Полный текст (573 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾
قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بإيمان مؤمن منهم، وتولي متول منهم، لأن الله، تعالى، إذا صنف الخطاب كان نبأ عن تصنيف الكيان، فهو، تعالى، لا يخرج نبأه على غير كائن، فيكون نبأ لا كون له، إنما ذلك من أدنى أوصاف بعض الخلق.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ والكفاية: إغناء المقاوم عن مقاومة عدوه بما لا يحوجه إلى دفع له. قاله الْحَرَالِّي.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ وجعل الْحَرَالِّي: صبغة الله أي هيئة صبغ الملك الأعلى التي هي حلية المسلم وفطرته، كما أن الصبغة حلية المصبوغ، حالا تقاضاها معنى الكلام، وعاب على النحاة كونهم لا يعرفون الحال إلا من الكلم المفردة، ولا يكادون يتفهمون الأحوال من جملة الكلام.
وقال: الصبغة تطوير معاجل بسرعة وحيه.
وقال: فلما كان هذا التلقين تلقينا وحيا سريع التصيير من حال الضلال المبين، الذي كانت فيه العرب في جاهليتها، إلى حال الهدي المبين، الذي كانت فيه الأنبياء في هدايتها، من غير مدة، جعله، تعالى، صبعة كما يصبغ الثوب في الوقت، فيستحيل من لون إلى لون، في مقابلة ما يصبغه أهل الكتاب بأتباعهم المتبعين لهم في أهوائهم، في نحو الذي يسمونه "الغطاس".
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿صِبْغَةً﴾ لأنها صبغة قلب لا تزول لثباتها، بما تولاها الحفيظ العليم، وتلك صبغة جسم لا تنفع، وفيه إفهام بما
стр. 247
يختص به الذين آمنوا من انقلاب جوهرهم نوراً، كما قال ﵊: "اللهم اجعلني نورا" فكان ما انقلب إليه جوهر الأيمة انصبغت به قلوب الأمة ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ [أي خاصة] ﴿عَابِدُونَ﴾ تكملة لرد الخطاب على خطاب عهد إسرائيل حين قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ إلا أن العبادة في عهد إسرائيل سابقة، والإسلام ختم.
والإسلام في هذا التلقين بدء، لتقع العبادة شكراً - يختص برحمته من يشاء - وجاء به بالوصف الثابت الدائم، ففيه إشعار بأن أحداً منهم لا يرتد عن دينه سخطة له، بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه، وهو حظ عام من العصمة الثابت خاصها للنبي، ﷺ ، في على أمره - انتهى.
﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾
قال الْحَرَالِّي: القبلة: ما تجعل قبالة الوجه، والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه.
﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾
قال الْحَرَالِّي: من الأم، وهو تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي لإمام أول، فالإمام والأمة كالمتقابلين، الإمام قاصد أمما، والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها، والأمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى.
﴿الْقِبْلَةَ﴾
قال الْحَرَالِّي: في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام ليكون تعلق القلب بالله الحكيم، لا بالعمل المحكم، فالوجهة الظاهرة، ليكون ذلك علما على المتبع عن صدق، فيثبت عند
стр. 248
تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله، والتوجه له أيان ما وجهه، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره - انتهى.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: لنجعل علما ظاهرا على الصادق وغيره، يشمل العلم به من علم الغيب إلا عن علم، بما ينبىء عنه نون الاستتباع، فهذا وجهه ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة - انتهى.
﴿لِيُضِيعَ﴾
قال الْحَرَالِّي: مما منه الضياع والضيعة، وهو التقريط فيما له غناء وثمرة، إلى أن لايكون له غناء ولا ثمرة.
﴿لَرَءُوفٌ﴾ فإن الرأفة، كما
قال الْحَرَالِّي في التفسير: عطف العاطف على من [لم] يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم.
قال: والرحمة: تعم من لا صلة له بالراحم.
وقال في "شرح الأسماء": إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بسراها في سره ظهور ما يستدعي العفو لأجله على علنه - انتهى.
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾
قال الْحَرَالِّي: فيه نبأ إسماع لمن يرتقب أمرا أو خبرا يفيد مع المستقبل ندرة الوقوع، ففيه إعلام بأن النبي، ﷺ ، لما انطوى ضميره
стр. 249
على إرادة التوجه للكعبة التي هي قيام للناس، حين كان هو رسولا لكافة الناس، وكان، ﷺ ، على ملة أبيه إبراهيم، ﵇، يكتفي بعلم الله عن مسألته، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة، وللمكتفين بعلم الله عبادة - أجاب الله تقلب وجهه على قلة وقوع ذلك منه، على ما تشعر به "قد" بالتقليل للتقلب والرؤية. ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ فيه إعلام بما جعله من اختصاص السماء بوجه الداعي، كما اختص غيب القلوب بوجهة المصلي، فالمصلي يرجع إلى غيب قلبه، ولا يرفع طرفه إلى السماء "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم" والداعي يتوجه إلى السماء ويمد يديه، كما قال: "حتى رأينا عفرة إبطيه" انتهى ملخصا.
﴿قِبْلَةً﴾
قال الْحَرَالِّي: نكرها لما كان من ورائها قبلة التوجه العام في تنقله، فتلك هي القبلة التي هي توجه لوجه الله، لا توجه لمنظر باد من خلق الله، فكان متسع القبلة ما بين اختصاص القبلة الشامية إلى قيام القبلة الحجازية، إلى إحاطة القبلة العامة الآفاقية.
وفي قوله: ﴿تَرْضَاهَا﴾ إنباء بإقراره للتوجه لهذه القبلة، لأن الرضى وصف المقر
стр. 250
لما يريد، فكل واقع بإرادة لايكون رضى إلى أن يستدركه الإقرار، فإن تعقبه الرفع والتغيير، فهو مراد غير مرضى - انتهى.
﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
قال الْحَرَالِّي: سماه الله حراما لحرمته، حيث لم يوطأ قط إلا بإذنه، ولم يدخل إلا دخول تعبد وذلة، فكان حراما على من يدخله دخول متكبر أو متحير - انتهى.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: بالياء أي التحتانية إعراضا عنهم، وبالتاء إقبالا عليهم، ففيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم في رتبتين: في متماد على سوء هدد فيه لما أقبل عليه، وفي متماد على أسوأ منه أوجب في تهديده الإعراض عنه، والإقبال على غيره، ممن لم يصل في السوء والمكائدة إلى ما وصل إليه المعرض عنه.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾
قال الْحَرَالِّي: فأبهمه ولم يكن نحو الأول الذي قال فيه: ﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ لظهور ما ذكر في الأول، وخفاء ما وقعت إليه الإشارة في هذا، وجاءت فيه "من" التي هي لابتداء من أولية، لخفاء مبدأ أمر ما جاء من العلم هنا، وظهور ذلك الأول، لأن ذلك كان في أمر الملة التي مأخذها العقل، وهذه في أمر التوجيه الذي مأخذه الدين والغيب.
