← Тафсир

Тафсир · id 26539

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

الحرالي، أبو الحسن

Полный текст (573 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ قال الْحَرَالِّي: إنباء عن استيلاء اليسر، هي أوسع النظرتين، والباقون بالفتح، إنباء عن توسطها ليكون اليسر في مرتبتين، فمن انتظر إلى أوسع اليسرين كان أفضل توبة - انتهى. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: فأعلم، ، أن من وضع كيانه للعلم، فكان ممن يدوم علمه، تنبه، لأن خير الترك خير من خير الأخذ، فأحسن بترك جميعه - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: لما أنهى الخطاب بأمر الدين [و -] علنه، وأمر الآخرة على وجوهها وإظهار حكمتها المرتبطة بأمر الدنيا، وبين أمر الإنفاق والربا الذي هو غاية أمر الدين والدنيا في صلاحهما، وأنهى ذلك إلى الموعظة بوعود جزائه في الدنيا والآخرة، أجمل الموعظة بتقوى يوم الرجعة إلى إحاطة أمره، ليقع الختم بأجمل موعظة وأشملها، ليكون إنتهاء الخطاب على ترهيب الأنفس،

стр. 457

لتجتمع عزائمها على ما هو ملاك أمرها من قبول صلاح دينها ودنياها ومعادها، من خطاب الله، ، لها، فختم ذلك بكمال معناه بهذه الآية، كما أنها هي الآية التي ختم بها التنزيل، أنزلت على النبي، ﷺ ، هو في الشكاية، وهي آخر آية أنزلت على النبي، ﷺ ، في مقابلة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الذي هو أول منزل النبوة [و -] ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ الذي هو أول منزل الرسالة، فكان أول الأمر نذارة، وآخره موعظة تبعث النفس على الخوف، وتبعث القلب على الشوق [من -] معنى ما انختم به أمر خطاب الله، ، في آية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ - انتهى. ﴿ثُمَّ﴾ قال الْحَرَالِّي: وقيل يا رسول الله، أين يكون الناس ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قال في الظلمة دون الجسر. وقال ﷺ : "يقيمون في الظلمة ألف سنة." وورد عن علي، رضي الله تعالى عنه، في

стр. 458

تفصيل مواقف يوم الجزاء، أن الخلق يوقفون على قبورهم ألف سنة، ويساقون إلى المحشر ألف سنة، ويوقفون في الظلمة ألف سنة، ثم يكون انشقاق [السموات] السبع، وتبديل الأرض، وما شاء الله، ، من أمره انتظارا لمجيئه. ففي عبرة مقاله، والله أعلم، أن ذلك يكون ستة آلاف سنة، وأنها كما بنيت في ستة أيام تهدم في ستة أيام، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فيكون ذلك تسعة أيام، ويكون مجيئه في اليوم العاشر الذي يوم عاشوراء، ذلك اليوم الذي تكرر مجيئ أمره فيه في يوم الدنيا، ثم وصف، ﷺ المواقف إلى منتهاها - انتهى. ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ قال الْحَرَالِّي: جاء بصيغة فعل المشعر

стр. 459

بجري العمل على غير تكلف وتحمل، ففي إشعاره أنها توفى ما كسبت من الخير، وما كونت له من الشر، وأن ما تكلفته من الشر، وفي دخلتها كراهية، ربما غفر لها، حيث لم تكن توفى ما كسبت وما أكتسبت، كما قال في الآية التي بعدها ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فكان مكتسبها عليها، وربما غفر لها، فإنها وفيت ما كسبته من الشر واشتمل عليه ظاهرها وباطنها حتى يسرت له - انتهى. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهذه الآية ختم للتنزيل، وختم لتمام المعنى في هذه السورة، التي هي سنام القرآن وفسطاطه، وختم لكل موعظة وكل ختم، فهو من خواص المحمدية الجامعة المفصلة من سورة الحمد، المشيرة إلى تفاصيل عظيم أمر الله: في حقه، وفي خلقه، وفيما بينه وبين خلقه - انتهى. ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ من التداين تفاعل بين اثنين، من الدين، والدين في الأمر الظاهر معاملة على تأخير، كما أن الدين بالكسر فيما بين العبد وبين الله، ، معاملة على تأخير - قاله الْحَرَالِّي.

стр. 460

﴿بِدَيْنٍ﴾ قال الْحَرَالِّي: فكان في إعلامه أي بالإتيان بصيغة ﴿إِذَا﴾ أنهم لابد أن يتداينوا، لأنها حين منتظر في أغلب معناها. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال الْحَرَالِّي: من التسمية وهي إبداء الشيء باسمه للسمع في معنى المصور، وهو إبداء الشيء بصورته في العين. ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ من الإملال، وهو إلقاء ما تشتمل عليه الضمائر على اللسان قولا، وعلى الكتاب رسما. قاله الْحَرَالِّي. ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فجعل لسان الولي لسان المولى عليه، فكان فيه مثل لما نزل به الكتاب من إجراء كلام الله، ، على ألسنة خلقه في نحو ما تقدم من قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وما تفصل منها. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أمل ما عليهم من الحقوق له، فجعل كلاما من كلامه يتلونه، فكان الإملال منه لهم لتقاصرهم عن واجب حقه، تقاصر السفيه ومن معه، عن إملال وليه عنه لرشده وقوته وتمكن استطاعته - انتهى. ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فجعل شهادة الدين باثنين، كما جعل

стр. 461

الشاهد في الدين اثنين: شاهد التفكر في الآيات المرئية، وشاهد التدبر للآيات المسموعة، [و -] في صيغة [فعيل -] مبالغة في المعنى في تحقيق الوصف بالاستبصار والخبرة - انتهى. ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: ولكثرة المداينة وعمومها وسع فيها الشهادة فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ [أي الشاهدان -] ﴿رَجُلَيْنِ﴾ أي على صفة الرجولية، كلاهما. ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وفي عموم معنى الكون إشعار بتطرق شهادة المرأتين مع إمكان طلب الرجل بوجه ما، من حيث لم يكن، فإن لم تجدوا، ففيه تهدف للخلاف بوجه ما، من حيث إن شمول الكتاب توسعة في العلم، سواء كان على تساو أو على ترتيب. ولما كن ناقصات عقل ودين جعل ثنتان منهن مكان رجل - انتهى. ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي مفهوم الشهادة استبصار نظر الشاهد، لما في الشهود من إدراك معنى خفي في صورة ظاهر، يهدي إليها النظر النافذ - انتهى. ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ قال الْحَرَالِّي: بما هي أعرف بمداخل الضلال عليها،

