Полный текст (573 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
في النية، وبلوغ الوسع في المحاولة بحسب علم العامل وإحكامه، وقال: والعمل ما دبر بالعلم - انتهى.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ من الوثيقة، وهي تثنية العهد تأكيدا كإثباته بالكتاب - قاله الْحَرَالِّي.
﴿بِقُوَّةٍ﴾ والقوة باطن القدرة من القوى، وهي طاقات الحبل التي يمتن بها ويؤمن انقطاعه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ وهو هنا الإعراض المتكلف، بما يفهمه التفعل - قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ والخلف ما يخلفه المتوجه في توجهه، فينطمس عن حواس إقباله شهوده - قاله الْحَرَالِّي.
﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ والعوذ اللجاء من متخوف لكاف يكفيه، والجهل التقدم في الأمور المنبهمة بغير علم. قاله الْحَرَالِّي.
﴿يُبَيِّنْ﴾ من التبيين، وهو اقتطاع الشيء والمعنى مما يلابسه ويداخله. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مَا لَوْنُهَا﴾ واللون تكيف ظاهر الأشياء في العين. قاله الْحَرَالِّي.
﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾
قال الْحَرَالِّي: نعت تخليص للون الأصفر بمنزلة قانيء في الأحمر.
﴿لَا ذَلُولٌ﴾ من الذل، وهو حسن الانقياد. قاله الْحَرَالِّي.
стр. 212
﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي إظهار الشيء من الثري، كأنها تخرج الثرى من محتوى اليبس، ولما كان الذل وصفا لازما عبر في وصفها بانتفائه بالاسم المبالغ فيه.
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، وقال الإمام أبو الحسن الْحَرَالِّي: وفي ذلك تشام بين أحوالهم في اتخاذهم العجل، وفي طلبهم ذلك، وفي كل ذلك مناسبة بين طباعهم وطباع البقرة المخلوقة للكد وعمل الأرض التي معها التعب والذل، والتصرف فيما هو من الدنيا توغلا فيها، وفيه نسمة مطلبهم ما تنبت الأرض الذي هو أثر الحرث، يعني الذي أبدلوا الحطة به، وهو حبة في شعرة، فكأنهم بذلك أرضيون ترابيون، لا تسمو طباع أكثرهم إلى الأمور الروحانية العلوية، فإن جبلة كل نفس تناسب ما تنزع إليه وتلهج به من أنواع الحيوان. ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: قدم نبأ قول موسى، ﵇، على ذكر تدارؤهم في القتيل، ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع، الذي هو القائم على أفعال الاعتداء، وأقوال الخصومة - انتهى.
﴿كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ "أو"
قال الْحَرَالِّي: هي كلمة تدل على بهم الأمر وخفيته، فيقع الإبهام والإيهام - انتهى.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ والتفعل من التشقق، وهو تفعل صيغة التكلف من الشق، وهو مصير الشيء في الشقين، أي ناحيتين متقابلتين. قاله الْحَرَالِّي.
стр. 213
﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: والحشية: وجل نفس العالم مما يستعظمه.
﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الفرق وهو اختصاص برأي وجهة عمن حقه أن يتصل به ويكون معه - انتهى.
﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ والكلام:
قال الْحَرَالِّي: هو إظهار ما في الباطن على الظاهر، لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء الإظهار - انتهى.
﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ﴾ والفتح:
قال الْحَرَالِّي: توسعة الضيق حسا ومعنى.
﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ وهي تقدير الوقوع فيما يترامى إليه الأمل، ويقال: إن معناه يجري في التلاوة للفظ كأنها تقدير بالإضافة لمن يتحقق له المعنى. قاله الْحَرَالِّي.
﴿فَوَيْلٌ﴾ والويل جماع الشر كله. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: والكسب ما يجري من الفعل والقول والعمل والآثار، على إحساس بمنة فيه وقوة عليه - انتهى.
﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾
قال الْحَرَالِّي: والعد اعتبار الكثرة بعضها ببعض، واقتصر على الوصف بالمفرد لكفايته في هذا المعنى، بخلاف ما في آل عمران.
﴿بَلَى﴾ فإن بلى كلمة تدل على تقرير يفهم من إضراب عن نفي، كأنها بل، وصلت بها الألف إثباتا لما أضرب عن نفيه - قاله الْحَرَالِّي.
[انتهت نصوص تفسير الْحَرَالِّي المستخرجة من الجزء الأول من تفسير البقاعي]
"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"
من مطبوعات دائرة المعارف العثمانية بالهند، ١ ٤ ٣
ط ١ - ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م
стр. 214
نصوص تفسير الْحَرَالِّي المفقود
المستخرجة من الجزء الثاني من تفسير البقاعي
"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"
стр. 215
بداية نصوص تفسير الْحَرَالِّي
المستخرجة من الجزء الأول من تفسير البقاعي
٦"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"
* * *
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
قال الْحَرَالِّي: تثنية والد، من الولادة، لاستبقاء ما يتوقع ذهابه بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه - انتهى.
﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾
قال الْحَرَالِّي: واليتم فقد الأب حين الحاجة، ولذلك أثبته مثبت في الذكر إلى البلوغ، وفي البنت إلى الثيوبة، لبقاء حاجتها بعد البلوغ، ﴿الْقُرْبَى﴾ فعلى من القرابة، وهو قرب في النسب الظاهر أو الباطن - انتهى.
﴿مِنْ دِيَارِكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: وأصلها ما أدارته العرب من البيوت كالحلقة، استحفاظا لما تحويه من أموالها - انتهى.
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ والإقرار إظهار الالتزام بما خفي أمره - قاله الْحَرَالِّي.
﴿تَظَاهَرُونَ﴾ من التظاهر وهو تكلف المظاهرة، وهي تساند القوة، كأنه استناد ظهر إلى ظهر - قاله الْحَرَالِّي.
стр. 216
﴿عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ﴾ والإثم الخمر، لما يقع بها من العداوة والعدوى. قاله الْحَرَالِّي.
﴿تُفَادُوهُمْ﴾ من المفاداة وهي الاستواء في العوضين. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ﴾ من التحريم، وهو تكرار الحرمة بالكسر، وهي المنع من الشيء لدنايته، والحرمة بالضم: المنع من الشيء لعلوه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ والخزي: إظهار القبائح التي يستحي من إظهارها عقوبة - قاله الْحَرَالِّي.
﴿يُرَدُّونَ﴾ والرد: هو الرجوع إلى ما كان منه بدء المذهب. قاله الْحَرَالِّي.
﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ والدنيا: فعلى من الدنو، وهو الأنزل رتبة، في مقابلة عليا، ولأنه لزمتها العاجلة، صارت في مقابلة الأخرى اللازمة للعلو، ففي الدنيا نزول قدر وتعجل، وفي الأخرى علو قدر وتأخر، فتقابلتا على ما يفهم تقابلين من معنى كل منها. قاله الْحَرَالِّي.
﴿فَلَا يُخَفَّفُ﴾ من التخفيف وهو مصير الثقيل والمستفل إلى حال الطافي المستعلي، كحال ما بين الحجر والهواء. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَلَقَدْ﴾ هي لوقوع مرتقب مما كان خبرا، أو مما سيكون علما. قاله الْحَرَالِّي.
