← Тафсир

Тафсир · id 26539

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

الحرالي، أبو الحسن

Полный текст (573 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

نقص الرأي، قال، ﵊: "ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار" والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي وخالصه من خلايا الصدور، كما يشور العسل جانيه - انتهى. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بأنها ثلاث رتب: رتبة تمام فيها الخير والبركة، ورتبة كفاية، فيها رفع الجناح، وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما ذكر عدة الطلاق، الذي هو فرقة الحياة، انتظم برأس آيته ذكر عدة الوفاة، الذي هو فراق الموت، واتصل بالآية السابقة لما انجر في ذكر الرضاع من موت الوالد وأمر الوارث، وكذلك كل آية، تكون رأسا، لها متصلان: متصل بالرأس النظير لها المنتظمة به، ومتصل بالآية السابقة قبلها بوجه ما - انتهى. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: من الوفاة، وهو استخلاص الحق من حيث وضع، إن الله، ، نفخ الروح وأودع النفس ليستوفيها بعد أجل من حيث أودعها، فكان ذلك توفيا، تفعلا من الوفاء، وهو أداء الحق، ﴿وَيَذَرُونَ﴾ من الوذر، وهو أن يؤخذ المرء عما شأنه إمساكه، ﴿أَزْوَاجًا﴾ بعدهم.

стр. 387

ولما أريد تأكيد التربص مراعاة لحق الأزواج، وحفظا لقلوب الأقارب، واحتياطا للنكاح، أتى به في صيغة الخبر، الذي من شأنه أن يكون قد وجد وتم، فقال: "يتربصن" أي ينتظرن أزواجهن لانقضاء العدة. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: من التعريض، وهو تفعيل من العرض، والعرض إلقاء القول عرضا أي ناحية على غير قصد إليه، وصمد نحوه - انتهى. ﴿مِنْ خِطْبَةِ﴾ وهي الخطاب وقال الْحَرَالِّي: هي هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها هو الخطبة بالضم. ﴿النِّسَاءِ﴾ المتوفى عنهن أزواجهن، ومن أشبههن في طلاق بائن بالثلاث أو غيرها. ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: من الكن - بالفتح - وهو الذي من معناه الكن - بالكسر - وهو ما وارى، بحيث لا يوصل به إلى شيء. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففيه إجراء الشرعة على الحيلة الخاص بهذه الأمة [انتهى]. ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ قال الْحَرَالِّي: والعقدة توثيق جمع الطرفين المفترقين، بحيث يشق حلها وهو معنى دون الكتب الذي هو وصلة وخرز. ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ من المس، ومن المماسة، في القراءة الأخرى، وهو ملاقاة الجرمين بغير حائل بينهما - قاله الْحَرَالِّي.

стр. 388

﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ قال الْحَرَالِّي: ففي إنبائه صحة عقد النكاح مع إهمال ذكر الصداق لا مع إبطاله، ففيه صحة نكاح التفويض، ونكاح التأخير لذكر الصداق، فبان به أن الصداق ليس ركنا فيه، وأن إبطاله مانع من بنائه، فيكون له ثلاثة أحوال؛ من رفع الجناح فيه عن المهمل الذي لم يمس فيه، كأنه كان يستحق فرضا ما [فرفع عنه جناحه، من حيث إن على الماس كلية النحلة، وعلى الفارض شطر النحلة -] فرفع عنه جناح الفرض، [وجبر موضع الفرض -] بالإمتاع، ولذلك ألزمت المتعة طائفة من العلماء - انتهى. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: [هو -] من الإيساع، وهو المكنة في السعة التي هي أكثر من الكفاية ﴿قَدَرُهُ﴾ من القدر، وهو الحد المحدود في الشيء حسا أو معنى. ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾ قال الْحَرَالِّي: هو من الإقتار، وهو النقص من القدر الكافي - انتهى. ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ والإحساس غاية رتب الدين كأنه، كما قال الْحَرَالِّي: إسلام ظاهر، يقيمه إيمان باطن، يكمله إحسان شهودي - انتهى.

стр. 389

لأن ملاك القصد فيها، كما قال الْحَرَالِّي، ما تطيب به نفس المرأة، ويبقى باطنها وباطن أهلها سلما أو ذا مودة ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ انتهى. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قال الْحَرَالِّي: إذا قرن هذا الإيراد بقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ خطابا للأزواج، [قوى -] فسر من جعل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، معادلة للزوجات، ومن خص عفوهن بالمالكات، أي الراشدات، خص هذا بالأولياء، فكان هذا النمط من التهديف للاختلاف، ليس عن سعة إيهام، وكأنه عن تبقية بوجه ما من نهاية الإفصاح، فمنشأ الخلاف فيه دون منشأ الخلاف من خطابات السعة بالإيهام - انتهى. ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وخصه الْحَرَالِّي بالرجال فقال: فمن حق الزوج، الذي له فضل الرجولة، أن يكون هو العافي، وأن لا يؤاخذ النساء بالعفو، ولذلك لم يأت في الخطاب أمر لهن ولا تحريض، فمن أقبح ما يكون حمل

стр. 390

الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها، بما يصرح به قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به - انتهى. ﴿حَافِظُوا﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما كان ما أنزل له الكتاب إقامة ثلاثة أمور: إقامة أمر الدين، الذي هو ما بين العبد وربه، وتمشية حال الدنيا التي هي دار محنة العبد، وإصلاح حال الآخرة والمعاد الذي [هو -] موضع قرار العبد. صار ما يجري ذكره من أحكام تمشية الدنيا غلسا، نجوم إنارته أحكام أمر الدين، فلذلك مطلع نجوم خطابات الدين أثناء خطابات أمر الدنيا، فيكون [خطاب] الأمر نجما خلال خطابات الحرام والحلال في أمر الدنيا، وإنما كان نجم هذا الخطاب للمحافظة على الصلاة، لأن هذا الاشتجار المذكور بين الأزواج فيما يقع من تكره في الأنفس، وتشاح في الأحوال، إنما وقع من تضييع المحافظة على الصلوات، لأن الصلاة بركة في الرزق، وسلاح على الأعداء وكراهة الشيطان، فهي دافعة للأمور التي منها تتضايق الأنفس وتقبل الوسواس ويطرقها

