لوح قلمه الذي يظهر فيها
стр. 146
كتابه. انتهى.
﴿فِرَاشًا﴾ وأصله
قال الْحَرَالِّي: بساط يضطجع عليه للراحة ونحو ذلك.
﴿وَأَنْزَلَ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الإنزال وهو الإهواء بالأمر من علو إلى سفل - انتهى.
﴿مَاءً﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو أول ظاهر للعين من أشباح الخلق ﴿فَأَخْرَجَ﴾ من الإخراج وهو إظهار من حجاب، وفي سوقه بالفاء تحقيق للتسبيب في الماء. انتهى.
﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ والثمر: كما
قال الْحَرَالِّي مطعومات النجم والشجر، وهي عليها، وعبر بمن لأن ليس كل الثمرات رزقا، [لما يكون عليه، وفيه من العصف والقشر والنوى، وليس أيضا من كل الثمرات رزقا] فمنه ماهو للمداواة، ومنه سموم، وغير ذلك. وفي قوله ﴿لَكُمْ﴾ إشعار بأن في الرزق تكملة لذواتهم، ومصيراً إلى أن يعود بالجزاء منهم.
وقد وصف الرب في هذه الآية بموصولين، ذكر صلة الثاني بلفظ الجعل، لأن حال القوام مرتب على حال الخلق ومصير منه، فلا يشك ذو عقل في استحقاق الانقياد لمن تولى خلقه وأقام تركيبه، ولايشك ذو حس إذا تيقظ من نوم أو غفلة فوجد
стр. 147
بساطا قد فرش له وخيمة قد ضربت عليه، وعولج له طعام وشراب قدم له، أن نفسه تنبعث بذاتها لتعظيم من فعل ذلك بها، ولتقلد نعمته وإكباره، فلتنزيل هذه الدعوة إلى هذا البيان الذي يضطر النفس إلى الإذعان، ويدخل العلم بمقتضاها في رتبة الضرورة والوجدان، كانت هذه الدعوة دعوة عربية جارية على مقتضى أحوال العرب، لأن العرب لاتعدو بأنفسها العلم الضروري، وليس من شأنها تكلف الأفكار والتسبب إلى تواني العلوم النظرية المأخوذة من مقتضى الأمارات والأدلة، فعوملت بما جبلت عليه، فتنزل لها لتكون نقلتها من فطرة إلى فطرة، ومن علم وجداني إلى علم وجداني علي، لتحفظ عليها رتبة الإعراب والبيان بأن لا يتسبب لها إلى دخول ريب في علومها، لأن كل علم مكتسب يتكلف التسبب له بآيات وعلامات ودلائل تبعد من الحس، وأوائل هجوم العقل تتعارض عليه الأدلة، ويعتاده الريب، فحفظت هذه الدعوة العربية عن التكلف، وأجريت على ما أحكمه صدر السورة في قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
واعلم أن حال المخلوق في رزقه محاذي به حاله في كونه، فيعلم بالاعتبار والتناسب، الذي شأنه أن تتعلم من جهته المجهولات، أن الماء بزر كون الإنسان، كما أن الماء أصل رزقه، ولذلك قال ﵊، لمن سأله: ممن هو؟ فلم يرد أن يعين له نفسه: نحن من ماء. ويعلم كذلك أيضا أن للأرض والسماء مدخلا في أمشاج الإنسان رتب عليه مدخلها في كون رزقه، وفي ذكر الأرض
стр. 148
معرفة أخذ للأرض إلى نهايتها وكمالها، ولذلك قال ﵇: "من أغتصب شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين" وكذلك ذكر السماء أخذ لها إلى نهايتها وكمالها، وقدم الأرض لأن نظر النفوس إلى ما تحتها أسبق لها من نظرها إلا ما علا عليها.
ثم قال: ولوضوح آية الربوبية تقلدها الأكثر، وإنما توقفوا في الرسالة، ولذلك وصل ذكر الرسالة بالتهديد. انتهى.
﴿أَنْدَادًا﴾
قال الْحَرَالِّي: جمع ند، وهو المقاوم في صفة القيام والدوام، وعبر بالجعل لأن بالجعل والمصير، من حال إلى حال أدنى منها، ترين الغفلة على القلوب، حتى لا تشهد في النعم والنقم إلا الخلق من ملك أو ذي إمرة، أو من أي ذي يد عليا كان، ولما شهدوا ذلك منهم تعلق بهم رجاؤهم وخوفهم، وعاقبهم ربهم على ذلك بأيديهم، فاشتد داعي رجائهم لهم، وسائق خوفهم منهم، فتذللوا لهم وخضعوا، فصاروا بذلك عبدة الطاغوت، وجعلوهم لله أنداداً. انتهى.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفيه كما
قال الْحَرَالِّي: إعلام بظهور آيات ما يمنع جعل الند لما يشاهد أن جميع الخلق أدناهم وأعلاهم مقامون من السماء وفي الأرض ومن الماء، فمن جعل لله ندا، مما حوته السماء والأرض، واستمد من الماء، فقد خالف العلم الضروري الذي به تقلد التذلل للربوبية في نفسه، فإن يحكم بذلك على غيره مما حاله كحاله أحق في العلم. انتهى.
﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾
قال الْحَرَالِّي: من التنزيل، وهو التقريب للفهم بتفصيل وترجمة، ونحو ذلك. انتهى.
стр. 149
﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: الآتي بالأمر يكون عن مكنة وقوة.
﴿بِسُورَةٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: السورة تمام جملة من المسموع يحيط بمعنى تام، بمنزلة إحاطة السور بالمدينة. انتهى.
﴿والشهيد﴾ كما
قال الْحَرَالِّي: من يكثر الحضور لديه، واستبصاره فيمن حضره. انتهى.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: والدون: منزلة القريب، فالقريب من جهة سفل، وقد عقلت العرب أن "اسم الله" لا يطلق على ما ناله إدراك العقل فكيف بالحس، فقد تحققوا أن كل ما أدركته حواسهم، ونالته عقولهم، فإنه من دون الله. انتهي.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
قال الْحَرَالِّي: والصادق الذي يكون قول لسانه وعمل جوارحه مطابقا لما احتوى عليه قلبه، مما له حقيقة ثابتة بحسبه.
وقال: واتسقت آية تنزيل الوحي بآية إنزال الرزق [لما كان نزول ما نزل على الرسول المخصص بذلك ينبغي اعتباره بمقابلة نزول الرزق] لأنهما رزقان: أحدهما ظاهر، يعم الكافر في نزوله، والآخر وهو الوحي، رزق باطن، يخص الخاصة بنزوله ويتعين له أيهم أتمهم فطرة وأكملهم ذاتا؟ ولم يصلح أن يعم بنزول هذا الرزق الباطن كعموم الظاهر، فتبطل حكمة الاختصاص في الرزقين، فإن نازعهم ريب في الاختصاص فيفرضون أنه عام فيحاولون معارضته، وكما أنهم يشهدون بتمكنهم من الحس عند محاولتهم عمومه، فكذلك يجب أن يشهدوا بعجزهم عن سورة من
стр. 150
مثله. تحقق اختصاص من نزل عليه به، وأجرى ذكره باسم العبودية إعلاما بوفائه بأنحاء التذلل، وإظهار المزية انفراده بذلك دونهم، ليظهر به سبب الاختصاص.