قال الْحَرَالِّي: قال تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ على حد ما ذكر من أنه من لمح لمحا ما وصف كان من الموصوف به بألطف لطف، ووصف كل رتبة بحسبها، فما يرفع عنه النبي، ﷺ ، من باب إظهار رغبته وحرصه على هداية الخلق الذي جبل على الرحمة فيه، وطلب المسامحة في التقاصر عنه، نظرا منه إلى حق الله، تعالى، ومضمون وصية الله، تعالى، حين أوصاه بغير ترجمان ولا واسطة، أن يصفح عمن
стр. 251
ظلمه، ويصل من قطعه، فكان، ﷺ ، يطلب وصل المنقطع عنه، حتى يعلن عليه بالإكراه في ترك ذلك، وودعه فيجيبه حكما، وإن كان معه علما، ومنه قوله: "اللهم [اغفر] لقومي فإنهم لا يعلمون" ففي طي كل خطاب له يظهر الله، ، فيه إكراهه على أخذ حكم الحق وإمضاء العدل، أعظم مدحة له، والتزام لوصيته إياه، فهو ممدوح بما هو مخاطب بخطاب الإكراه على إمضاء العدل، أعظم مدحة له، والاختصار في أمر رحمته للعالمين، فرفعه الله أن يكون ممن يضع رحمة في موضع استحقاق وضع النقمة، فذلك الذى يجمع معناه بين متقابل الظالمين فيمن يضع النقمة موضع الرحمة، فيكون أدنى الظلم، أو من يضع الرحمة في موضع النقمة فيكون منه بتغيير الوضع، بوضع الفضل موضع العدل، وعلى ذلك جميع ما ورد في القرآن من نحو قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي في إمضاء العدل - ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ في طلب الفضل لأهل العدل، فإن الله يمضي عدله كما يفيض فضله، وكذلك قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ فيه إظهار لمدحته بحرصه على تألف الأبعدين، ووصل القاطعين، حتى ينصرف عنهم بالحكم وإشادة الإكراه عليه في ذلك، فلا ينصرف عن حكم الوصية إلى حكم
стр. 252
الكتاب بالحق إلا عن إشادة بإكراهه عليه، فهو محمود بما هو منهى عنه، لأن خطابه أبدا في ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل، وخطاب سائر الخلق جار فيما بين العدل والجور، فبين الخطابين ما بين درج العلو ودرك السفل في مقتضى الخطابين المتشابهين في القول، المتباينين في العلم - انتهى.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ولذلك
قال الْحَرَالِّي في إنبائه تحققهم بعيان ما ذكر لهم من أمره، لأن العارف بالشيء هو الذي كان له به أدراك ظاهر بأدلة، تم أنكره لاشتباهه عليه، ثم عرفه لتحقق ذكره، لما تقدم من ظهوره في إدراكه، فلذلك معنى المعرفة لتعلقها بالحس، وعيان القلب أتم من العلم المأخوذ عن علم بالفكر، وإنما لم تجز في أوصاف الحق لما في معناها من شرط النكرة، ولذلك يقال: المعرفة حد بين علمين: علم علي تشهد الأشياء ببواديها، وعلم دون يستدل على الأشياء بأعلامها.
وفيه أي التشبيه بالأبناء إنباء باتصال معرفتهم به كيانا كيانا إلى ظهوره، ولو لم يكن شاهده عليهم إلا ارتحالهم من بلادهم من الشام إلى محل الشدائد من أرض الحجار لارتقابه وانتظاره ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ وأجرى المثل بذكر الأبناء لاشتداد عناية الوالد بابنه لاعتلاقه بفؤاده، ففيه إنباء بشدة اعتلاقهم به قبل كونه ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ أي أهل الكتاب ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي يخفونه ولا يعلنونه.
ولما كان لا يلزم من ذلك علمهم به، ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند الكتمان قال: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي أنه حق، وأنهم آثمون بكتمانه، فجعلهم أصنافا: صنفا عرفوه فاتبعوه، وصنفا عرفوه فأنكروه، كما في إفهامه، وفريقا عرفوه فكتموه، وفي تخصيص
стр. 253
هذا الفريق بالعلم إشعار بفرقان ما بين حال من يعرف، وحال من يعلم، فلذلك كانوا ثلاثة أصناف: عارف ثابت، وعارف منكر هو أرداهم، وعالم كاتم لاحق به.
وفي مثال يكتمون ويعلمون إشعار بتماديهم في العلم، وتماديهم في الكتمان، ولأن هذا المجموع يفيد قهر الحق للخلق بما شاء منهم من هدي وفتنة، لتظهر فيها رحمته ونقمته، وهو الحق الذي هو ماضي الحكم، الذي جبلة محمد، ﷺ ، تتقاضى التوقف فيه، لما هو عليه من طلب الرحمة ولزوم حكم الوصية، خاطبه الحق بقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ أي هذا التفريق والتصنيف، الموجب لعمارات درجات الجنة، وعمارات دركات النار، هو الحق، أو يكون المعنى: الحق الذي أخبرت به في هذه السورة، أو الآيات، أو جنس الحق، كائن ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ المحسن إليك بطرد ما يضر أتباعه، كما هو محسن إليك بالإقبال بمن ينفع أتباعه ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ فيما فسر نحوه من اشتباه المرتبتين: الواقعة منه فيما بين الفضل والعدل، والواقعة من غيره فيما بين الجور والعدل - انتهى. وفيه زيادة وتغيير.
قال الْحَرَالِّي: والممتري: من الامتراء، وهو تكلف المرية، وهي مجادلة تستخرج السوء من خبيئة المجادل، من امتراء ما في الضرع، وهو استئصاله حلبا، ولأنه حال الشاك ربما أطلق عليه.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾
قال الْحَرَالِّي: في قراءة موليها - بالكسر - إشعار باختلاف جبلات أهل الملل، وإقامة كل طائفة منهم بما جبلت عليه، وفي قراءة
стр. 254
مولاها إظهار حقيقة ذلك، وأنه ليس ذلك منهم، بل بما أقامهم فيه المولى لهم حيث شاء، وأبهم فيه المولى لما كان في طوائف منهم حظ هوى، وهو من التولية، وهو ما يجعل مما يلي الجسد، أو القصد أي يكون ميالا بين يديه، ملاصقا له - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: من حيث يرد الخلق في البعث إلى موطن القبلة السابقة من أرض الشام، فيكون موطن الحق والعدل أولى القبلتين بذلك، لأن أعلى القبلتين موطن أمنة، من حيث إن من دخله كان آمنا، فكان المحشر إلى قبلتهم الأولى التي هي بداية الأمر، ليطابق الآخر من القبلتين الأولى، من حيث كان الآخر في الدنيا للفضل، والأول في الآخرة للعدل، ومن الدعوتين، من حيث كانت الدعوة الأولى في الأول حكما وعلما، والإتيان الآخر في العقبى قهراً وملكا.
قال الْحَرَالِّي: ومن التفت بقلبه [في صلاته إلى غير ربه لم تنفعه وجهة وجه بدنه إلى الكعبة، لأن ذلك حكم حق، حقيقته توجه القلب، ومن التفت بقلبه -] إلى شيء من الخلق في صلاته فهو مثل الذي استدبر بوجهه عن شطر قبلته، فكما يتداعى الإجزاء الفقهي باستدبار الكعبة حسا، فكذلك يتداعى القبول باستدبار وجه القلب عن الرب غيبا، فلذلك أقبل هذا الخطاب على الذين آمنوا والذين أسلموا، لأنه هو، ﷺ ، مبرأ عن مثله - انتهى.