стр. 391

الشح، فكان في إفهام نجم هذا الخطاب، أثناء هذه الأحكام، الأمر بالمحافظة على الصلوات، لتجري أمورهم على سداد يغنيهم عن الارتباك في جملة هذه الأحكام - انتهى. ﴿حَافِظُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: من المحافظة، مفاعلة من الحفظ، وهو رعاية العمل؛ علما وهيئة ووقتا وإقامة، بجميع ما يحصل به أصله، ويتم به عمله، وينتهي إليه كماله، وأشار إلى كمال الاستعداد لذلك بأداة الاستعلاء فقال: ﴿عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ فجمع وعرف حتى يعم جميع أنواعها، أي افعلوا في حفظها فعل من يناظر آخر فيه، فإنه لا مندوحة عنها في حال من الأحوال، حتى ولا في حال خوف التلف، فإن في المحافظة عليها كمال صلاح أمور الدنيا والآخرة، لا سيما إدرار الأرزاق، وإذلال الأعداء: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ الآية. ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. كان النبي، ﷺ ، إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وقال الْحَرَالِّي: إن الله، ، يعطي الدنيا على نية الآخرة، وأبي أن يعطي الآخرة على نية الدنيا، خلل حال المرء في دنياه ومعاده إنما هو عن خلل حال دينه، وملاك دينه وأساسه إيمانه وصلاته، فمن حافظ على الصلوات

стр. 392

أصلح الله حال دنياه وأخراه، وفي المحافظة عليها تجري مقتضيات عملها عملا إسلاميا، وخشوعا وإخباتا إيمانيا، ورؤية وشهودا إحسانيا. فبذلك تتم المحافظة عليها، وأول ذلك الطهارة لها باستعمال الطهور على حكم السنة، وتتبع معاني الحكمة، كما في مسح الأذنين مع الرأس، لأن من فرق بينهما لم يكد يتم له طهور نفسه بما أبدته الحكمة وأقامته السنة، وعمل العلماء، فصد عنه عامة الخلق الغفلة، ثم التزام التوبة عندها، لأن طهور القلب التوبة، كما أن طهور البدن والنفس الماء والتراب، فمن صلى على غير تجديد توبة صلى محدثا بغير طهارة، ثم حضور القلب في التوحيد عند الأذان والإقامة، فإن من غفل قلبه عند الأذان والإقامة عن التوحيد نقص من صلاته روحها، فلم يكن لها عمود قيام، من حضر قلبه عند الأذان والإقامة حضر قلبه في صلاته، ومن غفل قلبه عندهما غفل قلبه في صلاته. ثم هيئتها في تمام ركوعها وسجودها، وانطاق كل ركن عملي بذكر الله يختص به، أدنى ما يكون ثلاثا، فليس في الصلاة عمل لا نطق له، ولا يقبل الله صلاة من لم يقم صلبه في ركوعه وسجوده وقيامه وجلوسه، فبالنقص من تمامها تنقص المحافظة عليها، [وبتضييع المحافظة عليها يتملك الأعداء النفس ويلحقها الشح، فتنتقل عليها الأحكام وتتضاعف عليها -] مشاق الدنيا، وما من عامل يعمل عملا في وقت صلاة أو حال أذان إلا كان وبالا عليه، وعلى من ينتفع به من عمله، وكان ما يأخذه من أجر فيه شقى خبث لا يثمر له عمل بر، ولا راحة

стр. 393

نفس في عاجلته ولا آجلته، وخصوصا بعد أن أمهل الله الخلق من طلوع شمس يومهم إلى زوالها ست ساعات، فلم يكن لدنياهم حق في الست الباقية، فكيف إذا طولبوا منها بأويقات الأذان والصلاة، وما نقص عمل من صلاة، فبذلك كانت المحافظة على الصلوات ملاكا لصالح أحوال الخلق مع أزواجهم في جميع أحوالهم - انتهى. ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وقال الْحَرَالِّي: وما من جملة إلا ولها زهرة، فكان في الصلوات ما هو منها بمنزلة الخيار من الجملة، وخيارها وسطاها، فلذلك خصص، تعالى، خيار الصلوات بالذكر، وذكرها بالوصف إبهاما، ليشمل الوسطى الخاصة بهذه الأمة، وهي العصر، التي لم تصح لغيرها من الأمم، ولينتظم الوسطى العامة لجميع الأمم ولهذه الأمة، التي هي الصبح، ولذلك اتسع لموضع أخذها بالوصف مجال العلماء فيها، ثم تعدت أنظارهم إلى جميعها لموقع الإبهام في ذكرها، حتى تتأكد المحافظة في الجميع بوجه ما. وفي قراءة عائشة، رضي الله تعالى عنها. "وصلاة العصر" - عطفا ما يشعر بظاهر العطف باختصاص الوسطى بالصبح على ما رآه بعض العلماء، وفيه

стр. 394

مساغ لمرجعه على ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ بنفسها ليكون عطف أوصاف، وتكون تسميتها بالعصر مدحة ووصفا، من حيث إن العصر خلاصة الزمان، كما أن عصارات الأشياء خلاصاتها: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ فعصر اليوم هو خلاصة لسلامته من وهج الهاجرة وغسق الليل، ولتوسط الأحوال والأبدان والأنفس بين حاجتي الغذاء والعشاء، التي هي مشغلتهم بحاجة الغذاء. ومن إفصاح العرب عطف الأوصاف المتكاملة، فيقال: فلان كريم وشجاع، إذا تم فيه الوصفان، فإذا نقصا عن التمام قيل: كريم شجاع - بالإتباع - فبذلك يقبل معنى هذه القراءة أن تكون الوسطى هي العصر، عطفا لوصفين ثابتين لأمر واحد - انتهى. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: القنوت الثبات على أمر الخير وفعله، وذلك أن فعل الخير والبر يسير على الأكثر، ولكن الثبات والدوام عسير عليهم، وكان من القنوت مداومة الحق فيما جاد به في الصلاة، حتى لا يقع التفات للخلق، فلذلك لزم الصمت عن الخلق معناه، لأن كلام الناس قطع لدوام المناجاة. ففي إشعاره أن من قام لله، ، قانتا في صلاته، أقام الله، ، في دنياه حاله، في إقامته ومع أهله، كما يشير إليه معنى آية: ﴿وَأْمُرْ

