← Тафсир

Тафсир · id 26539

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

الحرالي، أبو الحسن

Полный текст (573 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال الْحَرَالِّي: قأنبأ بتمادي الصوم إلى السحر، لتنتقل وجبة الفطر التي توافق حال أهل الكتاب إلى وجبة السحر التي هي خصوص أهل الفرقان - انتهى. قال الْحَرَالِّي: وفي تأسيسه على العدد ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي هو الهلال، كما سيأتي التصريح به، فصار لهم العدد في الصوم بمنزلة التيمم في الطهور، يرجعون إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية، كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ قال الْحَرَالِّي: فبقى على حكم التحمل بيقين مما يغذو المؤمن، ويسقيه من غيب بركة الله، ، كما قال، ﵊: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" فللمؤمن غذاء في صومه من بركة ربه، بحكم يقينه فيما لا يصل إليه من لم يصل إلى محله، فعلى قدر ما تستمد بواطن الناس من ظواهرهم، يستمد ظاهر الموقن من باطنه، حتى

стр. 317

يقوي في أعضائه بمدد نور باطنه، كما ظهر ذلك في أهل الولاية والديانة، فكان فطر المريض رخصة لموضع تداويه واغتذائه. ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في الآخرة، كما أشار إليه الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي" وذلك لأنه لما كانت الأعمال: أفعالا، وإنفاقا، ويسيرا، وأحوالا، مما شأن العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه، وكان من شأنه، [كانت له. ولما كان الصوم ليس من شأنه لم يكن له، فالصلاة مثلا أفعال وأقوال، وذلك من شأن المرء، والزكاة إنفاق، وذلك من شأنه، والحج ضرب في الأرض، وذلك من شأنه، وليس من شأنه] أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح، ولا ينتصف ممن يعتدي عليه، "فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم" فليس جملة مقاصد الصوم من شأنه، وحقيقته إذبال جسمه، وإضعاف نفسه، وإماتته، [ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ، لينال بالصوم - من قتل نفسه] بوجه ما -[ما -] جرى على يده

стр. 318

خطأ من القتل، فكان في الصوم تنقص ذات الصائم، فلذلك قال تعالى: "فإنه لي" حين لم يكن من جنس عمل الآدمي، قال، : "وأنا أجزي به" ففي إشارته أن جزاءه من غيب الله، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كل ذلك في مضمون [قوله]: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ - انتهى. قال الْحَرَالِّي: كان خيرا حيث لم يكن بين جمع الصوم والإطعام تعاند، بل تعاضد، لما يشعر به لفظ الخير - انتهى. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ قال الحرالى: والشهر هو الهلال الذي شأنه [أن -] يدور دورة من حين أن يهل إلى أن يهل ثانيا، سواء كانت عده أيامه تسعا وعشرين أو ثلاثين، كلا العددين في صحة التسمية بالشهر واحد، فهو شائع في فردين متزايدي العدد بكامل العدة، كما يأتي أحد الفردين لمسماه رمضان. يقال هو اسم من أسماء الله [ ] واشتقاقه من الرمضاء، وهو اشتداد حر الحجارة من الهاجرة، كأن هذا الشهر سمي بوقوعه زمن اشتداد الحر، بترتيب أن يحسب المحرم من أول فصل الشتاء، أي ليكون ابتداء العام الأول ابتداء خلق بإحياء الأرض بعد موتها.

стр. 319

قال: وبذلك يقع الربيعان في الربيع الأرضي السابق، حين تنزل الشمس الحوت، والسماوي اللاحق، حين تنزل الشمس الحمل. وقال: إنه لما وقع لسابقة هذه الأمة صوم كصوم أهل الكتاب، كما وجهوا إلى القبلة أولا بوجه أهل الكتاب، تداركه الإرفاع إلى حكم الفرقان المختص [بهم -] فجعل صومهم القار لهم بالشهر، لأنهم أهل شهور ناظرون إلى الأهلة، ليسوا بالمستغرقين في حساب الشمس، فجعل صومهم لرؤية الشهر، وجعل لهم الشهر [يوما واحداً، كأنهم نقلوا من صوم أيام معدودات إلى صوم -] يوم واحد غير معدود لوحدته، لأنهم أمة أمية، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ هي ميقات أمه محمد، ﷺ ، ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ هي ميقات موسى، ﵊، وأمته ومن بعده من الأمم إلى هذه الأمة. انتهى. قال الْحَرَالِّي: وأظهر فيه وجه القصد في الصوم وحكمته الغيبية التي لم تجر في الكتب الأول الكتابي فقال: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ فأشعر أن في الصوم حسن تلق لمعناه، ويسرا لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار، وتهجد الليل، وهو صيغة مبالغة من القرء، وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح - انتهى.

стр. 320

﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بأن طائفة الناس يعليهم الصوم، أي بالتهيئة للتدبر والفهم وانكسار النفس إلى رتبة الذين آمنوا والمؤمنين، [ويرقيهم -] إلى رتبة المحسنين، فهو هدى يغذو فيه فقد الغذاء القلب، كما يغذو وجوده الجسم، ولذلك أجمع مجربة أعمال الديانة، من ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أن مفتاح الهدى إنما هو الجوع، وأن المعدة والأعضاء متى أوهنت لله، نور الله، ، القلب، وصفي النفس، وقوي الجسم، ليظهر من أمر الإيمان بقلب العادة جديد عادة، هي لأوليائه أجل في القوة والمنة من عادته في الدنيا لعامة خلقه. وفي إشارته لمح لما يعان به الصائم من سد أبواب النار وفتح أبواب الجنة، وتصفيد الشياطين كل ذلك بما يضيق من مجاري الشياطين من الدم الذي ينقصه الصوم، فكان فيه مفتاح الخير كله، وإذا هدى الناس كان للذين آمنوا أهدى، وكان نورا لهم وللمؤمنين أنور، كذلك إلى أعلى رتب الصائمين