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: وذكر في أمته بالكون، لا بالخروج، إشعارا
стр. 255
بتقاصر الأمة عن علو أحوال الأيمة، وأن حال الأمة في خلوتهم كحالهم في جلوتهم - انتهى.
﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفيه إشعار يلحظ صحة صلواتكم فرادى وفي بيوتكم، كما قال: "إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت في أهلك" بخلاف هو، ﷺ ، فإن صلاته لاتقع إلا جمعا، من حيث إنه يصلي لهم، وإنه إمام لاتقع صلاته فذا - انتهى.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: في طيه بشرى بفتح مكة واستيلائه على جزيرة العرب كلها، وتمكنه بذلك من سائر أهل الأرض، لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين فتح الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها، التي انتهى إليها ملك أمته - انتهى.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفي كلمة "لعل"، على ما تقدم، إيهام يشعر بتصنيفهم صنفين: مهتد للثبات على السنة، ومتغير فيه بوجه من وجوه البدعة، لما ذكر من أن ماهو للخلق نردد فهو من الحق تقسيم وإبهام في تعيين ذلك التقسيم والتصنيف، ففيه إعلام لقوم بالاهتداء الدائم، بما تفهمه صيغة الدوام، وإشعار
стр. 256
بانقطاع قوم عن ذلك التمادي، بما يفهمه ماهو للخلق بموضع الترجي، وفي طيه إشعار باستبدادهم بالأمر بعد وفاة النبي، ﷺ ، وانقسامهم فيه بين ثابت عليه، دائم الاهتداء فيه، ومتغير عنه، كما ظهر فيما كان من ثبات من ثبت بعده، وردة من أرتد - انتهى.
﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾
قال الْحَرَالِّي: وفيه أخذهم بما هو في طباعهم من إيثار أمر السمع على أمر العين الذي عليه جبلت العرب، لأنها أمة تؤثر مسموع المدح والثناء من الخلق على ما تناله من الراحة، فتجهد في طلب الثناء من الخلق ما لم تجهد أمة غيرها، فكيف بها إذا كان ما دعيت إليه ثناء الحق عليها، وتخليد ذلك لها في كلام ربها، فتنال بذلك ماهو فوق مقصودها، مما جبلت عليه من إيثار السماع على العين، بخلاف ما عليه سائر الأمم.
ثم قال: وفيه إغناء العرب عن أعمال أفكارها في تكسب العلم والحكمة، لتستخرج منه أحكاما، فكان في تلاوة الآيات عليهم إغناؤهم عن الاستدلال بالدلائل، وأخذ الأمور بالشواهد، وتولى الله ورسوله تعليمهم ليكون شرف المتعلم بحسب علاء من علمه، ففضل علماء العرب على سائر العلماء كفضل النبي، ﷺ ، على معلمهم ممن سواه، ﷺ انتهى.
﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: أنبأهم بأن هذا التنزيل لأنفسهم بمنزلة الغذاء للأبدان، فكما تتنامى أجسادهم بماء المزن، ومامنه، فكذلك تتنامى أنفسهم بأحكام الكتاب وتلاوة
стр. 257
الآيات، وذلك زكاؤها ونماؤها، لتتأكد فيهم رغبتهم، لأن للمغتذي رغبة في الغذاء إذا تحققه، فمن علم أن التزام الأحكام غذاء لنفسه حرص عليها، ومتى نمت النفس وزكت قويت على ما شأنها أن تناله قواها، كما أن البدن إذا قوى بالغذاء تمكن مما شأنه عمله - انتهى.
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾
قال الْحَرَالِّي: أي الفقه فيه.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾
قال الْحَرَالِّي: فخص تعليم الحكمة من عموم تعليم الكتاب، لأن التوسل بالأحكام جهد عمل، والتوسل بعلم الحكمة يسر منال عقل، لأن الحكمة منال الأمر الذي فيه [عسر، بسبب فيه] يسر، فينال الحكيم بحكمته، لاطلاعه على إفضاء مجعول الأسباب بعضها لبعض، مما بين أسباب عاجل الدنيا ومسببات آجل الآخرة - ما لا يصل إليه جهد العامل الكادح، وفي تكملة الكتاب والحكمة بكلمة "ال" إنهاء إلى الغاية الجامعة لكل كتاب وحكمة، بما يعلمه الأولون والآخرون.
ثم قال: وبذلك كان، ﷺ ، يتكلم في علوم الأولين بكلمات يعجز عنها إدراك
стр. 258
الخلق، نحو قوله، ﷺ : "استاكوا بكل عود، ما خلا الآس والرمان، فإنهما يهيجان عرق الجذام" لأن الخلق لا يستطيعون حصر كليات المحسوسات، غاية إدراكهم حصر كليات المعقولات، ومن استجلى أحواله، ﷺ ، علم اطلاع حسه على إحاطة المحسوسات، وإحاطة حكمها وألسنتها؛ ناطقها وأعجمها حيها وجمادها جمعا، لما في العادة حكمة ولما في خلق العادة آية.
ثم قال: فعلى قدر ما وهب الله، ، العبد من العقل يعلمه من الكتاب والحكمة، يؤثر عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: "كان رسول الله، يكلم أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، فكأنما يتكلمان بلسان أعجمي، لا أفهم مما يقولان شيئا".
ولما كان انتهاء ما في الكتاب عند هذه الغاية أنبأ تعالى أن رسوله، ﷺ يعلمهم مالم يكن في كتابهم مثال علمه، ففيه إشعار بفتح وتجديد فطرة يترقون لها إلى مالم يكن في كتابهم علمه - انتهى.
стр. 259
ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم، ولوقائعهم ولأيامهم، جعل، ، ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون، كما جعل كتابه عوضا من أشعارهم، وهز عزائمهم لذلك بما يسرهم به من ذكره لهم - انتهى.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وأيسر الصبر صبر النفس عن كسلها، بأخذها بالنشاط فيما كلفت به، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فمتى يسر الله، ، عليها الجد والعزيمة جعل لها فيما كانت تصبر عليه في الابتداء الاستحلاء فيه، وخفت عنها وظيفة الصبر، ومتى لم تصبر في كسلها، وعلى جدها تدنست فنالها عقوبات يكون الصبر عليها أشد من الصبر الأول، كما أن [من] صبر عن حلو الطعام لم يحتج أن يصبر على مر الدواء، فإن تحملت الصبر على عقوبات ضياع الصبر الأول، تداركها نجاة من اشتداد العقوبة عليها، وإن لم تتصبر على تلك العقوبات وقعت في مهالك شدائد العذاب، فقيل لأهلها: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾.
ثم قال: فبداية الدين صبر، وخاتمته يسر، فإن من كان من الله، سبحانه
стр. 260
وتعالى، معه رفع عنه مرارة الصبر، بوضع حلاوة الصحبة التي تشعر بها كلمة [مع]- انتهى.
قال الْحَرَالِّي: ولما كان الصبر لله إنما هو حمل النفس على ما تعهد فيه كرهها، أنبأهم الحق، تعالى، أن الصبر له ليس على المعهود، وأنه يوجد فيه عند تجشمه حلاوة لذة الحياة، وإن كان ذلك مما لا يناله شعور الذين آمنوا، لخفائه عن إدراك العقول، فأنبأهم بما يحملهم على تجشم الصبر في الجهاد في سبيل الله فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ عطفا على متجاوز أمور تقتضيها بركة الجهاد - انتهى.