стр. 395

أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ ففيه إيذان بأن الصلاة تصلح الحال مع الأهل، وتستدر البركة في الرزق - انتهى. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ وقال الْحَرَالِّي: ما من حكم شرعه الله في السعة إلا وأثبته في الضيق والضرورة، بحيث لا يفوت في ضيقه بركة من حال سعته، ليعلم أن فضل الله لا ينقصه وقت، ولا يفقده حال. وفيه إشعار بأن المحافظة على الصلاة في التحقيق ليس [إلا -] في إقبال القلب بالكلية على الرب، فما اتسع له الحال ما وراء ذلك فعل، وإلا اكتفى بحقيقتها، ولذلك انتهت الصلاة عند العلماء في شدة الخوف إلى تكبيرة واحدة، يجتمع إليها وحدها بركة أربع الركعات التي تقع في السعة، وفيها على حالها من البركة، في اتساع الرزق وصلاح الأهل، ما في الواقعة في السعة، مع معالجة النصرة لعزيمة إقامتها على الإمكان في المخافة، وقد وضح باختلاف أحوال صلاة الخوف أن حقيقتها أنها لا صورة لها، فقد صح فيها عن النبي، ﷺ ، أربع عشرة صورة، وزيادة صور، في الأحاديث الحسان - انتهى. ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: أظهر المقصد في عمل الصلاة وأنه إنما هو الذكر، الذي هو قيام الأمن والخوف - انتهى.

стр. 396

﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: من أحكام هيئة الصلاة في الأعضاء والبدن، وحالها في النفس من الخشوع والاخبات، والتخلي من الوسواس، وحالها في القلب من التعظيم والحرمة، وفي إشارته ما وراء ظاهر العلم من أسرار القلوب التي اختصت بها أئمة هذه الأمة - انتهى. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما ذكر، ، أحكام الأزواج في الطلاق والوفاة وحكم الفرض والمتعة في المطلقات، قبل الدخول، ختم هذه الأحكام المؤكدة بالفرض والأمر، بما هو من نحوها، فنظم بالمتعة من النفقة والكسوة والإخدام، وما في معناه، المتعة بالسكنى للمتوفى عنها زوجها، إلى حد ما كانت العدة في الجاهلية، ليكون للخير والمعروف بقاء في الإسلام بوجه ما، أيما عقد وعهد كان في الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة - انتهى. ﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو غاية العمر، وجامع لجملة الفصول التي بوفائها تظهر أحوال الصبر عن الشيء والحرص عليه، وإنما الحول الثاني استدراك - انتهى. ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قال الْحَرَالِّي: لتكون الأربعة الأشهر والعشر فرضا، وباقي الحول متاعا، لتلحق أنواع المتعة بأنواع اللازم في الزوجية، من نفقة وكسوة وإخدام وسكنى، ولما كان هذا المتاع الزائد إنما هو تقرير للزوجة في حال ما كانت عليه مع زوجها، إشعارا ببقاء العصمة، وإلاحة من الله، تعالى، بحسن صبر المرأة، المتوفى عنها زوجها، على زوجها، لا تتزوج عليه غيره

стр. 397

حتى تلقاه، فتكون معه على النكاح السابق، ليكون للأمة في أزواجهم لمحة حظ من تحريم أزواج نبيهم بعده، اللاتي يقمن بعده إلى أن يلقينه أزواجا بحالهن، فيكون ذلك لمن يستشرف، من خواص أمته، إلى اتباعه في أحكامه وأحكام أزواجه، لأن الرجال مما يستحسنون ذلك لأزواجهم، فمن أشد ما يلحق الرجل بعد وفاته تزوج زوجه من بعده، لأنها بذلك كأنها هي المطلقة له، ولذلك ورد أن المرأة إنما تكون لآخر زوج، لأنها تركت الزوج، ولم يتركها هو، قال، ﷺ : "أنا وسفعاء الخدين، حبست [نفسها على] يتاماها حتى ماتوا، أو بانوا، كهاتين في الجنة" كأنه، ﷺ ، أكد ذلك المعنى على من ترك لها المتوفى ذرية، لأنه أثبت عهد معه - امنهى. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفي ضمنه، كما قال الْحَرَالِّي، تهديد شديد للأولياء، إن لم ينفذوا ويمضوا هذه الوصية بما ألزم الله. ففي إلاحته أن من أضاع ذلك ناله من عزة الله عقوبات في ذات نفسه وزوجه ومخلفيه من بعده، ويجري مأخذ ما تقتضيه العزة على وزن الحكمة جزاء وفاقا، وحكما قصاصا. وهذه الآية مما ذكر فيها بعض الناس النسخ، وإنما هي مما لحقها

стр. 398

نسيان أوقعه الله، تعالى، على الخلق، حتى لا يكاد أن يكون عمل بها أحد إلا أحدا لم يذكر به، ولم يشتهر منه، فهو مما أنسي، فران عليه النسيان لأمر شاءه الله، ، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وقد ورد أن النبي، ﷺ ، أنفذ لامرأة من [تركة -] زوجها نفقة سنة، وذلك، والله ، أعلم، قبل نزول آية الفرائض، حين كانت الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف - انتهى. ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: حيث كان الذي قبل الدخول: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ كان المحسن يمتع بأيسر وصلة في القول دون الإفضاء، والمتقي يحق عليه الإمتاع بمقدار ما وقع له من حرمة الإفضاء، ولما وقع بينهم من الإرهاق والضجر، فيكون في المتعة إزالة لبعض ذلك، وإبقاء بسلام أو مودة - انتهى. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما كان أمر الدين مقاما بمعالمه الخمس التي إقامة ظاهرها تمام في الأمة، وإنما تتم إقامتها بتقوى القلوب وإخلاص النيات،