стр. 321

العاكفين الذاكرين الله كثيرا، الذين تماسكوا بالصوم عن كل ما سوى مجالسة الحق بذكره. وفي قوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ إعلام بذكر ما يجده الصائم من نور قلبه، وانكسار نفسه وتهيئة فكره لفهمه، ليشهد تلك البينات في نفسه، وكونها ﴿مِنَ الْهُدَى﴾ الأعم الأتم الأكمل الشامل لكافة الخلق ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ الأكمل، وفي حصول الفرقان عن بركة الصوم والذي هو بيان رتب ما أظهر الحق رتبه على وجهه إشعار بما يؤتاه الصائم من الجمع الذي هو من اسمه الجامع الذي لا يحصل ألا بعد تحقق الفرقان، [فإن -] المبني على التقوى المنولة للصائم في قوله في الكتب الأول ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فهو صوم ينبني عليه تقوى ينبني عليها فرقان، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ ينتهي إلى جمع يشعر به نقل الصوم من عدد الأيام إلى وحدة الشهر - انتهى. فعلى ما قلته المراد بالهدى الحقيقة، وعلى ما قاله الْحَرَالِّي هو مجاز علاقته السببية، لأن الصوم مهيئ للفهم، وموجب للنور. ﴿وَالْهُدَى﴾

стр. 322

المعرف الوحي، أعم من الكتاب والسنة، أو أم الكتاب، أو غير ذلك، وعلى ما قال الْحَرَالِّي يصح أن يراد به القرآن الجامع للكتب كلها، فيعم الكتب الأول للأيام، والفرقان هو الخاص بالعرب الذي أعرب عن وحدة الشهر. ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي شياعه إلزام لمن رأى الهلال وحده بالصوم، وقوله: ﴿مِنْكُمُ﴾ خطاب الناس ومن فوقهم، حين كان الصيام معليا لهم، ﴿الشَّهْرَ﴾ هو المشهود على حد ما تقول النحاة مفعول على السعة، لما فيه من حسن الإنباء وإبلاغ المعنى، ويظهر معناه قوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ فجعله واقعا على الشهر، لا واقعا على معنى فيه، حيث لم [يكن: فليصم فيه -] وفي إعلامه صحة صوم ليلة، ليصير ما كان في الصوم الأول من السعة بين الصوم والفطر للمطيق واقعا هنا بين صوم الليل وفطره لمن رزق القوة بروح من الله تعالى - انتهى. ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: فمرد هذا الخطاب من مضمون أوله فمعناه: فصومه عدة، من حيث لم يذكر في هذا

стр. 323

الخطاب الكتب، ليجري مرد كل خطاب على حد مبدئه، وفي قوله: ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إعلام بأن القضاء لم يجر على وحدة شهر، لاختصاص الوحدة بشهر رمضان، ونزول قضائه منزلة الصوم الأول، [و -] في عدده، وفي إطلاقه أشعار بصحة وقوعه متتابعا وغير متتابع - انتهى. ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ قال الْحَرَالِّي: اليسر عمل لا يجهد النفس، ولا يثقل الجسم، والعسر ما يجهد النفس ويضر الجسم. وقال: فيه إعلام برفق الله بالأجسام التي يسر عليها بالفطر، وفي باطن هذا الظاهر إشعار لأهل القوة بأن اليسر في صومهم، وأن العسر في فطر المفطر، ليجري الظاهر على حكمته في الظهور، ويجري الباطن على حكمته في البطون، إذ لكل آية منه ظهر وبطن، فلذلك، والله، ، أعلم، كان النبي، ﷺ ، يصوم في رمضان في السفر، ويأمر بالفطر، وكان أهل القوة من العلماء يصومون ولا ينكرون الفطر - انتهى. ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ قال الْحَرَالِّي: التقدير: لتوفوا الصوم بالرؤية، ولتكملوا إن أغمى عليكم، ففي هذا الخطاب تعادل ذكر الصحو في الإبتداء بقوله: ﴿شَهِدَ﴾ وذكر الغيم في الانتهاء بالإكمال - انتهى.

стр. 324

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ والتكبير إشراف القدر، أو المقدار، حسا أو معنى - قاله الْحَرَالِّي. قال الْحَرَالِّي: وفيه إشارة إلى ما يحصل للصائم بصفاء باطنه من شهود ما يليح له أثر صومه من هلال نوره العلي، فكما كبر في ابتداء الشهر لرؤية الهلال يكبر في انتهائه لرؤية باطنه مرأى من هلال نور ربه، فكان عمل ذلك هو صلاة ضحوة يوم العيد، وأعلن فيها بالتكبير، وكرر لذلك، وجعل في براح من متسع الأرض لمقصد التكبير، لأن تكبير الله إنما هو بما جل من مخلوقاته، فكان في لفظه إشعار لما أظهرته السنة من صلاة العيد على اختصاصها بتكبير الركعتين والجهر، لمقصد موافقة معنى التكبير الذي إنما يكون علنا - انتهى. ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وقال الْحَرَالِّي: إن الهداية إشارة إلى تلك الموجدة التي يجدها الصائم، وما يشهده الله من بركاته من رؤية ليلة القدر بكشف خاص لأهل الخلوة،

стр. 325

أو آيات بينة لأهل التبصرة، أو بآية بادية لأهل المراقبة، كلا على حكم وجده؛ من استغراق تماسكه وخلوته، واستغراق ذكره في صومه، فأعظم الهدى هدى المرء لأن يذبل جسمه ونفسه، وتفنى ذاته في حق ربه، كما يقول: "يدع طعامه وشرابه من أجلي" فكل عمل فعل وثبت إلا الصوم، فإنه محو وفقد، فناسب تحقيق ما هو الإسلام والتقوى من إلقاء منة الظاهر وقوة الباطن - انتهى. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: فيه تصنيف في الشكر نهاية، كما كان فيه تصنيف للتقوى بداية، كما قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فمن صح له التقوى ابتداء، صح منه الشكر انتهاء، وفي إشعاره إعلام بإظهار نعمة الله وشكر الإحساس الذي هو مضمون [فرض -] زكاة الفطر عن كل صائم، وعمن يطعمه الصائم، فكان في الشكر إخراجه فطره بختم صومه، واستقبال فطره بأمر ربه، وإظهار شكره بما خوله بما إطعام عيلته، فلذلك جرت فيمن يصوم، وفيمن يعوله الصائم - انتهى.

