← Тафсир

Тафсир · id 26539

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

الحرالي، أبو الحسن

Полный текст (573 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ليتثنى الوقوف في الحل والحرم، فكان فيه موقف نهار ينتهي إلى الليل في عرفة، وموقف ليل ينتهي إلى النهار في المشعر، فوقف فيه، ﷺ ، بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، وهو ذكره عنده، لأن الذكر بحسب الذاكر، فذكر اللسان القول، وذكر البدن العمل، وذكر النفس الحال والانفعال، وذكر القلب المعرفة والعلم واليقين، ونحو ذلك، ولكل شيء ذكر بحسبه، وفي جمع الموقفين في الحل والحرم، في معلم الحج الذي هو آية الحشر، إيذان وبشرى بأن أهل الموقف صنفان: [صنف -] يقفون في موطن روع ومخافة وقوفا طويلا؛ اعتبارا بوقوف الواقفين بعرفة، من حين زوال الشمس إلى غروبها، ست ساعات. وصنف حظهم من الوقوف قرار في أمنة ظل العرش الذي هو حرم يوم القيامة وكعبته، فتشعر خفة الوقوف بالمشعر الحرام أن أمد طول ذلك اليوم يمر على المستظلين بظل العرش فيه كأيسر مدة، كما قال، ﵊، بمقدار صلاة مكتوبة، فكان في ذلك فضل ما بين موقف الحرم على موقف الحل - انتهى. ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما كان للخطاب ترتيب للأهم فالأهم، كما كان للكيان ترتيب للأسبق فالأسبق، كان حرف المهلة الذي هو "ثم" يقع تارة

стр. 352

لترتيب الكيان، وتارة لترتيب الأخبار، فيقول القائل مثلا: امش إلى حاجة كذا - تقديما في الخبر للأهم - ثم ليكن خروجك من موضوع كذا، فيكون السابق في الكيان متأخرا بالمهلة في الإخبار، فمن معنى ذلك قوله - انتهى. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ قال الْحَرَالِّي: والعادات أشد ما على المتعبدين، والطريق إلى الله، تعالى، بخلعها، وقد كان جدالهم، أي في وقوفهم في الحرم، بغير علم، لأن العلم يقتضي أن الواقف خائف، والخائف لا يخاف في الحرم، لأن الله، ، جعل الحرم أمنا، فمن حق الوقوف أن يكون في الحل، فإذا أمن دخل الحرم، وإذا دخل الحرم أمن - انتهى. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: فانتظم ذكر إخراجهم عن قولهم المعهود بإخراجهم عن موقفهم المعهود إخراجا لهم عن معتادهم في أعمالهم وأحوالهم. وفي إعلامه أخذ للخلق بأن يعاملوا الحق معاملة من يجعلونه من الخلق، وذلك عن بلية ما غلب عليهم من التقيد بما يرون، وضعف الإيمان بما سمعوا أو علموا.

стр. 353

ولما كان في هذه التربية بخس جرى عليه هذا الخطاب، كما ورد: "استحى من الله كما تستحي رجلا جليلا من قومك" قال تعالي: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ - انتهى. قال الْحَرَالِّي: فرفع الخطاب إلى ما هو أليق [بالحق -] من إيثار ما برجع إليه على ما يرجع إلى الخلق [انتهى -]. ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ قال الْحَرَالِّي: والخلاق: الحظ اللائق بالخلق والخلق. ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال الْحَرَالِّي: وهي الكفاف من المطعم والمشرب والملبس والمأوى والزوجة على ما كانت لا شرف فيها - انتهى. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وكلية الحج ومناسكه مطابق في الاعتبار لأمر يوم الحشر ومواقفه، من خروج الحاج من موطنه متزودا، كخروج الميت من الدنيا متزودا بزاد العمل، ووصوله إلى الميقات، وإهلاله متجردا، كانبعاثه من القبر متعريا - وتلبيته في حجه كتلبيته في حشره

стр. 354

﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ كذلك اعتباره موطنا إلى غاية الإفاضة والحلول بحرم الله في الآخرة التي هي الجنة، والشرب من ماء زمزم التي هي آية نزول الله لأهل الجنة على وجوه عن الاعتبارات، يطالعها أهل الفهم واليقين، فلأجل ذلك كان أتم ختم لأحكام الحج ذكر الحشر - انتهى. ﴿يُعْجِبُكَ﴾ ويعجب من الإعجاب، وهو كون الشيء خارجا عن نظائره من جنسه، حتى يكون ندرة في صنعه - قاله الْحَرَالِّي. ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ واللدد: شدة الخصومة، والخصام القول الذي يسمع المصيح، ويولج في صماخه ما يكفه عن مزعمه ودعواه، قاله الْحَرَالِّي. ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾ قال الْحَرَالِّي: سماه حرثا لأنه الذي نسبه إلى الخلق، ولم يسمه زرعا، لأن ذلك منسوبا إلى الحق - انتهى. ﴿وَالنَّسْلَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو استخراج لطيف الشيء من جملته - انتهى.

стр. 355

﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال الْحَرَالِّي: فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي، تعالى، النار باسم من أسمائها - انتهى. ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ والمهاد موطن الهدوء والمستطاب مما يستفرش ويوطأ - قاله الْحَرَالِّي. وقال: فيه إشعار بإمهال الله، ، لهذه الأمة رعاية لنبيها [فأحسب -] فاجرها وكافرها بعذاب الآخرة، ولو عاجل مؤمنها بعقوبة الدنيا، فخلص لكافرها الدنيا، ولمؤمنها الآخرة، وأنبأ بطول المقام والخلود فيها. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففي إفهامه أن التسليط في هذا اليوم له، وفيه إشعار وإنذار بما وقع في هذه الأمة، وهو واقع، وسيقع، من خروجهم من السلم إلى الاحتراب بوقوع الفتنة في الألسنة والأسنة على أمر الدنيا، وعودهم إلى أمور جاهليتهم، لأن الدنيا أقطاع الشيطان، كما أن الآخرة خلاصة الرحمن. فكان ابتداء الفتنة منذ كسر الباب الموصد على السلم، وهو عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فلم يزل الهرج، ولا يزال، إلى أن تضع الحرب أوزارها.

