← Адаб

Адаб · id 26549

مصارع العشاق

السراج القارئ

Полный текст (611 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ويوصيه بما يريد، فلما رآه عمه ونظر إلى ما به سبقته العبرة إشفاقاً عليه، فقال له إياس: كف، جعلت فداك يا عم، فق أفرحت قلبي. فكف عن بعض بكائه، فشكا إليه إياس ما يجد من العلة. فقال له: عز، والله، علي يا ابن أخي، ولن أدع حيلةً في طلب الشفاء لك. فانصرف إلى منزله، وأرسل إلى مولاةٍ له كانت ذات عقل فأوصاها به، وبالتعاهد له، والقيام عليه. فلما دخلت المولاة عليه فتأملته علمت أن الذي به عشق، فقعدت عند رأسه، فأجرت ذكر صفوة لتستيقن ما عنده، فلما سمع ذكرها زفر زفرةً، فاقلت المرأة: والله ما زفر إلا من هوىً داخله ولا أظنه إلا عاشقاً. فأقبلت عليه كالممازحة له فقالت له: حتى متى تبلي جسمك، فوالله ما أظن الذي بك إلا هوى. فقال لها إياس: يا أمه، لقد ظننت بي ظن سوء، فكفي عن مزاحك. فقالت: إنك والله لن تبديه إلى أحد هو أكتم له من قلبي. فلم تزل تعطيه المواثيق وتقسم عليه إلى أن قالت له: بحق صفوةّ فقال لها: لقد أقسمت علي بحق عظيم لو سألتني به روحي لدفعتها إليك، ثم قال: والله يا أمه ما أعظم دائي إلا بالاسم الذي أقسمت علي بحقه، فالله الله في كتمانه وطلب وجه الحيلة فيه. فقالت: أما إذ أطلعتني عليه، فسأبلغ فيه رضاك، إن شاء الله، فسر بذلك، وأرسل معها بالسلام إلى صفوة. فلما دخلت عليها ابتدأتها صفوة بالمسألة عن الذي بلغها من مرضه وشدة حاله، فاستبشرت المولاة بذلك، ثم قالت: يا صفوة ما حالة من يبيت الليل ساهراً محزوناً يرعى النجوم ويتمنى الموت؟ فقالت صفوة: ما أظن هذا على ما ذكرت بباقٍ، وما أسرع منه الفراق. ثم أقبلت عى المولاة فقالت: إني أريد أن أسألك عن شيء فبحقي عليك لما أوضحته. فقالت: وحقك إن عرفته لا كتمتك منه شيئاً.

стр. 142

قالت: فهل أرسلك إياس إلى احد من أهل وده في حاجة؟ فقالت المولاة: والله لأصدقنك، والله ما جل دائه وعظم بلائه إلا بك، وما أرسلني بالسلام إلا إليك، فأجيبيه إن شئت، أو دعي. فقالت: لا شفاه الله، والله لولا ما أوجب من حقك لأسأت إليك، وزجرتها، فخرجت من عندها كئيبة، فأتته فأعلمته فازداد على ما كان به من مرضه، وأنشأ يقول: كتمتُ الهوَى حتى إذا شبّ واستوَتْ ... قُوَاه، أشاعَ الدّمعُ ما كنتُ أكتُمُ. فَلَمّا رأيتُ الدّمعَ قد أعلنَ الهوَى ... خَلَعتُ عِذاري فِيه، والخَلعُ أسلَمُ. فيا وَيحَ نفسي كيف صَبري على الهوَى ... وقلبي وروحي عندَ مَن ليسَ يرْحمُ. قال: ثم إن عمه دخل عليه ليعرف خبره، فقال له: يا عم، إلي مخبرك بشيء لم أخبرك به حتى برح الخفاء ولم أطق له محملاً، فأخبره الخبر، فزوجه فأفاق وبرأ من علته. إبليس يغني أخبرنا القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري في ما أجاز لنا قال: أخبرنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا الربيعي قال: قال إبراهيم القارئ: رأيت إبليس في النوم شيخاً أبيض الرأس واللحية، وهو يغني بصوتٍ شجٍ: أسهَرْتَ لَيلَ المُستَهامْ، ... ونَفَيتَ عن عيني المنامْ. وَهَجَرْتَني مُتَعَمّداً، ... ما هكَذا فِعلُ الكِرَامْ.