﴿أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: فكأنه، تعالى، ينفي عن المجاهد مثال المكروه من كل وجه، حتى في أن يقال عنه إنه ميت، فحماه من القول الذي هو عندهم من أشد غرض أنفسهم، لاعتلاق أنفسهم بجميل الذكر.
ثم قال: وأبهم أمرهم في هذه السورة، ونفى عنهم القول، لأن هذه سورة الكتاب المدعو به الخلق، وصرح بتفضيله في آل عمران، لأنها سورة قيام الله الذي به تجلى الحق، فأظهر غيب أمره في سورة إظهار أمره، وأخفاه في سورة ظاهر دعوتهم - انتهى.
﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: قال ذلك نفيا بكلمة "لا " ومثال الدوام، ففيه
стр. 261
إعلام بأن الذين آمنوا ليس في رتبتهم الشعور به أصلا، إلا أن يرقيهم الله بنماء سن القلوب، وصفاء الأنفس، إلى ما فوق ذلك من سن المؤمنين إلى سن المحسنين، الذين يشهدون من الغيب مالا يشهده من في رتبة الذين آمنوا - انتهى.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: فالصبر الأول أي في: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ عن الكسل وعلى العمل، والصبر الثاني أي في: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ على مصائب الدنيا، فلذلك انتظم بهذه الآية؛ آية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ عطفا وتجاوزا لأمور يؤخذ بها من لم يجاهد في سبيل الله ضعفا عن صبر النفس عن كره القتال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ فمن لم يحمل الصبر الأول على الجهاد أخذ بأمور هي بلايا في باطنه، تجاوزها الخطاب فانعطف عليها ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ وهو حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها ﴿وَالْجُوعِ﴾ وهو غلبة الحاجة إلى الغذاء على النفس، حتى تترامى لأجله فيما لا تتأمل عاقبته، فإذا كان على غير غلبة مع حاجة فهو الغرث، فلذلك في الجوع بلاء ما، والغرث عادة جارية.
وقال أيضا: الجوع: فراغ الجسم عما به قوامه، كفراغ النفس عن الأمنة التي لها قوام ما، فأفقدها القوامين: في ذات نفسها بالخوف، وفي بدنها بالجوع، لما لم تصبر على كره الجهاد، وقد كان ذلك لأهل الصبر عليه أهون من الصبر على الخوف
стр. 262
والجوع. وإنما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف، حيث خافوا الأعداء على أنفسهم، فجاءهم إلى مواطنهم، من لم يمش إلى طبيبه ليستريح، جاء الطبيب لهلاكه، وشتان بين خوف الغازي للعدو في عقره، وبين خوف المحصر في أهله، وكذلك شتان بين أرزاق المجاهد وتزويده، و ﴿خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ في سبيله لجهاده، وبين جوع المتخلف في عيلته - انتهى.
﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾
قال الْحَرَالِّي: لأن ذلك عرف استعمالهم في لفظ المال.
وقال أيضا: [والمال] ماهو للمتمول بمنزلة الجزء منه عنده لماله لذلك منه، تضاعف، تعالى، مثال البلاء في ذوات أنفسهم وأبدانهم، ليقطع عنهم راحة تطلع الكفاية من الأموال، في مقابلة ما ينال المجاهد من الغناء والرزق، فالمجاهد آمن في جيشه، متزود في رحله، غانم من عدوه، والمتخلف خائف في أهله، جائع في عيلته، ناقص المال من ذات يده - انتهى.
﴿وَالْأَنْفُسِ﴾
قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بأن من جاهد كثر عدده ونما ولده، وأن من تكاسل قل عدده، ودرج خلفه، وفي ضمنه إشعار بمنال
стр. 263
المتكاسل حواصد من جوارف الآجال من الوباء والطاعون وغيره - انتهى.
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: ولما كان هذا البلاء في تكاسل من الصبر الأول، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وكان مما يتداركه صبر عليه، تدارك، تعالى، هذه الرتبة ببشرى الصابرين من هلكة ما ينال من لم يصبر على هذه المصيبة وضجر منها وتسخط فيها، فكان للصابر الأول الصحبة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
ولما كان للصابر الثاني البشرى بالسلامة من عقوبة الآخرة ومنالهم لما نولهم، وشتان بين من كان الله معه، وبين من قيل لنبيه: بشره بصبره على بلاء التخلف.
ولما كان للأنفس مدخل في تحمل الصبر شرفا وحفيظة على الأحساب والرتب الدنيوية - خلص، تعالى، الصابرين له من الصابرين تطبعا وتحاملا فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا
стр. 264
أَصَابَتْهُمْ﴾ من الإصابة وهو وقوع المسدد على حد ما سدد له من موافق لغرض النفس أو مخالف لها. "مصيبة" خصيصة، عرف الاستعمال بما لا يوافق تكرها لخصوص ذكره - انتهى.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: لتكون ذلك غاية في إسلام ثمراتهم وأموالهم وما نقصوا من أنفسهم، فحين لم يجاهدوا في سبيل الله فأصابتهم المصائب كان تلافهم أن يسلموا أمرهم لله ويذكروا مرجعهم إليه، ويشعروا أن ما أخذ من أنفسهم وما معها ذخيرة عنده، فيكون ذلك شاهد إيمانهم ورجائهم للقائهم، فتقع مجاهدتهم لأنفسهم في ذلك بموقع جهادهم في سبيل الله الذي فاتهم، وجعلها جامعة مطلقة لكل من أصابته مصيبة فاسترجع بها ثبت أجره بما أصيب، وتلاقاه الله بالاهتداء إلى ما تقاصر عنه قبل ذلك، قال: ﴿أُولَئِكَ﴾ خطابا لنبيه، واستحضارا لهم بمحل بعد عن قربه وغيبة عن إقباله عليهم، قال: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ صلاة الله على عباده هي إقباله عليهم بعطفه؛ إخراجا لهم من حال ظلمة إلى رفعة نور، قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ فبصلاتهم عليهم إخراجهم من جهات ما أوقعهم في وجوه تلك
стр. 265
الابتلاءات، فلذلك كان ذلك صلوات بالجمع، ولم يكن صلاة، ليعدد ما أصابهم منه عدد تلك الابتلاءات.
وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إشعار بتدريجهم في ذلك بحكم تربية وتدارك الأحوال ما أصابهم، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ إفرادا لمنالها لهم بعد متقدم الصلوات عليهم، فنالتهم الرحمة جمعا، حين أخرجتهم الصلوات أفرادا.
قال تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الذين نالتهم الصلوات والرحمة، فأبقاهم مع ذلك في محل بعد في الحضرة، وغيبة في الخطاب، ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فجاء بلفظ "هم " إشعار بصلاح بواطنهم عما جره الابتلاء من أنفسهم - انتهى.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ اسم "الصفا" من الصفوة، وهو ما يخلص من الكدر، واسم "المروة" من المرو، وهو ما تحدد من الحجارة. قاله الْحَرَالِّي.
