← Адаб

Адаб · id 26549

مصارع العشاق

السراج القارئ

Полный текст (611 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فانصرفت زرعة وقد خامره من حبها ما غلب على عقله، فغبر أياماً عنها، وامتنع من الطعام والشراب والقرار، وأنشأ يقول: يا بُغيَةً أهدَتْ إلى القلبِ لوْعَةً ... لقد خُبئَتْ لي منك إحدى الدهارسِ. وما كنتُ أدري والبَلايا مُظِلّةٌ ... بأنّ حِمامي تحتَ لحظِ مُخالِسِ. جَلَستُ على مَكتوبَةِ القَلبِ طائِعاً، ... فيَا طَوْعَ مَحبوسٍ لأعنَفِ حابِسِ. فشاع هذا الشعر في الحي وبلغ المفداة، فاحتجبت عنه، وامتنعت من محادثة الرجال، فامتنع من الحركة والطعام، فغبر على ذلك حول، ومات عظيم من عظماء القبائل فبرز مأتم النساء، فبلغ زرعة أن المفداة في المأتم، فاحتمل حتى تنائى نشزاً، واجتمع إليه لذاته يفندون رأيه ويعذلونه، فأنشأ يقول: لمْ يُلَمُ في الوَفاءِ مَن كَتَمَ الْ ... حُبّ وأغضى عُلى فؤادٍ لَهِيدِ. صَابَنا ذاك لاسم من جلبَ السّ ... مَ علَيه ونفسُهُ في الوَريدِ. ثم شهق، فمات، وتصايح أصحابه ونساؤهن وبلغ المفداة خبره، فقامت نحوه حتى وقفت عليه، وقد تعفر وجهه، وأهله ينضحونه بالماء، فهمت أن تلقي نفسها عليه، ثم تماسكت، وبادرت خباءها، فسقطت تائهة العقل، تكلم فلا تجيب، سحابة يومها، فلما جنّ عليها الليل رفعت عقيرتها فقالت: بِنَفْسِي يَا زَرْعَ بْنَ أرْقَمَ لوْعَةٌ ... طَوَيتُ علَيها القلبَ والسرُّ كاتِمُ.

стр. 107

لَئِنْ لمْ أمُتْ حُزْناً عَلَيْهِ فَإنّني ... لألأمُ مَن نِيطَتْ عَلَيه التّمائِم. لَئِنْ فُتّني حَيّاً فَلَيْسَ بِفَائِتي ... جوَارُك مَيْتاً حيثُ تَبلى الرَّمَائِم. ثم تنفست نفساً نبه من حولها فإذا هي ميتة فدفنت إلى جنبه. وقالت امرأة من حمير أشبلت على ولدها بعد زوجها: وَفَيتُ لابنِ مالكِ بن أرطأه ... كما وَفَتْ لزرعة المُفَدّاه. واللهِ لا خِسْتُ بهِ أو ألقاه ... حيثُ يُلاقي وامقٌ من يهواه. من ممتَطٍ، ناحِيَةً، شَمَرْداه ... وعاثِرٍ قد خَذَلَته رِجلاهْ. تريد قول الجاهلية: إن الناس يحشرون ركباناً على البلايا، ومشاةً إن لم تعقر مطاياهم على قبورهم، وهذا شيء كان من فعل الجاهلية. تفارق قومها باكية حدث شيخنا أبو علي بن شاذان قال: حدثني أبي أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن سليمان بن داود بن محمد الطوسي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثنا هارون بن موسى قال: حدثني عبد الله بن عمرو الفهري عن عمه الحارث بن محمد بن عيسى بن عبد الأعلى قال: كانت بالمدينة جاريةً لآل أبي رماثة، أو لآل أبي تفاحة، يقال لها: سلامة. قال: فكتب فيها يزيد بن عبد الملك لتشترى له، فاشتريت

стр. 108

بعشرين ألف دينار، فقال أهلها: لا تخرج حتى نصلح من شأنها، فقالت الرسل: لا حاجة لكم بذاك! معنا ما يصلحها. قال: فخرج بها حتى أتي بها سقاية سليمان، قال: فأنزلها رسله فقالت: لا والله لا أخرج حتى يأتيني قوم كانوا يدخلون علي فأسلم عليهم، قال: فامتلأ ذلك الموضع من الناس، قال: ثم خرجت فوقفت بين الناس، وهي تقول: فارَقوني وقد عَلِمتُ يَقِيناً ... ما لمَن ذاقَ فُرقَةً من إيابِ. إنّ أهلَ الحِصَابِ قد ترَكوني ... في وُلوعٍ يذكو بأهلِ الحِصَابِ. سكنوا الجِزْعَ وهو جِزْعُ أبي مو ... سى إلى النخلِ من صفيّ الشبابِ. أهلُ بَيتٍ تَتَابعُوا للمَنَايَا، ... ما على الدهرِ بعدهم من عِتابِ. قال: فما زالت على ذلك تبكي ويبكون حتى راحت، ثم أرسلت إليهم بثلاثة آلاف درهم. يزيد يموت حزناً على حبابة حدث أبو علي بن شاذان قال: حدثني أبي أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن سليمان الطوسي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني هارون بن موسى قال: حدثني موسى بن جعفر بن أبي كثير وعبد الملك بن الماجشون قال: لما مات عمر بن عبد العزيز قال يزيد: والله ما عمر بأحوج إلى الله مني. قال: فأقام أربعين ليلةً يسير بسيرة عمر، فقالت حبابة لخصي له كان صاحب أمره: ويحك قم بي حيث يسمع كلامي ولك علي عشرة آلاف درهم، فلما مر يزيد بها قالت: بَكَيتُ الصِّبي جهلاً فمن شاء لامني ... ومَن شاءَ آسى في البُكاءِ وأسعَدا. ألا لا تَلُمه اليَوْمَ أن يَتَلَبّدا ... فقَد مُنِعَ المَحزُونُ أن يَتَجَلّدا.

стр. 109

وَما العَيشُ إلاّ ما تَلَذُّ وتَشتَهي ... وإنْ لامَ فيهِ ذو الشنّانِ وَفَنّدا. إذا كنتَ عِزْهاةً عن اللهوِ والصِّبي ... فكن حجراً من يابِس الصّخرِ جَلمَدا. قال أبو موسى: وهذا الشعر للأحوص، فلما سمعها قال للخصي: ويحك! قل لصاحب الشرط يصلي بالناس. وقال يوماً: والله إني لأستحيي أن أخلوا بها، ولا أرى أحداً غيرها، وأمر ببستان، وأمر بحاجبه أن لا يعلمه بأحد. قال: فبينما هو معها أسر الناس بها، إذ حذفها بحبة رمان، أو بعنبة، وهي تضحك، فوقعت في فيها فشرقت فماتت، فأقامت عنده في البيت حتى جيفت، او طادت تجيف، ثم خرج فدفنها، وأقام أياماً، ثم خرجن وهليه الهم بادياً، حتى وقف على قبرها فقال: فإن تسلُ عنكِ النفسُ أوْ تدع الصِّبي ... فباليَأسِ أسلو عنكِ لا بالتّجَلّدِ. وَكُلُّ خَلِيلٍ لامَتني فهوَ قائِلٌ ... من أجِلكِ هذا هامَةُ اليوْمِ أوْ غَدِ. ثم رجع فما خرج من منزله حتى خرج بنعشه. الصوفي المتعفف أخبرنا إبراهيم بن سعيد بقراءتي عليه بمصر قال: أخبرنا أبو صالح محمد بن أبي عدي السمرقندي قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن أليسع بالقرافة قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي الحافظ قال: قال أبو حمزة الصوفي: رأيت ببيت المقدس فتىً من الصوفية يصحب غلاماً مدةً طويلةً، فمات الفتى، وطال الغلام عليه، حتى صار جلداً وعظماً من الضنى

стр. 110

والكمد. فقلت له يوماً: لقد طال حزنك على صديقك حتى أظن أنك لا تسلو بعده أبداً. فقال: وكيف أسلو عن رجلٍ أجل الله تعالى أن يعصيه معي طرفة عين وصانني عن نجاسة الفسوق في طول صحبتي له وخلواتي معه في الليل والنهار. هويت شادناً أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي إجازة قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه قراءة عليه قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف قال: قال عمر بن أبي ربيعة: طَبِيبَيّ داوَيتُما ظاهِراً، ... فمن ذا يُداوي جَوىً باطِنا. فعوجا على مَنزلٍ بالغَمِي ... مِ، فإني هَوِيتُ بِهِ شَادِنَا. دهر يشت ويجمع أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد النرسي قال: أخبرنا أبو حاتم محمد بن أحمد الرازي قال: أنشدني أبو مضر ربيعة بن ميسرة بن علي البزار بقزوين لبعضهم: فلا تحسَبي أني تَبَدّلتُ خِلّةً ... سواكِ ولا أني بِغَيرِكِ أقنَعُ. ولا عَن قِلىً كان القَطيعَةُ بَينَنَا، ... ولكنّهُ دَهْرٌ يُشِتّ وَيَجْمَعُ.

