Полный текст (573 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وما بعدها من الاعتبار في خلق السموات والأرض إلى يقين العيان باسمه "الله" وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة - انتهى.
﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
قال الْحَرَالِّي: فيعول، زيدت في أصوله الياء، ليجتمع فيه لفظ ما هو من معناه، الذي هو القيام بالأمر، مع واوه التي هي من قام يقوم، فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام، على حد ما تفهمه معاني الحروف عند المخاطبة بها من أيمة العلماء الوالجين في مدينة العلم المحمدي من بابه العلوي - انتهى.
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس، ويخامر القلب، ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه في حق من ينام قلبه، وما استغرق حواسه في حق من لاينام قلبه - انتهى.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾
قال الْحَرَالِّي: وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته، والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته، فكان هذا الخطاب، بما أبدى للفهم، إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية التي هي حجاب قيوميته، سلبا لقيام ما سواه - انتهى.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له، لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظا في سلب ما للشفعاء، ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله، ، عند الله، ، فهو، ، بالحقيقة الذي شفع
стр. 422
عند نفسه بنفسه، فبإخفائه، تعالى، شفاعته في شفاعة الشفعاء، كان هو الشفيع في الإبتداء من وراء حجاب، لأن ابداءه كله في حجاب، وإعادته ما في حجاب، فلذلك هو ، خاتم الشفعاء، حيث يقول، كما ورد في الخبرة: "شفع الأنبياء والمرسلون، ولم يبق إلا الحي القيوم". انتهى.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: أي ما آتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه، وما علمه أيضا، فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وهو مالم ينله علمهم، لأن الخلف هو مالا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم، محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا - انتهى.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾
وقال الْحَرَالِّي: معنى الكرسي هو الجمع، فكل ما كان أتم جمعا فهو أحق بمعناه، ويقال على المرقى للسرير، الذي يسمى العرش، الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل، وحين يستوي إن شاء - كرسي.
ثم قال: والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته في الأرض التي فيها موجودات الأشياء كلها، فما في الأرض صورة إلا ولها في الكرسي مثل، فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته، وما في السموات إقامته ففي الأرض صورته، فكان الوجود مثنيا، لما كان القرآن مثاني: إجمالا وتفصيلا في القرآن، ومدادا صورا في الكون، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات، وانبهام صورة المداديات،
стр. 423
بنسبة ما بين السماء وما منه.
وجعل وسع الكرسي، وسعا واحداً، حيث قال: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولم يكن وسعان، لأن الأرض في السموات والسموات في الكرسي، والكرسي في العرش، والعرش في الهواء - انتهى.
﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الأود أي بلوغ المجهود ذودا، ويقابله ياء من لفظ الأحد، أي وهو القوة، وأصل معناه، والله، ، [أعلم]، أنه لا يعجزه علو أيده، ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله.
﴿حِفْظُهُمَا﴾ والحفظ،
قال الْحَرَالِّي: الرعاية لما هو متداع في نفسه، فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله - انتهى.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ وقد ختمت الآية بما بدئت به، غير أن بدءها بالعظمة، كما
قال الْحَرَالِّي، كان باسم "الله" إلاحة وختمها كان بذلك إفصاحا، لما ذكر من أن الإبداء من وراء حجاب، والإعادة بغير حجاب، كذلك تنزل القرآن: مبدأ الخطاب إلاحة، وخاتمته إفصاح، ليتطابق الوحي والكون تطابق قائم ومقام. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ولما في العلو من الظهور، وفي العظمة من الخفاء، لموضع الإحاطة،
стр. 424
لأن العظيم هو ما يستغرق، كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير خلقه، قال، ، فيما أنبأ عنه نبيه، ﷺ : "الكبرياء ردائي" لأن الردأء هو ما على الظاهر، "والعظمة إزاري" والإزار ما ستر الباطن والأسفل، فإذا في السماء كبرياؤه، وفي الأرض عظمته، وفي العرش علوه، [وفي الكرسي عظمته، فعظمه أخفى ما يكون حيث التفصيل، وكبرياؤه وعلوه] أجلى ما يكون، حيث الإبهام والانبهام.
فتبين بهذا المعنى علو رتبة هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران، ولما ألاحته للأفهام من قيوميته، تعالى، وعلوه وعظمته، وإبادة ما سواه في أن بنسب إليهم شيء، لأنه، ، إذا بدا باد ما سواه، كان في إلاحة هذه الآية العلية العظيمة تقرير دين الإسلام الذي هو دين الإلقاء، كما كان فيما تقدم هو إيراد السورة تقرير دين القيمة الذي ما أمروا إلا ليعبدون به مخلصين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويوتوا الزكاة، ولذلك كان ذكر دين الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران، إثر قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
قال الْحَرَالِّي: لما نقل، ، رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود، وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى
стр. 425
لهم أمر العظمة والجبروت الجابر لأهل الملكوت والملك فيها هم مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضى، الذي لالبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج فيه، وهو اطلاعه، ، عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد، وفي كل باد، وعلى كل باد، وأظهر من كل باد، وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم، ولا يجوزها رسم، وهي مداد كل مداد، بين، ، وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة، من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها، مما هو علم عقابها وآية عذابها، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ماتجري فيه لها ما عليها ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم، فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلوا، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى.
﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه، بحسب ما يثبت ويدوم، ﴿مِنَ الْغَيِّ﴾ وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته - انتهى.
стр. 426
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾
وقال الْحَرَالِّي: وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة، صيغة مبالغة وزيادة انتهاء مما منه الطغيان - انتهى.
﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾
وقال الْحَرَالِّي: من الفصم، وهو خروج العري بعضها من بعض، أي فهذه العروة لا انحلال لها أصلا، وهو تمثيل للمعلوم بالنظر، والاحتجاج بالمشاهد المحسوس، ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده فيه، ويجل اغتباطه به.
﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ [أي المعنوية] جمع ظلمة، وهر ما يطمس الباديات حسا أو معنى، ﴿إِلَى النُّورِ﴾ أي المعنوي، وهو ما يظهر الباديات حسا أو معنى. قاله الْحَرَالِّي.
﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول إلى الروح المجندة، إلى الفطرة المستوية "كل مولود يولد على الفطرة" - انتهى.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾
قال الْحَرَالِّي: الذين تبعوها من حيث لم يشعروا، من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبة - انتهى.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وجعل الخلود وصفا لهم إشعار بأنهم فيها، وهم في دنياهم - انتهى.
стр. 427
قال الْحَرَالِّي: ولما كان ما أظهره الحق في آية عظمته، وما اتصل بها في خاصة عباده اختص هذا الخطاب بالنبي، ﷺ ، لعلو مفهور مغزاه عمن دونه - انتهى.
﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفي إشعاره أن الملك فتنة وبلاء على من أوتيه - انتهى.
﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾
وقال الْحَرَالِّي: ولما كان من حسن الاحتجاج ترك المراء بمتابعة الحجة الملبسة، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ نقل المحاج من الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة الواقعة في الآفاق بأعظم كواكبها الشمس ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ففي ظاهر الاحتجاج انتقال، وفي [طيه تقرير الأول، لأن الروح شمس البدن، فكأنه ضرب مثل، من حيث إن الإحياء إنما هو أن يوتى بشمس الروح من حيث غربت، فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة] باطنه تتميم للحجة الأولى، قال تعالى: ﴿فَإِنْ﴾ بالفاء الرابطة بين الكلامين، إشعارا لتتمة الحجة الأولى بالحجة الثانية - انتهى.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾
قال الْحَرَالِّي: إظهارا لمرجع العالم بكليته إلى واحد، وأن قيوم الإنسان في الإحياء والإماتة هو قيوم الآفاق
стр. 428
في طلوع الشمس وغروبها، وفي لحنه إشعار بأن الله، ، لابد وأن ياتي بالشمس من المغرب، ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء، حتى يطلعها من حيث غربت، كما يطلع الروح من حيث قبضت، ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة قيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها - انتهى.
﴿فَبُهِتَ﴾
قال الْحَرَالِّي: من البهت، وهو بقاء الشيء على حاله وصورته، لا يتغير عنها لأمر يبهره وقعه.
﴿الَّذِي كَفَرَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: فعرفه أي في قوله ﴿كَفَرَ﴾ بوصفه، من حيث دخل عليه البهت منه - انتهى.
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: [من المرور -] وهو جعل الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات إليه [في] سبيله.
﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾
قال الْحَرَالِّي: من الخوا، وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حسا أو معنى، والعروش جمع عرش، من نحو العريش، وهو ما أقيم من البناء على حاله عجالة، يدفع سورة الحر والبرد، ولايدفع جملتها كالكن المشيد، فكان المشيد في الحقيقة عريشا لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار - انتهى.
стр. 429
﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾
قال الْحَرَالِّي: وفي لفظة ﴿أَنَّى﴾ لشمول معناها لمعنى كيف وحيث ومتى، استبعاده الإحياء في الكيف والمكان والزمان، ومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق النفس من طلبها لمعرفة تكييف مالا يصل إليه علمها - انتهى.
﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: وخص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد [و] العشرات، وعشرها وتر الشفع، لأن ماتم في الثالث كان ما زاد عليه تكرارا يجزئ عنه الثلاث. ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ في بيانه إشعار بأن بدنه لم يتغير، ولا فنى فناء حماره، حيث لم يكن ﴿ثُمَّ نشره﴾ والله، أعلم، كما قال: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ - انتهى.
﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ فكان أمره إبقاء وتثبيتا آية في موجود الدنيا على ما سيكون في أمر الآخرة: قيام ساعة، وبعثا، ونشورا. قاله الْحَرَالِّي.
﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾
قال الْحَرَالِّي: بالراء من النشر، وهو عود الفاني إلى صورته الأولى، وبالضم جعل وتصيير إليه، وبالزاي من النشز، وهو إظهار الشيء وإعلاؤه، من نشز الأرض، وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى.
﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾
قال الْحَرَالِّي: جعل حياته بعثا، وحياة حماره نشورا، وأراه [النشر] واللحم الذي لحم بين العظام حتى صار صورة واحدة، ليتبين أمر الساعة عيانا، فيكون حجة على الكافر والمستبعد.
стр. 430
﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين، حتى استقر عنده أمر ما أعلم به، واضمحل عنده ما قدره.
﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾ بصيغة الفعل بناء على نفسه، وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم، لتدل القراءتان على أنه علم وعلم، لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير العالم، فيجمع فضل العلم والتعليم - انتهى.
﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: في إشعاره إلزام البصائر شهود قدرة الله، ، في تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد بها الأبصار؛ إلحاقا لما دون آية الإحياء والإماتة بأمرها، ليستوي في العلم أن محييك هو مصرفك، فكما أن حياتك بقدرته، [فكذلك عملك بقدرته]، فلاءم تفصيل إفراد القدرة لله بما تقدم من إبداء من الحفظ بالله، والعظمة لله، فكأنها جوامع وتفاصيل، كلها تقتضي إحاطة أمر الله، ، بكلية ما أجمل، وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى.
﴿وَإِذْ﴾
وقال الْحَرَالِّي: ولما كان أمر منزل القرآن إقامة الذين بمكتوبه وحدوده فأنهاه، تعالى، منتهى منه، ثم نظم به ما نظم من علنه في آية الكرسي، ورتب على ذلك دين الإسلام الذي هو إلقاء كإلقاء اليد عن الموت - انتظم به أمر المعاد الذي لا مدخل للعباد في أمره، فرتب، ، ذكر المعاد في ثلاثة أحوال:
حال الجاحد الذي انتهت غايته إلى [بهت.
стр. 431
ثم حال المستبعد الذي انتهت غايته إلى -] علم وإيمان.
وأنهى الخطاب إلى حال المؤمن الذي انتهى حاله إلى يقين وطمأنينة ورؤية ملكوت في ملكوت الأرض. انتهى.
﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾
قال الْحَرَالِّي: طلب ما هو أهله بما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فمن ملكوت الأرض الإحياء فقرره، ، على تحقيق ابتداء حاله من تقرر الإيمان، فقال مستأنفا: ﴿قَالَ﴾ ولما كان التقدير: ألم تعلم أني قادر على الإحياء، لأني قادر على كل شيء؟ عطف عليه قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾؟ فإن الإيمان يجمع ذلك كله ﴿قَالَ بَلَى﴾ فتحقق أن طلبه كيفية الإحياء ليس عن بقية تثبيت في الإيمان، فكان في إشعاره أن أكثر طالبي الكيف في الأمور إنما يطلبونه عن وهن في إيمانهم، ومن طلب لتثبت الإيمان، مع أن فيما دون الكيف من الآيات كفايته، لم ينتفع بالآية في إيمانه، لأن كفايتها فيما دونه، ولم يعل لليقين لنقص إيمانه عن تمام حده، فإذا تم الإيمان بحكم آياته التي في موجود حكمة الله في الدنيا بيناته، ترتب عليه برؤية ملكوت شهود الدنيا رتبة اليقين، كما وجد تجربته أهل الكشف من الصادقين في أمر الله، حيث أورث لهم اليقين، ومتى شاركهم في أمر من رؤية الكشف أو الكرامات ضعيف الإيمان طلب فيه تأويلا، وربما كان عليه فتنة تنقصه مما كان عنده من حظ من إيمانه، حتى ربما داخله نفاق لا ينفك منه إلا أن يستنقذه الله، فلذلك أبدى
стр. 432
تعالى خطاب تقريره لخليله، ﷺ ، على تحقيق الإيمان، ليصح الترقي منه إلى رتبة الإيقان، وهو مثل نحو ما تقدم في مطلق قوله، : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وذكر عن الخليل، ﵊، أنه نظر إلى بدن دابة توزعها دواب البحر ودواب البر، وطير الهواء، فتعجب منها وقال: يارب، قد علمت لتجمعنها، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك، فإنما ينبني يقين العيان على تحقيق الإيمان.
﴿وَلَكِنْ﴾ أريد المعاينة ﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾ من الطمأنينة، وهي الهدوء والسكون على سواء الخلقة واعتدال الخلق ﴿قَلْبِي﴾ من فطر على نيل شيء جبل على الشوق له، فلما كان إبراهيم، ﵊، متهيئا لقبول الطمأنينة قذف في قلبه طلبها، فأجابه الله بما قد هيأه له، فضرب، ، له مثلا أراه إياه، جعله جرى العيان جلي الإيقان، وذلك أن الله،
стр. 433
تعالى سبحانه، هو الأحد الذي لا يعد ولا يحد، وكان من تنزل تجليه لعباده أنه الإله الواحد، والواحد بريء من العد، فكان أول ظهور الخلق هو أول ظهور العد، فأول العدد الاثنان ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ فالاثنان عد هو خلق كل [واحد] منهما واحد، فجعل تعالى اثنين كل واحد منهما اثنان، لتكون الاثنينية فيه كلا وجزء، فيكون زوجا من زوج، فكان ذلك العد هو الأربع، فجعله الله، ، أصلا لمخلوقاته، فكان جملتها وتره، فجعل الأقوات من أربع: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ وجعل الأركان التي خلق منها صور المخلوقات أربعا، وجعل الأقطار أربعا، وجعل الأعمار أربعا، وقال، ﵊: "خير الرفقاء أربعة، وخير البعوث أربعون، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف" والمربعات في أصول الخلق وكثيرة، تتبعها العلماء، واطلع عليها الحكماء ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية.
ولما كان خلق آدم وسائر المخلوقات من مداد الأركان التي هي: الماء والتراب، والهواء
стр. 434
والنار، فأظهر منها الصور ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ ثم أظهر، ، قهره بإماتته وإفناء صوره، "كل ابن آدم ياكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق، وفيه يركب" فكان بددها في أربعة أقطار: شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، أدى خليله، ﵊، كيف يدعو خلقه من أقطار آفاقه الأربعة بعد بددها واختلاطها والتئام أجزائها على غير حدها.
يقال إن عليا، رضي الله تعالى عنه، ضرب بيده على قدح من فخار فقال: كم فيه من خد أسيل، وعين كحيل! ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾.
فأرى خليله، ﵊، مثلا من جملة ذلك ﴿قَالَ فَخُذْ﴾ بالفاء تحقيقا لمقاله، وتصديقا فيما تحقق من إيمانه، وإبداء لاستحقاقه اليقين والطمأنينة بتقرر إيمائه. ﴿أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ هو اسم جمع من معنى ما منه الطيران، وهو الخفة من ثقل ماليس من شأنه أن يعلو في الهواء، جعل، تعالى، المثل من الطير، لأن الأركان المجتمعة في الأبدان طوائر تطير إلى أوكارها ومراكزها التي حددها الله، تعالى، لها، جعلا فيها، لا طبعا واجبا منها، فإن الله، ، هو الحكيم الذي جعل الحكمة، فمن أشهده الحكمة وأشهده أنه جاعلها فهو حكيمها، ومن أشهده الحكمة الدنياويه، ولم يشهده أنه جاعلها فهو جاهلها. فالحكمة شهود الحكمة مجعولة
стр. 435
من الله كل ماهية ممهاة، وكل معنوية ممعناة، وكل حقيقة محققة، فالطبع وما فيه جعل من الله، من جهله ألحد، (٣٣٢) ومن تحققه وحد.
كذلك المعقول وما فيه أقباس من الله وإرادة من أمر الله، من تقيد به وأعتقده لاينفك نسبة الحد في الطبع، وأحتاج إلى ملجإ فتن التأويل في غيب الشعر، وكل ماسوى الحق موضوع معطى حظا وحداً ينال ما أعطى، ويعجز عما فوقه، للعقول حد تقف عنده لاتتعداه، فلذلك جعلها تعالى طوائر يقهرها قفص الصورة وتمام التسوية، ويظهر تماسكها نفح الروح - انتهى.
﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قال الحرالى: من الصور وهو استمالة القلوب بالإحسان حتى يشتد إلى المستميل صغوها وميلها.