стр. 462

لأن المتقاربين أقرب في التعاون، وفي قراءتي التخفيف والتثقيل إشعار بتصنيف النساء صنفين في رتبة هذه الشهادة: من يلحقها الضلال عن بعض ما شهدت فيه حتى تذكر بالتخفيف ولا يتكرر عليها ذلك، ومن شأنها أن يتكرر عليها ذلك، وفي إبهامه بلفظ إحدى، أي من غير اقتصار على الضمير الذي يعين ما يرجع إليه، إشعار أن ذلك يقع بينهما متناوبا، حتى ربما ضلت هذه عن وجه، وضلت تلك عن وجه آخر، فأذكرت كل واحدة منهما صاحبتها، فلذلك يقوم بهما معا شاهد واحد حافظ - انتهى. ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: بناء مبالغة، وهو أشد الملالة، ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أي لا تفعلوا فعل السئيم، فتتركوا كتابته. ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾ قال الْحَرَالِّي: ولم يكن قليلا أو كثيرا، لأن الكثرة والقلة واقعة بالنسبة للشيء المعدود في ذاته، والصغير والكبير يقع بالنسبة إلى المداين، فربما كان الكثير في العدد صغير القدر عند الرجل الجليل المقدار، وربما كان القليل العدد الكثير بالنسبة للرجل المشاحح فيه، فكان الصغر والكبر أشمل وأرجع إلى حال المداين الذي هو المخاطب بأن يكتب - انتهى. ﴿ذَلِكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: ولبيانه ووضوحه عندهم لم يكن إقبالا على النبي، ﷺ ، الذي يقبل عليه في الأمور الخفية - انتهى. ﴿أَقْسَطُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ﴿أَقْسَطُ﴾ من الإقساط، وهو وضع القسط، وهو حفظ الموازنة حتى لا تخرج إلى تطفيف. ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ قال الْحَرَالِّي: ففي إشعاره أنه ربما داخل الرجل والرجلين نحو ما داخل المرأتين، فيكون الكتاب مقيما لشهادتهما، فنفى عن الرجال

стр. 463

الريبة بالكتاب، كما نفى عن النساء الضلال بالذكر - انتهى. ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: من أصل الدور، وهو رجوع الشيء عوداً على بدئه. ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففي إلاحته تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده، ويعين على الائتمار لأمر ربه، بما يدفع عنه من ضرر عطلته واستعماله في أمر من أمور دنياه، ففي تعريضه إجازة لما ياخذه الكاتب، ومن يدعى لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض له فيما يضره التخلي عنه - انتهى. ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي صيغة فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة - انتهى. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ بصيغة الدوام، إيذان بما يستمر به التعليم من دون هذا المنال. [انتهى]. ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وقرئ فرهن، وكلاهما جمع رهن، بالفتح والإسكان، وهو التوثقة بالشيء مما يعاد له بوجه ما. ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ من الائتمان، وهو طلب الأمانة، وهو إيداع الشيء

стр. 464

لحفيظته، حتى يعاد إلى المؤمن. قاله الْحَرَالِّي. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: فأنهى أمر ما بين الحق والخلق ممثولا وأمر ما بين الخلق والخلق مثلا - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: ولما كان أول السورة إظهار كتاب التقدير في التذكير الأول، كان ختمها إبداء أثر ذلك الكتاب [الأول -] في الأعمال والجزاء، التي هي الغاية في ابتداء أمر التقدير، فوقع الختم بأنه سلب الخلق [ما -] في أيديهم، مما أبدوه وما أخفوا من أهل السموات والأرض - انتهى. ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: من الإخفاء، وهو تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علم يهتدي إليه من جهته. ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾ من المحاسبة، مفاعلة من الحساب والحسب، وهو استيفاء الأعداد فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة والباطنة. ﴿بِهِ اللَّهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي ضمن هذا الخطاب، لأولي الفهم، إنباء بأن الله، ، إذا عاجل العبد بالحساب بحكم ما يفهمه ترتيب الحساب على وقوع العمل، حيث لم يكن فيحاسبكم مثلا، فقد أعظم اللطف به، لأن من حوسب بعمله عاجلا في الدنيا، خف جزاؤه عليه، حيث يكفر عنه بالشوكة

стр. 465

يشاكها، حتى بالقلم يسقط من يد الكاتب، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه، حتى يموت على طهارة من ذنوبه [وفراغ من حسابه -]، كالذي يتعاهد بدنه وثوبه بالتنظيف، فلا يتسخ ولا يدرن، ولا يزال نظيفا - انتهى فيه تصرف. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: فسلب بهذه الآية القدرة عن جميع الخلق - انتهى. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فقبل الرسول هذا الحساب الأول العاجل الميسر ليستوفي أمره منه وحظه في دنياه، قال، ﷺ ، لما قالت [له -] فاطمة، رضي الله تعالى عنها عند موته: واكرباه! "لا كرب على أبيك بعد اليوم" وقال ﷺ ، فيما رواه أبو نعيم في الحلية، عن أنس، رضي الله تعالى عنه: "ما أوذي أحد في الله ما أوذيت" فنال حظه من حكمة ربه في دنياه، حتى كان يوعك كما يوعك عشرة رجال، وما شبع من

