← Тафсир

Тафсир · id 26539

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

الحرالي، أبو الحسن

Полный текст (573 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أسمائه يظهره، وأسند إنزال الماء من السماء إلى اسمه العظيم الذي هو: ﴿الله﴾ لموقع ظهور القهر على الخلق في استدرار أرزاق الماء واستجداده وقتا بعد وقت، بخلاف مستمر ما أبهم من خلق السموات والأرض الدائم على حالة، واختلاف الليل والنهار المستمر على وجهة، واحتيال إجراء الفلك الماضي على حكم عادته، فأظهر اسمه فيما يشهد به عليهم ضرورتهم في كل حول، ليتوجهوا في العبادة إلى علو المحل الذي منه ينزل الماء، فينقلهم بذلك من عبادة ما في الأرض إلى عبادة من في السماء ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ وقال، ﵊ للأمة: "أين الله؟ قالت في السماء. قال: أعتقها؟ فإنها مؤمنة" فإذن أدنى الإيمان التوجه إلى عبادة من في السماء، ترقيا إلى علو المستوى على العرش، إلى غيب الموجود في أسرار القلوب، فكان في هذه التوطئة توجيه الخلق إلى الإله الذي ينزل الماء من السماء، وهو الله الذي لم يشرك به أحد سواه، ليكون ذلك توطئة لتوحيد الإله، ولذلك ذكر، تعالى، آية الإلهية التي هي الإحياء، والحياة كل خروج عن الجمادية، من حيث إن معنى الحياة في الحقيقة إنما هي تكامل في الناقص، فالمهتز حي بالإضافة إلى الجماد، ترقيا إلى مافوق ذلك من رتب الحياة، من نحو حياة الحيوان ودواب الأرض، فلذلك ذكر، تعالى، الإحياءين بالمعنى، وأظهر الاسم مع الأرض لظهوره في الحيوان، فأظهر حيث خفى عن الخلق، ولم يذكره

стр. 282

حيث هو ظاهر بخلق، فنبههم على الاعتبارين إنزال الماء الذي لهم منه تراب، ومنه شجر، وبه حياة الحيوان، ومنه مرعاهم. ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما ذكر، تعالى، الأعلى والأسفل، ومطلع الليل والنهار من الجانبين، وإنزال الماء إهواء، ذكر ما يملأ ما بين ذلك من الريح والسحاب الذي هو ما بين حركة هوائية إلى استنارة مائية، إلى ما يلزم ذلك من بوادي نيراته؛ من نحو صواعقه وجملة أحداثه. فكان في هذا الخطاب اكتفاء بأصول من مبادئ الاعتبار، فذكر السماء والأرض والآفاق وما بينهما من الرياح والسحب والماء المنزل الذي جملته قوام الخلق في عاجل دنياهم، ليجعل لهم ذلك آية على علو أمر وراءه، ويكون كل وجه منه آية على أمر من [أمر] الله، فيكون آيات، لتكون في السماء آية على علو أمر الله، فيكون أعلى من الأعلى، وتكون الأرض آية على باطن أمر الله، فيكون أبطن من الأبطن، ويكون اختلاف الليل والنهار آية على نور بدوه وظلمة غيبته، مما وراء أمر الليل والنهار، ويكون ما أنزل من الماء لإحياء الأرض وخلق الحيوان، آية ما ينزل من نور علمه على القلوب، فتحيا بها حياة تكون حياة الظاهر

стр. 283

آية عليه، ويكون تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض آيات على تصريف ما بين أرض العبد الذي هو ظاهره، وسمائه الذي هو باطنه، وتسخير بعضه لبعض ليكون ذلك آية على علو الله على سمائه العلي في الحس، وعلى سماء القلوب العلية في الوجدان. فلجملة ذلك جعل، تعالى، صنوف هذه الاعتبارات ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ﴾ وهم الذين يقومون في الأمر حق القيام، ففيه إشعار بأن ذلك لا يناله من هو في سن الناس، حتى يتنامى طبعه وفضيلة عقله، إلى أن يكون من قوم يقومون في الاعتبار قيام المنتهضين في أمور الدنيا، لأن العرب عرف استعمالها في القوم إنما هو لأجل النجدة والقوة، حتى يقولون: قوم أو نساء، تقابلا بين المعنيين، وذكر، تعالى، العقل الذي هو نور من نوره هدى لمن أقامه من حد تردد حال الناس إلى الاستضاءة بنوره في قراءة حروف كتابه الحكيم، التي كتبها بيده، وأغنى الأميين، بقراءة ما كتب لهم، عن قراءة كتاب ما كتبه الخلق - انتهى. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ولما استحق القوم القائمون في أمر الله، ، هذا الاعتبار بما آتاهم الله من العقل، لم يكن من اتخذ من دون الله أندادا مما يقال فيهم: قوم، بل يقصرون إلى اسم النوس الذي هو تردد وتلدد، فكأنه، ، عجب ممن لم يلحق بهؤلاء القوم في هذا الاعتبار الظاهرة شواهده، البينة آثاره، فأنبأ أن طائفة من الناس، على المقابلة من ذلك الاعتبار الظاهر لنور العقل في أخذهم لمقابل العقل، من الحرق الذي يقدم

стр. 284

في موضع الإحجام، ويحجم في موضع الإقدام، ثم غلب ذلك عليهم حتى وصل إلى بواطنهم [فصار حبا كأنه وصلة بين بواطنهم] وقلوبهم وما اتخذوه من دون الله أندادا. ففيه إشعار بنحو مما أفصح به لبني إسرائيل في كون قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ففي كرم هذا الخطاب في حق العرب ستر عليهم، رعاية لنبيهم في أن يصرح عليهم بما صرح على بني إسرائيل، ففي لحنه إشعار بأن من اتخذ [ندا] من دون الله فتلك لوصلة بين حال قلبه وحال ما اتخذ من دون الله، فمن عبد حجرا فقلبه في القلوب حجر، ومن عبد نباتا فقلبه في القلوب نبات، وكذا من عبد دابة، ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ كذلك إلى ما يقع معبودا من دون الله مما بين أعلى النيرين، الذي هو الشمس، إلى أدنى الأوثان، إلى ما يقع في الخلق من عبادة بعضهم بعضا، من نحو عبادة الفراعنة والنماردة، إلى ما يلحق بذلك من نحو رتبة العبادة باتباع الهوى الشائع موقعه في الأهم، وفي هذه الأمة، لأن من غلب عليه هوى شيء فقد عبده، فكأن عابد الشمس قلبه سعير، وعابد النار قلبه نار، وعابد القمر قلبه زمهرير، ومن عبد مثله من الخلق فقد عبد هواه.