стр. 399

كان القليل من المواعظ والقصص في شأنه كافيا، ولما كان حظيرة الدين إنما هو الجهاد، الذي فيه بذل الأنفس، وإنفاق الأموال، كثرت فيه مواعظ القرآن وترددت، وعرض لهذه الأمة بإعلام بما يقع فيه، فذكر ما وقع من الأقاصيص في الأمم السالفة، وخصوصا أهل الكتابين: بني إسرائيل، ومن لحق بهم من أبناء العيص، فكانت وقائعهم مثلا لوقائع هذه الأمة، فلذلك أحيل النبي، ﷺ ، على استنطاق أحوالهم، بما يكشفه الله ، لهم من أمرهم عيانا، وبما ينزله من خبرهم بيانا، وكان من جامعة معنى ذلك ما تقدم من قوله، : ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾. وكان من جملة الآيات التي يحق الإقبال بها على النبي، ﷺ ، [لعلو معناها، فأشرف المعاني ما قيل فيه ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إقبالا على النبي، ﷺ ] وعموم المعاني ما قيل فيه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ إقبالا على الأمة، ليخاطب كل على قدر ما قدم لهم من تمهيد موهبة العقل، لتترتب المكسبة من العلم، على مقدار الموهبة من العقل.

стр. 400

فكان من القصص العلى العلم، اللطيف الاعتبار، ما تضمنته هذه الآيات من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة، حتى لا يفروا من الموت فرار من قبلهم، قال، ﵊: "إذا نزل الوباء بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه" وذلك لتظهر مزيتهم على من قبلهم [بما يكون من عزمهم، كما أظهر الله، تعالى، مزيتهم على من قبلهم -] بما آتاهم من فضله ورحمته التي لم ينولها لمن قبلهم - انتهى. ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بأن تخوفهم لم يكن من نقص عدد، وإنما كان من جزع أنفس، فأعلم، ، أن الحذر لا ينجي من القدر، وإنما ينجي منه، كما قال النبي، ﷺ ، الدعاء: "إن الدعاء ليلقى القدر، فيتعالجان إلى يوم القيامة" - انتهى. ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: في إشعاره إنباء بأن هذه الإماتة إماتة تكون بالقول، حيث لم يقل: فأماتهم الله، فتكون إماتة حاقة لا مرجع منها. ففيه إبداء لمعنى تدريج ذات الموت في أسنان متراقية، من حد ضعف الأعضاء والقوى بالكسل، إلى حد السنة، إلى حد النوم، إلى حد الغشي، إلى حد الصعق، إلى حد هذه الإماتة [بالقول، إلى حد الإماتة الآتية على جملة الحياة التي لا ترجع

стр. 401

إلا بعد البعث، وكذلك الإماتة -] التي يكون عنها تبدد الجسم، مع بقائه على صورة أشلائه، أشد إتيانا على الميت من التي لا تأتي على أعضائه: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذنين". فكما للحياة أسنان من حد ربو الأرض إلى حد حياة المؤمن، إلى ما فوق ذلك من الحياة، كذلك للموت أسنان بعدد أسنان الحياة، مع كل سن حياة موته، إلى أن ينتهي الأمر إلى الحي الذي لا يموت: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ فبذلك يعلم ذو الفهم أن ذلك توطئة لقوله: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾. وفي كلمة "ثم" إمهال إلى ما شاء الله - انتهى. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ قال الْحَرَالِّي: بما ينسبهم تارة إلى أحوال مهوية، ثم ينجيهم منها إلى أحوال منجية، بحيث لو أبقى هؤلاء على هذه الإماتة ومن لحق بسنتهم من بعدهم لهلكت آخرتهم، كما هلكت دنياهم، ولكن الله، ، أحياهم لتجدد فضله عليهم - انتهى. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ والشكر ظهور باطن الأمر على ظاهر الخلق،

стр. 402

بما هو باطن، فمن حيث إن الأمر كله لله قسراً، فالشكر أن يبدو الخلق كله بالله شكرا، لأن أصل الشكور الدابة التي يظهر عليها ما تاكلها سمنا وصلاحا، فمن أودع خلق أمر لم يبد على خلقه فهو كفور. فلما أودعه، ، في ذوات الأشياء من معرفته وعلمه وتكبيره كان من لم يبد ذلك على ظاهر خلقه كفورا، ومن بدأ ما استسر فيه من ذلك شكورا، وليس من وصف الناس ذلك لترددهم بين أن يكون البادي عليهم تارة من الله، ، وتارة من أنفسهم، وممن دون الله ممن اتخذوه أولياء على حد كفر أو هوى أو بدعة أو خطيئة، وعلى حد رين كسبهم على قلوبهم، ففي اعتبار هذه الآية تحذير لهذه الأمة من أن يحذروا الموت. قال بعض التابعين: [رضي الله تعالى عنهم]: لقد رأينا أقواما، يعنون من أصحاب رسول الله، ﷺ ، الموت إلى أحدهم أشهى من الحياة عندكم اليوم، وإنما ذلك لما تحققوا من موعود الآخرة حتى كأنهم يشاهدونه، فهان عليهم الخروج من خراب الدنيا إلى عمارة آخرتهم - انتهى.