стр. 466

خبز ثلاثا تباعا عاجلا حتى لقي الله، وكذلك المؤمن لا راحة له دون لقاء ربه، ولا سجن عليه بعد خروجه من دنياه. الحمى حظ كل مؤمن من النار - انتهى. ﴿كُلَّ﴾ قال الْحَرَالِّي: فجمعهم في كلية، كأن قلوبهم قلب واحد لم يختلفوا، لأن القبول واحد، والرد يقع مختلفا - انتهى. ﴿آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: انقياد لامتثال من البشر. ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ قال الْحَرَالِّي: فشاركوا أهل الكتاب في طليعة الإباء، وخالفوهم في معالجة التوبة والإقرار بالسمع والطاعة، فكان لهؤلاء ما للتائب، وعلى أولئك ما على المصر - انتهى. ﴿غُفْرَانَكَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فهذا القول من الرسول، ﷺ ، كشف عيان، ومن المؤمنين نشء إيمان، ومن القائلين للسمع والطاعة قول إذعان، فهو شامل للجميع، كل على رتبته - انتهى. ﴿رَبَّنَا﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو خطاب قرب، من حيث لم يظهر [فيه] أداة نداء، ولم يجر الله، ، على ألسنة المؤمنين في كتابه العزيز

стр. 467

نداء بعد قط، والغفران فعلان صيغة مبالغة تعطى الملء، ليكون غفرا للظاهر والباطن، وهو مصدر محيط المعنى نازل منزلة الاستغفار، الجامع لما أحاط به الظاهر والباطن، مما أودعته الأنفس التي هي مظهر حكمة الله، ، التي وقع فيها مجموع الغفران والعذاب. ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ففي ضمنه بشرى بتعيين القائلين المذعنين، ومن تبعهم بالقول لحال المغفرة، لأن هذه الحواتيم مقبولة من العبد بمنزلة الفاتحة، لاجتماعهما في كونهما من الكنز الذي تحت العرش، وعلى ما ورد من قوله: "حمدني عبدي" إلى أن قال: "لعبدي ما سأل" وعلى ما ورد في دعاء هذا الختم في قوله: "قد فعلت قد فعلت" وبما ابتدأ تعالى به آية هذا الحساب، وختمها به من سلب الأمر أولا، وسلب القدرة عما سواه آخراً، وكان في الابتداء والختم إقامة عذر القائلين، فوجب لهم تحقق الغفران، كما كان لأبيهم آدم، حيث تلقى الكلمات من ربه. انتهى. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ قال الْحَرَالِّي: وصيغة فعل مجردة تعرب عن أدنى الكسب، فلذلك من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة - انتهى. ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الْحَرَالِّي: والخطأ هو الزلل عن الحد عن غير تعمد، بل مع عزم الإصابة، أو ود أن لا يخطئ، وفي إجرائه من كلام الله، سبحانه

стр. 468

وتعالى، على لسان عباده قبوله - انتهى. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ قال الْحَرَالِّي: هو العهد الثقيل [أي -] الذي في تحمله أشد المشقة - انتهى. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ وقال الْحَرَالِّي: ولما كان قد يلحق من يعفي عن ويغفر له قصور في الرتبة عن منال الحظ من الرحمة، ألحق، تعالى، المعفو عنه المغفور له بالمرحوم ابتداء بقوله: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ أي حتى يستوي المذنب التائب والذي لم يذنب قط في منال الرحمة. ولما ضاعف لهم، تعالى، عفوه ومغفرته ورحمته أنهاهم بذلك إلى محل الخلافة العاصمة: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ فلما صاروا خلفاء تحقق منهم الجهاد لأعداء الله، والقيام بأمر الله، ومنابذة من تولى غير الله، فتحقق أنه لابد أن يشاققهم أعداء وينابذوهم، فعلمهم الذي رحمهم، سبحانه، إسناد أمرهم بالولاية إليه قائلا: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ والمولى هو الولي اللازم الولاية الدائم بها، الدائم عليها، لمن تولاه بإسناد أمره إليه فيما ليس هو بمستطيع له - انتهى بالمعنى. ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ولما كان الختم بذلك مشيرا إلى أنه، تعالى، لما ضاعف لهم عفوه عن الذنب، فلا يعاقب عليه، ومغفرته له بحيث يجعله كأن لم يكن، فلا يذكره أصلا، ولا يعاقب عليه، ورحمته في إيصال المذنب المعفو عنه المغفور له إلى المنازل العالية - أنهاهم إلى رتبة الخلافة في القيام بأمره والجهاد لأعدائه، وإن جل أمرهم، وأعيى حصرهم، كان منبها على أن بداية هذه السورة هداية، وخاتمتها خلافة، فاستوفت تبيين أمر النبوة إلى حد ظهور الخلافة، فكانت سناما للقرآن،

стр. 469

وكان جماع ما في القرآن منضما إلى معانيها، إما لما صرحت به، أو لما ألاحته وأفهمه إفصاح من إفصاحها، كما تنضم هي مع سائر القرآن إلى سورة الفاتحة، فتكون أما للجميع. أفاد ذلك الأستاذ أبو الحسن الْحَرَالِّي. ومن الجوامع العظيمة في أمرها، وشمول معناها المبين لعلو قدرها، ما قال الْحَرَالِّي: إنه لما كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، منزلا حروفا مقطعة المعاني، مخاطبا بها النبي والأئمة، وتفصيل [آيات -] مخاطبا بها عامة الأمة، انتظمت هذه السورة صنفي الخطابين: فافتتحت بـ ﴿الم﴾ حروفا منبئة عن إحاطة بما تضمنته معانيها من إحاطة القائم من معنى الألف، وإحاطة المقام من معنى الميم، وإحاطة الوصلة من معنى اللام، ولما كانت الإحاطة في ثلاث رتب: إحاطة إلهية قيومية، وإحاطة كتابية، وإحاطة تفصيلية، كانت الإحاطة الخاصة بهذه الأحرف [التي -] افتتحت بها هذه السورة إحاطة كتابية متوسطة، فوقع الافتتاح فيما وقع عليه [أمر -] القرآن في تلاوته في الأرض بالرتبة المتوسطة، من حيث هي أقرب للطرفين، وأيسر للاطلاع على الأعلى والقيام بالأدنى، فكان ما كان في القرآن من ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾

стр. 470

ونحوه تفصيل إحاطة من إحاطة [الكتاب -] التي أنزلت فيها سورة البقرة، فكانت مشتملة على إحاطات الكتب الأربعة: كتاب التقدير الذي كتبه الله، سبحانه وتعالي، قبل أن يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد [و] عدد. ورد أن الله كتب الكتاب وقضى القضية وعرشه على الماء، وأن الله، ، قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف عام، وأنه قدر الأرزاق قبل أن يخلق الصور بألفي عام. وكثير من ذلك مما ورد في الأخبار، وفي مقابلة هذا الكتاب، السابق بالتقدير، الكتاب اللاحق بالجزاء الذي كتبه الله، ، ويكتبه أثر تمام الإبداء، باستبقاء الأعمال البادية على أيدي الخلق، الذين ينالهم النعيم والجحيم والأمن والروع والكشف والحجاب. وهذا الكتاب الآخر مطابق للكيان الأول، ويبين بتطرقهما كتاب

стр. 471

الأحكام المتضمن لأمر الدين والدعوة الذي وقعت فيه الهداية والفتنة. ثم كتاب الأعمال الذي كتبه الله، ، في ذوات المكلفين من أفعال وأحوال أنفسهم وما كتب في قلوبهم من إيمان، أو طبع عليها أو ختم عليها بفجور أو طغيان، فتطابقت الأوائل والأواخر، واختلف كتاب الأحكام وكتاب الأعمال بما أبداه الله، ، من وراء حجاب من معنى الهدى والفتنة والإقدام والإحجام. فتضمنت سورة البقرة إحاطات جميع هذه الكتب، واستوفت كتاب الأقدار، بما في صدرها من تبيين أمر المؤمنين والكافرين والمنافقين، وكتاب الأفعال، كما ذكر، ، أمر الختم على الكافرين، والمرض في قلوب المنافقين، وما يفصل في جميع السورة من أحكام الدين، وما يذكر معها مما يناسبها من الجزاء من ابتداء الإيمان إلى غاية الإيقان، الذي انتهى إليه معنى السورة فيما بين الحق والخلق من أمر الدين، وفيما بين الخلق والخلق من المعاملات والمقاومات، وفيما بين المرء ونفسه من الإيمان والعهود، إلى حد ختمها بما يكون من الحق للخلق في استخلاف الخلفاء الذين ختم بذكرهم هذه السورة الذين قالوا: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ إلى انتهائها. ولما كان مقصود هذه السورة الإحاطة الكتابية كان ذلك إفصاحها ومعظم آياتها،

стр. 472

وكانت الإحاطة الإلهية القيومية إلاحتها ونور آياتها، فكان ذلك في آية الكرسي تصريحا، وفي سائر آيها إلاحة بحسب قرب الإحاطة الكتابية من الإحاطة الإلهية، وفي بدء سابق أو ختم لاحق أو حكمة جامعة، فلذلك انتظم بالسورة التي ذكرت فيها البقرة السورة التي يذكر فيها آل عمران، لما نزل في سورة آل عمران من الإحاطة الإلهية، حتى كان في مفتتحها اسم الله الأعظم، فكان ما في البقرة إفصاحا في سورة آل عمران إلاحة. وكان ما في البقرة إلاحة في سورة آل عمران إفصاحا، إلا ما اطلع في كل واحدة منهما ما تصريح الأخرى، فلذلك هما سورتان مرتبطتان وغايتان وغمامتان، تظلان صاحبهما يوم القيامة، وبما هما من الذكر الأول، وبينهما من ظاهر التفاوت ما بين الإحاطة الكتابية، وبين الإحاطة الإلهية، فلذلك كانت سورة البقرة سناما له، والسنام أعلى ما في الحيوان المنكب وأجمله جملة، وهو البعير، وكانت سورة آل عمران تاج القرآن، والتاج هو أعلى ما في المخلوقات من الخلق القائم المستخلف في الأرض ظاهره، وفي جميع المكون إحاطته، فوقع انتظام هاتين السورتين على نحو من انتظام الآي، يتصل الإفصاح في الآية بإلاحة سابقتها، كما تقدم التنبيه عليه في مواضيع - انتهى. * * *

стр. 473

(سورة آل عمران) وقال الْحَرَالِّي: مشيراً إلى القول الصحيح في ترتيب السور من أنه باجتهاد الصحابة، رضوان الله تعالى عنهم، إقرارا لله، ، لهذا الانتظام والترتيب السوري في مقرر هذا الكتاب، هو ما رضيه الله، ، فأقره. فلما كانت سورة الفاتحة جامعة لكلية أمر الله، ، فيما يرجع إليه، وفيما يرجع إلى عبده، وفيما بينه وبين عبده، فكانت أم القرآن وأم الكتاب، جعل مثنى تفصيل ما يرجع منها إلى الكتاب المنبأ عن موقعه في الفاتحة مضمنا سورة البقرة، إلى ما أعلن به لألأ نور آية الكرسي فيها، وكان منزل هذه السورة من مثنى تفصيل ما يرجع علن الله، ، في الفاتحة، فكان منزلة

стр. 474

سورة آل عمران منزلة تاج الراكب، وكان منزلة سورة البقرة منزلة سنام المطية، قال ﷺ "لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة لكل شيء تاج، وتاج القرآن سورة آل عمران". [وإنما بدئ هذا الترتيب لسورة الكتاب، لأن علم الكتاب أقرب إلى المخاطبين من تلقي علن أمر الله، فكان في تعلم سورة البقرة والعمل بها تهيؤ لتلقي ما تضمنته سورة آل عمران -]، ليقع التدرج والتدرب بتلقي الكتاب حفظا، وبتلقيه على اللقن، منزل بما أبداه علنه في هذه السورة. وبذلك يتضح أن إحاطة ﴿الم﴾ المنزلة في أول سورة البقرة إحاطة كتابية، بما هو قيامه وتمامه، ووصلة ما بين قيامه وتمامه، وأن إحاطة ﴿الم﴾ المنزلة في أول هذه السورة إحاطة إلاهية حيايية قيومية، مما بين غيبة عظمة اسمه "الله" إلى تمام قيوميته البادية في تبارك ما أنبأ عنه اسمه ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وما أوصله لطفه من مضمون توحيده المنبئ عنه كلمة الإخلاص في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فلذلك كان هذا المجموع في منزله قرآنا حرفيا، وقرآنا كلميا اسمائيا،

