← Тафсир

Тафсир · id 26539

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

الحرالي، أبو الحسن

Полный текст (573 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

و [كان في -] توقفهم عن الخوض في المتشابه تفرغهم للعمل في المحكم، لأن المحكم واضح وجداني، متفقة عليه مدارك الفطن وإذعان الجبلات ومنزلات الكتب، لم يقع فيه اختلاف بوجه، حتى كان لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، للزوم الواجب من العمل بالمحكم في إذعان النفس، فكما لا يصلح العراء عن الاتصاف بالمحكم، لا يصلح الترامي إلى شيء من الخوض في المتشابه لأحد من أهل العلم والإيمان أهل الدرجات، لأن الله، ، جبل الخلق وفطرهم على إدراك حظ من أنفسهم ومن أحوالهم، وأوقفهم عن إدراك ما هو راجع إليه، فأمر الله وتجلياته لا تنال إلا بعناية منه، يزج العبد زجه يقطع به الحجب الظلمانية والنورانية التي فيها مواقف العلماء، فليس في هذا الحرف المتشابه إلا أخذ لسانين:

стр. 492

لسان وقفة عن حد الإيمان للراسخين في العلم، المشتغلين بالاتصاف بالتذلل والتواضع والتقوى، والبر الذي أمر، ﷺ ، أن يتبع فيه حتى ينتهي العبد إلى أن يحبه الله، فيرفع عنه عجز الوقفة عن المتشابه، وينقذه من حجاب النورانية، فلا يشكل عليه دقيق، ولا يعييه خفي بما أحبه الله. وما بين ذلك من خوض دون إنفاذ هذه العناية، فنقص عن حد رتبة الإيمان والرسوخ في العلم، فكل فائض فيه ناقص، من حيث يحب أن يزيد، فهو إما عجز إيماني من حيث الفطر الخلقي، وإما تحقق إيقاني توجبه العناية والمحبة - انتهى. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: والابتغاء افتعال تكلف

стр. 493

البغي، وهو شدة الطلب، وجعله، تعالى، ابتغاءين، لاختلاف وجهيه، فجعل الأول فتنة لتعلقه بالغير، وجعل الثاني تأويلا، أي طلبا للمال عنده، لاقصاره على نفسه، فكان أهون الزيغين - انتهى. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: هو ما يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾. قال: ولكل باد من الخلق مال، كما أن الآخرة مآل الدنيا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ ولذلك كل يوم من أيام الآخرة مال للذي قبله، فيوم الخلود مال يوم الجزاء، ومآل الأباد مال يوم الخلود، وأبد الأبد مآل الأبد، وكذلك كل الخلق له بآل من الأمر، فأمر الله مآل خلقه، وكذلك الأمر، كل تنزيل أعلى منه مآل للتنزيل الأدنى إلى كمال الأمر، وكل أمر الله مال من أسمائه وتجلياته، وكل تجل أجلى مآل لما دونه من تجل أخفى، قال، ﵊:

стр. 494

"فياتيهم [ربهم -] في غير الصورة التي يعرفونها" الحديث. إلى قوله: "أنت ربنا" فكان تجليه الأظهر لهم مآل تجليه الأخفى عنهم، فكان كل أقرب للخلق من غيب خلق وقائم أمر، وعلى تجل إبلاغا إلى ما وراء - فكان تأويله، فلم تكن الإحاطة بالتأويل المحيط، إلا لله، . ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهم المتحققون في أعلام العلم، من حيث إن الرسوخ، النزول بالثقل في الشيء الرخو، ليس الظهور على الشيء، فلرسوخهم كانوا أهل إيمان، ولو أنهم كانوا ظاهرين على العلم كانوا أهل إيقان، لكنهم راسخون في العلم، لم يظهروا ما بصفاء الإيقان على نور العلم، فثبتهم الله، ، عند حد التوقف، فكانوا دائمين على الإيمان بقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ بصيغة الدوام - انتهى. ﴿كُلٌّ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهذه الكلمة معرفة بتعريف الإحاطة التي أهل

стр. 495

النحاة ذكرها في وجوه التعريف، إلا من ألاح معناها منهم فلم يلقن ولم ينقل جماعتهم ذلك، وهو من أكمل وجوه التعريف، لأن حقيقة التعين بعيان أو عقل، وهي إشارة إلى إحاطة ما أنزله على إبهامه، فكان مرجع المتشابه والمحكم عندهم معروجا واحداً؛ آمنوا بمحل اجتماعه الذي منه نشأ فرقانه، لأن كل مفترق بالحقيقة إنما هو معروج من حد اجتماع، فما رجع إليه الإيمان في قلوبهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ هو محل اجتماع المحكم والمتشابه في إحاطة الكتاب، قبل تفصيله - انتهى. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قال الْحَرَالِّي: الذين لهم لب العقل الذي للراسخين في العلم ظاهره، فكان بين أهل الزيغ وأهل التذكر مقابلة بعيدة، فمنهم متذكر ينتهي إلى إيقان، وراسخ في العلم يقف عند حد إيقان، ومتأول يركن إلى لبس بدعة، وفاتن يتبع هوى، فأنبأ جملة هذا البيان عن أحوال الخلق بالنظر إلى تلقي الكتاب، كما أنبأ بيان سورة البقرة عن جهات تلقيهم للأحكام - انتهى. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وقال الْحَرَالِّي: ففي إلاحة معناه أن هذا الابتهال واقع من أولي الألباب، ليترقوا من محلهم من التذكر إلى ماهو أعلى وأبطن - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: ولما كان الأمر اللدني ليس مما في فطر الخلق وجبلاتهم

стр. 496

وإقامة حكمتهم، وإنما هو موهبة من الله، ، بحسب العناية، ختم بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وهي صيغة مبالغة من الوهب والهبة، وهي العطية سماحا من غير قصد من بالموهوب - انتهى. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ﴾ قال الْحَرَالِّي: من الجمع، وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفا أو قهرا - انتهى. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: هو مفعال من الوعد، وصيغ لمعنى تكرره ودوامه، والوعد العهد في الخير - انتهى. قال الْحَرَالِّي: ولما كان من مضمون ترجمة سورة البقرة، إطلاع النبى، ﷺ ، على سر التقدير الذي صرف عن الجواب فيه، وإظهار سره موسى كليم الله، وعيسى كلمة الله، عليهما الصلاة والسلام، كان مما أظهره الله، ، لعامة أمه محمد، ﷺ ، إعلاء لها على كل أمة، واختصاصا لها بما علا اختصاص نبيها، ﷺ ، حتى قال قائلهم: أخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، لقوم لم يظهروا على سر القدر. وقال: والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر.