стр. 326

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما أثبت الحق، ، كتاب الصيام لعباده، لما أرادهم [له -] من إعلائهم إلى خبء جزائه، وأطلعهم على ما شاء في صومهم من ملكوته بحضور ليلة القدر، فأنهاهم إلى التكبير على عظيم ما هداهم إليه، واستخلفهم في فضله وشكر نعمته، بما خولهم من عظيم فضله، وأظهر عليهم من رواء بركاته ما يدعو الناظرين لهم إلى سؤالهم عما نالوه من ربهم، فيليحون لمن دونهم ما به يليق بهم [رتبة -] رتبة، يؤثر عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: "كان رسول الله ﷺ ، يكلم أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، فكأنما يتكلمان بلسان أعجم، لا أفهم مما يقولان شيئا" إلى أن ينتهي الأمر إلى أدنى

стр. 327

السائلين الذين هم في رتبة حضرة [بعد -]، فيثرون بمطالعة القرب، فقال: ﴿وَإِذَا﴾ عطفا على أمور متجاورة، كأنه يقول: إذا خرجت من معتكفك فصليت وظهرت زينة الله التي باهى بها ملائكته، ليست زينة الدنيا التي يتمقتها أهل حضرته من ملائكته، فإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا. وإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا، وإذا سألك من حاله كذا فأئبئه بكذا، [وإذا -] ﴿سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ أي هل أنا على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم، فأخبرهم أني لست كذلك. ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: بشر أهل صفوة البعد بالقرب، لما رقى أهل القرب إلى الوصول بالقرب، فكان المبشر وأصلا، وكان المتقاصر عن القرب مبشرا به، ومعلوم أن قرب الله وبعد المخلوق منه ليس بعد مسافة، ولا قرب مسافة، فالذي يمكن إلا حته من معنى القرب أن من سمع، فيما يخاطب به، خطاب ربه، فهو قريب ممن كان ذلك الخطاب منه، ومن كان إنما يسمع الخطاب ممن واجهه بالخطاب في حسه ومحسوسه فسمعه من دون ربه، كان بعيداً بحسب تلك الواسطة، من بعد دون بعد إلى أبعد البعد، ولذلك يعلن للنبي، ﷺ : ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ

стр. 328

الْبَلَاغُ﴾ وكان أن ما يتلوه لأمته إنما هو كلام ربهم، يتلو لهم كلام ربه، يسمعوه من ربهم، لأمته، حتى لا يكون، ﷺ ، واسطة بين العبد وربه، بل يكون يوصل العبد إلى ربه، وللإشارة بهذا المعنى يتلى كلمة ﴿قُلْ﴾ في القرآن، ليكون إفصاحا لسماع كلام الله، ، ممن سمع، كائنا من كان. وفي إشعاره إهزار القلوب والأسماع إلى نداء الحج إثر الصوم، لأنه جعل، تعالى، أول يوم من شهور الحج إثر يوم من أيام الصوم، فكأن منادي الله ينادي يوم الفطر بالحج، ففي خفي إشارته إعلاء نداء إبراهيم، ﵊، الذي تقدم أساس أمر الإسلام، على حنيفيته وملته، وليكون في هذه الآية الجامعة توطئة لذكر الحج، لما تقدم من أن هذه السورة تنتظم جوامعها خلال تفاصيلها انتظاما عجيبا، يليح المعنى لأهل الفهم، ويفصله لأهل العلم، ثم يحكم به على أهل الحكم. قال: ﴿أُجِيبُ﴾ من الإجابة، وهي اللقاء بالقول ابتداء شروع

стр. 329

لتمام اللقاء بالمواجهة، ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ ففيه إشعار بإجابة الداعي [أي الحج -] عند خاتمة الصوم، يعني لما بين العبادتين من تمام المناسبة، فإن حال الصوم التابع لآية الموت في كونه محوا لحال البرزخ، وحال الحج في كونه سفرا إلى مكان مخصوص على حال التجرد كحال الحشر. قال: وجاء الفطر، يعني بعد إكمال الصوم، بما يعين على إجابة دعوة الوفادة على الله، ، إثر الخلوة في بيت الله، ليكون انتقالهم من بيت خلوته بالعكوف إلى موقف تجليه في الحج، وفيه تحقيق للداعي من حاله ليس الداعي من أغراضه وشهواته، فإن الله، ، يجيب دعوة العبد إذا كان فيه رشد، وإلا ادخرها له أو كفر بها عنه، كما بينه، ﷺ . ولما كان كل خلق داعيا لحاجته، وإن لم ينطق بها، أشار، تعالى، إلى مقصد إظهار الدعاء مقالا وابتهالا، فقال: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ ليكون حاله صدقا بمطابقة حاله [مقالا -].

стр. 330

وفي قراءة الاكتفاء بكسرة ﴿الدَّاعِ﴾ و ﴿دَعَانِ﴾ عن ياءيهما، وقراءة تمكينهما توسعة القراءة بما تيسر على قبائل العرب، بحسب ما في ألسنة بعضها من التمكين، وما في ألسنة بعضها من الحذف. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. وفي إجابته حجة عليهم بأن السيد إذا التزم إجابة عبده كان إجابة العبد لسيده أوجب التزاما، لاستغناء السيد، وحاجة العبد، فحين كان الغني مجيبا، كان أولى بأن يكون المحتاج مستجيبا، يعني فلذلك سبب عنه قوله، إشارة إلى شرط الإجابة: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ إنباء عما قد دعاهم إليه من قربه وقصد بيته، بما جبلهم عليه من حاجتهم إليه، جاء بصيغة الاستفعال المشعر باستخراج الإجابة مما شأنه الإباء، لما في الأنفس من كره فيما تحمل عليه من الوصول إلى بيت لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس - انتهى وفيه تصرف. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ قال الْحَرَالِّي: والرشد: حسن التصرف في الأمر حسا أو معنى، في دين أو دنيا، ومن [مقتضى -] هذه الآية تتفضل جميع أحوال السالكين إلى الله، ، من توبة التائب من حد بعده إلى سلوك