стр. 217
﴿وَقَفَّيْنَا﴾ من التقفية، وهي متابعة شيء شيئا، كأنه يتلو قفاه، وقفاء الصورة منها خلفها المقابل للوجه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ والبينة من القول والكون مالا ينازعه منازع لوضوحه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ من التأييد، وهو من الأيد، وهو القوة، كأنه يأخذ معه بيده في الشيء الذي يقويه فيه، كأخذ قوة المظاهر من الظهر، لأن الظهر موضع قوة الشيء في ذاته، واليد موضع قوة تناوله لغيره. قاله الْحَرَالِّي.
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾
قال الْحَرَالِّي: والروح لمحة من لمحات أمر الله قيوميته في كلية خلقه ملكا وملكوتا، فما هو قوام الخلق كله ملكا وملكوتا هو الأمر. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وما هو قوام صورة من جملة الخلق هو الروح الذي هو لمحة من ذلك الأمر، ولقيام عالم الملكوت، وخصوصا جملة العرش بعالم الملك، وخصوصا أمر الدين الباقي، سماهم الله روحا، ومن أخصهم روح القدس، والقدس الطهارة العلية التي لا يلحقها تنجس على ما تقدم، ومن أخص الروح به جبريل، ﵇، بما له من روح الأمر الديني، وإسرافيل، ﵇، بما له من روح النفخ الصوري - انتهى.
﴿بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ من الهوى، وهو نزوع النفس لسفل شهوتها، في مقابلة معتلي الروح لمنبعث انبساطه، كأن النفس ثقيل الباطن بمنزلة الماء والتراب، والروح خفيف الباطن بمنزلة الهواء والنار، وكأن العقل متسع الباطن، بمنزلة اتساع النور في كلية الكون علوا وسفلا. قاله الْحَرَالِّي.
﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلف، وهو المغشى الذكر بالقلفة التي هي جلدته كأن
стр. 218
الغلفة في طرفي المرء: ذكره وقلبه، حتى يتم الله كلمته في طرفين بالختان والإيمان. قاله الْحَرَالِّي.
﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ لأن اللعن إبعاد في المعنى والمكانة والمكان، إلى أن يصير الملعون بمنزلة النعل في أسفل القامة، يلاقي به ضرر الموطي. قاله الْحَرَالِّي.
﴿بِكُفْرِهِمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: أعظم الذنوب ما تكون عقوبة الله، تعالى، عليها الإلزام بذنوب أشد منها، فأعقب استكبارهم اللعن، كما كان في حق إبليس مع آدم، ﵇، فانتظم صدر هذه السورة إظهار الشيطنتين من الجن والإنس الذي انختم به القرآن في قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ليتصل طرفاه، فيكون ختما لا أول له ولا آخر، والفاتحة محيطة به، لا يقال هي أوله ولا آخره. ولذلك ختم بعض القراء بوصله حتى لا يتبين له طرف، كما قالت العربية، لما سئلت عن بنيها، [هم]: كالحلقة المفرغة، لأبدرى أين طرفاها.
﴿بَغْيًا﴾
قال الْحَرَالِّي: هو اشتداد في طلب شيء ما - انتهى.
﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾
وقال الْحَرَالِّي: وراء مالا يناله الحس ولا العلم، حيث ما كان من المكان، فربما اجتمع أن يكون الشيء وراء، من حيث إنه لايعلم، ويكون أماما في المكان - انتهى.
﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾
قال الْحَرَالِّي: فأنهاه لغاية الحق بكلمة "ال" لأن ما ثبت
стр. 219
ولا زوال له لانتهائه هو "الحق"، وما ثبت وقتا ما ثم يتعقبه تكملة أو يقبل زيادة، فإنما هو "حق" منكر اللفظ، فإن بين المعرف بكلمة "ال" وبين المنكر أشد التفاوت في المعنى - انتهى.
﴿خَالِصَةً﴾ من الخلول، وهو تصفية الشيء مما يمازجه في خلقته مما هو دونه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾
قال الْحَرَالِّي: فعلى قدر نقرة النفس من الموت يكون ضعف منال النفس من المعرفة التي بها تأنس بربها، فتتمنى لقاءه وتحبه، "ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءها"، يقع ذلك لعامة المؤمنين عند الكشف حال الغرغرة، ولخاصة المؤمنين في مهل الحياة، لأنهم لو كشف لهم الغطاء لم يزدادوا يقينا، فما هو للمؤمن بعد الكشف من محبة لقاء الله، فهو للموقن في حياته ويقظته، لكمال الكشف له مع وجود حجاب الملك الظاهر، ولذلك ما مات نبي حتى يخير فيختار لقاء الله، لتكون وفادته على الله وفادة محب مبادر، ولتقاصر المؤمن عن يقين النبي يتولى الله الخيرة في لقائه لأنه وليه، ومنه ما ورد: "ما ترددت في شيء ترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت،
стр. 220
وأنا أكره مساءته، ولابد له منه" ففي ضمن ذلك اختيار الله للمؤمن لقاءه، لأنه وليه، يختار له فيما لا يصل إليه إدراكه - انتهى.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ وهو من التقدمة وهي وضع الشيء قداما، وهو جهة القدم الذي هو الأمام والتجاه أي قبالة الوجه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿أَحْرَصَ﴾ صيغة مبالغة من الحرص وهو طلب الاستغراق فيما يختص فيه الحظ. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ والشرك
قال الْحَرَالِّي: إسناد الأمر المختص بواحد إلى ما ليس له معه أمر - انتهى.
﴿يَوَدُّ﴾ من الود، وهو صحة نزوع النفس للشيء المستحق نزوعها له. قاله الْحَرَالِّي.
قال الْحَرَالِّي: وهو نحو من خطاب القرآن، لا يصل إليه إبلاغ الخلق.
﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ من التعمير، وهو تمادي العمر، كأنه تكرار، والعمر أمد ما بين بدو الشيء وانقطاعه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ والألف: كمال العدد بكمال ثالثة رتبة، والسنة أمد تمام دورة الشمس، وتمام ثنتي عشرة دورة القمر. قاله الْحَرَالِّي.
стр. 221
﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ والزحزحة: إبعاد الشيء المستثقل المترامي لما يبعده عنه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مَنْ﴾ وهي اسم مبهم، يشمل الذوات العاقلة؛ آحاداً وجموعا واستغراقا. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَجِبْرِيلَ﴾
قال الْحَرَالِّي: يقال هو اسم عبودية، لأن "إيل" اسم من أسماء الله ، في الملأ الأعلى، وهو يد بسط لروح الله في القلوب، بما يحييها الله به من روح أمره؛ إرجاعا إليه في هذه الدار، قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض، من عزرائيل، ﵇ انتهى.
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ والإذن: رفع المنع وإيتاء المكنة كونا وخلقا، ما لم يمنعه حكم تصريف. قاله الْحَرَالِّي.
﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ والبين: حد فاصل في حس أو معنى - قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَمِيكَالَ﴾ يقال هو اسم عبودية أيضا، وهو يد بسط للأرزاق، المقيمة للأجسام، كما أن إسرافيل يد بسط للأرواح، التي بها الحياة. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ والسحر:
قال الْحَرَالِّي: من حيث أن حقيقته أمر يبطل بذكر اسم الله، ويظهر أثره فيما قصر عليه من التخييل والتمريض ونحوه، بالاقتصار به من دون اسم الله الذي هو كفر - انتهى.
﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾
قال الْحَرَالِّي: يقال هو من السلامة، فإنه من سلامة
стр. 222
صدره من تعلقه بما خوله الله، تعالى، من ملكه ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ وهو واحد كمال في ملك العالم المشهود من الأركان الأربعة، وما منها من المخلوقات. انتهى.
﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ، والسحر،
قال الْحَرَالِّي: هو قلب الحواس في مدركاتها عن الوجه المعتاد لها في صحتها، عن سبب باطل، لا يثبت مع ذكر الله عليه.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾
قال الْحَرَالِّي: فيه إنباء بأن هذا التخييل ضربان: مودع في الكون، هو أمر الشياطين، ومنزل من غيب، هو المتعلم من الملكين.
وعبارة الْحَرَالِّي: ملكان جعلا ملكين في الأرض، والآية من إظهار الله للملائكة فضل الخليقة.
﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: وأصل معناها من فتن الذهب، وهو تسخيره ليظهر جوهره، ويتخلص طيبه من خبيثه - انتهى.
﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ والمرء اسم من أسنان الطبع، يشارك الرجل به المرأة، ويكون له فيه فضل ما، ويسمى معناه المروة. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ﴾ وهو من الضر - بالفتح بالضم - وهو ما يؤلم الظاهر من الجسم، وما يتصل بمحسوسه، في مقابلة الأذى، وهو إيلام النفس وما يتصل بأحوالها، وتشعر الضمة في الضر بأنه عن علو وقهر، والفتحة بأنه ما يكون عن مماثل
стр. 223
ونحوه، وقل ما يكون عن الأدنى إلا أذى، ومنه: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ قاله الْحَرَالِّي.
﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ والنفع وصول موافق للجسم الظاهر وما يتصل به، في مقابلة الضر، ولذلك يخاطب به الكفار كثيرا؛ لوقوع معنيهما في الظاهر الذي هو مقصدهم من ظاهر الحياة الدنيا. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ والخلاق، الحظ اللائق لمن يقسم له النصيب من الشيء، كأنه موازن به خلق نفسه وخلق جسمه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ وفي الصيغة إشعار بعلو وثبات، قاله الْحَرَالِّي.
﴿خَيْرٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند الله؛ تشريفا لهذه المثوبة، وإلحاقا لها بالنمط العلي من علمه وحكمته ومضاء كلمته - انتهى.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: فيه إشعار برتبة من العلم أعلى وأشرف من الرتبة التي كانت تصرفهم عن أخذ السحر، لأن تلك الرتبة تزهد في علم ما هو شر، وهذه ترغب في منال ما هو خير؛ وفيه بشرى لهذه الأمة بما في كيانها من قبول هذا العلم الذي هو أعلم الأسماء، ومنافع القرآن يكون لهم عوضا من علم السيمياء، الذي هو باب من السحر، وعساه أن يكون من نحو المنزل على الملكين، قال
стр. 224
- ﷺ : "من أقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من السحر، زاد ما زاد".
وحقيقة السيماء أمر من أمر الله، أظهر آثاره في العالم الأرضي على سبيل أسماء وأرواح خبيثة، من واطن الفتن في العلويات من النيرات والكواكب والصور، وما أبداه منه في علوم وأعمال لا يثبت شيء منه مع اسمه تعالى، بل يشترط في صحته إخلاؤه عن اسم الله وذكره، والقيام بحقه، وصرف التحنثات والوجهة إلى ما دونه، فهو لذلك كفر موضوع فتنة من الله، تعالى، لمن شاء أن يفتنه به، حتى كانت فتنة اسم السيمياء من هدي الاسم بمنزلة اسم اللات والعزى من هداية اسم الله العزيز، ولله كلية الخلق والأمر هدى وإضلالا، إظهاراً لكلمته الجامعة الشاملة لمقابلات الأزواج التي منتهاها قسمة إلى دارين: دار نور رحماني، من اسمه العزيز الرحيم، ودار نار انتقامي، من اسمه الجبار المنتقم، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ولما جعل، سبحانه، من المضرة في السحر ونحوه، كان من المثوبة لمن آمن واتقى من هذه الأمة سورة الفلق والناس - المعوذتان - حرزا وإبطالا وتلقفا لما يأفك سحر الساحرات؛ عوضا دائما باقيا لهذه الأمة من عصا موسى، فهما عصا هذه الأمة التي تلقف ما يأفك سحر الساحرات عوضا دائما بما
стр. 225
فيهما من التعويذ الجامع للعوذة من شر الفلق الذي من لمحة منه كان السحر مفرقا، فهما عوذتان من وراء ما وراء السحر ونحوه، وذلك من مثوبة الدفع، مع ما أوتوا من مثوبه النفع، ويكاد أن لايقف من جاءه هذه الآية عند غاية من منال الخيرات ووجوه الكرامات - انتهى.
ولما كان من الحق، كما
قال الْحَرَالِّي، إجراء الأمور على حكم ما أثبتها الحق.
﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾
قال الْحَرَالِّي: فيه إلزام بتصحيح الصور لتطابق تصحيح المقاصد، وليقع الفرق بين الصورتين، كما وقع الفرق بين المعنيين، فهي آية فرقان، خاصة بالعرب.
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ والاختصاص: عناية تعين المختص لمرتبة ينفرد بها دون غيره، والرحمة: نحلة ما يوافي المرحوم في ظاهره وباطنه، أدناه كشف الضر، وكف الأذى، وأعلاه الاختصاص برفع الحجاب. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مَا نَنْسَخْ﴾ والنسخ
قال الْحَرَالِّي: نقل باد من أثر أو كتاب ونحوه من محله بمعاقب يذهبه، أو باقتباس يغني عن غيبته، وهو وارد الظهور في المعنيين في موارد الخطاب، والمعاقبة في هذا أظهر. انتهى.
وفي صيغة نفعل إشعار بأن من تقدم ربما نسخ عنهم مالم يعوضون به مثلا ولا خيراً،
стр. 226
ففي طيه ترغيب للذين آمنوا في كتابهم الخاص بهم، وأن يكون لهم عند النسخ حسن قبول، فرحا بجديد أو اغتباطا بما هو خير من المنسوخ، ليكون حالهم عند تناسخ الآيات مقابل حال الآبين من قبوله المستمسكين بالسابق المتقاصرين عن خير لاحق وجدته. قاله الْحَرَالِّي.
﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾
وقال الْحَرَالِّي: - وهو الحق إن شاء الله، تعالى - والنسء تأخير عن وقت إلى وقت، ففيه مدار بين السابق واللاحق، بخلاف النسخ، لأن النسخ معقب للسابق، والنسء مداول للمؤخر، وهو نمط عن الخطاب على خفي المنحى، لم يكد يتضح معناه لأكثر العلماء، إلا للأئمة من آل محمد، ﷺ ، لخفاء الفرقان بين ما شأنه المعاقبة، وما شأنه المداولة.