стр. 356

﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ قال الْحَرَالِّي: بينات التجربة شهودا ونبأ عما مضى، وتحققا بما وقع. وقال: [إن] التعبير بـ"إن" يشعر بأنهم يستزلون، والتعبير بالماضي إشعار بالرجوع عنه، رحمة من الله لهم، كرحمته قبل لأبويهم، حين أزلهما الشيطان، فكما أزل أبويهم في الجنة عن محرم الشجرة، أزلهم في الدنيا عن شجرة المحرمات من الدماء والأموال والأعراض - انتهى. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وإتيان الله في محل الايمان أمر مبهم لا يناله علم العالمين، ويقف دونه إيمان المؤمنين، لا يأخذونه بكيف، ولا يتوهمونه بوهم، وإتيان الله في أوائل فهمالفاهمين، بدو أمره، وخطابه ف محل ما من السماء رالأ! ض أو العرش أو الكرسي، أو ما شاء من خلقه، فهو، تعالى، يجل أن يحجبه كون، فحيث ما بدأ خطابه كفاحا بواسطة، فهناك هو: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ إلي ﴿إِنِّي أَنَا

стр. 357

اللَّهُ﴾ وفي الكتاب الأول: "جاء الله من سيناء" - انتهى. ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ولما كان هذا الذي أندروز به أمراً مجملا، أحيلوا في تفاصيل الوقائع تخصيص الملاحم، ووقوع الأشباه وللنظائر، على ما تقدم ووقع مثاله في بني إسرائيل لتكرار ما وقع فيهم في هذه الأمة، حذو النعل بالنعل،، والقذة [بالقذة -] فقال: ﴿سَلْ﴾ " استنطاقا لحالهم، لا لإنبائهم وإخبارهم، فالتفات النبي ﷺ إلى ما يشهده الله من أحوال بني إسرائيل وأحوال ملوكهم وأحبارهم وأيامهم وتفرقهم واختلافهم وصنوف بلاياهم، هو سؤاله وأستبصاره، لا أن يسأل واحدا فيخبره - انتهى. ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وأصل هذا التبديل رد علم العالم عليه، ورد صلاح الصالح إليه، وعدم الاقتداء بعلم العالم، والاهتداء بصلاح الصالح، وذلك المشاركة التي تقع بين العامة والعلماء والصلحاء، وهو كفر نعمة الله وتبديلها - انتهى. ﴿زُيِّنَ﴾ قال الْحَرَالِّي: من التزيين بما منه الزينة وهي بهجة العين التي لا تخلص إلى باطن المزين - انتهى.

стр. 358

﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما، من حيث إن نظر العقل والإيمان يبصر طيتها، ويشهد جيفتها، فلا يغتر بزينتها، وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق، وأبهم، تعالى، المزين في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان، وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله، كما في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ - انتهى. ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: هو استزراء العقل معنى، بمنزلة الاستسخار في العقل حسا، ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: لما هم فيه من الضعف والحاجة لإعراضهم عن الدنيا، رغبة فيما عند الله، لما وهبهم الله، سبحانه تعالى، من العلم الخارق لتلك الحجب، الكاشف لأستار المغيب، ولأن الله يزوي عنهم الدنيا، ويحميهم منها، رغبة بهم عنها لكرامتهم عليه، كما يحمي الإنسان حبيبه الطعام والشراب إن كان مريضا لكرامتهم عليه، فصار الكفار بهذا التزيين مع ما بواناهم من الهوان بأنواع التهديد التي لا مرية في قدرتنا عليها، مشغولين يلعاعة من العيش، فهم راضون بأحوالهم، مسرورون بها، بحيث إنهم لا ينظرون في عاقبة، بل مع الحالة الراهنة فيهزؤون بأهل الحق، متعامين عن البينات، معرضين عن التهديد، تاركين الاستبصار بأحوال بني إسرائيل.

стр. 359

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء من الهدايه شيء، وإنما هم مستجلون لأمر جبلات الخلق وفطرهم، فيبشرون من فطر على خير، وينذرون من جبل على شر، لا يستأنفون أمرا لم يكن، بل يظهرون أمرا كان مغيبا، وكذلك حال كل إمام عالم في زمانه، يميز الله الخبيث من الطيب - انتهى. ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ قال الْحَرَالِّي: إبراما لثني الأمر المضاعف، ليكون الأمر بشاهدين أقوى منه بشاهد واحد، فقد كان في الرسول كفاية، وفي الكتاب وحده كفاية، لكن الله، تعالى، ثنى الأمر وجمع الكتاب والرسول لتكون له الحجة البالغة - انتهى. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ قال الْحَرَالِّي: الجامعة لآيات ما في المحسوس وآيات ما في المسموع، فلذلك كانت البينات مكملة لاجتماع شاهديها - انتهى. ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: والبغي إعمال الحسد بالقول والفعل، قال، ﵊: "ثلاث لا يسلم منهن أحد" ومنهن متحلى الحسد والطيرة والظن، فإذا حسدت فلا تبغ، لأن الحسد واقع في النفس كأنها مجبولة عليه،

стр. 360

فلذلك عذرت فيه، فإذا استعملت بحسبه مقالها وفعالها كانت باغيه - انتهى. ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ في إسناده إلى الاسم الأعظم، كما قال الْحَرَالِّي: إعلام بأنه ليس من طوق الخلق إلا بعون وتوفيق من الحق - انتهى. ﴿مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بما فطرهم عليه من التمكين لقبوله، لأن الإذن أدناه التمكين وإزالة المنع - انتهى. ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال الْحَرَالِّي: هذا هدي أعلى من الأول، كأن الأول هدي إلى إحاطة علم الله وقدرته، وهذا هدي إليه. وفي صيغة المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم إلى ختم اليوم المحمدي: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهريا على الحق، حتى يأتي أمر الله". ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: هو مما منه الحسبان، وهو ما تقع غلبته، فيما هو من نوع المفطور عليه، المستقر عادته، والظن الغلبة فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم، فكأن ضعف علم العالم ظل، وضعف عقل العاقل حسبان - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: و "أم" عطف على أمور يفهمها مبدأ الخطاب، كأنه يقول: أحسبتم أن تفارق أحوالكم أحوال الأمم الماضية في حكمة الله وسنته؟ ولن تجد لسنة الله تبديلا، إلى ما يستجره معنى الخطاب إجمالا وتفصيلا في واقع الدنيا؛ من