стр. 331

سبيل قربه [إلى -] ما يؤتيه الله من وصول العبد إلى ربه - انتهى. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففيه يسر، من حيث لم يؤاخذوا بذنب حكم خالف شرعة جبلاتهم، فعذرهم بعلمه فيهم، ولم يؤاخذهم بكتابه عليهم، وفي التوب رجوع إلى مثل الحال قبل الذنب، "التائب من الذنب كمن لا ذنب له". وكانت هذه الواقعة لرجل من المهاجرين، ورجل من الأنصار، ليجتمع اليمن في الطائفتين، فإن أيمن الناس على الناس من وقع في مخالفة فيسر الله حكمها بوسيلة مخالفته، كما في هذه الآية التي أظهر الله، ، الرفق فيها بهذه الأمة، من حيث شرع لها ما يوافق كيانها، وصرف عنها ما علم أنها تختان فيه لما جبلت عليه من خلافه، وكذلك حال الآمر، إذا شاء أن يطيعه مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك ودواعيه لفعلها، وينهاه عن الأشياء التي لو ترك ودواعيه لاجتنبها، فبذلك يكون حظ حفظ المأمور من المخالفة، وإذا شاء

стр. 332

الله، تعالى، أن يشدد على أمة أمرها بما جبلها على تركه، ونهاها عما جبلها على فعله، فتفشو فيهم المخالفة لذلك، وهر من أشد الآصار التي كانت على الأمم، فخففت عن هذه الأمة بإجراء شرعتها على ما يوافق خلقتها، فسارع، ، لهم إلى حظ من هواهم، كما قالت عائشة، رضي الله تعالى عنها، للنبي: "إن ربك يسارع إلى هواك" ليكون لهم حظ مما لنبيهم كليته، وقال، ﵊، لعلي رضي الله تعالى، عنه: "اللهم أدر الحق معه حيث دار" كان، ﷺ ، يأمر الشجاع بالحرب، ويكف الجبان عنه، حتى لا تظهر فيمن معه مخالفة إلا عن سوء طبع، لا يزعه وازع الرفق، وذلك قصد العلماء الربانيين الذين يجرون المجرب والمدرب على ما هو أليق بحاله وجبلة نفسه، وأوفق لخلقه، وخلقه، ففيه أعظم اللطف لهذه الأمة من ربها ومن نبيها ومن أئمة زمانها، ومنه قوله، ﵊: "لقد هممت أن أنهي عن الغيلة، حتى سمعت [أن] فارس [و] الروم يصنعون ذلك، فلا يضر ذلك

стр. 333

أولادهم شيئا" لتجري الأحكام على ما يوافق الجبلات، وطباع الأمم، لكونه رسولا إلى الناس كافة على اختلاف طبائعهم، وما في السنة والفقه من ذلك فمن مقتبسات هذا الأصل العلي الذي أجرى الله، ، الحكم فيه لأمة محمد، ﷺ ، على وفق ما تستقر فيه أمانتهم، وتندفع عنهم خيانتهم. وفي [قوله -] ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ أي [بمحو -] أثر الذنب [إشعار لما كان يستحق ذلك من تطهر منه من نحو كفارة وشبهها، ولما كان ما أعلى إليه -] خطاب الصوم صوم الشهر على حكم وحدته الآتية على ليلة ونهاره إعلاء عن رتبة الكتب الأول التي هي أيام معدودات مفصول ما بين أيامها بلياليها، ليجري النهار على حكم العبادة، والليل على حكم الطبع والحاجة، فكان في هذا الإعلاء إطعام الضعيف مما يطعمه الله ويسقيه، لا لأنه منه أخذ

стр. 334

يطبع، بل بأنه حكم عليه بشرع، حين جعل الشرعة على حكم طباعهم، كما قال في الساهي: "إنما أطعمه الله وسقاه". وفيه إغناء القوي عن الطعام والشراب، كما قال، ﵊: "إني لست كهيئتكم" فكان يواصل، وأذن في الوصال إلى السحر، فكما أطعموا وسقوا شرعة مع تمادي حكم الصوم، فكذلك أنكحوا شرعة مع تمادي حكمه، فكان نكاحهم ائتمارا بحكم الله، لا إجابة طبع ولا غرض نفس، فقال: ﴿فَالْآنَ﴾ أي حين [أظهر -] لكم إظهار الشرعة على العلم فيكم، وما جبلت عليه طباعكم فسدت عنكم أبواب المخالفة التي فتحت على غيركم، "باشروهن" حكما، حتى استحب طائفة من العلماء النكاح للصائم ليلا، حيث صار طاعة، وهو من المباشرة، وهي التقاء البشرتين عمداً ﴿وَابْتَغُوا﴾ أي اطلبوا بجد ورغبة ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾ أي الذي له القدرة الكاملة، فلا يخرج شيء عن أمره ﴿لَكُمْ﴾ أي من الولد أو المحل الحل، وفيه إشعار بأن ما قضى من الولد في ليالي رمضان نائل بركة ذرئه على نكاح أمر

стр. 335

به، حتى كان بعض علماء [الصحابة] يفطر على النكاح ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ كان ﷺ ، يفطر على رطبات، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء، وقال: "إن الماء طهور" وفي تقديم الأكل إجراء لحكم هذا الشرع على وفق الطبع - انتهى. ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ قال الْحَرَالِّي: بصيغة يتفعل، وهو حيث يتكلف الناظر نظره، وكأن الطالع يتكلف الطلوع، ولم يقل: بين، لأن ذلك يكون بعد الوضوح - انتهى. ﴿لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: فمد إلى غاية انتهاء الليل وتبين حد النهار بأرق ما يكون من مثل الخيط. ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ففيه إنهاض لحس الاستبصار في ملتقى الليل والنهار، حتى يؤتى العبد نور حسن بتبين ذلك على دقته [ورقته]، وقد كان أنزل هذا المثل دون بيان ممثوله، حتى [أخذ -] أعرابي

