Полный текст (573 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أي عن مواقعة الشجرة، و"عَنْ " كلمة تقتضي المجاوزة عن سبب ثابت، كقولهم: رميت عن القوس - انتهى.
﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: "في" كلمة تقتضي وعاء مكان أو مكانة، ثم قال: أنبأ الله بما في خبء أمره مما هو من وراء علم الملائكة، بما أظهر من أمر آدم، ﵇، وبما وراء علم آدم بما أبدى من حال الشيطان باستنزلاله لآدم حسن ظن من آدم بعباد الله مطلقا، حين قاسمهما على النصيحة.
وفيه انتظام بوجه ما بتوقف الملائكة في أمر خلق آدم، فحذرت الملائكة إلى الغاية، فجاء من وراء حذرها حمد أظهرت الله من آدم، وجاء من وراء حسن ظن آدم ذنب أظهره الله من الشيطان، على سبيل سكن الجنة، فرمى بهما عن سكنها، وبما أظهر له بما فيها من حب الشجرة التي أطلع عليها.
ثم قال: وحكمة ذلك، أي نسبة هذا الذنب إلى الشيطان بتسببه، أن الله، ، يعطي عباده الخير بواسطة وبلا واسطة، ولا ينالهم شر إلا بواسطة نفس، كما وقع من الإباء للشيطان، فكانت خطيئته في ذات نفسه، أو بواسطة شيطان، كما كانت مخالفة آدم، فكانت خطيئته ليست من ذات نفسه، وعارضة عليه من قبل عدو تسبب له بأدنى ما منه من زوجه التي هي من أدنى خلقه، فمحت التوبة الذنب العارض لآدم، وأثبت الإصرار الإباء النفساني للشيطان، وذكر الحق، تعالى، الإزلال منه باسمه الشيطان، لا باسمه إبليس، لما في معنى الشيطنة من البعد والسرعة
стр. 177
التي تقبلا التلافي، ولما في معنى الإبلاس من قطع الرجاء، فكان في ذلك بشري استدراك آدم بالتوبة - انتهى.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ والهبوط،
قال الْحَرَالِّي: سعى في درك، والدرك ما يكون نازلا عن مستوى، فكأنه أمسك حقيقته - أي آدم - في حياطته، تعالى، وحفظه وتوفيقه لضراعته وبكائه وسر ما أودعه من أمر توبته؛ وأهبط صورته، ليظهر في ذلك فوق ما بين هبوط آدم وهبوط إبليس، على ما أظهر من ذلك سرعة عود آدم توبة وموتا إلى محله من أنسه المعهود وقربه المألوف له من ربه، وإنظار إبليس في الأرض مصراً منقطعا عن مثل معاد آدم، لما نال إبليس من اللعنة التي هي مقابل التوبة، ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ البعض ما اقتطع من جملة، وفيه ما في تلك الجملة. ﴿عَدُوٌّ﴾ من العداء أي المجاوزة عن حكم المسالمة التي هي أدنى ما بين المستقلين من حق المعاونة - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وفيه إشعار بما تمادى من عدوان الشيطان على ذرء من ولد آدم حتى صاروا من حزبه، وفيه أيضا بشرى لصالحي ولد آدم بما يسبونه من ذرء إبليس فيلحقون بهم بالإيمان والإسلام والتوبة، فيهتدون بهداه من حيث عم بالعداوة، فاعتدى ذو الخير فصارت عدواه على أهل الشر خيراً، واعتدى ذو الشيطنة فصارت عدواه على أهل الخير شراً. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ تكونون فيه، وهو من القرار، وهو كون الشيء فيما له فيه تنام وظهور وعيش موافق، ﴿وَمَتَاعٌ﴾
стр. 178
تتمتعون به، والمتاع هو الانتفاع بالمنتفع به وقتا منقطعا، يعرف نقصه بما هو أفضل منه، يعني ففيه إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه الدنيا، ونقص ما به الانتفاع عن محل ما كانا به، من حيث إن لفظ المتاع أطلق في لسان العرب على الجيفة التي هي متاع المضطر، وأرزاق سباع الحيوان وكلابها، فكذلك الدنيا هي جيفة متع بها، أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة، وجعلها حظا من لا خلاق له في الآخرة. ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي لا يتقدم ولا يتأخر، وفي إبهام الحين إشعار باختلاف الآجال في ذرء الفريقين، فمنهم الذي يناله الأجل صغيرا، ومنهم الذي يناله كبيرا - انتهى.
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾
والتلقي ما يتقبله القلب باطنا وحيا، أو كالوحي، أبطن من التلقن الذي يتلقنه لفظا وعلما، ظاهراً أو كالظاهر. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ وتطلق الكلمة أيضا على إمضاء أمر الله من غير تسبيب حكمة ولا ترتيب حكم. قاله الْحَرَالِّي.
ثم قال: في عطف الفاء في هذه الآية إشعار بما استند إليه التلقي من تنبيه قلب آدم وتوفيقه مما أثبته له إمساك حقيقته عند ربه، ويعاضد معناه رفع الكلمات وتلقيها آدم في إحدى القراءتين، فكأنه تلقى الكلمات بما في باطنه، فتلقته الكلمات بما أقبل بها عليه، فكان مستحقا لها، فكانت متلقية له بما جمعت القراءتان من المعنى.
стр. 179
﴿فَتَابَ﴾ من التوب وهو الرجوع بظاهر باطنه الإنابة، وهو رجوع بعلم باطنه الأوبه، وهو رجوع بتقوى قلب - انتهى.
﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
قال الْحَرَالِّي: وكان إقراره بلفظه أدبا وإذعانا لقيام حجة الله على عباده، بما أنبأ عنه من قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية، وهذه توبة قلب وعمل، لا ينقض مخصوص حال القلب منها ناقض وهي التوبة النصوح، التي تبرئ من الذنب بتحقيق توحيد القلب، وتوجب تكفير الخطايا الظاهرة، التي لا أصل لها في القلب؛ من حجاب دعوى في الأفعال وشرك في أمر الله، فبمقتضى ما في باطنه ظهر فيه اسمه الرحيم، الذي هو من الرحمة، وهو اختصاص فضله بالمؤمن، وبمقتضى ما ظهر عليه من الضراعة والإقرار ظهر فيه مقتضى اسمه التواب، فجمعت توبته الأمرين - انتهى.
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾
وقال الْحَرَالِّي: مورد هذه الآية بغير عطف إشعار بأن ظاهرها افتتاح لم يتقدمه إيحاء بباطن، كما تقدم في السابقة، وتكرر الإهباطان، من حيث إن الأول إهباط لمعنى القرار في الدنيا والاغتذاء فيها، وذرء الذرية وأعمال أمر العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم وإبليس، وهذا الإهباط الثاني إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية، التي كانت خفية في
стр. 180
أمر آدم ظاهرة في أمر إبليس، وفي قوله ﴿جَمِيعًا﴾ إشعار بكثرة ذرء الخلقين وكثرة الأحداث في أمر الديانة من النقلين - انتهى.
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ﴾ والتبع السعي أثر علم الهدى. قاله الْحَرَالِّي.