стр. 111

لو بدلت مساكنها أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن محمد الجرادي الكاتب قال: حدثنا أبو بكر بن دريد قال: حدثني العكلي عن المدايني قال: أنشد الحارث بن خالد المخزومي عبيد الله بن عمر: إني وما نحَروا غَداةَ مِنىً ... عندَ الجِمارِ يؤودها العَقلُ. لَوْ بُدّلَتْ أعلى مَساكِنها ... سُفلاً، وأصْبَحَ سِفلُها يَعلو. لَعَرَفتُ مَغنَاها بما احتَمَلَتْ ... مني الضّلوعُ لأهلِها قَبلُ. الفرزدق والبدوية الحسناء أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر الدقاق قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن المكتفي بالله قال: حدثنا ابن دريد قال: أخبرني الرياشي، يرفعه عن الفرزدق، قال: أبق غلام لرجلٍ من نشهل فخرجت في طلبه أريد اليمامه، وأنا على ناقةٍ لي عيساء، فلما صرت على ماء لبني حنيفة ارتفعت سحابةٌ فرعدت وبرقت وأرخت عزاليها، فعدلت إلى بعض ديارهم، فسألتهم القرى، فأجابوا، فأنخت ناقتي، وجلست تحت بيتٍ لهم من جريد النخل، وفي الدار جويرية سوداء، وفتاة كأنها فلقة قمرٍ، فسألت السوداء: لمن هذه العيساء؟ فأشارت إلي وقالت: لضيفكم هذا. فعدلت إلي فسلمت، وقالت: ممن الرجل؟ قلت: من بني تميم. قالت: من أيهم؟ قلت: من بني نهشل. قالت: فأنت الذين يقول لكم الفرزدق: إنّ الذي سَمَكَ السماءَ بنى لَنَا ... بَيتاً دَعَائِمُهُ أعزُّ وَأَطْوَلُ.

стр. 112

بَيْتٌ زرَارَةُ محْتَبٍ بِفِنَائِهِ ... ومُجاشِعٌ وأبو الفَوَارِسِ نهشَلُ. قلت: نعم. قال: فضحكت، وقالت: فإن جريراً هدم عليه بيته حيث يقول: أخْزَى الذي سَمَكَ السماءَ مُجَاشِعاً ... وأحَلّ بَيتَكَ بالحَضِيضِ الأوْهَدِ. قال: فأعجبتني، فلما رأت ذلك في عيني قالت: أين تؤم؟ قلت: اليمامة. فتنفست الصعداء ثم قالت: تَذَكَّرْتُ اليَمامَةَ، إنَّ ذِكري ... بِها أهلَ المُرُوءةِ والكَرَامَة. ألا فَسَقى المَلِيكُ أجَشَّ جَوناً ... يجودُ بِسَحّهِ تلكَ اليَمامَه. أُحيّي بالسّلامِ أبَا نجِيدٍ، ... وأهْلٌ للتّحِيّةِ والسّلامَه. قالت: فأنست بها، فقلت: أذات خدين أنت أم ذات بعلٍ؟ فقالت: إذا رَقَدَ النّيامُ فإنّ عَمراً ... هُوَ القَمَرُ المُنيرُ المُسْتَنيرُ. وما لي في التّبَعّلِ من مِرَاحٍ ... ولوْ رُدّ التّبَعّلُ لي أسيرُ. ثم سكت كأنها تسمع كلامي فأنشأت تقول: تخيَّلَ لي، أبا كعب بن عمرو، ... بأنَّك قد حُمِلتَ على سريرِ. فإن يكُ هكذا، يا عمرو، إني ... مُبكِّرةٌ عليكَ إلى القبورِ. ثم شهقت شهقةً فماتت. فقيل لي: هي عقيلة بنت النجاد بن النعمان بن المنذر، وسألت عن عمرو فقيل لي: ابن عمها، وكان مغرماً بها، وهي كذلك، فدخلت اليمامة، فسألت عن عمرو، فإذا به قد مات في ذلك اليوم من ذلك الوقت.

стр. 113

العشق شغل قلب فارغ أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قال: حدثنا أبو الحسن علي بن أيوب القمي بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزياني قال: أخبرني أحمد بن يحيى قال: حدثنا أبو العيناء قال: حدثنا ابن عائشة قال: قلت لطبيبٍ كان موصوفاً بالحذق: ما العشق؟ قال: شغل قلب فارغ. وأنشد لبعضهم: وَقَائِلَةٍ جَدِّد لِعَيْنَيكَ نَظرَةً ... تُسَكّنُ ما بالقَلبِ مِن ألمِ الوَجدِ. فقلتُ لها: يَكفِيكِ ما بي مِن الهَوَى ... تُريدينَ أن أزْدادَ جُهداً على جُهدِ. يتهدد بالهجر أنشدنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أنشدنا طلحة الشاهد قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح قال: أنشدني إسحاق بن عمار لسلم الخاسر: وّلمّا رّأَى شَوْقي إلَيه وَحَسرَتي ... علَيه وأني لستُ أقوَى عَلى الهَجرِ. تَهَدّدَني بالهَجرِ حتى كَأنّمَا ... رَآني مُدِلاً بالعَزَاءِ وبالصّبْرِ.

стр. 114

لا جسم ولا قلب أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب بدمشق قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن علي بن حيويه بن ابرك الهمذاني بها قال: أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي التميمي قال: حدثنا أحمد بن علي الناقد قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن جرير قال: قال أبو بكر محمد بن فرخان: لقيت غورك المجنون، وفي عنقه حبل قصير، والصبيان يقودونه، فقال لي: يا أبا بكر! بم يعذب الله أهل جهنم؟ قلت: بأشد العذاب. قال: صف لي، قلت: ومن يصف عذاب رب العالمين؟ قال: أنا في أشد من عذابه، ثم رفع ثوبه جسده، فإذا هو ناحل الجسم دقيق العظم فقال لي: انْظُرْ إلى مَا فَعَلَ الحبُّ، ... لم يَبقَ لي جِسمٌ ولا قَلْبُ. أنحَلَ جِسْمي حبُّ مَن لم يزَل ... من شأنِها الهِجَرانُ والعَتْبُ. ما كان أغنانيَ عن حبِّ مَن ... مِن دُونِهَا الأسْتَارُ والحُجْبُ. الحب أعظم من الجنون أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز قال: حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثنا زكريا بن موسى قال: حدثني شعيب بن السكن عن يونس النحوي قال: لما خولط قيس بن الملوح وزال عقله وامتنع من الأكل والشرب صارت أمه إلى ليلى فقالت لها: إن ابني جن من أجلك، وذهب حبك بعقله، وقد امتنع من الطعام والشراب، فإن رأيت أن تصيري معي إليه فلعله، إذا رآك، يسكن بعض ما يجد. فقالت لها: أما نهاراً فما يمكنني

стр. 115

ذلك، وإن علم أهل الماء لم آمنهم على نفسي، ولكن سأصير إليه في الليل. فلما كان الليل صارت إليه، وهو مطرق يهذي، فقالت له: يا قيس! إن أمك تزعم أنك جننت على رأسي، وأصابك ما أصابك؟ قال: فرفع رأسه فنظر إليها وتنفس الصعداء، وأنشأ يقول: قالَتْ جُنِنتَ على رأسي، فقلتُ لها: ... الحُبّ أعظَمُ ممّا بِالمَجَانينِ. الحُبُّ لَيسَ يُفِيقُ الدّهرَ صاحِبُهُ، ... وإنّما يُصْرَعُ المَجْنُونُ في الحِينِ. كثير على قبر عزة أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الرماني النحوي قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا عبد الأول بن مربد قال: أخبرني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: خرج كثير يريد عبد العزيز بن مروان فأكرمه، ورفع منزلته، وأحسن جائزته، وقال: سلني ما شئت من الحوائج! قال: نعم، أحب أن تنظر لي من يعرف قبر عزة، فيوقفني عليه. فقال رجل من القوم: إني لعارف به. فوثب كثير فقال لعبد العزيز: هي حاجتي أصلحك الله. فانطلق به الرحيل حتى انتهى به إلى موضع قبرها فوضع يده عليه، ودمعه يجري، وهو يقول: وَقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِعَزّةَ نَاقَتي، ... وفي البُرْدِ رَشّاشٌ من الدّمعِ يسفحُ. فَيَا عَزَّ أنْتِ البَدرُ قَد حالَ دونَهُ ... رَجيعُ التّرَابِ والصّفِيحُ المضرَّحُ. وقَد كنتُ أبكي مِن فِراقِكِ حِقبَةً ... فأنْتِ لَعَمْري اليوْمَ أنأى وأنزَحُ.

стр. 116

فَهَلاّ فَداكِ الموتُ مَن أنتِ زَينُه، ... ومَن هوَ أسْوا منكِ حالاً وأقبَحُ. ألا لا أرى بعد ابنَةِ النَّضرِ لَذّةً ... لِشيءٍ، ولا مِلْحاً لِمَنْ يَتَمَلّحُ. فلا زالَ وادي رَمسِ عَزّةَ سائِلاً ... بِهِ نِعمَةٌ من رحمَةِ الله تسفَحُ. فإنّ التي أحبَبتُ قد حالَ دونها ... طوَالُ اللّيالي والضّريحُ المصَفَّحُ. أربَّ بِعَينَيَّ البُكا، كُلَّ لَيلَةٍ، ... فقَد كادَ مجْرَى دمع عيني يَقرَحُ. إذا لم يكُنْ ماءٌ تَحَلَّبَتَا دَماً، ... وشرُّ البكاءِ المستَعادُ الممَنَّحُ. الموت أيسر محملاً أخبرنا القاضي أبو الحسن أحمد بن علي التوزي بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن محمد بن علي الجرادي الكاتب قال: إلّو شَهِدتَ مَوَاقِفَ العُشّاقِ ... ومَدامِعاً تجري من الآمَاقِ. تستَنّ من سَيل الجفون معَ الدِّما، ... حتى تَكَادُ تسيلُ بالأحْداقِ. لمّا تَقارَبَتِ النفوسُ لفُرْقَةً ... والتَفّتِ الأعْنَاقُ بالأعناقِ. ورَأيتُ كُلاً سائِلاً لحَبِيبِه: ... أزِفَ النوَى فمتى يكون تلاقِ؟. لحَلفتَ أنّ الموْتَ أيسَرُ محْمَلاً ... من يوْم توديعٍ ويوْم فِرَاقِ.