стр. 403

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وقال الْحَرَالِّي: القرض الجز من الشيء والقطع منه، كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من ثوابه أقطاعا مضاعفة، والقرض بين الناس قرضا بقرض، مثلا بمثل، فمن ازداد، فقد أربى، ومن زاد من غير عقد، ولا عهد فقد وفى، فالقرض مساواة، والربا ازدياد. ووصف، ، القرض الذي حرض عليه بالحسن لتكون المعاملة بذلة على وجه الإحساس الذي هو روح الدين، وهو أن يعامل الله به كأنه يراه - انتهى. ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: من المضاعفة مفاعلة من الضعف - بالكسر - وهو ثني الشيء بمثله مرة أو مرات. قال الْحَرَالِّي: هذه المضاعفة أول إنبائها أن الزائد ضعف ليس كسرا من واحد مقرض، ليخرج ذلك عن معنى وفاء القضاء، فإن المقترض تارة يوفي على الواحد كسرا من وزنه، كان رسول الله، ﷺ ، لا يقترض قرضا إلا وفى عليه الزيادة، وقال: "خير الناس أحسنهم قضاء" فأنبأ، تعالى، أن اقتراضه ليس بهذه المثابة، بل بما هو فوق ذلك، لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله، إلى ما يقال فيه الكثرة، وفي قوله: "أضعافا" ما يفيد [أن -] الحسنة بعشر، وفي قوله: ﴿كَثِيرَةً﴾ ما يفيد

стр. 404

البلاغ إلى فوق العشر وإلى المائة، كأنه المفسر في قوله بعد هذا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. فأوصل تخصيص هذه الكثرة إلى المئين، ثم فتح باب التضعيف إلى ما لا يناله علم العالمين، في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ - انتهى. ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾ قال الْحَرَالِّي: والقبض إكمال الأخذ، أصله القبض باليد كله، والقبض - بالمهملة - أخذ بأطراف الأصابع، وهو جمع عن بسط، فلذلك قوبل به ﴿وَيَبْسُطُ﴾ أي لمن يشاء، وإن ضاقت حاله، والبسط توسعة المجتمع إلى حد غاية. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ حسا بالبعث، ومعنى في جميع أموركم، فهو يجازيكم في الدارين على حسب ما يعلم من نياتكم. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ قال الْحَرَالِّي، أراه في الأولى حال أهل الحذر من الموت، بما في الأنفس من الهلع الذي حذرت منه هذه الأمة، ثم أراه في هذه مقابل ذلك من الترامي إلى طلب الحرب، وهما طرفا انحراف في الأنفس، قال، ﷺ : "لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". ففيه إشعار لهذه الأمة بأن لا تطلب الحرب ابتداء، وإنما تدافع عن منعها من إقامة دينها، كما قال، : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ وقال، ﵊:

стр. 405

والمشركون قد بغوا علينا .... إذا أرادوا فتنة أبينا فحق المؤمن أن يأبى الحرب ولا يطلبه، فإنه إن طلبه فأوتيه عجز [كما عجز -] هؤلاء حين تولوا إلا قليلا، فهذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثا عن الماضين، وإنما هو إعلام بما يستقبله الآتون، "إياك أعني واسمعي يا جارة". فلذلك لا يسمع القرآن من لم يأخذه بجملته خطابا لهذه الأمة بكل ما قص له من أقاصيص الأولين - انتهى. ﴿إِلَى الْمَلَإِ﴾ قال الْحَرَالِّي: الذين يملؤون العيون بهجة، والقلوب هيبة - انتهى. ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ قال الْحَرَالِّي: وفيه إيذان بأن الأمة تختل بعد نبيها، بما يصحبها من نوره زمن وجوده معهم، قالوا: "ما نفضنا أيدينا من تراب رسول الله، ﷺ ، حتى أنكرنا قلوبنا) - انتهى. ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ قال الْحَرَالِّي: لأن نبيهم المعهود الآمر لهم [إنما -] هو موسى، ﵊، ومن بعده إلى عيسى، عليهم الصلاة والسلام، إنما هم أنبياء بمنزلة الساسة والقادة لهم، كالعلماء في

стр. 406

هذه الأمة، منفذون وعالمون، بما أنزل على موسى، ﵊، كذلك كانوا إلى حين تنزيل الإنجيل، فكما قص في صدر السورة حالهم مع موسى، ﵊، قص في خواتيمها حالهم من بعد موسى، لتعتبر هذه الأمة من ذلك حالها مع نبيها، ﷺ ، وبعده - انتهى. ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: في إعلامه أخذهم الأمر، بمنة الأنفس، حيث لم يظهر في قولهم إسناد إلى الله، ، الذي لا تصح الأعمال إلا بإسنادها إليه، فما كان بناء على تقوى تم، وما كان على دعوى نفس انهد. ﴿قَالَ﴾ أي ذلك النبي: ﴿هَلْ﴾ كلمة تنبىء عن تحقيق الاستفهام، اكتفى بمعناها عن الهمزة - انتهى. ﴿عَسَيْتُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: بكسر سين عسى وفتحها، لغتان، عادة النحاة [أن -] لا يلتمسوا اختلاف المعاني من أواسط الصيغ وأوائلها، وفي فهم اللغة وتحقيقها إعراب في الأوساط والأوائل، كما اشتهر إعراب الأواخر عند عامة النحاة، فالكسر، حيث كان، مبني عن باد عن ضعف وانكسار، والفتح معرب عن باد عن قوة واستواء - انتهى.

стр. 407

قال الْحَرَالِّي: فأنبأهم بما آل إليه أمرهم، فلم يلفتوا عنه؛ وحاجوه وردوا عليه بمثل سابقة قولهم، ففي إشعاره إنباء [بما -] كانوا عليه من غلظ الطباع وعدم سرعة التنبه - انتهى. ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ قال الْحَرَالِّي: فأنبأ، ، أنهم أسندوا ذلك إلى غضب الأنفس على الإخراج، وإنما يقاتل في سبيل الله من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا - انتهى. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ قال الْحَرَالِّي: فكان أول ما ابتلوا به أن ملك عليهم من لم يكن من أهل بيت الملك عندهم، فكان أول فتنتهم، بما طلبوا ملكا، فأجيبوا فلم يرضوا بما بعث لهم - انتهى. ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: فثنوا اعتراضهم بما هو أشد وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم، فكان فيه حظ من فخر إبليس، حيث قال، حين أمر بالسجود لآدم: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ - انتهى. ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال، وأنه مما يقام [به -] ملك، وإنما الملك بإيتاء الله، فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم - انتهى. ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: والاصطفاء أخذ الصفوة - انتهى.

