Полный текст (573 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ومن جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة. ولما قامت الحجة عليهم بقراءته، إذا لم يجاوز حناجرهم، كانوا أشد من الكفار عذابا في النار "أكثر منافقي أمتي قراؤها". ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
فإذن لابد في قراءة القرآن من تجديد إقبال، وتهيئ لقبول وتحقيق تقوى، لأنه إنما هو هدى للمتقين، وإجماع على الاهتمام، وكما أن أمور الدنيا لا تحصل لأهلها إلا على قدر عزائمهم واهتمامهم، فأحرى أن لا يحصل أمر الأخرى إلا بأشد عزيمة وأجمع اهتمام.
فلا يقرأ القرآن من لم يقبل عليه بكلية ظاهره، ويجمع اهتمامه له بكلية باطنه ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾.
فشرط منال قراءته اهتمام القلب بتفهمه، وإقبال الحس على استماعه وتدبره. ولكل حرف شرط يخصه، يفرد لكل شرط فصل، بحول الله، ونبدأ بشرطي أحرف صلاح الدنيا، والله ولي التأييد والتسديد.
стр. 72
الفصل الأول
فيما به تحصل قراءة حرف الحلال تماما في العلم والحال والعلم
اعلم أن الإنسان لما كان خلقا جامعا، كانت فيه بزرتان: بزرة للخير، وبزرة للشر، وبحسب تطهره وتخلصه من مزاحمة نبات بزرة الشر، تنمو فيه وتزكو بزرة الحير، ولكل واحدة من البزرتين منبت في جسمه ونفسه وفؤاده.
فأول الحروف في الترتيب العملي والأساس لما بعده، هو قراءة حرف الحرام. ليحصل به طهرة البدن الذي هو السابق في وجود الإنسان، فمن غذي بالحرام في طفولته لم يقدر على اجتناب الآثام في كهولته، إلا أن يطهره الله بما شاء من نار الورود في الدنيا من الأمراض والضراء، فهو الأساس الذي ينبني عليه تطهر النفس من المناهي، وتطهر الفؤاد من العمه والمجاهل.
والذي به تحصل قراءة هذا الحرف هو الورع الحاجز عما يضر بالجسم. ويؤذي النفس، وما يكره الخلق وما يغضب الرب. فمن أصاب شيئا من ذلك ولم يبادر الله بالتوبة عذب بكل آية قرأها، وهو مخالف لحكمها، من لم يبال من أي باب دخل عليه رزقه، لم يبال الله من أي باب أدخله النار.
стр. 73
ولما كان الورع كف اليد، ظاهراً، عن الشيء الضار، كانت الجوارح لا تنقاد إلا عن تأثر من النفس، لم يصح الورع ظاهرا إلا أن تقع في النفس روعة باطنة من تناول ذلك الشيء.
ولما كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصرة القلب، لم يصح أن تقع روعة النفس إلا عن تبصر القلب في الشيء الضار، كما لا تنكف اليد إلا عند تقذر النفس لما تدرك العين قذره، حتى إن النفس الرضية تأنف من المحرمات كما يأنف المنتظف من المستقذرات، فأكلة الحرام هم دود جيفة الدنيا، تستقذرهم أهل البصائر، كما يستقذرون هم دود جيف المزابل.
ولما كان الحرام ما يضر العبد في جسمه، كالميتة، تيسر على المتبصر كف يده عنها، لما يدري من مضرتها بجسمه، وكذلك الدم المسفوح، لأنه ميتة بانفصاله عن الحي، ومفارقته لروح الحياة، التي تخالطه في العروق، وكذلك ما يضر بنفسه كلحم الخنزير، لأنه رجس، والرجس هو خبائث الأخلاق التي هي عند العقلاء أقبح من خبائث الأبدان، وذلك لأن من اغتذى جسمه من لحم حيوان اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الحيوان، وتخلق من أخلاقه، وفي نفس الخنزير مجامع رذائل الأخلاق، من الإباء والحران والمكر، والإقدام على ما يعاين فيه الهلاك، ومتابعة الفساد، والانكباب على ما يقبل عليه من أدنى الأشياء، على ما ظهرت في خلقته آياته، فإنه ليس له استشراف كذوات الأعناق.
وكذلك ما يضر بهما وبالعقل، كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها للرأس، وإيقاعها العداوة والبغضاء في خلق النفس، ولذلك هي جماع الإثم، فالمتبصر في المحرمات يأنف
стр. 74
منها، لما يدري من مضرتها وأذاها في الوقت الحاضر، وفي مغبتها في يوم الدنيا، إلى ما أخبر به من سوء عقابها في يوم الدين: "من شرب الخمر ومات، ولم يتب منها، كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال". وهي عصارة أهل النار، ولو هدد شاربها في الدنيا من له عليه إمرة، بأن يسقيه من بوله ورجيعه لوجد من الروع ما يحمله على الورع عنها.
وإذا استبصر ذو دراية فيما يضره في ذاته، فأنف منه رعاية لنفسه، لحق له بذلك التزام رعايتها عما يتطرق له منه درك من جهة غيره، فيتورع عن أكل أموال الناس بالباطل، لما يدري من المؤاخذة عليها في العاجل، وما أخبر به من المعاقبة عليها في الآجل، ولها في ذاته مضرة في الوقت، يتعرفها من موارد القرآن بنور الإيمان. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ فهو آكل نارا، وإن لم يحس بها، وليس تأويله الوعيد بالنار، لأن ذلك أنبأ عنه قوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وكذلك إذا أنف مما يضره في نفسه، وخاف مما يتطرق إليه ضره من غيره، أعظم أن يقرب حمى ما يتطرق إليه السطوة من ربه لأجله، وذلك فيما حرم عليه حماية لعظيم ملكه، وعدم التفاوت في أثر رحمانيته في محرم الربا، ولما فيه أيضا من مضرة وقته الحاضر التي يقبلها بالإيمان من تعريف ربه، فإنه
стр. 75
تعالى، كما عرف أن [أكل مال الغير بالباطل نار في البطن، عرف أن] أكل الربا جنون في العقل، وخيال في النفس: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
وأعظم من ذلك ما حرمه الله لعرائه عن اسمه عند إزهاق روحه، لأنه مأخوذ من غير الله، وما أخذ من غير الله كان مأكله فسق وكفر لأنه تناول الروح من يد من لايملكها، [ولذلك فرضت التسمية في التذكية، ونقلت فيها سوى
ذلك].