стр. 497

فأفهم الله، ، علماء هذه الأمة أن أعمالها لا تقبل إلا على معرفة سر التقدير، لتكون قلوبها بريئة من أعمال ظواهرها، كما قيل في أثارة من العلم: من لم يختم عمله بالعلم لم يعمل، ومن لم يختم علمه بالجهل لم يعلم، فختم العامل [عمله -] بالعلم أن يعلم أنه لا عمل له، وأن المجري على يديه أمر مقدر قدره الله، تعالى، عليه، وأقامه فيه لما خلقه له من حكمته من وصفه من خير أو شر، ومن تمام كلمته في رحمته أو عقوبته ليظهر بذلك حكمة الحكيم، ولا حجة للعبد على ربه، ولا حجة للصنعة على صانعها، ولله، ، الحجة البالغة، وكذلك العالم، متى لم ينطو سره على أنه لا يعلم، وإنما العلم عند الله، ، لم يثبت له علم، فذلك ختم العمل بالعلم، وختم العمل بالجهل. فكما أطلعه، ، في فاتحة سورة البقرة على سر تقديره في خلقه،

стр. 498

أظهره في فاتحة سورة آل عمران على علن قيوميته، الذي هو شاهده في وحي ربه، كما هو بصير بسر القدر في تفرق أعمال خلقه، فكان منزل سورة البقرة قوام الأفعال، ومنزل سورة آل عمران قوام التنزيل [والإنزال، فكان علن القيومية قوام التنزيل -] للكتاب الجامع الأول، والتنزيل قوام إنزال الكتب، وإنزال الكتاب الجامع لتفسير الكتب، قوام تفصيل الآيات المحكمات والمتشابهات، والإحكام والتشابه إقامة الهدى والفتنة، والهدى والفتنة إقامة متصرف الحواس الظاهرة والباطنة، والأحوال الحواس وما دونها من الأفعال، على وجه جمع يكون قواما لما تفصل من مجمله، وتكثر من وحدته، وتفرق من اجتماعه، ولعلو مضمون هذه السورة لم يقع فيها توجه الخطاب بها لصنف الناس، واختص خطابها بالذين آمنوا في علو من معاني الإيمان، لما ذكر من شرف الإيمان على سن الناس في تنامي [أسنان -] القلوب. وكان خطاب سورة البقرة بمقتضى رتبة العقل الذي به يقع أول الإصغاء والاستماع، كما ظهر في آيات الاعتبار فيها، في قوله، : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فكان خطاب سورة

стр. 499

آل عمران إقبالا على أولي الألباب الذين [لهم -] لب العقل، بما ظهر في أولها وخاتمتها في قول: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وفي خاتمتها في آيات اعتبارها في قوله، : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. فبالعقل يقع الاعتبار لمنزل الكتاب، وباللب يكون التذكر، إيلاء إلى الذي نزل الكتاب. وبالجملة، فمثاني هذه السورة من تفاصيل آياتها وجمل جوامعها مما هو أعلق بطيب الإيمان واعتبار اللب، كما أن منزل سورة البقرة أعلق بما هو من أمر الأعمال، وإقامة معالم الإسلام، بما ظهر في هذه السورة من علن أمر الله، وبما افتتحت به [من -] اسم الله الأعظم الذي جميع الأسماء أسماء له، لإحاطته واختصاصها بوجه ما، فكان فيها علن التوحيد [و -] كماله، وقوام تنزيل الأمر وتطور الخلق في جميع متنزلها ومثانيها، وظهر فيها تفصيل وجوه الحكم العلية التي تضمن جملة ذكرها الآية الجامعة في سورة البقرة في قوله، : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ فكان من جملة

стр. 500

بناء الحكمة ما هو السبب في ظهور الكفر من الذين كفروا، بما غلب عليهم من الفتنة بأموالهم وأولادهم، حتى ألهتهم عن ذكر الله، فانتهوا فيه إلى حد الكفر الذي نبه عليه الذين آمنوا في قوله، : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. انتهى. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال الْحَرَالِّي: الدأب العادة الدائمة التي تتأبد بالتزامها، وآل الرجل من إذ أحصر ترائ فيهم كأنه لم يغب، وفرعون اسم ملك مصر في الكفر، ومصر أرض جامعة كليتها وجملة إقليمها نازل منزلة الأرض كلها، فلها إحاطة بوجه ما، فلذلك أعظم شأنها في القرآن، وشأن العالي فيها من الفراعنة، وكان الرسول المبعوث إليه أول المؤمنين بما وراء أول الخلق، من طليعة ظهور الحق لسماع كلامه بلا واسطة ملك، فكان أولى من طوى في رتبة بنوته رتبة البنوة ذات الواسطة، فلذلك بدئ [به -] في هذا الخطاب لعلو رتبة بنوته، بما هو كليم الله ومصطفاه على الناس،