وانتظم النون في ﴿نَزَّلْنَا﴾ من يتنزل بالوحي من روح القدس والروح الأمين ونحو ذلك، لأنها تقتضي الاستتباع، واقتضت النون في لفظ ﴿عَبْدِنَا﴾ ما يظهره النبي، ﷺ ، لهم من الانقياد والاتباع. وما اقتضاه خلقه العظيم عن خفض الجناح، حتى إنه يوافق من وقع على وجه من الصواب من أمته، ﷺ ، وحتى إنه يتصف بأوصاف العبد في أكله، كما قال: "آكل كما يأكل العبد". انتهى.
﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ والفعل:
قال الْحَرَالِّي: ما ظهر عن داعية من الموقع، كان عن علم أو في علم، لتدين كان أو لغيره كما تقدم مرارا. انتهى.
﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي جوهر لطيف يفرط لشدة لطافته في تفريط المتجمد بالحر المفرط، وفي تجميد المتمتع بالبرد المفرط. انتهى.
﴿النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
وقال الْحَرَالِّي: الحجارة ما تحجر أي اشتد تصام أجزائه من الماء والتراب، ﴿واتقوا﴾ أي توقفوا عن هذه التفرقة بين الله ورسوله، حيث تذعنون لربوبيته وترتابون في رسوله، فالنار معدة للعذاب بأشد التفريق لألطف الأجزاء الذي هو معنى الحرق لمن فرق وقطع ما يجب وصله، أي لما فاتتكم التقوى بداعي العلم،
стр. 151
فلا تفتكم التقوى بسائق الموجع المخصوص المناسب عذابه لفعلكم، فإنها نار غذاؤها واشتعالها بالكون كله، أنهاه تركيبا، وهم الناس الملائمون لمارجها بالنوس، وأطرفه وأجمده، وهي الحجارة، فهي تسع ما بين ذلك من باب الأولى، وفيه إشعار بمنتها وقوتها، وأنها بحكم هذا الوسع للالتصاق بخلق، يعني وليست كنار الدنيا التي غذاؤها من ضعيف الموالد، وهو النبات، ولا تفعل في الطرفين إلا بواسطة، وكان غذاؤها ووقودها النبات إذ كانت متقدحة منه، كما قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ وتقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، وذلك على حكم ما تحقق أن الغذاء للشيء مما منه أصل كونه، وقال: ﴿وَقُودُهَا﴾ لأن النار أشد فعلها في وقودها، لأن بتوسطه تفعل فيما سواه، فإذا كان وقودها محرقها كانت
стр. 152
فيه أشد عملا لتقويها به عليه، ويفهم اعتبارها بنار الدنيا انقداحها من أعمال المجزيين بها ومن كونهم، فهم منها مخلوقون، وبها مغتذون، إلا أنها منطفية الظاهر في الدنيا، متأججة في يوم الجزاء ومثال كل مجزي منها بمقدار ما في كونه من جوهرها.
قال: وفي ذكر الحجارة إفهام عموم البعث والجزاء لما حوته السماء والأرض، وأن كل شيء، ليس الثقلين فقط، يعمه القسم بين الجنة والنار، كما عمه القسم بين الخبيث والطيب، وإنما اقتصر في مبدأ عقيدة الإيمان على الإيمان ببعث الثقلين وجزائهم تيسيراً واستفتاحا، وما سوى ذلك فمن زيادة الإيمان وتكامله، كما قال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ومن العلماء من وقف بإيمانه على بعث الثقلين وجزائهما، حتى إن منهم من ينكر جزاء ما سواهما، ويتكلف تأويل مثل قوله ﵇: "يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء". انتهى.
﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي عدة الملك الديان لهم بمنزلة سيف الملك من ملوك الدنيا. انتهى.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
قال الْحَرَالِّي: والبشرى إظهار غيب المسرة بالقول. ﴿وَعَمِلُوا﴾
قال الْحَرَالِّي: من العمل وهو فعل بني على علم أو زعمه.
﴿الصَّالِحَاتِ﴾:
قال الْحَرَالِّي جمع صالحة وهو العمل المتحفظ به من مداخل الخلل فيه، وإذا كانت البشرى لهؤلاء فالمؤمنون أحق بما فوق البشرى، وإنما يبشر من يكون على خطر، والمؤمن مطمئن، فكيف بما فوق ذلك من رتبة الإحسان، إلى مالا عين رأت ولا أذن سمعت، وما لايناله علم نفس، ولا خطر على قلب بشر.
стр. 153
﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: لتعدد رتب أفعالهم التي يطابق الجزاء ترتبها وتعددها [كما] قال ﵊ للتي سألت عن ابنها: "إنها جنان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى". وفي التعبير بلهم إشعار بأن ذلك الذي لهم ينبغي لحاقه بذواتهم ليحصل به من كمال أمرهم، وصلاح حالهم نحو مما يحصل بكمال خلقهم وتسويتهم.
والجنات مبهجات للنفوس، تجمع ملاذ جميع حواسها، تجن المتصرف فيها، أي تخفيه، وتجن وراء نعيمها مزيدا دائما. انتهى.
﴿تَجْرِي﴾
قال الْحَرَالِّي: من الجري وهو إسراع حركة الشيء ودوامها. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي من تحت غرفها، والتحت ما دون المستوى. ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نهر، وهو المجرى الواسع للماء. انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وإذا تعرف حال العامل من وصف جزائه علم أن أعمالهم كانت مبنية على الإخلاص الذي هو حظ العاملين من التوليد الذي الماء أيته - انتهى.
﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ وجعل الْحَرَالِّي هذا خاصا بثمار الجنة فقال: من قبل إعلام بأن أشخاص ثمر الجنة وآحادها لا تتمايز، لأنها على أعلى صورتها لا تتفاوت بأعلى وأدنى، ولا يتراخى زمان عودها، فهي تتخلف لأن قطفها، ولا تتمايز صور المقطوف من الخالف، حتى يظن القاطف أن المتخلف عين الأول؛ فحال ثمر الجنة كحال الماء الذي هو أصله، وبسرعة الخلف من ثمر الجنة وأنه متصل جرية الوجود، قال
стр. 154
عليه السلام في عنقود من ثمرها: "لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا" ويشعر ذلك عند اعتبار العمل به بأن نياتهم في الأعمال صالحة ثابتة مرابطة حتى جروا بها هذا الاتصال وكمال الصورة في الرزق، ومنه [حديث مرفوع أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد]: "نية المؤمن خير من عمله". ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ أظهر عذرهم في توهم اتحاد الثمر، وعرف بأمنتهم من العناء، لأنه لو تفاوت تبعه الكراهة للأدنى، وتكلف للانتقاء للأعلى، وذلك إنما هو لائق بكيد الدنيا لا بنعيم الجنة.
وقد ذكر بعض العلماء اطراد هذا التشابه في ثمر الجنة، وإن اختلفت أصنافه، ويضعفه ما يلزم منه كمال الدلالة في المعنى والصورة في نحو قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ وما يجري مجراه. انتهى.
﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: والزوج مالا يكمل المقصود من الشيء إلا معه على نحو من الاشتراك والتعاون، والتطهير تكرار إذهاب مجتنب بعد مجتنب عن الشىء، ولما ذكر تعالى الرزق المستثمر من أعمال الدين آمنوا وصل به ذكر الأزواج المستثمرة من حال نفوسهم من حسن أخلاقها وجمال صورتها الباطنة في
стр. 155
الدنيا، وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره في النسل والسكن إلا بها - انتهى.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾
وقال الْحَرَالِّي: لما كانت الدعوة تحوج مع المتوقف فيها والآبي لها إلى تقريب للفهم بضرب الأمثال، وكانت هذه الدعوة جامعة الدعوات، وصل بها هذه الآية الجامعة لإقامة الحجة في ضرب الأمثال، وأن ذلك من الحق، سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ وليختم ذكر ما تضمنه صدر السورة من الحروف التي أنزل عليها القرآن بسابعها الذي هو حرف المثل، وبين تعالى أن مقدار الحكمة الشاهد للممثل في البعوضة، وفيما هو أظهر للحس وآخذ في العلم.
وإنما يجب الالتفات للقدر لا للمقدار، ولوقع المثل على ممثله قل أو جل، دنا أو علا، فتنزه، تعالى، عما يجده الخلق عندما ينشأ من بواطنهم وهمهم أن يظهروا أمرا فيتوهمون فيه نقصا فيرجعهم ذلك عن إظهاره قولا أو فعلا - انتهى.
والحياء
قال الْحَرَالِّي: انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن،
стр. 156
لمواجهة ما تراه نقصا، حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن. "أن" كلمة مدلولها ممن أجريت عليه حقيقة باطن من ذاته وعلمه يفصل بها ما يظهرها، وسيبويه، ﵀، يراها اسما، وعامة النحاة، لا نعجام معناها عليهم، يرونها حرفا. "يضرب" من ضرب المثل، وهو وقع المثل على الممثل لأن أصل الضرب وقع شيء على شيء، والمعنى أن يوجد الضرب متجددا مستمرا، وهذا لا يساويه أن يقال من ضربه مثلا، فإنه يصدق لمثل واحد سابق أو لاحق.
... وإلى هذا القيد الأخير ينظر قول الْحَرَالِّي: إن الحياء من أن يضرب المثل استحياء من وقعه في الباطن، والحياء من ضربه المثل استحياء من إظهاره بالقول، ففي الأصل الأبلغ الذي بنفيه يكون نفي الضرب أحق، فيراجع هذا المعنى مع تكرار "أن" فإنها كثيرة الدور في القرآن، جليلة قدر المعنى في مواقعها، وإنما يجري على ترك الالتفات إلى موقع معناها ما يقوله النحاة في معنى التقريب [إن أن والفعل في] معنى المصدر، والواجب في الإعراب والبيان الإفصاح عن ترتب معانيهما، وعند هذا يجب أن تكون أن اسما والفعل صلتها، نحو "من" و "ما".
﴿مَثَلًا مَا﴾ مثل أمر ظاهر للحس ونحوه، يعتبر به أمر خفي يطابقه فينفهم معناه باعتباره، و"ما" في هذا الموقع لمعنى الاستغراق، فهي هنا لشمول الأدنى والأعلى من الأمثال - انتهى.
стр. 157
وقال الْحَرَالِّي: ولما كان ضرب المثل متعلقا بمثل وممثل كان الضرب واقعا عليهما، فكان لذلك متعديا إلى مفعولين: مثلا ما، وبعوضة، والبعوض جنس معروف، من أدنى الحيوان الطائر مقدارا، وفيه استقلال وتمام خلقة، يشعر به معنى البعض الذي منه لفظه، لأن البعض يوجد فيه جميع أجزاء الكل، فهو بذلك كل. ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي من معنى يكون أظهر منها. والفاء تدل على ارتباط ما، إما تعقيب واتصال، أو تسبيب، ففيه هنا إعلام بأقرب ما يليه على الاتصال والتدرج إلى أنهى ما يكون. انتهى.
﴿فَأَمَّا﴾
قال الْحَرَالِّي: كأنها مركبة من "أن" دالة على باطن ذات، و"ما" دالة على ظاهر مبهم، يؤتى به للتقسيم - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: لما كان الذين آمنوا ممن بادر فأجاب، وكان ضرب المثل تأكيد دعوة وموعظة لمن حصل منه توقف، حصل للذين آمنوا استبصار بنور الإيمان في ضربة المثل، فصاروا عالمين بموقع الحق فيه، وكما استبصر فيه الذين آمنوا استغلق معناه على الذين كفروا وجهلوه، فاستفهموا عنه استفهام إنكار لموقعه - انتهى.
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾
وقال الْحَرَالِّي: وكان إضلالا لهم، لأن في ضرب المثل بما يسبق لهم استزراؤه بنحو الذباب والعنكبوت الذي استزروا ضرب المثل وبه تطبيق لهم إلى الجهالة، فكان ذلك إضلالا، وقدم الجواب لأنه مستحق
стр. 158
المستفهم، والإضلال التطريق للخروج عن الطريق الجادة المنجية. انتهى.
﴿إِلَّا﴾
قال الْحَرَالِّي: كأنها مركبة من "إن" و"لا" مدلولها: نفي حقيقة ذات عن حكم ما قبلها. انتهى.
﴿الْفَاسِقِينَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: الذين خرجوا عن إحاطة الاستبصار، وجهات تلقي الفطرة والعهد الموثق وحسن الرعاية، لأن الفسق خروج عن محيط، كالكمام للثمرة، والجحر للفأرة - انتهى.
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ من النقض وهو حل أجزاء الشيء بعضها عن بعض، ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ أي الذي أخذه عليهم على ماله من العظمة بما ركز فيهم من العقول، ونصب لهم من الدلائل، والعهد التقدم في الأمر - قاله الْحَرَالِّي.
﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ والوثاق شدة الربط، وقوة ما به يربط - قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾
قال الْحَرَالِّي: والقطع الإبانة في الشيء الواحد، والوصل مصير التكملة مع المكمل شيئا واحدا، كالذي يشاهد في إيصال الماء ونحوه، وهو إعلام بأنهم يقطعون متصل الفطرة ونحوها، فيسقطون عن مستواها، وقد أمر الله أن يوصل بمزيد علم يتصل بها، حتى يصل نشؤها إلى أتم ما تنتهي إليه، وكذلك حالهم في كل أمر يجب أن يوصل، فيأتون فيما يطلب فيه الأمر الأكمل بضده الأنقص - انتهى.
﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
قال الْحَرَالِّي، ولما كانت الأرض موضوعة للنشيء
стр. 159
منها وفيها وموضع ظهور عامة الصور الرابية اللازمة الجسمية، ومحل تنشؤ صورة النفس بالأعمال والأخلاق، وكان الإفساد نقض الصور، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ كان فعلهم فيها من نحو فعلهم في وضع الضد السيء موضع ضده الأكمل، والتقصير بما شأنه التكملة، فكان إفسادا لذلك - انتهى.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ والخسارة: النقص فيما شأنه النماء. قاله الْحَرَالِّي.
قال الْحَرَالِّي: ولما كان الخاسر من كان عنده رأس مال مهيأ للنماء والزيادة فنقصه عن سوء تدبير، وكان أمرهم في الأحوال الثلاث المنسوقة حال من نقص ما شأنه النماء، كانوا بذلك خاسرين، فلذلك انختمت الآية بهذا، وأشير إليهم بأداة البعد لوضعهم في أبعد المواضع عن محل الخير - انتهى.