стр. 408

﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وقل ما احتاج أحد في إيمانه إلى آية خارقة إلا كان إيمانه، إن آمن، غلبة يخرج عنه بأيسر فتنة، ومن كان إيمانه باستبصار ثبت عليه ولم يحتج إلى آية، فإن كانت الآية [كانت] له نعمة، ولم تكن عليه فتنة، ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. فإن الآيات طليعة المؤاخذة، والاقتناع بالاعتبار طليعة القبول والثبات - انتهى. ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ قال الْحَرَالِّي: [و -] يعز قدره - انتهى. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقال الْحَرَالِّي: معناه ثبات في القلوب يكون له في عالم الملكوت صورة بحسب حال المثبت، ويقال: كانت سكينة بني إسرائيل صورة [هر من -] ياقوت ولؤلؤ وزبرجد، ملفق به أعضاء تلك الصورة، تخرج منه ريح هفافة تكون علم النصر لهم - انتهى. وقال الْحَرَالِّي وغيره: إنه كان في التابوت صورة يأتي منها عند النصر ريح تسمع. قال الْحَرَالِّي: كما كانت الصبا تهب لهذه الأمة بالنصر، قال، ﷺ : "نصرت

стр. 409

بالصبا" فكانت سكينتها كلية آفاقها، وتابوتها كلية سمائها، حتى لا تحتاج إلى محمل يحملها، ولا عدة تعدها، لأنها أمة أمية تولى الله لها إقامة علمها وأعمالها - انتهى. ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: فضلة جملة ذهب جلها ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ من الترك، وهو أن لا يعرض للأمر حسا أو معى. ﴿آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي إشعاره تثنية ذكر الآل ما يعلم باختصاص موسى، ﵊، [بوصف دون هرون ﵇] بما كان فيه من الشدة في أمر الله، وباختصاص هرون، ﵊، بما كان فيه من اللين والاحتمال، حيث لم يكن آل موسى وهرون، لأن الآل حقيقة من يبدو فيه وصف من هو آله.

стр. 410

وقال: الآل: أصل معناه السراب الذي تبدو فيه الأشياء البعيدة كأنه مرآة تجلو الأشياء، فآل الرجل من إذا حضروا فكأنه لم يغب - انتهى. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: ولما ضعف قبولهم عن النظر والاستبصار، صار حالهم في صورة الضعف الذي يقال فيه: إن كان كذا. فكان في إشعاره خللهم وفتنهم إلا قليلا - انتهى. ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهر جمع جند، وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع. ﴿قَالَ﴾ أي ملكهم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ أي الذي لا أعظم منه، وأنتم خارجون في مرضاته ﴿مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ من الماء الذي جعله، ، حياة لكل شيء، فضربه مثلا للدنيا التي من ركن إليها ذل، ومن صدف عنها عز. قال الْحَرَالِّي: فأظهر الله على لسانه ما أنبأ به نبيهم في قوله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾. انتهى. ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ ففي قراءة فتح الغين إعراب عن معنى إفرادها

стр. 411

أخذة ما أخذت، من قليل أو كثير. وفي الضم إعلام بملئها، والغرف بالفتح الأخذ بكلية اليد، والغرفة الفعلة الواحدة منه، وبالضم اسم ما حوته الغرفة. فكان في المغترفين من استوفى الغرفة، ومنهم من لم يستوف. قاله الْحَرَالِّي. وقال: فكان فيه إيذان بتصنيفهم ثلاثة أصناف: من لم يطعمه البتة، وأولئك الذين ثبتوا وظنوا أنهم ملاقو الله. ومن شرب منهم، وأولئك الذين افتتنوا وانقطعوا عن الجهاد في صبيل الله. ومن اغترف غرفته، وهم الذين ثبتوا وتزلزلوا حتى ثبتهم الذين لم يطعموا. ولما كان قصص بني إسرائيل مثالا. لهذه الأمة، كان مبتلى هذه الأمة بالنهر ابتلاهم بنهر الدنيا الجاري خلالها، فكانت جيوشهم يحكم هذا الإيحاء الاعتباري إذا مروا بنهر أموال الناس وبلادهم وزروعهم وأقطارهم في سبيلهم إلى غزوهم، فمن أصاب من أموال الناس ما لم ينله الإذن من الله، انقطع عن ذلك الجيش، ولو حضره، فما كان في بني إسرائيل عيانا يكون وقوعه في هذه الأمة استبصارا؛ سترة لها وفضيحة لأولئك، ومن لم يصب منها شيئا بتا، كان [أهل -] ثبت ذلك الجيشا الثابت المثبت.

стр. 412

قيل لعلي، رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين، ما بال فرسك لم يكب بك قط؟ قال: ما وطئت به زرع مسلم قط. ومن أصاب ما له فيه ضرورة من منزل ينزله، أو غلبة عادة تقع منه، ويوده أن لا يقع، فهؤلاء يقبلون التثبيت من الذين تورعوا كل الورع. فملاك هذا الدين الزهد في القلب، والورع في التناول باليد، قال، ﷺ : "إنما تنصرون بضعفائكم". وفي إلاحة هذا التمثيل والاعتبار أن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد الثابتين من أصحاب طالوت، الذين بعددهم كان أصحابه رسول الله، ﷺ ، يوم بدر، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، عدد المرسلين من كثرة عدد النبيئين. قال: وفي إفراد اليد إيذان بأنها غرفة اليد اليمنى، لأنها اليد الخاصة للتعريف، ففي اعتباره أن الأخذ من الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين، لاشتمال اليدين على جانبي الخير والشر - انتهى. ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفيما يذكر أنه قرئ بالرفع، وهو إخراج لهم من الشاربين بالإتباع، كأن الكلام مبني عليه، حيث

стр. 413

صار تابعا، وإعرابه مما أهمله النحاة، فلم يحكموه، وحكمه أن ما بني على إخراجه [اتبع، وما لم يبن على إخراجه -]، وكأنه إنما انثنى إليه بعد مضاء الكلام الأول، قطع ونصب - انتهى. ﴿قَالُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: رد الضمير مردا عاما؛ إيذانا بكثرة الذين اغترفوا، وقلة الذين لم يطعموا، كما آذن ضمير شربوا بكثرة الذين شربوا منه - انتهى. ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففيه من نحو قولهم: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ اعتمادا على أن النصر بعدة مال أو قوة، وليس إلا بنصر الله، ثم قال: فإذا نوظر هذا الإنباء منهم، والطلب، أي كما يأتي في: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ بما تولى الله [من -] أمر هذه الأمة في جيشهم الممثول لهذا الجيش في سورة الأنفال، من نحو قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ الآيات، علم عظيم فضل الله على هذه الأمة، واستشعر بما يكون لها في خاتمتها مما هو أعظم نبأ، وأكمل عيانا، فلله الحمد على ما أعظم من فضله ولطفه - انتهى.