стр. 285

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ فمن عبد الله فهو الذي علا عن سواه من المخلوقات، فعادل، ، خطاب الأولين المعتبرين العقلاء بهذا الصنف الذي انتهى أمرهم في الكفر إلى الحب، من حيث اعتلقت بواطنهم بهم فيما شأنه أن يختص بالله من الخوف والرجاء والنصرة على الأعداء، والإعانة للأولياء، فلما توهموا فيهم مرجى الإلهية ومخافتها أحبوهم لذلك كحب الله، لأن المتعبد مؤتمر، ومبادر: فالمبادر قبل الأمر محب، والمجيب للأمر مطيع، فالمحب أعلى في الطرفين. انتهى. وقال الْحَرَالِّي: قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ عطفا على متجاوز أمور من أمور جزائهم، مما نالهم من عقوبات إثر كفرهم في الدنيا، قال، ﵊: "إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء" إلى متمادي غاية رؤيتهم العذاب، وفي قوله "تَرَى" بالتاء، إقبالا على النبي، ﷺ ، تعجيب له بما ينالهم مما أصابوه، وفيه إشعار بأن ذلك من أمر يعلو أمره إلي محل رؤيته التي هي أتم الرؤية، وفي قوله: ﴿يَرَى﴾ بالياء تحسر عليهم، يشعر بأن منالهم من رؤية العذاب، مما كان يزجرهم عما هم عليه، لو رأوه - انتهى. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: موضع الرؤية في الحقيقة هو أن القوة لله جميعا، سلبا عن جميع أندادهم الذين أحبوهم، وعن أنفسهم، كما قال

стр. 286

قائلهم: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ لكن لما كان رؤيتهم لذلك عن رؤية مشهود العذاب الذي هو أتم العذاب، ذكر العذاب الذي هو ظاهر مرأى أن القوة لله جميعا، وفي ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ﴾ إعلام باطلاعهم يوم هذه الرؤية على بواطن أندادهم، وسلبها ما شأن البواطن أن تتحلى به من القوة، من حيث وصفهم لهم بالحب الباطن، أطلعهم على سلب قواهم الباطنة بالرؤية التي هي باطن البصر الذي هو باطن النظر. ولما ذكر أمر القوة عطف عليه ما هو أمر القدرة فقال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ إكمالا للخطاب بظاهره، واستأنف معه الاسم العظيم لإظهار ما بين غايتي الباطن والظاهر في أمر القدرة والقوة، ليكون مع المنظر الظاهر بالقدرة اسم أظهره واستأنفه وقدم ذكره، كما كان مع المرأى الباطن بالقوة اسم أضاف إليه وأنهى له، ليقع ما ولى أول الخطاب مقابل ما ختم به الخطاب، فينعطف أوله على آخره، وآخره على أوله، باطنا لظاهر، وظاهراً لباطن، في المتعاطفين جميعا في قوله: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ - انتهى. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وقال الْحَرَالِّي: قال ذلك إظهاراً لإفصاح ما أفهمه مضمون الخطاب الأول، لتتسق الآيات بعضها ببعض، فتظهر الآية ما في ضمن سابقتها، وتجمع الآية ما في تفصيل لاحقتها، وإعلاء للخطاب

стр. 287

بما هو المعقول علمه، المتقدم إلى ما في الإيمان نبؤه، ليتم نور العقل الذي وقع به الاعتبار بنور الإيمان، الذي يقع به القبول لما في الآخرة عيانه، فمن عقل عبرة الكون الظاهر استحق إسماع نبأ الغيب الآتي. ثم قال: بذا يتبرأ المتبرع في الذكر، لأنه الآخر في الكون، فكأنه في المعنى: إنما تعلق التابع بالمتبوع ليعيذه في الآخرة، كما كان عهد منه [أن يعيذه في الدنيا فيتبرأ منه] لما ذكر، تعالى، من ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ولذلك اتصل ذكر التبرؤ بذكر قبض القوة والقدرة عنهم - انتهى. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: قاله ردا للإضمار على الجميع، وفيه إشعار بأن ذلك قبل غلبة العذاب عليهم، وفي حال الرؤية، ففيه إنباء بأن بين رؤيتهم العذاب وبين أخذهم به مهل يقع في خصومتهم وتبرؤهم وإدراكهم للحق الذي كان متغيبا عنهم في الدنيا، بما فتن بعضهم ببعض - انتهى. ﴿وَتَقَطَّعَتْ﴾ أي تكلفت وتعمدت القطع، وهو بين المتصل. أشار إليه الْحَرَالِّي. ﴿بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفيه إشعار بخلو بواطنهم من التقوى، ومن

стр. 288

استنادهم إلى الله، ، في دنياهم، وأنهم لم يكونوا عقلوا إلا تسبب بعضهم ببعض، فتقطعت بهم الأسباب، ولم يكن "لهم"، لأن ذلك واقع بهم في أنفسهم، لا واقع لهم في غيرهم، فكأنهم كانوا نظام أسباب تقطعت بهم فانتثروا منها، وأسبابهم وصل ما بينهم في الدنيا التي لم تثبت في الآخرة، لأنها من الوصل الفانية، لا من الوصل الباقية، لأن متقاضي ما في الدنيا، ما كان منه بحق، فهو من الباقيات الصالحات، وما كان منه عن هوى، فهو من الفاني الفاسد - انتهى. ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ وقال الْحَرَالِّي: هي رجع وعودة إلى عند غاية فرة - انتهى. ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ وقال الْحَرَالِّي: فيه إنباء عن تأسفهم على اتباع من دون ربهم، ممن اتبعوا، وإجراء لتأسفهم على وجه متوهم غير محقق، على حد ما كان تمسكهم بهم متوهم انتفاع غير محقق، ففيه إثبات لحالهم في الآخرة على ما كان ينالهم في الدنيا من الأخذ بالموهرم والغيبة عن المعلوم - انتهى. ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما كانت عقائدهم فيهم حسرات، أراهم أعمالهم التي عملوها لابتغاء الخير في الدنيا