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾
وقال الْحَرَالِّي: لما تقدمت الدعوة للناس فأجاب مبادر وتوقف متوقف، فضربت الأمثال فاستدرك وآمن وتمادى متماد على كفره، صرف وجه الخطاب عن المواجهة من الحق تعالى، وأجرى على لسان لؤم وإنكار، فجاء هذا الاستفهام لإيضاح انقطاع العذر في التمادي على الكفر، وجاء بلفظ "كيف" لقصور نظرهم على الكيفيات المحسوسة، فإن "كيف" كلمة مدلولها استفهام عن عموم الأحوال التي شأنها أن تدرك بالحواس، فكأنه يقال لهم بمدرك: أي حاسة تماديتم على الكفر بالله؟ على ما تقتضيه صيغة الفعل الدائم في تكفرون - انتهى.
стр. 160
﴿بِاللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: وأعلى هذا الخطاب فأبعدوا عن تيسيره بذكر اسم "الله"، لما لم يكونوا من أهل قبول التنزل بدعوى اسم الربوبية، حيث لم يكونوا ممن أجاب مبادراً ولا تاليا، حسبما تشعر به آية تحقيق ضرب الأمثال.
ولما جرى هذا الخطاب بذكر اسم الله أعقب بذكر الأفعال الإلهية التي هي غابات، من الموت والإحياء المعروف اللذين لا ينكر الكفار أمرهما - انتهى.
﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾
قال الْحَرَالِّي: من الموت، وهو حال خفاء وغيب، يضاف إلى ظاهر عالم يتأخر عنه أو يتقدمه، تفقد فيه خواص ذلك الظهور الظاهرة - انتهى.
﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: رجاء بالفاء المشعرة بالتعقيب، لما لم يكن لهم معرفة بمهل الموت الذي قبل حياة الولادة. والحياء تكامل في ذات ما، أدناه حياة النبات بالنمو والاهتزاز مع انغراسه، إلى حياة ما يدب بحركته وحسه، إلى غاية حياة الإنسان في تصرفه وتصريفه، إلى ما وراء ذلك من التكامل - انتهى.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي وهذه الأحوال الثلاثة: أي الموت المعبر به عن العدم، ثم الحياة، ثم الموت، معروفة لهم، لا يمكنهم انكارها، وإذا صح منهم الإقرار بحياة موت لزمهم الإقرار بحياة موت آخر، لوجوب الحكم بصحة وجود ما قد سبق مثله، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ولدن ذلك من العلم أن الموت والحياة مزدوجان متضايقان، وإذا استوفى الموت الأول إحياءه، فلا بد من استيفاء الموت الثاني إحياءه أيضا، لأنه لولا
стр. 161
استقبال الحياة لما كان موتا، بل بطلا وفقدا واضمحلالا، لأن حقيقة الموت حال غيب بين يديه ظهور، والحياة نهاية ثابتة، والموت مبدأ غيب زائل، فجنس الموت كله متقض ونهاية، والحياة ثابتة دائمة، ولذلك ورد ما صح عنه، ﵊، في أن الموت يذبح، إعلام بانقضاء جنسه، وثبات الحياة، ولذلك قدم في الذكر، وأعقب بالحياة، حيث استغرقتهما كلمة "ال" في قوله: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ وثبت الخطاب على إقرار الحياة والكمال، كما ورد عنه، ﷺ ، في قوله: "نعيم الجنة لا آخر له" فوجب بظاهر ما أحسه الكفار وباطن ما أقتضاه هذا النحو من العلم دونه انتشار حياة ثانية بعد ميتة الدنيا - انتهى.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وفي هذا، كما
قال الْحَرَالِّي: إعلام بأنهم إن لم يرجعوا إلى الله، سبحانه، بداعي العلم في الدنيا، فبعد مهل من الإحياء الثاني يرجعون إليه قهرا، حيث يشاهدون انقطاع أسبابهم ممن تعلقوا به، ويتبرأ منهم ما عبدوه من دون الله. وإنما جاء هذا المهل بعد البعث لما يبقى لهم من الطمع في شركائهم، حيث يدعونهم فلم يستجيبوا لهم، فحينئذ يضطرهم انقطاع أسبابهم إلى الرجوع إلى الله، فيرجعون قسرا وسوقا، فحينئذ يجزيهم بما كسبوا في دنياهم. كما قال تعالى في خطاب يعم كافة أهل الجزاء: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وهذا آخر خطاب الإقبال عليهم من دعوة الله لهم، ولسان النكير عليهم، ولذلك كانت آية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ أخر آية أنزلت في
стр. 162
القرآن، لأنها نهاية ليس وراءه قول يعم أهل الجزاء، والرجع عود الشيء عند انتهاء غايته إلى مبدئها. انتهى.
﴿هُوَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي كلمة مدلولها العلي غيب الإلهية القائم بكل شيء الذي لا يظهر لشيء، فذاته أبدا غيب، وظاهره الأسماء المظهرة من علو إحاطة اسم "الله" إلى تنزل اسم الملك، فما بينهما من الأسماء المظهرة.
ثم قال: لما انتهى الخطاب بذكر إرجاعهم إلى الله، وكان هذا خطابا خاصا مع المتمادي على كفره، اتبع عند إعراضه وإدباره بهذا الحتم، تهديداً رمى به بين أكتافهم وتسبيبا نيط بهم ومد لهم، كالمرخى له في السبب الذي يراد أن يجذب به، إما بأن يتداركه لطف فيرجع عليه طوعا، أو يراد به قسراً عند انتهاء مدى إدباره.
وانتظم به ختم آية الدعوة بنحو من ابتدائها، إلا أن هذه على نهاية الاقتطاع بين طرفيها، وتلك على أظهر الاتساق؛ فأبعدوا في هذه كل البعد بإسناد الأمر إلى اسم "هو" الذي هو غيب اسم الله، وأسند إليه خلق ما خلق لهم في الأرض الذي هو أظهر شيء للحس - انتهى.
﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾
قال الْحَرَالِّي: وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ إعلام بأن حاجة الإنسان لاتقوم بشيء دون شيء، وإنما تقوم بكلية ما في الأرض، حتى لو بطل منها شيء تداعى سائرها - انتهى.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾
وقال الْحَرَالِّي: أعلى الخطاب بذكر الاستواء إلى
стр. 163
السماء الذي هو موضع التخوف لهم، لنزول المخوفات منه عليهم، فقيل لهم: هذا المحل الذي تخافون منه هو استوى إليه، ومجرى لفظ الاستواء في الرتبة والمكانة أحق بمعناه من موقعه في المكان والشهادة؛ وبالجملة، فالأحق بمجرى الكلم وقوعها نبأ عن الأول الحق، ثم وقوعها نبأ عما في أمره وملكوته، ثم وقوعها نبأ عما في ملكه وإشهاده، فلذلك حقيقة اللفظ لا تصلح أن تختص بالمحسوسات البادية في الملك دون الحقائق التي من ورائها من عالم الملكوت، وما به ظهر الملك والملكلوت من نبأ الله عن نفسه من الاستواء ونحوه، في نباء الله عن نفسه أحق حقيقة، ثم النبأ به عن الروح مثلا، واستوائها على الجسم، ثم على الرأس مثلا، واستوائه على الجثة، فليس تستحق الظواهر حقائق الألفاظ على بواطنها، بل كانت البواطن أحق باستحقاق الألفاظ، وبذلك يندفع كثير من لبس الخطاب على المقتصرين بحقائق الألفاظ على محسوساتهم.
﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ التسوية إعطاء أجزاء الشيء حظه لكمال صورة ذلك الشيء.
﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أعطى لكل واحدة منهن حظها: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: لما جعل الله، تعالى، نور العقل هاديا لآيات ما ظهر في الكون، وكان
стр. 164
من الخلق مهتد به، ومعرض عنه، بعث الله النبيئين مبشرين لمن اهتدى بنور العقل بمقتضى الآيات المحسوسه، وتلك هي الحنيفية والملة الإبراهيمية، ومنذرين لمن أعرض عن ذلك، وشغلته شهوات دنياه فترتب لذلك خطاب الكتاب؛ بين ما يخاطب به الأعلين المهتدين، وبين ما يخاطب به الأدنين المعرضين، وكذلك تفاوت الخطاب بين ما يخاطب به الأيمة المهتدين والمؤتمون بهم، فكان أعلى الخطاب ما يقبل على إمام الأيمة وسيد السادات، وأحظى خلق الله عند الله، محمد، ﷺ ، فكان أول الخطاب بـ ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ إقبالا عليه وإيتاء له من الذكر الأول، كما قال ﵇: "أوتيت البقرة وآل عمران من الذكر الأول" وهو أول مكتوب حين كان الله ولا شيء معه، وكتب في الذكر الأول كل شيء، فخاطبه الله، ، بما في الذكر الأول، وأنزله قرآنا، ليكون آخر المنزل الخاتم هو أول الذكر السابق، ليكون الآخر الأول في كتابه كما هو في ذاته، فمن حيث كان الخطاب الأول من أعلى خطاب الله لمحمد، ﷺ ، انتظم به ما هو أدنى خطاب من آيات الدعوة، تنبها لمن أعرض عن الاستفادة بنور العقل، لما بين الطرفين من تناسب التقابل. ثم عاد وجه الخطاب إليه، ﷺ ، بما هو إعلام بغائب الماضي عن كائن الوقت من أمر ابتداء مفاوضة الحق ملائكته في خلق آدم، ليكون ذلك ترغيبا للمبشرين في علو الرتب إلى التكامل، كما كانت آية الدعوة تنبيها للمعرضين ليعودوا إلى الإقبال، وخصوص الإنزال إنما هو في الإنباء بغيب الكون من ملكوته، وغائب أيام الله الماضية، ومنتظر أيام الله الآتية، فذلك
стр. 165
الذي يخص المهتدين بنور العقل ليترقوا من حد الايمان إلى رتبة اليقين، وإنما يرد التنبيه والتنزيل بما في نور العقل هدايته من أجل المعرضين؛ فكان ما شمله التنزيل بذلك أربعة أمور:
أحدها: التنبيه على الآيات بمقتضى أسماء من اسمه الملك، إلى اسمه الرحمن الرحيم، إلى اسمه رب العالمين، إلى اسمه العظيم الذي هو الله.
والثاني: التنبيه على غائب المنتظر الذي الخلق صائرون إليه ترغيبا وترهيبا.
والثالث: الإعلام بماضي أمر الله، جمعا للهمم للجد والانكماش في عبادة الله.
والرابع: التبصير ببواطن كائن الوقت الذي في ظاهره إعلامه، فكان أول النزيل في هذه السورة أمر أول يوم من ذكر الله، وهو كتب مقتضى العلم والقدر في قسمه تعالى عباده بين: مؤمن، وكافر، ومنافق، ثم أنزل الخطاب إلى آية الدعوة من وراء حجاب الستر بسابق التقدير، فعم به الناس ونبههم على آيات ربوبيته وحيا أوحاه الله منه إليه، ثم عطف على ذلك إعلاما لابتداء المفاوضة في خلق آدم عطفا على ذلك الذي يعطيه إفهام هذا الإفصاح، فلذلك قال تعالى: "وإذ" فإن الواو حرف يجمع ما بعده مع شيء قبله؛ إفصاحا في اللفظ أو إفهاما في المعنى، وإنما يقع ذلك لن يعلو خطابه ولا يرتاب في إبلاغه، "وإذ" اسم مبهم لما مضى من الأمر والوقت، "قال" من القول، وهو إبداء صور الكلم نظما، بمنزلة ائتلاف الصور المحسوسة
стр. 166
جمعا، فالقول مشهود القلب بواسطة الأذن، كما أن المحسوس مشهود القلب بواسطة العين وغيره.
ثم قال: لما أنبأ الله، ، نبيه، ﷺ ، بما في الذكر من التقدير الذي هو خبء الشرعة، ونظم به ما أنزل من دعوة الخلق إلى حكمه، فانتظم ذلك رتبتي أمر، نظم، تعالى، بذلك إنزال ذكر خلق معطوفا على ذكر خلق أعلى رتبة منه، نسبته منه كنسبة الدعوة من خبئها، فذكر خلق آدم ظاهر خبء ما عطف عليه، وهو، والله أعلم، ذكر خلق محمد، ﷺ ، الذي هو خبء خلق آدم، فكأنه، تعالى، أعلم نبيه، ﷺ ، بأمر خلقه له بدء وحي سر، ثم أعلن بما عطف عليه من ذكر خلق آدم وحي علن، ليكون أمر خلق محمد، ﷺ ، عند الخاصة، فهما، كما كان خلق آدم عند العامة إفصاحا، وكان المفهوم: اذكر يا محمد، إذ كان في خلقك كذا، وإذ قال ﴿رَبُّكَ﴾ أي المحسن إليك برحمة العباد بك الذي خبأك في إظهار خلق آدم، ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ ما أنزل.
وتأويل الملائكة عند أهل العربية أنه جمع ملأك، مقلوب من مألك، من الألك، وهي الرسالة فتكون الميم زائدة، ويكون وزنه معافلة، ويكون الملك من الملك وهو إحكام ما منه التصوير، من ملكت العجين، وجمعه أملاك، تكون فيه الميم أصلية، فليكن اسم ملائكة جامعا للمعنيين، منحوتا من الأصلين، فكثيرا ما يوجد ذلك في أسماء الذوات الجامعة، كلفظ إنسان، بما ظهر فيه من أنه من الأنس والنسيان معا، وهو وضع للكلم على مقصد أفصح وأعلى مما يخص به اللفظ معنى واحدا. فللكلام رتبتان: رتبة عامة، ورتبة خاصة، أفصح وأعلى كلما وكلاما.
قال فيه أي هذا الخطاب مع ذلك استخلاص لبواطن أهل الفطانة من أن تعلق
стр. 167
بواطنهم بأحد من دونه، حين أبدى لهم انفراده بإظهارهم خلقا دون ملائكته الأكرمين، حتى لا تعلق قلوبهم بغيره من أهل الاصطفاء، فكيف بمن يكون في محل البعد والإقصاء؟ توطئة لقبيح ما يقع من بعضهم من أتباع خطوات الشيطان، وذلك لأن في كل آية معنى تنتظم به بما قبلها، ومعنى تتهيأ به للانتظام بما بعدها، وبذلك كان انتظام الآي داخلا معنى الإعجاز الذي لا يأتي الخلق يمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
﴿إِنِّي﴾ إن حرف يفهم توكيداً من ذات نفس المؤكد وعلمه، والياء اسم على يخص المضيف إلى نفسه الذي يضيف الأشياء إليه. ﴿جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾ ولما كانت خلافة آدم، ﵇، كاملة في جميع الأرض بنفسه وبذريته وحد لذلك، مع أنه يصح أن يراد به الجنس، فقال: ﴿خَلِيفَةً﴾ الخليفة ذات قائم بما يقوم به المستخلف على حسب رتبة ذلك الخليفة منه، فهو خليقة الله في كونه، ملكه وملكوته، وهم أيضا بعضهم خلفاء بعض، فهو خليفة بالمعنيين. انتهى.
﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾
قال الْحَرَالِّي: (السفك) وهو سكب بسطوة. "الدِّمَاءَ" أي بغير حقها بالقوة الغضبية، لعدم عصمتهم وخلقهم جوفا، يتمالكون، وأصحاب شهوات عليها يتهالكون.
стр. 168
﴿وَالدَّمَ﴾
قال الْحَرَالِّي: رزق البدن الأقرب إليه المحوط فيه.
﴿وَنَحْنُ﴾ وهذا الضمير كما
قال الْحَرَالِّي: اسم القائل المستتبع لمن هو في طوع أمره لا يخالفه.
﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: التسبيح تنزيه الحق، تعالى، عن بادية نقص في خلق أو رتبة، وحمد الله استواء أمره علواً وسفلا، ومحو الذم عنه والنقص منه، وذلك تسبيح أيضا في علو أمر الله، فما سبح بالحمد إلا أهل الحمد من آدم ومحمد، ﷺ ، فغاية المسبح الحمد، والحمد تسبيح لمن غايته وراء ذلك الاستواء - انتهى.
﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾
قال الْحَرَالِّي: القدس طهارة دائمة لا يلحقها نجس ظاهر، ولا رجس باطن، واللام تعلن للشيء، لأجله كان ما أضيف به. انتهى.
﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: وأعلم، تعالى، بما أجرى عليه خلقه من القضاء بما ظهر، والحكم على الآتي بما مضى، حيث أنبأ عن ملائكته بأنهم قضوا على الخليفة في الأرض بحال من تقدمهم في الأرض من الجبلة الأولين من الجن الذين أبقى منهم عزازيل وغيرهم، ليتحقق أن أمر الله جديد، وأنه كل يوم هو في شأن، لا يقضى على آتي وقت بحكم ما فيه، ولا بما مضى قبله - انتهى.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾
"الْأَسْمَاءَ" أي التي للأشياء "كُلَّهَا"، وهو جمع اسم، وهو ما يجمع اشتقاقين من السمة والسمو، فهو بالنظر إلى اللفظ وسم، وبالنظر إلى الحظ من ذات الشيء سمو، وذلك السمو هو مدلول الاسم [الذي هو الوسم] الذي ترادفه التسمية، قاله الْحَرَالِّي.
وقال في كتاب له في "أصول الفقه " الاسم يقال على لفظ التسمية، ويقال على حظ
стр. 169
ونصيب من ذوات الأشياء، وتلك هي المعروضة على الملائكة، واسم التسمية يحاذي به المسمى معلومه من الشيء المسمى الذي هو الاسم المعروض، وهو عند آدم علم، وعند الملائكة ومن لايعلم حقيقة الاسم المعروض توقيف ونبأ - انتهى.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾
قال الْحَرَالِّي: أظهرهم عن جانب، وهو العرض والناحية،
وقال الْحَرَالِّي: لما ذكر، تعالى، مراجعة الملائكية في خلق هذا الخليفة ذكر إبداءه لهم وجه حكمة علية بما أعلى هذا الخليفة من تعليمه إياه حقائق جميع الذوات المشهودة لهم على إحاطتهم بملكوت الله وملكه شهودا، فأراهم إحاطة علم آدم بما شهدوا صوره، ولم يشهدوا حقيقة مدلول تسميتها، وعلمه حكمة ما بين تلك الأسماء التي هي حظ من الذوات، وبين تسمياتها من النطق، ليجتمع في علمه خلق كل شيء صورة وأمره كلمة، فيكمل علمه في قبله على سبيل سمعه وبصره، واستخلفه في علم ماله من الخلق والأمر، وذلك في بدء كونه، وكيف يحكم حكمة الله فيما يتناهى إليه كمال خلقه إلى خاتمة أمره فيما انتهى إليه أمر محمد، ﷺ ، مما هو مبهم في قوله تعالى ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ فأبدى الله، ، لهم بذلك وجه خلافة علمية وعملية في التسمية إعلاء له عندهم، وقد جعلهم الله، ، مذعنين مطيعين، فانقادوا للوقت
стр. 170
بفضل آدم على جميع الخلق، وبدا لهم علم أن الله يعلي من يشاء بما يشاء من خلافة أمره وخلقه، وتلك الأسماء التي هي حظوظ من صور الموجودات هي المعروضة التي شملها اسم الضمير في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ وأشار إليه: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ عند كمال عرضهم، وأجرى على الجميع ضمير ﴿هُمْ﴾ لاشتمال تلك الكائنات على العاقلين وغيرهم، وبالتحقيق فكل خلق ناطق، حين يستنطقه الحق، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ وإنما العجمة والجمادية بالإضافة إلى ما بين بعض الخلق وبعضهم - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: هذه الأسماء المواطئة للتسمية من السمة، والأسماء الأول هي الحظوظ من الذوات التي المتسم بها هو المسمى، ومع ذلك فبين التسمية والاسم مناسبة مجعول الحكمة بينهما بمقتضى أمر العليم الحكيم - انتهى.
﴿سُبْحَانَكَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفي هذا المعنى إظهار لفضلهم وانقيادهم وإذعانهم توطئة لما يتصل به من إباء إبليس - انتهى.
﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾
قال الْحَرَالِّي رداً لبدء الأمر لمن له البدء، ولذلك ورد في أثارة من علم: "من لم يختم ٥٦٦ علمه بالجهل لم يعلم" وذلك الجهل هو البراءة من العلم إلا ما علم الله.
стр. 171
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
قال الْحَرَالِّي: توكيد وتخليص وإخلاص للعلم والحكمة لله وحده، وذلك من أرفع الإسلام، لأنه إسلام القلوب ما حلاها الحق، سبحانه، به فإن العلم والحكمة نور القلوب الذي تحيا به، كما أن الماء رزق الأبدان الذي تحيا به، والحكمة جعل تسبيب بين أمرين يبدو بينهما تقاض من السابق، واستناد من اللاحق - انتهى.
﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: ولم يقل: علمهم، فكان آدم عليما بالأسماء، وكانوا هم مخبرين بها لا معلميها، لأنه لا يتعلمها من آدم إلا من خلقه محيط كخلق آدم، ليكون من كل شيء، ومنه كل شيء، فإذا عرض عليه شيء مما منه آنس علمه عنده؛ فلذلك اختصوا بالإنباء دون التعليم، فلكل شيء عند آدم، ﵇، - بما علمه الله وأظهر له علاماته في استبصاره الشيء - اسمان جامعان: اسم يبصره من موجود الشيء، واسم يذكره لإبداء معنى ذلك الشيء إلى غاية حقيقته، ولكل اسم جامع عنده وجوه متعددة، يحاذي كل وجه منها بتسمية تخصه، وبحسب تلك الوجوه تكثرت عنده الألسنة، وتكثرت الألسن الأعجمية، فأفصحها وأعربها الاسم الجامع، وذلك الاسم هو العربي، الذي به أنزل خاتم الكتب، على خاتم المرسلين، وأبقى دائما في مخاطبة أهل الجنة لمطابقة الخاتمة إحاطة البادئة: ﴿حم حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وطابق الختم البدء إحاطة لإحاطة - انتهى.
стр. 172
﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ و"لما" كلمة تفهم وجوب أمر لأمر في حين، فتجمع معنى الشرط والظرف - قاله الْحَرَالِّي.