стр. 501

ولحق به من تقدمهم بما وقعت في بنوته من واسطة زوج أو ملك، وخص آله لأنه هو كان عارفا بأمر الله، ، فكان جاحدا لا مكذبا - انتهى. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بأن صريح المؤاخذة مناط بالذنوب، وأن المؤاخذة الدنيوية لا تصل إلى حد الانتقام على التكذيب، فكان ما ظهر من [أمر -] الدنيا يقع عقابا على ما ظهر من الأعمال، وما بطن من أمر الآخرة يستوفي العقاب على ما أصرت عليه الضمائر من التكذيب، ولذلك يكون عقاب الدنيا طهرة للمؤمن لصفاء باطنه من التكذيب، ويكون واقع يوم الدنيا كفاف ما جرى على ظاهره [من المخالفة -]، فكأن الذنب من المؤمن يقع في دنياه خاصة، والذنب من الكافر يقع في دنياه وأخراه، من استغراقه لظاهره وباطنه. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ وقد أفهم الإخبار بمجرد الغلبة دون ذكر العذاب، كما كان يذكر في تهديد من قبلهم، أن أخذهم بيد المغالبة والمدافعة

стр. 502

والنصرة تشريفا لنبيهم، ﷺ ، لأنه عرض عليه عذابهم فأبى إلا المدافعة على سنة المصابرة، فكان أول ذلك غلبته، ﷺ ، على مكة المشرفة، وكان فتحها فتحا لجميع الأرض، لأنها أم القرى - نبه على ذلك الْحَرَالِّي. ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهي من الجهامة، وهي كراهة المنظر - انتهى. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ قال الْحَرَالِّي: لتقع الإرادة على صدقهم [في موجود الإسلام الظاهر والإيمان الباطن، فكان كل واحد منهم -]: بما هو مسلم، ذاتا، وبما هو مؤمن ذاتا، فالمؤمن المسلم ضعفان أبدا ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ وذلك بما أن الكافر ظاهر لا باطن له، فكان ذات عين، لا ذات قلب له، فكان المؤمن ضعفه، فوقعت الإرادة للفئة المؤمنة على ما هي عليه، شهادة من الله، ، بثبات إسلامهم وإيمانهم، وكان ذلك أدنى الإرادة لمزيد موجود الفئة

стр. 503

المقاتلة في سبيل الله بمقدار الضعف الذي هو أقل الزيادة الصحيحة، وأما بالحقيقة فإن التام الدين، بما هو مسلم مؤمن صاحب يقين، إنما هو بالحقيقة عشر تام، نظير موجود الوجود الكامل، فهو عشر ذوات بما هو صاحب يقين ودين: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [انتهى -]. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال الْحَرَالِّي: والنصر لا يكون إلا لمحق، وإنما يكون لغير المحق الظفر والانتقام - انتهى. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ وفي أداة البعد - كما قال الْحَرَالِّي - إشارة بعد إلى محل [علو -] الآية. ﴿لَعِبْرَةً﴾ قال: هي المجاوزة من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى، ومن علم أدنى إلى علم أعلى، ففي لفظها بشرى بما ينالون من ورائها، مما هو أعظم منها إلى غاية العبرة العظمى من الغلبة الخاتمة التي عندها تضع الحرب أوزارها، حيث يكون من أهل الكمال بعدد أهل بدر: ثلاثمائة وثلاثة عشر، فهو غاية العبرة لمن له بصر نافذ ونظر جامع، بين البداية والخاتمة

стр. 504

﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ - انتهى. ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ قال الْحَرَالِّي: أول موقع العين على الصورة نظر، ومعرفة خبرتها الحسية بصر، ونفوذه إلى حقيقتها رؤية، فالبصرة متوسط بين النظر والرؤية، كما قال، : ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فالعبرة هي المرتبة الأولى لأولي الأبصار الذين يبصرون الأواخر بالأوائل، فأعظم غلبة بطشه في الابتداء غلبة بدر، وأعظمها في الانتهاء الغلبة الخاتمة التي لا حرب وراءها، التي تكون بالشام في آخر الزمان - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: لما أظهر، سبحانه وتعالي، في هذه السورة ما أظهره

стр. 505

بقاء لعلن قيوميته من تنزيل الكتاب الجامع الأول، وإنزال الكتب الثلاثة: إنزال التوراة بما أنشأ عليه قومها من وضع رغبتهم ورهبتهم في أمر الدنيا، فكان وعيدهم فيها ووعدهم على إقامة ما فيها إنما هو برغبة في الدنيا ورهبتها، لأن كل أمة تدعى لنحو ما جبلت عليه من رغبة ورهبة، فمن مجبول على رغبة ورهبة في أمر الدنيا، [و -] من مجبول على ما هو من نحو ذلك في أمر الآخرة، ومن مفطور على ما هو من غير ذلك من أمر الله، فيرد خطاب كل أمة وينزل عليها كتابها من نحو ما جبلت عليه، فكان كتاب التوراة كتاب رجاء ورغبة وخوف، ورهبة في موجود الدنيا. وكان كتاب الإنجيل [كتاب -] دعوة إلى ملكوت الآخرة، وكانا متقابلين، بينهما ملابسة لم يفصل أمرهما فرقان واضح، فكثر فيهما الاشتباه. فأنزل الله، تعالى، الفرقان لرفع لبس ما فيهما، فأبان فيه المحكم والمتشابه من منزل الوحي، وكما أبان فيه فرقان الوحي أبان فيه أيضا فرقان [الخلق وما اشتبه من أمر الدنيا والآخرة، وما التبس على أهل الدنيا من

стр. 506

أمر -] الخلق بلوائح آيات الحق عليهم، فتبين في الفرقان محكم الوحي من متشابهه، و [محكم الخلق من متشابهه -]. وكان متشابه الخلق هو المزين من متاع الدنيا، ومحكم الخلق هو المحقق من دوام خلق الآخرة، فاطلع نجم هذه الآية لإنارة غلس ما بنى عليه أمر التوراة من إثبات أمر الدنيا لهم وعداً ووعيداً، لتكون هذه الآية توطئة لتحقيق صرف النهي عن مد اليد والبصر إلى ما متع به أهلها. فأنبأ، تعالى، أن متاع الدنيا أمر مزين، لا حقيقة لزينته ولا حسن لما وراء زخرفه، فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ فأبهم المزين لترجع إليه ألسنة التزيين مما كانت في رتبة علو أو دنو، وفي إناطة التزيين بالناس، دون الذين آمنوا، ومن فوقهم، إيضاح لنزول سنهم في أسنان القلوب، وأنهم ملوك الدنيا وأتباعهم، ورؤساء القبائل وأتباعهم، الذين هم أهل الدنيا. ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ جمع شهوة، وهي نزوع النفس إلى محسوس لا تتمالك عنه - انتهى.