стр. 117

العينان القاتلتان أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن محمد الجرادي قال: أنشدنا أبو العباس أحمد بن سهل لبعض المحدثين: يا ذا الذي في الحبّ يَلحى أما ... واللهِ لَوْ حُمّلْتَ مني كمَا، حُمّلتُ من حُبٍّ بديعٍ لمَا ... لُمتَ على الحبِّ فدَعني وما، ألقى فإني لَستُ أدري بِمَا ... قُتِلتُ، إلاّ أنّني بَينَمَا، أنا بِبَابِ الدارِ في بعضِ ما ... أطْلُبُ من دارِهم إذ رَمَى، ظَبيٌ فؤادي بِسِهام، فَمَا ... أخطأ سَهْمَاهُ وَلكِنّمَا، سَهْمَاهُ عَينَاهُ التي كُلّمَا ... أرادَ قَتلي بهما سَلّمَا. مات على قبر حبيبته أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر الدقاق بقراءتي عليه قال: أخبرنا الأمير أبو الحسن أحمد بن محمد بن المكتفي بالله قال: حدثنا ابن دريد قال: أخبرني الرياشي عن الأصمعي عن جبر بن حبيب قال: أقبلت من مكة أريد اليمامة فنزلت بحي من عامر، فأكرموا مثواي، فإذا فتىً حسن الهيئة قد جاءني، فسلم علي، فقال: أين يريد الراكب؟ قلت: اليمامة. قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من مكة. فجلس إلي، فحادثني أحسن الحديث ثم قال لي: أتأذن في صحبتك إلى اليمامة؟ قلت: أحب خير مصحوب، فقام، فما لبث أن جاء بناقة كأنها قلعة بيضاء، وعليها أداة حسنةٌ، فأناخها قريباً من مبيتي، وتوسد ذراعها،

стр. 118

فلما هممت بالرحيل أيقظته فكأنه لم يكن نائماً، فقام فأصلح رحله فركب وركبت، فقصر علي يومي بصحبته، وسهلت علي وعوث سفري، فلما رأينا بياض قصور اليمامة تمثل: وأعرَضَتِ اليَمامَةُ واشمَخَرّتْ ... كَأسْيَافٍ بأيدي مُصْلِتِينَا. وهو في ذلك كله لا ينشدني إلا بيتاً معجباً في الهوى، فلما قربنا من اليمامة مال عن الطريق إلى أبيات قريبة منا، فقلت له: لعلك تحاول حاجةً في هذه الأبيات؟ قال: أجل! قلت: انطلق راشداً. فقال: هل أنت موفٍ حق الصحبة؟ قلت: أفعل. قال: مل معي! فملت معه، فلما رآه أهل الصرم ابتدروه، وإذا فتيان لهم شارةٌ، فأناخوا بنا وعقلوا ناقتينا، وأظهروا السرور، وأكثروا البر، ورأيتهم أشد شيء له تعظيماً، ثم قال: قوموا إن شئتم، فقام، وقمت لقيامه، حتى إذا صرنا إلى قبرٍ حديث التطيين ألقى نفسه عليه، وأنشأ يقول: لَئِن مَنَعوني في حَياتي زيارَةً ... أُحامي بِها نفساً تَمَلّكَها الحبُّ. فَلَن يَمنعوني أن أُجاورَ لحدَها ... فيَجمَعَ جِسمَينَا التجاورُ والتُّرْبُ. ثم أن أناتٍ، فمات. فأقمت مع الفتيان حتى احتفروا له ودفناه. فسألت عنه، فقالوا: ابن سيد هذا الحي، وهذه ابنة عمه، وهي إحدى نساء قومه، وكان بها مغرماً، فماتت منذ ثلاث، فأقبل إليها وقد رأيت ما آل إليه أمره. فركبت وكأنني والله قد ثكلت حميماً.

стр. 119

قبور العشاق وجدت في مجموع سماه جامعه زهر الربيع قال: أنشدت عبد الله بن المعتز: مَساكينُ أهلُ العِشقِ، حتى قبورُهم ... عَلَيها تُرَابُ الذلّ بينَ المَقابِرِ. فقال لي: لعن الله صاحب هذا الشعر، لا والله ما اذل الله تراب قبر عاشقٍ قط، بل أجله وشرفه ونضره وحسنه. قال ابن المعتز: ولي في هذا المعنى أملح من قول هذا لبارد، وأنشدني لنفسه: مرَرْتُ بِقَبرٍ مُشرِقٍ وَسْطَ رَوْضَةٍ ... عَلَيه من الأنوارِ مثلُ الشَّقائِقِ. فَقُلتُ: لمَنْ هذا؟ فقال ليَ الثَّرَى: ... ترَحّمْ عَلَيْهِ إنّهُ قبرُ عَاشِقِ. ما ضرهم ولي وهي قطعة مفردةٌ: بَانَ الخَلِيطُ فَأدمُعي ... وَجْداً عَلَيهِم تستهِلُّ. وحدا بهم حادي الفرَا ... قِ عَنِ المَنَازِلِ فاستَقَلّوا. قُلْ للّذينَ تَرَحّلُوا ... عن ناظِري والقلبَ حَلّوا، ودَمي بلا جُرْمٍ أتي ... تُ غداة بينهم استحلُّوا، ما ضرّهُم لوْ أنهَلوا ... من ماءِ وَصْلِهِمِ وَعَلّوا.

стр. 120

تعلل ساعة وجدت بخط أحمد بن محمد الأبنوسي حدثنا أبو محمد بن المغيرة الجوهري قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الغطفاني قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثني سليمان بن عياش السعدي قال: حدثني أبي قال: سرت في بلاد بني عقيل أطلب ضالةً لي، فرأيت فتاةً تدافع في مشيتها كتدافع الفرس السابق المختال. قال: فأسرعت المشي في إثرها، حتى أدركتها، وقد كادت تلج خباءها، فاستوقفتها، فوقفت، فجعلت أسائلها، وأكلمها، والله ما يقع بصري على شيء منها إلا ألهاني عن غيره. قال: فصاحت بي عجوز: ما يوقفك على هذا الغزال النجدي، فوالله ما تنال منه طائلاً. فقالت لها الفتاة: دعيه يا أمتاه يكون كما قال ذو الرمة: فإنْ لم يَكُنْ إلاّ تَعَلّلُ سَاعَةٍ ... قَلِيلٌ فإن نَافِعٌ لي قَلِيلُهَا. فتاة مراد وخطيبها البكري أخبرنا أبو الحسن علي نب صالح بن علي الروذباري بقراءتي عليه بمصر قال: أخبرنا أبو مسلم الكاتب في ما اجاز لنا قال: حدثنا ابن دريد قال: حدثنا أبو حاتم قال: أخبرنا أبو عبيدة قال: خطب رجل من بكر بن وائل إلى رجل من مراد ابنته فهم أن يزوجه، فبينا الجارية يوماً تلعب مع الجواري، إذ جاء الخاطب فقلن لها: هذا خاطبك؟ فقالت: ما رجل هو أحب إلي أن أكون قد رأيته منه. فلما رأته رأت رجلاً كبير السن قبيح الوجه، فقالت: أوقد رضي أبي به؟ قلن: نعم! فدخلت البيت، فاشتملت على السيف وشدت عليه،

стр. 121

فسبقها عدواً، ونالته بضربةٍ، فقال همام السلولي، وهو يشبب بامرأة: أخافُ بِأنْ تجزي المُحِبَّ كمَا جَزَتْ ... فتاةُ مُرادٍ شَيخَ بَكرِ بنِ وائِلِ. فَلَوْ لم يَرُغْ رَوْغَ الحَيارَى تَفَتّحَتْ ... ذَوَائِبُه مِنْهَا بِأبْيَضَ قَاصِلِ. ولا ذَنبَ للحَسنَاءِ لمّا بدا لها ... ضعيفٌ كخيطِ الصّوفِ رِخوَ المفاصِلِ. التبسم النمام أخبرني أبو عبد الله بن أبي نصر الأندلسي بدمشق قال: أنشد بحضرة بعض ملوك الأندلس قطعةٌ لبعض أهل المشرق وهي: وَمَاذا عَلَيهِم لوْ أثَابُوا فَسَلّمُوا، ... وقَد عَلِموا أني المشوقُ المُتَيَّمُ. سرَوا ونجُومُ الليْلِ زُهْرٌ طَوَالِعٌ ... عَلى أنّهُم بالليْلِ للنّاسِ أنجُمُ. وأخفَوا عَلى تِلْكَ المَطايا مَسيرَهُمْ، ... فَنَمّ عَلَيهِم في الظلامِ التبَسّمُ. فافرط بعض الحاضرين في استحسانها، وقال: هذا ما لا يقدر أندلسي على مثله، وبالحضرة أبو بكر يحيى بن هذيل فقال بديهاً: عَرَفتُ بِعَرْفِ الرّيحِ أين تَيَمّموا، ... وأينَ استقلّ الظاعِنونَ وخَيّموا. خَلِيلَيّ ردّاني إلى جانِبِ الحمى، ... فَلَستُ إلى غَيرِ الحِمى أتَيَمّمُ. أبيت سَميرَ الفَرْقَدَينِ كَأنّمَا ... وسادي قَتادٌ، أو ضجيعي أرْقَمُ.