وقال الْحَرَالِّي: لما تقدم ذكر جامعة من أمر الحج في قوله، : ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ من حيث إن النعمة المضافة إليه أحق بنعمة الدين، وفي ضمنها نعمة الدنيا التي لم يتهيأ الحج إلا بها من الفتح والنصر والاستيلاء على كافة
стр. 266
العرب، كما قال، تعالى، فيما أنزل يوم تمام الحج الذي هو يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ وذلك بما أتم الله ، عليهم من نعمة تمام معالم الدين، وتأسيس الفتح بفتح أم القرى، التي في فتحها فتح جميع الأرض، لأنها قيام الناس. نظم، تعالى، بما تلاه من الخطاب تفصيلا من تفاصيل أمر الحج، انتظم بأمر الذين آمنوا، من حيث ما في سبب إنزاله من التحرج للذين أعلموا برفع الجناح عنهم، وهم طائفة من الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، فتحرجوا من التطوف بين الصفا والمروة، وطائفة أيضا خافوا أن يلحقهم في الإسلام بعملهم، نحو ما كانوا يعملونه في الجاهلية، نقص في عمل الإسلام، فأعلمهم الله، أن ذلك موضوع عنهم، لمختلف نياتهم، فإن الأعمال بالنيات، فما نوى لله كان لله، ولم يبل فيه بموافقه ما كان من عادتهم في الجاهلية.
وفي فقهه صحة السجود لله، ، لمن أكره على السجود للصنم، وفي طي ذلك صحة التعبد لله بكلمة الكفر لمن أكره عليه، أذن،
стр. 267
- ﷺ ، غير مرة في أن يقول فيه قائل ما يوافق الكفار بحسن نية للقائل في ذلك، ولقضاء حاجة له من حوائج دنياه عند الكفار، فظهر بذلك كونه، ﷺ ، رحمة للعالمين، يقبل الضمائر، ولم يبال بالظواهر في أحوال الضرائر، فرفع الله، ، عنهم الجناح بحسن نياتهم وإخلاصهم لله، ، عملهم، فبهذا النحو من التقاصر في هذه الرتبة، انتظم افتتاح هذا الخطاب بما قبله من أحوال الذين آمنوا من المبتلين بما ذكر - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: وهي "أي الشعائر" ما أحست به القلوب من حقه. وقال: والشعيرة: ما شعرت به القلوب من أمور باطنة. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وإنما ذكرها، تعالى، بالشعائر وعملها معلم [من] معالم الإسلام وحرمة من حرم الله، لما كان حكم في أمر القلوب التي كان في ضمائرها تحرجهم، فمن حيث ذكرها بالشعيرة صححها الإخلاص والنية.
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ ذكر البيت في الحج، والمسجد الحرام في التوجه لانتهاء الطواف إلى البيت، واتساع المصلى من حد المقام إلى ما وراءه، لكون الطائف منتهيا إلى البيت، وكون المصلي قائما بمحل أدب يؤخره عن منتهى الطائف مداناة المبيت،
стр. 268
وذكره، تعالى، بكلمة "من" المطلقة المستغرقة لأولي العقل، تنكبا بالخطاب عن خصوص المتحرجين، ففي إطلاقه أشعار بأن الحج لا يمنعه شيء مما يعرض في مواطنه من مكروه الدين، لاشتغال الحاج بما هو فيه عما سواه، ففي خفي فقهه إعراض الحاج عن مناكر تلك المواطن التي تعرض فيها بحسب الأزمان والأعصار، ويؤكد ذلك أن الحج آية الحشر، وأهل الحشر: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ فكذلك حكم ماهو آيته، وحج البيت إتيانه في خاتمة السنة من الشهور، الذي هو شهر ذي الحجة أنه ختم العمر، كما كان النبي، ﷺ ، حيث ختم الله، ، عمره بعمل الحج؛ قال : ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ فذكر العمرة مع الحج لما كان الطواف بين الصفا والمروة من شعائر العملين ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ وهو المؤاخذة على الجنوح، والجنوح الميل عن جادة القصد - انتهى.
﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾
قال الْحَرَالِّي رفع الجناح عن الفعل حكم يشترك فيه الجائز والواجب والفرض والمباح، حتى يصح أن يقال: لا جناح عليك أن تصلي الظهر، كما يقال: لا جناح عليك أن تطعم إذا جعت، وإنما يشعر بالجواز والتخيير
стр. 269
نفي الجناح عن الترك لا عن الفعل، كما قال، ﵊، للذين سألوه عن العزل: "لا جناح عليكم ان تفعلو" أي أن لا تنزلوا، لأن الفعل كناية عن الثبوت لا عن الترك الذي هو معنى العزل، وهو الذي قررته عائشة، رضي الله تعالى عنها، لما قال عروة: ما أرى على أحد شيئا أن لايطوف بهما، فقالت: لو كان كما تقول كان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما - الحديث.
قال الْحَرَالِّي: وما روى من قراءة من قرأ: "أن لا يطوف بهما" فليست "لا" نافية، على حد ما نفت معناه عائشة، ﵂، وإنما هي مؤكدة للإثبات، بمنزلة: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ و ﴿ليلا لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ لأن من تمام المبهم استعماله في المتقابلين من النفي والإثبات، وكذلك جاءت "لا" في لسان العرب بمنزلتها في الاستعمال، وإن كان دون ذلك في الشهرة، فوارد القرآن معتبر بأعلى رتبة لغة العرب وأفصحها، لا يصل إلى تصحيح عربيته من اقتصر من النحو والأدب على ما دون الغاية، لعلوه في رتبته العربية: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وذكره، تعالى، بالتطرف الذي هو تفعل أي تشبه بالطواف، ومع البيت بالطواف في قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ لما كان السعي ترددا
стр. 270
في طول، والمراد الإحاطة بهما، فكان في المعنى كالطواف لا في الصورة، فجعله لذلك تطوفا أي تشبها بالطواف - انتهى.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾
قال الْحَرَالِّي أي كلف نفسه معاهدة البر والخير من غير استدعاء له، ﴿خَيْرًا﴾ فيه إعلام بفضيلة النفقة في الحج والعمرة بالهدي ووجوه المرافق للرفقاء، بما يفهمه لفظ الخير، لأن عرف استعماله في خير الرزق والنفقة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. و ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾.
ولما كان رفع الجناح تركا عادلها في الخطاب بإثبات عمل خير، ليقع في الخطاب إثبات يفيد عملا حين لم يفد الأول إلا تركا، فمن تحقق بالإيمان أجزل نفقاته في الوفادة على ربه واختصر في أغراض نفسه، ومن حرم النصف من دنياه اقتصر في نفقاته في وفادته على ربه، وأجزل نفقاته في أغراض نفسه وشهوات عياله، فذلك علم من أعلام المؤمنين، وأعلام الجاهلين، من وفد على الملك أجزل ما يقدم بين يديه، وإنما قدمه بالحقيقة لنفسه لا لربه، فمن شكر نعمة الله بإظهارها حين الوفادة عليه، في آية بعثه إليه ولقائه له، شكر الله له ذلك يوم
стр. 271
يلقاه، فكانت هدايا الله له يوم القيامة أعظم من هديه إليه يوم الوفادة عليه في حجه وعمرته.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: وقوله ﴿عَلِيمٌ﴾ فيه تحذير من مداخل الرياء والسمعة في إجزال النفقات، لما يغلب على النفس من التباهي في إظهار الخير - انتهى.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾
قال الْحَرَالِّي: فانتظمت هذه الآية أي في ختمها لهذا الخطاب بما مضى في أوله من قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فكانت البداية خاصة، وكان الختم عاما، ليكون ما في كتاب الله أمرا على نحو ما كان أمر محمد، ﷺ ، ومن تقدمه من الرسل خلقا، لينطبق الأمر على الخلق بدءاً وختما، انطباقا واحدا، فعم كل كاتم من الأولين والآخرين - انتهى.
﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾
قال الْحَرَالِّي: ففي إفهامه إذن في كتم ما يخفى من العلم عن عقول لم تصل إليه - انتهى.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾
قال الْحَرَالِّي: لأن المسمين بالناس من أصاغر سن القلوب، لما ذكر من نوسهم، وأكثر ما يخص به، كما تقدم، الملوك ورؤساء
стр. 272
القبائل وأتباعهم الذين زين لهم حب الشهوات - انتهى.
﴿فِي الْكِتَابِ﴾
قال الْحَرَالِّي: فما بينه الله، ، في الكتاب لايحل كتمه، لما ذكر من أن الكتاب هو ما احتوى على الأحكام والحدود، بخلاف ما يختص بالفرقان، أو يعلو إلى رتبة القرآن - انتهى.
﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ واللعن: إسقاط الشيء إلى أردى محاله، حتى يكون في الرتبة الفعل من العامة. قاله الْحَرَالِّي.
﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وفي الربط بالفاء إشارة إلى إسراع استنفاذ توبة الله عليهم، من نار الخوف والندم، رحمة منه لهم برفعهم إلى موطن الإنس، لأن نار الخوف في الدنيا للمقترف رحمة من عذاب النار؛ تفدية من نار السطوة في الآخرة، من لم يحترق بنار المجاهدة أحرقته نار الخوف، فمن لم يحترق بنار الخوف أحرقته نار السطوة. أفاده الْحَرَالِّي.
﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: ففي إشعاره يسر توبة الكافرين وعسر توبة المنافقين، من حيث صرح بذكر توبة الكاتم، وتجاوز في الذكر توبة الكافر، فكان الذين كفروا يتوبون إلا الأقل، والذين يكتمون يتمادون إلا الأقل، فلذلك
стр. 273
[وقع] الاستثناء في الكاتم، والتخصيص من الكافر - انتهى.
﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾
وقال الْحَرَالِّي: ذكر وصف العذاب بذكر ما لزمهم من اللعنة، ليجمع لهم بين العقابين: عقابا من الوصف، وعقابا من الفعل، كما يكون لمن يقابله نعيم ورضى - انتهى.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: من النظرة، وهو التأخير المرتقب نجازه.
قال الْحَرَالِّي: ففيه إشعار بطائفة، أي من عصاة المؤمنين، يؤخر عذابهم، وفي مقابلة علم الجزاء بأحوال [أهل] الدنيا تصنيفهم بأصناف في اقتراف السوء، فمن داومه داومه العذاب، ومن أخره وقتا ما في دنياه أخر عنه العذاب، ومن تزايد فيه تزايد عذابه، وذلك لكون الدنيا مرزعة الآخرة، وأن الجزاء بحسب الوصف: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ - انتهى.
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾
وقال الْحَرَالِّي: ولما كان مضمون الكتاب دعوة الخلق إلى الحق، والتعريف بحق الحق على الخلق، وإظهار مزايا من اصطفاه الله، تعالى، ممن شملهم أصل الإيمان، من ملائكته وأنبيائه ورسله، ومن يلحق بهم من أهل ولايتهم، وإظهار شواهد ذلك منهم، وإقامة الحجة بذلك على من دونهم في إلزامهم أتباعهم، وكان الضار للخلق إنما هو الشتات، كان النافع لهم إنما هو الوحدة، فلما أظهر لهم، تعالى، مرجعهم إلى وحدة أبوة آدم، عليه السلاة والسلامة، في
стр. 274
جمع الذرية ووحدة أبوة إبراهيم، ﵊، في جمع الإسلام، ووحدة أحمدية محمد، ﷺ ، في جمع الدين، فاتضج لهم عيب الشتات والتفرق، وتحقق لهم شاهد النفع في الجمع إلى وحدات - كان ذلك آية على أعظم الانتفاع بالرجوع إلى وحدة الإلهية في أمر الحق.
وفي إفهام ذلك وحدات مايظن في ظاهر الوحدات الظاهرة؛ من وحدة الروح ووحدة النفس والعقل، فقال، تعالى، عطفا على ما ظهر بناؤه من الوحدات الظاهرة، وما أفاده إفهامها من الوحدات الباطنة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فإذا قبح الشتات مع وحدة الأب الوالد، فكيف به مع وحدة الأب المدين! فكيف به مع وحدة النبي المكمل! فكيف به مع وحدة الإله الذي هو: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ الذي شمل خلقه رحمانية! ﴿الرَّحِيمِ﴾ الذي اختص أولياءه وأصفياءه عناية، فجمعهم بوحدته التي هي قائم كل وحدة دونه! فجميع أسمائه لها وحدة تنتهي
стр. 275
وحدتها إلى وحدة الإله الذي انتهى إليه الإله، وهو تعبد الظاهر، لإلجاء المتعبد إليه في كل حاجاته، وإقامات الظاهرة والباطنة، ولا أتم من وحدة ما لا يتصوره العقل، ولا يدركه الحس في علو وحدة الغيب، الذي لا يبدو فيه ذات، فيكون لها أو فيها كميات ولا كيفيات.
ثم قال: وقد صح بالتجربة أن الراحة في صحبة الواحد، وأن التعب في اتباع العدد، لاختصاص كل واحد بقصد في التابع. يتشاكس عليه لذلك حال أتباعهم، فكان أعظم دعوة إلى جمع الخلق دعوتهم إلى جمع توحيد الإلهية؛ انتظاما بما دعوا إليه من الاجتماع في اسم الربوبية في قوله، تعالى، متقدما: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فإعلام الخطاب من رتبة الربوبية إلى رتبة هذه الدعوة بالإلهية لتعلو من هذا الحد إلى الدعوة إلى الله الأحد، الذي أحديته مركوزة في كافة فطر الخلق وجبلاتهم، حين لم يقع الشرك فيه بوجه، وإنما وقع في رتبة الإلهية، فكان هذا أوسط الدعوة بالاجتماع في وحدة الإلهية، وفي إضافة اسم الإله إليهم أتم تنزل بمقدار معقولهم من تعبدهم الذي هو تألههم. ولما كان في الإلهية دعوى كثرة توهم الضلال المبين اتبع ذلك بكلمة التوحيد، بناء على اسمه المضمر في باطن ظاهر الإلهية، فقال
стр. 276
تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ردا على إضمار ما في الأول، ولم يذكر اسمه المظهر ليكون للدعوة إليه رتبة عالية، تكون هذه منقولا إليها.