стр. 336

ينظر إلى خيطين محسوسين، فأنزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ يعني فبين الأبيض، فأخرجه بذكر المشبه من الاستعارة إلى التشبيه، لأن من شرائطها أن يدل عليها الحالة أو الكلام، وهذه الاستعارة، وإن كانت متعارفة عندهم، فقد نطقت بها شعراؤهم، وتفاوضت [بها -] فصحاؤهم وكبراؤهم، لم يقتصر عليها، وزيد في البيان، لأنها خفيت على بعض الناس، منهم عدي بن حاتم، رضي الله تعالى عنه، فلم تكن الآية مجملة، ولا تأخر البيان عن وقت الحاجة، ولو كان الأمر كذلك ما عاب النبي، ﷺ ، على عدي، رضي الله تعالى عنه، عدم فهمها. وقال الْحَرَالِّي في كتاب له في "أصول الفقه"، بناء على أنها مجملة، والخطاب بالإجمال ممكن الوقوع، وليس يلزم العمل به، فالإلزام تكليف ما لا يطاق، وإلزام العمل يستلزم البيان، وإلا عاد ذلك الممتنع، وتأخير بيان المجمل إلى وقت الإلزام ممكن، لأن في ذلك تناسب حكمة الوحي المنزل بحكمة العالم المكون، فإن الإجمال في القرآن بمنزلة نطق الأكوان، والبيان بمنزلة تخطيط

стр. 337

الصور، وذلك ظاهر عند من زاوله، وحينئذ فلا يقال خطاب الإجمال عديم الفائدة، لأنه يفيد تدريج حكمة التنزيل وتحصيل بركة التلاوة، وفي الاقتصار على بيانه [نمط -] من فصاحة الخطاب العربي، حيث لم يكن فيه ذكر الممثولين، اكتفاء بأحدهما عن الآخر، ففيه تأصيل لأصل البيان من الإفهام، حيث لم يقل: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ كما قال: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [اكتفاء بما -] في الفهم من الذكر، وفي وقوع المبين إثر غير مثله [نمط -] آخر من فصاحة الخطاب العربي، [لأن العرب] يردون الثالث إلى الأول، لا إلى الثاني، ليتعلق بالأول في المعنى، وينتظم بالثاني في اللفظ، فيكون محرز المحل المفهوم راجعا إلى الأول بالمعنى - انتهى. ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: فكان صوم إتماما لبدء ما صوم ليلة، فكأنه في الليل صوم ليس بتام، لانثلامه للحس، وإن كان في المعنى صوما، ومن معناه رأي بعض العلماء الشروع في الاعتكاف قبل الغروب، لوجه مدخل الليل في الصوم التام بالعكوف، وإضافة الليل للنهار في حكم صوم ما، وهو في النهار تمام بالمعنى والحس، وإنما ألزم بإتمام الصوم نهارا واعتد به ليلا وجرى فيه الأكل والنكاح بالأمر، لأن النهار معاش، فكان الأكل فيه أكلا في وقت انتشار الخلق،

стр. 338

وتعاطي بعضهم من بعض، فيأنف عنه المرتقب، ولأن الليل سبات، ووقت توف وانطماس، فبدأ فيه من أمر الله ما انحجب ظهوره في النهار، كأن المطعم بالليل طاعم من ربه الذي هو وقت تجليه: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا" فكأن الطاعم في الليل إنما أطعمه الله وسقاه، فلم يقدح ذلك في معنى صومه وإن ظهر صورة وقوعه في حسه كالناسي، بل المأذون له أشرف رتبة من الناسي - انتهى. ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. قال الْحَرَالِّي. وإنما كان العاكف في المساجد مكملا لصومه، لأن حقيقة الصوم التماسك عن كل ما شأن المرء أن يتصرف فيه من بيعه وشرائه وجميع أغراضه، فإذاً المعتكف المتماسك عن التصرف [كله -] إلا ما لابد له من ضرورته، والصائم المكمل صيامه والمتصرف الحافظ للسانه الذي لا ينتصف بالحق ممن اعتدى عليه هو

стр. 339

المتمم [للصيام، ومن نقص عن ذلك فانتصف بالحق ممن اعتدى عليه - فليس بمتمم للصيام، فمن أطلق لسانه وأفعاله [فليس لله حاجة يدع طعامه وشرابه]، فإذاً حقيقة الصوم هو الصوم لا صورته، حتى ثبت معناه للأكل ليلا ونهارا، قال، ﷺ ، "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنهما صام الدهر كله" وقال، ﷺ : "ثلاثة أيام من كل شهر، فذلك صوم الدهر" وكان بعض أهل الوجهة من الصحابة يقول قائلهم: أنا صائم، ثم يرى يأكل من وقته، فيقال له في ذلك، فيقول: قد صمت ثلاثة أيام من هذا الشهر، فأنا صائم في فضل الله، مفطر في ضيافة الله؛ كل ذلك اعتداد من أهل الأحلام والنهي بحقيقة الصوم أكثر من الاعتداد بصورة ظاهرة - انتهى بمعناه. ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [ قال الْحَرَالِّي]: وهو من معنى إنزال الدلو خفية في البئر ليستخرج منه ماء، فكأن الراشي يدلي [دلو -] رشوته للحاكم خفية ليستخرج جوره ليأكل به مالاً - انتهى. ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: في