стр. 475

وقرآنا كلاميا تفصيليا، مما هو اسمه الأعظم، كما تقدم من قوله، ﷺ اسم [الله -] الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وكما وقعت إلاحة في سورة البقرة لما وقع به الإفصاح في سورة آل عمران، كذلك وقع في آل عمران من نحو ما وقع تفصيله في سورة البقرة، ليصير منزلا واحدا بما أفصح مضمون كل سورة بإلاحة الأخرى، فلذلك هنا غمامتان وغيايتان على قارئهما يوم القيامة - كما تقدم - لا تفترقان. فأعظم "الم" هو مضمون "الم" الذي افتتحت به هذه السورة، ويليه في الرتبة ما افتتحت به [سورة البقرة، ويليه في الرتبة ما افتتحت به -] سور الآيات، نحو قوله، : ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ فللكتاب الحكيم إحاطة قواما وتماما ووصلة، ولمطلق الكتاب إحاطة كذلك، وإحاطة الإحاطات، وأعظم العظمة إحاطة افتتاح هذه السورة، كذلك أيضا اللواميم محيطة بإحاطة

стр. 476

الطواسيم، لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف اللواميم، وإحاطة الحواميم من دون إحاطة الطواسيم، لما يتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف الطواسيم، على ما يتضح تراتبه وعلمه لمن آتاه الله فهما بمنزلة قرآن الحروف المخصوص بإنزاله هذه الأمة دون سائر الأمم الذي [هو] من العلم الأزلي العلوي. ثم قال: ولما كانت أعظم الإحاطات إحاطة عظمة اسمه: ﴿الله﴾ الذي هو مسمى التسعة والتسعين أسماء، التي أولها "إله" كان ما أفهمه أولي الفهم هنا اسم ألف بناء في معنى إحاطات الحروف عن نحو إحاطة اسمه ﴿الله﴾ في الأسماء، فكانت هذه الألف مسمى كل ألف، كما كان

стр. 477

اسمه ﴿الله﴾ ، مسمى كل اسم سواه، حتى إنه مسمى سائر الأسماء الأعجمية التي هي أسماؤه، ، في جميع الألسن كلها، مع أسماء العربية، أسماء لمسمى هو هذا الاسم العظيم الذي هو ﴿الله﴾ الأحد الذي لم يتطرق إليه شرك، كما تطرق إلى أسمائه، من اسمه ﴿إِلَهَ﴾ إلى غاية اسمه ﴿الصبَّورُ﴾. وكما كان إحاطة هذه الألف أعظم إحاطة حرفية، وسائر الألفات أسماء لعظيم إحاطته، كذلك هذه الميم أعظم إحاطة ميم تفصلت فيه، وكانت له أسماء بمنزلة ما هي سائر الالفات أسماء لمسمى هذه الألف، كذلك سائر الميمات اسم لمسمى هذا الميم، كما أن اسمه ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أعظم تمام كل عظيم من أسماء عظمته، وكذلك هذه اللام، بمنزلة ألفه وميمه، وهي لام الإلهية، الذي أسراره لطيف التنزل إلى تمام ميم قيوميته، فمن لم ينته إلى فهم معاني الحروف في هذه

стр. 478

الفاتحة نزل له الخطاب إلى ما هو إفصاح إحاطتها في الكلم والكلام المنتظم في قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فهو قرآن حرفي، يفصله قرآن كلمي، يفصله قرآن كلامي - انتهى. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فما أعلن به هذا الاسم العظيم [أي -] الله في هذه الفاتحة، هو ما استعلن به في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ولما كان إحاطة العظمة أمرا خاصا، لأن العظمة إزاء الله الذي لا يطلع عليه إلا صاحب سر، كان البادي لمن دون أهل الفهم، من رتبة أهل العلم، اسمه ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ الذي يعني الله بالحاجات والرغبات المختص بالفوقية والعلو الذي يقال للمؤمن عنه: أين الله؟ فيقول في السماء إلى حد علو أن يقول: فوق العرش، فذلك الصمد الذي أنبأ عنه اسمه ﴿إِلَهَ﴾ الذي أنزل فيه إلزام الإخلاص والتوحيد منذ عبدت في الأرض الأصنام، فلذلك نظم توحيد اسمه الإله بأحدية مسمى هو من اسمه العظيم ﴿الله﴾، ورجع عليه باسم المضمر الذي هو في جبلات الأنفس، وغرائز القلوب الذي تجده غيبا في بواطنها، فتقول فيه: ﴿هُوَ﴾ فكان هذا الخطاب

стр. 479

مبدوء بالاسم العظيم المظهر منتهيا إلى الاسم المضمر، كما كان خطاب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [مبدوء بالاسم المضمر منتهيا إلى الاسم العظيم المظهر، وكذلك أيضا اسم ﴿الله الأعظم﴾ في سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ كما هو في [هذه -] الفاتحة. ولما كان لبادي الخلق افتقار إلى [قوام -] لا يثبت طرفة عين دون قوامه، كان القوام البادي آيته هي الحياة، فما حي ثبت، وما مات فنى وهلك - انتهى. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال الْحَرَالِّي: فكما أن الحياة بنفخة من روح أمره، فكل متماسك على صورته، حي بقيوميته - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: [و -] لما كانت إحاطة الكتاب، أي في البقرة، ابتداء، وأعقبها، أي في أول هذه السورة، إحاطة الإلهية، جاء [هذا -] الخطاب ردا عليه، فتنزل من الإحاطة الإلهية إلى الإحاطة الكتابية بالتنزيل، الذي [هو -] تدرج من رتبة إلى رتبة دونها - انتهى.