стр. 143

محنة العاشق أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قال: أخبرنا علي بن أيوب القمي قال: أخبرني أبو عبيد الله محمد بن عمران قال: أخبرني الصولي قال: قال أبو تمام: أنتَ في حلّ فزِدني سَقَما، ... افنِ صَبري واجعل الدمعَ دما. وارْضَ لي الموْتَ بهَجرتكَ فإن ... ألِمَتْ نَفْسي، فَزِدْني ألَمَا. محْنَةُ العَاشِقِ ذلٌّ في الهَوَى، ... فَإذا استُودِعَ سِرّاً كتَمَا. ليسَ مِنّا مَن شَكا عِلّته، ... مَن شَكا ظُلمَ حَبِيبٍ ظَلَمَا. المأمون والعباس بن الأحنف أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي بن الجاز القرشي بالكوفة بقراءتي عليه سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وأنا متوجه إلى مكة، قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد بن إسحاق البزاز في ما كتب به إلينا قال: حدثنا أبو هريرة أحمد بن عبد الله قال: حدثنا الحسن بن محمد بن إسماعيل بن موسى قال: رأيت في كتاب الأخبار لأبي أن المأمون لما خرج إلى خرسان كان في بعض الليل جالساً في ليلة مقمرة إذ سمع مغنياً يغني من خيمة له: قالُوا: خُرَاسان أقصى ما تحاوِلُه، ... ودونَ ذاكَ، فقَد جُزْنا خُرَاسانا. ما أقدَرَ اللهَ أن يُدني بِعِزّتِه ... سُكانَ دِجلَةَ من سكان جَيحانا. عَيناً أظُنّ أصَابَتنَا، فلا نَظَرَتْ، ... وَعُذّبت بِصنُوفِ الهجرِ ألوَانا. متى يكونُ الذي أرجو وآمُلُه، ... أما الذي كنتُ أخشاه فقد كانا. فخرج المأمون من موضعه حتى وقف على الخيمة، وعلمها، فلما كان من الغد وجه فأحضر صاحب الخيمة، وهو شاب، فسأله عن اسمه، فقال العباس بن الأحنف. قال: أنت الذي كنت تقول: متى يكونُ الذي أرجو وآمُلُه، ... أمّا الذي كنتُ أخشاه فقد كانا.

стр. 144

قال: نعم. قال: ما شأنك؟ قال: يا أمير المؤمنين تزوجت ابنة عم لي، فنادى مناديك يوم أسبوعي في الرحيل إلى خراسان، فخرجت، فأعطاه رزق سنة، ورده إلى بغداد، وقال: أقم إلى أن تنفقها، فإذا نفدت رجعت. مهجور لا مسحور أنبأنا أبو سعيد مسعود بن ناصر السخبري، وقد قدم علينا بغداد، قال: أنبأنا أبو القاسم بن عمر ببغداد قال: أنشدنا أبو علي الحسن بن عبد الله الزنجاني لبعضهم: قال الطّبِيبُ لأهلي حينَ أبْصَرَني: ... هذا فَتاكُم، وحقِّ الله، مَسحورُ. فقُلتُ: ويحَكَ! قد قارَبتَ في صِفتي ... عينَ الصّوَابِ، فَهَلاّ قلتَ: مهجورُ. صيرت لحظها سلاحاً أخبرنا أبو سعيد أيضاً قال: حدثني أبو غانم حميد بن مأمون بهمذان قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي قال: أخبرني أبو العباس الوليد بن بكر الأندلسي قال: أنشدنا أبو عمر يوسف بن عبد الله الملقب بأبي رمال، على البديهة، إذ غبر عليه حبيبه:

