← Тафсир

Тафсир · id 26539

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

الحرالي، أبو الحسن

Полный текст (573 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عز وجل: قل لهم. ولكون القرآن متلوا ثبتت فيه كلمة: "قُلِ " انتهى. ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فأقنعه، ﷺ ، ملك ربه، فمن كان منه ومن آله وخلفائه وصحابته، يكون من إسلامه وجهه لربه إسلام الملك كله الذي منه شرف الدنيا لله، فلذلك لم يكن، ﷺ ، يتظاهر بالملك، ولا يأخذ مآخذه، لأنه كان نبيا عبدا، لا نبيا ملكا، فأسلم الملك لله، كذلك خلفائه، أسلموا الملك [لله -]، فلبسوا الخلقان والمرقعات، واقتصروا على شظف العيش، ولانوا في الحق، وحملوا جفاء الغريب، واتبعوا أثره في العبودية، فأسلموا الملك لله، ، ولم ينازعوه شيئا منه، حمل عمر، رضي الله تعالى عنه، قربه على ظهره، في زمن خلافته، حتى سكبها في دار امرأة من الأنصار في أقصى المدينة. فلما جاء الله بزمن الملك، واستوفيت أيام الخلافة، عقب وفاء زمان النبوة، أظهر الله، ، الملك في أمة محمد، ﷺ ، وكما خصص بالنبوة والإمامة بيت محمد وآل محمد، ﷺ ، وخصص بالخلافة فقراء المهاجرين،

стр. 527

خصص بالملك الطلقاء الذين كانوا عتقاء الله ورسوله، لينال كل من رحمة [الله -] وفضله، التي ولى جميعها نبيه، ﷺ ، كل طائفة على قدر قربهم منه، حتى اختص بالتقدم قريشا ما كانت، ثم العرب ماكانت، إلى ماصار له الأمر بعد الملك من سلطنة وتجبر، إلى ما يصير إليه من دجل، كل ذلك مخول لمن يخوله بحسب القرب والبعد منه. ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ في الايتاء إشعار بأنه تنويل من الله من غير قوة وغلبة، ولا مطاولة فيه. وفي التعبير بمن العامة للعقلاء، إشعار بمنال الملك من لم يكن من أهله، وأخص الناس بالبعد منه العرب، ففيه إشعار بأن الله ينول ملك فارس والروم العرب كما وقع منه ما وقع، وينتهي منه ما بقي إلى من نال الملك بسببها، وعن الاستناد إليها من سائر الأمم، الذين دخلوا في هذه الأمة من قبائل الأعاجم وصنوف أهل الأقطار، حتى ينتهي الأمر إلى أن يسلب الله الملك جميع أهل الأرض، فيعيده إلى إمام العرب الخاتم للهداية من ذريته ختمه، ﷺ ، للنبوة من ذرية آدم،

стр. 528

ويؤتيهم من المكنة، كما قال ﷺ : "لو شاء أحدهم أن يسير من المشرق إلى المغرب في خطوة لفعل" ومع ذلك فليسوا من الدنيا، وليست الدنيا منهم، فيوتيهم الله ملكا من ملكه، ظاهر هداية من هداه، شأفة عن سره الذي يستعلن به في خاتمة يوم الدنيا، ليتصل بظهوره ملك يوم الدين، ولذلك التلبس بشرف الدنيا والاستئثار بخيرها، قال أبو بكر لعمر، رضي الله تعالى عنهما، في وصيته: إذا جنيت فلتهجر يدك فاك حتى يشبع من جنيت له، فإن نازعتك نفسك في مشاركتهم، فشاركهم غير مستأثر عليهم، وإياك والذخيرة! فإن الذخيرة تهلك دين الإمام، وتسفك دمه، فالملك التباس بشرف الدنيا واسئثار بخيرها، واتخاذ ذخيرة منها. لما أرادوا أن يغيروا على عمر، رضي الله تعالى عنه، زيه عند إقباله على بيت المقدس، نبذ زيهم وقال: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام! فلن نلتمس العزة

стр. 529

بغيره، فمن التمس الشرف بجاه الدنيا فهو ملك بقدر ما يلتمس من شرفها، قل ذلك الحظ أوجل، وهو به من أتباع ملوك الدنيا، وكذلك من التمس الاستئثار بخيرها، واتخذ الذخيرة منها، كل ينال من الملك، ويكون من شيعة الملوك بحسب ما ينال ويحب من ذلك، حتى ينتهي إلى حشره مع الصنف الذي يميل إليه، فمن تذلل وتقلل وتوكل بعث مع الأنبياء والمرسلين والخلفاء، كما أن من تشرف بالدنيا واستأثر وادخر منها حشر مع الملوك والسلاطين. جلس عمر، رضي الله تعالى عنه، يوما وسلمان وكعب وجماعة، رضي الله تعالى عنهم، فقال: أخبروني أخليفة أنا أم ملك؟ فقال له سلمان، رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين، إن جبيت درهما من هذا المال فوضعته في غير حقه فأنت ملك، وإن لم تضعه إلا في حقه فأنت خليفة، فقال كعب: رحم الله تعالى، ما ظننت أن أحدا يعرف الفرق بين الخليفة والملك غيري،

стр. 530

فالتزام مرارة العدل وإيثار الغير خلافة، وتشبع في سبيلها، ومنال حلاوة الاستئثار بالعاجلة، شرفها وما لها، ملك وتحيز اتباعه - انتهى. ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ قال الْحَرَالِّي: من النزع، وهو الأخذ بشدة وبطش - انتهى. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي كلمة النزع، بما ينبئ عنه من البطش والقوة، ما يناسب معنى الإيتاء، فهو إيتاء للعرب، ونزع من العجم، كما ورد أن كسرى رأى في منامه أنه يقال له: سلم ما بيدك لصاحب الهراوة، فنزع ملك الملوك من الأكاسرة والقياصرة، وخوله قريش ومن قام بأمرها، وانتحل الملك باسمها، من صنوف الأمم غربا وشرقا وجنوبا وشمالا، إلى ما يتم به الأمر في الختم، والعز - والله أعلم - عزة الله، ، لأهله ولآل نبيه، ﷺ ، والأنصار والصلحاء من صحابته وعشيرته وأبنائهم وذرياتهم، الذين سلبهم الله ملك الدنيا