стр. 361

شدائدها وحرها وبردها، وضيق عيشها، وأنواع أذاها، وحال البرزخ، وحال النشر والحشر، إلى ما وراء ذلك، إلى غاية دخول الجنة، فكان عند انتهاء ذلك بادئة خطاب ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ تجاوزا لما بين [أول -] البعث، وغاية دخول الجنة - انتهى. ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ أي جزاء لهم، كما قال الْحَرَالِّي: على ما غيروا مما يجلب كلا منها، ولكل عمل جزاء. ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ لأمور باطنة من خفايا القلوب - انتهى. ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: فذكر قول الرسول الواقع في رتبة الذين آمنوا معه، لا قوله فيما يخصه في ذاته وحده، ومن هو منه أو متبعه، لأن للنبي ترتبا فيما يظهر من قول وفعل مع رتب أمته، فكان قول الرسول المنبئ عن حالهم: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ فكأنهم في مثل ترقب المتلدد الحائر الذي كأنه، وإن وعد بما هو الحق، يوقع له التأخير صورة الذي انبهم عليه الأمر، لما يرى من اجتثاث أسباب الفرج. ففي إشعاره إعلام بأن الله، ، إنما يفرج عن أنبيائه ومن معهم،

стр. 362

بعد انقطاع أسبابهم في سواه، ليمتحن قلوبهم للتقوى، فتتقدس سرائرهم من الركون لشيء من الخلق، وتتعلق ضمائرهم بالله، تعالى، وحده، حتى يقول، ﷺ : "لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". إعلاما بأن الله، ، ناصره دون حجاب، ولا وسيلة شيء من خلقه، كذلك سنته مع رسله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وعلى ذلك جرت خوارق العادات للأولياء وأهل الكرامات، لا يكاد يقع لهم إلا عن ضرورة قطع الأسباب. وفي قراءة النصب إعراب بأن غاية الزلزال القول، وفي الرفع إعراب عن غاية الزلزال وأنه أمر مبهم، له وقع في البواطن والظواهر: أحد تلك الظواهر وقوع هذا القول. ففي الرفع إنباء باشتداد الأمر بتأثيره في ظاهر القول وما وراءه - انتهى. ﴿أَلَا﴾ قال الْحَرَالِّي: استفتاحا وتنبيها وجمعا للقلوب للسماع. ﴿إِنَّ﴾ تأكيدا وتثبيتا، ﴿نَصْرَ اللَّهِ﴾ الذي لا سبب له إلا العناية، من ملك الملوك، بعد قطع كل سبب من دونه، ﴿قَرِيبٌ﴾ لاستغنائه عن عدة ومدة. ففي جملته بشرى بإسقاط كلفة النصر بالأسباب والعدد والآلات المتعبة، والاستغناء بتعلق القلوب بالله، ولذلك إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها، لأن نصرتها بتقوى القلوب لا بمدافعة الأجسام، فلذلك تفتح خاتمة هذه الأمة

стр. 363

قسطنطينية الروم بالتسبيح والتكبير، قال، ﷺ : "إنا إذاً نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" فانعطف ذلك على ما أراده الله، ﵎، بأنبائه وأصفياء من اليسر الذي كماله لهذه الأمة، فأراد بهم اليسر في كل حال - انتهى. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما كان منزل القرآن على نحو متصرف المرء في الأزمان، كان انتظام خطابه متراجعا بين خطاب دين يتلقى عن الله، وبين إقامة بحكم يكون العبد فيه خليفة الله في نفاذ أمره، وبين إنفاق يكون فيه خليفة في إيصال فضله، لأن الشجاعة والجود خلافة، والجبن والبخل عزل عنها. فكان في طي ما نقدم من الخطاب الإحسان والإنفاق، وكان حق ذلك أن لا يسأل عماذا ينفق، لأن المنفق هو الفضل كله، قال، ﷺ : "يا ابن آدم، إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك". ففي هذا السؤال، ممن سأله له، نوع تلدد، من نحو ما تقدم لبني إسرائيل في أمر البقرة من مرادة المسألة، لم يستأذن الصديق، رضي الله تعالى عنه، حين أتى بماله كله، ولا استأذن عمر، ﵁، حين أتى بشطر ماله، ولا

стр. 364

استأذن سعد بن الربيع حين خرج لعبد الرحمن بن عوف، رضي الله تعالى عنهما، عن شطر ماله وإحدى زوجتيه، فكان في هذا السؤال إظهار ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ولولا أن الله رحيم لكان جوابهم: تنفقون الفضل، فكان يضع واجبا، ولكن الله لطف بالضعيف لضعفه، وأثبت الإنفاق، [وأبهم قدره] [وتعرض لترتيب المنفق فيهم، لأن آفة المرء البخل، فإن أنفق كان أشد آفاته] في نكس الإنفاق، بأن يتصدق على الأجانب مع حاجة من الأقارب، فقال تعالى خطابا للنبي، ﷺ ، وإعراضا منه عن السائلين، لما في السؤال من التبلد الإسرائيلي - انتهى. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وقال الْحَرَالِّي: لأنهم أقارب بعد الأقارب باليتم الذي أوجب خلافة الغير عليهم - انتهى. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو المتعرضون لغة، والمستترون الذين لا يفطن لهم، ولا يجدون ما يغنيهم شرعا، ولغة نبوية - انتهى. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ختم بالعلم لأجل دخول الخلل على النيات في الإنفاق، لأنه من أشد شيء تتباهى به النفس، فيكاد لا يسلم

стр. 365

لها منه إلا ما لا تعلمه شمالها، التي هي التفاتها وتباهيها، ويختص بيمينها التي هي صدقها وإخلاصها - انتهى. ﴿كُتِبَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما التف حكم الحج بالحرب تداخلت آيات اشتراكهما، وكما تقدم تأسيس فرض الحج في آية: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ انتظم به كتب القتال، والفرض من الشيء ما ينزل بمنزلة الجزء منه، والكتب ما خرز بالشيء فصار كالوصلة فيه، كما جعل الصوم، لأن في الصوم جهاد النفس، كما أن في القتال جهاد العدو، فجرى ما شأنه المدافعة بمعنى الكتب، وما شأنه العمل والإقبال بمعنى الفرض، وهما معنيان مقصودان في الكتاب والسنة، تحق العناية بتفهمهما، لينزل كل من القلب في محله، ويختص النية في كل واحد على وجهه. وقد كان من أول منزلة آي القتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ فكان الأول إذنا لمن شأنه المدافعة عن الدين بداعية من نفسه، من نحو ما كانت الصلاة قبل الفرض واقعة من الأولين بداعية من حبهم لربهم، ورغبتهم إليه [في الخلوة به، والأنس بمناجاته، فالذين كانت صلاتهم حبا، كان الخطاب لهم بالقتال إذنا لتلفتهم