стр. 289

حسرات: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ كما كان عمل من قلبه محب ومتأله لما دون الله، وفي إشعار بأن عمل كل عامل مردود إلى ما اطمأن به قلبه، وسكنت إليه نفسه، ويتعلق به خوفه ورجاؤه، فمن غلب على سره شيء فهو ربه الذي يصرف عمله إليه، فلا يجد عنده جزاء لتبرئه منه، فيصير حسرة عليه، فأنبأ، ، بأنهم لا ينصرونهم في الآخرة، ولا يجزونهم على أعمالهم، فلم ينفعهم تألههم إياهم، والمتبوع منهم متأله لنفسه، فلم يجد عندها جزاء عمله، فتحسر كل منهم على ما عمل من عمل الخير لإحباطه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ والحسرة أشد الأسف على الفائت الذي يحسر المتلهف، أي يقطعه عما تحسر عليه - انتهى. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفيه إشعار بقصدهم الفرار منها والخروج، كما قال، : ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ فأنبأ، تعالى، أن وجهتهم للخروج لا تنفعهم، فلم تبق لهم

стр. 290

منه تنهضهم منها حتى ينتظم قطع رجائهم من منة أنفسهم بقطع رجائهم ممن اعتلقوا به من شركائهم، ولم يكن: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ كما قال في أهل الجنة، للإشعار بأن اليأس والانقطاع واقع منهم على أنفسهم، فكما كان بوادي أعمالهم في الدنيا من أنفسهم عندهم، جرى نبأ جزائها على حد ذلك في المعنى، كما قال: أعمال أهل الجنة عندهم من توفيق ربهم - جرى ذكر جزائهم على حد ذلك من المعنى بحسب ما يقتضيه اختلاف الصيغتين - انتهى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما استوفى، ، ذكر أمر الدين إلى أنهاه من رتبة دين الإسلام الذي رضيه، وكان الدين هو غذاء القلوب، وزكاة الأنفس، نظم به ذكر غذاء الأبدان من الأقوات، ليتم بذكر النماءين نماء الذوات: ظاهرها البدني، وباطنها الديني، لما بين تغذي الأبدان وقوام الأديان من التعاون على جمع أمري صلاح العمل ظاهرا وقبوله باطنا، قال، عليه الصلاة

стр. 291

والسلام "لا يقبل الله عملا إلا بالورع الشافي" وكما قيل: ملاك الدين الورع، وهلاكه الترف، ونقصه السرف، فكما انتظم الكتاب قصر الخلق على أفضل متضرفاتهم في التدين، اتصل به قصرهم على أفضل مأكلهم في التقوت. ولما ذكر الدين في رتبتي صنفين: من الناس، والذين آمنوا، انتظم به ذكر المأكل في صنفيهما، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فانتظم بخطاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ لما بين العبادة والمأكل من الالتزام - انتهى. ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو ما انتفى عنه حكم التحريم، فينتظم بذلك ما يكره ومالا يكره، والتحريم المنع مما يلحق الأكل منه ضرر في جسمه كالميتة، أو في نفسه كلحم الخنزير، أو رين على قلبه كما أهل لغير الله به. ﴿طَيِّبًا﴾ قال الْحَرَالِّي: الحلال مطلوب ليكتسب، لا ليؤكل حتى يطيب، والطيب مالا منازع فيه - انتهى. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ فهو يبعدهم - كما قال الْحَرَالِّي - عن وطن ما هم عليه من الائتمار في مأكلهم إلى التناول بشهواتهم، ليستدرجهم لذلك من خطوة الأكل بالشهوة إلى الأكل بالهوى، فيتداعى منها إلى المحرمات - انتهى. وفي قوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ كما قال الْحَرَالِّي: إنباء بما مكنه الله، حتى صار أمرا ﴿بِالسُّوءِ﴾ وهو خبائث الأنفس الباطنة التي يورث فعلها مساءة. ﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال

стр. 292

الظاهرة، كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع، فيتفق في حكمه آيات الله الثلاث: من الشرع، والعقل، والطبع، بذلك يفحش الفعل. ﴿نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ قال الْحَرَالِّي: من الإلفاء، وهو وجدان الأمر على ما ألفه المتبصر فيه أو الناظر إليه. ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ قال: ففيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوة الدين، ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم - انتهى. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: المثل ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة، فيكون ألطف من الشيء المحسوس، فيقع لذلك جاليا لمعنى مثل المعنى المعقول، ويكون الأظهر منهما مثلا للأخفى، فلذلك يأتي استجلاء المثل بالمثل، ليكون فيه تلطيف للظاهر المحسوس، وتنزيل للغائب المعلوم. ففي هذه الآية يقع الاستجلاء بين المثلين لا بين الممثولين، لتقارب المثلين؛ يعني وهو وجه الشبه، وتباعد الممثولين، وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين، فاقتضى ذلك تمثيلين في مثل واحد، كأن وفاء اللفظ، الذي أفهمه [هذا الإيجار: مثل الذين كفروا ومثل راعيهم، كمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم، وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب، ومن لا يصل فهمه] إلى جمع المثلين يقتصر على

стр. 293

تأويله بمثل واحد، فيقدر في الكلام: ومثل داعي الذين كفروا ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ أي يصيح، وذلك لأن التأويل يحمل على الإضمار والتقدير، والفهم يمنع منه، ويوجب فهم إيراد القرآن على حده ووجهه. وقال: ﴿بِمَا﴾ أي بسبب شيء البهائم إلى "لا" عقل لها، فهو ﴿لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً﴾ أي من الناطق فيما يدعى إليه من قوام غذائه ونسله ﴿وَنِدَاءً﴾ فيما ساق إليه بمحل دعائه، من حيث إن النداء [يشعر بالبعد، والدعاء يشعر]- بالشروع في القصد - انتهى. ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ لأنهم لا ينتفعون بعقولهم، كما أن هذا الأصم كذلك، ونفاه بلا النافية للممتنع، وصيغة المضارع المنبئة عن الدوام - قاله الْحَرَالِّي. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: لما كان تقدم الخطاب في أمر الدين في رتبتين: أولاهما: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وثانيتهما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ فأمر الناس بالعبادة، وأمر الذين آمنوا بحسن الرعاية مع النبي،