﴿هُدَايَ﴾ قال: وجاء "هُدَايَ" شائعا ليعم. رفع الخوف والحزن من تمسك بحق ما من الحق الجامع، وأدناه من آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحا فيما بينه وبين الحق، وفيما بينه وبين الخلق - انتهى.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضار. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ والحزن، كما
قال الْحَرَالِّي: توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به روح، والقرب منه راحة، وجاء في الحزن بلفظ "هُمْ " لاستبطانه، وبالفعل لأنه باد من باطن تفكرهم في فائتهم، وجاء نفي الخوف منعزلا عن فعلهم، لأنه من خوف باد عليهم من غيرهم - انتهى.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾
قال الْحَرَالِّي: هذا من أسوأ الكفر لأنه كفر بالآيات التي جعلها الله، ، علما على غيب عهده، وهي ما تدركه جميع الحواس من السماء والأرض، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ
стр. 181
وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ لأن الحق، تعالى، أظهر الكون كتابة دالة على أمره، وجعل في العقل نورا يقرأ به كتابه، فمن لا نور له فهو من أصحاب النار، فهو إما تابع هدى بنور العقل وتنبيه الإيمان، وإما صاحب نار، فقال: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ لأنه لما كان من الذين كفروا بكتاب الخلق من تقبل الإيمان بتنزيل الأمر، اختصت كلمة العذاب بالذين تأكد كفرهم بالآيات المرئية بتكذيبهم بالآيات المنزلة، فكفروا بما رأوا فكانوا عميا، وكذبوا بما سمعوا فكانوا صما - انتهى.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وقوله "هُمْ" فيه إشعار بإشراب العذاب بواطنهم، وبلاغه إلى أنفسهم بعذاب الغم والحزن واليأس، وغير ذلك من إحراق النار بواطنهم، وفيه إشعار بكونهم فيها في الوقت الحاضر من حيث لا يشعرون. "الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم". والنار أقرب إلى أحدهم من شراك نعله، فهم فيها خالدون، وإن لم يحسوا في الدنيا بحقيقتها، كما أن المهتدين في جنة في الدنيا، وإن لم يشاهدوا عيانها، فكل خالد فيما هو فيه في الدنيا غيبا، وفي الآخرة عيانا، وفي القبر عرضا. ﴿لترون لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. وهنا انتهى خطاب الفرقان
стр. 182
المخصوص بدعوة العرب، الذين هم رأس أهل الدعوة المحمدية، قال، ﵊: "الناس كلهم تبع لقريش، مؤمنهم لمؤمنهم، وكافرهم لكافرهم" - انتهى.
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: ثم أقبل الخطاب عام بني إسرائيل منتظما بابتداء خطاب العرب من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وكذلك انتظام القرآن إنما ينتظم رأس الخطاب فيه برأس خطاب آخر يناسبه في جملة معناه، وينتظم تفصيله بتفصيله، فكان أول وأولى من خوطب بعد العرب الذين هم ختام بني إسرائيل الذين هم ابتداء بما هم أول من أنزل عليهم الكتاب الأول من التوراة، التي افتتح الله بها كتبه تلو صحفه وألواحه.
ثم قال: لما انتظم إقبال الخطاب على العرب التي لم يتقدم لها هدى بما تقدمه من الخطاب للنبي، ﷺ ، انتظم بخطاب العرب خطاب بني إسرائيل بما تقدم لها من هدي في وقتها. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ وبما عهد إليها من تضاعف الهدي بما تقدم لها في ارتقائه من كمال الهدي بمحمد، ﷺ ، وبهذا القرآن، فكان لذلك الأولى مبادرتهم إليه حتى يهتدي بهم العرب، ليكونوا أول مؤمن، بما عندهم من علمه السابق - انتهى.
﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: من الذكر، وهو استحضار ما سبقه النسيان
стр. 183
﴿نِعْمَتِيَ﴾ وهي إنالة الشخص ما يوافق نفسه وبدنه، وعند المتفطن، ما يوافق باطنه وظاهره، مما بين قلبه وشعوبه من أهله وحشمه. ﴿الَّتِي﴾ "تِي" منها إشارة لباطن نازل متخيل مبهم، تفسره صلته بمنزلة "ذي"، و"ال" منها إشارة لذلك المعنى بالإشارة المتخيلة - انتهى.
﴿وَأَوْفُوا﴾ من الوفاء وهو عمل لاحق بمقتضى تقدم علم سابق. قاله الْحَرَالِّي.
﴿بِعَهْدِي﴾ والعهد التقدم في الشيء خفية اختصاصا لمن يتقدم له فيه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ والرهب حذر النفس مما شأنها منه الهرب لأذى تتوقعه، وخوطبوا بالرهبة لاستبطانها فيما يختص لمخالفة العلم.
قال الْحَرَالِّي.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ وأمروا، كما
قال الْحَرَالِّي تجديد الإيمان بالقرآن، لما فيه من إنباء بأمور من المغيبات التي لم تكن في كتابهم كتفاصيل أمور الآخرة التي استوفاها القرآن، لأنه خاتم، ليس وراءه كتاب ينتظر فيه بيان، وقد أبقى لكل كتاب قبله بقية أحيل فيها على ما بعده، ليتناءى البيان إلى غاية ما أنزل به القرآن، حين لم يعهد إليهم إلا في أصله على الجملة - انتهى.
﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ والقلة ما قصر عن الكفاية. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾ واللبس إبداء الشيء في غير صورته، ومنه اللباس لإخفائه
стр. 184
الأعضاء حتى لا تبين هيئتها - قاله الْحَرَالِّي.
﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ والحق
قال الْحَرَالِّي: ما يقر ويثبت حتى يضمحل مقابله، فكل زوجين فأثبتهما حق، وأذهبهما باطل وذلك الحق، فالباطل هو ما أمد إدارته قصير، بالإضافة إلى طول أمد زوجه القار - انتهى.
﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وجعله الْحَرَالِّي على ظاهره فقال: لما طلبهم، تعالى، بالوفاء بالعهد نهاهم عن سوء العمل وما لبسوا به الأمر عند أتباعهم من ملتهم، وعند من استرشدهم من العرب، فلبسوا بأتباعهم حق الإيمان بموسى عليه، الصلاة والسلام، والتوراة بباطل ما اختذلوه من كتابهم من إثبات الإيمان لمحمد، ﷺ ، وبالقرآن، فكتموا الحق التام الجامع، ولبسوا الحق الماضي المعهود بالباطل الأعرق الأفرط، لأن باطل الحق الكامل باطل مفرط معرق بحسب مقابله، وعرفهم بأن ذلك منهم كتمان شهادة عليهم بعلمهم ذلك إفهاما، ثم أعقبه بالشهادة عليهم بالعلم نصريحا - انتهى.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والزكاة:
قال الْحَرَالِّي: نماء في ظاهر حس، وفي باطن ذات نفس، ﴿وَارْكَعُوا﴾ من الركوع، وهو توسط بين قيام وسجود، يقع في ظاهر من القامة، وفي حال من القلب، تخص به الأمة المتوسطة الجامعة للطرفين. ﴿مَعَ﴾ معناه الصحبة من الأعلى بالحياطة ومن الأدنى بحسن التبع، ومن المماثل بحسن النصفة - انتهى.
стр. 185
وقال الْحَرَالِّي: والمتسق بذلك أي بما مضى خطاب إفهام يفهمه عطف إقامة الصلاة التي هي تلو الإيمان، فكأن خطابه الإفهام فارجعوا واستدركوا وأعلنوا بما كتمتم، وبينوا ما لبستم، وانصحوا من استنصحكم، وأقيموا وجهتكم لله بالصلاة، وتعطفوا على الأتباع بعد تعليمهم بالزكاة، وكملوا صلاتهم بما به كمال الصلاة؛ من الركوع العدل في الفعل بين حال قيام الصلاة وسجودها المظهر آية عظمة الله مع الراكعين، الذين هم العرب الذين وضعت أولى صلاتهم على كمال - انتهى.
﴿أَتَأْمُرُونَ﴾ من الأمر، وهو الإلزام بالحكم. قاله الْحَرَالِّي.
وقال الْحَرَالِّي: ولما كان فيهم من أشار على من استهداه بالهداية لاتباع محمد، ﷺ ، ولم يهدوا أنفسهم لما أرشدوا إليه غيرهم، أعلن، تعالى، عليهم بذلك نظما لما، تقدم من نقض عهدهم ولبسهم وكتمهم بما ظهر من نقص عقولهم الذي هو أدنى أحوال المخاطبين.
﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ من التلاوة، وهو تتبع قول قائل أول من جهة أوليته. قاله الْحَرَالِّي.
قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بأن أمر النبي، ﷺ ، في منطوق تلاوته ليس في خفي إفهامه، فكان في ذلك خروج عن حكم نور العقل - انتهى.
стр. 186
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ والعقل إدراك حقائق ما نال الحس ظاهره. قاله الْحَرَالِّي.