стр. 414

﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ مما منه الهزيمة، وهو فرار من شأنه الثبات - قاله الْحَرَالِّي. وقال: ولم يكن، فهزمهم الله، كما لهذه الأمة في: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ - انتهى. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ قال الْحَرَالِّي: مناظرة قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ - انتهى. ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ قال الْحَرَالِّي: كان داوود، ﵊، عندهم من سبط الملك، فاجتمعت له المزيتان: من استحقاق البيت، وظهور الآية على يديه بقتل جالوت. قال تعالى: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ تخليصا للملك مما يلحقه بفقد الحكمة من اعتداء الحدود - انتهى. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فعال من اثنين، وما يقع من أحدهما دفع، وهو رد الشيء بغلبة وقهر عن وجهته التي هو منبعث إليها بأشد منته. * * * * انتهت نصوص تفسير الْحَرَالِّي المستخرجة من الجزء الثالث من تفسير البقاعي: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" من مطبوعات دائرة المعارف العثمانية ١ ٤ ٣ بالهند ط ١ - ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م

стр. 415

صفحة فارغة

стр. 416

نصوص تفسير الْحَرَالِّي المستخرجة من الجزء الرابع من تفسير البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"

стр. 417

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ وجعل الْحَرَالِّي: التعبير بتلك التي هي أداة التأنيث دون أولئك التي هي إشارة المذكر، توطئة وإشارة لما يذكر بعد من اختلاف الأمم بعد أنبيائها. وقال: يقول فيه النحاة إشارة لجماعة المؤنث، إنما هو في العربية لجماعة ثانية في الرتبة، لأن التأنيث أخذ الثواني عن أولية تناسبه في المعنى وتقابله في التطرق. قال: ومن لسن العرب وإشارة تأسيس كلمها أن المعنى متى أريد إرفاعه أطلق عن علامة الثاني في الرتبة وإشارته، ومتى أريد إنزاله قيد بعلامة الثاني وإشارته. ثم قال: ففي ضمن هذه الإشارة لأولي التنبه إشعار بما تتضمنه الآية من الإخبار النازل عن رتبة الثبات والدوام إلى رتبة الاختلاف والانقطاع، كما أنه لما كان الذكر واقعا في محل إعلاء في آية الأنعام، قيل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.

стр. 418

ولما كان شأن الإختلاف والانقطاع غير مستغرب في محل النقص والإشكال، وطئ لهذا الواقع بعد الرسل بأنه ليس من ذلك، وأنه من الواقع بعد إظهار التفضيل، وإبلاغ البينات، لما يشاؤه من أمره - انتهى. ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ قال الْحَرَالِّي: والبينة ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل، بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، وذلك فيما أظهر الله، ، على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله، فإن كل باد في الخلق، ومتنزل في الأمر، فهو من آيات الله، فما كان أقرب إلى ما اختص الله، تعالى، به كان أعلى وأبهر، وما كان مما يجري نحوه على أيدي خلقه كان أخفى وألبس، إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ أي بعظمتنا البالغة ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ في إعلامه ذكر ما جعل، تعالى، بينه وبين عيسى، ﵊، في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة الروح، كما قال، : ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ كذلك كان فعله مع تأييده، وفي ذلك بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسلام، موازنة ابتدائية، حيث كان أمر موسى من ابتداء أمر التكليم، الذي هو غاية سقوط الواسطة، وكان أمر عيسى، عليه

стр. 419

الصلاة والسلام، من ابتداء أمر الإحياء، الذي هو غاية تصرف المتصرفين - انتهى. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾، قال الْحَرَالِّي: وهي كلمة جامعة قرآنية محمدية، تشهد الله وحده، وتمحو عن الإقامة ما سواه - انتهى. ﴿مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال، بعد فتنة الأحوال بالضغائن والأحقاد، بعد فقد السلامة، بعد فقد الوداد، بعد فقد المحبة [الجامعة] للأمة مع نبيها - انتهى. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي آثارها إلا بعد إمضاء كلمة الله فيها - انتهى. ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: هي مما منه المخاللة، وهي المداخلة فيما يقبل التداخل، حتى يكون كل واحد خلال الآخر، وموقع معناها الموافقة في وصف الرضي والسخط، فالخليل من رضاه رضي خليله، وفعاله من فعاله - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب بما في ابتداء السورة من ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ فلذلك وقع بعد هذا الانتهاء افتتاح آية هي سيدة أي هذه السورة المنتظمة بأولها انتظاما معنويا برأس: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما أفصح به الخطاب في فاتحة سورة آل عمران، لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام وحمد، فكان أوله حمداً، وآخره