стр. 122

وأحوَرَ وسنَانِ الجفونِ كأنّه ... قضيبٌ مِنَ الرَّيحانِ لدنٌ مُنَعَّمُ. نَظَرْتُ إلى أجْفَانِهِ أوّلَ الهَوَى ... فَأيْقَنْتُ أني لَستُ مِنُهنّ أسْلَمُ. كما أنّ إبرَاهِيمَ أوّلَ مَرّةٍ ... رَأى في الدّرَاري أنّه سوفَ يَسقَمُ. مي الغادرة أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بم محمد الجوهري في ما أذن لنا أن نرويه عنه قال: أخبرنا عمر بن حيويه محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن خلف قال: أخبرني أحمد بن شداد قال: حدثنا عبد الله بن أبي كريم قال: أخبرنا ميسرة بن عبد الله بن الحارث قال: أخبرني أبي قال: كان رجل من بني سليم يقال له عمرو بن مسلم، وكانت له امراة يقال لها مي، وكانت تبغضه، ولم يكن يعلم ذلكن وكان من أشد الناس حباً لها، فدخل عليها ذات يوم، وهي تقرأ في المصحف. فقال: يا مي أسالك بما أنزل الله تعالى في هذا المصحف أتحبينني أو تبغضينني؟ فقال: لا والله لا أخبرتك إلا أن تعطيني سؤلةً أسألكها. فقال: وأي شيءٍ سؤلتك؟ قالت: تجعل أمري في يدي. قال: نعم، وظن أنها مازحة، قالت: فلا والله وما أنزل فيه ما أحببتك ساعةً قط. فلما جعل أمرها بيدها اختارت نفسها، فكاد يموت أسفاً عليها، وانشأ يقول: هَيا ربِّ أدعُوكَ العَشِيّةَ مُخْلِصاً، ... دُعاءَ امرِئٍ عمّتْ بلابلُه الصّدرا. فإنّكَ إن تجمَعْ بِمَيٍّ لُبَانَتي ... معَ الناسِ قبل الموت أُحدِثْ لكَ الشُّكْرَا. فتَجمعْ بها شملَ امرئٍ لم تَدَعْ له ... فؤاداً، ولم يُرزَقْ على نأيِها صَبرا. إلى اللهِ أشكو أنّ مَيّاً تَحَكّمَتْ ... بعَقلِيَ مَظلُوماً وَوَلّيتُهَا الأمْرَا.

стр. 123

خطاءٌ مِنَ الرّأيِ الضَعيفِ، ولم يخفْ ... لمَيّةَ غدراً، واسْتَخارَتْ بيَ الغَدرا. وبَاتَتْ تَجُذّ الحَبْلَ بَيَني وَبَيْنَهَا، ... هَنيئاً لها إذ حَمّلَتْ نَفسَها الإصرَا. وَخَانَتْ خَلِيلاً لم يَخُنهَا ولمْ يُرِدْ ... بهَا بَدَلاً في الناسِ شَفعاً ولا وِترَا. عَشِيّةَ ألوي بالرِّداءِ على الحَشَا ... كَأنّ قَمِيصي مُشعِلٌ تحتَه جَمْرَا. عَشِيّةَ أبْكي، والبكى هَوْنُ ما أرَى، ... وداعي الفتى عَمراً، وهَيهاتَ لا عَمرا. فَرِحتُ بِها لَوْلا كِتابٌ وَمُدّةٌ ... مؤجَّلَةٌ ما عْشَتُ خَمساً ولا عَشرَا. تحَسّنَتِ الدنْيَا بِمَيٍّ لَيالِياً ... قَلائِلَ ثمّ استبدلَتْ جُرَعاً كُدرَا. مَرَارَاتُ صابٍ حينَ وَلّتْ وَعَلقَمٌ، ... تحَسّيتُ من غُصّاتِها جُرَعاً وحُمْرَا. اللص والمرأة التي أحبها أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي بن محمد السواق قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن فارس قال: حدثنا أبو الحسين بن بيان الزبيبي قال: حدثنا محمد بن خلف قال: أخبرني أحمد بن زهير قال: حدثنا أبو سعيد الأشج قال: حدثنا ابن إدريس عن الأعمش قال: كان في بني إسرائيل رجل لص يقال له برزين المناقيب، فتاب وكان يحدث الناس عما مان فيه، فقال: أعجبني امرأة في ناحية من نواحي الكوفة، فأخذت سيفي وخرجت في السحر، فلقيت بعير سقاء، فضربت عنقه، ث توجهت نحوها فتسورت عليها، فعالجتها، فلم أقدر عليها، وامتنعت أن تدخل معي في الحرام، فجمعت يدي في السيف ثم ضربت به وسط رأسها ثم انصرفت، فقلت: لأنظرن إلى أثر سيفي.

стр. 124

فعدت لإلى موضع البعير فإذا البعير ورأسه ناحيةً، ثم أتيتها بعد لأعلم الخبر، فغذا هي وسط النساء تحدث وتقول: والله لضرب رأسي، فما أخطأ منه شعرة. أبو دهبل والمرأة الشامية أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن خلف قال: حدثني أبو العابس أحمد بن يحيى قال: حدثنا الزبير بن أبي بكر قال: حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: حدثني إبراهيم بن أبي عبد الله قال: خرج أبو دهبل الجمحي يريد الغزو وكان رجلاً جميلاً صالحاً، فلما كان يجيرون جاءته امراة فأعطته كتاباً، فقالت له: اقرأ هذا! فقرأه لها، ثم ذهبت، فدخلت قصراً، ثم خرجت إليه، فقالت له: لو بلغت معي إلى هذا القصر فقرأت الكتاب على امرأة فيه كان لك أجر، إن شاء الله. فبلغ امعها القصر، فلما دخل، إذا فيه جوار كثيرة، فأغلقن عليه باب القصر، فإذا امرأة جميلة قد أتته فدعته إلى نفسها، فأبى، فأمرت به فحبس في بيت من القصر، وأطعم وسقي قليلاً قليلاً حتى ضعف وكاد يموت، ثم دعته إلى نفسها، فقال: أما في الحرام فلا يكون ذلك أبداً، ولكن أتزوجك. قالت: نعم! فتزوجها، وأمرت به فاحسن إليه حتى رجعت نفسه إليه، فأقام معها زماناً طويلاً لم تدعه يخرج من القصر، حتى يئس منه أهله وولده، وزوج أولاده بناته واقتسموا ميراثه. وأقامت زوجته تبكي، ولم تقاسمهم ماله، ولا أخذت من ميراثه شيئاً، وجاءها الخطاب، فأبت واقامت على الحزن والبكاء عليه، قال: فقال أبو دهبل لامرأته يوماً: إنك قد أثمت فيّ وفي ولدي، فأذني لي أن أخرج إليهم، وأرجع إليك. فأخذت عليه أيماناً ألا يقيم إلا سنةً

стр. 125

حتى يعود إليها، وأعطته مالاً كثيراً، فخرج من عندها بذلك المال حتى قدم على أهله، فرأى زوجته وما صارت إليه من الحزن، ونظر إلى ولده ممن اقتسم ماله، وجاؤوه فقال: ما بيني وبينكم عمل! أنتم ورثتموني وأنا حي، فهو حظكم، والله لا يشرك زوجتي أحد في ما قدمت به. وقال لزوجته: شأنك بهذا المال فهو كله لك، ولست أجهل ما كان من وفائك، وأقام معها وقال في الشامية: صاحِ! حَيَّ الإلهُ حَيّاً وَدُوداً ... عندَ أصْلِ القَنَاةِ من جَيرُونِ. فبِتِلكَ اغتَرَبْتُ بالشّام حتى ... ظَنّ أهلي مرَجَّماتِ الظّنونِ. وَهيَ زَهرَاءُ مثلُ لؤلؤةِ الغَوّ ... صِ مِيزَتْ مِن لؤلؤٍ مَكنونِ. وفي هذه القصيدة يقول أبو دهبل: ثمّ فارَقتُها على خيرِ ما كا ... نَ قرينٌ مقارناً لقَرينِ. وبكَتْ خشيةَ التفرّق والبَيْ ... نِ بكاءَ الحزينِ نحوَ الحزينِ. فاسألي عَنْ تَذَكّرِي واكتِئابي ... جُلَّ أهلي إذا همُ عذلوني. وقد روي هذا الشعر لعبد الرحمن بن حسان، وليس بصحيحٍ. قال: فلما جاء الأجل أراد الخروج إليها ففاجأه موتها، فأقام.