وإشعاره ينبىء، والله أعلم، أن إبراهيم، ﵊، رباهن وغذاهن حتى عرفنه ليكون ذلك مثل لما لله، ، في خلقه من تربيتهم بخلقهم ورزقهم، حتى عرفوه بما أحتاجوا إليه، فوجدوه معرفة عجز عنه، لا معرفة نيل له، فمتى دعاهم من أقطار الآفاق أجابوه إجابة
стр. 436
هذه الطوائر لحلوله لخليله، يسير من تربيته لهن، إذا كانت هده الأربعة مجيبة [للخليل ﵇] بهذا الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف. تكون إجابته الجملة للجليل العزيز الحكيم!
قال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ﴾ عطفا بكلمة المهلة تجاوزا بعد تربيتهن عن ذبحهن ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لايبين في جملتها شيء من الصور الذابهة كما تصير المواليد ترابا عند موتها وتبددها صورة واحدة ترابية، ليتطابق المثل والممثول مطابقة تامة، إلى ماورإء ذلك من مجاوزة عبرة وروية ﴿عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾ من الجبال القريبة إليك ﴿مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ والجزء بعض من كل يشابهه، كالقطعة س الذهب ونحوه، فجعل الجبال مثل الأقطار،، هو لارتفاعها أمكن في الرؤية وأبعد من الاشتباه ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ فما كان بالصيحة والزجرة من الممثول كان بالدعاء في المثل، كما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان بالصور في المثل، وجعله جزء حيث كان
стр. 437
يشبه بعضه بعضا. ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ والسعي هو العدو والقصد المسرع يكون في الحس والمعنى، في إتيان الطائر طائراً حظ من منته، وفي إتيانه سعيا حظ من ذلته، فلذلك جلبهن عليه سعيا بحال المتذلل الطالب للرزق والأمنة من اليد التي عهد منها الرزق، والجنبة التي ألف منها الأمن، فبدأ المثل مطابقا للممثول، وغايته مرأى عين، فصار موقنا مطمئنا، وليس ذلك بأعجب من مشي الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى، إلى خدمة ولده المصطفى، ﷺ ، وكذا إلحام يد معوذ بن عفراء، بعدما قطعت، وجاء يحملها، كما ذكر في السير في غزوة بدر، فصارت مثل أختها، في أشياء من أمثال ذلك.
على أنه قد كان له من إحياء الموتى ما أذكره في آل عمران، وكان لآحاد أمته من ذلك ما ذكره البيهقي في الدلائل منه عددا كثيرا. وإنما لم يكثر ذلك على يده، ﷺ ، لأنه مرسل إلى قوم لا يقرون بالبعث، ومحط الإيمان التصديق بالغيب
فلو كثر وقوع ذلك له، ﷺ ، لكشف الغطاء، وإذا انكشف الغطاء عوجل من تخلف عن الإيمان بالعذاب، وهو نبي الرحمة، ﷺ .
стр. 438
وأما عيسى، ﵊، فكان في قوم يؤمنون بالآخرة، ففعله ذلك لإظهار المعجزة بنوع أعلى مما كانوا يصلون إليه بالطب، على أنه لا فرق في إظهار الخارق بين واحد وأكثر، والله، ، الموفق.
ولما أراه، ، ملكوت الأرض، صارت تلك الرؤية علما على عزة الله من وراء الملكوت في محل الجبروت، فقال: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ﴾ أي المحيط علما وقدرة ﴿عَزِيزٌ﴾. ولما كان للعزة صولة لا تقوى لها فطر المخترعين، نزل، تعالى، الخطاب إلى محل حكمته، فقال: ﴿حَكِيمٌ﴾ فكان فيه إشعار بأنه، ، جعل الأشياء بعضها من بعض كائنة، وبعضها إلى بعض عامدة، [وبعضها من ذلك البعض معادة ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ وهذه] الحكمة التي أشار إليها اسمه الحكيم حكمة ملكوتية جامعة لوصلة ما بين حكمة الدنيا وحكمة الآخرة، لأن الحكيم بالحقيقة ليس من علمه الله حكمة الدنيا، وألبس عليه وجعله لها، بل ذلك جاهلها كما تقدم،
стр. 439
إنما الحكيم الذي أشهده حكمة الدنيا أرضا وأفلاكا ونجوما وآفاقا وموالد وتوالدا، وأشهده أنه حكيمها، ومزج له علم حكمة موجود الدنيا بعلم حكمة موجود الآخرة، وأراه كيفية توالج الحكمتين بعضها في بعض ومآل بعضها إلى بعض، حتى يشهد دوران الأشياء في حكمة أمر الآخرة التي هي غيب الدنيا إلى مشهود حكمة الدنيا، ثم إلى مشهود حكمة الآخرة، كذلك عوداً على بدء، وبدءا على عود، في ظهور غيب الإبداء إلى مشهوده، وفي عود مشهودة إلى غيبه: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ كذلك إلى المعاد الأعظم الإنساني ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ فهذا هو الحكيم المتوسط الحكمة.
ثم وراء ذلك أمر آخر من على أمر الله في متعالي تجلياته بأسماء وأوصاف يتعالى ويتعاظم للمؤمنين، ويتبارك ويستعلن للموقنين الموحدين، فله، ، العزة في خلقه وأمره، وله الحكمة في خلقه وأمره، ومن ورائها كلمته التي لا ينفد تفصيل حكمتها ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الآية. وكلماته لاتحد
стр. 440
ولا تعد ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ الآية، فهو العزيز الحكيم العلي العظيم - انتهى.
﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الحب، وهو تمام النبات المنتهي إلى صلاحية كونه طعاما للآدمي الذي هو أتم الخلق، فالحب أكمل من الثمرة طعامية، والثمرة إدامية.
﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو مجتمع الحب في أكمامه، كأنه آية استحقاق اجتماع أهل ذلك الرزق في تعاونهم في أمرهم، وتعريف بأن الحب يجمعه لا بوحدته.
﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: فضرب المثل للإنفاق في سيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام بالحرث، الذي هو كيميا عباده، يشهدون من تثميره حيث تصير الحبة أصلا، ويثمر الأصل سنابل، ويكود في كل سنبلة أعداد من الحب، فكان ما ذكر، تعالى، هو أول الإنفاق في سبيل الله، وذكر السبع لما فيه من التمام، وما يقبله من التكثير، فإن ما أنبت أكثر من سبع، إذا قصد بالتكثير، أنبأ عنه بالسبع، لأن العرب تكثر به ما هو أقل منه أو أكثر، فجعل أدنى النفقة في سيل الله سبعمائة ضعف، ثم فتح، تعالى، باب التضعيف إلى ما لا يصل إليه عد - انتهى.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
وقال الْحَرَالِّي: [و -] لما كان للخلافة، وخصوصا
стр. 441
بالإنفاق، موقع من النفس بوجوه، مما ينقص التضعيف أو يبطله، كالذي يطرأ على الحرث الذي ضرب به المثل، مما ينقص نباته أو يستأصله، نبه، تعالى، على ما يبطل - انتهى.
﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو ذكره لمن أنفق عليه، فيكون قطعا لوصله بالإغضاء عنه، لأن أصل معنى المن القطع ﴿وَلَا أَذًى﴾ وهو ذكره لغيره فيؤذيه بذلك، لما يتعالى عليه بإنفاقه - انتهى.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو ما لا يوجع قلب المتعرض بحسب حاله وحال القائل.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا﴾
قال الْحَرَالِّي: فبين أن ما اشترطه في الأحر المطلق مبطل للإنفاق - انتهى.
﴿صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾
قال الْحَرَالِّي: فألحق عمل الإخلاص بآفة ما تعقبه بما بنى على أصل الرياء - انتهى.
﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾
قال الْحَرَالِّي: هو الفعل المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق وعماية عنه.
قال الْحَرَالِّي: ولما ضرب مثلا لنماء النفقة بالحرث ضرب مثلا لإبطالها بخطأ الحارث في الحرث فقال: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ في إنفاقه مقارنا لما يفسده، ومثل نفقته ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وما زرع عليه، وهو صيغة مبالغة من الصفا، وهي الحجارة الملس الصلبة التي [لا] تقبل انصداعها بالنبات - انتهى.
стр. 442
﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ فجعل قلب المؤذي المنان بمنزلة الصفوان الذي أصابه وابل المطر، فأذهب عائد نفقته، كما أذهب بذر الحارث على الصفوان وابل المطر الذي شأنه أن يصلح البذر. قاله الْحَرَالِّي، وفيه تصرف.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ﴾
قال الْحَرَالِّي: عطفا على ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ عطف مقابلة وعلى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عطف مناسبة - انتهى.
﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: والمرضاة مفعلة لتكرر الرضى ودوامه - انتهى.
﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: ولما كان حرث الدين حبا وثمراً جعل نفقات الأخرى كذلك حبا وثمرا، فمن أنفق في السبيل جعل مثله كالحب، ومن أنفق ابتغاء لمرضاة الله جعل مثله كالجنة التي لها أصل ثابت تدور عليها الثمرات [وهي ثابتة -] وتستغني من الماء بما لا يستغني به الحرث، لأن الحرث مستجد
стр. 443
في كل وقت، كما أن الجهاد واقع عند الحاجة إليه، والمنفق ابتغاء مرضاة الله ينفق في كل وجه دائم الإنفاق، فكان مثله مثل الجنة الدائمة، ليتطابق المثلان بالممثولين، فعمت هذه النفقة جهات الإنفاق كلها في جميع سبل الخير - انتهى.
﴿بِرَبْوَةٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: في إعلامه أن خير الجنات ما كان في الربوة لتنالها الشمس وتخترقها الرياح اللواقح، فأما ما كان من الجنان في الوهاد تجاوزتها الرياح اللواقح من فوقها فضعفت حياتها لأن الرياح هي حياة النبات "الريح من نفس الرحمان" - انتهى.
﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾
قال الْحَرَالِّي: الطل [سن] من أسنان المطر، خفي لا يدركه الحس حتى يجتمع، فإن المطر ينزل خفيا عن الحس، وهو الطل، ثم يبدو بلطافة وهو الطش، ثم يقول وهو الرش، ثم يتزايد ويتصل وهو الهطل، ثم يكثر ويتقارب وهو الوابل، ثم يعظم سكبه وهو الجود، فله أسنان مما لا يناله الحس للطافته، إلى ما لا يحمله الحس كثرة - انتهى.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
وقال الْحَرَالِّي: ولما ئراجع خبر الإنفاقين ومقابلهما تراجعت أمثالها، فضرب لمن ينفق مقابلا لمن يبتغي مرضاة الله، تعالى،
стр. 444
مثلا بالجنة المخلفة - انتهى.
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ أي حديقة تستر داخلها، وعين هنا ما أبهمه في المثل الأول فقال: ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾ جمع نخلة وهي الشجرة القائمة على ساق الحية من أعلاها أشبه بالآدمي، ثابت ورقها، مغذ مؤدم ثمرها، في كليتها نفعها حتى في خشبها طعام للآدمى، بخلاف سائر الشجر، مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله. ﴿وَأَعْنَابٍ﴾ جمع عنب، وهو شجر متكرم، لا يختص ذهابة بجهة العلو اختصاص النخلة، بل يتفرع علوا وسفلا، ويمنة ويسرة مثله مثل المؤمن المتقي الذي يكرم بتقواه في كل جهة - قاله الْحَرَالِّي.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾
وقال الْحَرَالِّي: وفي إشعاره تكلف ذلك فيها بخلاف الأولى التي هي بعل، فإن الجائحة في السقي أشد على الهالك منها في البعل، لقلة الكلفة في البعل، ولشدة الكلف في السقي - انتهى.
﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: صيغة اشتداد بزيادة الهمزة والألف فيه، من
стр. 445
العصر، وهو [الشدة المخرجة لخبء الأشياء، والإعصار ريح شديدة في غيم يكون فيها حدة من برد الزمهرير، وهو] أحد قسمي النار، نظيره من السعير السموم.
﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الاحتراق، وهو ذهاب روح الشيء وصورته ذهابا وحيا بإصابة قاصف لطيف يشيع في كليته فيذهبه ويفنيه، فجعل المثل الأول في الحب أي الذي على الصفوان بآفة من تحته، وجعل المثل في الجنة بجائحة من فوقه، كأنهما جهتا طرو العلل والآفات من جهة أصل أو فرع - انتهى.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: فتبنون الأمور على تثبيت، لأخير في عبادة إلا بتفكر، كما أن الباني لابد أن يفكر في بنائه. كما قال الحكيم: "أول الفكرة آخر العمل، وأول العمل آخر الفكرة" كذلك من حق أعمال الدين أن لاتقع إلا بفكرة في إصلاح أوائلها السابقة، وأواخرها اللاحقة، فكانوا في ذلك صنفين، بما يشعر به ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ مطابقين للمثل: متفكر مضاعف حرثه وجنته، وعامل [بغير فكرة] تستهويه أهواء نفسه، فتلحقه الآفة في عمله في حرثه وجنته من سابقه أو لاحقه - انتهى.
﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾
قال الْحَرَالِّي: قدم خطاب المكتسبين بأعمالهم، كأنهم المهاجرون، وعطف عليهم المنفقين من الحرث والزرع، كأنهم الأنصار - انتهى.
стр. 446
﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: الخبيث صيغة مبالغة بزيادة الياء، من الخبث، وهو ما ينافر حس النفس: ظاهره وباطنه، في مقابله ما يرتاح إليه من الطيب، الذي ينبسط إليه ظاهراً وباطنا.
وقال ففي إلاحته معنى حصر، كأنهم لا ينفقون إلا منه، ليتجاوز النهي من ينفق من طيبه وخبيثه على غير قصد اختصاص النفقة من الخبيث - انتهى.
﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: من الإغماض، وهو الإغضاء عن العيب فيما يستعمل، أصله من الغمض، وهي نومة تغشي الحس، ثم تنقشع.
وقال: ولما كان الآخذ هو الله، ، ختم بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ - انتهى.
﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
قال الْحَرَالِّي وهي صيغة مبالغة، بزيادة ياء، من الحمد الذي هو سواء أمر الله الذي لا تفاوت فيه من جهة إبدائه، وافق الأنفس أو خالفها.
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾
قال الْحَرَالِّي: الذي لخوفه تقاطع أهل الدنيا، وتدابروا وحرصوا وادخروا، وكل ذلك لا يزيل الفقر، كل حريص فقير، ولو ملكوا الدنيا، وكل
مقتنع غني، ومن حق من كان عبدا لغني أن يتحقق أنه غني يغني سيده، ففي
стр. 447
خوف الفقر إباق العبد عن ربه، والفقر فقد ما إليه الحاجة في وقت من قيام المرء في ظاهره وباطنه - انتهى.
﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾
وقال الْحَرَالِّي: وكل ما اجتمعت عليه استقباحات العقل والشرع والطبع فهو فحشاء، وأعظم مراد بها هنا البخل، الذي [هو -] أدوأ داء، لمناسبة ذكر الفقر، وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة، ويلازمه الحرص، ويتابعه الحسد، ويتلاحق به الشر كله. [انتهى] وفيه تصرف.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: وفي إشعاره توهين لكيد الشيطان، ووعد كريم للمفتون بخوف الفقر، وعمل الفحشاء، لما علمه من ضعف الأنفس، وسرعة قبولها من الوسواس - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: ولما أبدى، ، أمر الآخرة وأظهر ما فيها، وبين أمر الدنيا من الترتيب والتسبيب، ورجع بعضها على بعض عودا على بدء، أنبأ تعالى أن ذلك من حكمته، وأنهى الحكمة لما فيها من استيفاء حكمة الدارين، فليس الحكيم من علم أمر الدنيا، بل من علم أمر ما بين الدنيا والآخرة، فداوى أدواء الدنيا بدواء الآخرة، وداوى النفس بدواء الدارين، وضم
стр. 448
جوامعها في تيسير الكلم كما ضمها لمن اصطفاه: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ فقال، : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ - انتهى.
﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
قال الْحَرَالِّي مامعناه: أنه نكره لما في الحكمة من التسبب الذي هو كلفة، ولو يسرت، فكان الخير الكثير المعرف في الكلمة، بما فيها من اليسر والحياطة والإنالة [الذي -] لا ينال منه منال بسبب، وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء، فيصير، ، سمعه وبصره - إلى آخره.
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
وقال الْحَرَالِّي: الذين لهم لب العقل الذي ينال لب الحس، كأن الدنيا قشر ينال بظاهر العقل، والآخرة لب تنال بلب العقل؛ ظاهرا لظاهر، وباطنا لباطن، من تذكر ابتداء من الابتداءات السابقة ورد عليه فضل الله منه. من رجع من حسه إلى نفسه، تنشأت له أوصاف الفضائل النفسانية وترقى عما في محسوسه عن المهاوي الشهوانية، ومن تخلص من نفسه إلى روحه تحسس بالوصلة الرحمانية والمحبة الربانية. كذلك من ترقي من روحه إلى أمره تحقق بالإحاطة الوحدانية، ومن استبطن من أمره إلى سره اجتمع إلى الأولية الفردانية.
стр. 449
فهذا الترتيب من كمالات هذه الحكمة المؤتاة المنزلة بالوحي في هذا الكتاب الجامع لنبأ ما سبق، وخبر ما لحق، وباطن ما ظهر. انهى، تعالى، إلى ذكرها أعمال الخلق، وخصوصا في الجود بالموجود، كما أنهى إقامة مبنى الدين بظهور وجوده، فأنهى تنزيل أمره بظهور وجوده، وأنهى استخلاف عباده بالانتهاء إلى مدد جوده، فكان أعلى الحكمة الجود [بالموجود -]، فبذلك، والله أعلم، اتصل ذكر آية الحكمة بالإنفاق نظما، وبآية الكرسي مناظرة - انتهى.
﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: والنذر إبرام العدة بخير يستقبل فعله، أو يرتقب له ما يلتزم به، وهو أدنى الإنفاق، لاسيما إذا كان على وجه الاشتراط، قال ﷺ : "إنما يستخرج به من البخيل " - انتهى.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخي، وبيد الكريم، كلما عثر، فيجد له نصيراً، ولا يجد الظالم بوضع القهر موضع البر ناصرا، وفيه استغراق نفي بما تعرب عنه كلمة "من" - انتهى.
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي من أدنى النفقة، ولذلك
стр. 450
لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، لأنها طهرة وغسول، يعافها أهل الرتبة [العلية -] والاصطفاء.