стр. 420

حمدا، ينثني ما بين الحمدين على أوله، كما قال: "حمدني عبدي، أثنى علي عبدي" فجعلته حمد، وتفاصيله ثناء - انتهى. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين، وجهات الاعتبار، وبيان أحكام الجهاد والانفاق فيه، فتم الدين بحظيرته معالم إسلام، وشعائر إيمان، ولمحة إحسان، أعلى تعالى، الخطاب إلى بيان أمر الإحسان، كما استوفى البيان في أمر الإيمان والإسلام، فاستفتح هذا الخطاب العلي، الذي يسود كل خطاب، ليعلى به الذين آمنوا، فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب، الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر، إلى صفاء ضياء الإيقان، الذي يصير نور الإيمان، بالإضافة إليه، ظلمة، كما يصير نور القمر عند ضياء الشمس ظلمة، فكانت نسبة هذه الآية من آية الإلهية في قوله، : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وما بعدها من الاعتبار في خلق السموات والأرض نسبة ما بين علو اسمه ﴿الله﴾ الذي لم يقع فيه شرك بحق ولا بباطل، إلى اسمه الذي وقع فيه الشرك بالباطل، فينقل، تعالى، المؤمنين الذين استقر لهم إيمان الاعتبار بآية

стр. 421

﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وما بعدها من الاعتبار في خلق السموات والأرض إلى يقين العيان باسمه "الله" وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة - انتهى. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيعول، زيدت في أصوله الياء، ليجتمع فيه لفظ ما هو من معناه، الذي هو القيام بالأمر، مع واوه التي هي من قام يقوم، فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام، على حد ما تفهمه معاني الحروف عند المخاطبة بها من أيمة العلماء الوالجين في مدينة العلم المحمدي من بابه العلوي - انتهى. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس، ويخامر القلب، ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه في حق من ينام قلبه، وما استغرق حواسه في حق من لاينام قلبه - انتهى. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته، والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته، فكان هذا الخطاب، بما أبدى للفهم، إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية التي هي حجاب قيوميته، سلبا لقيام ما سواه - انتهى. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له، لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظا في سلب ما للشفعاء، ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله، ، عند الله، ، فهو، ، بالحقيقة الذي شفع

стр. 422

عند نفسه بنفسه، فبإخفائه، تعالى، شفاعته في شفاعة الشفعاء، كان هو الشفيع في الإبتداء من وراء حجاب، لأن ابداءه كله في حجاب، وإعادته ما في حجاب، فلذلك هو ، خاتم الشفعاء، حيث يقول، كما ورد في الخبرة: "شفع الأنبياء والمرسلون، ولم يبق إلا الحي القيوم". انتهى. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: أي ما آتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه، وما علمه أيضا، فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وهو مالم ينله علمهم، لأن الخلف هو مالا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم، محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا - انتهى. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: معنى الكرسي هو الجمع، فكل ما كان أتم جمعا فهو أحق بمعناه، ويقال على المرقى للسرير، الذي يسمى العرش، الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل، وحين يستوي إن شاء - كرسي. ثم قال: والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته في الأرض التي فيها موجودات الأشياء كلها، فما في الأرض صورة إلا ولها في الكرسي مثل، فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته، وما في السموات إقامته ففي الأرض صورته، فكان الوجود مثنيا، لما كان القرآن مثاني: إجمالا وتفصيلا في القرآن، ومدادا صورا في الكون، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات، وانبهام صورة المداديات،

стр. 423

بنسبة ما بين السماء وما منه. وجعل وسع الكرسي، وسعا واحداً، حيث قال: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولم يكن وسعان، لأن الأرض في السموات والسموات في الكرسي، والكرسي في العرش، والعرش في الهواء - انتهى. ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: من الأود أي بلوغ المجهود ذودا، ويقابله ياء من لفظ الأحد، أي وهو القوة، وأصل معناه، والله، ، [أعلم]، أنه لا يعجزه علو أيده، ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله. ﴿حِفْظُهُمَا﴾ والحفظ، قال الْحَرَالِّي: الرعاية لما هو متداع في نفسه، فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله - انتهى. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ وقد ختمت الآية بما بدئت به، غير أن بدءها بالعظمة، كما قال الْحَرَالِّي، كان باسم "الله" إلاحة وختمها كان بذلك إفصاحا، لما ذكر من أن الإبداء من وراء حجاب، والإعادة بغير حجاب، كذلك تنزل القرآن: مبدأ الخطاب إلاحة، وخاتمته إفصاح، ليتطابق الوحي والكون تطابق قائم ومقام. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ولما في العلو من الظهور، وفي العظمة من الخفاء، لموضع الإحاطة،

стр. 424

لأن العظيم هو ما يستغرق، كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير خلقه، قال، ، فيما أنبأ عنه نبيه، ﷺ : "الكبرياء ردائي" لأن الردأء هو ما على الظاهر، "والعظمة إزاري" والإزار ما ستر الباطن والأسفل، فإذا في السماء كبرياؤه، وفي الأرض عظمته، وفي العرش علوه، [وفي الكرسي عظمته، فعظمه أخفى ما يكون حيث التفصيل، وكبرياؤه وعلوه] أجلى ما يكون، حيث الإبهام والانبهام. فتبين بهذا المعنى علو رتبة هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران، ولما ألاحته للأفهام من قيوميته، تعالى، وعلوه وعظمته، وإبادة ما سواه في أن بنسب إليهم شيء، لأنه، ، إذا بدا باد ما سواه، كان في إلاحة هذه الآية العلية العظيمة تقرير دين الإسلام الذي هو دين الإلقاء، كما كان فيما تقدم هو إيراد السورة تقرير دين القيمة الذي ما أمروا إلا ليعبدون به مخلصين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويوتوا الزكاة، ولذلك كان ذكر دين الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران، إثر قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال الْحَرَالِّي: لما نقل، ، رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود، وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى

стр. 425

لهم أمر العظمة والجبروت الجابر لأهل الملكوت والملك فيها هم مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضى، الذي لالبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج فيه، وهو اطلاعه، ، عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد، وفي كل باد، وعلى كل باد، وأظهر من كل باد، وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم، ولا يجوزها رسم، وهي مداد كل مداد، بين، ، وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة، من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها، مما هو علم عقابها وآية عذابها، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ماتجري فيه لها ما عليها ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم، فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلوا، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه، بحسب ما يثبت ويدوم، ﴿مِنَ الْغَيِّ﴾ وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته - انتهى.
следующие страницы →