وقال الْحَرَالِّي: فكأنهم إنما حملهم على مخالفة حكم العقل ما تعودت به أنفسهم من الرياسة والتقدم، فلما في ذلك عليهم من المشقة أن يصيروا أتباعا للعرب بعد ما كانوا يرون أن جميع الأرض تبع لهم، نسق بخطابهم في ذلك الأمر بالاستعانة بالصبر الذي يكره أنفسهم على أن تصير تابعة بعد أن كانت متبوعة، فقال تعالى - انتهى.
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ والصبر: حبس النفس عن حاجتها وعادتها، وعلى إصلاحها وتزكيتها، وهو ضياء للقلوب، تبصر به ما يخفيه عنها الجزع من الخروج عن العادة فيما تنزع إليه الأنفس - قاله الْحَرَالِّي.
وثنى بالصلاة لأنها استرزاق يغنيهم عن اشتراء ثمن كانوا يأخذونه من أتباعهم في اللبس والكتمان. ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ والكبير ما جل قدره أو مقداره في حس ظاهر أو في معنى باطن. قاله الْحَرَالِّي.
﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو، أي الخشوع، هدو الجوارح والخواطر فيما هو الأهم في الوقت، وأنبأ تعالى بكبر قدر الصلاة عن أن يتناول عملها إلا خاشع خرج عن حظ نفسه، وألزم نفسه ذل العبودية التي ختمت بها النبوة، وفي إشارة كمال الصلاة إشعار بصلاة العصر التي هي صلاة النبي الخاتم الذي زمنه وقت
стр. 187
العصر، وحالة العبودية، وذلك مما يكبر على من قرن بنبوته وبملته الملك، إلا أن يخشع لما يكبر على النفس، وخصت الصلاة بالكبر دون الصبر، لأن الصبر صغار للنفس، والصلاة وجهة للحق، والله هو العلي الكبير - انتهى.
﴿يَظُنُّونَ﴾ من الظن، وهو رجحان في اعتقاد مع بقاء منازع من مقابله، قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ والرجوع معاد الذاهب على مدارج مذهبه، وترقيه على معارج مهبطه. قاله الْحَرَالِّي.
وقال الْحَرَالِّي: ولما كان في الصلاة مناجاة لله على الغيب، كانت إنما تتيسر على من يظن القبول الذي يشعر به اللقاء لربه بعد موته، وذلك حال من رجحت الآخرة على الدنيا في عمله وحاله، فكان حاله وعمله حال الظان إبقاء على أحوال من دون رتبة اليقين، ومقصود اللقاء ليس البعث، لأنهم هم من المؤمنين بالبعث، ولكنه من معنى القبول بعد البعث، وفيه إشارة إلى حال الموت ويوم البرزخ، وهو الجزاء الأول، فعطف على المرجع الآخر بعد البعث - انتهى.
﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ والتفضيل الزيادة من خطوة جانب القرب والرفعة فيما يقبل الزيادة والنقصان منه - قاله الْحَرَالِّي.
стр. 188
﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: لما دعاهم إلى الوفاء بالعهد تنبيها لهمة من له فضل باطن يرجع إلى فضائل النفس، فأجاب من وفق، وتمادى على حاله من خذل، ثني الخطاب لهم بالتنبيه على النعمة الظاهرة، ليتنبه لذلك من يخاف تغيير النعمة الظاهرة، حين لم يخف السقوط عن رتبة الفضيلة في الخطاب، فذكرهم بالنعمة والتفضيل الذي فضلهم به على العالمين، وهم من ظهرت أعلام وجودهم في زمانهم، وكذلك كل تفضيل يقع في القرآن والسنة، إنما العالم من شمله الوجود، لا ما أحاط به العلم بعد، لأن ذلك لم يرفع في الشهود علم وجوده؛ وفيه إشعار بأنهم كما فضلوهم على عالمى زمانهم، فليس ذلك بمقصور عليهم، بل كذلك يفضل الله العرب في زمان نبوتها على بني إسرائيل، وعلى جميع الموجودين في زمانهم.
وحيث انتهى الخطاب إلى تذكر ظاهر النعمة بعد التذكير بباطن الفضيلة، لم يبق وراء ذلك إلا التهديد بوعيد الآخرة؛ عطفا على تهديد تقتضيه الأفهام بتغيير ما بقي عليهم من النعمة في الدنيا، فكان مفهوم الخطاب: فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصاب المؤاخذين في الدنيا - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: والنفس لكل امرئ لزمته نفاسة على غيره، فهؤلاء الذين، لا يغني بعضهم عن بعض، بخلاف من آثر غيره وذهبت نفاسة نفسه، فإنه يغني عمن دونه بالشفاعة والإحسان في الدنيا والآخرة؛ وفيه إعلام بأن ضعة النفس مبدأ التوفيق،
стр. 189
ونفاستها مبدأ الخذلان: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فذل العبد - بالضم - لله، وذله - بالكسر - لعباد الله بشرى فوزه، وإعراضه عن ذكر الله، وصعر خده للناس نذارة هلاكه - انتهى.
﴿شَفَاعَةٌ﴾ وهي من الشفع، وهو إرفاد الطالب بتثنية الرغبة له فيما رغب فيه، ليصير كالإمام له في وجهة حاجته - قاله الْحَرَالِّي.
﴿عَدْلٌ﴾ وهو ما يعدل الشيء، ويكون معه كالعدلين المتكافئ القدر على الحمولة، فكأن العدل - بالكسر - في الشيء المحسوس، والعدل - بالفتح - في الشيء المعقول، وكذلك عادة العرب، تفرق بين ما في الحس وما في المعنى بعلامة إعراب في ذات نفس الكلمة، لا في آخرها - قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ والنصر تأييد المقاوم في الأمر بما هو أقوي من مقاومة، وهما طرفان ليصير كالمتقدم له بحكم استقلاله فيما يتوقع عجز المنصور فيه - قاله الْحَرَالِّي.
قال الْحَرَالِّي: ولما كانت أسباب النجاة للمرء بأحد ثلاث: إما شفاعة من فوقه في العلم والفضل، وإما نصرة من فوقه في الأيد والقوة، وإما فكاك من يده لنفسه؛ إذ من هو مثله لايغني، وأحرى من هو دونه - استوفى الخطاب جميع
стр. 190
الوجوه الثلاثة ليسد على ذي النفس المستمسك بنفاسته جميع الوجوه الثلاثة من الشفاعة والفدية والنصرة - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: ولما استوفى خطاب النداء لهم وجهي التذكير بأصل فضيلة النفس الباطنة بالوفاء، وغرض النفس الظاهر في النعمة والرئاسة، جاء ما بعد ذلك من تفاصيل النعم عطفا من غير تجديد نداء إلى منتهى خاتمة الخطاب معهم، حيث ثنى لهم الخطاب الأدنى بالتذكير بالنعمة ختما لمتسق خطابه بما تضمنه تذكيرهم بتكرار قوله: " وإذ ا، وإذ" واحدة بعد أخرى، إلى جملة منها، ولما ذكرهم بالنعمة الظاهرة، فانتبه من تداركته الهداية، وتمادى من استحق العقوبة، ذكر أهل الاستحقاق بما عوقبوا به بما يستلزمه معنى النجاة، وبما فسره مما أخذوا به على ذنوب تشاكل ما هم عليه في معاندتهم القرآن، فحين لم ينفع فيهم التذكيران: بالعهد والنعمة، هددوا بتقريرهم على مواقع ما أصيبوا به من البلاء من عدوهم لما اقترفوه من ذنوبهم. ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾.
فكان في تكذيبهم بالرسالة الأولى، وشكهم ما أصابهم من العقوبة من آل فرعون، حتى أنقذهم الله بموسى، ﵇، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ﴾ أي واذكروا إذ ﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾ وهو من التنجية، وهي تكرار النجاة، والنجاة معناه رفع على النجوة، وهو المرتفع من الأرض، الذي هو مخلص مما ينال من في الوهاد وخبت الأرض من هلاك بسيل ماء ونحوه، ﴿مِنْ آلِ﴾ آل الرجل من تبدو فيهم أحواله
стр. 191
وأعماله وأفعاله، حتى كأنهم هو في غيبته، من معنى آل الذي هو السراب الذي يظهر فيه ما بعد، ويتراءى مالم يكن يرى لولاه، ﴿فِرْعَوْنَ﴾ اسم ملك مصر في الجاهلية، علم جنس لملوكها، بمنزلة أسماء الأجناس في الحيوان وغيره - انتهى.