стр. 126

الصوفي وغلامه أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال بمصر قال: أخبرنا أبو صالح محمد بن عدي السمرقندي قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن أليسع قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي الخياط قال: قال أبو حمزة الصوفي: رأيت مع أحمد بن علي الصوفي ببيت المقدس غلاماً جميلاً، فقلتك مذ كم صحبك هذا الغلام؟ فقال: منذ سنين، فقلت: لو صرتما إلى بعض المنازل فكنتما فيه بحيث لا يراكما الناس كان أجمل بكما من الجلوس في المساجد والحديث فيها. فقال: أخاف احتيال الشيطان علي فيه في وقت خلوتي به، وإني لأكره أن يراني الله معه على معصية فيفرق بيني وبينه يوم يظفر المحبون بأحبابهم. يكره الخلو بالغلام أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت بالشام قال: حدثنا ابن أيوب القمي قال: أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال: حدثني أبو عبد الله الحكيمي قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا أبو أسامة قال: كنا عند شيخ يقرئ، فبقي عنده غلام يقرأ عليه، وأردت القيام فأخذ بثوبي وقال: اصبر حتى يفرغ هذا الغلام، وكره أن يخلو هو والغلام.

стр. 127

على طريقة ابن مدرك الشيباني أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا قال: كنت في الحداثة أنشأت كلمةً مسمطة على نحو قصيدة مدرك الشيباني في عمرو النصراني، فكان مما ذكرته في كلمتي هذه عند صفة عين إنسان ونسيت الكلمة به: سُقْمٌ أوَى أحسنَ عينٍ تَطرَفُ ... تَقوَى به وللقُلوبِ تُضْعِفُ. كاسم في الأفعى بفي من يحصِفُ، ... يحيا به، وللنفوس يُتلِفُ. ثم قلت: دواءُ مَن أقصَدَه بسَهمِهِ ... تَكرَارُه نحوَ مَرَامي سَهمِهِ. كالأُفْعُوَان يُشتَفى من سمّه ... بشرْبِ دِرْياق كَريهِ لَحمِه. قال المعافى بن زكيرا ولنا أيضاً في كلمة: وسقاني بسُقمِ مُقلةِ ظبيٍ ... قدّ قلبي منه بأحسنِ قدِّ. سُقمُها لي شفاءُ دائي، إذا جا ... دتْ وداءٌ إذا تصَدَّتْ لصَدّ. وأنا أستغفر الله تعالى من مساكنة ما يشغل عن عبادته، ومما يضارع ما وصفنا في هذا الفضل من وجه قول ابن الرومي: عَيني لِعَينِك حينَ تُبصِرُ مَقتَلُ ... لكِنّ عينَك سَهمُ حتَفٍ مُرْسَلُ. ومن العَجائِبِ أنّ مَعنىً واحداً ... هوَ منك سَهمٌ، وهوَ مني مَقتَلُ.

стр. 128

عناية الله بخائفيه أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق قال: حدثنا محمد بن أحمد بن فارس قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم الزبيبي قال: حدثنا محمد بن خلف قال: أخبرني أحمد بن جرب قال: حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثني أبو عبد الله البلخي: أن شاباً كان في بني إسرائيل لم ير شابٌ قط أحسن منه، قال: وكان يبيع القفاف، قال: فبينا هو ذات يومٍ يطوف بقفافه، إذ خرجت امرأة من دار ملك من ملوك بني إسرائيل، فلما راته رجعت مبادرة فقالت لابنة الملك: يا فلانة، إني رايت شاباً بالباب يبيع القفاف لم أر شاباً قط أحسن منه. قالت: أدخليه! فخرجت إليه، فقالت: يا فتى ادخل نشتر منك! فدخل، فأغلقت الباب دونه ثم قالت: ادخل، فدخل فأغلقت باباً آخر دونه. ثم استقبلته بنت الملك كاشفةً عن وجهها ونحرها، فقال لها: اشتر عافاك الله، فقالت: إنا لم ندعك لهذا، إنما دعوناك لكذا، تعني تراوده عن نفسه، فقال لها: اتقي الله! قالت له: إنك إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك أنك إنما دخلت علي تكابرني على نفسي. قال: فأبى، ووعظها، فأبت، فقال: ضعوا لي وضوءاً! فاقلت: أعلي تعلل؟ يا جارية! ضعي له وضوءاً فوق الجوسق، مكان لا يستطيع أن يفر منه، ومن الجوسق إلى الأرض أربعون ذراعاً. قال: فلما صار في أعلى الجوسق قال: اللهم إني دعيت إلى معصيتك وإني أختار أن أصبر نفسي، فألقيتها من هذا الجوسق، ولا أركب المعصية، ثم قال: بسم الله، وألقى نفسه من أعلى الجوسق فاهبط الله، ، ملكاً من الملائكة، فاخذ بضبعيه، فوقع قائماً على رجليه،

стр. 129

فلما صار في الأرض قال: اللهم إنك إن شئت رزقتني رزقاً يغنيني عن بيع هذه القفاف. قال: فأرسل الله، ، إليه جراداً من ذهب، فأخذ منه حتى ملأ ثوبه، فلما صار في ثوبه قال: اللهم إن كان هذا رزقاً رزقتنيه في الدنيا فبارك لي فيه، وإن كان ينقصني مما لي عندك في الآخرة فلا حاجة لي به. قال: فبنودي: إن هذا الذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءاً لصبرك على إلقائك نفسك من هذا الجوسق، قال: فقال: اللهم لا حاجة لي في ما ينقصني مما لي عندك في الآخرة. قال: فرفع. المجنون الأديب أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني في المسجد الحرام بباب الندوة قال: حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب قال: سمعت أبا سعيد أحمد بن رميح الزيدي يقول: سمعت محمد بن إبراهيم الأرجاني يقول: سمعت محمد بن يعقوب الأزدي عن أبيه قال: دخلت دير هرقل، فرأيت مجنوناً مكبلاً، فكلمته، فوجدته أديباً، فقلت له: ما الذي صيرك إلى ما أرى؟ فقال: نَظَرْتُ إلَيها فاستَحَلّتْ بنَظرَتي ... دمي، ودَمي غالٍ، فأرخَصه الحُبُّ. وغَالَيتُ في حُبّي لها، وَرَأَتْ دَمي ... رَخِيصاً، فمِن هذينِ داخَلَها العُجبُ.

стр. 130

أربع نسوة وأربعة غربان أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز قال: حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني محمد بن عبد الله الأهوازي قال: أخبرني بعض أهل الأدب أن بعض البصريين أخبره قال: كنا لمة نجتمع ولا يفارق بعضنا بعضاً، وكنا على عدد أيام عند أحدنا، فضجرنا من المقام في المنازل، فقال بعضنا: لو عزمتم فخرجنا إلى بعض البساتين، فخرجنا إلى بستان قريب منا، فبينا نحن فيه إذ سمعنا ضجةً راعتنا، فقلت للبستاني: ما هذا؟ فقال: هؤلاء نسوة لهن قصة، فقلت له أنا دون أصحابي: وما هي؟ قال: العيان أكبر من الخبر، فقم حتى أريك وحدك. فقلت لأصحابي: أقسمت ألا يبرح أحد منكم حتى أعود. فنهضت وحدي، فصعدت إلى موضع أشرف عليهن، وأراهن، ولا يرينني، فرأيت نسوةً أربعاً كأحسن ما يكون من النساء وأشكلهن، ومعهن خدم لهن وأشياء قد أصلحت من طعام وشراب وآلة، فلما اطمأن بهن المجلس، جاء خادم لهن، ومعه خمسة أجزاء من القرآن، فدفع إلى كل واحدةٍ منهن جزءاً ووضع الجزء الخامس بينهن، فقرأن أحسن قراءة، ثم أخذن الجزء الخامس فقرأت كل واحدة منهن ربع الجزء، ثم أخرجن صورةً معهن في ثوب دبيقي فبسطنها بينهن فبكين عليها ودعون لها، ثم أخذن في النوح، فقالت الأولى: خلسَ الزّمانُ أعَزَّ مختَلَسِ، ... ويَدُ الزّمَانِ كثيرَةُ الخَلَسِ. للهِ هالكةٌ فُجِعْتُ بِهَا، ... ما كانَ أبعَدَها من الدّنَسِ. أتَتِ البِشَارَةُ والنّعيُّ بِهَا، ... يَا قُرْبَ مأتَمِهَا من العُرُسِ.