стр. 531

فحلاهم بعز الآخرة وبعزة الدين، كما قال : ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ليكون في الخطاب إنباء بشرى لهم أنه أتاهم من العز بالدين ما هو خير من الشرف بملك الدنيا ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. فالملوك، وإن تشرفوا بملك الدنيا -]، فليس لهم من عزة الدين شيء، أعزهم الله، ، بالدين، تخدمهم الأحرار، وتتوطد لهم الأمصار، لا يجدون وحشة، ولا يحصرون في محل، ولا تسقط لهم حرمة حيثما حلوا وحيثما كانوا، استتروا أو أشتهروا، والمتلبسون بالملك لا يخدمهم إلا من استرقوه قهرا، يملكون تصنع الخلق، ولا يملكون محاب قلوبهم، محصورون في أقطار ممالكهم، لا يخرجون عنها، ولا ينتقلون منها، حتى يمنعهم من كمال الدين، فلا ينصرفون في الأرض ولا يضربون فيها، حتى يمتنع ملوك من الحج مخافة نيل الذل في غير موطن الملك، والله يقول: ﴿إن عبدا أصححت له جسمه، وأوسعت

стр. 532

عليه في رزقه، يقيم خمسة أعوام لا يفد على المحروم﴾ فالملوك مملوكون بما ملكوا، وأعزاء الله ممكنون فيما إليه وجهوا، لا يصدهم عن تكملة أمر الدين وإصلاح أمر الآخرة صاد، ولا يردهم عنه راد لخروجهم من سجن الملك إلى سعة العز بعزة الله، ، فقارض الله أهل بيت نبيه، ﷺ ، ورضي عنهم، ومن لم يرضه للملك بعز الإمامة ورفعة الولاية والاستيلاء على محاب القلوب، فاسترعاهم الله قلوب العالمين بما استرعى الملوك بعض حواس المستخدمين والمستتبعين، والذل مقابل ذلك العزة فإذا كان ذلك العز عزاً دينيا ربانيا عوضا عن سلب الملك، كان هذا الذل - والله تعالى أعلم - ذل أهل الدنيا في دنياهم الذي ألزمهم الله، إياه بما أذلتهم أنفسهم فاستعملتهم في شهواتها، وأذلهم أتباعهم فتوسلوا بهم إلى قضاء أعراضهم في أهوائهم، ويستذلهم من يظلمونه بما ينتصفون منهم، وينالهم من ذل

стр. 533

تضييع الدين، ويبدو على وجوههم من ظلمة الظلم ما يشهد ذلهم فيه أبصار العارفين - انتهى. ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ولما كانت هذه الآية متضمنة تقلبات نفسانية في العالم القائم الآدمي، اتصل بها ذكر تقلبات في العالم الدائر، ليؤخذ لكل منها اعتبار من الآخر. ولما ظهر في هذه الآية افتراق في النزع، والإيتاء والإعزاز والأذلال، أبدى في الآية التالية توالج بعضها في بعض، ليؤذن بولوج العز في الذل، والذل في العز، والإيتاء في النزع، والنزع في الإيتاء، وتوالج المفترقات والمتقابلات بعضها في بعض. ولما كانت هذه السورة متضمنه لبيان الإحكام والتشابه في منزل الكتاب بحكم الفرقان، أظهر، تعالى، في آياتها ما أحكم وبين في خلقه وأمره، [وما التبس وأولج في خلقه وأمره -]، فكان من محكم آية في الكائن القائم الآدمي ما تضمنه إيتاء الملك ونزعه من الإعزاز والإذلال، وكان من الاشتباه إيلاج العز في الذل، وإيلاج الذل في العز، فلما صرح بالإحكام ببيان الطرفين في الكائن القائم الآدمي، وضمن الخطاب اشتباهه في ذكر العز والذل، صرح به في آية الكون الدائر، فذكر آية الآفاق، وهو الليل والنهار، بما يعاين فيها من التوالج، حيث ظهر ذلك فيها،

стр. 534

وخفي في توالج أحوال الكائن القائم، لأن الإحكام والاشتباه متراد بين الآيتين: آية الكائن القائم الآدمي، وآية الكون الدائر العرشي، فما وقع اشتباهه في أحدهما ظهر إحكامه في الآخر، فقال : ﴿تُولِجُ﴾ من الولوج، وهو الدخول في الشيء الساتر لجملة الداخل. ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ فيه تفصيل من مضاء قدرته، فهو، ، يجعل كل واحد من المتقابلين بطانة للآخر، والجأ فيه على وجه لا يصل [إليه -] منال العقول، لما في المعقول من افتراق المتقابلات، فكان في القدرة إيلاج المتقابلات بعضها في بعض، وإيداع بعضها في بعض، على وجه [لا - يتكيف بمعقول ولا ينال بفكر - انتهى. ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ قال الْحَرَالِّي: ولما جعل المتعاقبين من الليل والنهار متوالجين، جعل المتباطنين من الحي والميت مخرجين، فما ظهر فيه الموت بطنت فيه الحياة، وما ظهرت فيه الحياة بطن فيه الموت - انتهى. ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ قال الْحَرَالِّي: فهذه سنة الله، ، وحكمته في الكائن القائم، وفي الكون الدائر.