﴿يُذَبِّحُونَ﴾ من التذبيح، وهو تكرار الذبح، والذبح قطع بالغ في العنق. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَيَسْتَحْيُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الاستحياء، وهو استبقاء الحياة. ﴿نِسَاءَكُمْ﴾ من معنى الاتخاذ للتأهل الملابس في معنى ما جرى منه اشتقاق الإنس والإنسان والنسوة، باشتراكها في أحد الحروف الثلاثة؛ من الهمزة، أو الواو، أو الياء، مع اجتماعها في النون والسين - انتهى.
﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: البلاء: الاختبار، وهو إبداء خبرة الشيء بشدة ومحنة، وفيه إشعار باستحقاقهم ذلك واستصلاحهم بشدته، دون ما هو أيسر منه، وذكره بالعظم لشياعه في الأجسام والأنفس والأرواح، وذكر معنى النجاة، ثم فصله تفصيلا لكيفيته بعد ذلك؛ تعدادا لنعمة النجاة التي هي تلو رحمة الإنعام، التي هي تلو رفعة التقدم بالعهد، فانتهى الخطاب نهايته في المعنى، يعني فلما قررهم، تعالى، على ما اقترفوه، قبل موسى، ﵇، حين أصابهم من آل فرعون ما أصابهم، استجد لهم تذكيرا بنعمة نجاة من عقوبة مقدم أعمالهم - انتهى.
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾ من الفرق، وهو إفراج الواحد لحكمة إظهار التقابل - قاله الْحَرَالِّي.
﴿بِكُمُ الْبَحْرَ﴾
قال الْحَرَالِّي: هو المتسع الرحب البراح مما هو ظاهر كالماء،
стр. 192
ومما هو باطن كالعلم الذي منه الحبر، تشاركا بحروف الاشتقاق في المعنى. ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ من الإنجاء، وهو الإسراع في الرفعة عن الهلاك إلى نجوة الفوز - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وجعل البحر مفروقا بهم كأنهم سبب فرقه، فكأن نجاتهم هي السبب، وضرب موسى، ﵇، بالعصاة هي الأمارة والعلامة التي انفلق البحر عندها بسببهم، وجعل النجاة من بلاد فرعون تنجية لما كان على تدريج، وجعل النجاة من البحر إنجاء لما كان وحيا في سرعة وقت - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: ﴿وَأَغْرَقْنَا﴾ من الغرق، وهو البلاغ في الشيء إلى غايته بحسبه، فإن كان في الهلاك فهو غاية، وظهر معناه في الماء والبحر لبعد قعره، وهو في الماء بمنزلة الخسف في الأرض؛ والنظر: التحديق للصورة من غير تحقق ولا بصر - انتهى.
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وقررهم على نظرهم إليهم، وفيه إشعار بفقد بصرهم لضعف بصائرهم، من حيث لم يقل: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ولذلك عادوا بعدها إلى أمثال ما كانوا فيه من الشك والإباء على أنبيائهم بعد ذلك - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: لما ذكرهم، تعالى، بأمر الوفاء بالعهد الذي هو خاتمة أمرهم، وبالتفضيل الذي كان بادية أمرهم، نظم ذلك بالأمر المتوسط بين الطرفين، الذي أعلاه مواعدة موسى، ﵇، ربه الذي النعمة عليه نعمة عليهم، فقال: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ من الوعد، وهو الترجية بالخير. ﴿وَوَاعَدْنَا﴾ من المواعدة، وهي التقديم في اللقاء والاجتماع والمفاوضة ونحوه. ﴿مُوسَى﴾ كلمة معربة من لفظ العبراني بما تفسيره - فيما يقال - ماء وشجر، سمي به لما أودع فيه من التابوت المقذوف
стр. 193
في اليم. ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ هي كمال وقت الليل، والليل وقت انطماس المدركات الظاهرة - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وفيه إشعار بأن المناجاة إنما يتهيأ لها لميقات حبس النفس عما به قوامها، وكمال ذلك إنما هو الصوم، وكمال العدد الذي هو طور مصير من حال إلى حال، وهو الأربعون، وذكر الميقات بالليالي يشعر أن مناجاته صباح من ظلمة الكون، في حال خصوص الخلقة، من حيث إن الظلمة آية على فوت مرام نور الحق، والنهار آية على ظهور نور الحق، وأول باد بدأ من الحق للخلق كلامه لمصطفى من خلقه بغير واسطة، وهو بعد في دنياه، وفي أرضه التي كانت سجنا، فلما جاءها الحق لعبد من عبيده مناجيا له، كما ياتيها يوم الجزاء بعد البعث، صارت موطن رحمة وهدى ونرر، وهو مجيئ الله، سبحانه، من سيناء المذكور في الكتاب الأول - انتهى.
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الاتخاذ، وهو افتعال مما منه المواخذة، كأنه الوخذ، وهو تصيير في المعنى نحو الأخذ في الحس، وفيه تكلف. ﴿الْعِجْلَ﴾ وذكر في هذا التقرير أصل المواعدة، وذكر الميقات، وتجاوز الخطاب ما بعد ذلك من مهل، حسبما تفهمه كلمة "ثم". فاقتضى إفهام ذلك ما نالوه من الخير، ثم تعقبوا ذلك بالتزام عادتهم في معاودة ما اعتادوه من أعمالهم إلى أدنى عمل من لا عقل له، ولا بقية نظر له، من اتخاذ جسد عجل إلها، بعد معرفة آثار الإلهية على الغيب، ففيه تعجيب من أن موسى، ﵇، إنما واعده الله بالمناجاة بعد ميقات أربعين صوما ونسكا وتحنتا
стр. 194
وانقطاعا إلى ربه، ثم يرونهم أنهم شهدوا الإله مصورا محسوسا، على أن موسى الذي ناجاه ربه منع الرؤية، فكيف بهم؟! وذلك هو ظلمهم، فوضعوا الإله محل الشيء المحسوس، وهو، تعالى، قد تعالى عن أن يراه صفيه الذي ناجاه في دنياه، وإنما ناجاه بعد ميقاته، وهم يهمون في تأله مرئي من غير مواعدة ولا اختصاص! وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد إتيانه لميعادنا إضمار لذكر موسى، ﵇، تقريرا لما كان ينبغي أن يكونوا عليه من الارتقاب لما يأتيهم به موسى من فوائد المناجاة، كما يكون من تعلق قلبه بمن هو قدوته، والبعد بعد عن حد يتخذ مبدأ، ليكون سابقه قبل، ولا حقه بعد - انتهى.
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا﴾
وقال الْحَرَالِّي: ثم تجاوز الخطاب ما أصابهم من العقوبة على اتخاذهم إلى ذكر العفو تقريرا على تكرر تلافيهم حالا بعد حال، وقتا بعد وقت، كلما أحدثوا خطيئة تداركهم منه عفو، وخصه باسم العفو لما ذكر ذنوبهم، لأن المغفور له لا يذكر ذنبه، فإن العفو رفع العقوبة دون رفع ذكرها، والغفر إماتة ذكر الذنب مع رفع العقوبة. - انتهى.
وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي الذنب العظيم، إشعار بما أصابهم من العقوبة،
стр. 195
وخطاب لبقية المعفو عنهم، لينتهي الأمر فيهم إلى غاية يترجى معها لبقيتهم الشكر. قاله الْحَرَالِّي.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو ظهور بركة الباطن على الظاهر، يقال: دابة شكور، إذا أنجح مأكلها بظهور سمنها، وفيه إشعار بأن منهم من يشكر، وفيهم من يتمادى، بما في ترجي كلمة ﴿لَعَلَّ﴾ من الإبهام المشعر بالقسمين، والمهيئ لإمكان ظهور الفريقين، حتى يظهر ذلك لميقاته، لأن كل ما كان في حق الخلق تردداً، فهو من الله، سبحانه، إبهام لمعلومه فيهم، على ذلك تجري كلمة لعل وعسى ونحوها - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: لما ذكر، تعالى، أمر موسى، ﵇، وهو خاص أمرهم، فصل لهم أمر ما جاء به موسى وما كان منهم فيما جاء به - انتهى.