فلا تصح قراءة هذا الحرف إلا بتبصرة القلب فيه، وروعة النفس منه، وورع اليد عنه، وإلا فهو من الذين يقرؤون حروفه، ويضيعون حدوده، الذين قال فيهم رسول الله، ﷺ ، "كثر هؤلاء من القراء لا كثرهم الله". ومن لم يصح له قراءة [هذا الحرف لم تصح له قراءة] حرف سواه، ولا تصح له عبادة، وهو الذي "لا تزيده صلاته من الله إلا بعدا" ولا يقبل منه دعاء، والرجل يكون مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، "يقول يارب، يارب، فأنى يستجاب لذلك".
فهذا وجه قراءة هذا الحرف وشرطه، والله ولي التوفيق.
стр. 76
الفصل الثاني
فيما به تحصل قراءة حرف الحلال
اعلم أن الإنسان لما كان جامعا كان بكل شيء منتفعا؛ إما في حال السعة، فمع استثناء أشياء يسيرة مما يضره من جهة نفسه، أو غيره، أو ربه، على ما ذكر في الفصل الأول ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. الآية.
وإما في حال الضرورة فبغير استثناء البتة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. والذي به تحصل قراءة هذا الحرف.
أما من جهة القلب فمعرفة حكمة الله في المتناول من مخلوقاته، ومعرفة أخص منافعها، مما خلقه، ليكون غذاء في سعة أو ضرورة، أو إداما أو فاكهة، أو دواء كذلك، ومعرفة موازنة ما بين الانتفاع بالشيء ومضرته واستعماله على حكم الأغلب من منفعته، أو اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. وذلك مدرك عن الله، سبحانه، باعتبار العقل،
стр. 77
وإدراك الحس في مخلوقاته، كما أدركه الحنيفيون، كان الصديق، ﵁، قد حرم الخمر في الجاهلية، وكان إذا أخذ عليه في ذلك يقول: والله لو أصبت شيئا أشتريه بمالي كله، يزيد في عقلي، لفعلت، فكيف أشتري بمالي شيئا ينقص من عقلي.
وكان، ﷺ ، كثيرا ما ينبه على حكمة الله في الأشياء التي بها تتناول أو تجتنب، عملا بقوله تعالى ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. فقال لطلحة، وقد ناوله سفرجلة: "إنها تذهب بطخاء الفؤاد". وقال لأبي هريرة، وهو رمد، في خبز الشعير والسلق: "كل من هذا، فإنه أوفق لك" وقال في التمر والقثاء: "حر هذا يكسر برد هذا" أو قال: "برد هذا يكسر حر هذا" وقال لرمد: "أتأكل التمر وأنت رمد". وقال لعائشة في الماء المشمس: "لا تفعلي هذا ياحميراء فإنه يولد البرص". وقال: "استاكوا بكل عود، ما خلا الآس والرمان، فإنهما يهيجان عرق الجذام". وقال لامرأة، وقد استطلقت بالشبرم: "حار جار ألا استطلقت بالسنا، فإنه لو كان شيء يذهب الداء لأذهبه السنا" إلى غير
стр. 78
ذلك مما إذا أباحه أو حظره نبه على حكمته. وكانت عائشة، ﵂، تقول للمريض: اصنعوا له خزيرة فإنها مجمة لفؤاد المريض، وتذهب بعض الحزن، ومثل ذلك كثير من كلام العلماء ومجربات الحكماء، ومعارف الحنفاء. قال الشافعي ﵁، في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الطيبات ما استطابته نفوس العرب، والخبائث ما استخبثته نفوس العرب.
هذا من جهة القلب، وأما من جهة النفس فسخاؤها بما يقع فيه الاشتراك من المنتفعات المحللات، لأن الشح بالحلال عن مستحقه محظر له على المختص به، الضيافة على أهل الوبر. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾.
وكذلك صبرها عما تشتهيه من المضرات من الوجوه المذكورة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وكذلك التراضي وطيب النفس فيما يقع فيه الاشتراك ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ
стр. 79
تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
هذه الشروط الثلاثة: من السخاء، والصبر، والتراضي، في النفس.
وأما في العمل وتناول اليد، فأول ذلك ذكر الله والتسمية عند كل متناول، لأن كل شيء لله، فما تناول باسمه أحد بإذنه، وما تنوول بغير أخذ تلصصا على غير وجهه، وشارك الشيطان في تناوله، فتبعه المتناول معه في خطواته. ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. جاء صبي وأعرابي ليأكلا طعاما بين يدي النبي، ﷺ ، بغير تسمية، فأخذ يأيديهما وقال: "إن الشيطان جاء يستحل بهما هذا الطعام، والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع أيديهما"، فسمي النبي، ﷺ ، وأكل، ثم أطلقهما وقال: "كلا باسم الله". وقال لغلام أكل معه: "ياغلام، سم الله".
والثاني: التناول باليمين، لأن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، واليمن خادم ما علا من الجسد، والشمال خادم ما سفل منه.
والثالث: أن يتناول تناول تقنع وترفع عن تناول التهمة، كان رسول الله، ﷺ ، يأكل بثلاثة أصابع، ويشرب مصا في ثلاث، وقال: "هو أبرأ وأمرأ وأهنأ"
стр. 80
وقال: "الكباد من العب".
والرأبع: الاكتفاء بما دون الشبع، لما في ذلك من حسن اعتداء البدن وحفظ الحواس الظاهرة والباطنة.
ومن علامات الساعة ظهور السمن عن الأكل في الرجال و"ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه". وما دخلت الحكمة معدة ملئت طعاما.
و"المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" لتوكل المؤمن في قوامه، ولاتكال الكافر على الغذاء في قوته. و"حسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه، فإن كان، ولابد فاعلا، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس".