стр. 366

إليه -] في بذل أنفسهم لله، الذين كان ذلك حبا لهم يطلبوا الوفاء به، حبا للقاء ربهم [بالموت، كما أحبوا لقاء ربهم] بالصلاة، حين عقلوا وأيقنوا أنه لا راحة لمؤمن إلا في لقاء ربه، فكان من عملهم لقاء ربهم بالصلاة في السلم، وطلب لقائه بالشهادة في الحرب. فلما اتسع أمر الدين، ودخلت الأعراب والأتباع الذين لا يحملهم صدق المحبة للقاء الله على البدار للجهاد، نزل كتبه، كما نزل فرض الصلاة استدراكا فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ أي أيتها الأمة! وكان في المعنى راجعا لهذا الصنف الذين يسألون عن النفقة، وبمعنى ذلك انتظمت الآية بما قبلها، فكأنهم يتبلدون في الإنفاق تبلدا إسرائيليا، ويتقاعدون عن الجهاد تقاعد أهل التيه منهم، الذين قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ - انتهى. ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ وهو، كما قال الْحَرَالِّي: عند المحبين للقاء الله، من أحلى ما تناله أنفسهم، حتى كان ينازع الرجل منهم في أن يقف، فيقسم على الذي يمسكه أن يدعه والشهادة، قال بعض التابعين: لقد أدركنا قوما كان الموت لهم أشهى من الحياة

стр. 367

عندكم اليوم، وإنما كان ذلك لما خربوه من دنياهم، وعمروه من أخراهم، فكانوا يحبون النقلة من الخراب إلى العمارة - انتهى. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: فشهد لهم لما لم يشهدوا مشهد الموقنين الذين يشاهدون غيب الإيمان، كما يشهدون عن الحس، كما قال ثعلبة: "كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وأنظر إلى أهل النار في النار يعذبون". ولم يبرم لهم الشهادة، ولكن ناطها بكلمة ﴿عَسَى﴾ لما علمه من ضعف قبول من خاطبه بذلك. وفي إعلامه إلزام بتنزل العلي الأدنى رتبة لما أظهر هذا الخطاب من تنزل الحق في مخاطبة الخلق إلى حد مجاوزة المترفق في الخطاب - انتهى. قال الْحَرَالِّي: فأشعر أن المتقاعد له في تقاعده آفات وشر في الدنيا والآخرة، ليس أن لا ينال خير الجهاد فقط، بل وينال شر التقاعد والتخلف - انتهى. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: شهادة بحق العلم، يرجع إلى ما عند الأغبياء في تنزل الخطاب - انتهى. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: فنفي العلم عنهم بكلمة "لا" أي التي هي

стр. 368

للاستقبال، حتى تفيد دوام الاستصحاب ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم، وأما المؤمنون أي الراسخون، فقد علمهم الله من علمه ما علموا أن القتال خير لهم، وأن التخلف شر لهم - انتهى. ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: والصد: صرف إلى ناحية بإعراض وتكره، والسبيل: طريق الجادة الجادة عليه الظاهر لكل سالك منهجه. ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: الاستطاعة: مطاوعة النفس في العمل، وإعطاؤها الانقياد فيه. ثم قال: فيه إشعار بأن طائفة ترتد عن دينها، وطائفة تثبت، لأن كلام الله لا يخرج في بته واشتراطه إلا لمعنى واقع لنحو ما، ويوضحه تصريح الخطاب في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ﴾ إلى آخره، وهو من الرد، ومنه الردة، وهو كف بكره لما شأنه الإقبال بوفق - انتهى. ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وقال الْحَرَالِّي: من الحبط، وهو فساد في الشيء الصالح، يأتي عليه من وجه يظن به صلاحه، وهو في الأعمال بمنزلة البطح في الشيء

стр. 369

القائم الذي يقعده عن قيامه، كذلك الحبط في الشيء الصالح يفسده عن وهم صلاحه. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بزوال ما فيها من روح الأنس بالله سبحانه، وتعالى، ولطيف الوصلة به، وسقوط إضافتها إليهم، إلا مقرونة ببيان حبوطها، فقد بطل ما كان لها من الإقبال من الحق والتعظيم من الخلق. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بإبطال ما كان يستحق عليها من الثواب بصادق الوعد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: لما ذكر أمر المتزلزلين ذكر أمر الثابتين - انتهى. ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: من المهاجرة، وهو مفاعلة، من الهجرة، وهو التخلي عما شأنه الاغتباط به، لمكان ضرر منه ﴿وَجَاهَدُوا﴾ أي أوقعوا المجاهدة، مفاعلة من الجهد - فتحا وضما - وهو الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل. ﴿يَرْجُونَ﴾ من الرجاء، وهو ترقب الانتفاع، بما تقدم له سبب ما. قاله الْحَرَالِّي. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي الختم بالرحمة أبدا في خواتم الآي إشعارا بأن فضل الله في الدنيا والآخرة ابتداء فضل، ليس في الحقيقة جزاء العمل، فكما يرحم العبد طفلا ابتداء، يرحمه كهلا انتهاء، ويبتدئه برحمته في

стр. 370

معاده، كما ابتدأه برحمته في ابتدائه - انتهى بالمعنى. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو مما منه الخمر - بفتح الميم - وهو ما وارى من شجر ونحوه، فالخمر - بالسكون - فيما يستبطن، بمنزلة الخمر - بالفتح - فيما يستظهر، كأن الخمر يواري ما بين العقل المستبصر من الإنسان وبهيميته العجماء. ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ قال الْحَرَالِّي: اسم مقامرة، كانت الجاهلية تعمل بها لقصد انتفاع الضعفاء وتحصيل ظفر المغالبة - انتهى. ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: في قراءتي الباء، الموحدة، والمثلثة، إنباء عن مجموع الأمرين؛ من كبار المقدار وكثرة العدد، وواحد من هذين مما يصد ذا الطبع الكريم والعقل الرصين عن الإقدام عليه، بل يتوقف عن الإثم الصغير القليل، فكيف عن الكبير الكثير - انتهى. ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وفي هذا، كما قال الْحَرَالِّي، تنبيه على النظر في تفاوت الخيرين، وتفاوت الشرين - انتهى. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: في العطف إنباء بتأكد التلدد مرتين، كما في قصة بني إسرائيل، لكن ربما تخوفت هذه الأمة من ثالثتها، فوقع ضمهم