стр. 507

﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: وأخفى فتنة النساء بالرجال سترا لهن، كما أخفى أمر حواء في ذكر المعصية لآدم [حيث -] قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ فأخفاهن لما في ستر الحرم من الكرم، والله، ، حي كريم _ انتهى. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ قال الْحَرَالِّي: [جمع -] قنطار، يقال: هو مائة رطل، ويقال: إن الرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أربعون درهما، والدرهم خمسون حبة [وخمسا -] من حب الشعير، وأحقه أن يكون من شعير المدينة. ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ أي المضاعفة مرات - انتهى. ﴿وَالْخَيْلِ﴾ قال الْحَرَالِّي: اسم جمع لهذا الجنس المجبول على هذه الاختيال، لما خلق له من الاعتزاز به، وقوة المنة في الافتراس عليه، الذي منه سمي واحده فرسا ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ أي المعلمة بأعلام هي سمتها وسيماها التي

стр. 508

تشتهر بها جودتها، من السومة، بضم السين، وهي العلامة التي تجعل على الشاة لتعرف بها، وأصل السوم، بالفتح، الإرسال للرعي مكتفي في المرسل بعلامات تعرف بها نسبتها، لمن تتوفر الدواعي للحفيظة عليها من أجله من الواقع عليها من الخاص والعام، فهي مسومة بسيمة تعرف بها جودتها ونسبتها ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ وهي جمع نعم وهي الماشية فيها إبل، والإبل واحدها، فإذا خلت منها الإبل لم يجر على الماشية اسم نعم - انتهى. ﴿ذَلِكَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: الإشارة إلى بعده عن حد التقريب إلى حفرة الجنة - انتهى. ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال الْحَرَالِّي: جعل، ، ما أحاط به حس النظر العاجل من موجود العاجل أدنى، فأفهم أن ما أنبأ به على سبيل السمع أعلى، فجعل، تعالى، من أمر اشتباه كتاب الكون المرئي به وذكره المشهود أن عجل محسوس العين، وحمل على تركه وقبض اليد بالورع والقلب بالحب

стр. 509

عنه، وأخر مشهود مسموع الأذن من الآخرة وأنبأ بالصدق عنه، ونبه بالآيات عليه ليؤثر المؤمن مسمعه على منظره، كما آثر الناس منظرهم على مسمعهم. حرض لسان الشرع على ترك الدنيا والرغبة في الأخرى، فأبت الأنفس وقبلت قلوب، وهيم لسان الشعر في زينة الدنيا، فقبلته الأنفس، ولم تسلم القلوب منه إلا بالعصمة، فلسان الحق يصرف إلى حق الآخرة، ولسان الخلق يصرفه إلى زينة الدنيا، فأنبأ، ، أن ما في الدنيا متاع، والمتاع ما ليس له بقاء، وهو في نفسه خسيس خساسة الجيقة - انتهى. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ قال الْحَرَالِّي: مفعل من الأوب، وهو الرجوع إلى ما منه كان الذهاب - انتهى.

стр. 510

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي معنى لفظ الخلود إعلام بسكون الأنفس إليها لما فيها من موافقتها - انتهى. ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ قال الْحَرَالِّي: بكسر الراء وضمها [اسم -] مبالغة في معنى الرضى، وهو على عبرة امتلاء، بما تعرب عنه الألف والنون، وتشعر ضمة رائه بظاهر إشباعه، وكسرتها بباطن إحاطته - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: لما وصف، تعالى، قلوبهم بالتقوى، وبرأهم من الاستغناء بشيء من دونه، وصف أدبهم في المقال فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾. قال الْحَرَالِّي: وبين المغفرة على مجرد الإيمان إشارة إلى أنه لا تغيرها الأفعال، من ترتب إيمانه على تقوى غفرت ذنوبه. فكانت مغفرة الذنوب لأهل هذا الأدب في مقابلة الذين أخذهم الله بذنوبهم من الذين كذبوا، ففي شمول ذكر الذنوب في الصنفين إعلام بإجراء قدر الذنوب على الجميع، فما كان منها مع التكذيب أخذ به، وما كان منها مع التقوى والإيمان غفر له - انتهى. ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قال الْحَرَالِّي: ولما وصف تقوى قلوبهم باطنا، وأدب مقالهم ظاهرا، وصف لهم أحوال أنفسهم، ليتطابق ظاهر أمرهم بمتوسطه وباطنه فقال: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ فوصفهم بالصبر إشعارا بما ينالهم من سجن الدنيا

стр. 511

وشدائدها، والصبر أمدح أوصاف النفس، به تنحبس عن هواها، وعما زين من الشهوات المذكورة، بما تحقق من الإيمان بالغيب، الموجب لترك الدنيا للآخرة، فصبروا عن الشهوات، أما النساء فبالاقتصار على ما ملكوه، وأما البنون فبمراعاة أن ما تقدم خير مما تأخر، قال، ﷺ ، يعني [فيما -] رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: "لسقط أقدمه بين يدي، أحب إلى من فارس أخلفه خلفي". وأما الذهب والفضة فبالنظر إليها، أصناما يضر موجودها وبالحري أن ينال منها السلامة بنفقة لا يكاد يصل إنفاقها إلى أن يكون كفارة كسبها وجمعها، فكان الصبر عنها أهون من التخلص منها، وأما الخيل فلما يصحبها من التعزز الممد لخيلاء النفس، الذي هو أشد ما على النفس أن تخرج عن زهوها وخيلائها إلى احتمال الضيم والسكون بحب الذل، يقال إنه آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة.