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾
قال الْحَرَالِّي: فقررهم على أمرين: من الكتاب الذي فيه أحكام الأعمال، والفرقان الذي فيه أمر العلم، وهما ملاك حال إقامة الدين بالعلم والعمل. "وَالْفُرْقَانَ": فعلان لفظ مبالغة، يفهم استغراقا وامتلاء وعظما فيما استعمل فيه، وهو في هذا اللفظ من الفرق، وهو إظهار ما ألبسته الحكمة الظاهرة للأعين بالتبيان لفرقان لبسه بما تسمعه الأذن، وجاء فيه بكلمة "لعل" إشعارا بالإبهام في أمرهم، وتفرقتهم بين مثبت لحكم الكتاب
стр. 196
عامل به، عالم بطية الفرقان خبير به، وبين تارك لحكم الكتاب، غافل عن علم الفرقان - انتهى.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾
قال الْحَرَالِّي: لما تكمل إقبال الخطاب عليهم مرات؛ بما تقدم من ندائهم والعطف على ما في صلته، صرف الحق وجه الخطاب عنهم إلى ذكر خطاب نبيه، ﷺ ، لهم، فإن الله يخاطب العباد بإسقاط الواسطة بينه وبينهم، ترفيعا لأقدارهم لديه، فيرفع من شاء فيجيبه بما شاء، ويوقف من شاء، فيجعل بينه وبينه في الخطاب واسطة من نبيه، فلما قررهم بما مضى من التذكير على ما واجههم به الحق، تعالى، ذكر في هذه الآية تقريرهم على ما خاطبهم به نبيهم، حين أعرض الحق عن خطابهم بما أصابوه من قبيح خطيئتهم - انتهى.
﴿لِقَوْمِهِ﴾ والقوم،
قال الْحَرَالِّي: اسم من لهم منة في القيام بما هم مذكورون به، ولذلك يقابل بلفظ النساء، لضعفهن فيما يحاولنه، وفيه تخويف لهذه الأمة أن يصيبهم مثل ما أصابهم في خطاب ربهم، فيعرض عنهم - انتهى.
﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ هذا هو أسوأ الظلم، فإن المرء لا يصلح أن يتذلل ويتعبد لمثله، فكيف لمن دونه من حيوان، فكيف بما يشبه الحيوان من جماد الذهب، الذي هو من المعادن، وهو أخفض المواليد رتبة، حين لم تبلغها حياتها أن تبدو فوق الأرض، كالنبات من النجم والشجر، ولما فيه من الانتفاع بما يكون
стр. 197
من الحب والثمر الذي ينتفع به غذاء ودواء، والمعادن لا ينتفع بها إلا آلات ونقودا، منفعتها إخراجها لا إثباتها - قاله الْحَرَالِّي.
﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾
وقال الْحَرَالِّي: البارئ: اسم قائم بمعنى البرء، وهو إصلاح المواد للتصوير، كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله خفا وقميصا، وكالذي يطحن القمح، ويعجن الطين ليجعله خبزاً وفخارا ونحو ذلك، ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته انتهى.
﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: والقتل قصل الحيوان قبل انتهاء قوته، بمنزله قصل الزرع قبل استحصاده - انتهى.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ والخير.
قال الْحَرَالِّي: ما يصلح في الاختيار من محسوس الأشياء، وما هو الأصلح وما هو الأخير، وربما استعملت منه خير محذوفة، فيقال: هو خير في نفسه، أي مما يختار، ويقال: هذا خير من هذا، أي أخير منه، أي أصلح في الاختيار، وكذلك لفظ شر في مقابله، وهما مشعران بمتوسط من الأشياء، لا يختار لأجل زيادة صلاح، ولا يطرح لأجل أذى ولا مضرة: "عند" كلمة تفهم اختصاص ما أضيفت إليه بوجه ما عام، وأخص منه لدن، فلدن خاصتها، وعند عامتها، كالذي يملك الشيء، فهو عنده، وإن لم يكن في حضرته - انتهى.
﴿هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفي إظهار هو مفصولة من ضمير
стр. 198
وصلها إثبات معنى الرحمة لله ثبتا لا يتبدل ولا يتغير، إلا أنه من وراء غيب ما شاء الله من أدب وامتحان وعقاب، فلذلك ختمه باسمه الرحيم، لأن الختم أبدى إظهار للمعنى الأخفى من مضمون ما فيه الختم - انتهى.
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ لن: وهي كلمة تفهم نفي معنى باطن، كأنها "لا أن" يسر بالتخفيف لفظها. قاله الْحَرَالِّي.
قال الْحَرَالِّي: وجاء باللام لأنهم قد كانوا آمنوا به، فتوقفوا عن الإيمان له الذي يتعلق بأمور من تفاصيل ما يأتيهم به، فمن آمن لأحد فقد آمن بأمور لأجله، ومن آمن يه فقد قبل أصل رسالته. ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿حَتَّى﴾ كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها، مقابل معنى لكن.
﴿نَرَى﴾ من الرؤية، وهي اطلاع على باطن الشيء الذي أظهر منه مبصره، الذي أظهره منه منظره، ومنه يقال في مطلع المنام: رؤيا، لأن ذوات المرئي في المنام هي أمثال باطنه في صورة المنظور إليه في اليقظة - انتهى.
﴿اللَّهَ جَهْرَةً﴾
قال الْحَرَالِّي: من الجهر، وهو الإعلان بالشيء إلى حد الشهرة وبلاغه لمن لا يقصده، قي مقابلة السر المختص بمن يقصد به، وهذا المطلوب مما لا يليق بالجهر، لتحقق اختصاصه بمن يكشف له الحجاب من خاصة من يجوزه القرب، من خاصة من يقبل عليه النداء، من خاصة من يقع عنه الإعراض، فكيف أن يطلب ذلك جهرا، حتى يصله من هو في محل البعد والطرد! وفيه شهادة بتبلدهم عن
стр. 199
موقع الرؤية، فإن موسى، ﵇، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾ وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقال، ﵊: "إنكم ترون ربكم" فالاسم المذكور لمعنى الرؤية إنما هو الرب، لما في اسم ﴿الله﴾، تعالى، من الغيب الذي لا يذكر لأجله إلا مع ما هو فوت، لا مع ما هو في المعنى نيل. وذلك لسر من أسرار العلم بمواقع معاني الأسماء الحسنى، فيما يناسبها من ضروب الخطاب والأحوال والأعمال، وهو من أشرف العلم الذي يفهم به خطاب القرآن، حتى يضاف لكل اسم ما هو أعلق في معناه وأولى به، وإن كانت الأسماء كلها ترجع معاني بعضها لبعض.
﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾ من الأخذ، وهو تناول الشيء بجملته بنوع بطش وقوة - انتهى.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: من البعث، وهو الاستثارة من غيب وخفاء؛ أشده البعث من القبور، ودونه البعث من النوم.