стр. 371

عن السؤال في الثالثة، لتقاصر ما يقع في هذه الأمة عما وقع في بني إسرائيل بوجه ما، وقال، ، في الجواب: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ وهو ما سمحت به النفس من غير كلفة. قال: فكأنه ألزم النفس نفقة العفو، وحرضها على نفقة ما تنازع فيه، ولم يلزمها ذلك لئلا يشق عليها، لما يريده بهذه الأمة من اليسر. فصار المنفق على ثلاث رتب: رتبة حق مفروض، لابد منه، وهي الصدقة المفروضة، التي إمساكها هلكة في الدنيا والآخرة. وفي مقابلته عفو لا ينبغي الاستمساك به، لسماح النفس بفساده، فمن أمسكه تكلف إمساكه. وفيما بينهما ما تنازع النفس إمساكه، فيقع لها المجاهدة في إنفاقه، وهو متجرها الذي تشتري به الآخرة من دنياها. قالت امرأة للنبي، ﷺ : "ما يحل لنا من أموال أزواجنا" - نسأل عن

стр. 372

الإنفاق منها - قال: الرطب - بضم الراء وسكون الطاء - تاكلينه وتهدينه، لأنه من العفو الذي يضر إمساكه بفساده، لأن الرطب هو ما إذا أبقى من يوم إلى يوم تغير، كالعنب والبطيخ، وفي معناه الطبائخ وسائر الأشياء التي تتغير بمبيتها - انتهى. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فجمعها لأنها آيات من جهات مختلفات، لما يرجع لأمر القلب وللنفس وللجسم، ولحال المرء مع غيره - انتهى. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي لتكونوا على حالة يرجى لكم معها التفكر. وهو طلب الفكر، وهو يد النفس التي تنال بها المعلومات، كما تنال يد الجسم المحسوسات - قاله الْحَرَالِّي. ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهي رتبة دون الأولى، والمخالطة مفاعلة من الخلطة، وهي إرسال الأشياء التي شأنها الانكفاف بعضها في بعض، كأنه رفع التحاجز بين ما شأنه ذلك ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ جمع أخ، وهو الناشئ مع أخيه من منشأ واحد، على السواء بوجه ما - انتهى. ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ من الإعنات، وهو إيقاع العنت، وهو أسوأ الهلاك الذي

стр. 373

يفحش نعته - قاله الْحَرَالِّي. ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: مما منه النكاح، وهو إيلاج نهد في فرج، ليصير بذلك كالشيء الواحد - انتهى. ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: فانتظمت هذه الآيات في تبيين خير الخيرين، وترجيح [أمر الغيب في] أمر الدين والعقبى، في أدنى الإماء من المؤمنات خلقا وكونا وظاهر صورة، [على حال العين في أمر العاجلة من الدنيا في أعلى الحرائر من المشركات خلقا وظاهر صورة -] وشرف بيت - انتهى. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو مفعل من المحيض، وهو معاهدة اندفاع الدم العفن الذي هو في الدم، بمنزلة البول والعذرة في فضلتي الطعام والشراب، من الفرج. ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أي مؤذ للجسم والنفس، لأن فيه اختلاط النطفة بركس الدم الفاسد العفن - قاله الْحَرَالِّي. وقال: حتى إنه يقال إن التي توطأ، وهي حائض، يقع في ولدها من الآفات أنواع - انتهى. ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ من الاعتزال، وهو طلب العزل، وهو الإنفراد عما شأنه الاشتراك - قاله الْحَرَالِّي. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: تأنيسا لقلوب المتحرجين من معاودة الذنب بعد توبة منه، أي ومن معاودة التوبة بعد الوقوع في ذنب ثان، لما يخشى العاصي من أن يكتب عليه كذبه كلما أحدث توبة وزل بعدها، فيعد مستهزئا،

стр. 374

فيسقط من عين الله، ثم لا يبالي به، فيوقفه ذلك عن التوبة. ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: ليقع الخطاب بالإشارة أي في الآية الأولى لأولي الفهم، وبالتصريح، أي في هذه، لأولي العلم، لأن الحرث، كما قال بعض العلماء، إنما يكون في موضع الزرع - انتهى. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفيه إشعار بما يجري في أثناء ذلك من الأحكام التي لا يصل إليها أحكام حكام الدنيا، مما لا يقع الفصل فيه إلا في الآخرة، من حيث إن أمر ما بين الزوجين سر لا يفشى، قال، ﵊: "لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته" وقال: "لا أحب للمرأة أن تشكو زوجها" فأنبأ، تعالى، أن أمر ما بين الزوجين مؤخر حكمه إلى لقاء الله، ، حفيظة على ما بين الزوجين، ليبقى سرا لا يظهر أمره إلا الله تعالى. وفي إشعاره إبقاء للمروءة في أن لا يحتكم الزوجان عند حاكم في الدنيا، وأن يرجع كل واحد منهما إلى تقوى الله وعلمه بلقاء الله - انتهى. ﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: والعرضة ذكر الشيء وأخذه على عير قصد له ولا صمد نحوه، بل له صمد غيره.

стр. 375

﴿بِاللَّغْوِ﴾ وهو ما تسبق إليه الألسنة من القول على غير عزم قصد إليه - قاله الْحَرَالِّي. ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: قال الْحَرَالِّي: فيكون ذلك عزما باطنا وقولا ظاهرا، فيؤاخذ باجتماعهما، ففي جملته ترفيع لمن لا يحلف بالله في عزم ولا لغو، وذلك هو الذي حفظ حرمة الحلف بالله، وفي مقابلته من يحلف على الخير أن لا يفعله - انتهى. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ والحلم: احتمال الأعلى للأذى من الأدنى، وهو أيضا رفع المؤاخذة عن مستحقها بجناية في حق مستعظم - قاله الْحَرَالِّي. ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: والإيلاء: تأكيد الحلف وتشديده، [سواء كانوا أحرارا أو عبيداً، أو بعضا وبعضا، في حال الرضى أو الغضب، محبوبا كان أو لا، لأن المضارة حاصلة بيمينه] ﴿تَرَبُّصُ﴾ أي إمهال وتمكث يتحمل فيه الصبر الذي هو مقلوب لفظه - انتهى. ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ قال الْحَرَالِّي: ولما كان لتخلص المرأة من الزوج أجل عدة كان أجلها مع أمد هذا التربص. كأنه - والله أعلم - هو القدر