قال الْحَرَالِّي في التفسير، وكتاب له في أصول الفقه: هذه التسميات ليس الأسماء التي هي موجودة من الذوات، لأن تلك لا ينالها إلا العلم وشهود البصيرة، وقد جرى ذلك في وراثة في ولد آدم، حتى كان رؤبة وأبوه العجاج يرتجلان اللغة ارتجالا، ويتعلمها منهم من سواهم من العرب، لأن التسمية التي ينالها الإنباء للاسم الذي يناله العلم كالمثل له المبدي لصورة معناه للأذن لمناسبة ومواصلة بين خصوص التسمية واسمها من الذات، فيعلم ما يحاذي الشيء المفرد من منتظم الحروف، كما يعلم الواصف ما يحاذي الشيء ويحاكيه من منتظم الكلم، فيحاذيه ويحاكيه الواصف بكلام، ويحاذيه ويسميه المسمى له بكلمة واحدة، وكما أنه ليس لكل أحد منة أن يصف، فكذلك ليس لكل أحد منة أن يسمى، ومنه ما يجري من ألسنة العامة من النبز والألقاب، وقد كان يجب الاكتفاء بما في هذه الآية من العلم ببدء أمر المسميات عما وقع فيها من الاختلاف بين التوقيف والاصطلاح، فقد تبين أنها عن علم علمه الله آدم، لا عن توقيف، كما هو عند الملائكة من آدم، ولا عن اصطلاح كما قيل - انتهى.
стр. 173
﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
قال الْحَرَالِّي: قررهم حتى لا يكون لهم ثانية، وأعلم بذلك عباده من ولد آدم حتى يستنوا بحكم التسليم لله فيما يبديه من غير تعرض ولا اعتراض ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾. انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وفي صيغة تكتمون من الدلالة على تمادي ذلك في كيانهم، ما في صيغة تبدون من تمادي بادي ذلك منهم - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: لما أنبأ تعالى بأمر مفاوضة الملائكة وما كان من ادعائهم وتسليمهم الأمر لله ولمن علمه الله وهو آدم، ﵇، نظم بذلك نبأ انقيادهم لآدم فعلا، كما انقادوا له علما، تماما لكمال حالهم في التسليم علما وعملا، فقال تعالى: انتهى.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾
قال الْحَرَالِّي: فجعله بابا إليه وكعبة يجلونه بجلاله تعالى، ومحرابا وقبلة، يكون سجودهم له سجودا لله تجاه آدم، كسجود آدم تجاه الكعبة، وظهر بذلك سوء إباء إبليس عن السجود، حين خالفهم في طينة الكيان، لأن الملائكة خلقت من نور، والنور طوع لا يحوزه أين، ولا يختصه جهة، ولأن الجان خلقت من نار وهي مما يحوزه أين وتختصه جهة لا يرجع عنها إلا بقهر وقسر، فلم ينزل عن رتبة قيامه في جبلته لمخلوق الطين، حيث لم يشعر بإحاطة خلق آدم كما تلقته الملائكة - انتهى.
стр. 174
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الإبلاس، وهو انقطاع سبب الرجاء الذي يكون به اليأس، من حيث قطع ذلك السبب - انتهى.
﴿أَبَى﴾ من الإباء وهو امتناع عمل حقه الإجابة فيه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ من الاستكبار، وهو استجلاب الكبر، والكبر بطر الحق، وغمض الناس وغمطهم، وموجب ذلك استحقار الغير من وجه، واستكمال النفس من ذلك الوجه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مِنَ﴾ وهي كلمة تفهم اقتباس الشيء مما جعل منه. قاله الْحَرَالِّي.
وقال الْحَرَالِّي: لما أظهر الله، سبحانه، فضيلة آدم فيما أشاد به عند الملائكة من علمه وخلافته والإسجاد له، وإباء إبليس عنه، أظهر، تعالى، أثر ذلك ما يقابل، من أحوال آدم حال ما ظهر للملائكة بما فيه من حظ مخالفة، ليشارك بها إفراط ما في الشيطان من الإباء، لإحاطة خلق آدم بالكون كله علوا وسفلا، وليظهر فضل آدم في حال مخالفته على إبليس في حال إبائه بما يبدو على آدم من الرجوع بالتوبة، كحال رجوع الملائكة بالتسليم، فيظهر في الجمع بين الطرفين، والفضل في الحالين: حال علمه، وحال توبته في مخالفته، فجعل، تعالى، إسكان الجنة توطئة لإظهار ذلك من أمره، فقال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ﴾ من السكن وهو الهدو في الشيء الذي في طيه إقلاق "أن" في قوله: "أنت" اسم باطن الذات علما، وهي المشتركة في أنا وأنت وأنت، وأن تفعل كذا، والألف في أنا إشارة ذات المتكلم، وفي مقابلتها التاء إشارة لذات المخاطب ذكرا أو أنثى.
стр. 175
﴿وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ فأجنت لآدم ما فيها من خبء استخراج أمر معصيته، ليكون ذلك توطئة لكمال باطنه باطلاعه على سر من أسرار ربه في علم التقدير إيمانا، ولكمال ظاهره يكون ذلك توطئة لفضيلة توبته إسلاما، ليس لبنيه التوبة أثر المعصية مخالفة لإصرار إبليس بعد إبائه، وشهادة عليه بجهله في ادعائه، وجعل له ذلك فيما هو متنزل عن رتبة علمه، فلم تلحقه فيه فتنة حفيظة على خلافته، وأنزلت معصيته إلى محل مطعمه الذي هو خصوص حال المرء من جهة أجوفية خلقه، ليبدو نقص الأجوف، ويبدي ذلك إكبار الصمد الذي يطعم ولا يطعم، فكان ذلك من فعله تسبيحا بحمد ربه، لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له - انتهى.
﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾
قال الْحَرَالِّي: وأطلق له الرغد إطلاقا، وجعل النهي عطفا، ولم يجعله استثناء ليكون آدم أعذر في النسيان، لأن الاستثناء أهم في الخطاب من التخصيص، وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ ولم يقل: ولا تأكلا؛ نهيا عن حماها، ليكون ذلك أشد في النهي - انتهى.
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الزلل، وهو تزلق الشيء الذي لا يستمسك على الشيء الذي لا مستمسك فيه، كتزلل الزلال عن الورق وهو ما يجتمع من الطل فيصير ما على الأوراق والأزهار، وأزالهما من الزوال، وهو التنحية عن المكان أو المكانة، وهو المصير بناحية منه ﴿الشَّيْطَانُ﴾ هو مما أخذ من أصلين: من الشطن وهو البعد، الذي منه سمي الحبل الطويل، ومن الشيط الذي هو الإسراع في الاحتراق والسمن، فهو من المعنيين مشتق، كلفظ الإنسان وملائكة، ﴿عَنْهَا﴾
стр. 176
أي عن مواقعة الشجرة، و"عَنْ " كلمة تقتضي المجاوزة عن سبب ثابت، كقولهم: رميت عن القوس - انتهى.
﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: "في" كلمة تقتضي وعاء مكان أو مكانة، ثم قال: أنبأ الله بما في خبء أمره مما هو من وراء علم الملائكة، بما أظهر من أمر آدم، ﵇، وبما وراء علم آدم بما أبدى من حال الشيطان باستنزلاله لآدم حسن ظن من آدم بعباد الله مطلقا، حين قاسمهما على النصيحة.