ومن أمثاله ما وقع في النسء من نهي النبي، ﷺ ، عن لحوم الأضاحي، فتقبله الذين آمنوا نسخا، وإنما كان إنساء وتأخيره لحكم الاستمتاع بها بعد ثلاث إلى وقت زوال الدافة، التي كانت دفت عليهم من البوادي، فلم يلقن ذلك عن النبي، ﷺ ، حتى فسره فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافة" ففي متسع
стр. 227
فقهه أن أحكاما تؤخر، فتشابه النسخ من وجه، ثم تعاد فتخالفه من هذا الوجه، من حيث أن حكمة المنسوخ منقطعة، وحكمة المنسئ متراجعة، ومنه المقاتلة للعدو عند وجدان المنة والقوة، والمهادنة عند الضعف عن المقاومة، هو من أحكم المنسئ، وكل ما شأنه أن يمتنع في وقت لمعنى ما، ثم يعود في وقت لزوال ذلك المعنى، فهو من المنسئ الذي أهمل علمه أكثر الناظرين، وربما أضافوا أكثره إلى نمط النسخ لخفاء الفرقان بينهما.
فبحق أن هذه الآية من جوامع آي الفرقان، فهذا حكم النسء والإنساء، وهو في العلم بمنزلة تعاقب الفصول، بما اشتملت عليه من الأشياء المتعاقبة في وجه المتداولة في الجملة.
قال: وأما النسيان والتنسية فمعناه أخفى من النسىء، وهو ما يظهره الله من البيانات على سبيل إدخال النسيان على من ليس شأنه أن ينسى، كالسنن التي أبداها النبي، ﷺ ، عن تنسيته، كما ورد من قوله: "إني لأنسى
стр. 228
لأسن " وقال ﵊، في إفصاح القول فيه: "بئس لأحدكم أن يقول: "نسيت، بل هو نسي" ومنه قيامه من اثنتين، وسلامه من اثنتين، حتى أظهر الله سنة ذلك لأمته، وكانت تلك الصلاة بسهوها ليست بدونها من غير سهو، بل هي مثلها أو خير، ومن نحوه منامه عن الصلاة، حتى أظهر الله توقيت الصلاة بالذكر، كما كان قد أظهرها بالوقت الزماني، فصار لها وقتان: وقت نور عياني من مداره الشمس، ووقت نور وجداني من مدارها مع الذكر، ولصحة وقوعها للوقتين كانت المؤقتة بالذكر أداء بحسبه، قضاء بحسب فوت الوقت الزماني. فلله، تعالى، على [هذه] الأمة فضل عظيم، فيما يكمل لها على طريق النسخ، وعلى سبيل النسء، وعلى جهة النسيان الذي ليس عن تراخ ولا إهمال، وإنما يوقعه إجبارا مع إجماع العزم.
وفي كل ذلك إنباء بأن ما وقع من الأمر بعد هذا النسيان خير من موقع ذلك الأمر الذي كان يقع على إجماع ورعاية، لتستوي أحوال هذه الأمة في جميع تقلبات أنفسها، كل ذلك من إختصاص رحمته وفضله العظيم - انتهى.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
قال الْحَرَالِّي: فهو بما هو على كل شيء قدير، يفصل الآيات، وهو بماله ملك السموات والأرض يدبر الأمر. انتهى.
стр. 229
﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي القيام بالأمر عن وصلة واصلة.
﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ وفي ذلك تعريض بالتحذير للذين آمنوا، ولم يبلغوا درجة المؤمنين، من مخالفة أمره، إذا حكم عليهم بما أراد، كائنا ما كان، لئلا تلقن بواطنهم عن اليهود نحواً مما لقنت ظواهر ألسنتهم، بأن تستمسك بسابق فرقانها، فتتثاقل عن قبول لاحقه ومكمله، فيكون ذلك تبعا لكثرة أهل الكتاب في إبائها نسخ ما لحقه التغيير من أحكام كتابها - أفاده الْحَرَالِّي.
وقال: وهو في الحقيقة خطاب جامع لتفصيل ما يرد من النسخ في تفاصيل الأحكام والأموال، بمنزلة الخطاب المتقدم في صدر السورة، المشتمل على جامع ضرب الأمثال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ الآية، وذلك لأن هذه السورة هي فسطاط القرآن الجامعة لجميع ما تفصل فيه؛ وهي سنام القرآن، وسنام الشيء أعلاه، وهي سيدة سور القرآن، ففيها لذلك جوامع ينتظم بعضها ببعض إثر تفاصيله خلالها في سنامية معانيها، وسيادة خطابها، نحوا
стр. 230
من انتظام آي سورة الفاتحة المنتظمة من غير تفصيل وقع أثناءها ليكون بين المحيط الجامع والابتداء الجامع مشاكلة ما - انتهى.
﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ والإرادة في الخلق، نزوع النفس لباد تستقبله. قاله الْحَرَالِّي.
﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ وفيه إشعار بأن الخطاب للذين آمنوا، لأن المؤمنين المعرفين بالوصف لا يتبدل أحوالهم من إيمان لكفر، لأن أحداً لا يرتد عن دينه بعد أن خالط الإيمان بشاشه قلبه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وقال ﵊: "إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا بعد أن أعطا كموه" فبذلك يتضح مواقع خطاب القرآن مع المترتبين في أسنان القلوب، بحسب الحظ من الإيمان والإسلام والإحسان. قاله الْحَرَالِّي.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وأظهر الاسم في موضع الإضمار، إشعاراً بالاستئناف للخير، ليكون ختما جامعا، لأنه لو عاد على خصوص هذا الخطاب لكان "إنه"
стр. 231
وذلك لأن تجديد الإظهار يقع بمعنى رد ختم الخطاب على إحاطة جملته. قاله الْحَرَالِّي.
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ بلفظ البرهان
قال الْحَرَالِّي: وهو علم قاطع الدلالة، غالب القوة، بما تشعر به صيغة الفعلان، ضم أولها وزيادتا آخرها.
﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾ وفي ذلك إعلام بأنه تعالى ما غيب شيئا إلا وأبدى عليه علما، ليكون في العالم المشهود شفاف عن العالم الغائب. قاله الْحَرَالِّي.
﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ والإسلام:
قال الْحَرَالِّي: الإلقاء بما يكون من منة في باطن أو ظاهر، "والوجه" مجتمع حواس الحيوان، وأحسن ما في الموتان - وهو ماعدا الحيوان -، وموقع الفتنة من الشيء الفتان، وهو أول ما يحاول إبداؤه من الأشياء لذلك. ﴿لِلَّهِ﴾ من أجل أنه الله الجامع للكمال.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ﴾ أنث فعلهم لضعف قولهم وجمع أمرهم ﴿النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ أي يعتد به لكونه صحيحا، وليس مخففة من وزن فرح، ومعناها مطلق النفي لمتقدم إثبات أو مقدرة. قاله الْحَرَالِّي.