قال: وتجاوز الخطاب ما كان من سبب بعثهم، وكذلك كل موضع يقع فيه "ثم"، ففيه خطاب متجاوز مديد الأمد، كثير رتب العدد، مفهوم لمن استوفى
стр. 200
مقاصد ما وقعت كلمة "ثم" بينه في الكلامين المتعاطفين؛ ففي معنى التجاوز من الخطاب سؤال موسى، ﵇، ربه في بعثهم، حتى لا يكون ذلك فتنة على سائرهم - انتهى.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: وفي "لعل" إبهام معلومه فيهم بأن منهم من يشكر، ومنهم من لا يشكر - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وفيه، أي هذا الخطاب، آية على البعث الآخر الذي وعد به جنس بني آدم كلهم؛ فجأة صعق وسرعة بعث، فإن ما صح لأحدهم ولطائفة منهم أمكن عمومه في كافتهم - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: وعطف، تعالى، على ذكر البعث ذكر حال من مثل أحوال أهل الجنة الذي ينالونه بعد البعث، فكأن عامتهم الذين لم يموتوا إنما شركوا هؤلاء المبعوثين، لكونهم كأنهم ماتوا بموتهم، وبعثوا ببعثهم، فذكر ظل الغمام، وهر من أمر مابعد البعث، والإرزاق بغير كلفة، وهو من حال ما بعد البعث، وأفهم ذلك أموراً أخر في أحوالهم، كما يقال إن ملابسهم كانت تطول معهم كلما طالوا، فكأنهم أخرجوا من أحوال أهل الدنيا بالجملة، إلى شبه أحوال أهل الجنة، في محل تيههم ومستحق منال العقوبة لهم، كل ذلك إنعاما عليهم، ثم لم يزيدوا مع ذلك إلا بعداً عن التبصرة في كل ما أبدى لهم من العجائب: "حدث عن بني إسرائيل ولا حرج فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا﴾ من الظلمة وهي وقاية مما ينزل من سماء
стр. 201
الموفي. ﴿عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ من الغم، وهو ما يغم النور أي يغطيه - انتهى.
﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾
قال الْحَرَالِّي: هو ما جاء بغير كلفة؛ الكمأة من المن. ﴿وَالسَّلْوَى﴾
قال الْحَرَالِّي: والسلوى اسم صنف من الطير، يقال هو السماني أو غيره - انتهى.
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾
قال الْحَرَالِّي: والطيب ما خلص من منازع يشارك فيه وطيبه من سوى الأكل له، أي لم ينازعه وليس فيه حق لغيره، ومنه الطيب في المذاق، وهو الذي لا ينازعه تكره في طعمه؛ وهذا زاد على ذلك بكونه لم يكن عن عمل حرث ولا معاملة مع خلق - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: ثم أعرض بالخطاب عنهم، وأقبل به على محمد، ﷺ ، ومن معه - انتهى.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
قال الْحَرَالِّي: وفيه إشعار بتحذير هؤلاء أن يروا نحواً مما رأوا، فينالهم نحو مما نالوه، لأن قصص القرآن ليس مقصوده مقصوراً على ذكر الأولين فقط، بل كل قصة منه إنما ذكرت لما يلحق هذه الأمة في أمد يومها من شبه أحوال من قص عليهم قصصه انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: لما ذكر، تعالى، عظيم فضله عليهم في حال استحقاق عقوبتهم في تظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وهو مبتدأ أمر تيههم، حين أبوا أن يقاتلوا الجبارين - نظم به آخر أمر تيههم بعد وفاة موسى وهارون، ﵉، حين دخولهم مع يوشع، ﵇، وما أمروا به من دخول البلد المقدس، متذللين بالسجود الذي هو أخص رتب العبادة، وكمال عمل العامل، ودنو من الحق - انتهى.
стр. 202
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾
قال الْحَرَالِّي: الدخول الولوج في الشيء بالكلية حسا بالجسم، ومعنى بالنظر والرأي، والقرية من القرى، وهو الجمع للمصالح التي بها يحصل قوام الدنيا لقرى أهل الدنيا، والتي تجمع مصالح أهل الآخرة، لقرى أهل الآخرة، قال، ﵇: "أمرت بقرية تأكل القرى" باستيطانها، كأنها تستقري القرى تجمعها إليها، وقد تناوبت الياء والهمزة، والواو مع القاف والراء على عام هذا المعنى - انتهى.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾
قال الْحَرَالِّي: وفيه أي هذا الخطاب تثنية في ذكر الأرض، لما تقدم من نحوه لآدم في السماء، فكان تبديلهم لذلك عن فسق لا عن نسيان، كما كان أمر آدم، ﵇، فكأنهم اقتطعوا عن سنته إلى حال الشيطان الذي ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ فتحقق ظلمهم حين لم يشبهوا آباءهم وأشبهوا عدو أبيهم وعدوهم - انتهى.
﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ وهو كما
قال الْحَرَالِّي: أول مستفتح الأشياء والأمور المستغلقة حسا أو معنى.
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الحط، وهو وضع الحمل الثقيل بمنة وجمام قوة يكون في الجسم، والمعنى: أمروا بقول ما يحط عنهم ذنوبهم التي عوقتهم من رسول الله، ﷺ ، مع من معه من المهاجرين والأنصار بشعب من الشعاب، متردداً بين الحرمين الشريفين - يعني في عمرة الحديبية - فقال: قولوا: لا إله إلا الله - وعند ذلك دخول الشعب الذي هو باب المدخل من نجد الأرض إلى سهلها - فقالوها،
стр. 203
فقال: والذي نفسي بيده، إنها للحظة التي عرضت على بني إسرائيل أن يقولوها فبدلوها - انتهى.
﴿يَغْفِرُ﴾ والغفر،
قال الْحَرَالِّي: ستر الذنب أن يظهر منه أثر على المذنب، لا عقوبة ولا ذكر، ثم قال: ففي قراءة ﴿نَغْفِرْ﴾ قول من الحق ومن هو من حزبه من الملائكة والرسل، وفي قراءة: ﴿تَغْفِرْ﴾ إبلاغ أمر خطابهم بما يفهمه التأنيث من نزول القدر، وفي قراءة الياء توسط بين طرفي ما يفهمه علو قراءة النون، ونزول قراءة التاء، ففي ذلك بجملته إشعار بأن خطاياهم كانت في كل رتبة مما يرجع إلى عبادة ربهم وأحوال أنفسهم ومعاملتهم مع غيرهم من أنبيائهم وأمثالهم، حتى جمعت خطاياهم جميع جهات الخطايا الثلاث، فكأنهم ثلاثة أصناف: صنف بدلوا، وصنف اقتصدوا، وصنف أحسنوا، فيزيدهم الله مالا يسعه القول: و ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. انتهى.
﴿خَطَايَاكُمْ﴾ والخطايا جمع خطيئة، من الخطأ، وهو الزلل عن الحد عن غير تعمد، بل مع عزم الإصابة، أو ود أن لا يخطىء - هكذا
قال الْحَرَالِّي.
﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾
قال الْحَرَالِّي: جمع محسن، من الإحسان وهو البلوغ إلى الغاية في حسن العمل، فيكون مع الخلق رؤية المرء نفسه في غيره، فيوصل له من البر ما يجب أن يفعل معه، ورؤية العبد ربه في عبادته، فالإحسان فيما بين العبد وربه أن يغيب عن نفسه، ويرى ربه، والإحسان فيما بين العبد وغيره أن يغيب عن
стр. 204
غيره ويري نفسه، فمن رأى نفسه في حاجة الغير، ولم ير نفسه في عبادة الرب فهو محسن، وذلك بلوغ في الطرفين إلى غاية الحسن في العمل بمنزلة الحسن في الصورة - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: أمروا بالإخلاص لله نظرا إلى حياة قلوبهم، فطلبوا الحنطة، نظرا إلى حياة جسومهم، فقال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ﴾ من التبديل، وهو تعويض شيء مكان شيء - انتهى.
﴿غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فإن غيرا، كما
قال الْحَرَالِّي، كلمة تفهم انتفاء وإثبات ضد ما انتفى. وقال: ذكر، تعالى، عدولهم عن كل ذلك، واشتغالهم ببطونهم وعاجل دنياهم، فطلبوا طعام بطونهم التي قد فرغ منها التقدير، وأظهر لهم الغناء عنها في حال التيه بإنزال المن والسلوى؛ إظهارا لبلادة طباعهم، وغلبة حب العائلة عليهم، فبدلوا كلمة التوحيد، وهي: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وهي الحطة بطلب الحنطة، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما" أعطي السائلين" - انتهى.
стр. 205
﴿رِجْزًا﴾
قال الْحَرَالِّي: هو أشد العذاب، وما جره أيضا يسمى رجزا مما يجب أن يزجر عنه، والزجر كف البهائم عن عدواها - انتهى.