стр. 131

ثم قالت الثانية: ذَهَبَ الزّمَانُ بِأُنْسِ نفسي عَنوَةً، ... وبَقيتُ فَرْداً ليسَ لي من مُؤنِسِ. أودى بمَلْكَ ولَوْ تُفادى نفسُهَا، ... لَفَدَيتُها ممن أُعِزّ بِأنْفُسِ. ظَلّتْ تُكَلّمني كَلاماً مُطْعِماً، ... لم أسترِبْ فيه بشيءٍ مُؤيِسِ. حتى إذا فَترَ اللّسانُ وأصْبَحَتْ ... للمَوْتِ قَد ذَبُلَتْ ذُبولَ النَّرْجِسِ. وتَسَهّلَتْ مِنْهَا مَحَاسِنُ وَجْهِهَا، ... وَعَلا الأنِينُ تحثّهُ بِتَنَفّسِ. جَعَلَ الرّجاءُ مَطامِعي يأساً كمَا ... قَطَعَ الرّجاءُ صَحِيفَةَ المُتَلَمّسِ. ثم قالت الثالثة: جَرَتْ على عَهدِها الليالي، ... وَأُحْدِثَتْ بَعدَها أُمورُ. فاعتضْتُ باليأس منكِ صَبراً، ... فاعتَدَلَ اليأسُ والسرُورُ. فَلَستُ أرجو، ولستُ أخشى ... ما أحدَثَتْ بَعدكِ الدهورُ. فَليبلُغِ الدهرُ في مَساتي، ... فَما عَسى جُهْدُه يَضِيرُ. ثم قالت الرابعة: عِلْقٌ نَفِيسٌ من الدنيَا فُجِعتُ به، ... أفضى إلَيه الرَّدى في حَوْمةِ القَدَرِ. وَيحَ المَنايا أمَا تَنْفَكّ أسهُمُها ... معَلَّقاتٍ بِصَدرِ القوْسِ والوَتَرِ. يَبلى الجديدان، والأيّام بالِيَةٌ، ... والدهرُ يَبلى، وتَبلى جِدّةُ الحَجَرِ. ثم قمن فقلن بصوتٍ واحد:

стр. 132

كنّا من المَساعِده، ... نحيا بنفسٍ واحده. فمات نِصْفُ نفسي ... حينَ ثَوَى في الرَّمسِ. فَما بَقائي بعدَه ... وشَطرُ نفسي عندَه. فَهَلْ سَمِعتُم قَبلي ... في مَنْ مَضى بِمِثلي. عاشَ بِنِصْفِ روحِ ... في بَدَنٍ صَحِيحِ. ثم تنحين وقلن لبعض الخدم: كم عندك منهن؟ قال: أربعة. قلن: ائت بهن، فلم ألبث إلا قليلاً حتى طلع بقفصٍ فيه أربعة غربان مكتفة، فوضع القفص بين أيديهن، فدعون بعيدان، فأخذت كل واحدة منهن عوداً فغنت: لَعَمري! لقد صاحَ الغُرَابُ بِبَنيهِم، ... فأوجَعَ قلبي بالحديثِ الذي يُبدي. فقلتُ له: أفصحتَ لا طِرْتَ بعدها، ... بِريشٍ، فهل للقَلبِ ويحَكَ من رَدّ!. ثم أخذن واحداً من الغربان فنتفن ريشه حتى تركنه كأن لم يكن عليه ريش قط، ثم ضربنه بقضبان معهن لا أدري ما هي حتى قتلنهن ثم غنت: أشاقَكَ، والليلُ ملقي الجِرَانِ، ... غُرَابٌ يَنوحُ على غُصْنِ بانِ. أحصُّ الجَناحِ، شديدُ الصّيَاحِ، ... يَبكي بِعَيْنَينِ ما تهملانِ. وفي نَعَبَاتِ الغُرَابِ اغْترَابٌ، ... وفي البانِ بَينٌ بعيدُ التّداني. ثم أخذن الثاني فشددن في رجليه خيطين وباعدن بينهما وجعلن يقلن له: أتبكي بلا دمع وتفرق بين الألاف، فمن أحق بالقتل منك؟

стр. 133

ثم فعلن به ما فعلن بصاحبه. ثم غنت الثالثة: ألا يا غُرَابَ البين لَونُكَ شاحِبٌ، ... وأنْتَ بِلَوْعاتِ الفِرَاقِ جَديرُ. فَبَيّنْ لَنَا ما قلتَ، إذ أنتَ واقِعٌ، ... وبَيّن لَنَا ما قُلتَ حينَ تَطيرُ. فإنْ يكُ حقّاً ما تَقولُ، فَأصْبَحْتْ ... هُمومُكَ شَتّى، والجَنَاحُ كَسيرُ. ولا زِلتَ مَكسوراً عديماً لِنَاصرٍ، ... كَما لَيسَ لي من ظالميّ نَصِيرُ. ثم قالت له: أما الدعوة فقد استجيبت، ثم كسرت جناحيه، وأمرت ففعل به ذلك، ثم غنت الرابعة: عَشِيّةَ ما لي حيلَةٌ غيرَ أنّني ... بلَقطِ الحصى، والخطِّ في الدّارِ مولَعُ. أخُطُّ وأمحو كلّ ما قَد خَطَطتُه ... بدمعيَ والغِرْبانُ في الدارِ وُقَّعُ. ثم قالت لأخواتها: أي قتلةٍ أقتله؟ فقلن لها: علقيه برجليه وشدي في رأسه شيئاً ثقيلاً حتى يموت، ففعلت به ذلك، ثم وضعن عيدانهن، ودعون بالغداء، فأكلن، ودعون بالشراب، فشربن، وجعلن كلما شربن قدحاً شربن للصورة مثله، وأخذن عيدانهن فغنين، فغنت الأولى كأنها تودع به: أبكى فِرَاقَكُمُ عَيني فأرّقَهَا، ... إنّ المُحِبّ على الأحبابِ بكّاءُ. ما زالَ يعدو عَلَيهِم ريبُ دهرِهمُ ... حتى تَفَانَوْا، وريبُ الدهرِ عَدّاءُ. ثم غنت الثانية: أما والذي أبكى وأضْحَكَ، والذي ... أمَاتَ وأحيا، والذي أمرُهُ الأمرُ. لقد تركَتْني أحسُدُ الوَحشَ أن أرَى ... ألِيفَينِ منها لا يرُوعُهُما الذّعرُ.

стр. 134

ثم غنت الثالثة: سأبكي على ما فاتَ منكِ صَبابَةً ... وَأندُبُ أيّامَ الأماني الذّوَاهِبِ. أحينَ دَنَا مَن كنتُ أرْجو دنُوَّه ... رَمَتني عُيونُ الناسِ من كل جانبِ. فأصْبَحتُ مَرْحوماً، وكنتُ مُحَسَّداً، ... فَصَبراً على مَكُروهِ مرِّ العَوَاقِبِ. ثم غنت الرابعة: سأُفني بِكَ الأيّامَ حتى يَسُرّني ... بك الدهرُ، أو تَفنى حياتي معَ الدهرِ. عَزَاءً وصبراً! أسعِداني على الهوَى، ... وأحمَدُ مَا جَرّبتُ عاقبَةُ الصّبرِ. ثم أخذت الصورة فعانقتها، وبكت، وبكين، ثم شكون إليها جميع ما كن فيه، ثم أمرن بالصورة، فطويت، ففرقت أن يتفرقن قبل أن أكلمهن، فرفعت رأسي إليهن فقلت: لقد ظلمتن الغربان. فقالت: لو قضيت حق السلام، وجعلته سبباً للكلام، لأخبرناك بقصة الغربان. قال قلت: إنما أخبرتكن بالحق. قلن: وما الحق في هذا، وكيف ظلمناهن؟ قلت: إن الشاعر يقول: نَعَبَ الغُرَابُ بِرُؤيَةِ الأحبَابِ، ... فلذاك صِرْتُ أُحِبّ كُلّ غُرَابِ. قالت: صحفت وأحلت المعنى، إنما قال: بفرقة الأحباب، فلذاك صرت عدو كل غراب. فقتل لهن: فبالذي خصكن بهذا المجلس، وبحق صاحبة الصورة، لما خبرتنني بخبركن؟ قلن: لولا أنك أقسمت علينا بحق من يجب علينا حقه ما أخبرناك. كنا صواحب مجتمعات على الألفة، لا تشرب منا واحدة البارد دون صاحبتها، فاحترمت صاحبة الصورة من بيننا، فنحن نصنع في كل موضع نجتمع فيه مثل الذي رأيت، وأقسمنا أن نقتل في كل يومٍ نجتمع

стр. 135

فيه ما وجدنا من الغربان لعلة كانت. قلت: وما تلك العلة؟ قلن: فرق بينها وبين أنسٍ كان لها، ففارقت الحياة، فكانت تذمهن عندنا، وتأمر بقتلهن، فأقل ما لها عندنا أن نتمثل ما أمرت به، ولو كان فيك شيء من السواد لفعلنا بك فعلنا بالغربان. ثم نهضن فمضين، ورجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بما رأيت، ثم طلبتهن بعد ذلك، فما وقعت لهن على خبر، ولا رأيت لهن أثراً. أبو السائب والغراب أخبرنا أبو الحسن علي وأبو منصور أحمد ابنا الحسن بن الفضل الكاتب في ما أجازاه لي قالا: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله بن خالد الكاتب من لفظه قال: أخبرنا أبو محمد علي بن عبد الله بن العباس بن المغيرة الجوهري قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: قال الخليل بن سعيد: مررت بسوق الطير، فإذا الناس قد اجتمعوا يركب بعضهم بعضاً، فإذا أبو السائب قائماً على غراب يباع قد أخذ طرف ردائه وهو يقول للغراب: يقول لك قيس بن ذريح: ألا يا غُرَابَ البَينِ، قد طِرْتَ بالّذي ... أحاذِرُ من لُبنى، فَهَل أنتَ وَاقِعُ؟ ثمّ لا تَقَع، ويضربه بردائه والغراب يصيح. لبنى صاحبة قيس بن ذريح والغربان أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه قال: حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني عبد الجبار بن عبد الأعلى قال: قال خندف بن سليم: حدثني أحمد بن هود أن لبنى أمرت غلاماً لها فاشترى لها أربعة غربان، فلما رأتهن بكت وصرخت، وكتفتهن، وجعلت تضربهن بالسوط