стр. 535

فأما في الكون الدائر فبإخراج حي الشجر والنجم من موات البذر والعجم، وبظهوره في العيان كان أحكم في البيان مما يقع في الكائن القائم. كذلك الكائن القائم يخرج الحي المؤمن الموقن من الميت الكافر الجاهل. ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ ويخرج الكافر الآبي من المؤمن الراحم ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أظهر، ، بذلك وجوه الإحكام والاشتباه في آيتي خلقه، ليكون ذلك آية على ما في أمره، وليشف ذلك عما يظهر من أمر علمه وقدرته على من شاء من عباده، كما أظهر في ملائكته وأنبيائه، وكما خصص بما شاء من إظهار عظيم أمره في المثلين الأعظمين: مثل آدم وعيسى، عليهما الصلاة والسلام، فأنزلت هذه السورة لبيان الأمر فيما اشتبه على من التبس عليه أمر عيسى، ﵊، فهو، تعالى، أظهر من

стр. 536

موات الإنسانية ما شاء من الإحياء بإذنه، وأظهر في آدم، ﵊، ما شاء من علمه، حين علم آدم الأسماء كلها، كذلك أظهر في عيسى، ﵊، ما شاء من قدرته، كما أظهر في الخلق ما شاء من ملكه، فملك من شاء، ونزع الملك ممن شاء، وأعز من شاء، وأذل من شاء، وأظهر بالنهار ما شاء، وطمس بالليل ما شاء، وأولج المتقابلين بعضهما في بعض، وأخرج المتباطنين بعضهما من بعض - انتهى. ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ولما ذكر، ، هذا الإحكام والاشتباه في أمر العلية من الخلق، أهل شرف الملك، وأهل عزة الدين، ختم الخطاب بأمر الرزق الذي هو تتمة الخلق، وفيه من الإحكام والاشتباه نحو ما في الإيتاء والنزع، ولما فيه من الوزن والإيتاء بقدر، ختم بأعزيه. وهو الإرزاق الذي لا يقع على وزن، ولا يكون بحساب، وفيه إشعار بالإرزاق الختمي الذي يكون في آخر اليوم المحمدي للذين يوتيهم الله، سبحانه

стр. 537

وتعالى، ما شاء من ملكه وعزه وسعة رزقه بغير حساب. فكما ختم الملك لبني إسرائيل بملك سليمان، ﵊، في قوله : [﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ كذلك يختم لهذه الأمة بأن يرزقهم بغير حساب، حين تلقي الأرض بركاتها، وتتطهر من فتنتها، فتقع المكنة في ختم اليوم المحمدي بالهداية والهدنة، كما انقضت لبني إسرائيل بالملك والقوة - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: ولما كان مضمون هاتين الآيتين بشرى بخصوص هذه الأمة وعمومها بالعز والملك وختم الرزق الذي لا حساب فيه، كان من الحق أن تظهر على المبشرين عزة البشرى، فلا يتولوا غيره، ولما قبض ما بأيدي الخلق إليه في إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال، وأظهر إحاطة قدرته على كل شيء، وإقامة امتحانه بما أولج وأخرج، وأنبأ عن إطلاق حد العد عن أرزاقه، فسد على النفس الأبواب التي منها تتوهم الحاجة إلى الخلق، ونهى المؤمنين الذين كانت لهم عادة

стр. 538

بمباطنة بعض كفرة أهل الكتاب وغيرهم من المشركين، ومن شملهم وصف الكفر أن يجروا على عادتهم في موالاتهم ومصافاتهم والحديث معهم، لأن المؤمنين يفاوضونهم بصفاء، والكافرون يتسمعون ويأخذون منهم بدغل ونفاق عليهم، كما قال تعالى: ﴿هائئغ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ فنهاهم الله، ، عما غاب عنهم خبرته وطيته. ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن في ذلك - كما قال الْحَرَالِّي: تبعيد القريب وتقريب البعيد، والمؤمن أولى بالمؤمن، كما قال، ﵊: "المؤمن [للمؤمن -] كالبيان، يشد بعضه بعضا" فأقواهم له ركن، وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي، فإذا والاه قوي به مما يباطنه ويصافيه، وإذا اتخذ الكافر وليا من دون مؤمنه القوي، ربما تداعى ضعفه في إيمانه إلى ما ينازعه فيه من ملابسة أحوال الكافرين، كما أنهم لما أصاخوا إليهم إضاخة أوقعوا بينهم سباب الجاهلية [كما] في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ

стр. 539

تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ وكما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. ولم يمنع، ، من صلة أرحام من لهم من الكافرين، ولا من خلطتهم في أمر الدنيا، فيما يجري مجرى المعاملة من البيع والشراء والأخذ والعطاء، وغير ذلك ليوالوا في الدين أهل الدين، ولا يضرهم أن يباروا من لم يحاربهم من الكافرين - انتهى. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ قال الْحَرَالِّي: ففي إفهامه أن من تمسك بولاية المؤمنين فهو من الله في شيء، بما هو متمسك بعنان من هو له وسيلة إلى الله، ، من الذين إذا رأوا ذكر الله - انتهى. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وهذا المحذور منه وهو، ، كما قال الْحَرَالِّي: مجموع أسماء تعاليه المقابلة بأسماء أوصافهم التي مجموعها أنفسهم، وموجود النفس ما تنفس، وإذا كانت أنفس الخلق تنفس على ما دونها إلى حد مستطاعها، فكان ما حذره الله من نفسه أولى وأحق بالنفاسة في تعالى أوصافه وأسمائه أن تنفس على من

стр. 540

يغنيه فلا يستغني، ويكفيه فلا يكتفي، ويريه مصارف سد خلاته وحاجاته فلا ينصرف إليها ولا يتوجه نحوها، فهو، ، يعذب من تعرف له بنفسه فلم يعرفه، أشد من عذاب من تعرف له بآياته فلا يعتبر بها، بما أن كل ما أبداه من نفسه بلا واسطة فهو أعظم مما أبداه بالواسطة من نعيم وعذاب، فلا أعظم من نعيم من تعرف له بنفسه فعرفه، ولا أشد من عذاب من تعرف له بنفسه فأنكره - انتهى. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ وقال الْحَرَالِّي: ولما كان الزائل أبدا مؤذنا بترك الاعتماد [عليه -]، أقام، تعالى، على المتمسك بما دونه حجة بزواله، فلا يستطيع الثبات عليه، عندما تناله [الإزالة] والإذهاب، ويصير الأمر كله لله، فأعلم أن المصير المطلق إلى الله، ، فمن تعرف إليه فعرفه نال أعظم النعيم، ومن تعرف إليه فأنكره نال أشد الجحيم - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: ولما كان حقيقة ما نهى عنه في الولاية والتقاة أمرا باطنا