ولما كان هذا التوحيد الإلهي أمر غيب من الإله أظهره، ، بمظهر الرحمانية المحيطة الشاملة، والرحيمية، الاختصاصية لما عند الخلق من شاهد ذلك فيما يجدونه من أثر الرحمانية في دنياهم وأثارهم، وما يجدون من آثار الرحيمية [في اختصاصهم المزية في تضاعف رحمته، فكان في مجموع هذه الآية أعظمية من غيب الإلهية إلى تمام الاختصاص الرحيمية -]، فلذلك كانت هذه الآية مع آية الإحاطة في [أول] آل عمران الجامعة لمقابلة ما في هذه الآية من خصوص الرحيمية، مع خصوص مقابلها من وصف الانتقام الظاهر عن وصف العزة الذي أبداه قوله : ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ فكانت هذه الآية لذلك مع: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ اسم الله الأعظم المحيط بالغيب والشهادة جمعا للرحمة والنقمة في الظاهر، وإحاطة عظمة في الباطن، فكان هذا الحد من علو الخطاب ابتداء رفع الخلق إلى التعلق باسم الله
стр. 277
الأعظم، الذي يرفعهم عن سفل تقيدهم بأنفسهم المحقرة؛ إظهارا لمبدإ العناية بهذه الأمة الخاتمة - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: ولما كان من سنة الله أن من دعاه إليه وإلى رسله بشاهد خرق عادة في خلق أو أمر، عاجله بالعقوبة في الدنيا، وجدد بعده أمة أخرى، كما قال، : ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ وكانت هذه الأمة خاتمة ليس بعدها أمة غيرها، أعفاها ربها من احتياجها إلى خرق العوائد، قال ﵊: "ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر، وإنما كان الذي أتاني الله وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا" فكان أمر الاعتبار أعم إجابة، وأسمح مخالفة، وكفاها بما قد أظهره [لها] في خلقه بالإبداء والتخير من الشواهد، ليكونوا علماء منقادين لروح العلم، لا لسلطان القهر، فيكون ذلك من مزاياهم على غيرهم، ولم ينجبها إلى ما سألته من ذلك.
فلما وضل، تعالى، بدعوة الربوبية ذكر الخلق والرزق، وذكر الأرض بأنها
стр. 278
فراش، والسماء بأنها بناء، على عادة العرب في رتبة حس ظاهر - أعلاهم في هذا الخطاب بإيراد آياته وشواهده على علو رتبة معنى معقول فوق رتبة الأمر المحسوس [السابق فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خطابا مع من له نظر عقلي، يزيد على نظر الحس] باعتبار السموات أفلاكها، وعددها بشواهد نجومها، حتى يتعرف أنها سموات معدودة، وذلك مما يظهر موقعه عند من له اعتبار في مخلوق السموات، ولما لم يكن للأرضين شواهد محسوسة بعددها، كما في السموات، لم يجر ذكرها في القرآن إلا مفردة، وجاء ذكر السموات معددة لأهل النظر العقلي، ومفردة لأهل النظر الحسي، وأيسر معتبر مابين السموات والأرض في مقابلة حظيهما في كون السموات في حد من العلو والصفاء والنورانية والحركة، والأرض في مقابل ذلك من السفل والكثافة والظلمانية والسكون، فيقع الاعتبار بحصول مشهود التعاون من مشهود التقابل، وذلك مما يعجز الخلق، فيعلمون أنه من أمر الحق، لأن الخلق إنما يقع لهم التعاون بالمتناسب لا بالمتقابل، فمن آلته الماء مثلا تفسد عليه النار، ومن آلته النار يفسد عليه الماء والحق، ، أقام للخلق
стр. 279
والموجودات والموالد آحادا مجتمعة، قد قهر فيها متنافرات موجودات الأركان، وموجود خلق السماء والأرض المشهود تقابلهما، فما وقع اجتماع النار بالماء على تقابل مابين الحار والبارد، واجتماع الهواء بالأرض على تقابل مابين الكثيف واللطيف، واجتماع الكل في شيء واحد من جسم واحد، وعضو واحد، حتى في جزء واحد من أدق أجزائه، إلا بأمر يعجز عنه الخلق، ولا يقدر عليه إلا الحق، الذي يحار فيه الخلق، فهو إذن إلههم الذي هو إله واحد، آثاره موجودة في أنفسهم، وشواهده مبصرة بأعينهم، وحقائق تلك الشواهد بادية لعقولهم، فكأنه، ، أقرأهم ذكره الحكيم المرئي لأعينهم كشفا لغطاء أعينهم، ليتميزوا عن الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره.
ولما ذكر، ، خلق متقابل العلو والسفل، في ذكر السموات والأرض، نظم بها اختلاف الأفقين اللذين فيهما ظهور مختلفي الليل والنهار، ليتربع اعتبارهم بين اعتبار الأعلى والأسفل، والمشرق والمغرب، فيقع شواهد الإحاطة بهم عليهم في توحيد ربهم، وإرجاع ذلك إليه، دون أن يعزى ذلك إلى شيء من دونه، مما هو داخل في حصر موجود هذه الإحاطة من المحيط الأعلى، والمحيط
стр. 280
الأسفل، والمحيط بالجوانب كلها من ملبس الآفاق من الليل والنهار: خطاب إجمال يناسب مورد السورة التي في موضوعها إجمالات ما يتفسر فيها، وفي سائر القرآن، من حيث إنها فسطاطه وسنامه - انتهى.
﴿وَالْفُلْكِ﴾
قال الْحَرَالِّي: استوى واحده وجمعه، حركات الواحد أول في الضمير، وحركات الجمع ثوان في الضمير، من حيث إن الواحد أول، والجمع ثان مكسر - انتهى.