стр. 232
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ والحكم: قصر المصرف على بعض ما يتصرف فيه، وعن بعض ما تشوف إليه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والاختلاف: افتعال من الخلاف، وهو تقابل بين رأيين فيما ينبغي إنفراد الرأي فيه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ والمنع: الكف عما يترامى إليه، والمسجد مفعل لموضع السجود، وهو أخفض محط القائم، والسعي الإسراع في الأمر حسا أو معنى، "والخراب" ذهاب العمارة، والعمارة إحياء المكان وإشغاله بما وضع له. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفيه إنباء بإحباط ما يصرف عنهم وجها من وجوه العذاب. فنالهم من العذاب العظيم ما نال الكافرين، حتى كان ما كان لهم من ملة وكتاب لم يكن، وذلك أسوأ الخسار.
قال: ومن الموعود أن من أعلام قيام الساعة تضييع المساجد، لذلك كل أمة وكل طائفة وكل شخص معين تطرق بجرم في مسجد يكون فعله سببا لخلائه، فإن الله، ، يعاقبه بروعة ومخافة تناله في الدنيا، حتى ينتظم بذلك من خرب مدينة من مدن الإسلام، أو كانت أعماله سبب خرابها، وفي ضمن ذلك ما كان
стр. 233
من أحداث المسلطين على البيت المقدس، بما جرت إليه أعمال يهود فيها.
وقال: كذلك أجرى الله سنته أن من لم يقم حرمة مساجده شرده منها، وأحوجه لدخولها تحت رقبة وذمة من أعدائه، كما قد شهدت مشاهدة بصائر أهل التبصرة، وخصوصا في الأرض المقدسة المتناوب فيها دول الغلب بين هذه الأمة، وأهل الكتاب ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فكل طائفة في بضعها إذا ساء عملها في مسجدها شردت منه، ودخلته في بضع الأخرى خائفة، كذلك حتى تكون العاقبة للمتقين، حين يفرح المؤمنون بنصر الله.
قال: وفي إشعاره تحذير من غلق المساجد وإيصادها وحجرها على القاصدين للتحنت فيها والخلوة بذكر الله، وليس رفع المساجد منعها، بل رفعها أن لا يذكر فيها غير اسم اللة، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾
стр. 234
قال عمر، ﵁، لما بنى الرحبة: من أراد أن يلغط أو يتحدث أو ينشد شعرا فليخرج إلى هذه الرحبة. وقال، ﷺ : "جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وسل سيوفكم، وبيعكم وشراءكم، وابنوا على أبوابها المطاهر" ففي كل ذلك إنباء بأن من عمل في مساجد الله بغير ما وضعت له من ذكر الله كان ساعيا في خرابها، وناله الخوف في محل الأمن انتهى.
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فأنبأ تعالى، كما
قال الْحَرَالِّي: بإضافة جوامع الآفاق إليه إعلاما بأن الوجهة لوجهه لا للجهة، من حيث إن الجهة له. انتهى.
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
وقال الْحَرَالِّي: وأبهم المولى ليقع تولي القلب لوجه الله، حين تقع محاذاة وجه الموجه الظاهر للجهة المضافة لله - انتهى.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: في "شرح الأسماء" والسعة: المزيد على الكفاية من نحوها، إلى أن ينبسط إلى ما وراء؛ امتداد [و] رحمة وعلما، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. ولا تقع السعة إلا مع إحاطة العلم والقدرة وكمال الحلم، وإفاضة الخير والنعمة، لمقتضى كمال الرحمة، ولمسرى النعمة في وجوه
стр. 235
الكفايات ظاهرا وباطنا، خصوصا وعموما، لم يكد يصل الخلق إلى حظ من السعة، أما ظاهرا فلا تقع منهم ولا تكاد: "إنكم لن تسعوا الناس بمعروفكم" وأما باطنا بخصوص حسن الخلق فعساه بكاد.
وقال في تفسيره: قدم تعالى المشرق لأنه موطن بدو الأنوار التي منها رؤية الأبصار، وأعقبه بالمغرب الذي هو مغرب الأنوار الظاهرة، وهو مشرق الأنوار الباطنة، [فيعود التعادل إلى أن مشرق الأنوار الظاهرة هو مغرب الأنوار الباطنة] "والفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان"، وأشار بيده نحو المشرق. "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق" - انتهى.
﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: فجاء بالجمع المشعر، كما يقال، بالعقل والعلم، لما تقدم من أنه لاعجمة ولا جمادية بين الكون والمكون، إنما يقع جمادية وعجمية بين آحاد من المقصرين في الكون عن الإدراك التام، والقنوت: ثبات القائم بالأمر على قيامه تحققا بتمكنه فيه - انتهى.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما أبدع كلية أمر كان أحرى أن يكون ما في طيه وإحاطته وإقامته من الأشياء المقامة به من مبدعه، فكيف يجعل له شبيه منه؟ لأن الوالد مستخرج شبيه بما استخرج من عينه - ذكره الْحَرَالِّي.
стр. 236
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ والقضاء: إنفاذ المقدر، والمقدر ما حد من مطلق المعلوم - قاله الْحَرَالِّي.
﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾
قال الْحَرَالِّي: وصيغته تمادي الكائن في أطوار وأوقات وأسنان، يمتد تواليها في المكون إلى غاية كمال - انتهى.
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفيه إشارة لما حصل للعرب من اليقين، كما قال سيد العرب، علي، ﵁: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا" استظهارا لما بطن من عالم الملكوت، على ظاهر عالم الملك، إكمالا للفهم عن واضح هذا البيان الذي تولاه الله ومن اصطفاه، الذي اشتمل عليه استتباع ضمير "بينا"، وفي استواء العالم وغيره في الجهل بعد البيان، دليل على مضمون التي قبلها في أن ما أراد كان.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾
قال الْحَرَالِّي: [والحق] التام المكمل بكلمة "ال" هو استنطاق الخلق عن أمر الله فيهم على وجه أعلى لرسالته العلية الخاصة به عن عموم ما وقعت به رسالة المرسلين من دون هذا الخصوص، وذلك ﴿حَقَّ﴾ منكر، كما تقدم أي عند قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ لأن ما أحق غيبا مما أنزله الله فهو "حق" حتى السحر، وما أظهر غيب القضاء والتقدير وأعلن بإبداء حكمة الله على ما أبداها من نفوذ مشيئته في متقابل ما أبداه من خلقه، فهو ﴿الْحَقُّ﴾ الذي خلقت به السموات والأرض ابتداء، وبه ختمت الرسالة انتهاء، ليتطابق الأول والآخر كمالا؛ حال كونك ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
وقال الْحَرَالِّي: لما أجرى الله سبحانه من الخطاب عن أهل الكتاب والعرب
стр. 237
نبأ ردهم لما أنزل أولا وآخراً،، ونبأ ما افتروه مما لا شبهة في دعواه، أعرض بالخطاب عن الجميع، وأقبل به على النبي ﷺ ، تسلية له، وتأكيدا لما أعلمه به في أول السورة من أن الأمر مجرى على تقديره وقسمته الخلق: بين مؤمن: وكافر، ومنافق، فأنبأه، تعالى، أنه ليس مضمون رسالته أن يدعو الخلق إلى غير ما جبلوا عليه، وأن مضمون رسالته أن يستظهر خبايا الأفئدة والقلوب على الألسنة والأعمال، فيبشر المهتدي والثابت على هدي سابق، وينذر الآبي والمنكر لما سبق إقراره به قبل، فعم بذلك الأولين والآخرين من المبشرين والمنذرين - انتهى.