والخامس حمد الله في الختام. لأن من لم يحمد الله في الختام. كفر بنعمته، ومن حمد غير الله آمن بطاغوته.
فبهذه الأمور؛ معرفة في القلب، وحالا في النفس، وأدبا في العمل، تصح قراءة حرف الحلال، ويحصل خير الدنيا، ويتمهد الأساس لبناء خير الآخرة، والله ولي التوفيق.
стр. 81
الفصل الثالث
فيما به تحصل قراءة حرف النهي
اعلم أن الموفي بقراءة حرفي الحلال والحرام المنزلين لإصلاح أمر الدنيا وتحسين حالة الجسم والنفس، تحصل له عادة بالخير، تيسر عليه قراءة حرفي صلاح الآخرة، من الأمر والنهي، وكما أقتضت الحكمة والعلم إقامة أمر الدنيا بقراءة حرفي صلاحها تماما افتضى الإيمان بالغيب، وتصديق الوعد والوعيد، تجارة اشتراء الغيب الموعود من عظيم خلاق الأخرى، بما ملك العبد من منفوذ متاع الدنيا، فكل الحلال، ماعدا الكفاف بالسنة، متجر للعبد، إن أنفقه ربحه وأبقاه فقدم عليه، وإن استمتع به أفناه فندم عليه. ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. "بخ بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح".
وكما أن حرف الحلال موسع، ليحصل به الشكر، فحرف النهي مضيق لمتسع حرف الحلال، ليحصل به الصبر، ليكون العبد شاكرا صابرا. فالذي تحصل به قراءة حرف النهي:
стр. 82
أما في جهة القلب، ورؤيا الفؤاد، فمشاهدة البصيرة لوعود الجزاء، حتى كأنه ينظر إليه لترتاح النفس لخيره، وترتاع من شره، كما قال حارثة: "كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون". فأثمر له ذلك ما أخبر به عن نفسه في قوله: "وعزفت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها وخزفها"، وخصوصا من أيد بالمبشرات من الرويا الصالحة، والكشف الصادق، ليدع الفاني للباقي على يقين ومشاهدة.
وأما من جهة حال النفس، فالصبر يحسبها عما تشتهيه طبعا، مما هو محلل شرعا، قال، ﷺ ، لعمر، ﵁، لما رثى لحاله: "ياعمر، ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة". ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ وصبر النفس عن شهواتها، وإن كانت حلالا، هو حقيقة تزكيتها، وقتلها بإضنائها منها هو حياتها، وإطلاقها ترتع في شهواتها هو تدسيسها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
والنفس مطية يقويها إنضاؤها، ويضعفها استمتاعها وحبسها عن ذلك شائع في جهات وجوه الحلال كلها، إلا في شيئين: في النساء بكلمة الله، لأنهن من ذات نفس الرجل، ولسن غيرا لهم. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾.
والثاني في الطيب لأنه غذاء للروح، وتقوية للحواس، ونسمة من باطن الملكوت، إلى ظاهر الملك، وما عداهما فالاستمتاع به واتباع النفس هواها فيه، علامة تكذيب وعد الرحمن، وتصديق وعد الشيطان: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ
стр. 83
السَّبِيلِ﴾. ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ هذا من جهة النفس.
وأما من جهة العمل وتناول اليد فرفعها عما زاد على الكفاف، وتخليته لذوي الحاجة، ليتخذوه، معاشا، وأن يكون التمول، من غير القوام، تجارة نقل وضرب في الأرض، أو إرصاد لوقت الحاجة، لا حكرة وتضييقا، اتخاذ أكثر من لبستين، للمهنة، والجمعة، علامة ضعف الإيمان، وخلاف السنة، وانقطاع عن آثار النبوة، وعدول عن سنة الخلفاء، وترك لشعار الصالحين، وكذلك تصفية لباب الطعام، وقصد المستحسن في الصورة، دون المستحسن في العلم، وإيثار الطيب في المطعم على الطيب في الورع، وتكثير الأدم وتلوين الأطعمة، وكذلك اتخاذ أكثر من مسكن واحد، وأكثر من مزدرع كاف، ورفع البناء والاستشراف بالمباني، امتنع النبي، ﷺ ، من رد السلام على رجل اتخذ قبة في المدينة، حتى هدمها وسواها مع بيوت أهل المدينة، وإنما الدنيا للمؤمن سجن، إن شعر به وضيق فيه على نفسه طلبت الراح منه إلى الآخرة، فيسعد، ومن لم يشعر بأنها سجن فوسع فيها نفسه، طلبت البقاء فيها، وليست بباقية، فيشقى.
والخيل ثلاثة: أجر للمجاهد، ووزر على المتباهي، وعفو للمستكفي بها فيما يعنيه من شأنه.
والزيادة على الكفاف من النعم السائدة انقطاع عن آثار النبوة، وتضييق على ذوي الحاجة، وتمول لما وضع لإقامة المعاش، وإن يتخذ منه الكفاف، قال ﷺ : "لنا غنم مائة، لا نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة".
стр. 84
والطعام لايتمول وكذلك ما اتخذ للقوام، لا يحتكر إلا خاطىء ["من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برئ من الله، وبوئ الله منه" فالأمتعة تجلب وتختزن، ويستنمى فيها الدينار والدراهم، والطعام والقوام يجلب ولا يختزن، فيستنمى فيه الدينار والدرهم، ومن اختزنه يستنمي فيه الدينار والدرهم فقد احتكره]، وما منع فيه من مد العين، فأحرى أن يمنع فيه مد اليد ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآيتين.
فبهذه الأمور؛ من إيمان القلب، ورؤية الفؤاد، وصبر النفس، وكف اليد عن الانبساط في التمول فيما به القوام، تحصل قراءة حرف النهي، والله ولي التأييد.
стр. 85
الفصل الرابع
فيما به تحصل قراءة حرف الأمر
اعلم أن الوفاء بقراءة حرف النهي تماما، يفرغ لقراءة حرف الأمر، لأن المقتنع في معاش الدنيا يتيسر له التوسع في عمل الأخرى، والمتوسع في متاع الدنيا لا يمكنه التوسع في عمل الأخرى، لما بينهما من التضار والتضاد.