стр. 541

يترتب عليه فعل ظاهر، فوقع التحذير فيه على الفعل، كرر فيه التحذير على ما وراء الفعل مما في الصدور، [و -] نبيه فيه على منال العلم خفية، فإنه قد يترك الشيء فعلا ولا تترك النفس الغية صغوا ونزوعا إليه في أوقات، وكرر في ختمه التحذير، ليتثنى التحذيران ترقيا من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في العلم، كما تثنى الأمران في الظاهر والباطن، وكان في إجراء هذا الخطاب على لسان النبي، ﷺ ، حجة عليهم بما أنه بشر مثلهم، يلزمهم الاقتداء به فيما لم يبادروا إلى أخذه من الله في خطابه الذي عرض به نحوهم - انتهى. ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا﴾ قال الْحَرَالِّي: وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري، فهو مقدار ما يستوفي ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه، ﴿بَعِيدًا﴾ من البعد، وهو منقطع الوصلة في حس أو معنى - انتهى. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: أن تكون لكم أنفس فتجد ما عملت، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة، بل الذي ينبغي أن يبرأ العبد من نفسه تربئته من أن يكون له إرادة، وأن يلاحظ علم الله وقدرته في كلية ظاهره وباطنه، وظاهر الكون وباطنه - انتهى.

стр. 542

﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ قال الْحَرَالِّي: فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائيا، والتحذير السابق انتهائيا، فكان هذا رأفة سابقة، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيراً لاحقا متصلا بالمصير إلى الله، وهذا الخاتم مبتدئا بالرأفة من الله. والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق الرحمة، والذي يفصح عن المعنى - والله أعلم - أنها عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، فمن تحقق أن الأمر لله، ، وجد رفقه وفضله ورحمته عليه، لما بريء من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نفسه، فأحبه لذلك. "قيل لأعرابي: إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله، فقال: أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه! فلذلك إذا تحقق العبد ذلك من ربه أحبه بما وحده، وبما وحده في العاجلة، فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: لما كان أعظم ما يترامى إليه مقامات السالكين إلى الله، ، القاصدين إليه من مبدأ حال الذكر، الذي هو منتهي المقامات العشر المترتبة في قوله، : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ﴾ محبة الله سبحانه

стр. 543

وتعالى، بما أن المحبة وصلة خفية يعرف الحاس بها كنهها، أقام، ، الحجة على المترامين لدعوى القرب من الله، والادعاء في أصل ما يصل إليه القول من محبته، بما أنبأهم أن من انتهى إلى أن يحب الله، ، فليتبع هذا النبي الذي أحبه، ، [فمن اتبعه أحبه الله -]، فقامت بذلك الحجة على كل قاصد وسالك ومتقرب، فإن نهاية الخلق أن يحبوا الله، وعناية الحق أن يحب العبد، فرد، ، جميع من أحاط به الاصطفاء والاجتباء والاختصاص، ووجههم إلى وجهة الاتباع لحبيبه الذي أحبه، كما قال، ﷺ : "لو أن موسى بين أظهركم ما وسعه إلا اتباعي" وإذا كان ذلك في موسى، ﵊، كان في المنتحلين لملته ألزم، بما هم متبعون لملته عندهم، وأصل ذلك أنه، ﷺ ، لما كان المبدأ في الأبد وجب أن يكون النهاية في المعاد، فألزم الله،

стр. 544

سبحانه وتعالى، على الخليقة ممن أحب الله، ، أن يتبعوه، وأجرى ذلك على لسانه إشعارا بما فيه من الخير والوصول إلى الله، ، من حيث إنه نبي البشرى، وليكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه - انتهى. قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ قال الْحَرَالِّي: قد فسر ﷺ ، ظاهر اتباعه فقال: ﴿فِي الْبَرِّ﴾ وأصل حقيقته الإيمان بالله والإيثار لعباده والتقوى، وهي ملاك الأمر وأصل الخير، وهي اطراح استغناء العبد بشيء من شأنه، لا من ملك ولا من ملك، ولا من فعل ولا من وصف، ولا من ذات، حتى يكون عنده، كما هو عند ربه في أزله، قبل أن يكون موجردا لنفسه، ليكون أمره كله بربه في وجوده، كما كان أمره بربه قبل وجوده لنفسه، وقد فسر حق التقاة التي هي غاية التقوى، بأن يكون العبد يشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، ويطيع فلا يعصي - انتهى. ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: فإن من رد الأمانة إلى الله، ، أحبه الله، فكان سمعه وبصره ويده ورجله، وإذا أحب الله عبداً أراحه وأنقذه من

стр. 545

مناله في أن يكون هو يحب الله، فمن أحب الله وله، ومن أحبه الله سكن في ابتداء عنايته، وثبته الله، انتهى. وقال الْحَرَالِّي: ولما كان من آية حب الله له، ﷺ ، ما أنزل عليه من قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ أجرى لمن أحبه الله باتباعه حظ منه في قوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي مطلقا، وذنب كل عبد بحسبه لأن أصل معنى الذنب أدنى مقام العبد، فكل ذي مقام أعلاه حسنته، وأدناه ذنبه، ولذلك في كل مقام توبة، حتى تقع التوبة [من التوبة]، فيكمل الوجود والشهود. ولما كان هذا الأمر من أخص ما يقع، وكان مما دونه مقامات خواص الخلق، فيما بين إسلامهم إلى محبتهم لله، ، ختم، تعالى، بما يفهم أحوال ما يرجع إلى من دون هذا الكمال فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي لمن [لم -] ينته لرتبة حب الله، بما يقع في أثناء أحواله من موجب المغفرة واستدعاء الرحمة، حيث لم يصل إلى المحبة، فمرحوم بعد مغفرة، وهو القاصد، ومغفور بعد محبة، وهو الواصل - انتهى.