стр. 136

حتى متن جميعاً، وجعلت تقول بأعلى صوتها: لقد نادى الغُرَابُ ببَين لُبنى ... فطارَ القَلبُ من حَذَرِ الغُرَابِ. فَقُلتُ: غَداً تَباعدُ دارُ لُبنى ... وَتَنْأَى بَعدَ وُدٍّ واقترَابِ. فَقُلتُ: تَعِستَ وَيحَكَ من غُرَابٍ ... أكُلَّ الدهرِ سَعْيُكَ في تَبابِ. لقَد أولِعتَ، لاقَيتَ خَيراً، ... بِتَفرِيقِ المحِبِّ عن الحِبَابِ. فدخل زوجها، فرآها على تلك الحال، فقال: ما دعاك إلى ما أرى؟ قالت: دعاني أن ابن عمي وحبيبي قيساً أمرهن باوقوع فلم يقعن حيث يقول: ألا يا غُرَابَ البَين، قد طِرْتَ بالذي ... أُحاذِرُ من لُبنى، فَهَل أنتَ وَاقعُ؟ فآليت أن لا أظفر بغراب إلا قتلته، قال: فغضب، وقال: لقد هممت بتخلية سبيلك، فقالت: لوددت أنك فعلت، وإني عمياء، فوالله ما تزوجتك رغبةً فيك، ولقد كنت آليت أن لا أتزوج بعد قيس أبداً، ولكني غلبني أبي على أمري. قلبي باكٍ أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة في ما أجاز لنا قال: أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عكران المرزياني إجازة قال: أعادُ من حُبِّكِ لا من ضَنىً ... وأكثرُ العُوَّادِ أشراكي. وَلَستُ أشكوكِ إلى عَائِدٍ، ... أخافُ أن أشكو إلى شاكي. إن كنتُ لا أبكي حِذارَ العِدى، ... فإنّ قَلبي أبَداً باكي.

стр. 137

قاتل الله الرقيب ولي من قصيدة أولها: إذا كنت من أسر الهوى غير منفك، ... فدع جسدي يضنى ودع مقلتي تبكي. وفيها: ألا قَاتَلَ اللهُ الرّقِيبَ ومَوْقِفاً ... بَكينَا به، والبَين يَفتَرّ بالضّحْكِ. وغرّبَ غرْبانَ النوَى، حينَ بشّرَتْ، ... نعِيباً من البينِ المفرِّقِ بالوَشكِ. فيَا وَيحَ للعُشّاقِ أمسَتْ دماؤهُم ... تُطَلّ غَرَاماً وهيَ هَيّنَةُ السفكِ. معبد المغني وغلامه أخبرنا أب الفتح عبد الواحد بن أحمد بن الحسين بن شيطا وأبو الحسين أحمد بن علي التوزي قالا: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن سويد المعدل قالك أخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبي. قال: حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال: حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان لمعبد مملوك رباه وأحسن أدبه، فمر به فتىً، فاستطرف الغلام، فاشتراه منه، فلما رحل سمع الفتى الغلام يبكي، ويقول: وما كُنتُ أخشى مَعبَداً أن يَبِيعَني ... بشيء ولَوْ أضْحَتْ أنامِلُهُ صِفْرَا. أخوكُمْ ومَوْلاكُم، وصَاحِبُ سرّكم، ... ومَن قد نشا فيكم، وعاصركم دهرَا. فقال له مولاه: الحق بأهلك، فهم في حل من ثمنك.

стр. 138

الفضل بن الربيع يهوى غلاماً وبالإسناد قال: أخبرنا الحسين بن القاسم قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عمر الوراق قال: أخبرني دوست الخراساني قال: اشترى خزام صاحب دواب المعتصم خادماً نظيفاً، وكان عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع يتعشقه، وقد نشب في ابتياعه، فسأله هبته له، أو بيعه منه، فلم يفعل، فصنع أبياتاً، وعمل فيها لحناً، واتصل خبرها بخزام، وخاف أن يتصل الخبر بالمعتصم فيأتي عليه، فوجه به إليه، وهذه هي الأبيات: يوْمُ سبتٍ فَصَرِّفا لي المُدامَا ... واسقِيَاني لَعَلّني أن أنامَا. شَرّدَ النّوْمَ حُبُّ ظَبْيٍ غَريرٍ، ... ما أُرَاهُ يَرَى الحَرَامَ حَرَاما. اشتَرَاهُ فَتىً بِقَضْمَةِ يَوْمٍ ... أصبَحتْ غِبَّهُ الدوابُّ صُياما. دمعة هطلت في ساعة البين وبالإسناد أيضاً قال: أخبرنا الحسين بن القاسم قال: حدثني محمد بن عجلان قال: أخبرني ابن السكيت أن عبد الله بن طاهر عزم على الحج، فخرجت إليه جارية شاعرة، فبكت لما رأت آلة السفر، فقال محمد بن عبد الله: دَمعَةٌ كاللَؤلؤ الرّط ... بِ على الخدّ الأسيلِ. هَطَلتْ في ساعةِ البَيْ ... نِ من الطرفِ الكَحيلِ.

стр. 139

ثم قال لها: أجيزي، فقالت: حِينَ هَمّ القَمَرُ الزّاهِرُ عَنّا بالأفولِ. إنّما يفتضحُ العشّاقُ في يَوْمِ الرّحِيلَ. حنّ شوقاً وأنَّ ولي من نسيب قصيدة: وأخي لَوْعةٍ لَقِيتُ فَما زا ... لَ بِماءِ الجُفونِ يُبكي الجَفنَا. يَشتَكي وجدَهُ إليّ وأشكُو ... ما يقاسي قَلبي المشوقُ المعنّى. ثُمّ لمّا كفّت دموعُ مآقي ... هِ ومني، وَحَنّ شَوْقاً وَأنّا: قد أفَاقَ العُشّاقُ من سكرَةِ البَيْ ... نِ جَميعاً، فما لنَا ما أفَقنَا؟ قُلتُ: جارَ الهوَى عَلَينَا، فلوْ كنّ ... اغَداةَ الفِرَاقِ مُتنَا استرَحنَا. إياس وابنة عمه صفوة أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي في ما أجاز لنا قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العابس بن حيويه الخزاز قراءة عليه قال: أخبرنا محمد بن خلف إجازة قال: حدثنا قاسم بن الحسن قال: حدثنا العمري قال: أخبرني الهيثم بن عدي أن إياس بن مرة بن مصعب القيسي كان له أخ يقال له فهر، وكانا ينزلان الحيرة، وأن فهراً ارتحل بأهله وولده،

стр. 140

فنزل بأرض السراة، وأقام مرة بالحيرة، وكانت عند مرة امرأة من بكر بن وائل، فلبثت معه زماناً لم يرزق منها ولداً، حتى يئس من ذلك. ثم أتي في منامه، ليلةً من ذلك، فقيل له: إنك إن باشرت زوجتك من ليلتك هذه رأيت سروراً وغبطةً، فانتبه، فباشرها فحملت فلم يزل مسروراً إلى أن تمت أيامها، فولدت له غلاماً، فسماه إياساً، لنه كان آيساً منه، فنشأ الغلام منشأً حسناً. فلما ترعرع ضمه أبوه إليه، وأشركه في أمره، وكان إذا سافر أخرجه معه لقلة صبره عنه، فقال له أبوه يوماً: يا بني، قد كبرت سني، وكنت أرجوك لمثل هذا اليوم، ولي إلى عمك حاجة، فأحب أن تشخص فيها. فقال له إياس: نعم يا أبه، ولي إلى عمك حاجة، فأحب فأنا لحاجتك. فأعلمه الحاجة، فخرج متوجهاً حتى أتى عمه، فعظم سروره به وسأله عن سبب قدومه، وما الحاجة فأخبره بها، ووعده بقضائها، فأقام عند عمه أياماً، ينتظر فيها قضاء الحاجة. وكان لعمه بنت يقال لها صفوة، ذات جمال وعقل، فبينا هو ذات يوم جالس بفناء دارهم، إذ بدت له صفوة زائرة بعض أخواتها وهي تهادى بين جوار لها، فنظر إليها إياس نظرة أورثت قلبه حسرة، وظل نهاره ساهياً، وبات وقد اعتكرت عليه الأحزان، ينتظر الصباح، يرجو أن يكون فيه النجاح، فلما بدا له الصبتح خرج في طلبها ينتظر رجوعها، فلم يلبث أن بدت له، فلما نظرت إليه تنكرت ثم مضت فأسرعت، فمر يسعى خلفها، يأمل منها نظرة، فلم يصل إليها، وفاتته فانصرف إلى منزله، وقد تضاعف عليه الحزن واشتد الوجد، فلبث أياماً، وهو على حاله، إلى أن أعقبه ذلك مرضاً أضناه وأنحل جسمه، وظل صريعاً على الفراش. فلما طال به سقمه وتخوف على نفسه بعث إلى عمه لينظر إليه