﴿أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ والجسم،
قال الْحَرَالِّي: انضمام الشيء وعظم فيه، ومن معنى حروفه الحجم، وهو التضام وظهور المقدار، إلا أن الحجم فيما ظهر كالأجسام، والجحم - بتقديم الجيم - فيما يلطف كالصوت والنار.
﴿وَلَنْ تَرْضَى﴾ من الرضى، وهو إقرار ما ظهر عن إرادة - قاله الْحَرَالِّي.
﴿مِلَّتَهُمْ﴾ والملة،
قال الْحَرَالِّي: الأخذ والعمل بما في العقل هدايته من أعلام المحسوسات.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: فأظهر إفصاحا ما أفهمته إضافة الملة إليهم، من حيث كانت وضعا بالهوى، لا هداية نور عقل، كما هي في حق الحنيفيين - انتهى.
﴿بَعْدَ الَّذِي﴾
قال الْحَرَالِّي: أشارت كلمة "الذي" إلى معنى قريب من الظاهر
стр. 238
المحسوس، كأنه علم ظاهر، ففيه إنباء بأن أدنى ما جاءه من العلم مظهر لإبطال ما هم عليه في وجوه تلبيسهم وأهوائهم.
﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: وحقية الأمر هي وفاؤه إلى غايته، والإحاطة به إلى جماع حدوده حتى لا يسقط منه شيء، ولا يقصر فيه غاية، إشعارا باشتمال الكتاب على أمر محمد، ﷺ .
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: فلبعده بالتقدم كرره تعالى؛ إظهارا لمقصد التئام آخر الخطاب بأوله، وليتخذ هذا الإفصاح والتعليم أصلا لما يمكن أن يرد من نحوه في سائر القرآن، حتى كأن الخطاب إذا انتهى إلى غاية خاتمة، يجب أن يلحظ القلب بداية تلك الغاية فيتلوها، ليكون في تلاوته جامعا لطرفي البناء، وفي تفهمه جامعا لمعاني طرفي المعنى - انتهى.
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: أجراها، تعالى، في هذا التكرار على حدها في الأول، إلا ما خالف بين الإيرادين في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ إلى آخره، ليجمع النبأ في كل واحد من الشفاعة والعدل بين مجموع الردين من الأخذ والقبول، فيكون شفاعتها لا مقبولة ولا نافعة، ويكون عدلها لا مأخوذا ولا مقبولا، وذلك لأن
стр. 239
المعروض للقبول أول ما يؤخذ أخذا بحسبه من أخذ سمع أو عين، ثم ينظر إليه نظر تحقيق في المسموع، وتبصر في المنظور، فإذا صححه التحقيق والتبصير قبل، وإذا لم يصححه رد، وإنما يكون ذلك لمن في حاله حظ صحة ظاهرة لا يثبت مع الخبرة، فأنبأ، تعالى، بمضمون الآيتين - الفاتحة والخاتمة - أن هؤلاء ليس في حالهم حظ صحة البتة، لا في شفاعة ولا في عدل، فلا يقبل ولا يؤخذ إنباء بغرائه عن لبسه ظاهر صحة يقتضي أخذه بوجه ما، ففيه تبرئة ممن حاله حال ما نبئ به عنهم، على ما تقدم معناه في مضمون الآية.
وبهذه الغاية انصرف الخطاب عنهم على خصوص ما أوتوا من الكتاب الذي كان يوجب لهم أن يتدينوا بقبول ما جاء مصدقا لما معهم، فاتخذوا لهم بأهوائهم ملة افتعلتها أهواؤهم، فنظم، تعالى، بذلك ذكر صاحب الملة التي يرضاها، وافتتح بابتداء أمره في ابتلائه، ليجتمع عليهم الحجتان: السابقة بحسب الملة الحنيفية
стр. 240
الإبراهيمية، واللاحقة بحسب الدين المحمدي، كان ﷺ يقول في الصباح: "أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد، ﷺ ، وعلى ملة أبينا إبراهيم، ﷺ " فخص المحمدية بالدين، والإبراهيمية بالملة، لينتظم ابتداء الأبوة الإبراهيمية بطرائف أهل الكتاب، سابقهم ولاحقهم، بنبأ ابتداء الأبوة الآدمية في متقدم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآيات. لينتظم رؤس الخطابات بعضها بببعض، وتفاصيلها بتفاصيلها، وليكون إظهار ذلك في سورة سنام القرآن أصلا لما في سائره من ذلك، وذكر قبل ذلك أن الملة ما يدعو إليه هدى العقل المبلغ عن الله توحيده من ذوات الحنيفيين، وأن الدين الإسلام، والإسلام إلقاء ما باليد ظاهراً وباطنا، وذلك إنما يكون عن بادي غيب التوحيد. انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: لما وصل الحق، تعالى، بالدعوة العامة الأولى في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ذكر أمر آدم، وافتتاح استخلافه، ليقع بذلك جمع الناس كافة في طرفين، في اجتماعهم في أب واحد ولدين واحد - نظم تعالى بذلك وصل خطاب أهل الكتاب بذكر إبراهيم، ليقع بذلك اجتماعهم أيضا في أب واحد، وملة واحدة، اختصاصا بتبعية [الإمامة] الإبراهيمية من عموم تبعية الخلافة الآدمية، تنزيلا للكتاب، وترفيعا للخلق إلى علو اختصاص الحق، فكما ذكر، تعالى، في
стр. 241
الابتداء تذكيرا معطوفا على أمور تجاوزها الإفصاح [في أمر آدم، عطف أيضا التذكير بابتداء أمر إبراهيم، ﵇، على أمور تجاوزها الإفصاح] هي أخص من متجاور الأول، كما أن إفصاحها أخص من إفصاحها، وأعلى رتبة، من حيث إن الخلق والأمر مبدوء من حد، لم يزل ولا يزال، يتكامل إلى غاية ليس وراءها مرمى، فقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ - انتهى.
﴿بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ والإتمام: التوفية لما له صورة تلتئم من أجزاء وآحاد. قاله الْحَرَالِّي.
﴿إِمَامًا﴾ والإمام: ما يتبع هداية إلى سداد. قاله الْحَرَالِّي.
﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ والذرية: مما يجمع معنى الذر والذرء، والذري مختلف وزنه على وجوه اشتقاقه، فيكون فعلولة كأنه ذرورة، ثم خفف بقلب الراء ياء استثقالا للتضعيف، ثم كسر ما قبل الياءين تحقيقا لهما، لأنه اجتمع بعد القلب واو وياء سبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، أو تكون
стр. 242
فعلية من الذر منسوبا، ومن الذرء مخفف فعولة، بقلب الهمزة ياء، ثم الواو ياء، لاجتماعها معها سابقة إحداهما بالسكون ثم الإدغام، أو فعلية، إن يكن في الكلام، لما فيه من ثقل اجتماع الضم والكسر. قاله الْحَرَالِّي وفيه تصرف.
﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو مفعلة من الثوب، وهو الرجوع، تراميا إليه بالكلية، وفي صيغة المفعلة دوام المعاودة مثابرة.
﴿وَأَمْنًا﴾ والأمن: براءة عيب من تطرق أذى إليه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ والبيت موضع المبيت المخصوص من الدار المخصوصة من المنزل، المختص من البلد. قاله الْحَرَالِّي.
﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ والعكوف: الإقبال على الشيء وملازمته والاقتصار عليه. والطواف التحليق بالشيء في غيب، أو لمعنى غيب. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفي ذكر الركوع تخصيص للعرب الذين إنما شرع الركوع في دينهم، وفي ذلك تبكيت لمن أخرج المؤمنين ومنعهم من البيت، وفي تكرير تفصيل هذه الآيات "بإذ" تنبيه على توبيخهم بترك دينه، وهو الخليل، واتباع من لا يعلم، وهو العدو.
﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾
قال الْحَرَالِّي: عدد، تعالى، وجوه عنايته بسابقة العرب في هذه الآيات، كما عدد وجوه نعمته على بني إسرائيل في سابقة الخطاب، فكانت هذه في إقامة دين الله، وكانت تلك في محاولة مدافعته، ليظهر بذلك تفاوت ما بين الاصطفاء والعنابة.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾
قال الْحَرَالِّي: لما تحقق مرجو الإيمان في ذريته في قوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ طلب التكملة بإسلام الوجه، والمسألة له ولابنه، ولمن
стр. 243
رزق الإيمان من ذريته وذرية ابنه، فإن الإسلام لما كان ظاهر الدين، كان سريع الانثلام لأجل مضايقة أمر الدنيا، وإنما يتم الإسلام بسلامة الخلق من يد العبد ولسانه، والإلقاء بكل ما بيده لربه، مما ينازع فيه وجود النفس ومتضايق الدنيا، ولذلك هو مطلب لأهل الصفوة في خاتمة العمر، ليكون الخروج من الدنيا عن إلقاء للحق، وسلامة للخلق.
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَ﴾ والمنسك مفعل من النسك، وهو مايفعل قربة وتدينا، تشارك حروفه حروف السكون. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ والتزكية: إكساب الزكاة، وهي نماء النفس بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم. قاله الْحَرَالِّي.
﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لأن العزة، كما
قال الْحَرَالِّي: الغلبة الآتية على كلية الظاهر والباطن.
﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾
قال الْحَرَالِّي: والسفاهة: خفة الرأي في مقابلة ما يراد منه من المتانة والقوة، وفي نصب النفس إنباء بلحاق السفاهة بكلية ذي النفس، لأن من سفهت نفسه اختص السفه بها، ومن سفه نفسه - بالنصب - استغرقت السفاهة ذاته وكليته، وكان بدء ذلك وعاديته من جهة نفسه، يفهم ذلك نصبها، وذلك لأن الله، ، جعل النفس مبدأ كل شر أبداه في ذات ذي النفس، فإنه، تعالى، يعطي الخير بواسطة وبغير واسطة، ولا يحذى الشر إلا بواسطة نفس، ليكون في ذلك حجة الله على خلقه، وإنما استحق السفاهة من يرغب عن ملة إبراهيم لظهور
стр. 244
شاهدها في العقل وعظيم بركتها في التجربة، لأن من ألقى بيده لم يؤاخذ في كل مرتبة من رتب الدنيا والآخرة، فلا عذر لمن رغب عن ذلك، لظهوره في شاهدي العقل والحس، اللذين هما أظهر حجج الله على خلقه. ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ - انتهى.
﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: لأنهما متناوبان في الأديان، تناوب المتقابلات في الأجسام.
﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾
قال الْحَرَالِّي: ففيه كمال لسنن محمد، ﷺ ، في ملته بملة إبراهيم، ﵇، الذي هو الأول لمناسبة ما بين الأول والآخر، وقد ذكر أن الله ما أظهره نور العقل من الهدي في ظلم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا، فكان أتم ما أبداه نور العقل ملة إبراهيم.
﴿حَنِيفًا﴾
وقال الْحَرَالِّي: الحنيف: المائل عن متغير ما عليه الناس عادة، إلى ما تقتضيه الفطرة، حنان قلب إلى صدق حسه الباطن.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
قال الْحَرَالِّي: فيه إنباء بتبرئة كيانه من أمر الشرك في ثبت الأمور والأفعال والأحوال، وفي إفهامه أنه من أمر محمد، ﷺ ، في الكمال الخاتم، كما أن محمدا، ﷺ ، منه في الابتداء الفاتح، قال، تعالى، لمحمد، ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ فهذه أولية رتبة الكمال التي هي خاصة به، ومن سواه فهو منه فيها، لأن نفي الشيء يفهم البراءة واللحاق بالمتأصل في مقابله، فمن لم يكن مثلا من الكافرين، فهو من المؤمنين،
стр. 245
لأنه لو كان هو المؤمن لذكر بالصفة المقابلة لما نفى عنه، لما في ذلك من مغني إثبات الوصف ونفي مقابله، ومثل هذا كثير الدور في خطاب القرآن، وبين من له الوصف ومن هو منه تفاوت ما بين السابق واللاحق في جميع ما يرد من نحوه، يعني ومثل هذا التفاوت ظاهر للفهم، خفي عن مشاهد هذا العلم، لأن العلم من العقل بمنزلة النفس، والفهم من العقل بمنزلة الروح، فللفهم مدرك لايناله العلم، كما أن للروح معتلي لاتصل إليه النفس، لتوجه النفس إلى ظاهر الشهود، ووجهة الروح إلى على الوجود - انتهى.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾
قال الْحَرَالِّي: فلقن العرب الاميين المحسودين على ما آتاهم الله من فضله، نسق ما أجرى من لفظ بني إسرائيل في عهده لهم، فكان فيه وصل العرب الذين هم أبناء إسماعيل بإبراهيم وبنيه، وقطع بني إسرائيل عنهم، وفيه إظهار لمزية فضل الله على العرب، حين يلقنهم ولا يستنطقهم، فيقصروا في مقالهم، فأغناهم بما لقنهم، فتلوه عما كانوا يقولونه لو وكلوا إلى أنفسهم فسكنهم ربهم، فأقرأهم ما يصلح من القول لهم، وقال: ﴿وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ تكملة لما تقدم في العهد السابق - انتهى.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: فأجرى على ألسنة الذين آمنوا من هذه الأمة تلقينا لهم ما أجراه على ألسنة الأسباط قولا منهم، فكانت العرب أحق بهم من أبناء إسرائيل بما استووا في الدين، وإن افترقوا في نسب الإسرائيلية - انتهى.