стр. 480

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهذا الكتاب هو الكتاب المحيط الجامع الأول، الذي لا يتنزل إلا على الخاتم الآخر المعقب، لما أقام به حكمته من أن صور الأواخر مقامة بحقائق الأوائل، فأول الأنوار الذي هو نور محمد ﷺ هو قثم خاتم الصور التي هي صورة محمد - انتهى. ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال الْحَرَالِّي: وكما أن هذا الكتاب هو الكتاب الجامع الأول المحيط بكل كتاب، كذلك هذا الحق المنزل به هذا الكتاب هو الحق الجامع المحيط الذي كل حق منه، وهو الحق الذي أقام به حكمته فيما رفع ووضع - انتهى. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: لما كان هذا الكتاب أولا وجامعا ومحيطا كان كل كتاب بين يديه، ولم يكن من ورائه كتاب - انتهى. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فهي توراة بما هي نور أعقبت ظلام ما وردت عليه من [كفر -] دعى إليها من الفراعنة، فكان فيها هدى ونور. ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ من النجل، ووضع على زيادة إفعيل لمزيد معنى ما وضعت له هذه الصيغة وزياداتها مبالغة في المعنى، وأصل النجل استخراج خلاصة الشيء، ومنه يقال للولد: نجل أبيه، كأن الإنجيل استخلص خلاصة نور التوراة، فأظهر باطن ما شرع في التوراة ظاهرة، فإن التوراة كتاب إحاطة لأمر الظاهر الذي يحيط بالأعمال وإصلاح

стр. 481

أمر الدنيا وحصول الفوز من عاقبة [يوم الأخرى، فهو جامع إحاطة الظواهر، وكل آية ظاهرة فمن كتاب التوراة، والإنجيل كتاب إحاطة -] لأمر البواطن، يحيط بالأمور النفسانية، التي بها يقع لمح موجود الآخرة، مع الإعراض عن إصلاة الدنيا، بل مع هدمها، فكان الإنجيل مقيما لأمر الآخرة، هادما لأمر الدنيا، مع حصول أدنى [بلغة -]، وكانت التوراة مقيمة لإصلاح الدنيا، مع تحصيل الفوز في الآخرة. فجمع هذان الكتابان إحاطتي الظاهر والباطن، فكان منزل التوراة من مقتضى اسمه الظاهر، وكان منزل الإنجيل من مقتضى اسمه الباطن، كما كان منزل الكتاب الجامع من مقتضى ما في أول هذه السورة من أسمائه العظيمة، مع لحظ التوحيد، ليعتبر الكتاب والسورة بما نبه بتنزيله من اسمه ﴿الله﴾ وسائر أسمائه على وجوه إحاطة - انتهى. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فكان الفرقان جامعا لمنزل ظاهر التوراة، ومنزل باطن الإنجيل، جمعا يبدي ما وراء منزلهما، بحكم استناده للتقوى التي هي تهيؤ لتزل الكتاب. ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ فكان الفرقان أقرب الكتب للكتاب الجامع، فصار التنزيل في ثلاث رتب:

стр. 482

رتبة الكتاب المنزل بالحق الجامع. ثم رتبة الفرقان المظهر لمحل الجمع بين الظاهر والباطن. ثم منزل التوراة والانجيل؛ [المختفي فيه مرضع التقاء ظاهر التوراة بباطن الإنجيل]- انتهى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وهذا الكفر - كما قال الْحَرَالِّي - دون الكفر بأسماء الله الذي هو دون الكفر بالله. قال: [فكما] بدأ خطاب التنزيل من أعلاه، نظم به ابتداء الكفر من أدناه - انتهى. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففي إشعاره أن لمن داخله كفر ما حظ بحسب خفاء ذلك الكفر، فأفصح الخطاب بالأشد وألاح بالأضعف - انتهى. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ قال الْحَرَالِّي: فأظهر وصف العزة موصولا بما أدام من انتقامه، بما يعرب عنه كلمة ﴿ذُو﴾ المفصحة بمعنى صحبة ودوام. فكأن في إشعاره دواما لهذا الانتقام بدوام أمر الكتاب الجامع، المقابل علوه لدنو هذا الكفر، وكان في طي إشعار الانتقام أحد قسمي إقامة القيومية في طرفي النقمة والرحمة.

стр. 483

فتقابل هذان الخطابان إفصاحا وإفهاما، من حيث ذكر تفصيل الكتب إفصاحا، فأفهم متنزل الفتنة في الابتداء إلاحة، فإنه كما أنزل الكتب هدى، أنزل متشابهها فتنة، فتعادل الإفصاحان والإلاحتان، وتم بذلك أمر الدين في هذه السورة - انتهى. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ولما كان تفصيل يتقدمه بالرتبة عجل جامع، وكانت تراجم السورة موضع الإجمال، ليكون تفصيلها موضع التفاصيل، وكان من المذكور في سورة الكتاب ما وقع من اللبس، كذلك كان في هذه السورة التي ترجمها جوامع إلاهية ما وقع من اللبس في أمر الإلهية في أمر عيسى، ﵊، فكان في هذه الآية [الجامعة توطئه لبيان الأمر في شأنه، ﵇، من حيث أنه مما صور في الرحم -]، وحملته الأنثى ووضعته، وأن جميع ما حوته السماء والأرض لا ينبغي أن يقع فيه لبس في أمر الإلهية - انتهى.

стр. 484

﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ من التصوير، وهو إقامة الصورة، وهي تمام البادي التي يقع عليها حس الناظر لظهورها، فصورة كل شيء تمام بدوه قاله الْحَرَالِّي. ﴿فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: فكان في إلاحة هذه الآية توزيع أمر الإظهار على ثلاثة وجوه، تناظر وجوه التقدير الثلاثة التي في [فاتحة -] سورة البقرة، فينتج هدى وإضلالا وإلباسا أكمل الله به وحيه، كما أقام بتقدير الإيمان والكفر والنفاق خلقه، فطابق الأمر الخلق، فأقام الله، سبحانه، وتعالى، بذلك قائم خلقه وأمره، فكان في انتظام هذه الإفهامات أن بادي الأحوال الظاهرة عند انتهاء الخلق، إنما ظهرت لأنها مودعة في أصل التصوير؛ فصورة نورانية يهتدي بها، وصورة ظلمانية يكفر لأجلها، وصورة ملتبسة عيشية، علميه يفتتن ويقع الإلباس والالتباس من جهتها، مما لا يفي بيانها إلا الفرقان المنزل على هذه الأمة، ولا تتم إحاطة جميعها إلا في القرآن