стр. 512

وأما الأنعام فبالاقتصار منها على قدر الكفاف، لأن كل مستزيد تمولا من الدنيا، زائدا على كفاف منه؛ من مسكن أو ملبس أو مركب أو مال، فهو محجر، على من سواه من عباد الله، ذلك الفضل الذي هم أحق به منه، قال، ﷺ : "لنا غنم مائة، لا نريد أن تزيد" الحديث ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. وأما الحرث، فبالاقتصار منه على قدر الكفاية، لما يكون راتبا للإلزام، ومرصدا للنوائب، ومخرجا للبذر، فإن أعطاه الله فضلا أخرجه بوجه من وجوه الإخراج، ولو بالبيع، ولا يمسكه متمولا لقلبه إلى غيره من الأعيان، فيكون محتكراً، قال، ﵊، كما أخرجه أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما: "من احتكر أربعين يوما، فقد بريء من الله، وبريء الله منه". فبذلك يتحقق الصبر بحبس النفس عما زين للناس من التمولات من الدنيا الزائدة على الكفاف، التي هي حظ من لا خلاف له في الآخرة، ولذلك يحق أن تكون هذه الكلمات معرفة بالنصب مدحا، لأن الصفات المتبعة للمدح حليتها النصب في لسان العرب، وإنما يتبع في الإعراب ما كان لرفع لبس أو تخصيص - انتهى.

стр. 513

﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: في عطف الصفات ما يؤذن بكمال الوصف، لأن العرب تعطفها إذا كملت، وتتبع بعضها بعضا إذا تركبت والتأمت. يعني مثل: الرمان حلو حامض - إذا كان غير صادق الحلاوة ولا الحموضة - ففي العطف إشعار بكمال صبرهم عن العاجلة، على ما عينه حكم النظم في الآية السابقة، ومن شأن الصابر عن الدنيا الصدق، لأن أكثر المداهنة والمراءاة إنما ألجأ إليها التسبب إلى كسب الدنيا، فإذا رغب عنها لم يحمله على ترك الصدق حامل، فيتحقق به فيصدق في جميع أموره، والصدق مطابقة أقواله وأفعاله لباطن حاله في نفسه، وعرفان قلبه - انتهى. ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بأن من صبر نول، ومن صدق أعلى، ومن قنت جل وعظم قدره، فنوله الله ما يكون له منفقا، والمنفق أعلى حالا من المزكي، لأن المزكي يخرج ما وجب عليه فرضا، والمنفق يجود بما في يده فضلا - انتهى. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وهو جمع سحر، وأصل معناه التعلل عن

стр. 514

الشيء بما يقاربه ويدانيه، ويكون منه بوجه ما. فالوقت من الليل الذي يتعلل فيه بدنو الصباح هو السحر، ومنه السحور، تعلل عن الغداء. ثم قال: وفي إفهامه تهجدهم في الليل، كما قال، : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فهم يستغفرون من حسناتهم، كما يستغفر أهل السيئات من سيئاتهم، تبرؤاً من دعوى الأفعال ورؤية الأعمال؛ التئاما بصدق قولهم في الابتداء: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، وكمال الإيمان بالقدر خيره وشره. فباجتماع هذه الأوصاف السبعة من التقوى والإيمان والصبر [والصدق -] والقنوت [والإنفاق والاستغفار، كانت الآخرة خيرا لهم من الدنيا وما فيها، وقد بأن بهذا محكم آيات الخلق -] من متشابهها بعد

стр. 515

الإعلام بمحكم آيات الأمر ومتشابهها، فتم بذلك منزل الفرقان في آيات [الوحي -] المسموع، والكون المشهود - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: لما أنهى، تعالى، الفرقان نهايته ببيان المحكمين والمتشابهين في الوحي والكون، انتظمت هذه الشهادة، التي هي أعظم شهادة في كتاب الله، بآية القيومية التي هي أعظم آية الوجود، لينتظم آية الشهود بآية الوجود - انتهى. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: فأعاد بالإضمار ليكون الشاهد والمشهود له ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فأعاد بالهوية لمعنى الوحدانية في الشهادة، ولم يقل: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ بما يشعر به تكرار الاسم في محل الإضمار من التنزل العلي - انتهى. قال الْحَرَالِّي: وهذه الشهادة التي هي من الله الله، هي الشهادة التي إليها قصد القاصدون وسلك السالكون، وإليه انتهت الإشارة، وعندها وقفت العبارة، وهي أنهى المقامات وأعظم الشهادات، فمن شهد بها فقد شهد شهادة ليس وراءها مرمى، ومن شهد بما دونها كانت شهادته مشهودا عليها لا شهادة، يؤثر أن النبي، ﷺ ، لم يزل يوم الجمعة، وهو قائم بعرفة، منذ كان وقت العصر إلى أن غربت الشمس، في حجته التي كمل بها الدين، وتمت بها النعمة، يقول هذه الآية لا يزيد عليها.

стр. 516

فأي عبد شهد لله بهذه الشهادة التي هي شهادة الله لله، سبحانه وتعالي، بالوحدانية فقد كملت شهادته، وأتم الله، ، النعمة عليه، وهي سر كل شهادة من دونها، وهي آية علن التوحيد الذي هو منتهى المقامات، وغاية الدرجات في الوصول إلى محل الشهود، الذي منه النفوذ إلى الموجودة بمقتضى الأعظمية التي في الآية الفاتحة - انتهى. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا﴾ وقال الْحَرَالِّي: أفرد القيام، فاندرج من ذكر من الملائكة وأولي العلم في هذا القيام إفهاما، كما اندرجوا في الشهادة إفصاحا، فكان في إشعاره أن الملائكة وأولي العلم لا يقاد منهم فيما تجريه الله، ، على أيديهم، لأن أمرهم قائم بالقسط من الله. يذكر أن عظيم عاد لما كشف له عن الملائكة في يوم النقمة قال لهود، ﵊: ياهود، ما هذا الذي أراهم في السحاب كأنهم البخاتي؟ فقال: ملائكة ربي. فقال له: أرايت إن آمنت بإلهك أيقيدني منهم بمن قتلوا من قومي؟ قال: ويحك! وهل رأيت ملكا يقيد من جنده؟ - انتهى. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: كرر هذا التهليل لأنه في مرتبة القسط الفعلي، لأن التهليل الأول في مرتبة الشهادة العلمية، فاستوفى التهليلان جميع البادي؛ علما