стр. 294

- ﷺ ، كذلك هنا، أمر الناس بالأكل مما في الأرض، ونهى عن اتباع خطوات الشيطان، وأشعر الخطاب بأنهم ممن يتوجه الشيطان نحوهم للأمر بالسوء والفحشاء والقول بالهوى، وأمر الذين آمنوا بالأكل ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ فأعرض في خطابهم عن ذكر الأرض لتناولهم الرزق من السماء، فإن أدنى الإيمان عبادة من في السماء، واسترزاق من في السماء، كما قال للسوداء: "أين الله؟ قالت في السماء. قال: أعتقها، فإنها مؤمنة" قال، : ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ فأطعم الأرضيين، وهم الناس، مما في الأرض، وأطعم السماويين، وهم الذين آمنوا من رزق السماء كذلك، وخص هذا الخطاب بلفظ الحلال لما كان آخذا رزقه من السماء متناولا طيبة لبراءته من حال مما في الأرض مما شأنه ضر في ظاهر، أو أذى في باطن، ولذلك "لو كانت الدنيا دما عبيطا لكان قوت المؤمن منها حلالا" فالمسترزق من السماء يصير المحرم له حلالا، لأخذه منه عند الضرورة تقوتا لا تشهيا، ويصير الحلال له طيبا، لاقتناعه منه بالكفاف دون التشهي ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وفي مورد

стр. 295

هذين الخطابين بيان أن كلمة ﴿النَّاسِ﴾ واقعة على سن من أسنان القلوب، وكلمة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واقعة على سن فوقه، وليس يقع على عموم يشمل جميع الأسنان القلبية، فتوهم ذلك من أقفال القلوب التي تمنع تدبر القرآن، لأن خطاب القرآن يتوجه لكل أولي سن [على حسب سن] قلوبهم، لا يصلح خطاب كل سن إلا له، يتقاصر عنه من دونه، ولا يحتاج إليه من فوقه، وهي أسنان متعددة: سن الإنسان، ثم سن الناس، ثم سن الذين آمنوا، ثم سن الذين يؤمنون، ثم سن المؤمنين، [ثم سن المؤمنين] حقا، ثم سن المحسنين، هذه أسنان سبعة، خطاباتها مترتبة بعضها فوق بعض، ومن وراء ذلك أسنان فوقها، من سن الموقنين، وما وراء ذلك إلى أحوال أثناء هذه الأسنان، من حال الذين أسلموا والمسلمين، ومن يوصف بالعقل والذكر والفكر والسماع، وغيرذلك من الأوصاف التي تلازم تلك الأسنان في رتب متراقية لايشمل أدناها أعلاها، ولاينهض أدناها لرتبة خطاب أعلاها، إلى ما وراء ذلك من خصوص خطاب النبي، ﷺ ، فيه، بما لا يليق إلا به، وبمن هو منه من إله. وفي انتظام تفصيل هذه الرتب جامعة لما يقع من معناه في سائر القرآن - انتهى. ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ولما كان هذا الخطاب منتظما لتناول الطبيب والشكر، وحقيقته البذل من الطيب، فشكر كل نعمة إظهارها على حدها

стр. 296

من مال أو جاه أو علم أو طعام أو شراب أو غيره، وإنفاق فضلها، والاقتناع منها بالأدنى، والتجارة [بفضلها] لمبتغى الأجر، وإبلاغها إلى أهلها لمؤدي الأمانة، لأن أيدي العباد خزائن الملك الجواد "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" فلما كان ذلك لا يتم إلا بمعرفة الله [ ] المخلف على من أنفق، كما قال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ نبهوا على عهدهم الذي لقنوه في سورة الفاتحة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فقيل لهم: كلوا واشكروا إن كنتم إياه تعبدون، فمن عرف الله بالكرم هان عليه أن يتكرم، ومن عرف الله بالإنعام والإحسان هان عليه أن يحسن، وهو شكره لله، من أيقن بالخلف جاد بالعطية - انتهى. ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ولما كان إدراك المؤمنين لمقتضى الخطاب فوق إدراك الناس، خاطبهم، تعالى، بذكر ما حرم عليهم، فناظر ذلك ما نهى عنه الناس من اتباع خطوات الشيطان فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ﴾ وأجرى إضماره على الاسم

стр. 297

العظيم الأول إعلاما بأن الذي أذن لهم، إنما حرم عليهم ما لا يصلح لهم بكل وجه، لشدة مضرته عليهم في إحاطة ذواتهم ظاهرها وباطنها، لما ذكر أن المحرم إما لحرمته علوا كالبلد الحرام، وتحريم الأمر أو لحرمته دناءة، كتحريم هذه المحرمات، ففي كلمة ﴿إِنَّمَا﴾ نفي لمتوهمات ما يلحقه التحريم بما دون المذكور هنا. كأن قائلا يقول: حرم كذا، وحرم كذا، من نحو ما حرمته الكتب الماضية، أو حرمته الأهواء المختلفة، أو حرمه نظر علمي، كالذي حرمه إسرائيل على نفسه، فكان الإفهام لرد تلك المحرمات كلها - انتهى. ﴿الْمَيْتَةَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوة وفناء الحياة، وهي أشد مفسد للجسم، لفساد تركيبها بالموت، وذهاب تلذذ أجزائها وعتقها، وذهاب روح الحياة والطهارة منها، ﴿وَالدَّمَ﴾ أي الجاري، لأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام، ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء، فهو ميتة من [خاص حياته] مرتكس في جوهره إلا من طيب الله كليته، كما في محمد، ﷺ ، وفيمن نزع عنه خبث الظاهر والباطن طبعا ونفسا.