стр. 485

المخصوصة به أيمة هذه الأمة - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: ولما تضمنت إلاحة هذه الآية ما تضمنته من الإلباس والتكفير، أظهر، ، كلمة الإخلاص، ليظهر نورها أرجاس تلك الإلباسات وتلك التكفيرات فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إيذانا بما هي له [الإلباس -] والتكفير من وقوع الإشراك بالإلهية، والكفر فيها والتلبس والالتباس في أمرها، فكان في هذا التهليل بشرى بنصرة أهل الفرقان، وأهل القرآن على أهل الالتباس والكفران، وخصوصا على أهل الإنجيل والتوراة الذين ذكرت كتبهم صريحا في هذا التنزيل، [بل -] يؤيد إلاحته في التهليل إظهار الختم في هذه الآية بصفتي العزة المقتضية للانتقام من أهل عداوته، والحكمة المقتضية لإكرام أهل ولايته - انتهى. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ والحكمة العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر العاجلة، وحسن العقبى في الآجلة، ففي ظاهر ذلك الجهد، وفي باطنه الرفق، وفي عاجله الكره، وفي آجله الرضا والروح، ولا يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم، فبذلك يكون أمر العزة على وزن الحكمة - قاله الْحَرَالِّي

стр. 486

بالمعنى. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ قال الْحَرَالِّي: ولما كانت هذه السورة فيما اختصت به من علن أمر الله، ، مناظرة بسورة البقرة، فيما أنزلت من إظهار كتاب الله، ، كان المنتظم بمنزل فاتحتها ما يناظر المنتظم بفاتحة سورة البقرة، فلما كانت سورة البقرة منزل كتاب [هو -] الوحي، انتظم بترجمتها الإعلام بأمر كتاب الخلق الذي هو القدر، فكما بين في أول سورة البقرة كتاب تقدير الذي قدره وكتبه في ذوات من مؤمن [وكافر -] ومردد بينهما، هو المنافق، فتنزلت سورة الكتاب للوحي إلى بيان قدر الكتاب الخلقي، لذلك كان متنزل هذا الافتتاح الإلهي إلى أصل منزل الكتاب الوحي. ولما بين في أمر الخلق أن منهم من فطره على الإيمان، ومنهم من جبله على الكفر ومنهم من أناسه بين الخلقين، بين في الكتاب أن منه ما أنزله على

стр. 487

الأحكام، ومنه ما أنزله على الاشتباه، وفي إفهامه ما أنزله على الافتتان والإضلال بمنزلة ختم الكفار - انتهى. ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهي التي أبرم حكمها فلم ينبتر، كما يبرم الحبل الذي يتخذ حكمة أي زماما يزم به الشيء الذي يخاف خروجه عن الانضباط، كأن الآية المحكمة تحكم النفس عن جولانها، وتمنعها عن جماحها، وتضبطها إلى محال مصالحها. ثم قال: فهي آي التعبد من الخلق للخلق، اللائي لم يتغير حكمهن في كتاب من هذه الكتب الثلاث المذكورة، فهن لذلك أم - انتهى. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: هي الأصل المقتبس منه الشيء في الروحانيات، والنابت منه أو فيه في الجسمانيات. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: والتشابه تراد التشبه في ظاهر أمرين،

стр. 488

لشبه كل منهما [بالآخر، بحيث يخفى خصوص كل واحد منهما -]. ثم قال: وهن الآي التي أخبر الحق، ، فيهن عن نفسه وتنزلات تجلياته ووجوه إعانته لخلقه، وتوفيقه وإجرائه ما أجرى من اقتداره وقدرته في بادي ما أجراه عليهم، فهن لذلك متشابهات، من حيث إن نبأ الحق عن نفسه، لا تناله عقول الخلق، ولا تدركه أبصارهم، وتعرف لهم فيما تعرف بمثل من أنفسهم، فكأن المحكم للعمل، والمتشابه لظهور العجز، فكان لذلك حرف المحكم أثبت الحروف عملا، وحرف المتشابه أثبت الحروف إيمانا، واجتمعت على إقامته الكتب الثلاث، واختلفت في الأربع اختلافا كثيرا، فاختلف حلالها وحرامها، وأمرها ونهيها، واتفق على محكمها ومتشابهها - انتهى. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ وقال الْحَرَالِّي: هو ميل المائل إلى مايزين لنفسه الميل إليه، والمراد هنا أشد الميل الذي هو ميل القلب عن

стр. 489

جادة الاستواء، [و -] في إشعاره ما يلحق بزيغ القلوب من سيء الأحوال في الأنفس، وزلل الأفعال في الأعمال، فأنبأ، تعالى، عما هو الأشد، وأبهم ماهو الأضعف، ﴿فَيَتَّبِعُونَ﴾ في إشعار هذه الصيغة بما تنبئ عنه من تكلف المتابعة، بأن من وقع له الميل فلفته لم تلحقه مذمة هذا الخطاب، فإذا وقع الزلل، ولم يتتابع حتى يكون اتباعا، سلم من حد الفتنة بمعالجة التوبة. ﴿مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فأفهمه إبهاما يشعر بما جرت به الكليات، فيما يقع نبأ عن الحق وعن الخلق، [من نحو أوصاف النفس، كالعليم والحكيم وسائر أزواج الأوصاف، كالغضب والرضى، بناء على الخلق -] في بادي الصورة؛ من نحو العين واليد والرجل والوجه، وسائر بوادي الصورة، كل ذلك مما أنه متشابهات أنزلها الله، تعالى، ليتعرف للخلق بما

стр. 490

جبلهم عليه، مما لو لم يتعرف لهم به لم يعرفوه. ففائدة إنزالها التعرف بما يقع به الامتحان بإحجام الفكر عنه، والإقدام على التعبد له. ففائدة إنزاله عملا في المحكم، وفائدة إنزاله فيه توقفا عنه، ليقع الابتلاء بالوجهين: عملا بالمحكم، ووقفا عن المتشابه، قال، ﵊: "لا تتفكروا في الله" وقال علي، رضي الله تعالى عنه: "من تفكر في ذات الله تزندق". ووافق العلماء إنكار الخلق عن التصرف في تكييف شيء منه، كما ذكر عن مالك، رحمه الله تعالى، في قوله: "الكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة" فالخوض في المتشابه بدعة، والوقوف عنه سنة، وأفهم عنه الإمام أحمد، يعني فيما تقدم في آيات الصفات من أن تأويلها تلاوتها. هذا هو حد الإيمان وموقفه، وإليه أذعن الراسخون في العلم، وهم الذين تحققوا في أعلام المعلم، ولم يصغوا إلى وهم التخييل والتمثل به في شيء مما أنبأ الله، ، به عن نفسه، ولا في شيء مما بينه وبين خلقه.