وفيه انتظام بوجه ما بتوقف الملائكة في أمر خلق آدم، فحذرت الملائكة إلى الغاية، فجاء من وراء حذرها حمد أظهرت الله من آدم، وجاء من وراء حسن ظن آدم ذنب أظهره الله من الشيطان، على سبيل سكن الجنة، فرمى بهما عن سكنها، وبما أظهر له بما فيها من حب الشجرة التي أطلع عليها.
ثم قال: وحكمة ذلك، أي نسبة هذا الذنب إلى الشيطان بتسببه، أن الله، ، يعطي عباده الخير بواسطة وبلا واسطة، ولا ينالهم شر إلا بواسطة نفس، كما وقع من الإباء للشيطان، فكانت خطيئته في ذات نفسه، أو بواسطة شيطان، كما كانت مخالفة آدم، فكانت خطيئته ليست من ذات نفسه، وعارضة عليه من قبل عدو تسبب له بأدنى ما منه من زوجه التي هي من أدنى خلقه، فمحت التوبة الذنب العارض لآدم، وأثبت الإصرار الإباء النفساني للشيطان، وذكر الحق، تعالى، الإزلال منه باسمه الشيطان، لا باسمه إبليس، لما في معنى الشيطنة من البعد والسرعة
стр. 177
التي تقبلا التلافي، ولما في معنى الإبلاس من قطع الرجاء، فكان في ذلك بشري استدراك آدم بالتوبة - انتهى.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ والهبوط،
قال الْحَرَالِّي: سعى في درك، والدرك ما يكون نازلا عن مستوى، فكأنه أمسك حقيقته - أي آدم - في حياطته، تعالى، وحفظه وتوفيقه لضراعته وبكائه وسر ما أودعه من أمر توبته؛ وأهبط صورته، ليظهر في ذلك فوق ما بين هبوط آدم وهبوط إبليس، على ما أظهر من ذلك سرعة عود آدم توبة وموتا إلى محله من أنسه المعهود وقربه المألوف له من ربه، وإنظار إبليس في الأرض مصراً منقطعا عن مثل معاد آدم، لما نال إبليس من اللعنة التي هي مقابل التوبة، ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ البعض ما اقتطع من جملة، وفيه ما في تلك الجملة. ﴿عَدُوٌّ﴾ من العداء أي المجاوزة عن حكم المسالمة التي هي أدنى ما بين المستقلين من حق المعاونة - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وفيه إشعار بما تمادى من عدوان الشيطان على ذرء من ولد آدم حتى صاروا من حزبه، وفيه أيضا بشرى لصالحي ولد آدم بما يسبونه من ذرء إبليس فيلحقون بهم بالإيمان والإسلام والتوبة، فيهتدون بهداه من حيث عم بالعداوة، فاعتدى ذو الخير فصارت عدواه على أهل الشر خيراً، واعتدى ذو الشيطنة فصارت عدواه على أهل الخير شراً. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ تكونون فيه، وهو من القرار، وهو كون الشيء فيما له فيه تنام وظهور وعيش موافق، ﴿وَمَتَاعٌ﴾
стр. 178
تتمتعون به، والمتاع هو الانتفاع بالمنتفع به وقتا منقطعا، يعرف نقصه بما هو أفضل منه، يعني ففيه إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه الدنيا، ونقص ما به الانتفاع عن محل ما كانا به، من حيث إن لفظ المتاع أطلق في لسان العرب على الجيفة التي هي متاع المضطر، وأرزاق سباع الحيوان وكلابها، فكذلك الدنيا هي جيفة متع بها، أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة، وجعلها حظا من لا خلاق له في الآخرة. ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي لا يتقدم ولا يتأخر، وفي إبهام الحين إشعار باختلاف الآجال في ذرء الفريقين، فمنهم الذي يناله الأجل صغيرا، ومنهم الذي يناله كبيرا - انتهى.
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾
والتلقي ما يتقبله القلب باطنا وحيا، أو كالوحي، أبطن من التلقن الذي يتلقنه لفظا وعلما، ظاهراً أو كالظاهر. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ وتطلق الكلمة أيضا على إمضاء أمر الله من غير تسبيب حكمة ولا ترتيب حكم. قاله الْحَرَالِّي.
ثم قال: في عطف الفاء في هذه الآية إشعار بما استند إليه التلقي من تنبيه قلب آدم وتوفيقه مما أثبته له إمساك حقيقته عند ربه، ويعاضد معناه رفع الكلمات وتلقيها آدم في إحدى القراءتين، فكأنه تلقى الكلمات بما في باطنه، فتلقته الكلمات بما أقبل بها عليه، فكان مستحقا لها، فكانت متلقية له بما جمعت القراءتان من المعنى.
стр. 179
﴿فَتَابَ﴾ من التوب وهو الرجوع بظاهر باطنه الإنابة، وهو رجوع بعلم باطنه الأوبه، وهو رجوع بتقوى قلب - انتهى.
﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
قال الْحَرَالِّي: وكان إقراره بلفظه أدبا وإذعانا لقيام حجة الله على عباده، بما أنبأ عنه من قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية، وهذه توبة قلب وعمل، لا ينقض مخصوص حال القلب منها ناقض وهي التوبة النصوح، التي تبرئ من الذنب بتحقيق توحيد القلب، وتوجب تكفير الخطايا الظاهرة، التي لا أصل لها في القلب؛ من حجاب دعوى في الأفعال وشرك في أمر الله، فبمقتضى ما في باطنه ظهر فيه اسمه الرحيم، الذي هو من الرحمة، وهو اختصاص فضله بالمؤمن، وبمقتضى ما ظهر عليه من الضراعة والإقرار ظهر فيه مقتضى اسمه التواب، فجمعت توبته الأمرين - انتهى.
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾
وقال الْحَرَالِّي: مورد هذه الآية بغير عطف إشعار بأن ظاهرها افتتاح لم يتقدمه إيحاء بباطن، كما تقدم في السابقة، وتكرر الإهباطان، من حيث إن الأول إهباط لمعنى القرار في الدنيا والاغتذاء فيها، وذرء الذرية وأعمال أمر العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم وإبليس، وهذا الإهباط الثاني إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية، التي كانت خفية في
стр. 180
أمر آدم ظاهرة في أمر إبليس، وفي قوله ﴿جَمِيعًا﴾ إشعار بكثرة ذرء الخلقين وكثرة الأحداث في أمر الديانة من النقلين - انتهى.
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ﴾ والتبع السعي أثر علم الهدى. قاله الْحَرَالِّي.
﴿هُدَايَ﴾ قال: وجاء "هُدَايَ" شائعا ليعم. رفع الخوف والحزن من تمسك بحق ما من الحق الجامع، وأدناه من آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحا فيما بينه وبين الحق، وفيما بينه وبين الخلق - انتهى.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضار. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ والحزن، كما
قال الْحَرَالِّي: توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به روح، والقرب منه راحة، وجاء في الحزن بلفظ "هُمْ " لاستبطانه، وبالفعل لأنه باد من باطن تفكرهم في فائتهم، وجاء نفي الخوف منعزلا عن فعلهم، لأنه من خوف باد عليهم من غيرهم - انتهى.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾
قال الْحَرَالِّي: هذا من أسوأ الكفر لأنه كفر بالآيات التي جعلها الله، ، علما على غيب عهده، وهي ما تدركه جميع الحواس من السماء والأرض، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ
следующие страницы →