стр. 340

مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما كان منزل القرآن لإقامة الأمور الثلاثة التي بها قيام المخاطبين به: وهو صلاح دينهم، وهو ما بين العبد وربه، من عمل أو إلقاء بالسلم إليه، وإصلاح دنياهم، وهو ما فيه معاش المرء، وإصلاح آخرتهم، وهو ما إليه معاده، كان لذلك منزل القرآن مفصلا بأحكام تلك الأمور الثلاثة، فكان شذرة للدين، وشذرة للدنيا، وشذرة للآخرة، فلما كان في صدر هذا الخطاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ وهو خطاب للملوك، ومن تبعهم من رؤساء القبائل، ومن تبعهم، انتظم به بعد ذلك حكم من أحكام أهل العلم ومن تبعهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ الآية، ثم انتظم به ذكر الوصية من أهل الجدة، ثم انتظم به ذكر أحوال الرشي من الراشي والمرتشي، ليقع نظم التنزيل ما بين أمر في الدين، ونهي في الدنيا، ليكون ذلك أجمع للقلب في قبول حكم الدنيا عقب حكم الدين، ويفهم حال المعاد من [عبرة -] أمر الدنيا، فلذلك تعتور الآيات هذه المعانى، ويعتقب بعضها لبعض، ويتفصل بعضها ببعض، كما هو حال المرء في يومه وفي مدة عمره، حيث تعتور عليه أحوال

стр. 341

دينه ودنياه ومعاده، يطابق الأمر الخلق في التنزيل والتطوير - انتهى. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهي جمع هلال، وهو ما يرفع الصوت عند رؤيته، فغلب على رؤية الشهر الذي هو الهلال. انتهى. ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو حشر العباد إلى الموقف في شهور آخر السنة، فهو أمر ديني، مشعر بختم الزمان وذهابه، لما فيه من آية المعاد - انتهى. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ قال الْحَرَالِّي: بالرفع والتخفيف؛ استدراكا لما هو البر، وإعراضا عن الأول، وبالنصب والتشديد مع الالتفات إلى الأول لمقصد طرحه - انتهى. ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ والباب المدخل للشيء المحاط بحائط يحجزه ويحوطه. قاله الْحَرَالِّي. وتقدم تعريفه له بغير هذا. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وذكر الْحَرَالِّي: إن أكثر ما يقع [فيه -] سؤال يكون مما ألبس فتنة أو أشرب محنة، أو أعقب بعقوبة، ولذلك قال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ وكره رسول الله، ﷺ ، المسائل وعابها، وقال: "دعوني ما تركتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة

стр. 342

سؤالهم" الحديث. ومنه كره وتكلف توليد المسائل، لأنه شغل عن علم التأصيل وتعرض لوقوعه، كالذي سأل عن الرجل يبتلي في أهله فابتلى به. ويقال: كثرة توليد مسائل السهو أوقع فيه. وقال: وهذه الآية كالجامعة الوطئة لما ذكر بعدها من أمر توقيت القتال الذي كانوا عليه، كما كان من أمر الجاهلية حكم التخرج من القتال في الأشهر الحرم، والتساهل فيه في أشهر الحل، مع كونه عدوى بغير حكم حق، فكان فيه عمل بالفساد وسفك الدماء - انتهى وفيه تصرف - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: من حيث إنه حظيرة على دين الإسلام المقيد بالمواقيت، من حيث إن الإسلام عمل يقيده الوقت، والدفع عنه أمر لا يقيده وقت، بل أيان طرق الضر لبناء الإسلام دفع عنه، كما هو حكم الدفع في الأمور الدينية، فكانت الصلاة لمواقيت اليوم والليلة، والصوم والحج لمواقيت الأهلة، والزكاة لميقات الشمس، والجهاد لمطلق الميقات، حيثما وقع من مكان وزمان، ناظرا بوجه ما لما يقابله من عمود الإسلام الذي هو ذكر كلمة

стр. 343

الإخلاص، وهي: "لا إله إلا الله" على الدوام. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ انتهى. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففي طبه إشعار بما وقع، وهو واقع، وسيقع، من قتال طائفة الحق لطائفة البغي سائر اليوم المحمدي، بما تخلص من الفتنة ويخلص الدين لله توحيدا ورضى وثباتا، على حال السلف الصالح وزمان الخلافة والنبوة - انتهى. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ والنهي: قال الْحَرَالِّي: الحكم المانع من الفعل المترامي إليه بمنزلة أثر العقل المسمى نهى، لمنعه عما تهوى إليه النفس مما يستبصر فيه النهي، قال، ﵊: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهي" فمن لم يكن من أهل النهي كان نهاه النهي، وهو الحكم المذكور - انتهى. ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فذكر الظلم الشامل لوجوه إيقاع الأمر في غير موضعه من أعلى الدين إلى أدناه - انتهى.

стр. 344

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففي ضمنه إشعار وتطريق لمقصد السماح الذي هو خير الفضائل؛ من وصل القاطع، والعفو عن الظالم. ولما كان في هذه التقوى خروج عن حظ النفس، أعلمهم أنه، تعالى، يكون عوضا لهم من أنفسهم، بما اتقوا وداوموا على التقوى، حتى كانت وصفا لهم، فأعلمهم بصحبته لهم - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: ولمكان ما لزم العفو من العز الذي جاء على خلاف غرض النفس، نظم به، تعالى، ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الإنفاق، الذي يحصل به الزكاء والنماء، وأيضا لما أسس، تعالى حكم الجهاد، الذي هو أشق الأعمال على النفس، نظم به أمر الجود والإنفاق، الذي هو أشق منه على الأنفس. ومن حيث [إن -] القتال مدافعة يشتمل على عدة وزاد، لم يكن أمره يتم

стр. 345

إلا بإعمال الغريزتين: الشجاعة والجود. ولذلك كان أشد الآفات في الدين البخل والجبن - انتهى. ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فالنظر للأموال بإنفاقها بإصلاحها وإثباتها، فانتظم الخطابان: ما في العفو من العز، وما في الإنفاق من النماء. وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك الأنفس من أن إصلاح الأموال وإمساكها تهلكة - انتهى. ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: إحاطة الخطاب تقتضي أن التهلكة تضييع القتال والإنفاق اللذين بتركهما تقع الاستطالة على مبنى الإسلام [فيتطرق -] إلى هدمه، ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال، لتجرد المهاجرين عنها، كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل، وأن يقع الإحسان في المال، وفي إشعاره حض الأنصار على إنفاق أموالهم، يتلون به حال الهاجرين في التجرد عنها، فكما كان أمر المهاجرين