والذي تحصل به قراءة هذا الحرف:
أما من جهة القلب: فالتوحيد والإخلاص، وأعم ذلك البراءة من الشرك العظيم، بأن لا يتخذ مع الله إلها آخر، لأن المشرك في الإلهية لا تصح منه المعاملة بالعبادة. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾.
وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الجلي، بأن لا يرى لله شريكا في شيء من أسمائه الظاهرة، لأن المشرك، في سائر أسمائه الظاهرة، لايصح له القبول، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه، حتى يؤمن بالقدر.
стр. 86
ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص، كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله، لا من العبد [المنفق، وكإخلاص المجاهد بأن النصرة من الله، لا من العبد] المجاهد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
وكذلك سائر الأعمال يخصها الإخلاص في اسم من الأسماء، يكون أملك بذلك العمل.
وأما من جهة أحوال النفس: فأولها وأساسها طمأنينة النفس بربها في قوامها من غير طمأنينة بشيء سواه، فمتى اطمأنت النفس بما تقدر عليه، وما لها من منة، أو بما تملكه من مملوك، أو بما تستند إليه من غير، ردت جميع عبادتها لما اطمأنت إليه، وكتب اسمها على وجهه، وكانت أمته لا أمة ربها، وكان المرء عبده لا عبد ربه: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة".
وهذا هو الذي أحبط أعمال العاملين، من حيث لا يشعرون،
وأما من جهة ما يخص كل واحد من الأوامر في أحوال النفس: فما يناسبه من أحوالها وأخلاقها، كاجتماعها في الصلاة بأن لا تصغي لوسواس الشيطان، وأن لا تتحدث في تسويلها، وكسماحها وسخائها في الإنفاق وإيتاء الزكاة، وكصبرها في الصوم. والصوم الصبر كله، ويصحبها كل ذلك في الحج، مع زيادة اليقين، ويصحبها الجميع في الجهاد، مع غريزة الشجاعة. هذا من جهة حال النفس.
стр. 87
وأما من جهة العمل وأحوال الجوارح: فإن أدب الناطق بكلمة الشهادة أن يجمع حواسه إلى قلبه، ويحضر في قلبه كل جارحة فيه، وينطق بلسانه عن جميع ذاته: أحوال نفس، وجوارح بدن، حتى يأخذ كل عضو منه وكل جارحة فيه، وكل حال لنفسه، قسطه منها، كما أشار إليه رسول الله، ﷺ ، وأعلم بأن بذلك تتحاث عنه الذنوب، كما يتحاث الورق عن الشجر. فلم يقرأ تهليل القرآن من لم يكن ذلك حاله فيه، وكذلك في تشهد الأذان، وبذلك يهدم التهليل سيئاته في الإسلام، كما هدم من المخلص به جرائم الكفران، سمع النبي، ﷺ ، رجلا يؤذن، فلما قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: على الفطرة، فلما قال: لا إله إلا الله، قال: خرجت من النار.
وأما أدب الصلاة: فخشوع الجوارح، والهدوء في الأركان، وإتمام كل ركن بأذكاره المخصوصة به، وجمع الحواس إلى القلب، كحاله في الشهادة، حتى لا يحقق مدرك حاسة غفلة.
وأما أدب الإنفاق: فحسن المناولة، كان، ﷺ يناول السائل بيده، ولا يكله إلى غيره، والإسرار أتم: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وينفق من كل شيء بحسب ما رزثه، مياومة أو مشاهرة، أو مسانهة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
وأما أدب الصوم: فالسحور مؤخرا، والفطر معجلا، وصوم الأعضاء كلها عن
стр. 88
العدل، فأحرى عن الجور، وترك العناية بما يفطر عليه إلى ما بعد الزوال، والأخذ فيه بشهوة العيال.
وأما أدب الحج: فاستطابة الزاد، والاعتماد على مابيد الله، لا على حاصل ما بيد العبد، وهو تزود التقوى، والرفق مع الرفيق، والرفق بالظهر، وتحسين الأخلاق، والإنفاق في الهدي، وهو الثج، والإعلان بالتلبية، وهو العج، وتتبع أركانه على ما تقتضيه أحكامه، وإقامة شعائره على معلوم السنة لا على معهود العادة.
وأما أدب الجهاد: فاستطابة الزاد، وإصلاح العدة ومياسرة الخلطاء، وحسن القيام على الخيل، وتطييب علفها تصفية وورعا، وتناوله بيده، كان رسول الله ﷺ يتناول علف فرسه بيده، ويمسحه بردائه. والتزام ما يجد معه المنة؛ من أن يكون فارسا، أو راجلا، أو رامحا، أو نابلا، ومن تكلف غير ما يجد منته فقد ضيع الحق، وعمل بالتكلف، والصمت عند اللقاء، وغض البصر عند النظر إلى الأعداء. وقال ﷺ : "إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم". وكف اليد عما للغير فيه حق، وهو الغلول، وأن لا يدعو للبراز، وأن يجيب إذا دعى، وقال ﷺ : "يقول الله : عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه".
ولكل أمر وتلبس بمأمور أدب يخصه، على ما يستقرأ في السنن النبوية، وآثار الخلفاء، وصالحي الأمراء.
فبهذه الأمور، من إخلاص القلب، وطيب النفس، وأدب الجوارح، تصح قراءة حرف الأمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 89
الفصل الخامس
فيما به تحصل قراءة حرف المحكم
اعلم أن قراءة الأحرف الماضية الأربعة، هو حظ العامة من الأمة، المعاملين لربهم على الجزاء، المقارضين له على المضاعفة.