стр. 546

وقال الْحَرَالِّي: ولما ذكر، تعالى، ما تقدم من التحذيرين في رتبتين: أولاهما في الذكر نجاتين من موجب التحذيرين، فكان الاتباع موجب النجاة من التحذير الثاني الباطن، الذي مبدؤه الرأفة. وكان الطاعة موجب النجاة من التحذير الأول السابق، فمن أطاع الله ورسوله فيما نهى عنه من اتخاذ ولاية الكافرين من دون ولاية المؤمنين، سلم من التحذير الظاهر، ومن اتبع الرسول، فأحبه الله، سلم من التحذير الباطن، فختم الخطاب بما به بدأ، أو لما كانت رتبة الاتباع عليا وليتها رتبة الائتمار، فهو إما متبع على حب، وإما مؤتمر على طاعة، فمن لم يكن من أهل الاتباع، فليكن من أهل الطاعة، فكأن الخطاب يفهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ فإن لم تستطيعوا أن تتبعوني فأطيعوني - انتهى. ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فكان إشارة ذلك إلى ما نهوا عنه من التولي، إلى ما ينتظم في معنى ذلك، وفيه إشعار بأن الأمر يكون فيه محوطا

стр. 547

بالرحمة، من حيث ذكر الرسول فيه، بما هو رحمة للعالمين ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي عن طاعة خطاب الله والرسول المحفوف باللطف من الله، ، [والرحمة -] من رسول الله - انتهى. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ قال الْحَرَالِّي: أفرد الأمر لله، لما كان وعيدا، إبقاء لرسوله، ﷺ ، في حيز الرحمة. ولما نفى عمن تولى أن يحبه، كان في إشعاره أن هذا الكفر عموم كفر، يداخل رتبا من الإيمان، من حيث نفى عنه الحب، فنفى عنه ما يناله العفو أو المغفرة والرحمة، ونحو ذلك، بحسب رتب تناقص الكفر، لأنه كفر دون كفر، [ومن فيه كفر -] فهو غير مستوف اتباع الرسول، بما أنه الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وإنما يحب الله من اتبع رسوله، فعاد الختم في الخطاب إلى إشعار من معنى أوله، وفي إلاحته أن حب الله للعبد بحسب توحيده، فكلما كان أكمل توحيدا كان أحب، وما سقط عن رتبة أدنى التوحيد، الذي هو محل الأمر بطاعة الله، ، ورسوله، ﷺ ، كان كفرا بحسب ما يغطي على تلك الرتبة من التوحيد، لأن هذه السورة سورة إلهية إيمانية حبية توحيدية، فخطابها مخصوص بما يجري في حكم ذلك من الإيمان والكفر والمحكم والمتشابه، وكشف

стр. 548

غطاء الأعين، ورفع حجب القلوب. انتهى. وقال الْحَرَالِّي: لما كان منزل هذه السورة لإظهار المحكم والمتشابه، في الخلق والأمر، قدم، ، بين يدي إبانة متشابه خلق عيسى، ﵊، وجه الاصطفاء المتقدم للآدمية ومن منها من الذرية، لتظهر معادلة خلق عيسى، ﵊، آخرا، لمتقدم خلق آدم، ﵊، أولا، حتى يكونا مثلين محيطين بطرفي الكون في علو روحه ودنو أديم تربته، وأنه، ، نزل الروح إلى الخلق الآدمي، كما قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ وظهر أثر ذلك اللبس بما وقع لأهل الزيغ في عيسى، كما أنه رقى الخلق الطيني رتبة رتبة إلى كمال التسوية، إلى أن نفخ فيه من روحه، فكان ترقي الآدمي إلى النفحة لتنزل الروح إلى الطينة الإنسانية، التي تم بها وجود عيسى،

стр. 549

عليه الصلاة والسلام، كما كمل وجود آدم، ﵊، بالنفخة. ولما كان أصل الإبداء نوراً عليا نزله الحق، ، في رتب التطوير والتصيير والجعل، إلى أن بدأ عالما دنيويا محتويا على الأركان الأربعة. والمواليد الثلاثة، وخفيت نورانيته في موجود أصنافه، صفى الله، من وجود كلية ذلك هذا الخلق الآدمي، فكان صفي الله، فأنبأ الخطاب عن تصييره إلى الصفاء بالافتعال - انتهى. ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فاصطفاه من كلية مخلوقه الذي أبداه فسماه وملكوتا، خلقا وأمراً، وأجرى اسمه من أظهر ظاهره الأرضي، وأدنى أدناه، فسماه آدم، من أديم الأرض، على صيغة أفعل، التي هي نهاية كمال الآدمية والأديمية، فكان مما أظهر، تعالى، في اصطفاء آدم، ما ذكر جوامعه علي، ﵁، في قوله: لما خلق الله، ، آدم أبان فضله للملائكة، وأراهم ما اختصه به من سابق العلم، من حيث علمه، عند استنبائه إياه، أسماء الأشياء

стр. 550

فجعل الله، ، آدم محرابا وكعبة وباباً وقبلة، أسجد له الأبرار والروحانيين الأنوار، ثم نبه آدم على مستودعه، وكشف له خطر ما ائتمنه عليه، بعد أن سماه عند الملائكة إماما، فكان تنبيهه على خطر أمانته ثمرة اصطفائه - انتهى. ﴿وَنُوحًا﴾ وقال الْحَرَالِّي: أنبأ، تعالى، أنه عطف لنوح، ﵊، اصطفاء على اصطفاء آدم، ترقيا إلى كمال الوجود الآدمي، وتعاليا إلى الوجود الروحي العيسوي، فاصطفى نوحا، ﵊، بما جعله أول رسول بتوحيده، من حيث دحض الشرك، وأقام كلمة الإيمان بقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ لما تقدم بين آدم ونوح من عبادة الأصنام والأوثان، فكان هذا الاصطفاء اصطفاء باطنا لذلك الاصطفاء الظاهر، فتأكد الاصطفاء، وجرى من أهلكته طامة الطرفان مع نوح، ﵊، من الذر الآدمي، مجرى تخليص الصفاوات من خثارتها، [و -] كما صفى آدم من الكون كله، صفي نوحا، ﵊، وولده الناجين معه، من مطرح