стр. 346

أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا، فما خرج المهاجرون عن أصله، خرج الأنصار عند التمسك به عن وصفه، فكان إعراضهم تابعا لترك المهاجرين [أموالهم -]. ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ من الإحصار، وهو منع العدو والمحصر عن متصرفه كالمرض يحصره عن التصرف في شأنه - قاله الْحَرَالِّي. ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو إزالة ما يتأتى للزوال بالقطع من الآلة الماضية في عمله، والرأس مجتمع الخلقة، ومجتمع كل شيء رأسه - انتهى. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: والهدي ما تقرب به الأدنى للأعلى، وهو اسم ما يتخذ فداء من الأنعام، بتقديمه إلى الله، ، وتوجيهه إلى البيت العتيق. وفي تعقيب الحلق بالهدي إشعار باشتراكهما في معنى واحد، وهو الفداء. والهدي في الأصل فداء لذبح الناسك نفسه لله، سنة إبراهيم في ولده،

стр. 347

عليهما الصلاة والسلام، ولإزالة الشعر فداء من جزاء لرأس لله، ولذلك لما سئل النبي، ﷺ ، عن تقديم أحدهما على الآخر قال: "افعل ولا حرج"، لأن الجميع غاية بالمعنى الشامل للفداء - انتهى. ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ لأن الصدقة، كما قال الْحَرَالِّي، عدل الصيام عند فقده، كما تقدم. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيكون الصوم عدلا للهدي الذي يطعمه المهدي. كما كان الإطعام عدلا للصوم في أية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ - انتهى. ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: معاد عد الآحاد [إلى -] أوله. ﴿كَامِلَةٌ﴾ والكمال: قال الْحَرَالِّي: الإنتهاء إلى الغاية التي ليس وراءها مزيد من كل وجه. وقال: فكما استوى حال الهدي في بنائه إلى الحرم أو الحل، كذلك استوى حال الصوم في البلد الحرام والبلد الحلال، ليكون في إشارته إشعار بأن الأرض لله مسجد، كما أن البلد الحرام لله مسجد، فأظهر معنى استوائهما في الكمال في حكم الأجر لأهل الأجور، والقبول لأهل القبول، والرضا، لأهل الرضا

стр. 348

والوصول لأهل الوجهة كل عامل على رتبة عمله - انتهى. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: والأهل سكن المرء من زوج ومستوطن. ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال الْحَرَالِّي: إفصاحا بما أفهمه معنى المتعة: وذلك لأن الله، ، إذا تولى إبانة عمل أنهاه إلى الغاية في الإفصاح - انتهى. قال الْحَرَالِّي: لما تجره النفوس من مداخل نقص في النيات والأعمال والتنقلات من الأحكام إلى أبدالها، فما انبنى على التقوى خلص، ولو قصر - انتهى. ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ قال الْحَرَالِّي: لأن الفرائض من لم يقمها تساقط عضواً عضواً قائم دينه، كما أن النوافل من لم يأت بها عري من زينتها، فكانت الفروض صحة، والنوافل زينة، وفي قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ إشعار بصحة وقوع الحج في بعضهن، وأن الحج ليس كالصوم، طبق زمانه، فكان من العبادات ما هو طبق زمانه كالصوم، وما يتسع فيه كالصلاة، وما لابد أن ينتهي إلى خاتمته كالحج، وتقع التوسعة في الشروع - انتهى. ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ قال الْحَرَالِّي: هو الخروج عن إحاطة العلم والعقل والطبع - انتهى. ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال الْحَرَالِّي: فمنع في الحج من الإقبال على الخلق، بما

стр. 349

فيه كره من رفث ومسابة وجدال، حتى لا يقبل الخلق على الخلق في الحج إلا بما الإقبال فيه إقبال على الحق بالحقيقة، فما ينزه الحق، تعالى، عن مواجهته بما [يتحامى -] مع الخلق في زمن الحج، كما تحومى ما يختص بالنفس من الأحداث في عمل الصلاة. وفي وروده نفيا لا نهيا إعلام بأنه مناقض لحال الحج، حين نفى، لأن شأن ما يناقض أن ينفي، وشأن ما لا يناقض ويخالف أن ينهي عنه، كما قال فيما هو قابل للجدال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وبين خطاب النهي والنفي فوت في الأحكام الشرعية، ينبني الفقه في الأحكام على تحقيقه في تأصيلها، والتفريع عليها - انتهى. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾. وقال الْحَرَالِّي: ولما حمى من سوء معاملة الخلق مع الخلق عرض بأن يوضع موضع ذلك الإحسان، فيقع في محل إخراج الأنفس أن يتودد إليها بإسداء الخير، وهو الإحسان من خير الدنيا.

стр. 350

ففي إعلامه تحريض على إحسان الحاج بعضهم لبعض، لما يجمع وفده من الضعيف. والمنقطع، فقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ انتهى. ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ وفي التجرد مداخل خلل في بعض نيات الملتبسين بالمتوكلين من الاتكال على الخلق، فأمر الكل بالتزود ستراً للصنفين، إذ كل جمع لابد فيه من كلا الطرفين - قاله الْحَرَالِّي. وقال: وفي ضمنه تصنيفهم ثلاثة أصناف: متكل لا زاد معه، فمعه خير الزادين، ومتمتع لم يتحقق تقواه، فلا زاد له في الحقيقة، وجامع بين التقوى والمتعة، فذلك على كمال السنة، كما قال، ﵊: "قيدها وتوكل" لأن ذلك أستر للطرفين، وحقيقة التقوى في أمر التزود النظر إلى الله، تعالى، في إقامة خلقه وأمره. قال بعض أهل المعرفة: من عوده الله، ، دوام النظر إليه بالغيبة عما سواه، فقد ملك الزاد، فليذهب حيث شاء، فقد استطاع سبيلا - انتهى. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وذلك حظ من الوقوف هنيهة وقت في البلد الحرام، عند إقبال النهار، معادلة للوقوف بعرفة من الحل إلى إقبال الليل،