وقراءة هذا الحرف تماما، هو حظ المتحققين بالعبودية، المتعبدين بالأحوال الصادقة، المشفقين من وهم المعاملة، لشعورهم أن العبد لسيده، مصرف فيما شاء، وكيف شاء، ليس له في نفسه حق ولا حكم، ولا حجة له على سيده، فيما أقامه فيه من صورة سعادة أو شقاوة ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. والذي تحصل به قراءة هذا الحرف:
أما من جهة القلب: فالمعرفة بعبودية الخلق للحق؛ رق خلق ورزق وتصريف فيما شاء، مما بينه وبين ربه، ومما بينه وبين نفسه، ومما بينه وبين أمثاله، من سائر العباد. "لا يملك لنفسه ضرا ولانفعا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا" ولا يأخذ إلا ما أعطاه سيده، ولا يتقي إلا ما وقاه سيده، ولا يكشف السوء عنه إلا هو، فيسلم له مقاليد أمره في ظاهره وباطنه، وذلك هو الدين عند الله الذي لا يعمل سواه: ﴿إِنَّ الدِّينَ
стр. 90
عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وهو دين النبي العبد، وما يتحقق للعبد من ذلك عن اعتبار العقل وخصوص اللب، هي الملة الحنيفية؛ ملة النبي الخليل. هذا من جهة القلب.
وأما من جهة حال النفس: فجميع أحوال العبد القن، المغرق في الملك: "إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد". وجماع ذلك وأصله الذل انكسار، والذل عطفا، والبراءة من الترفع والفخر على سائر الخلق، والتحقق بالضعة دونهم، وعلى وصف النفس بذلك ينبني حسن التخلق مع الخلق، وصدق التعبد للحق.
وأما من جهة العمل وتصرف الجوارح: فإسلامها، لله قولا وفعلا وبذلا، ومسالمة الخلق لسانا ويدا، وهو تمام الإسلام وثبته، "لايكتب أحدكم في المسلمين حتى يسلم الناس من لسانه ويده" ويخص الهيئة من ذلك ما هو أولى بهيآت العبيد. كالذي بنيت عليه هيئة الصلاة، من الإطراق في القيام، ووضع اليمنى على اليسرى بحذاء الصدر؛ هيئة العبد المتأدب المنتظر لما لا يدري خبره من أمر سيده، وكهيئة الجلوس فيها الذي هو جلوس العبد، وكذلك كان النبي، ﷺ ، يجلس
стр. 91
لطعامه، لتستوي حال تعبده في أمر دنياه وأخراه، ويقول: "إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد". ويؤثر جميع ما هو هيئة العبد في تعبده ومطعمه ومشربه وملبسه ومركبه وظعنه وإقامته. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
فبهذه الأمور؛ من تحقيق العبودية في [القلب، وذل]، النفس وانكسار الجوارح، تحصل قراءة حرف المحكم، والله الولي الحميد.
стр. 92
الفصل السادس
فيما به تحصل قراءة حرف المتشابه
اعلم أن تحقيق الإسلام بقراءة حرف المحكم، لا يتم إلا بكمال الإيمان بقراءة حرف المتشابه تماما، لأن حرف المحكم حال تتحقق للعبد، ولما كان حرف المتشابه إخبار الحق، عن نفسه، بما يتعرف به لخلقه، من أسماء وأوصاف، كانت قراءته أن يتحقق العبد أن تلك الأسماء والأوصاف ليست مما تدركه حواس الخلق، ولا مما تناله عقولهم، وإن أجرى بعض تلك الأسماء والأوصاف على الخلق، فبوجه لايلحق أسماء الحق، ولا أوصافه منها، تشبيه في وهم، ولا تمثيل في عقل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فالذي تصح به قراءة هذا الحرف.
أما من جهة القلب: فالمعرفة بأن جميع أسماء الحق وأوصافه تعجز عن معرفتها إدراكات الخلق، ويقف عن تأويلها إجلالا وإعظاما معلوماتهم، وأن حسبها معرفتها بأنها لا تعرفها.
وأما من جهة حال النفس: فالاستكانة لما يوجبه تعرف الحق بتلك الأسماء والأوصاف من التحقق بما يقابلها، والبراءة من الاتصاف بها، لأن ما صلح للسيد حرم على العبد، كتحقق فقر الخلق من تسمي الحق بالغنى، ولا يتسمى بالغنى، فيقدح في
стр. 93
تقواه، فيهلك باسمه ودعواه، وكتحقق ذنهم من تسمية تعالى بالعزة، وعجزهم عن تسميه بالقدرة، واستحقاق تخليهم من جميع ما تعرف به من أوصاف الملك والسلطان، كالرضا والغضب، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، إلى سائر ما تسمى به في جميع تعرفاته، مما ذكر في المتشابه من الآي، وما أشير إليه من الأحاديث، وما عليه اشتملت واردات الأخبار في جميع الكتب والصحف، ومرأى الصالحين، ومواقف المحدثين، ومواجد المروعين.
وأما من جهة العمل: فحفظ اللسان عن إطلاق ألفاظ التمثيل والتشبيه تحقيقا لما في مضمون قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، لأن مقتضاها الرد على المشبهة من هذه الأمة.
وليس لعمل الجوارح في هذا الحرف مظهر، سوى ما ذكر من لفظ اللسان، فقراءته كالتوطئة لتخليص العبادة بالقلب، في قراءة مفرد حرف الأمثال، والله العلي الكبير.
стр. 94
الفصل السابع
فيما به تحصل قراءة حرف الأمثال
اعلم أن قراءة الأحرف الستة تماما، وفاء بتفصيل العبادة، لأنها أشفاع: ثلاثة للتخلص والتخلي، وثلاثة للعمل والتحلي، لأن ترك الحرام طهرة البدن، وترك النهي طهرة للنفس، وترك التعرض للمتشابه طهرة القلب، ولأن تناول الحلال زكاء البدن، وطاعة الأمر زكاء النفس، وتحقق العبودية، بمقتضى حرف المحكم، نور القلب.
وأما قراءة حرف الأمثال فهو وفاء العبادة بالقلب جمعا ودواما، ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾.
فالذي تحصل به قراءة هذا الحرف، إنما هو خاص بالقلب، لأن أعمال الجوارح وأحوال النفس قد استوفتها الأحرف الستة التفصيلية.