стр. 517

وفعلا - انتهى. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال الْحَرَالِّي: وقسط الله هو إخفاء عدله في دار الدنيا، من حيث إنه خفض ورفع، يعادل خفضه رفعه، ورفعه خفضه، فيؤول إلى عدل، ويراه بذلك في حال تفاوته كل ذي لب، بما أنه عزيز يظهر عزته فيما يرفع، حكيم يخفي معنى حكمه فيما يخفض، فكل ما هو باد من الخلق جود فهو من الله، ، قسط، طيته عدل سره سواء، فيظهر عزته فيما حكم انتقاما، وحكمته في الموازنة بين الأعمال والجزاء عدلا - انتهى. ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: والبغي السعي بالقول والفعل في إزالة نعم أنعم الله، تعالى، بها على خلقه، بما اشتملت عليه ضمائر الباغي من الحسد له - انتهى. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ قال الْحَرَالِّي: من السرعة، وهي وجاء التجاز فيما شأنه الإبطاء - انتهى. قال الْحَرَالِّي: كان آية من الله، ، للهداية، فوقع عندهم بحال من كفروا به، فكان سبب كفرهم ما كان مستحقا أن يكون سبب هداية المهتدي، وكان ذلك فيه لمحل اشتباهه، لأنه اشتبه عليهم خلقه بما ظهر على يديه من آيات

стр. 518

الله، ، وفي التعريض به إلاحة لما يقع لهذه الأمة في نحوه، ممن هو مقام الهداية، فوقع في طائفة موقع آية كفروا بها، كما قال عليه، الصلاة والسلام، في علي رضي الله تعالى عنه: "مثلك ياعلي، كمثل عيسى بن مريم، أبغضه يهود فبهتوا أمه، وأحبه النصارى فأنزلوه بالمحل الذي ليس به" كذلك تفرقت فرق في علي، رضي الله تعالى عنه، من بين خارجيهم ورافضيهم -[انتهى -]. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: ولما أدرج، تعالى، شهادة الملائكة وأولي العلم في شهادته، لقن نبيه، ﷺ ، أن يدرج من اتبعه في إسلامه وجهه لله، ليكون إسلامهم بإسلام نبيهم، ﷺ ، لا بإسلام أنفسهم، لتلحق التابعة من الأمة بالأيمة، وذلك حال الفرقة الناجية، مؤثرة الفرق الإثنين والسبعين، التي قال [النبي]، ﷺ : "ما أنا عليه" فيما أوتي من اليقين، "وأصحابي" فيما أوتوه من الانقياد، وبراءتهم من الرجوع إلى أنفسهم في أمر،

стр. 519

كما كانوا يقولون عند كل ناشئة علم أو أمر: "الله ورسوله أعلم" فمن دخل برأيه في أمر نقص حظه من الاتباع، بحسب استبداده - انتهى. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ولما كانت هذه السورة منزلة لتبيين ما اشتبه على أهل الإنجيل، جرى ذكر أهل التوراة فيها مجملا بجوامع من ذكرهم، لأن تفاصيل أمرهم قد استقرأته سورة البقرة، فكان أمر أهل التوراة في سورة البقرة بيانا، وأهل الإنجيل إجمالا، وكان أمر أهل الإنجيل في سورة آل عمران بيانا، وذكر أهل التوراة إجمالا، لما كان لبس أهل التوراة في الكتاب، فوقع تفصيل ذكرهم في سورة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ولما كان اشتباه أمر أهل الإنجيل في شأن الإلهية، كان بيان ما تشابه عليهم في سورة: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فجاء هذا الذكر لأهل التوراة معادلة بينهم وبين أهل الإنجيل، بما كفروا بالآيات من المعنى الذي اشتركوا فيه في أمر الإلهية، في عزيز، واختصوا بقتل الأنبياء، وقتل أهل الخير، الآمرين بالقسط - انتهى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي ذكره بصيغة

стр. 520

[الدوام -] ما يقع منهم من الكفر بآيات الله في ختم اليوم المحمدي مع الدجال، فإنهم أتباعه ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾، في إشعاره ما تمادوا عليه من البغي على الأنبياء، حتى كان لهم مدخل في شهادة النبي، ﷺ ، التي رزقه الله فيما كان يدعو به حيث كان يقول، ﷺ ، "اللهم ارزقني شهادة في يسر منك وعافية". ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل الخير من الملوك والرؤساء، فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من علم التطبب ومخالطتهم رؤساء الناس بالطب، الذي توسل كثير منهم إلى قتلهم به عمدا وخطأ، ليجري ذلك على أيديهم خفية في هذه الأمة، نظير ما جرى على أيدي أسلافهم في قتل الأنبياء جهرة - انتهى. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وأنبأ، تعالى، بقوله: ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ كما قال الْحَرَالِّي: أنهم يتعقبون أعمال خيرهم ببغي يمحوها، فلا يطمعون بجزائها في عاجل ولا آجل، وبذلك تمادى عليهم الذل، وقل منهم المهتدي انتهى.

стр. 521

﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إعلام بوقوع الغلبة عليهم غلبة لا نصرة لهم فيها، في يوم النصر الموعود في سورة الروم، التي هي تفصيل من معنى هذه السورة، في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فهم غير داخلين فيمن ينصر بما قد ورد أنهم يقتلون في آخر الزمان، حتى يقول الحجر: يا مسلم، خلفي يهودي فاقتله، حتى لا يبقى منهم إلا من يستره شجر الفرقد، كما قال، ﷺ : "إنه من شجرهم". وفي إفهامه أن طائفة من أهل الإنجيل يقومون بحقه، فيكونون ممن تشملهم نصرة الله، ، مع المسلمين، فتنتسق الملة واحدة، مما يقع من الاجتماع، حين تضع الحرب أوزارها - انتهى. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ وقال الْحَرَالِّي: كتابهم الخاص بهم نصيب من الكتاب الجامع، وما أخذوا من كتابهم نصيب من اختصاصه، فإنهم لو استوفوا حظهم منه لما عدلوا في الحكم عنه، ولرضوا به، وكان في هذا التعجيب أن يكون غيرهم يرضى بحكم كتابهم، ثم لا يرضون هم به - انتهى.