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: فبحق يجب على من دخل من باب جبل أو قرية أن يقول في وصيدها: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ليحط عنه ماضي ذنوبه، فكأن ذكر الله في باب المدينة والشعب ذكاة لذلك المدخل، فمن لم يدخله مذكيا دخله فاسقا. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فلذلك ما انختم ذكرهم في الآية بالفسق انتهى.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى﴾
قال الْحَرَالِّي: والسقيا فعلى صيغة مبالغة، فيما يحصل به الري من السقي، والسقي إحياء موات شأنه أن يطلب الإحياء حالا أو مقالا، قال، ﷺ : "اللهم اسق عبادك"! ثم قال: "وأحي بلدك الميت" - انتهى.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الضرب، وهو وضع الشيء على الشيء بقوة، ﴿بِعَصَاكَ﴾ والعصا كأنها ما يكف به العاصي، وهو من ذوات الواو، والواو فيه إشعار بعلو، كأنها آلة تعلو من قارف ما تشعر فيه الياء بنزول عمله بالمعصية، كأن العصو أدب العاصي، يقال عصا يعصو أي ضرب بالعصا؛ اشتقاق ثان، وعصى يعصي إذا خالف الأمر - انتهى.
стр. 206
﴿فَانْفَجَرَتْ﴾
قال الْحَرَالِّي: الانفجار انبعاث وحي من شيء موعي، أو كأنه موعى انشق وانفلق عنه وعاؤه، ومنه الفجر وانشقاق الليل عنه - انتهى.
﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ والعين،
قال الْحَرَالِّي: هو باد نام قيم يبدو فيه غيره فما أجزأ من الماء في ري أو زرع فهو عين، وما مطر من السماء فأغنى فهو عين، يقال إن العين مطر أيام لايقلع، وإنما هو مطر يغني وينجع، وما تبدو به الموزونات عين، وما تبدو به المرئيات من الشمس عين، وما تنال به الأعيان من الحواس عين، والركية، وهي بئر السقيا، عين، وهي التي يصحفها بعضهم فيقول "الركبة" بالباء يعني الموحدة - وإنما هي الركية - بالياء المشددة - كذا قال.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو اسم جمع من الأنس - بالضم - كالناس اسم جمع من النوس، قال: فلم يسمهم باسم من أسماء الدين، لأن الأسماء تجري على حسب الغالب على المسمين بها، من أحوال تدين أو حال طبع أو تطبع، ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ مكتفاهم من الشرب المردد مع الأيام ومع الحاجات في كل وقت بما يفهمه المفعل، اسم مصدر ثان مشتق من مطلق الشرب، أو اسم محل يلزمه التكرار عليه والتردد، فجعل، سبحانه، سقياهم آية من آياته في عصاه، كما كانت آيته في عصاه على عدوه الكافر، فكان فيها نقمة ورحمة، وظهر بذلك كمال تمليكه تعالى لمحمد، ﷺ ، حين كان ينبع من بين أصابعه الماء غنيا في نبوعه عن آلة ضرب أو حجر، وتمليك الماء من أعظم التمكين، لأنه تمكين فيما هو بزر كل شيء، ومنه كل حي، وفيه كل مجعول ومصور - انتهى.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: لما لم يكن في مأكلهم ومشربهم جري العادة حكمته في الأرض، فكان من غيب، فأضيف ذكره لاسم الله الذي
стр. 207
هو غيب. ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ من العثو، وهو أشد الفساد، وكذلك العثي، إلا أنه يشعر هذا التقابل بين الواو والياء، أن العثو إفساد أهل القوة بالسطوة، والعثى إفساد أهل المكر بالحيلة - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وفيه إشعار بوقوع ذلك منهم، لأن في كل نهى إشعارا بمخالفته، إلا ما شاء الله، وفي كل أمر إشعارا بموافقته إلا ما شاء الله، لأن ما جبل عليه المرء لا يؤمر به؛ لاكتفاء إجباره فيه طبعا عن أمره، وما منع منه لاينهى عنه، لاكتفاء إجباره عن أمره، وإنما مجرى الأمر والنهي توطئة لإظهار الكيان في التفرقة بين مطيع وعاص، فكان منهم لذلك من العثي ما أوجب ما أخبر به الحق عنهم من الهوان، وأشد الإفساد إفساد بنيان الحق الذي خلقه بيده، وهي مباني أجساد بني آدم، فكيف بالمؤمنين منهم؟! فكيف بالأنبياء منهم؟! انتهى.
﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: الطعام ما يقوت المتطعم، ويصير جزاء منه ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ الآية - انتهى.
﴿فَادْعُ لَنَا﴾
قال الْحَرَالِّي: من الدعاء، وهو نداء لاقتضاء غلبة لما تدعو الحاجة إليه من القائم على الداعي بتذلل وافتقار، وهو في مقابلة الأمر من الأعلى، لأنه اقتضاء لما لا تدعو إليه الحاجة من الآمر، لأن الآمر بالحقيقة إنما هو الغني لا المفتقر لما يقتضيه - انتهى.
﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ من الإنبات، وهو التغذية والتنمية. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾
قال الْحَرَالِّي: البقل ما يكثر به الأدم، والأدم الأشياء الدسمة، فما يصلح معها من نجم الأرض فهو بقل - انتهى.
стр. 208
﴿وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾
وقال الْحَرَالِّي: يقال هو الحب الذي يخبر - انتهى.
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾
قال الْحَرَالِّي: المصر هو البلد الجامع لما يتعاون عليه من أمور الدنيا، الذي يجمع هذه المطالب التى طلبوها، لأن ما دون الأمصار لا يكون فيها إلا بعضها، ومنه سميت مصر، لجماع أمر ما في الدنيا فيها، وغرابة سقياها، وإن وافق ذلك ما يقال: إنها سميت مصر باسم رجل، فالوفاق في حكمة الله، لأن كل دقيق وجليل فيها جار بعلم الله وحكمته، حيث كانت من وراء حجاب يخفيها، أو ظاهرة بادية لأهل النظر والاستبصار - انتهى.
﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ والسؤال
قال الْحَرَالِّي: طلب ما تدعو إليه الحاجة، وتقع به الكفاية، قال: وذكر تعالى: أن مطلبهم إنما يجدونه في الأمصار التي أقر فيها حكمته، لا في المفاوز التى تظهر فيها كلمته، ولذلك كثيرا ما تنخرق العادة لأولياء هذه الأمة في المفاوز، وقل ما تنخرق في الأمصار، والقرى، لما في هذه الآية مضمونه، ولذلك حرص السالكون على السياحة والانقطاع عن العمائر، لما يجدون في ذلك من روح رزق الله عن كلمته، دون كلفة حكمته.
ولما نظم سبحانه بنبأ موسى، ﵇، ما كان من نبأهم مع يوشع، ﵇، بعده نظم في هذه الآية بخطاب موسى، ﵇، ما كان منهم بعد يوشع، ﵇، إلى آخر اختلال أمرهم، وانقلاب أحوالهم، من حسن المظاهرة لنبيهم، إلى حال الاعتداء والقتل لأنبيائهم، ﵈، وفي جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم إلا لأجل إيثار الدنيا، [و] رئاستها ومالها، على الآخرة؛ إيثارا للعاجلة على الآجلة، وفي طيه أشد التحذير لهذه الأمة في اتباعهم لسنن أهل الكتاب
стр. 209
في مثل أحوالهم، ولذلك انتظم بها الآية الجامعة، وابتدأ بذكر الذين آمنوا من هذه الأمة، ثم استوفى الملل التي لها صحة على ما يذكر آنفا إن شاء الله تعالى - انتهى.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفي عطفه إفهام لمجاوزة أنباء عديدة، غايتها في الظهور ما عطف عليها، كأن الخطاب يفهم: فأنزلناهم حيث أنزلوا أنفسهم، ومنعناهم ما لا يليق عن حاله مثل حالهم، فظهر منهم وجوه من الفساد، فسلط عليهم العدو فاستأصل منهم ما شاء الله، ومن بقي منهم أخذوا بأنواع من الهوان - انتهى.
﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي ظهور معنى الذل أو التذلل على ظاهر الهيئة والصورة؛ سكونا وانكعاف حراك - انتهى.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: معناه إجماع القاهر على الانتقام في حق مراغمة - انتهى.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفيه تهديد لهذه الأمة بما غلب على أهل الدنيا منهم، من مثل أحوالهم باستبدال الأدنى في المعنى من الحرام، والمتشابه بالأعلى من الطيب والأطيب المأخوذ عفوا واقتناعا - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: ولما كان الغضب إنما يكون على من راغم الجليل في معصيته، ووقعت منه المراغمة في معصيتهم واعتدائهم - ذكر فعلهم - انتهى.
﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: والكفر بالآيات أبعد الرتب من الإيمان، لأنه أدنى من الكفر بالله، لأن الكفر بالله كفر بغيب، والكفر بآيات الله كفر بشهادة، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ - انتهى.
стр. 210
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهذا جمع نبىء، وهو من النبأ، وهو الإخبار عن غيب عجز عنه المخبر به، من حيث أخبر - انتهى.
﴿بِمَا عَصَوْا﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو مخالفة الأمر - انتهى.
﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو أي الاعتداء تكلف العداء، والعداء مجاوزة الحد فيما يفسح فيه إلى حد لاعذر لمجاوره، من حيث فسح له سعة ما فسح، وحد له ما حد - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: لما أنهى الحق، تعالى، نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته؛ مما بين أعلى تكرمتهم بالخطاب الأول، إلى أدنى الغضب عليهم بهذا النبأ الآخر عنهم إعراضا، في مقابلة ذلك الإقبال الأول، وكانوا هم أول أهل كتاب - أشعر، تعالى، بهذا الختم أن جميع من بعدهم يكون لهم تبعا، لنحو مما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة - انتهى.
﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو من الهود، وهو رجوع بالباطن وثبات فيه - انتهى.
﴿وَالنَّصَارَى﴾
قال الْحَرَالِّي: جمع نصران، فإن كان من النصرة فهو فعلان - انتهى.
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾
قال الْحَرَالِّي: بالهمز من: صبأ يصبأ صبأ، وبغير همز من: صبا يصبو صبوا، تعاقبت الهمزة والياء مع الصاد والباء لعام معنى، هو عود إلى حال صغر بعد كبر - انتهى.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو العمل المراعى من الخلل، وأصله الإخلاص
стр. 211
في النية، وبلوغ الوسع في المحاولة بحسب علم العامل وإحكامه، وقال: والعمل ما دبر بالعلم - انتهى.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ من الوثيقة، وهي تثنية العهد تأكيدا كإثباته بالكتاب - قاله الْحَرَالِّي.
﴿بِقُوَّةٍ﴾ والقوة باطن القدرة من القوى، وهي طاقات الحبل التي يمتن بها ويؤمن انقطاعه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ وهو هنا الإعراض المتكلف، بما يفهمه التفعل - قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ والخلف ما يخلفه المتوجه في توجهه، فينطمس عن حواس إقباله شهوده - قاله الْحَرَالِّي.
﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ والعوذ اللجاء من متخوف لكاف يكفيه، والجهل التقدم في الأمور المنبهمة بغير علم. قاله الْحَرَالِّي.
﴿يُبَيِّنْ﴾ من التبيين، وهو اقتطاع الشيء والمعنى مما يلابسه ويداخله. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مَا لَوْنُهَا﴾ واللون تكيف ظاهر الأشياء في العين. قاله الْحَرَالِّي.
﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾
قال الْحَرَالِّي: نعت تخليص للون الأصفر بمنزلة قانيء في الأحمر.
﴿لَا ذَلُولٌ﴾ من الذل، وهو حسن الانقياد. قاله الْحَرَالِّي.
стр. 212
﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي إظهار الشيء من الثري، كأنها تخرج الثرى من محتوى اليبس، ولما كان الذل وصفا لازما عبر في وصفها بانتفائه بالاسم المبالغ فيه.
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، وقال الإمام أبو الحسن الْحَرَالِّي: وفي ذلك تشام بين أحوالهم في اتخاذهم العجل، وفي طلبهم ذلك، وفي كل ذلك مناسبة بين طباعهم وطباع البقرة المخلوقة للكد وعمل الأرض التي معها التعب والذل، والتصرف فيما هو من الدنيا توغلا فيها، وفيه نسمة مطلبهم ما تنبت الأرض الذي هو أثر الحرث، يعني الذي أبدلوا الحطة به، وهو حبة في شعرة، فكأنهم بذلك أرضيون ترابيون، لا تسمو طباع أكثرهم إلى الأمور الروحانية العلوية، فإن جبلة كل نفس تناسب ما تنزع إليه وتلهج به من أنواع الحيوان. ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: قدم نبأ قول موسى، ﵇، على ذكر تدارؤهم في القتيل، ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع، الذي هو القائم على أفعال الاعتداء، وأقوال الخصومة - انتهى.
﴿كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ "أو"
قال الْحَرَالِّي: هي كلمة تدل على بهم الأمر وخفيته، فيقع الإبهام والإيهام - انتهى.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ والتفعل من التشقق، وهو تفعل صيغة التكلف من الشق، وهو مصير الشيء في الشقين، أي ناحيتين متقابلتين. قاله الْحَرَالِّي.
стр. 213
﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: والحشية: وجل نفس العالم مما يستعظمه.
﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الفرق وهو اختصاص برأي وجهة عمن حقه أن يتصل به ويكون معه - انتهى.
﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ والكلام:
قال الْحَرَالِّي: هو إظهار ما في الباطن على الظاهر، لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء الإظهار - انتهى.
﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ﴾ والفتح:
قال الْحَرَالِّي: توسعة الضيق حسا ومعنى.
﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ وهي تقدير الوقوع فيما يترامى إليه الأمل، ويقال: إن معناه يجري في التلاوة للفظ كأنها تقدير بالإضافة لمن يتحقق له المعنى. قاله الْحَرَالِّي.
﴿فَوَيْلٌ﴾ والويل جماع الشر كله. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: والكسب ما يجري من الفعل والقول والعمل والآثار، على إحساس بمنة فيه وقوة عليه - انتهى.
﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾
قال الْحَرَالِّي: والعد اعتبار الكثرة بعضها ببعض، واقتصر على الوصف بالمفرد لكفايته في هذا المعنى، بخلاف ما في آل عمران.
﴿بَلَى﴾ فإن بلى كلمة تدل على تقرير يفهم من إضراب عن نفي، كأنها بل، وصلت بها الألف إثباتا لما أضرب عن نفيه - قاله الْحَرَالِّي.
[انتهت نصوص تفسير الْحَرَالِّي المستخرجة من الجزء الأول من تفسير البقاعي]
"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"
من مطبوعات دائرة المعارف العثمانية بالهند، ١ ٤ ٣
ط ١ - ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م
стр. 214
نصوص تفسير الْحَرَالِّي المفقود
المستخرجة من الجزء الثاني من تفسير البقاعي
"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"
стр. 215
بداية نصوص تفسير الْحَرَالِّي
المستخرجة من الجزء الأول من تفسير البقاعي
٦"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"
* * *
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
قال الْحَرَالِّي: تثنية والد، من الولادة، لاستبقاء ما يتوقع ذهابه بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه - انتهى.
﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾
قال الْحَرَالِّي: واليتم فقد الأب حين الحاجة، ولذلك أثبته مثبت في الذكر إلى البلوغ، وفي البنت إلى الثيوبة، لبقاء حاجتها بعد البلوغ، ﴿الْقُرْبَى﴾ فعلى من القرابة، وهو قرب في النسب الظاهر أو الباطن - انتهى.
﴿مِنْ دِيَارِكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: وأصلها ما أدارته العرب من البيوت كالحلقة، استحفاظا لما تحويه من أموالها - انتهى.
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ والإقرار إظهار الالتزام بما خفي أمره - قاله الْحَرَالِّي.
﴿تَظَاهَرُونَ﴾ من التظاهر وهو تكلف المظاهرة، وهي تساند القوة، كأنه استناد ظهر إلى ظهر - قاله الْحَرَالِّي.
следующие страницы →