والذي يخص القلب لقراءة هذا الحرف هو المعرفة التامة المحيطة بأن كل الخلق، دقيقه وجليله، خلق الله وحده، لا شريك له في شيء منه، وأنه جميعه مثل لكلية أمر الله
стр. 95
القائم بكلية ذلك الخلق، وأن كلية ذلك الأمر الذي هو ممثول لمثل الخلق، هو مثل لله. ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وأن تفاصيل ذلك الخلق المحيطات [أمثال لقيامها من تفاصيل ذلك الأمر المحيطات بها، وأن تفاصيل الأمر المحيطات] وأمثال لأسماء الله الحسنى، بما هي محيطة، ولجميع هذا الحرف لم يصح إنزاله إلا على الخلق الجامع الآدمي، الذي هو صفوة الله وفطرته، وعلى سيد الآدميين محمد خاتم النبيئين، وهو خاصته خاصة آله، وعنه كمل الدين بالإحسان، وصفا العلم بالإيقان، وشوهد في الوقت الحاضر ما بين حدي الأزل الماضي، والأبد الغابر، وعن هذا اليقين الإحسان، تحقق الفناء لكل فان، وبقي وجه رب محمد، ذي الجلال والإكرام.
وكان هذا الحرف، بما اسمه الحمد، هو لكل شيء بدء وختام.
هذا وفاء القول في البابين والفصول، والحمد لله رب العالمين.
* * * *
آخر نسخة ب: آخر الكتاب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
* * * *
آخره نسخة ط:، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
* * * *
стр. 96
آخر نسخة م: تم الجزء المبارك وبتمامه كان تمام الكتاب.
* * * *
ووافق الفراغ من نسخه اليوم المبارك، وهو يوم الجمعة، وذلك ليلتان بقيت - كذا - من شهر رجب الفرد من شهور سنة سبع وثلاثين وستمائة، كتبه العبد الفقير إلى عفو ربه في كل شيء، موسى به علي بن شامة، وذلك بالمدرسة الصاحبية عمرها الله ببقاء مدرسها، ورحم واقفها بمنه وكرمه وحفى لطفه، والحمد لله حمد الشاكرين، وصلواته على سيد المرسلين، محمد خاتم النبيئين، وعلى آله وصحبه، وسلامه. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 97
صفحة فارغة
стр. 98
كتاب التوشية والتوفية
لأبي الحسن علي بن أحمد الْحَرَالِّي التجيبي المراكشي
تقديم وتحقيق:
محمادي بن عبد السلام الخياطي
أستاذ بكلية أصول الدين
تطوان
стр. 99
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
بعد حمد الله، والصلاة على سيدنا محمد عبده، ورسوله، وعلى آله الطيبين، ورضي الله عن أصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فهذه فصول تشتمل بحول الله على: "توفية وتوشية" لما تقدم إثباته من كتاب العروة ومفتاحها، توشية له وتوفير لتحبير نصاحها، تتمم بعون الله مقصد التأيد في فهم الكتاب، وتعرف وجوها من الخطاب، والله ولي التأييد بروح منه. آمين.
стр. 100
فصل توشية
تشتمل على تفاوت وجه الخطاب فيما بين ما أنزل على وفق الوصية، أو أنزل على حكم الكتاب
اعلم أن الله سبحانه بعث محمدا، ﷺ ، بالرحمة لجميع العالمين، وخلقه بالعفو والمعروف، كما ورد في الكتب السابقة من قوله تعالى: "وأجعل العفو والمعروف خلقه" وبذلك وصاه، كما ورد عنه، ﷺ ، أنه قال: "أوصاني ربي، بغير ترجمان ولا واسطة، بسبع خصال: بخشية الله في السر والعلانية، وأن أصل من قطعني، وأصفح عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة".
فكان فيما أوصاه به ربه، ﵎، من غير ترجمان ولا واسطة، بأن يصل من قطعه، ويصفح عمن ظلمه، ولا أقطع له ممن كفر به وصد عنه، فكان هو، ﷺ ، بحكم ما بعث له وجبل عليه ووصى به، ملتزما للعفو عمن ظلمه، والوصل لمن قطعه، إلا أن يعلن عليه بالإكراه على ترك ذلك والرجوع إلى حق العدل، والاقتصاص والانتصاف المخالف لسعة وصيته، الموافق لما نقل من أحكام سنن الأولين، في مؤاخذتهم وأخذهم بالحق والعدل، إلى جامع شرعته ليوجد فيها نحو مما تقدم من الحق والعدل، وإن قل، ولتفضل شرعته بما اختص هو به، ﷺ ، من البعثة بسعة الرحمة والفضل. والله ﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾.
стр. 101
فمن القرآن ما أنزل على الوجه الذي بعث له، وجبل عليه ووصى به، نحو قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾. وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾.
وأصل معناه في مضمون قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾.
فما كان من المنزل على هذا الوجه تعاضدت فيه الوصية والكتاب، وقبله هو، ﷺ ، جبلة وحالا وعملا، ولم تكن له عنه وقفة، لتظافر الأمرين، وتوافق الخطابين: خطاب الوصية، وخطاب الكتاب. وهذا الوجه من المنزل خاص بالقرآن العظيم، الذي هو خاص به، ﷺ ، لم يوته أحد قبله. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾.
ومن القرآن ما أنزل على حكم العدل والحق المتقدم فضله في سنن الأولين، وكتب المتقدمين، وإمضاء عدل الله، سبحانه، في المؤاخدين، والاكتفاء بوصل الواصل، وإبعاد المستغني، والإقبال على القاصد، والانتقام من الشارد، وذلك خلاف ما جبل الله عليه نبيه، وما وصى به حبيبه، فكان، ﷺ ، إذا أنزل عليه أي من الكتاب على مقتضى الحق وإمضاء العدل، ترقب تخفيفه، وترجى تيسيره، حتى يعلن عليه بالإكراه في أخذه، والتزام حكمه، فحينئذ يقوم لله به، ويظهرعذره في إمضائه، فيكون له في خطاب التشديد عليه في أخذه أعظم مدح، وأبلغ ثناء من الله، ضد ما يتوهمه الجاهلون.