وقال: والهدية أجل حق المال، لأنها لمن فوق رتبة المهدي، والهبة لأنها للمثل، ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ فجمع لها الأمداح المبهمة، لأن ﴿نَعَمْ﴾ كلمة مبالغة، تجمع المدح كله و ﴿مَا﴾. كلمة مبهمة، تجمع الممدوح، فتطابقتا في الإبهام.
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
قال الْحَرَالِّي ما معناه: إن الأنصار، رضي الله تعالى عنهم، من أول مراد بهذه الجملة، لأنه، ، جعل فيهم نصرة دينه.
ولما كان المقصود الأعظم في هذه الحكمة وهذا الهدي، إنما هو الهدى للتوسل إلى الجواد بالجود بالنفس والمال النائل عموما القريب والبعيد، والمؤمن والكافر، بمنزلة المطر الجود الذي يأخذ السهل والجبل، حتى كان هذا الخطاب صارفا لقوم
стр. 451
تحرجوا من الصدقة على فقراء الكفار، وصلة قراباتهم منهم فحملوا على عموم الإنفاق - انتهى.
﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ والتعفف تكلف العفة، وهو كف ما ينبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ووجهه. قاله الْحَرَالِّي.
﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهي صيغة مبالغة من السمة والوسم، وهي العلامة الخفية التي تتراءى للمستبصر. انتهى.
﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾
وقال الْحَرَالِّي: هو لزوم ومداومة في الشيء، من حروف الحلف، الذي هو إنهاء الخبر إلى الغاية، كذلك [اللحف] إنهاء السؤال إلى الغاية. انتهى.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أشار إلى ذلك الأستاذ أبو الحسن الْحَرَالِّي فقال فأفضلهم المنفق ليلا سرا، وأنزلهم المنفق نهارا علانية، فهم بذلك أربعة أصناف. انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: ولما كان حال المنفق، لاسيما المبتغي وجه الله، ، أفضل الأحوال، وهو الحال الذي دعوا إليه، نظم به أدنى الأحوال، وهو الذي يتوسل به إلى الأموال بالربا، فأفضل الناس المنفق، وشر الناس المربى، فنظم به
стр. 452
خطاب الربا، فقال: ﴿الَّذِينَ﴾ ولما كان من الصحابة من أكل الربا، عبر بالمضارع، إشارة إلى [أن] هذا الجزاء يخص المصر، فقال: ﴿يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ وهو الزيادة من جنس المزيد عليه، المحدود بوجه ما - انتهى.
﴿لَا يَقُومُونَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة، ففي إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله، ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل، يقبل في محل الإدبار، ويدبر في محل الإقبال. [انتهى].
﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾
وقال الْحَرَالِّي: هو رغبة المالك عما في يده إلى ما في يد غيره، والشراء رغبة المستهلك فيما في يد غيره بمعاوضة بما في يده مما رغب عنه، ولذلك [كل -] شار بائع.
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾
قال الْحَرَالِّي: فيقع الإيثار قهراً، وذلك الجور الذي يقابله العدل الذي غايته الفضل، فأجور الجور في الأموال الربا، وأجور الجور في الربا الربا، كالذي [يقتل -] بقتيل قتيلين، وكل من طفف في ميزان
стр. 453
فتطفيفه ربا بوجه ما، ولذلك تعددت أبواب الربا وتكثرت. قال: ﷺ : "الربا بضع وسبعون بابا والشرك مثل ذلك" وهذا رأسه، وهو ما كانت تتعامل به أهل الجاهلية من قولهم: إما أن تربي، وإما أن تقضي، ثم لحق به سائر أبوابه، فهو انتفاع للمربي، وتضرر للذي يعطي الربا، وهذا أشد الجور بين العبيد الذين حظهم التساوي في أمر بلغة الدنيا، فكما أعلمهم، ، أثر حكمة الخير [في الإنفاق]، أعلمهم أثر حكمه الشر [في الربا في دار الآخرة، وفي غيب أمر الدنيا]، وكما أنه يعجل للمنفق خلفا في الدنيا، كذلك يعجل للمربي محقا في الدنيا، حسبما صرح به الخطاب بعد هذا الإشعار - انتهى.
ولما كان الوعظ، كما
قال الْحَرَالِّي: دعوة الأشياء بما فيها من العبرة للانقياد للإله الحق بما يخوفها ويقبضها في مقابلة التذكير بما يرجيها ويبسطها ... سبب عن ذلك قوله:
стр. 454
﴿فَمَنْ جَاءَهُ﴾
قال الْحَرَالِّي: أطلق الكلمة من علامة التأنيث النازل الرتبة ترفيعا لقدر هذه الموعظة الخفية المدرك، العظيمة الموقع ﴿مَوْعِظَةٌ﴾: بناء مبالغة وإعلاء لما أشعرت المفعلة الزائدة الحروف على أصل لفظ الوعظ، بما يشعر به الميم من التمام، والهاء من الانتهاء، فوضع الأحكام حكمة، والإعلام بثمراتها في الآخرة موعظة تشوق النفس إلى رغبتها ورهبتها - انتهى.
﴿مِنْ رَبِّهِ﴾
قال الْحَرَالِّي: في إشعاره [أن -] من أصل التربية الحمية من هذا الربا - انتهى.
﴿فَانْتَهَى﴾
قال الْحَرَالِّي: أتى بالفاء المعقبة، فلم يجعل [فيه] فسحة ولا قرارا عليه، لما فيه من خبل العقل الذي [هو أصل -] مزية الإنسانية، وإن لم يشعر به حكماء الدنيا ولا أطبائها - انتهى.
﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾
قال الْحَرَالِّي: والسلف هو الأمر الماضي بكليته، الباقي بخلفه.
стр. 455
وقال: في إعلامه إيذان بتحليل ما استقر في أيديهم من ربا الجاهلية ببركة ئوبتهم من استئناف العمل به في الإسلام، لما كان الإسلام يجب ما قبله، وفي طي إشعاره تعريض برده لمن يأخذ لنفسه بالأفضل، ويقوي إشعاره [قوله -] ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ - انتهى.