стр. 246
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾
قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بإيمان مؤمن منهم، وتولي متول منهم، لأن الله، تعالى، إذا صنف الخطاب كان نبأ عن تصنيف الكيان، فهو، تعالى، لا يخرج نبأه على غير كائن، فيكون نبأ لا كون له، إنما ذلك من أدنى أوصاف بعض الخلق.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ والكفاية: إغناء المقاوم عن مقاومة عدوه بما لا يحوجه إلى دفع له. قاله الْحَرَالِّي.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ وجعل الْحَرَالِّي: صبغة الله أي هيئة صبغ الملك الأعلى التي هي حلية المسلم وفطرته، كما أن الصبغة حلية المصبوغ، حالا تقاضاها معنى الكلام، وعاب على النحاة كونهم لا يعرفون الحال إلا من الكلم المفردة، ولا يكادون يتفهمون الأحوال من جملة الكلام.
وقال: الصبغة تطوير معاجل بسرعة وحيه.
وقال: فلما كان هذا التلقين تلقينا وحيا سريع التصيير من حال الضلال المبين، الذي كانت فيه العرب في جاهليتها، إلى حال الهدي المبين، الذي كانت فيه الأنبياء في هدايتها، من غير مدة، جعله، تعالى، صبعة كما يصبغ الثوب في الوقت، فيستحيل من لون إلى لون، في مقابلة ما يصبغه أهل الكتاب بأتباعهم المتبعين لهم في أهوائهم، في نحو الذي يسمونه "الغطاس".
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿صِبْغَةً﴾ لأنها صبغة قلب لا تزول لثباتها، بما تولاها الحفيظ العليم، وتلك صبغة جسم لا تنفع، وفيه إفهام بما
стр. 247
يختص به الذين آمنوا من انقلاب جوهرهم نوراً، كما قال ﵊: "اللهم اجعلني نورا" فكان ما انقلب إليه جوهر الأيمة انصبغت به قلوب الأمة ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ [أي خاصة] ﴿عَابِدُونَ﴾ تكملة لرد الخطاب على خطاب عهد إسرائيل حين قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ إلا أن العبادة في عهد إسرائيل سابقة، والإسلام ختم.
والإسلام في هذا التلقين بدء، لتقع العبادة شكراً - يختص برحمته من يشاء - وجاء به بالوصف الثابت الدائم، ففيه إشعار بأن أحداً منهم لا يرتد عن دينه سخطة له، بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه، وهو حظ عام من العصمة الثابت خاصها للنبي، ﷺ ، في على أمره - انتهى.
﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾
قال الْحَرَالِّي: القبلة: ما تجعل قبالة الوجه، والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه.
﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾
قال الْحَرَالِّي: من الأم، وهو تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي لإمام أول، فالإمام والأمة كالمتقابلين، الإمام قاصد أمما، والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها، والأمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى.
﴿الْقِبْلَةَ﴾
قال الْحَرَالِّي: في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام ليكون تعلق القلب بالله الحكيم، لا بالعمل المحكم، فالوجهة الظاهرة، ليكون ذلك علما على المتبع عن صدق، فيثبت عند
стр. 248
تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله، والتوجه له أيان ما وجهه، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره - انتهى.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: لنجعل علما ظاهرا على الصادق وغيره، يشمل العلم به من علم الغيب إلا عن علم، بما ينبىء عنه نون الاستتباع، فهذا وجهه ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة - انتهى.
﴿لِيُضِيعَ﴾
قال الْحَرَالِّي: مما منه الضياع والضيعة، وهو التقريط فيما له غناء وثمرة، إلى أن لايكون له غناء ولا ثمرة.
﴿لَرَءُوفٌ﴾ فإن الرأفة، كما
قال الْحَرَالِّي في التفسير: عطف العاطف على من [لم] يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم.
قال: والرحمة: تعم من لا صلة له بالراحم.
وقال في "شرح الأسماء": إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بسراها في سره ظهور ما يستدعي العفو لأجله على علنه - انتهى.
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾
قال الْحَرَالِّي: فيه نبأ إسماع لمن يرتقب أمرا أو خبرا يفيد مع المستقبل ندرة الوقوع، ففيه إعلام بأن النبي، ﷺ ، لما انطوى ضميره
стр. 249
على إرادة التوجه للكعبة التي هي قيام للناس، حين كان هو رسولا لكافة الناس، وكان، ﷺ ، على ملة أبيه إبراهيم، ﵇، يكتفي بعلم الله عن مسألته، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة، وللمكتفين بعلم الله عبادة - أجاب الله تقلب وجهه على قلة وقوع ذلك منه، على ما تشعر به "قد" بالتقليل للتقلب والرؤية. ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ فيه إعلام بما جعله من اختصاص السماء بوجه الداعي، كما اختص غيب القلوب بوجهة المصلي، فالمصلي يرجع إلى غيب قلبه، ولا يرفع طرفه إلى السماء "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم" والداعي يتوجه إلى السماء ويمد يديه، كما قال: "حتى رأينا عفرة إبطيه" انتهى ملخصا.
﴿قِبْلَةً﴾
قال الْحَرَالِّي: نكرها لما كان من ورائها قبلة التوجه العام في تنقله، فتلك هي القبلة التي هي توجه لوجه الله، لا توجه لمنظر باد من خلق الله، فكان متسع القبلة ما بين اختصاص القبلة الشامية إلى قيام القبلة الحجازية، إلى إحاطة القبلة العامة الآفاقية.
وفي قوله: ﴿تَرْضَاهَا﴾ إنباء بإقراره للتوجه لهذه القبلة، لأن الرضى وصف المقر
стр. 250
لما يريد، فكل واقع بإرادة لايكون رضى إلى أن يستدركه الإقرار، فإن تعقبه الرفع والتغيير، فهو مراد غير مرضى - انتهى.
﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
قال الْحَرَالِّي: سماه الله حراما لحرمته، حيث لم يوطأ قط إلا بإذنه، ولم يدخل إلا دخول تعبد وذلة، فكان حراما على من يدخله دخول متكبر أو متحير - انتهى.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: بالياء أي التحتانية إعراضا عنهم، وبالتاء إقبالا عليهم، ففيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم في رتبتين: في متماد على سوء هدد فيه لما أقبل عليه، وفي متماد على أسوأ منه أوجب في تهديده الإعراض عنه، والإقبال على غيره، ممن لم يصل في السوء والمكائدة إلى ما وصل إليه المعرض عنه.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾
قال الْحَرَالِّي: فأبهمه ولم يكن نحو الأول الذي قال فيه: ﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ لظهور ما ذكر في الأول، وخفاء ما وقعت إليه الإشارة في هذا، وجاءت فيه "من" التي هي لابتداء من أولية، لخفاء مبدأ أمر ما جاء من العلم هنا، وظهور ذلك الأول، لأن ذلك كان في أمر الملة التي مأخذها العقل، وهذه في أمر التوجيه الذي مأخذه الدين والغيب.
قال الْحَرَالِّي: قال تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ على حد ما ذكر من أنه من لمح لمحا ما وصف كان من الموصوف به بألطف لطف، ووصف كل رتبة بحسبها، فما يرفع عنه النبي، ﷺ ، من باب إظهار رغبته وحرصه على هداية الخلق الذي جبل على الرحمة فيه، وطلب المسامحة في التقاصر عنه، نظرا منه إلى حق الله، تعالى، ومضمون وصية الله، تعالى، حين أوصاه بغير ترجمان ولا واسطة، أن يصفح عمن
следующие страницы →