стр. 298

﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ لأداه للنفس، كما حرم ما قبله لمضرتهما في الجسم، لأن من حكمة الله في خلقه أن من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الشيء: "الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم" فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة حرم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق، واللحم ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه، وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلد، وعرف غلبة استعماله على رطبة الأحمر، وهو هنا على أصله في اللفة، يجمع اللحم الأحمر والشحم والأعصاب والعروق إلى حد الجلد، وما اشتمل عليه ما بين الطرفين من أجزاء الرطوبات، وإذا حرم لحمه الذي هو المقصود بالأكل، وهو أطيب ما فيه، كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم. ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ قال الْحَرَالِّي لأن ما لم يذكر عليه اسم

стр. 299

الله أخذ من يد من ذكر عليه اسمه، وليس ذلك خالقه ومالكه، إنما خالقه ومالكه الله الذي جعل ذكر اسمه عليه إذنا في الانتفاع به، وذكر على إزهاقا الروح من هي من نفخته، لا من لا يجد للدعوى فيها سبيلا من الخلق، وذكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشد المحرم، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر: "قالوا يا رسول الله إن ناسا ياتوم بلحام، لا ندري أسموا الله عليها أم لا؟ فقال رسول الله، ﷺ : سموا الله أنتم وكلوا" فكان المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه، بل الذي علم أن غير اسم الله قد أعلن به عليه، وفي تقدم إضمار المحرم في قوله: "به" تأكيد لمعناه، لأنهم يقدمون ما هم به أهم، وهم ببيانه أعنى. قال ﷺ : "ابدأوا بما بدأ الله به". ولما كان هذا الدين يسراً لا عسر فيه ولا حرج ولا جناح، [رفع حكم

стр. 300

هذا التحريم عن المضطر، ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعا من الخلق أنبأهم، تعالى، بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم، لا يبرأ من كلية الأحكام، بل يبقى مع هذه الرخصة موقع الأحكام في البغي والعدوان -] فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي [أحوجه محوج، وألجأه ملجئ، بأي ضرورة كانت -] إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف على التلف، فأكل من شيء منه، حال كونه ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي قاصد فساداً بمكيدة يكيد بها لضعفه، آخدا من تلك الميتة هو أقوى منه، كأن يحيله على غيرها خداعا منه، ليستأثر عليه بالأحسن منها، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ على غيره، بأن يكون أقوى منه فيدفعه عنها، ولا مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة، ويدخل في الآية أن من بغى على إمام أو قصد بضربه في الأرض فساداً، أو عدا على أحد ظلما

стр. 301

فحصل له، بسبب ذلك، مخمصة لا يحل له ما كان حراما، لأن في ذلك إعانة له على معصيته، فإن تاب استباح. ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لا من التحريم الأول، ولا من الحكم الآخر، ولو كان رفع الإثم دون هذين الاشتراطين لوقع بين المضطرين من البغي والتسلط ما مثله لا يحل لغير المضطرين، فانتفى الإثم على صحة من الأمرين وارتفاع الحكمين، ففي السعة يجتنب ما يضر، وفي الضرورة يؤثر ضرورة الجسم لقوامه على حكم الكتاب في إقامته، وفي إفهامه أن من اضطر للشيء مما حرم عليه فأكله لم تنله مضرة، لأن الله ، إذا أباح شيئا أذهب ضره: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر عما كانت عليه، حتى تكون رخصة في الظاهر، وتطيبا في الباطن، فكما رفع عنه حكمها الكتابي، يتم فضله فيرفع عنه ضرها الطبيعي. ثم علل هذا الحكم مرهبا مرغبا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ فأتى بهذا الاسم المحيط إشارة

стр. 302

إلى عموم هذا الحكم للمضطر والموسع، وفي قوله ﴿غَفُورٌ﴾ إشعار بأنه لا يصل إلى حال الاضطرار، إلى ما حرم عليه، أحد إلا عن ذنب أصابه، فلولا المغفرة لتممت عليه عقوبته، لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة، لأن الله، ، لا يعجزه شيء، وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجز ربه، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة، إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين، ودون رتبة الإيمان، "جهز رسول الله ﷺ ، [جيشا] ففنيت أزوادهم، فأقاموا أياما يتقوتون بيسير حتى تقوتوا بتمرة تمرة، فأخرج الله لهم العنبر دابة من البحر" فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم، بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب مأكلهم في حال السعة من صيد البحر، الذي (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) وفي قوله. ﴿رَحِيمٌ﴾ إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر إليه شيئا لم يبغ فيه ولم يعد، تناله من الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدها إلى مثله، فيغفر له الذنب السابق الذي

стр. 303

أوجب الضرورة، ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله - انتهى وتصرفت فيه. ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا﴾ قال الْحَرَالِّي: والثمن مالا ينتفع بعينه حتى يصرف إلى غيره من الأعواض، فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم وحرصه باستكسابه بالعلم وإجرائه في غير ما أجراه الله تعالى على ألسنة أنبيائه، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ ولما كان كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة، وإن جل، حقيرا قال: ﴿قَلِيلًا﴾ هذا المراد، لا تقييده بالقليل. ولما كانوا قد بعدوا عن مواطن الرحمة ببخلهم بما لا ينقصه الإنفاق، أشار إليهم بأداة البعد فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ وفي خطاب النبي، ﷺ ، به إشعار بوقوع ذلك من طائفة من أمته حرصا على الدنيا، ﴿مَا يَأْكُلُونَ﴾ أي في هذه الحال، على مادلت عليه ﴿مَا﴾. ولما كان الأكل يطلق على مجرد الإفساد حقق معناه بقوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ جمع بطن، وهو فضاء جوف الشيء الأجوف لغيبته عن ظاهره الذي هو ظهر ذلك البطن ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ كما أحاط

стр. 304

علمه، ، بالغيب أن ذلك على الحقيقة، وبصره لعيون أهل الكشف، الذين يرون العواقب في الأوائل، والغيب في الشهادة، وفي ذكره بصيغة الحصر نفي لتأويل المتأول بكونه سببا، وصرف له إلى وجه التحقيق الذي يناله الكشف، ويقصر عنه الحس، فكانوا في ذلك كالحذر الذي يجعل يده في الماء الحار، ولا يحس به، فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه. ولما قدم الوعيد في الثمن لكونه الحامل على الكتم، أتبعه وعيد نفس الكتم فقال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي الملك الأعظم الذي من كلمه أقبل كل شيء عليه، كلاما يدل على مرضى لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم، وقال: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تأكيدا لما أشارت إليه "ما" من أن المراد بالذي قبله الحال، ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي يطهرهم من دنس الذنوب، أو يثني عليهم، أو ينمي أعمالهم بما يحصل لهم من الميثاق في يوم التلاق، كما يزكي بذلك من يشاء من عباده، لأنهم كتموا عن العباد ما يزكيهم، وفي هذا تعظيم لذنب كتموا العلم ﴿وَلَهُمْ﴾ مع هذا العذاب ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لما أوقعوا فيه الناس من التعب بكتمهم عنهم ما يقيمهم على المحجة السهلة.