стр. 551

الخلق [الآدمي -] الكافرين، الذين لا يلدون إلا فاجرا كفارا، فلم يكن فيهم، ولا في مستودع ذراريهم، صفاوة تصلح لمزية الإخلاص الذي اختص بصفوته نوح، ﵊، [﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ فكان ميثاق نوح، ﵇] ما قام به من كلمه التوحيد ورفض الأصنام والطاغوت، التي اتخذها الظلمانيون من ذر آدم، فتصفى بكلمة التوحيد النورانيون منه، فكان نوح، ﵊، ومن نجا معه صفوة زمانه، كما كان آدم صفوة حنيه - انتهى. ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ وقال الْحَرَالِّي: فإثبات هذه الجملة بتشابه وتماثل تتعالى عن نحوه الإلهية، فأبان هذا الخطاب في عيسى، ﵊، اصطفاء من

стр. 552

جملة هذا الاصطفاء، فكما لم يقع فيمن سواه لبس من أمر الإلهية، فكذلك ينبغي أن لا يقع فيه هو أيضا لبس لمن يتلقن بيان الإحكام والتشابه من الذي أنزل الكتاب محكما ومتشابها، وأظهر الخلق باديا وملتبسا انتهى. وقال الْحَرَالِّي: في التعبير عن اصطفاء إبراهيم ومن بعده، عليهم الصلاة والسلام، في إشعار الخطاب، اختصاص إبراهيم، ﵊، بما هو أخص من هذا الاصطفاء، من حيث انتظم في سلكه آله، لاختصاصه هو بالخلة، التي لم يشركه فيها أهل هذا الاصطفاء، فاختص نمط هذا الاصطفاء بآله، وهم - والله، ، أعلم - إسحاق ويعقوب والعيص، عليهم الصلاة والسلام، ومن هو [منهم -] من ذريتهم، لأن إسماعيل، ﵇، اختص بالوصلة، بين إبراهيم الخليل، ومحمد الحبيب، صلوات الله وسلامه عليهم، فكان مترقي ما هو لهم من وراء هذا الاصطفاء، ولأن إنزال هذا الخطاب لخلق عيسى، ﵊، وهو من ولد داوود، عليه

стр. 553

الصلاة والسلام، فيما يذكر، وداوود من سبط لاوي بن إسرائيل، عليهم الصلاة والسلام، فيما ينسب، فلذلك - والله، ، أعلم - جرى هذا الاصطفاء على آله، فظهر من مزية هذا الاصطفاء لآله ما كان من اصطفاء موسى، ﵇، بالتكلم، وإنزال الكتاب السابق ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ فكان هذا الاصطفاء استخلاص صفاوة من صفاوة نوح، ﵊، المستخلصين من صفاوة آدم، ﵊، وآل عمران - والله، ، أعلم - مريم وعيسى، عليهما الصلاة والسلام ليقع الاصطفاء في نمط يتصل من آدم إلى عيسى، عليهما الصلاة والسلام، ليحوزوا طرفي الكون روحا وسلالة، والعالمون علم الله الذي له الملك، فكما أن الملك لابد له من علم يعلم به بدوه وظهوره، جعل الله ما أبداه من خلقه علما على ظهور ملكه بين

стр. 554

يدي ظهور خلقه في غاية يوم الدين عاما، وفي يوم الدنيا لمن شاء من أهل اليقين والعيان خاصا، وأعلى معناه بما ظهر في لفظه من الألف الزائدة على لفظ العلم، فاصطفى، ، آدم، ﵊، على الموجودين في وقته، وكذلك نوحا وآل إبراهيم، وآل عمران، كلا على عالم زمانه، ومن هو بعد في غيب لم تبد صورته في العالم العياني، لم يلحقه بعد عند أهل النظر اسم العالم، وأشار، ، بذكر الذرية من معنى الذرء، الذي هو مخصوص بالخلق، ليظهر انتظام عيسى، ﵊، في سلك الجميع ذرءا. وأنه لا يكون مع الذرء لبس الإلهه، لأن الله، ، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فكان نصب لفظ الذرية تكييفا لهذا الاصطفاء المستخلص على وجه الذر، وهو الذي يسميه النحاة حالا - انتهى. وقال الْحَرَالِّي: لما كان من ذكر في الاصطفاء إنما ذكر توطئة لأمر عيسى، ﵊، اختص التفصيل بأمر عيسى، عليه الصلاة

стр. 555

والسلام، دون سائر من ذكر معه، وكان في هذه المناظرة بين السورتين حظ من التكافؤ، من حيث ذكر [أمر -] خلق آدم، ﵊، في سورة البقرة، فذكر خلق المثل المناظر له في السورة المناظرة لسورة البقرة، وهي هذه السورة، فعاد توقيت هذا القول إلى غاية هذا الاصطفاء. فأنبأ عن ابتداء ما اختص منه بعيسى، ﵊، من قول أم مريم امرأة عمران، حين أجرى على لسانها، وأخطر بقلبها أن تجعل ما في بطنها نذرا، ففصل ما به ختم من اصطفاء ال عمران. ولذلك عرفت أم مريم في هذا الخطاب بأنها امرأة عمران، ليلتئم التفصيل بجملته السابقة ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي﴾ وكان نذر الولد شائعا في بني إسرائيل، إلا أنه كان عندهم معهوداً في الذكور، لصلاحهم لسدانة بيت الله والقيام به، فأكمل الله، ، مريم لما كمل له الرجال، كما قال، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع" فذكر مريم بنت

стр. 556

عمران، ﵍، فكان من كمالها خروج والدتها عنها، وكان أصله من الأم التي لها الإشفاق، فكان خروجها أكمل من خروج الولد، لأنها لها في زمن الحمل والرضاع والتربية إلى أن يعقل الولد أباه، فحينئذ يترقى إلى حزب أبيه، ولذلك - والله أعلم - أرى إبراهيم، ﵊، ذبح ولده عند تمييزه، وخرجت امرأة عمران عن حملها، وهو في بطنها، حينما هو أعلق بها - انتهى. ﴿مُحَرَّرًا﴾ قال الْحَرَالِّي: والتحرير طلب الحرية، والحرية رفع اليد عن الشيء من كل وجه، وفي الإيتان بصيغة التكثير والتكرير إشعار بمضي العزيمة في قطع الولاية عنه بالكلية، لتسلم ولايته لله تعالى - انتهى. ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا﴾ قال الْحَرَالِّي: من الوضع، وهو إلقاء الشيء المستثقل ﴿أُنْثَى﴾ هي أدنى زوجي الحيوان المتناكح - انتهى. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ وفي قراءة إسكان التاء الذي [هو -] إخبار من الله، ، عنها - كما قال الْحَرَالِّي - إلاحة معنى أن مريم عليها، الصلاة والسلام، وإن كان ظاهرها الأنوثة، ففيها حقيقة المعنى الذي ألحقها