﴿الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾
وقال الْحَرَالِّي: ولما ذكر، ، جملة الخلق وجملة الاختلاف في الوجهين، وصل يذلك إحاطة البحر بالأرض، وتخلل التجار فيها، لتوصل المنافع المحمولة في الفلك، مما يوصل من منافع المشرق للمغرب، ومنافع المغرب للمشرق، ومنافع الشمال للجنوب وبالعكس، فما حملت جارية شيئا ينتفع به إلا وقد تضمن ذكره مبهم كلمة ﴿مَا﴾ في قوله تعالى: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ وذكرهم باسم الناس الذي هو أول سن يقع فيه الاجتماع والتعاون والتبصر بوجه ما، أدنى ذلك في منافع الدنيا الذي هو شاهد هذا القول - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: أبهم تعالى أمر الخلق والاختلاف والإجراء، فلم يسنده إلى اسم من
стр. 281
أسمائه يظهره، وأسند إنزال الماء من السماء إلى اسمه العظيم الذي هو: ﴿الله﴾ لموقع ظهور القهر على الخلق في استدرار أرزاق الماء واستجداده وقتا بعد وقت، بخلاف مستمر ما أبهم من خلق السموات والأرض الدائم على حالة، واختلاف الليل والنهار المستمر على وجهة، واحتيال إجراء الفلك الماضي على حكم عادته، فأظهر اسمه فيما يشهد به عليهم ضرورتهم في كل حول، ليتوجهوا في العبادة إلى علو المحل الذي منه ينزل الماء، فينقلهم بذلك من عبادة ما في الأرض إلى عبادة من في السماء ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ وقال، ﵊ للأمة: "أين الله؟ قالت في السماء. قال: أعتقها؟ فإنها مؤمنة" فإذن أدنى الإيمان التوجه إلى عبادة من في السماء، ترقيا إلى علو المستوى على العرش، إلى غيب الموجود في أسرار القلوب، فكان في هذه التوطئة توجيه الخلق إلى الإله الذي ينزل الماء من السماء، وهو الله الذي لم يشرك به أحد سواه، ليكون ذلك توطئة لتوحيد الإله، ولذلك ذكر، تعالى، آية الإلهية التي هي الإحياء، والحياة كل خروج عن الجمادية، من حيث إن معنى الحياة في الحقيقة إنما هي تكامل في الناقص، فالمهتز حي بالإضافة إلى الجماد، ترقيا إلى مافوق ذلك من رتب الحياة، من نحو حياة الحيوان ودواب الأرض، فلذلك ذكر، تعالى، الإحياءين بالمعنى، وأظهر الاسم مع الأرض لظهوره في الحيوان، فأظهر حيث خفى عن الخلق، ولم يذكره
стр. 282
حيث هو ظاهر بخلق، فنبههم على الاعتبارين إنزال الماء الذي لهم منه تراب، ومنه شجر، وبه حياة الحيوان، ومنه مرعاهم.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ﴾
وقال الْحَرَالِّي: لما ذكر، تعالى، الأعلى والأسفل، ومطلع الليل والنهار من الجانبين، وإنزال الماء إهواء، ذكر ما يملأ ما بين ذلك من الريح والسحاب الذي هو ما بين حركة هوائية إلى استنارة مائية، إلى ما يلزم ذلك من بوادي نيراته؛ من نحو صواعقه وجملة أحداثه. فكان في هذا الخطاب اكتفاء بأصول من مبادئ الاعتبار، فذكر السماء والأرض والآفاق وما بينهما من الرياح والسحب والماء المنزل الذي جملته قوام الخلق في عاجل دنياهم، ليجعل لهم ذلك آية على علو أمر وراءه، ويكون كل وجه منه آية على أمر من [أمر] الله، فيكون آيات، لتكون في السماء آية على علو أمر الله، فيكون أعلى من الأعلى، وتكون الأرض آية على باطن أمر الله، فيكون أبطن من الأبطن، ويكون اختلاف الليل والنهار آية على نور بدوه وظلمة غيبته، مما وراء أمر الليل والنهار، ويكون ما أنزل من الماء لإحياء الأرض وخلق الحيوان، آية ما ينزل من نور علمه على القلوب، فتحيا بها حياة تكون حياة الظاهر
стр. 283
آية عليه، ويكون تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض آيات على تصريف ما بين أرض العبد الذي هو ظاهره، وسمائه الذي هو باطنه، وتسخير بعضه لبعض ليكون ذلك آية على علو الله على سمائه العلي في الحس، وعلى سماء القلوب العلية في الوجدان.
فلجملة ذلك جعل، تعالى، صنوف هذه الاعتبارات ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ﴾ وهم الذين يقومون في الأمر حق القيام، ففيه إشعار بأن ذلك لا يناله من هو في سن الناس، حتى يتنامى طبعه وفضيلة عقله، إلى أن يكون من قوم يقومون في الاعتبار قيام المنتهضين في أمور الدنيا، لأن العرب عرف استعمالها في القوم إنما هو لأجل النجدة والقوة، حتى يقولون: قوم أو نساء، تقابلا بين المعنيين، وذكر، تعالى، العقل الذي هو نور من نوره هدى لمن أقامه من حد تردد حال الناس إلى الاستضاءة بنوره في قراءة حروف كتابه الحكيم، التي كتبها بيده، وأغنى الأميين، بقراءة ما كتب لهم، عن قراءة كتاب ما كتبه الخلق - انتهى.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾
وقال الْحَرَالِّي: ولما استحق القوم القائمون في أمر الله، ، هذا الاعتبار بما آتاهم الله من العقل، لم يكن من اتخذ من دون الله أندادا مما يقال فيهم: قوم، بل يقصرون إلى اسم النوس الذي هو تردد وتلدد، فكأنه، ، عجب ممن لم يلحق بهؤلاء القوم في هذا الاعتبار الظاهرة شواهده، البينة آثاره، فأنبأ أن طائفة من الناس، على المقابلة من ذلك الاعتبار الظاهر لنور العقل في أخذهم لمقابل العقل، من الحرق الذي يقدم
стр. 284
في موضع الإحجام، ويحجم في موضع الإقدام، ثم غلب ذلك عليهم حتى وصل إلى بواطنهم [فصار حبا كأنه وصلة بين بواطنهم] وقلوبهم وما اتخذوه من دون الله أندادا.
ففيه إشعار بنحو مما أفصح به لبني إسرائيل في كون قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ففي كرم هذا الخطاب في حق العرب ستر عليهم، رعاية لنبيهم في أن يصرح عليهم بما صرح على بني إسرائيل، ففي لحنه إشعار بأن من اتخذ [ندا] من دون الله فتلك لوصلة بين حال قلبه وحال ما اتخذ من دون الله، فمن عبد حجرا فقلبه في القلوب حجر، ومن عبد نباتا فقلبه في القلوب نبات، وكذا من عبد دابة، ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ كذلك إلى ما يقع معبودا من دون الله مما بين أعلى النيرين، الذي هو الشمس، إلى أدنى الأوثان، إلى ما يقع في الخلق من عبادة بعضهم بعضا، من نحو عبادة الفراعنة والنماردة، إلى ما يلحق بذلك من نحو رتبة العبادة باتباع الهوى الشائع موقعه في الأهم، وفي هذه الأمة، لأن من غلب عليه هوى شيء فقد عبده، فكأن عابد الشمس قلبه سعير، وعابد النار قلبه نار، وعابد القمر قلبه زمهرير، ومن عبد مثله من الخلق فقد عبد هواه.
стр. 285
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ فمن عبد الله فهو الذي علا عن سواه من المخلوقات، فعادل، ، خطاب الأولين المعتبرين العقلاء بهذا الصنف الذي انتهى أمرهم في الكفر إلى الحب، من حيث اعتلقت بواطنهم بهم فيما شأنه أن يختص بالله من الخوف والرجاء والنصرة على الأعداء، والإعانة للأولياء، فلما توهموا فيهم مرجى الإلهية ومخافتها أحبوهم لذلك كحب الله، لأن المتعبد مؤتمر، ومبادر: فالمبادر قبل الأمر محب، والمجيب للأمر مطيع، فالمحب أعلى في الطرفين. انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ عطفا على متجاوز أمور من أمور جزائهم، مما نالهم من عقوبات إثر كفرهم في الدنيا، قال، ﵊: "إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء" إلى متمادي غاية رؤيتهم العذاب، وفي قوله "تَرَى" بالتاء، إقبالا على النبي، ﷺ ، تعجيب له بما ينالهم مما أصابوه، وفيه إشعار بأن ذلك من أمر يعلو أمره إلي محل رؤيته التي هي أتم الرؤية، وفي قوله: ﴿يَرَى﴾ بالياء تحسر عليهم، يشعر بأن منالهم من رؤية العذاب، مما كان يزجرهم عما هم عليه، لو رأوه - انتهى.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾
وقال الْحَرَالِّي: موضع الرؤية في الحقيقة هو أن القوة لله جميعا، سلبا عن جميع أندادهم الذين أحبوهم، وعن أنفسهم، كما قال
следующие страницы →