стр. 305

ولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة حالهم، مؤكدا لبعدهم فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ أي لجاجا وتماديا في الغي ﴿الضَّلَالَةَ﴾ عن طريق الخير، ﴿بِالْهُدَى﴾ ولما ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر الآخرة فقال: ﴿وَالْعَذَابَ﴾ بارتكابهم هذه الموبقة ﴿بِالْمَغْفِرَةِ﴾ التي كانت تنجيهم إذا محت صغائرهم، لو سلموا من هذه العضلة التي كانت سببا لضلال خلق وكثير، فكان عليهم وزرهم. ولما جعل ، أول مأكلهم نارا، وآخر أمرهم عذابا، وترجمة حالهم عدم المغفرة، فكان بذلك أيضا أوسط حالهم ناراً، سبب عنه التعجيب من أمرهم، بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر؛ لالتباسهم بالنار حقيقة، أو بموجباتها من غير مبالاة، فقال: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ﴾ أي ما أشد حبسهم أنفسهم أو ما أجرأهم ﴿عَلَى النَّارِ﴾ التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى. ذكر كثيرا من ذلك الْحَرَالِّي، غير أني تصرفت فيه. انتهت نصوص تفسير الْحَرَالِّي المستخرجة من الجزء الثاني من تفسير البقاعي: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" من مطبوعات دائرة المعارف العثمانية ١ ٤ ٣ بالهند ط ١ - ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م

стр. 306

نصوص تفسير الْحَرَالِّي المفقود المستخرجة من الجزء الثالث من تفسير البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففيه أي الإيمان بهم وبما قبلهم، قهر النفس للإذعان لمن هو من جنسها، والإيمان بغيب من ليس من جنسها، ليكون في ذلك ما يزع النفس عن هواها - انتهى. قال الْحَرَالِّي: فمن ظن أن حاجته يسدها المال، فليس برا، إنما البر الذي أيقن أن حاجته إنما يسدها ربه ببره الخفي - انتهى. ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ قال الْحَرَالِّي: جمع رقبة، وهو ما ناله الرق من بني آدم، فالمراد الرقاب المسترقة التي يرام فكها بالكتابة، وفك الأسرى منه، وقدم عليهم أولئك لأن حاجتهم لإقامة البينة. ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: من الإيفاء وهو الأخذ بالوفاء، والوفاء نجاز الموعود في أمر المعهود - انتهى. ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفيه إشعار بأن من تحقق بالصبر على الإيثار، فكان

стр. 307

شاكرا، تحقق منه الصبر في الابتلاء والجهاد تاييداً من الله، ، لمن شكره ابتداء، بإعانته على الصبر والمصابرة انتهاء، كأنه لما جاد بخير الدنيا على حبه، أصابه الله ببلائها تكرمة له، ليوفيه حظه من مقدوره في دنياه، فيكون ممن يستريح عند موته، وبأنه إن جاهد ثبت بما يحصل في نفس الشاكر الصابر من الشوق إلى لقاء الله، ، تبرؤا من الدنيا، وتحققا وبمنال الخير من الله - انتهى. ﴿فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وقال الْحَرَالِّي البأساء فعلاء من البؤس، وهو سوء الحال والفاقة وفقد المنة عن إصلاحه، والضراء مرض البدن وآفاته، فكان البأساء في الحال، والضراء في البدن - انتهى. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: البأس الشدة في الحرب. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ قال الْحَرَالِّي: كأنه يتبع بالجاني إثر ما جنى، فيتبع إثر عقوبته إثر جنايته - انتهى. ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ قال الْحَرَالِّي: لأن غير الجاني ليس قصاصا، بل اعتداء ثانيا، ولا ترفع العدوى بالعدوى، إنما ترفع العدوى بالقصاص، على نحوه وحده

стр. 308

- انتهى. قال الْحَرَالِّي: نقلا من عقاب الآخرة إلى ابتلاء الدنيا، ونقلا من ابتلاء الدنيا في الدم إلى الكفارة بأخذ حظ من المال، كما كان في الغداء الأول لذبح إبراهيم ﵊، من ولده. فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ عن جنايته، من العفو وهو جاء بغير تكلف ولا كره - انتهى. ﴿مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ وفي التعبير بلفظ الأخ، كما قال الْحَرَالِّي: تأليف بين الجاني والمجني عليه وأوليائه، من حيث ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ وإن لم يكن خطأ الطبع، فهو خطأ القصد، من حيث لم يقصد أن يقتل مؤمنا، إنما قصد أن يقتل عدواً وشاتما، أو عاديا على أهله وماله أو ولده، فإذا انكشف حجاب الطبع عاد إلى أخوه الإيمان، ﴿فَاتِّبَاعٌ﴾ أي فالأمر في ذلك اتباع من ولي الدم ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فيه توطين النفس على كسرها عن حدة ما تجره

стр. 309

إليها أحقاد الجنايات، والمعروف ما شهد عيانه لموافقته وبقبول موقعه بين الأنفس؛ فلا يلحقها منه تنكر. ولما أمر المتبع أمر المؤدي فقال: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ لئلا يجمع بين جنايته، أو جناية وليه، وسوء قضائه، وفي إعلامه إلزام لأولياء الجاني بالتذلل والخضوع والإنصاف لأولياء المقتول، بما لهم من السلطان: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ فيراقبون فيهم رحمة الله التى رحمهم بها، فلم يأخذ الجاني بجنايته - انتهى. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وجمع الضمير مراعاة، كما قال الْحَرَالِّي، للجانبين، لأن كل طائفة معرضة لأن تصيب منها الأخرى - انتهى. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي الآية دليل على أن القاتل عمدا لا يصير بذلك كافرا. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ وقال الْحَرَالِّي: فالحياة لمن سوى الجاني من عشيرته ممن كان يعتدى عليه بجناية في الدنيا، والحياة للجاني، بما اقتص منه، في