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾
قال الْحَرَالِّي: والمحق الإذهاب بالكلية بقوة وسطوة.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
قال الْحَرَالِّي: فبين أن الربا والإيمان، لا يجتمعان.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾
قال الْحَرَالِّي: في إشعاره أن طائفة منهم لا يذرونه بعد تحريمه، بما أنهم ليسوا من الذين كانوا مؤمنين - انتهى.
﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: والحرب مدافعة بشدة عن اتساع المدافع بما يطلب منه الخروج عنه، فلا يسمح به، ويدافع عنه بأشد مستطاع، ثم عظم أمرها بإيراد الاسم الأعظم فقال: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
وقال الْحَرَالِّي: الذي هيأه للرحمة، فكان نبي الرحمة محاربا له، فانقطعت وصلته من الرحيم والشفيع - انتهى.
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهو التأخير المرتقب نجازه.
стр. 456
﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: إنباء عن استيلاء اليسر، هي أوسع النظرتين، والباقون بالفتح، إنباء عن توسطها ليكون اليسر في مرتبتين، فمن انتظر إلى أوسع اليسرين كان أفضل توبة - انتهى.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
وقال الْحَرَالِّي: فأعلم، ، أن من وضع كيانه للعلم، فكان ممن يدوم علمه، تنبه، لأن خير الترك خير من خير الأخذ، فأحسن بترك جميعه - انتهى.
وقال الْحَرَالِّي: لما أنهى الخطاب بأمر الدين [و -] علنه، وأمر الآخرة على وجوهها وإظهار حكمتها المرتبطة بأمر الدنيا، وبين أمر الإنفاق والربا الذي هو غاية أمر الدين والدنيا في صلاحهما، وأنهى ذلك إلى الموعظة بوعود جزائه في الدنيا والآخرة، أجمل الموعظة بتقوى يوم الرجعة إلى إحاطة أمره، ليقع الختم بأجمل موعظة وأشملها، ليكون إنتهاء الخطاب على ترهيب الأنفس،
стр. 457
لتجتمع عزائمها على ما هو ملاك أمرها من قبول صلاح دينها ودنياها ومعادها، من خطاب الله، ، لها، فختم ذلك بكمال معناه بهذه الآية، كما أنها هي الآية التي ختم بها التنزيل، أنزلت على النبي، ﷺ ، هو في الشكاية، وهي آخر آية أنزلت على النبي، ﷺ ، في مقابلة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الذي هو أول منزل النبوة [و -] ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ الذي هو أول منزل الرسالة، فكان أول الأمر نذارة، وآخره موعظة تبعث النفس على الخوف، وتبعث القلب على الشوق [من -] معنى ما انختم به أمر خطاب الله، ، في آية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ - انتهى.
﴿ثُمَّ﴾
قال الْحَرَالِّي: وقيل يا رسول الله، أين يكون الناس ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قال في الظلمة دون الجسر. وقال ﷺ : "يقيمون في الظلمة ألف سنة." وورد عن علي، رضي الله تعالى عنه، في
стр. 458
تفصيل مواقف يوم الجزاء، أن الخلق يوقفون على قبورهم ألف سنة، ويساقون إلى المحشر ألف سنة، ويوقفون في الظلمة ألف سنة، ثم يكون انشقاق [السموات] السبع، وتبديل الأرض، وما شاء الله، ، من أمره انتظارا لمجيئه.
ففي عبرة مقاله، والله أعلم، أن ذلك يكون ستة آلاف سنة، وأنها كما بنيت في ستة أيام تهدم في ستة أيام، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فيكون ذلك تسعة أيام، ويكون مجيئه في اليوم العاشر الذي يوم عاشوراء، ذلك اليوم الذي تكرر مجيئ أمره فيه في يوم الدنيا، ثم وصف، ﷺ المواقف إلى منتهاها - انتهى.
﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾
قال الْحَرَالِّي: جاء بصيغة فعل المشعر
стр. 459
بجري العمل على غير تكلف وتحمل، ففي إشعاره أنها توفى ما كسبت من الخير، وما كونت له من الشر، وأن ما تكلفته من الشر، وفي دخلتها كراهية، ربما غفر لها، حيث لم تكن توفى ما كسبت وما أكتسبت، كما قال في الآية التي بعدها ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فكان مكتسبها عليها، وربما غفر لها، فإنها وفيت ما كسبته من الشر واشتمل عليه ظاهرها وباطنها حتى يسرت له - انتهى.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
قال الْحَرَالِّي: وهذه الآية ختم للتنزيل، وختم لتمام المعنى في هذه السورة، التي هي سنام القرآن وفسطاطه، وختم لكل موعظة وكل ختم، فهو من خواص المحمدية الجامعة المفصلة من سورة الحمد، المشيرة إلى تفاصيل عظيم أمر الله: في حقه، وفي خلقه، وفيما بينه وبين خلقه - انتهى.
﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ من التداين تفاعل بين اثنين، من الدين، والدين في الأمر الظاهر معاملة على تأخير، كما أن الدين بالكسر فيما بين العبد وبين الله، ، معاملة على تأخير - قاله الْحَرَالِّي.
стр. 460
﴿بِدَيْنٍ﴾
قال الْحَرَالِّي: فكان في إعلامه أي بالإتيان بصيغة ﴿إِذَا﴾ أنهم لابد أن يتداينوا، لأنها حين منتظر في أغلب معناها.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾
قال الْحَرَالِّي: من التسمية وهي إبداء الشيء باسمه للسمع في معنى المصور، وهو إبداء الشيء بصورته في العين.
﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ من الإملال، وهو إلقاء ما تشتمل عليه الضمائر على اللسان قولا، وعلى الكتاب رسما. قاله الْحَرَالِّي.
﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾
قال الْحَرَالِّي: فجعل لسان الولي لسان المولى عليه، فكان فيه مثل لما نزل به الكتاب من إجراء كلام الله، ، على ألسنة خلقه في نحو ما تقدم من قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وما تفصل منها. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أمل ما عليهم من الحقوق له، فجعل كلاما من كلامه يتلونه، فكان الإملال منه لهم لتقاصرهم عن واجب حقه، تقاصر السفيه ومن معه، عن إملال وليه عنه لرشده وقوته وتمكن استطاعته - انتهى.
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾
قال الْحَرَالِّي: فجعل شهادة الدين باثنين، كما جعل
следующие страницы →