стр. 376

الذي تصبر المرأة عن زوجها، يذكر أن عمر، رضي الله تعالى عنه، سأل النساء عن قدر ما تصبر المرأة عن الزوج فأخبرنه أنها تصبر ستة أشهر، فجعل ذلك أمد البعوث، فكان التربص والعدة قدر ما تصبره المرأة عن زوجها، وقطع، ، بذلك ضرار الجاهلية في الإيلاء إلى غير حد. انتهى وفيه تصرف. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي مورد هذا الخطاب بإسناده للأزواج ما يظافر معنى إجراء أمور النكاح على سترة، وإعراض عن حكم الحكام، من حيث جعل التربص له والفيء منه، فكأن الحكم من الحاكم إنما يقع على من هتك حرمة ستر أحكام الأروأج التي يجب أن تجري بين الزوجين من وراء ستر، كما هو سر النكاح الذي هو سبب جمعهما، ليكون حكم السر سرا، وحكم الجهر جهراً - انتهى. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ والعزم الإجماع على إنفاذ الفعل، والطلاق هو في المعنى بمنزلة إطلاق الشيء من اليد الذي يمكن أخذه بعد إطلاقه - قاله الْحَرَالِّي. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: في إشارته إعلام بأن الطلاق لابد له من ظاهر لفظ يقع مسموعا - انتهى. ﴿عَلِيمٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفيه تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من

стр. 377

المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر، ولذلك رأي العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال، كما أن العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء، فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: [لما ذكر تربص الزوج -] في أمر الطلاق، الذي هو أمانته، ذكر تربص المرأة في أمر العدة، التي هي أمانتها - انتهى. ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وقال الْحَرَالِّي: قروء جمع قرء، وهو الحد الفاصل بين الطهر والحيض، الذي يقبل الإضافة إلى كل واحد منهما، ولذلك ما تعارضت في تفسير لغته تفاسير اللغويين، واختلف في معناه أقوال العلماء، لخفاء معناه بما هو حد بين الحالين، كالحد الفاصل بين الظل والشمس، فالقروء الحدود، وذلك حين تطلق المرأة لقبل عدتها في طهر لم تمس فيه، ليطلقها على ظهور براءة من علقتهما، ليلا يطلق ما لم تنطلق عليه، فإذا انتهى الطهر وابتدأ الحيض كان ما بينهما قرءا، لأن القرء استكمال جمع الحيض حين يتعفن، فما لم ينته إلى الخروج لم يتم

стр. 378

قرءا، فإذا طهرت الطهر الثاني وانتهى إلى الحيض كانا قرءين، فإذا طهرت الطهر الثالث، وانتهى إلى الحيض، شاهد كمال القرء، كان ثلاثة أقراء، فلذلك يعرب معناه عن حل المرأة عند رؤيتها الدم من الحيضة الثالثة لتمام عدة الأقراء الثلاثة، فيوافق معنى من يفسر القرء بالطهر، ويكون أقرب من تفسيره بالحيض، فأمد الطهر ظاهراً هو أمد الاستقراء للدم باطنا، فيبعد تفسيره بالحيض، عما هو تحقيقه من معنى الحد بعداً ما - انتهى. ﴿فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو ما يشتمل على الولد من أعضاء التناسل، يكون فيه تخلقه من كونه نطفة إلى كونه خلقا آخر - انتهى. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ففي إشعاره إثبات نوع نفاق على الكاتمة ما في رحمها - انتهى وفيه تصرف. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو الرجل المتهيء لنكاح الأنثى المتأتي له ذلك، يقال على الزوج والسيد - انتهى. ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ قال الْحَرَالِّي: الإصلاح لخلل ما بينهما أحق في علم الله وحكمته من افتتاح وصلة ثانية، لأن تذكر الماضي يخل بالحاضر، مما حذر النبى، ﷺ ، عنه نكاح اللفوت، وهي التي لها ولد من زوج سابق، فلذلك كان الأحق

стр. 379

إصلاح الأول دون استفتاح وصلة لثان - انتهى. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال الْحَرَالِّي: والمعروف ما أقره الشرع، وقبله العقل، ووافقه كرم الطبع - انتهى. ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما أوثروا به من رصانة العقل، وتمام الدين - انتهى. ﴿الطَّلَاقُ﴾ قال الْحَرَالِّي: لما كان الطلاق لما يتهيأ رده قصره الحق، تعالى، على المرتين اللتين يمكن فيهما تلافي النكاح بالرجعة - انتهى. ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: هو من المسك، وهو إحاطة تحبس الشيء، ومنه المسك بالفتح للجلد. ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ [قال الْحَرَالِّي]: فصرفهم بذلك عن ضرار الجاهلية الذين كانوا عليه بتكرير الطلاق إلى غير حد، فجعل له حدا يقطع قصد الضرار - انتهى. ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: سمى الثالث تسريحا لأنه إرسال لغير معنى الأخذ، كتسريح الشيء الذي لا يراد إرجاعه. وقال أيضا: هو إطلاق الشيء على وجه لا يتهيأ للعود، فمن أرسل البازي مثلا ليسترده فهو مطلق، ومن أرسله لا ليسترجعه فهو مسرح - انتهى.

стр. 380

﴿بِإِحْسَانٍ﴾ تعريضا بالجبر بالمال، ليلا يجتمع منعان: منع النفس -] وذات اليد. أفاده الْحَرَالِّي. وقال: ففيه بوجه ما تعريض بما صرحت به آية المتعة الآتية - انتهى. ﴿مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ قال الْحَرَالِّي: لأن إيتاء الرجل للمرأة إيتاء نحلة لإظهار مزية الدرجة، لا في مقابل الانتفاع، فلذلك أمضاه، ولم يرجع منه شيئا، ولذلك لزم في النكاح الصداق، لتظهر مزية الرجل بذات اليد، كما ظهرت في ذات النفس - انتهى. ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي إشعاره أن الفداء في حكم الكتاب مما أخذت الزوجة من زوجها، لا من غير ذلك من مالها، والحدود جمع حد، وهو النهاية في المتصرف المانع من الزيادة عليه - انتهى. ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففيه ترجية فيما يقع من تعدي الحدود من دون ذلك من حدود أهل العلم ووجوه السنن، [وفي إعلامه -] إيذان بأن وقوع الحساب يوم الجزاء على حدود القرآن، التي لا مندوحة لأحد بوجه من وجوه السعة في مخالفتها، ولذلك تتحقق التقوى والولاية [مع -] الأخذ بمختلفات السنن، ومختلفات أقوال العلماء - انتهى. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي إشعاره تصنيف الحدود ثلاثة أصناف: حد الله، ، وحد النبي، ﷺ ، وحد العالم، قال ﷺ : "ما جاء من الله فهو الحق، وما جاء مني فهو السنة، وما جاء من أصحابي فهو السعة".