стр. 310

الأخرى، لأن من يكفر ذنبه حتى في الآخرة، ومن بقي عليه جناية فأخذ بها فهو في حال ذلك ممن لا يموت فيها ولا يحيى، لأن المعاقب في حال عقوبته لا يجد طعم الحياة لغلبة ألمه، ولا هو في الموت لإحساسه بعقوبته - انتهى. ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ أمر الله في المشهودات، كما شأن ظاهر العقل [أن] يلحظ الحقائق من المخلوقات، فهم الناظرون إلى ربهم في آياته - انتهى. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي إبهام ﴿لَعَلَّ﴾ التي هي من الخلق، كما تقدم، تردد، إعلام بتصنيفهم صنفين: [بين من -] يثمر ذلك له تقوى. وبين من يحمله ذلك ويزيده في الاعتداء - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: لما أظهر، وجوه التزكية في هذه الخطابات. وما ألزمه من الكتاب، وعلمه من الحكمة، وأظهر استناد ذلك كله إلى تقوى تكون وصفا ثابتا، أو استجداد معالجا، حسبما ختم به آية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾

стр. 311

من قوله: ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وما ختم به آية القصاص في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ رفع رتبة الخطاب إلى ما هو حق على المتقين، حين كان الأول مكتوبا على المترجين لأن يتقوا [تربية وتزكية بخطاب يتسول به إلى خطاب أعلى في التزكية، لينتهي في الخطاب من رتبة -] إلى رتبة [إلى -] أن يستوفي نهايات رتب أسنان القلوب وأحوالها، كما تقدمت الإشارة إليه، ولما كان في الخطاب السابق ذكر القتل والقصاص الذي هو حال حضرة الموت، انتظم به ذكر الوصفين، لأنه حال من حضرة الموت. انتهى. ... ﴿وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وكل ذلك في المحتضر، والمعروف ما تقبله الأنفس ولا تجد منه تكرها - انتهى. ... ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما ولى المتقين إيصال متروكهم إلى والديهم وقراباتهم فأمضوه بالمعروف، تولى عنهم التهديد لمن بدل عليهم، وفي إفهامه أن الفرائض إنما أنزلت عن تقصير وقع في حق الوصية، فكأنه لو بقي على ذلك لكان كل

стр. 312

المال حظا للمتوفى، فلما فرضت الفرائض اختزل من يديه الثلثان، وبقي الثلث على الحكم الأول، وبين أن الفرض عين الوصية، فلا وصية لوارث، لأن الفرض بدلها. انتهى. ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ قال الْحَرَالِّي: وكأن حقيقة معنى الجنف إخفاء حيف في صورة بر - انتهى. ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ وقال الْحَرَالِّي: وفي إشعاره بذكر الخوف من الموصي ما يشعر أن [ذلك -] في حال حياة الموصي، ليس بعد قرار الوصية على جنف بعد الموت، فإن ذلك لا يعرض له مضمون هذا الخطاب. وفي إيقاع الإصلاح على لفظة ﴿بَيْنَ﴾ إشعار بأن الإصلاح نأئل البين، الذي هو وصل ما بينهم، فيكون من معنى ما يقوله النحاة: مفعول على السعة، حيث لم يكن فأصلح بينه وبينهم - انتهى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فخاطب بما يتوجه بادىء بدئ إلى أدنى الطبقات التي التزمت [أمر الدين -]، لأنه لم يكن لم باعث حب وشوق

стр. 313

يبعثهم على فعله، من غير فرض، بخلاف ما فوقهم من رتبة المؤمنين والمحسنين، فإنهم كانوا يفعلون معالم الإسلام من غير إلزام. فكانوا يصومون على قدر ما يجدون من الروح فيه - قاله الْحَرَالِّي. وقال: فلذلك لم ينادوا في القرآن نداء بعد، ولا ذكروا إلا ممدوحين، والذين ينادون في القرآن هم الناس، الذين انتبهوا لما أشار به بعضهم على بعض، والذين آمنوا بما هم في محل الائتمار، متقاصرين عن البدار، فلذلك كل نداء في القرآن متوجه إلى هذين الصنفين، إلا ما توجه للإنسان بوصف ذم في قليل من الآي - انتهى. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: فرض لما فيه من التهيئ لعلم الحكمة، وعلم ما لم تكونوا تعلمون، وهو الثبات على تماسك عما من شأن الشيء أن يتصرف فيه، ويكون شأنه كالشمس في وسط السماء، يقال: صامت - إذا لم يظهر لها حركة لصعود ولا لنزول التي [هي] من شأنها، وصامت الخيل

стр. 314

- إذا لم تكن [مركوضة ولا -] مركوبة، فتماسك المرء عما شأنه فعله من حفظ بدنه بالتغذي، وحفظ نسله بالنكاح، وخوضه في زور القول وسوء الفعل هو صومه. وفي الصوم خلاء من الطعام، وانصراف عن حال الإنعام، وانقطاع شهوات الفرج، وتمامه الإعراض عن أشغال الدنيا والتوجه إلى الله والعكوف في بيته، ليحصل بذلك نبوع الحكمة من القلب، وجعل كتبا حتى لا يتقاصر عنه من كتب عليه إلا انشرم دينه، كما ينشرم خرم القربة المكتوب فيها - انتهى. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي إشعاره تصنيف المأخوذين بذلك صنفين: من يثمر له صومه، على وجه الشدة، تقوى، ومن لا يثمر ذلك. ولما كان لهذه الأمة جمع لما في الكتب والصحف كانت مبادئ أحكامها على حكم

стр. 315

الأحكام المتقدمة، فكما وجهوا وجهة أهل الكتاب ابتداء، ثم ختم لهم بالوجهة إلى الكعبة انتهاء، كذلك صوموا صوم أهل الكتاب ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ أي قلائل مقدرة بعدد معلوم ابتداء، ثم رقوا إلى صوم دائرة الشهر وحدة قدرا انتهاء، وذلك أنه لما كان من قبلهم أهل حساب، لما فيه حصول أمر الدنيا فكانت أعوامهم شمسية، كان صومهم عدد أيام لا وحدة شهر، وفي إعلامه إلزام بتجديد النية لكل يوم، حيث هي أيام معدودة، [و -] في إفهامه منع من تمادي الصوم في زمن الليل، الذي هو معنى الوصال، الذي يشعر صحته رفع رتبة الصوم إلى صوم الشهر الذي هو دورة القمر، يقنع الفطر في ليلة رخصة للضعيف، لا عزما على الصائم، وكان فيه من الكلفة ما في صوم أهل الكتاب، من حيث لم يكن فيه أكل ولا نكاح بعد نوم، فكان فيه كلفة ما في الكتب، لينال رأس هذه الأمة وأوائلها حظا من منال أوائل الأمم، ثم يرقيها الله إلى حكم ما يخصها، فتكون مرباة تجد طعم اليسر بعد العسر. انتهى. وفيه تصرف.