стр. 141

ويوصيه بما يريد، فلما رآه عمه ونظر إلى ما به سبقته العبرة إشفاقاً عليه، فقال له إياس: كف، جعلت فداك يا عم، فق أفرحت قلبي. فكف عن بعض بكائه، فشكا إليه إياس ما يجد من العلة. فقال له: عز، والله، علي يا ابن أخي، ولن أدع حيلةً في طلب الشفاء لك. فانصرف إلى منزله، وأرسل إلى مولاةٍ له كانت ذات عقل فأوصاها به، وبالتعاهد له، والقيام عليه. فلما دخلت المولاة عليه فتأملته علمت أن الذي به عشق، فقعدت عند رأسه، فأجرت ذكر صفوة لتستيقن ما عنده، فلما سمع ذكرها زفر زفرةً، فاقلت المرأة: والله ما زفر إلا من هوىً داخله ولا أظنه إلا عاشقاً. فأقبلت عليه كالممازحة له فقالت له: حتى متى تبلي جسمك، فوالله ما أظن الذي بك إلا هوى. فقال لها إياس: يا أمه، لقد ظننت بي ظن سوء، فكفي عن مزاحك. فقالت: إنك والله لن تبديه إلى أحد هو أكتم له من قلبي. فلم تزل تعطيه المواثيق وتقسم عليه إلى أن قالت له: بحق صفوةّ فقال لها: لقد أقسمت علي بحق عظيم لو سألتني به روحي لدفعتها إليك، ثم قال: والله يا أمه ما أعظم دائي إلا بالاسم الذي أقسمت علي بحقه، فالله الله في كتمانه وطلب وجه الحيلة فيه. فقالت: أما إذ أطلعتني عليه، فسأبلغ فيه رضاك، إن شاء الله، فسر بذلك، وأرسل معها بالسلام إلى صفوة. فلما دخلت عليها ابتدأتها صفوة بالمسألة عن الذي بلغها من مرضه وشدة حاله، فاستبشرت المولاة بذلك، ثم قالت: يا صفوة ما حالة من يبيت الليل ساهراً محزوناً يرعى النجوم ويتمنى الموت؟ فقالت صفوة: ما أظن هذا على ما ذكرت بباقٍ، وما أسرع منه الفراق. ثم أقبلت عى المولاة فقالت: إني أريد أن أسألك عن شيء فبحقي عليك لما أوضحته. فقالت: وحقك إن عرفته لا كتمتك منه شيئاً.

стр. 142

قالت: فهل أرسلك إياس إلى احد من أهل وده في حاجة؟ فقالت المولاة: والله لأصدقنك، والله ما جل دائه وعظم بلائه إلا بك، وما أرسلني بالسلام إلا إليك، فأجيبيه إن شئت، أو دعي. فقالت: لا شفاه الله، والله لولا ما أوجب من حقك لأسأت إليك، وزجرتها، فخرجت من عندها كئيبة، فأتته فأعلمته فازداد على ما كان به من مرضه، وأنشأ يقول: كتمتُ الهوَى حتى إذا شبّ واستوَتْ ... قُوَاه، أشاعَ الدّمعُ ما كنتُ أكتُمُ. فَلَمّا رأيتُ الدّمعَ قد أعلنَ الهوَى ... خَلَعتُ عِذاري فِيه، والخَلعُ أسلَمُ. فيا وَيحَ نفسي كيف صَبري على الهوَى ... وقلبي وروحي عندَ مَن ليسَ يرْحمُ. قال: ثم إن عمه دخل عليه ليعرف خبره، فقال له: يا عم، إلي مخبرك بشيء لم أخبرك به حتى برح الخفاء ولم أطق له محملاً، فأخبره الخبر، فزوجه فأفاق وبرأ من علته. إبليس يغني أخبرنا القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري في ما أجاز لنا قال: أخبرنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا الربيعي قال: قال إبراهيم القارئ: رأيت إبليس في النوم شيخاً أبيض الرأس واللحية، وهو يغني بصوتٍ شجٍ: أسهَرْتَ لَيلَ المُستَهامْ، ... ونَفَيتَ عن عيني المنامْ. وَهَجَرْتَني مُتَعَمّداً، ... ما هكَذا فِعلُ الكِرَامْ.

стр. 143

محنة العاشق أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قال: أخبرنا علي بن أيوب القمي قال: أخبرني أبو عبيد الله محمد بن عمران قال: أخبرني الصولي قال: قال أبو تمام: أنتَ في حلّ فزِدني سَقَما، ... افنِ صَبري واجعل الدمعَ دما. وارْضَ لي الموْتَ بهَجرتكَ فإن ... ألِمَتْ نَفْسي، فَزِدْني ألَمَا. محْنَةُ العَاشِقِ ذلٌّ في الهَوَى، ... فَإذا استُودِعَ سِرّاً كتَمَا. ليسَ مِنّا مَن شَكا عِلّته، ... مَن شَكا ظُلمَ حَبِيبٍ ظَلَمَا. المأمون والعباس بن الأحنف أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي بن الجاز القرشي بالكوفة بقراءتي عليه سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وأنا متوجه إلى مكة، قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد بن إسحاق البزاز في ما كتب به إلينا قال: حدثنا أبو هريرة أحمد بن عبد الله قال: حدثنا الحسن بن محمد بن إسماعيل بن موسى قال: رأيت في كتاب الأخبار لأبي أن المأمون لما خرج إلى خرسان كان في بعض الليل جالساً في ليلة مقمرة إذ سمع مغنياً يغني من خيمة له: قالُوا: خُرَاسان أقصى ما تحاوِلُه، ... ودونَ ذاكَ، فقَد جُزْنا خُرَاسانا. ما أقدَرَ اللهَ أن يُدني بِعِزّتِه ... سُكانَ دِجلَةَ من سكان جَيحانا. عَيناً أظُنّ أصَابَتنَا، فلا نَظَرَتْ، ... وَعُذّبت بِصنُوفِ الهجرِ ألوَانا. متى يكونُ الذي أرجو وآمُلُه، ... أما الذي كنتُ أخشاه فقد كانا. فخرج المأمون من موضعه حتى وقف على الخيمة، وعلمها، فلما كان من الغد وجه فأحضر صاحب الخيمة، وهو شاب، فسأله عن اسمه، فقال العباس بن الأحنف. قال: أنت الذي كنت تقول: متى يكونُ الذي أرجو وآمُلُه، ... أمّا الذي كنتُ أخشاه فقد كانا.

стр. 144

قال: نعم. قال: ما شأنك؟ قال: يا أمير المؤمنين تزوجت ابنة عم لي، فنادى مناديك يوم أسبوعي في الرحيل إلى خراسان، فخرجت، فأعطاه رزق سنة، ورده إلى بغداد، وقال: أقم إلى أن تنفقها، فإذا نفدت رجعت. مهجور لا مسحور أنبأنا أبو سعيد مسعود بن ناصر السخبري، وقد قدم علينا بغداد، قال: أنبأنا أبو القاسم بن عمر ببغداد قال: أنشدنا أبو علي الحسن بن عبد الله الزنجاني لبعضهم: قال الطّبِيبُ لأهلي حينَ أبْصَرَني: ... هذا فَتاكُم، وحقِّ الله، مَسحورُ. فقُلتُ: ويحَكَ! قد قارَبتَ في صِفتي ... عينَ الصّوَابِ، فَهَلاّ قلتَ: مهجورُ. صيرت لحظها سلاحاً أخبرنا أبو سعيد أيضاً قال: حدثني أبو غانم حميد بن مأمون بهمذان قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي قال: أخبرني أبو العباس الوليد بن بكر الأندلسي قال: أنشدنا أبو عمر يوسف بن عبد الله الملقب بأبي رمال، على البديهة، إذ غبر عليه حبيبه:

стр. 145

بُحتُ بوَجدي، ولوْ غَرَامي ... يكونُ في جَلْمَدٍ لَبَاحا. أضَعتُمُ الرُّشدَ في مُحِبٍّ ... لَيسَ يرَى في الهوَى جُناحا. لم يستطِعْ حملَ ما يلاقي، ... فَشَقّ أثوَابَه وَناحَا. مُحَيَّرَ المُقْلَتَيِنِ قُلْ لي: ... هلْ شَرِبَتْ مُقلتاكَ رَاحَاً؟ نَفسي فِدَا لِمّةٍ وَوَجْهٍ ... قَد كمّلا اللّيلَ والصّبَاحَا. وَمُقْلَةْ أُولِعَتْ بِقَتلي، ... قد صَيّرَتْ لحْظَها سِلاحا. وَعَقرَبٍ سُلّطَتْ عَلَينَا، ... تَملأ أكبَادَنَا جِرَاحَا. جمال يلهي الناس أخبرنا إبراهيم بن سعيد بمصر في سنة خمس وخمسين وأربعمائة بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو صالح السمرقندي الصوفي قال: حدثنا الحسين بن القاسم بن أليسع قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر الدينوري قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي قال: قال أبو حمزة: كان كامل بن المخارق الصوفي من أحسن ما رأيته من أحداث الصوفية وجهاً، وكان قد لزم منزله، وأقبل على العبادة، فكان لا يخرج إلا من جمعة إلى جمعة، فإذا خرج يريد المسجد، وقف له الناس، ورموه بأبصارهم ينظرون إليه، فقدم به علينا حجار بن قيس المكي دمشق، وكان أحد الفصحاء العقلاء، وكان لي صديقاً، فكلمني جماعة من أصحابه أسأله أن يجلس لهم مجلساً يتكلم عليهم فيه، ويسألونه، فكلمته فوعدهم يوماً، فاتعدنا لذلك اليوم، ودعا الناس بعضهم بعضاً. فلما أن كان يوم الجمعة وصلى الناس الغداة، أقبلوا من كل ناحية،
следующие страницы →