стр. 102
فمما أنزل إنباء عن مدحه بتوقفه عن إمضاء حكم العدل والحق، رجاء تدارك الخلق، واستعطاف الحق، ما هو نحو قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾. ونحو قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ونحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾.
ومما أنزل على وجه الإعلان عليه، بما هو عليه من الرحمة، وتوقفه عن الأخذ بسنن الأولين، حتى يكره عليه، ليقوم عذره في الاقتصار على حكم الوصية، وحال الجبلة، ما هو نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. ونحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ونحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
أي لا تتوقف لطلب الرحمة لهم، كما يتوقف الممتري في الشيء أو الشاك فيه، لما قد علم أنه لابد لأمته من حظ من مضاء كلمة العدل فيهم، وحق كلمة العذاب عليهم، وإجراء بعضهم، دون كلهم، على ستة من تقدمهم من أهل الكتب الماضية في المؤاخذة بذنوب، وإنفاذ حكم السطوة فيهم، فأخذهم الله بذنوبهم. ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾. ولم يئفعهم الرجوع عند مشاهدة الآيات: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ
стр. 103
قَبْلُ﴾. ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. وذلك أن كل مطالع بالعذاب راجع ولابد عن باطله، حين لاينفعه. ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. لما أبطن، تعالى، في قلب نبيهم عليهم عزما على هلاكهم، أظهر تعالى رحمته عليهم، ولما ملأ نبيه عن تألفهم، وأحسبه بمؤمنهم دون كافرهم ومنافقهم، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وكل ذلك معلوم عنده، ﷺ ، قبل وقوعه، بمضمون قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾. ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾. ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾.
ولذلك قال، ﷺ ، حين أنزل عليه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ "أما أنا فلا أشك ولا أسأل"، لأنه قد علم جملة أمر الله في أن منهم من تتداركه الرحمة، ومن تحق عليه كلمة العذاب، ولكنه لا يزال ملتزما لتألفهم واستجلابهم حتى يكره على ترك ذلك بعلن خطاب نحو قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)
стр. 104
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾. ونحو قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
فهذه الآي ونحوها، يسمعها العالم، بموقعها على إكراه لنبي الرحمة حتى يرجع إلى عدل الملحمة، من جملة أمداح القرآن له، والشهادة له بوفائه بعهد وصيته، حتى تحقق له تسميته بنبي المرحمة، ثباتا على الوصية، وبنبي الملحمة، إمضاء في وقت لحكم الحق، وإظهار العدل، فهو، ﷺ ، بكل القرآن ممدوح، وموصوف بالخلق العظيم، جامع لما تضمنته كتب الماضين، وما اختصه الله به من سعة القرآن العظيم.
فهذا وجه تفاوت ما بين الوصية والكتاب في محكم الخطاب، والله سميع عليم.
стр. 105
فصل توفية
تشتمل على تناول كلية القرآن لكلية الأمة
ولكل قارئ يقرؤه من أهل الفهم والإيقان
اعلم أن الله، سبحانه، أنزل القرآن نبأ عن جميع الأكوان، وأن جميع ما أنبأ عنه من أمر آدم إلى زمن محمد، ﷺ ، من أمر النبوات والرسالات والخلافات وأصناف الملوك والفراعنة والطغاة، وأصناف الجناة، وجميع ما أصابهم من المثوبات والمثلات في يوم آدم، ﵇، إلى زمن محمد، ﷺ ، الذي هو ستة آلاف سنة، ونحوها، كل ذلك متكرر بجملته في يوم محمد، ﷺ ، الذي هو ألف سنة أو نحوها، أعدادا بأعداد، وأحوالا بأحوال، في خير أو شر، فلكل من الماضين مثل متكرر في هذه الأمة الخاتمة، كما قال ﷺ : "لكل نبي قبلي، في أمتي نظير" ثم ذكر، ﷺ ، نظراء مثل إبراهيم كأبي بكر، ومثل موسى كعمر، ومثل هرون كعثمان، ومثل نوح كعلي، ومثل عيسى كأبي ذر. وقال ﷺ : "إني لأعرف النظراء من أمتي بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم، كافرهم ومومنهم، ممن كان وممن سيكون بعد، ولو شئت أن أسميهم لفعلت".
فمما صد أكثر هذه الأمة عن تفهم القرآن ظنهم أن الذي فيه من قصص الأولين وأخبار المثابين والمعاقبين، من أهل الأديان أجمعين، أن ذلك إنما مقصوده الأخبار والقصص فقط، كلا، وليس كذلك، إن ذلك إنما مقصوده الاعتبار والتنبيه
стр. 106
بمشاهدة متكرره في هذه الأمة، من نظائر جميع أولئك الأعداد وتلك الأحول والآثار، حتى يسمع السامع جميع القرآن من أوله إلى خاتمته منطبقا على هذه الأمة وأيمتها، هداتها وضلالها، فحينئذ ينفتح له باب الفهم، ويضيء له نور العلم، وتتجه له حال الخشية، ويرى في أصناف هذه الأمة ما سمع من أحوال القرون الماضية، وإنه كما قيل في المثل السائر: "إياك أعني، واسمعي ياجارة". ثم إذا شهد انطباق القرآن على كلية الأمة، فكان بذلك عالما، ينفتح له باب ترق، فيترقى سمعه إلى أن يجد جميع كلية القرآن المنطبق على كلية الأمة منطبقا على ذاته، في أحوال نفسه وتقلباته، وتصرفات أفعاله وازدحام خواطره، حتى يسمع القرآن منطبقا عليه، فينتفع بسماع جميعه، ويعتبر بأي آية سمعها منه، فيطلب موقعها في نفسه، فيجدها بوجه ما، رغبة كانت أو رهبة، تقريبا كانت أو تبعيدا، إلى أرفع الغايات، أو إلى أنزل الدركات، فيكون بذلك عارفا.
هذا مقصود التنبيه في هذا الفصل جملة، ولنتخذ لذلك مثالا يرشد لتفهم ذلك الانطباق على كلية الأمة علما، وعلى خصوص ذات القارىء السامع عرفانا.