стр. 316

قال الْحَرَالِّي: قأنبأ بتمادي الصوم إلى السحر، لتنتقل وجبة الفطر التي توافق حال أهل الكتاب إلى وجبة السحر التي هي خصوص أهل الفرقان - انتهى. قال الْحَرَالِّي: وفي تأسيسه على العدد ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي هو الهلال، كما سيأتي التصريح به، فصار لهم العدد في الصوم بمنزلة التيمم في الطهور، يرجعون إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية، كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ قال الْحَرَالِّي: فبقى على حكم التحمل بيقين مما يغذو المؤمن، ويسقيه من غيب بركة الله، ، كما قال، ﵊: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" فللمؤمن غذاء في صومه من بركة ربه، بحكم يقينه فيما لا يصل إليه من لم يصل إلى محله، فعلى قدر ما تستمد بواطن الناس من ظواهرهم، يستمد ظاهر الموقن من باطنه، حتى

стр. 317

يقوي في أعضائه بمدد نور باطنه، كما ظهر ذلك في أهل الولاية والديانة، فكان فطر المريض رخصة لموضع تداويه واغتذائه. ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في الآخرة، كما أشار إليه الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي" وذلك لأنه لما كانت الأعمال: أفعالا، وإنفاقا، ويسيرا، وأحوالا، مما شأن العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه، وكان من شأنه، [كانت له. ولما كان الصوم ليس من شأنه لم يكن له، فالصلاة مثلا أفعال وأقوال، وذلك من شأن المرء، والزكاة إنفاق، وذلك من شأنه، والحج ضرب في الأرض، وذلك من شأنه، وليس من شأنه] أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح، ولا ينتصف ممن يعتدي عليه، "فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم" فليس جملة مقاصد الصوم من شأنه، وحقيقته إذبال جسمه، وإضعاف نفسه، وإماتته، [ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ، لينال بالصوم - من قتل نفسه] بوجه ما -[ما -] جرى على يده

стр. 318

خطأ من القتل، فكان في الصوم تنقص ذات الصائم، فلذلك قال تعالى: "فإنه لي" حين لم يكن من جنس عمل الآدمي، قال، : "وأنا أجزي به" ففي إشارته أن جزاءه من غيب الله، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كل ذلك في مضمون [قوله]: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ - انتهى. قال الْحَرَالِّي: كان خيرا حيث لم يكن بين جمع الصوم والإطعام تعاند، بل تعاضد، لما يشعر به لفظ الخير - انتهى. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ قال الحرالى: والشهر هو الهلال الذي شأنه [أن -] يدور دورة من حين أن يهل إلى أن يهل ثانيا، سواء كانت عده أيامه تسعا وعشرين أو ثلاثين، كلا العددين في صحة التسمية بالشهر واحد، فهو شائع في فردين متزايدي العدد بكامل العدة، كما يأتي أحد الفردين لمسماه رمضان. يقال هو اسم من أسماء الله [ ] واشتقاقه من الرمضاء، وهو اشتداد حر الحجارة من الهاجرة، كأن هذا الشهر سمي بوقوعه زمن اشتداد الحر، بترتيب أن يحسب المحرم من أول فصل الشتاء، أي ليكون ابتداء العام الأول ابتداء خلق بإحياء الأرض بعد موتها.

стр. 319

قال: وبذلك يقع الربيعان في الربيع الأرضي السابق، حين تنزل الشمس الحوت، والسماوي اللاحق، حين تنزل الشمس الحمل. وقال: إنه لما وقع لسابقة هذه الأمة صوم كصوم أهل الكتاب، كما وجهوا إلى القبلة أولا بوجه أهل الكتاب، تداركه الإرفاع إلى حكم الفرقان المختص [بهم -] فجعل صومهم القار لهم بالشهر، لأنهم أهل شهور ناظرون إلى الأهلة، ليسوا بالمستغرقين في حساب الشمس، فجعل صومهم لرؤية الشهر، وجعل لهم الشهر [يوما واحداً، كأنهم نقلوا من صوم أيام معدودات إلى صوم -] يوم واحد غير معدود لوحدته، لأنهم أمة أمية، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ هي ميقات أمه محمد، ﷺ ، ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ هي ميقات موسى، ﵊، وأمته ومن بعده من الأمم إلى هذه الأمة. انتهى. قال الْحَرَالِّي: وأظهر فيه وجه القصد في الصوم وحكمته الغيبية التي لم تجر في الكتب الأول الكتابي فقال: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ فأشعر أن في الصوم حسن تلق لمعناه، ويسرا لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار، وتهجد الليل، وهو صيغة مبالغة من القرء، وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح - انتهى.

стр. 320

﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بأن طائفة الناس يعليهم الصوم، أي بالتهيئة للتدبر والفهم وانكسار النفس إلى رتبة الذين آمنوا والمؤمنين، [ويرقيهم -] إلى رتبة المحسنين، فهو هدى يغذو فيه فقد الغذاء القلب، كما يغذو وجوده الجسم، ولذلك أجمع مجربة أعمال الديانة، من ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أن مفتاح الهدى إنما هو الجوع، وأن المعدة والأعضاء متى أوهنت لله، نور الله، ، القلب، وصفي النفس، وقوي الجسم، ليظهر من أمر الإيمان بقلب العادة جديد عادة، هي لأوليائه أجل في القوة والمنة من عادته في الدنيا لعامة خلقه. وفي إشارته لمح لما يعان به الصائم من سد أبواب النار وفتح أبواب الجنة، وتصفيد الشياطين كل ذلك بما يضيق من مجاري الشياطين من الدم الذي ينقصه الصوم، فكان فيه مفتاح الخير كله، وإذا هدى الناس كان للذين آمنوا أهدى، وكان نورا لهم وللمؤمنين أنور، كذلك إلى أعلى رتب الصائمين
следующие страницы →