стр. 491

و [كان في -] توقفهم عن الخوض في المتشابه تفرغهم للعمل في المحكم، لأن المحكم واضح وجداني، متفقة عليه مدارك الفطن وإذعان الجبلات ومنزلات الكتب، لم يقع فيه اختلاف بوجه، حتى كان لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، للزوم الواجب من العمل بالمحكم في إذعان النفس، فكما لا يصلح العراء عن الاتصاف بالمحكم، لا يصلح الترامي إلى شيء من الخوض في المتشابه لأحد من أهل العلم والإيمان أهل الدرجات، لأن الله، ، جبل الخلق وفطرهم على إدراك حظ من أنفسهم ومن أحوالهم، وأوقفهم عن إدراك ما هو راجع إليه، فأمر الله وتجلياته لا تنال إلا بعناية منه، يزج العبد زجه يقطع به الحجب الظلمانية والنورانية التي فيها مواقف العلماء، فليس في هذا الحرف المتشابه إلا أخذ لسانين:

стр. 492

لسان وقفة عن حد الإيمان للراسخين في العلم، المشتغلين بالاتصاف بالتذلل والتواضع والتقوى، والبر الذي أمر، ﷺ ، أن يتبع فيه حتى ينتهي العبد إلى أن يحبه الله، فيرفع عنه عجز الوقفة عن المتشابه، وينقذه من حجاب النورانية، فلا يشكل عليه دقيق، ولا يعييه خفي بما أحبه الله. وما بين ذلك من خوض دون إنفاذ هذه العناية، فنقص عن حد رتبة الإيمان والرسوخ في العلم، فكل فائض فيه ناقص، من حيث يحب أن يزيد، فهو إما عجز إيماني من حيث الفطر الخلقي، وإما تحقق إيقاني توجبه العناية والمحبة - انتهى. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: والابتغاء افتعال تكلف

стр. 493

البغي، وهو شدة الطلب، وجعله، تعالى، ابتغاءين، لاختلاف وجهيه، فجعل الأول فتنة لتعلقه بالغير، وجعل الثاني تأويلا، أي طلبا للمال عنده، لاقصاره على نفسه، فكان أهون الزيغين - انتهى. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: هو ما يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾. قال: ولكل باد من الخلق مال، كما أن الآخرة مآل الدنيا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ ولذلك كل يوم من أيام الآخرة مال للذي قبله، فيوم الخلود مال يوم الجزاء، ومآل الأباد مال يوم الخلود، وأبد الأبد مآل الأبد، وكذلك كل الخلق له بآل من الأمر، فأمر الله مآل خلقه، وكذلك الأمر، كل تنزيل أعلى منه مآل للتنزيل الأدنى إلى كمال الأمر، وكل أمر الله مال من أسمائه وتجلياته، وكل تجل أجلى مآل لما دونه من تجل أخفى، قال، ﵊:

стр. 494

"فياتيهم [ربهم -] في غير الصورة التي يعرفونها" الحديث. إلى قوله: "أنت ربنا" فكان تجليه الأظهر لهم مآل تجليه الأخفى عنهم، فكان كل أقرب للخلق من غيب خلق وقائم أمر، وعلى تجل إبلاغا إلى ما وراء - فكان تأويله، فلم تكن الإحاطة بالتأويل المحيط، إلا لله، . ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهم المتحققون في أعلام العلم، من حيث إن الرسوخ، النزول بالثقل في الشيء الرخو، ليس الظهور على الشيء، فلرسوخهم كانوا أهل إيمان، ولو أنهم كانوا ظاهرين على العلم كانوا أهل إيقان، لكنهم راسخون في العلم، لم يظهروا ما بصفاء الإيقان على نور العلم، فثبتهم الله، ، عند حد التوقف، فكانوا دائمين على الإيمان بقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ بصيغة الدوام - انتهى. ﴿كُلٌّ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهذه الكلمة معرفة بتعريف الإحاطة التي أهل

стр. 495

النحاة ذكرها في وجوه التعريف، إلا من ألاح معناها منهم فلم يلقن ولم ينقل جماعتهم ذلك، وهو من أكمل وجوه التعريف، لأن حقيقة التعين بعيان أو عقل، وهي إشارة إلى إحاطة ما أنزله على إبهامه، فكان مرجع المتشابه والمحكم عندهم معروجا واحداً؛ آمنوا بمحل اجتماعه الذي منه نشأ فرقانه، لأن كل مفترق بالحقيقة إنما هو معروج من حد اجتماع، فما رجع إليه الإيمان في قلوبهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ هو محل اجتماع المحكم والمتشابه في إحاطة الكتاب، قبل تفصيله - انتهى. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قال الْحَرَالِّي: الذين لهم لب العقل الذي للراسخين في العلم ظاهره، فكان بين أهل الزيغ وأهل التذكر مقابلة بعيدة، فمنهم متذكر ينتهي إلى إيقان، وراسخ في العلم يقف عند حد إيقان، ومتأول يركن إلى لبس بدعة، وفاتن يتبع هوى، فأنبأ جملة هذا البيان عن أحوال الخلق بالنظر إلى تلقي الكتاب، كما أنبأ بيان سورة البقرة عن جهات تلقيهم للأحكام - انتهى. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وقال الْحَرَالِّي: ففي إلاحة معناه أن هذا الابتهال واقع من أولي الألباب، ليترقوا من محلهم من التذكر إلى ماهو أعلى وأبطن - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: ولما كان الأمر اللدني ليس مما في فطر الخلق وجبلاتهم
следующие страницы →