стр. 557

بالرجال في الكمال، حتى كانت ممن كمل من النساء، لما لا يصل إليه كثير من رجال عالمها، فكان في إشعاره أن الموضوع كان ظاهره ذكرا وحقيقته انثى. ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ قال الْحَرَالِّي: وفي إشعار هذا القول تفصل مما تتخوفه أن لا يكون ما وضعته كفافا لنذرها، لما شهدت من ظاهر أنوثة ما وضعت، فجعلها الله، ، لها أكمل مما اشتملت عليه عزيمتها من رتبة الذكورة التي كانت تعهدها، فكانت مريم، ﵍، أتم من معهود نذرها مزيد فضل من ربها عليها، بعد وفاء حقيقة مقصودها في نذرها - انتهى. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بأن من جاء بشيء أو قربه فحقه أن يجعل له اسما، ورد أن السقط إذا لم يسم يطالب من حقه أن يسميه فيقول يارب، أضاعوني، فكان من تمام أن وضعتها أن تسميها، فيكون إبداؤها [لها -] وضع عين وإظهار اسم، لما في وجود الاسم من كمال الوجود في السمع، كما هو في العين، ليقع التقرب والنذر بما هو كامل الوجود عينا واسما. ولما كانت محررة لله، ، كان حقا أن يجري الله، ، إعاذتها قولا، كما هو جاعلها معاذة كونا، من حيث هي له وما كان في حمى الملك لا يتطرق إليه طريدة، فقالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾

стр. 558

وفي قول: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾ إشعار بما أوتيته من علم بأنها ذات ذرية، فكأنها نطقت عن غيب أمر الله، ، مما لا يعلمه إلا الله، فهو معلمه لمن شاء. ولما كان من في حصن الملك وحرزه بجواره بعيدا ممن أحرقه بنار البعد، وأهانه بالرجم، حققت الإعاذة بقولها: ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وفي هذا التخليص لمريم، ﵍، بالإعاذة ولذريتها حظ من التخليص المحمدي لما شق صدره ونبذ حظ الشيطان منه، وغسل قلبه بالماء والثلج في البداية الكونية، وبماء زمزم في البداية النبوية عند الانتهاء الكوني، فلذلك كان لمريم ولذريتها بمحمد، ﷺ ، اتصال واصل، قال ﷺ : "أن أولى الناس بعيسى ابن مريم، من أجل أنه ليس بيني وبينه نبي" وبما هو حكم أمامه في خاتمة يومه وقائم من قومة دينه. ولما أخبر بدعائها أخبر بإجابتها فيه فقال: ﴿فَتَقَبَّلَهَا﴾ فجاء بصيغة التفعل متطابقة لقولها: ﴿فَتَقَبَّلْ﴾ ففيه إشعار بتدرج وتطور وتكثر، كأنه يشعر

стр. 559

بأنها مزيد لها في كل طور تتطور إليه، من حيث لم يكن: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ فلم تكن إجابتها: ﴿فَتَقَبَّلَهَا﴾ فيكون إعطاء واحدا منقطعا عن التواصل والتتابع، فلا تزال بركة تحريرها متجددا لها في نفسها وعائدا بركتة على أمها، حتى تترقى إلى العلو المحمدي فتكون في أزواجه ومن يتصل به - انتهى. ﴿رَبُّهَا﴾ قال الْحَرَالِّي: وظهر سر الإجابة في قوله، : ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ حيث لم يكن: ﴿بتقبل﴾ - جريا على الأول. ولما أنبأ القبول عن معنى ما أوليته باطنا، أنبأ الإنبات عما أوليته ظاهراً في جسمانيتها، وفي ذكر الفعل من أفعل في قوله ﴿وَأَنْبَتَهَا﴾ والاسم من "فعل" في قوله: ﴿نَبَاتًا حَسَنًا﴾ إعلام بكمال الأمرين: من إمدادها في النمو، الذي هو غيب عن العيون، وكمالها في ذاتية النبات الذي هو ظاهر للعين، فكمل في الإنباء والوقوع حسن التأثر، وحسن الأثر، فأعرب عن إنباتها ونباتها معنى حسنا - انتهى.

стр. 560

وقال الْحَرَالِّي: وقد أنبأ ، في هذه السورة الخاصة بقصة مريم، عليها الصلاة والسلام، من تقبلها وإنباتها وحسن سيرتها، بما نفى اللبس في أمرها وأمر ولدها، لأن المخصوص بمنزل هذه السورة ما هو في بيان رفع اللبس الذي ضل به النصارى، فيذكر في كل سورة ماهو الأليق والأولى بمخصوص منزلها، فلذلك ينقص الخطاب في القصة الواحدة في سورة ما يستوفيه في سورة أخرى، لاختلاف مخصوص منزلها، كذلك الحال في القصص المتكررة في القرآن، من قصص الأنبياء، وما ذكر فيه لمقصد الترغيب والتثبيت والتحذير، وغير ذلك من وجوه التنبيه - انتهى وفيه تصرف. ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ قال الْحَرَالِّي: من الكفل، وهو حيازة الشيء من جميع جهاته، حتى يصير عليه كالفلك الدائر ﴿زَكَرِيَّا﴾ وفي قراءة التشديد إنباء بأن الله ، هو في الحقيقة كفيلها، بما هو تقبلها، وفيه استخلاص لزكرياء من حيث جعله يد وكالة له فيها. انتهى. ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ وقال الْحَرَالِّي: هو صدر البيت ومقدمه الذي لا يكاد يوصل إليه إلا بفضل منه وقوة وجهد حرب، ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ وذلك