стр. 522

﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ أظهر الاسم الشريف، ولم يقل: إلى كتابهم، احترازا عما غيروا وبدلوا، ولأنهم إنما دعوا إلى كتاب الله الذي أنزل على موسى، ﵊، لا إلى ما عساه أن يكون بأيديهم، مما غيروا - نبه عليهم الْحَرَالِّي. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: في إشعاره أن طائفة منهم على حق منه، أي وهم المذعنون لذلك الحكم الذي دعا إليه انتهى. ﴿ثُمَّ﴾ وقال الْحَرَالِّي: في إمهاله ما يدل على تلددهم وتبلدهم في ذلك، بما يوقعه الله من المقت والتحير على من دعى إلى حق فأباه، وفي صيغة يتفعل في قوله ﴿يَتَوَلَّى﴾ ما يناسب معنى ذلك في تكلف التولي على انجذاب من بواطنهم لما عرفوه وكتموه، وصرح قوله: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ بما أفهمه ما تقدم من قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ فأفهم أن طائفة منهم ثابتون قائلون لحكم كتاب الله تعالى، وأنبأ قوله المشير إلى كثرة أفراد هذا الفريق ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ بما سلبوه من ذلك التردد والتكلف، فصار وصفا لهم، بعد

стр. 523

أن كان تعملا، ما أنكر منكر حقا، وهو يعلمه، إلا سلبه الله، تعالى، علمه حتى يصير إنكاره له بصورة وبوصف من لم يكن قط علمه - انتهى. وفي هذا تحذير لهذه الأمة من الوقوع في مثل ذلك، ولو بأن يدعى أحدهم من حسن إلى أحسن منه، نبه عليه الْحَرَالِّي: وقال: إذ ليس المقصور حكاية ما مضى فقط، ولا ما هو كائن فحسب، بل خطاب القرآن قائم دائم ماض كلية خطابه في غابر اليوم المحمدي، مع من يناسب أحوال من تقدم منهم، وفي حق المرء مع نفسه في أوقات مختلفة - انتهى. ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ﴾ قال الْحَرَالِّي: من الغرور، وهو إخفاء الخدعة في صورة النصيحة - انتهى. ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فتقابل التعجيبان في ردهم حق الله، ، وسكونهم إلى باطلهم - انتهى. ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ﴾ ووصفه بقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ مشعر - كما قال الْحَرَالِّي: بأنهم ليسوا على طمأنينة في باطلهم، بمنزلة الذي لم يكن له أصل كتاب، فهم في ريبهم يترددون، إلى أن يأتي ذلك اليوم. ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قال الْحَرَالِّي: الفصل الموقع للجزاء مخصوص بوجود

стр. 524

النفس، التي دأبها أن تنفس فتريد وتختار وتحب وتكره، فهي التي توفي، فمن سلب الاختيار وإلا إرادة والكراهة بتحقق الإسلام الذي تقدم، ارتفع عنه التوفية، إذ لا وجود نفس له بما أسلم وجهه لله، فلذلك اختص وعيد القرآن كله بالنفس في نفاستها بإرادتها، وما تنشأ لها عليه من أحوالها وأفعالها ودعواها في ملكها وملكها، فمتى [نفست فتملكت -] ملكا أو تشرفت ملكا خرجت عن إسلامها، حتى ينالها سلب القهر منه، وإلزام الذل عنه، وبلمح من هذا المعنى اتصلت الآية التي بعدها بختم هذه الآية، وناظرت [رأس -] آية ذكر الإسلام، فإنما هو مسلم لله، وذو نفس متملك على الله، حتى يسلبه الله في العقبى أو يذله في الدنيا، فشمل هذا الوفاء لكل نفس أهل الكتاب وغيرهم، وعم الوفاء لكل من يعمه الجمع، كذلك خطاب القرآن، يبدأ بخصوص فيختم بعموم، ويبدأ بعموم فيثنيه تفصيل - انتهى. قال الْحَرَالِّي: ولما كان هذا الأمر نبوة ثم خلافة، ثم ملكا، فانتظم

стр. 525

بما تقدم من أول السورة أمر النبوة في التنزيل والإنزال، وأمر الخلافة في ذكر الراسخين في العلم، الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وكانت من هجيري أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، يقنت بها في وتر صلاة النهار في آخر ركعة من المغرب - انتظم برؤوس تلك المعاني ذكر الملك الذي آتى الله هذه الأمة، وخص به من لاق به الملك، كما خص بالخلافة من صلحت له الخلافة، كما تعين للنبوة الخاتمة من لا يحملها سواه - انتهى. ﴿قُلِ﴾ قال الْحَرَالِّي: لعلو منزل هذه السورة كثر الإقبال فيها بالخطاب على النبي، ﷺ ، وجعل هو القائل لما كانت المجاورة معه، لأن منزلا القرآن ما كان منه لإصلاح ما بين الخلق وربهم يجيء الخطاب فيه من الله، ، إليهم مواجهة، حتى ينتهي إلى الإعراض عند إياء من يابى منهم، وماكان لإصلاح ما بين الأمة ونبيها يجري الله الخطاب فيه على لسانه، من حيث توجههم بالمجاورة إليه، فإذا قالوا قولا يقصدونه به، قال الله