стр. 381

فأبرأ العباد من الظلم من حافظ على أن لا يخرج عن حدود العلماء، ليكون أبعد أن يخرج من حدود السنة، ليكون أبعد أن يخرج من حدود الكتاب. فالظالم المنتهي ظلمه الخارج [عن الحدود الثلاثة: حد العالم، وحد السنة، وحد الله - انتهى. ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ قال الْحَرَالِّي: فردد معنى التسريح الذي بينه في موضوعه بلفظ الطلاق، لما هيأها بوجه إلى المعاد، وذلك فيما يقال من خصوص هذه الأمة، وأن حكم الكتاب الأول أن المطلقة ثلاثا لا تعود أبدا، فلهذا العود بعد زوج صار السراح طلاقا - انتهى. ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ لأن النكاح، كما قال الْحَرَالِّي: عقد حرمة مؤبدة، لا حد متعة مؤقتة، فلذلك لم يكن الاستمتاع إلى أمد محللا في السنة وعند الأئمة، لما يفرق بين النكاح والمتعة من التأبيد والتحديد - انتهى. قال الْحَرَالِّي: [لما جعل الطلاق سراحا جعل تجديد النكاح مراجعة] كل ذلك إيذانا بأن الرجعة للزوج أولى من تجديد الغير - انتهى. ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ولما كان للحد المحدود الفاصل بين أمرين متقابلين بلوغ وهو الانتهاء إلى أول حده، وقرار وهو الثبات عليه ومجاوزة لحده، ذكر، ، البلوغ الذي هو الانتهاء إلى أول الحد، دون المجاوزة والمحل، والأجل مشارفة انقضاء أمد الأمر، حيث يكون منه ملجأ الذي هو مقلوبه، كأنه مشارفة فراغ المدة - انتهى.

стр. 382

﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وقال الْحَرَالِّي: وهذا معروف الإمتاع والإحسان، وهو غير معروف الإمساك، ولذلك فرقه الخطاب، ولم يكن: فأمسكوهن أو سرحوهن بمعروف - انتهى. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: والتهديد بالعلم منتهى التحديد - انتهى. ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ والعضل: قال الْحَرَالِّي: هو أسوأ المنع، من عضلت الدجاجة إذا نشبت بيضتها فيها حتى تهلك - انتهى. ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وعرفه، كما قال الْحَرَالِّي: لاجتماع معروفين منهما، فكان مجموعهما المعروف التام، وأما المنكر فوصف أحدهما - انتهى. ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ والوعظ، قال الْحَرَالِّي: إهزاز النفس بموعود الجزاء ووعيده - انتهى. قال الْحَرَالِّي: لأن من فعل شيء فعل به نحوه، كأنه من عضل عن زوج عضل ولي آخر عنه، حين يكون هو زوجا، "من زني زنى به" ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ - انتهى.

стр. 383

﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما ذكر، ، أحكام الأشتجار بين الأزواج التي عظم متنزل الكتاب لأجلها، وكان من حكم تواشج الأزواج وقوع الولد، وأحكام الرضاع، نظم به عطفا أيضا على معاني ما يتجاوزه الإفصاح، ويتضمنه الإفهام، لما قد علم من أن إفهام القرآن أضعاف إفصاحه، بما لا يكاد ينتهي عده، فلذلك يكثر فيه الخطاب عطفا، أي على غير مذكور، ليكون الإفصاح أبدا مشعرا بإفهام يناله من وهب روح العقل من الفهم، كما ينال فقه الإفصاح من وهبه الله نفس العقل الذي هو العلم - انتهى. ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ قال الْحَرَالِّي: جعل، تعالى، الأم أرض النسل الذى يغتذي من غذائها في البطن دما، كما يغتذي أعضاؤها من دمها، فكان لذلك لبنها أولى بولدها من غيرها، ليكون مغذاه وليدا من مغذاه جنينا، فكان الأحق أن يرضعن أولادهن. وذكره بالأولاد ليعم الذكور والإناث. وقال: الرضاعة: التغذية، بما يذهب الضراعة، وهو الضعف والنحول، بالرزق الجامع الذي هو طعام وشراب، وهو اللبن الذي مكانه الثدي من المرأة والضرع من ذات الظلف - انتهى.

стр. 384

﴿حَوْلَيْنِ﴾ [و] الحول: تمام القوة في الشيء الذي ينتهي لدورة الشمس، وهو العام الذي يجمع كمال النبات الذي يتم فيه قواه - قاله الْحَرَالِّي. ﴿كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: وهو أي الذي يكتفي به دون التمام، هو ما جمعه قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ فإذا كان الحمل تسعا، كان الرضاع أحدا وعشرين شهراً، وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثا وثلاثين شهراً، فيكون ثلاثة آحاد وثلاثة عقود، فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع، ليجتمع في الثلاثين تمام الرضاع وكفاية الحمل - انتهى. ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ قال الْحَرَالِّي: الكسوة رياش الآدمي الذي يستر ما ينبغي ستره من الذكر والأنثى. وقال: فأشعرت إضافة الرزق والكسوة إليهن باعتبار حال المرأة فيه وعادتها بالسنة لا بالبدعة - انتهى. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فأكد ما أفهمته الإضافة، وصرح الخطاب بإجماله - انتهى. ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: من التكليف، وهو أن يحمل المرء على أن يكلف به بالأمر كلفة بالأشياء التي يدعون إليها طبعه - انتهى.

стр. 385

﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [والوسع: قال الْحَرَالِّي: ما يتأتى بمنة وكمال قوة -]. ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ قال الْحَرَالِّي: ففيه إيذان بأن لا يمنع الوالد الأم أن ترضع ولدها فيضرها في فقدها له، ولا يسيء معاملتها في رزقها وكسوتها بسبب ولدها، فكما لم يصلح أن يمسكها زوجة إلا بمعروف، لم يصلح أن يسترضعها إلا بالمعروف، ولا يتم المعروف إلا بالبراءة من المضارة. وفي إشعاره تحذير الوالدات من ترك أولادهن لقصد الإضرار مع ميل الطبع إلى القيام بهم، وكذلك في إشعاره أن لا تضره في سرف رزق ولا كسوة - انتهى. ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: والوارث قال الْحَرَالِّي: المتلقي من الأحياء عن الموتى ما كان لهم من حق أو مال - انتهى. ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو من الفصل، وهو عود المتواصلين إلى بين سابق - انتهى. ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ قال الْحَرَالِّي: فأفصح بإشعار ما في قوله: ﴿أَنْ يُتِمَّ﴾ وأن الكفاية قد تقع بدون الحولين، فجعل ذلك لا يكون بريا من المضارة إلا باجتماع إرادتهما وتراضيهما وتشاورهما لمن له تبصرة، ليلا تجتمعا على