стр. 561

كما وجد عند خبيث بن عدي الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، قطف العنب - كما سيأتي في آخر المائدة - ومثل ذلك كثير في هذه الأمة. وفي هذا العبارة، أي من أولها، إلاحة لمعنى حسن كفالته وأنه كان يتفقدها عند تقدير حاجتها إلى الطعام، بما تفيده كلمة ﴿كُلَّمَا﴾ من التكرار، فيجد الكفيل الحق قد عاجلها برزق من غيب بما هو، ، المتولي لإنباتها، ليكون إنباتها من غيب رزقه، فتصلح لنفخ روحه ومستودع كلمته، ولا يلحقها بعد الإعاذة ما فيه مس من الشيطان الرجيم، الذي أعاذها الله، ، منه بكثرة الاختلاط في موجودات الأرزاق، فكان من حظها أن تولى الله، ، إرزاقها من غيب، إلا ما يطيبه من باد، وليكون حسن نباتها من أحسن رزق الله، ، كما يقال: من غدى بطعام قوم غذى بقلوبهم، ومن غذى بقلوبهم آل إلى منقلبهم.

стр. 562

وكانت هي مثل ما كفلها كافلها ظاهراً كلفته باطنا، حين أبدى الله له من أمره مالم يكن قبل بداله، فكان لمريم، عليها الصلاة والسلام، توطئة في رزقها، لما يكون كماله في حملها، فيكون رزقها بالكلمة ابتداء ليكون حملها بالكلمة، فعند ذلك طلب زكريا، ﵇، نحو ما عاين لها، من أن يرزقه الولد في غير إبانه، كما رزق مريم الرزق في غير أوانه، وفي تعيين محلها بالمحراب ما يليح معنى ماذكر من رجوليتها باطنا، من حيث إن محل النساء أن يتأخرن، فأبدى الله، ، في محلها ذكر المحراب إشارة بكمالها. والمحراب صدر البيت المتخذ للعبادة، وفي لزومها لمحرابها في وقت تناول الرزق إعلام بأن الحبيس والمعتكف بيته محرابه، ومحرابه بيته، بخلاف من له متسع في الأرض، ومحل من غير بيت الله، إنما المساجد بيوت أهل الله المنقطعين إليه، فهو محلهم في صلاتهم، ومحلهم في تناول أرزاقهم، ففيه إشعار بحضورها، وحضور أهل العكوف حضور سواء في صلاتهم وطعامهم، ولذلك أنمى حال العبد عند ربه، بما هو عليه في حال تناول طعامه وشرابه، فأهل

стр. 563

الله سواء محياهم ومماتهم، وأكلهم وصلاتهم، من غفل عند طعامه قلبه، لم يستطع أن يحضر في صلاته قلبه، ومن حضر عند طعامه قلبه، لم يغب في صلاته قلبه، وفي ذكر الرزق شائعا إشعار بأنها أنواع من أرزاق، من حيث إنه لو اختص يخص به ماهو أخص من هذا الاسم - انتهى. ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ قال الْحَرَالِّي: كلمة ﴿أَنَّى﴾ تشعر باستغرابه وجود ذلك الرزق من وجوه مختلفة: من جهة الزمن؛ أنه ليس زمانه، ومن جهة المكان؛ أنه ليس مكانه، ومن جهة الكيف ووصوله إليها؛ أنه ليس حاله. وفي ذكر الضمير في قوله: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إيذاد بنظرها إلى مجموع حقيقة ذلك الرزق، لا إلى أعيانه، فهو إنباء عن رؤية قلب، لا عن نظر عين، لأن ﴿هُوَ﴾ كلمة إضمار جامعة لكل ما تفصلت صورة مما اتحد مضمره، ولما لم يكن [من معهود ما أظهرته حكمته، سبحانه، مما يجريه على معالجات أيدي الخلق، قالت: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ذي الجلال والإكرام، لأن ما خرج -] من معهود معالجة الحكمة فهو من عنده، وما كان مستغربا فيما هو من عنده فهو من لدنه، فهي ثلاث رتب: رتبة لدنيه، ورتبة عندية، ورتبة

стр. 564

حكمية عادية، فكان هذا من وسط الثلاث، كما قال تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ حيث كان مستغربا عند أهل الخصوص، كما قال: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ والإمر العجب، ولعلو رتبته عن الرتبة العادية، جرى النبأ عنه مضافا إلى الاسم العظيم، الذي هو مسمى الأسماء كلها، من حيث لم يكن: ﴿مِنْ عِنْدِ ربي﴾ لما في ذكر اسم الربوبية من إشعار بمادة أو قريب منها، أو ما كان من نحوها، كما قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ لما كان من عادته المكنة على الملوك، وكان ممكنا فيما أحاط به موجود الأركان الأربعة - انتهى. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ قال الْحَرَالِّي: في تجديد الاسم العظيم في النبأ إشعار باتساع النبأ وإيذان وإلاحة بأن ذلك يكون لك، ولمن شاء الله، كما هو لي بما شاء الله، من حيث لم يكن: "إنه" فيكون مليحا لاختصاص ما بها، ويؤيده عموم قولها: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقولها: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يشعر بأنه عطاء متصل، فلا يتحدد ولا يتعدد، فهو رزق لا متعقب عليه، لأن كل محسوب في

стр. 565

الإبداء محاسب عليه في الإعادة، فكان في الرزق بغير حساب من علاج الحكمة بشرى برفع الحساب عنهم في المعاد وكفالة بالشكر عنه، لأن أعظم الشكر لرزق الله، ، معرفة العبد بأنه من الله تعالى، إنما يشكر رزق الله من أخذه من الله، انتهى. ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ قال الْحَرَالِّي: لما أشهده الله، ، أنه يخرق عادته لما شاء بكلمته في حق كفيلته في الظاهر، الكافلة له في هذا المعنى، دعا ربه الذي عوده بالإحسان [أن -] يرزقه ولداً في غير إبانه، كما رزق مريم رزقا في غير زمانه فوجب دعاؤه - انتهى. قال: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ قال الْحَرَالِّي: طلب عليه من باطن الأمر، كما قال، : ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ وكما قال فيه ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ لأن كل ما كان من ﴿لَدُنَّ﴾ فهو
следующие страницы →