стр. 351

ليتثنى الوقوف في الحل والحرم، فكان فيه موقف نهار ينتهي إلى الليل في عرفة، وموقف ليل ينتهي إلى النهار في المشعر، فوقف فيه، ﷺ ، بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، وهو ذكره عنده، لأن الذكر بحسب الذاكر، فذكر اللسان القول، وذكر البدن العمل، وذكر النفس الحال والانفعال، وذكر القلب المعرفة والعلم واليقين، ونحو ذلك، ولكل شيء ذكر بحسبه، وفي جمع الموقفين في الحل والحرم، في معلم الحج الذي هو آية الحشر، إيذان وبشرى بأن أهل الموقف صنفان: [صنف -] يقفون في موطن روع ومخافة وقوفا طويلا؛ اعتبارا بوقوف الواقفين بعرفة، من حين زوال الشمس إلى غروبها، ست ساعات. وصنف حظهم من الوقوف قرار في أمنة ظل العرش الذي هو حرم يوم القيامة وكعبته، فتشعر خفة الوقوف بالمشعر الحرام أن أمد طول ذلك اليوم يمر على المستظلين بظل العرش فيه كأيسر مدة، كما قال، ﵊، بمقدار صلاة مكتوبة، فكان في ذلك فضل ما بين موقف الحرم على موقف الحل - انتهى. ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما كان للخطاب ترتيب للأهم فالأهم، كما كان للكيان ترتيب للأسبق فالأسبق، كان حرف المهلة الذي هو "ثم" يقع تارة

стр. 352

لترتيب الكيان، وتارة لترتيب الأخبار، فيقول القائل مثلا: امش إلى حاجة كذا - تقديما في الخبر للأهم - ثم ليكن خروجك من موضوع كذا، فيكون السابق في الكيان متأخرا بالمهلة في الإخبار، فمن معنى ذلك قوله - انتهى. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ قال الْحَرَالِّي: والعادات أشد ما على المتعبدين، والطريق إلى الله، تعالى، بخلعها، وقد كان جدالهم، أي في وقوفهم في الحرم، بغير علم، لأن العلم يقتضي أن الواقف خائف، والخائف لا يخاف في الحرم، لأن الله، ، جعل الحرم أمنا، فمن حق الوقوف أن يكون في الحل، فإذا أمن دخل الحرم، وإذا دخل الحرم أمن - انتهى. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: فانتظم ذكر إخراجهم عن قولهم المعهود بإخراجهم عن موقفهم المعهود إخراجا لهم عن معتادهم في أعمالهم وأحوالهم. وفي إعلامه أخذ للخلق بأن يعاملوا الحق معاملة من يجعلونه من الخلق، وذلك عن بلية ما غلب عليهم من التقيد بما يرون، وضعف الإيمان بما سمعوا أو علموا.

стр. 353

ولما كان في هذه التربية بخس جرى عليه هذا الخطاب، كما ورد: "استحى من الله كما تستحي رجلا جليلا من قومك" قال تعالي: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ - انتهى. قال الْحَرَالِّي: فرفع الخطاب إلى ما هو أليق [بالحق -] من إيثار ما برجع إليه على ما يرجع إلى الخلق [انتهى -]. ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ قال الْحَرَالِّي: والخلاق: الحظ اللائق بالخلق والخلق. ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال الْحَرَالِّي: وهي الكفاف من المطعم والمشرب والملبس والمأوى والزوجة على ما كانت لا شرف فيها - انتهى. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وكلية الحج ومناسكه مطابق في الاعتبار لأمر يوم الحشر ومواقفه، من خروج الحاج من موطنه متزودا، كخروج الميت من الدنيا متزودا بزاد العمل، ووصوله إلى الميقات، وإهلاله متجردا، كانبعاثه من القبر متعريا - وتلبيته في حجه كتلبيته في حشره

стр. 354

﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ كذلك اعتباره موطنا إلى غاية الإفاضة والحلول بحرم الله في الآخرة التي هي الجنة، والشرب من ماء زمزم التي هي آية نزول الله لأهل الجنة على وجوه عن الاعتبارات، يطالعها أهل الفهم واليقين، فلأجل ذلك كان أتم ختم لأحكام الحج ذكر الحشر - انتهى. ﴿يُعْجِبُكَ﴾ ويعجب من الإعجاب، وهو كون الشيء خارجا عن نظائره من جنسه، حتى يكون ندرة في صنعه - قاله الْحَرَالِّي. ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ واللدد: شدة الخصومة، والخصام القول الذي يسمع المصيح، ويولج في صماخه ما يكفه عن مزعمه ودعواه، قاله الْحَرَالِّي. ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾ قال الْحَرَالِّي: سماه حرثا لأنه الذي نسبه إلى الخلق، ولم يسمه زرعا، لأن ذلك منسوبا إلى الحق - انتهى. ﴿وَالنَّسْلَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو استخراج لطيف الشيء من جملته - انتهى.

стр. 355

﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال الْحَرَالِّي: فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي، تعالى، النار باسم من أسمائها - انتهى. ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ والمهاد موطن الهدوء والمستطاب مما يستفرش ويوطأ - قاله الْحَرَالِّي. وقال: فيه إشعار بإمهال الله، ، لهذه الأمة رعاية لنبيها [فأحسب -] فاجرها وكافرها بعذاب الآخرة، ولو عاجل مؤمنها بعقوبة الدنيا، فخلص لكافرها الدنيا، ولمؤمنها الآخرة، وأنبأ بطول المقام والخلود فيها. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففي إفهامه أن التسليط في هذا اليوم له، وفيه إشعار وإنذار بما وقع في هذه الأمة، وهو واقع، وسيقع، من خروجهم من السلم إلى الاحتراب بوقوع الفتنة في الألسنة والأسنة على أمر الدنيا، وعودهم إلى أمور جاهليتهم، لأن الدنيا أقطاع الشيطان، كما أن الآخرة خلاصة الرحمن. فكان ابتداء الفتنة منذ كسر الباب الموصد على السلم، وهو عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فلم يزل الهرج، ولا يزال، إلى أن تضع الحرب أوزارها.
следующие страницы →