стр. 386

نقص الرأي، قال، ﵊: "ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار" والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي وخالصه من خلايا الصدور، كما يشور العسل جانيه - انتهى. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بأنها ثلاث رتب: رتبة تمام فيها الخير والبركة، ورتبة كفاية، فيها رفع الجناح، وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما ذكر عدة الطلاق، الذي هو فرقة الحياة، انتظم برأس آيته ذكر عدة الوفاة، الذي هو فراق الموت، واتصل بالآية السابقة لما انجر في ذكر الرضاع من موت الوالد وأمر الوارث، وكذلك كل آية، تكون رأسا، لها متصلان: متصل بالرأس النظير لها المنتظمة به، ومتصل بالآية السابقة قبلها بوجه ما - انتهى. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: من الوفاة، وهو استخلاص الحق من حيث وضع، إن الله، ، نفخ الروح وأودع النفس ليستوفيها بعد أجل من حيث أودعها، فكان ذلك توفيا، تفعلا من الوفاء، وهو أداء الحق، ﴿وَيَذَرُونَ﴾ من الوذر، وهو أن يؤخذ المرء عما شأنه إمساكه، ﴿أَزْوَاجًا﴾ بعدهم.

стр. 387

ولما أريد تأكيد التربص مراعاة لحق الأزواج، وحفظا لقلوب الأقارب، واحتياطا للنكاح، أتى به في صيغة الخبر، الذي من شأنه أن يكون قد وجد وتم، فقال: "يتربصن" أي ينتظرن أزواجهن لانقضاء العدة. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: من التعريض، وهو تفعيل من العرض، والعرض إلقاء القول عرضا أي ناحية على غير قصد إليه، وصمد نحوه - انتهى. ﴿مِنْ خِطْبَةِ﴾ وهي الخطاب وقال الْحَرَالِّي: هي هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها هو الخطبة بالضم. ﴿النِّسَاءِ﴾ المتوفى عنهن أزواجهن، ومن أشبههن في طلاق بائن بالثلاث أو غيرها. ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: من الكن - بالفتح - وهو الذي من معناه الكن - بالكسر - وهو ما وارى، بحيث لا يوصل به إلى شيء. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففيه إجراء الشرعة على الحيلة الخاص بهذه الأمة [انتهى]. ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ قال الْحَرَالِّي: والعقدة توثيق جمع الطرفين المفترقين، بحيث يشق حلها وهو معنى دون الكتب الذي هو وصلة وخرز. ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ من المس، ومن المماسة، في القراءة الأخرى، وهو ملاقاة الجرمين بغير حائل بينهما - قاله الْحَرَالِّي.

стр. 388

﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ قال الْحَرَالِّي: ففي إنبائه صحة عقد النكاح مع إهمال ذكر الصداق لا مع إبطاله، ففيه صحة نكاح التفويض، ونكاح التأخير لذكر الصداق، فبان به أن الصداق ليس ركنا فيه، وأن إبطاله مانع من بنائه، فيكون له ثلاثة أحوال؛ من رفع الجناح فيه عن المهمل الذي لم يمس فيه، كأنه كان يستحق فرضا ما [فرفع عنه جناحه، من حيث إن على الماس كلية النحلة، وعلى الفارض شطر النحلة -] فرفع عنه جناح الفرض، [وجبر موضع الفرض -] بالإمتاع، ولذلك ألزمت المتعة طائفة من العلماء - انتهى. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: [هو -] من الإيساع، وهو المكنة في السعة التي هي أكثر من الكفاية ﴿قَدَرُهُ﴾ من القدر، وهو الحد المحدود في الشيء حسا أو معنى. ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾ قال الْحَرَالِّي: هو من الإقتار، وهو النقص من القدر الكافي - انتهى. ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ والإحساس غاية رتب الدين كأنه، كما قال الْحَرَالِّي: إسلام ظاهر، يقيمه إيمان باطن، يكمله إحسان شهودي - انتهى.

стр. 389

لأن ملاك القصد فيها، كما قال الْحَرَالِّي، ما تطيب به نفس المرأة، ويبقى باطنها وباطن أهلها سلما أو ذا مودة ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ انتهى. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قال الْحَرَالِّي: إذا قرن هذا الإيراد بقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ خطابا للأزواج، [قوى -] فسر من جعل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، معادلة للزوجات، ومن خص عفوهن بالمالكات، أي الراشدات، خص هذا بالأولياء، فكان هذا النمط من التهديف للاختلاف، ليس عن سعة إيهام، وكأنه عن تبقية بوجه ما من نهاية الإفصاح، فمنشأ الخلاف فيه دون منشأ الخلاف من خطابات السعة بالإيهام - انتهى. ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وخصه الْحَرَالِّي بالرجال فقال: فمن حق الزوج، الذي له فضل الرجولة، أن يكون هو العافي، وأن لا يؤاخذ النساء بالعفو، ولذلك لم يأت في الخطاب أمر لهن ولا تحريض، فمن أقبح ما يكون حمل

стр. 390

الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها، بما يصرح به قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به - انتهى. ﴿حَافِظُوا﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما كان ما أنزل له الكتاب إقامة ثلاثة أمور: إقامة أمر الدين، الذي هو ما بين العبد وربه، وتمشية حال الدنيا التي هي دار محنة العبد، وإصلاح حال الآخرة والمعاد الذي [هو -] موضع قرار العبد. صار ما يجري ذكره من أحكام تمشية الدنيا غلسا، نجوم إنارته أحكام أمر الدين، فلذلك مطلع نجوم خطابات الدين أثناء خطابات أمر الدنيا، فيكون [خطاب] الأمر نجما خلال خطابات الحرام والحلال في أمر الدنيا، وإنما كان نجم هذا الخطاب للمحافظة على الصلاة، لأن هذا الاشتجار المذكور بين الأزواج فيما يقع من تكره في الأنفس، وتشاح في الأحوال، إنما وقع من تضييع المحافظة على الصلوات، لأن الصلاة بركة في الرزق، وسلاح على الأعداء وكراهة الشيطان، فهي دافعة للأمور التي منها تتضايق الأنفس وتقبل الوسواس ويطرقها
следующие страницы →