стр. 526

عز وجل: قل لهم. ولكون القرآن متلوا ثبتت فيه كلمة: "قُلِ " انتهى. ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فأقنعه، ﷺ ، ملك ربه، فمن كان منه ومن آله وخلفائه وصحابته، يكون من إسلامه وجهه لربه إسلام الملك كله الذي منه شرف الدنيا لله، فلذلك لم يكن، ﷺ ، يتظاهر بالملك، ولا يأخذ مآخذه، لأنه كان نبيا عبدا، لا نبيا ملكا، فأسلم الملك لله، كذلك خلفائه، أسلموا الملك [لله -]، فلبسوا الخلقان والمرقعات، واقتصروا على شظف العيش، ولانوا في الحق، وحملوا جفاء الغريب، واتبعوا أثره في العبودية، فأسلموا الملك لله، ، ولم ينازعوه شيئا منه، حمل عمر، رضي الله تعالى عنه، قربه على ظهره، في زمن خلافته، حتى سكبها في دار امرأة من الأنصار في أقصى المدينة. فلما جاء الله بزمن الملك، واستوفيت أيام الخلافة، عقب وفاء زمان النبوة، أظهر الله، ، الملك في أمة محمد، ﷺ ، وكما خصص بالنبوة والإمامة بيت محمد وآل محمد، ﷺ ، وخصص بالخلافة فقراء المهاجرين،

стр. 527

خصص بالملك الطلقاء الذين كانوا عتقاء الله ورسوله، لينال كل من رحمة [الله -] وفضله، التي ولى جميعها نبيه، ﷺ ، كل طائفة على قدر قربهم منه، حتى اختص بالتقدم قريشا ما كانت، ثم العرب ماكانت، إلى ماصار له الأمر بعد الملك من سلطنة وتجبر، إلى ما يصير إليه من دجل، كل ذلك مخول لمن يخوله بحسب القرب والبعد منه. ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ في الايتاء إشعار بأنه تنويل من الله من غير قوة وغلبة، ولا مطاولة فيه. وفي التعبير بمن العامة للعقلاء، إشعار بمنال الملك من لم يكن من أهله، وأخص الناس بالبعد منه العرب، ففيه إشعار بأن الله ينول ملك فارس والروم العرب كما وقع منه ما وقع، وينتهي منه ما بقي إلى من نال الملك بسببها، وعن الاستناد إليها من سائر الأمم، الذين دخلوا في هذه الأمة من قبائل الأعاجم وصنوف أهل الأقطار، حتى ينتهي الأمر إلى أن يسلب الله الملك جميع أهل الأرض، فيعيده إلى إمام العرب الخاتم للهداية من ذريته ختمه، ﷺ ، للنبوة من ذرية آدم،

стр. 528

ويؤتيهم من المكنة، كما قال ﷺ : "لو شاء أحدهم أن يسير من المشرق إلى المغرب في خطوة لفعل" ومع ذلك فليسوا من الدنيا، وليست الدنيا منهم، فيوتيهم الله ملكا من ملكه، ظاهر هداية من هداه، شأفة عن سره الذي يستعلن به في خاتمة يوم الدنيا، ليتصل بظهوره ملك يوم الدين، ولذلك التلبس بشرف الدنيا والاستئثار بخيرها، قال أبو بكر لعمر، رضي الله تعالى عنهما، في وصيته: إذا جنيت فلتهجر يدك فاك حتى يشبع من جنيت له، فإن نازعتك نفسك في مشاركتهم، فشاركهم غير مستأثر عليهم، وإياك والذخيرة! فإن الذخيرة تهلك دين الإمام، وتسفك دمه، فالملك التباس بشرف الدنيا واسئثار بخيرها، واتخاذ ذخيرة منها. لما أرادوا أن يغيروا على عمر، رضي الله تعالى عنه، زيه عند إقباله على بيت المقدس، نبذ زيهم وقال: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام! فلن نلتمس العزة

стр. 529

بغيره، فمن التمس الشرف بجاه الدنيا فهو ملك بقدر ما يلتمس من شرفها، قل ذلك الحظ أوجل، وهو به من أتباع ملوك الدنيا، وكذلك من التمس الاستئثار بخيرها، واتخذ الذخيرة منها، كل ينال من الملك، ويكون من شيعة الملوك بحسب ما ينال ويحب من ذلك، حتى ينتهي إلى حشره مع الصنف الذي يميل إليه، فمن تذلل وتقلل وتوكل بعث مع الأنبياء والمرسلين والخلفاء، كما أن من تشرف بالدنيا واستأثر وادخر منها حشر مع الملوك والسلاطين. جلس عمر، رضي الله تعالى عنه، يوما وسلمان وكعب وجماعة، رضي الله تعالى عنهم، فقال: أخبروني أخليفة أنا أم ملك؟ فقال له سلمان، رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين، إن جبيت درهما من هذا المال فوضعته في غير حقه فأنت ملك، وإن لم تضعه إلا في حقه فأنت خليفة، فقال كعب: رحم الله تعالى، ما ظننت أن أحدا يعرف الفرق بين الخليفة والملك غيري،

стр. 530

فالتزام مرارة العدل وإيثار الغير خلافة، وتشبع في سبيلها، ومنال حلاوة الاستئثار بالعاجلة، شرفها وما لها، ملك وتحيز اتباعه - انتهى. ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ قال الْحَرَالِّي: من النزع، وهو الأخذ بشدة وبطش - انتهى. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي كلمة النزع، بما ينبئ عنه من البطش والقوة، ما يناسب معنى الإيتاء، فهو إيتاء للعرب، ونزع من العجم، كما ورد أن كسرى رأى في منامه أنه يقال له: سلم ما بيدك لصاحب الهراوة، فنزع ملك الملوك من الأكاسرة والقياصرة، وخوله قريش ومن قام بأمرها، وانتحل الملك باسمها، من صنوف الأمم غربا وشرقا وجنوبا وشمالا، إلى ما يتم به الأمر في الختم، والعز - والله أعلم - عزة الله، ، لأهله ولآل نبيه، ﷺ ، والأنصار والصلحاء من صحابته وعشيرته وأبنائهم وذرياتهم، الذين سلبهم الله ملك الدنيا
следующие страницы →