اعلم أن أصول الأديان المزدوجة التي لم تترق إلى ثبات حقائق المومنين، فمن فوقهم من المحسنين والموقنين، التي جملتها تحت حياطة الملك والجزاء والمداينة، الذين تروعهم رائعة الموت أولا، ثم رائعة القيامة ثانيا، إلى ما يشتمل عليه يوم الدين من أهوال المواقف الخمسين، التي كل موقف منها ألف من السنين. ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
فعدد هذه الأديان سبعة، ما من دين منها إلا ويوجد في صنف من أصناف
стр. 107
هذه الأمة، ويجده المعتبر في نفسه في وقت ما بقلة أو كثرة، بدوام أو خطرة، بضعف أو شدة، عن أثر رين غالب، أو عن لمح غين زائل. وهذه الأديان السبعة هي:
دين الذين آمنوا، من هذه الأمة، ولم يتحققوا بحقيقة الإيمان، فيكونوا من المومنين، الذين صار الإيمان وصفا ثابتا في قلوبهم، الموحدين المتبرئين من الحول والقوة، المتحققين لمضاء أقدار الله عليهم بما شاء، لا بما يشاءون: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾.
وأما الذين آمنوا فهم الذين لايثبتون على حال إيمانهم، ولكنهم تارة وتارة، ولذلك هم المنادون والمنهيون والمأمورون في جميع القرآن، الذين يتكرر عيلهم النداء في السورة الواحدة مرات عديدة، من نحو ما بين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. إلى ما بين ذلك من نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾. فهؤلاء هم أهل دين غير ثابت، ينتظمون به مع من ليس له ثبات من ماضي الأديان المنتظمين مع من له أصل في الصحة من الأديان الثلاثة، في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ﴾ المنتظمين أيضا مع المغيرين لأديانهم، والمفترين لدين لم ينزل الله به من سلطان، في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.
стр. 108
فهذا هو الدين الأول.
وأما الدين الثاني: فهو دين الذين هادوا، الذين منهم: ﴿الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. والذين: ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. والذين: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. والذين: ﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. والذين ياكلون الربا: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾. والذين: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. فهؤلاء أهل الدين الثاني.
وأما الدين الثالث: فدين ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، الذين منهم الذين ضلوا عن سواء السبيل الذين غلوا في دينهم، وقالوا: ﴿عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، واتخذوا رهبانهم ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
وأما الدين الرابع: فدين الصابئة الذين منهم متألهو النجوم، عباد الشمس والقمر، والكواكب ومغيروهم، هم بالترتيب أول من عبد محسوسا سماويا.
وأما الدين الخامس: فدين المجوس الثنوية، الذين جعلوا إلهين: نوراً وظلمة، وعبدوا محسوسا أفاقيا.
стр. 109
وأما الدين السادس: فدين الذين أشركوا، وهم الذين عبدوا محسوسا أرضيا، غير مصور، وهم الوثنية، أو مصورا وهم الصنمية.
فهذه هي الأديان الستة الموفية لعد الست، لما جاء فيه.
وأما الدين السابع: فاعلم أن الله، سبحانه، جعل السابع أبدا جامعا لسته، خيرا كانت أو شرا، فالدين السابع هو دين المنافقين، الذين ظاهرهم مع الذين آمنوا، وباطنهم مع أحد سائر الأديان الخمسة المذكورة، إلى أدنى دين شركها الدين ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. فهذه الأديان السبعة متكررة بكليتها في هذه الأمة، بنحو مما وقع قبل في الأمم الماضية، وهو مضمون الحديث الجامع لذكر ذلك في قوله، ﷺ : "لتاخذن، كما أخذت الأمم من قبلكم، ذراعا بذراع، وشبرا بشبر، وباعا بباع، حتى لو أن أحداً من أولئك دخل في جحر الضب لدخلتموه، قالوا يارسول الله، كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب قال: وهل الناس إلا هم".
وما بينه النبي، ﷺ في هذا الحديث، هو من مضمون قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ وأهل هذه الأديان السبعة هم، أو منهم، هم عمرة دركات جهنم السبع، على ترتيبهم، والناجون بالكلية الفائزون هم المومنون، فمن فوقهم من المحسنين والموقنين.
ومزيد تفصيل في ذلك وتثنية قول بما ينبه عليه، بحول الله، من جهات تتبع
стр. 110
طوائف من هذه الأمة صنن من تقدمهم في ذلك.
أما وجه تكرار دين الذين أشركوا في هذه الأمة، فباتخاذهم أصناما وآلهة يعبدونها من دون الله، محسوسة جمادية، كما اتخذ المشركون الأصنام والأوثان من الحجارة والخشب، فاتخذت هذه الأمة بوجه ألطف وأخفى، أصناما وأوثانا، فإنها اتخذت الدينار والدرهم أصناما، والسبائك والنقر أوثانا، من حيث أن الصنم هو ماله صورة، والوثن ما ليس له صورة، قال ﷺ : "صنم أمتي الدينار والدرهم" وقال، ﷺ : "لكل أمة عجل يعبدونه من دون الله، وعجل أمتي الدينار والدرهم" فلا فرق بين ظن المشرك أن الصنم الذي صنعه بيده ينفعه، وظنه المفتونين، من هذه الأمة، أن ما اكتسبوا من الدينار والدرهم ينفعهم، حتى يسير مثلهم: "ما ينفعك إلا درهمك" ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾. فما من آية نزلت في المشركين، في ذكر أحوالهم، وتبيين ضلالهم، وتفاصيل سرهم وإعلانهم، إلا وهي منطبقة على كل مفتون بديناره ودرهمه، فموقع قول المشركين في أصنامهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. مثله موقع نظيره من قول المفتون: ما أحب المال إلا لأعمل الخير، واستعين به على وجوه البر، ولو أراد البر لكان ترك التكسب والتمول له أبر، قال ﷺ : "إنما أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم، وهما مهلكاكم" فكل من أحبهما وأعجب
следующие страницы →