стр. 145

بُحتُ بوَجدي، ولوْ غَرَامي ... يكونُ في جَلْمَدٍ لَبَاحا. أضَعتُمُ الرُّشدَ في مُحِبٍّ ... لَيسَ يرَى في الهوَى جُناحا. لم يستطِعْ حملَ ما يلاقي، ... فَشَقّ أثوَابَه وَناحَا. مُحَيَّرَ المُقْلَتَيِنِ قُلْ لي: ... هلْ شَرِبَتْ مُقلتاكَ رَاحَاً؟ نَفسي فِدَا لِمّةٍ وَوَجْهٍ ... قَد كمّلا اللّيلَ والصّبَاحَا. وَمُقْلَةْ أُولِعَتْ بِقَتلي، ... قد صَيّرَتْ لحْظَها سِلاحا. وَعَقرَبٍ سُلّطَتْ عَلَينَا، ... تَملأ أكبَادَنَا جِرَاحَا. جمال يلهي الناس أخبرنا إبراهيم بن سعيد بمصر في سنة خمس وخمسين وأربعمائة بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو صالح السمرقندي الصوفي قال: حدثنا الحسين بن القاسم بن أليسع قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر الدينوري قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي قال: قال أبو حمزة: كان كامل بن المخارق الصوفي من أحسن ما رأيته من أحداث الصوفية وجهاً، وكان قد لزم منزله، وأقبل على العبادة، فكان لا يخرج إلا من جمعة إلى جمعة، فإذا خرج يريد المسجد، وقف له الناس، ورموه بأبصارهم ينظرون إليه، فقدم به علينا حجار بن قيس المكي دمشق، وكان أحد الفصحاء العقلاء، وكان لي صديقاً، فكلمني جماعة من أصحابه أسأله أن يجلس لهم مجلساً يتكلم عليهم فيه، ويسألونه، فكلمته فوعدهم يوماً، فاتعدنا لذلك اليوم، ودعا الناس بعضهم بعضاً. فلما أن كان يوم الجمعة وصلى الناس الغداة، أقبلوا من كل ناحية،

стр. 146

فوقف يتكلم علينا، فبينا هو كذلك، إذ أقبل كامل بن المخارق، فلما رأته النسا رموه بأبصارهم، وشغلوا بالنظر إليه عن الاستماع منه، وفطن بهم حجار، فقطع كلامه، وقال: يا قوم! ما لكم لا ترجون لله وقاراً، ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً، وجعل القمر فيهن نوراً، وجعل الشمس سراجاً، فوالله لما تنظرون منهما على بعدهما أعجب إلي من نظركم إلى هذا، فاحذروا أن تعود عليكم النفوس بعوائد حكمهان إذا حالت القلوب في غامض فكرها، أتنظرون إلى جمال تحول عنه نضرته، ووجه تتخرمه الحادثات بعد خبرته؟ ما هذا نظر المشتاقين، اين تذهب منها محبوب نفوسكم ومطالبة قلوبكم إلا بإحدى ثلاثٍ: إما بتوبة يتلافاكم الله، ، بها، أو عصمة يتغمدكم برحمته فيهان أو يطلقكم وما تطلبون، فإما أن تحول أقداره بينكم وبين شهواتكم، وإما تبلغوا منها إرادتكم فتسخطوه عليكم، أما سمعتموه، تعالى ذكره، يقول: ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، فأحبط أعمالهم؟ ثم أخذ في كلامه، فأحيطت من أحرم من مجلسه ذلك اليوم نيف على سبعين بين رجل وغلام. مجنون مصفد بالحديد أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني بمكة في المسجد الحرام سنة ست وأربعين وأربعمائة. قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن حبيب المذكر قال: حكي لي عن حبيب بن محمد بن خالد الواسطي قال: دخلت يوماً على علي بن عثام، فوجدته باكياً حزيناً ذاهب النفس، فانكرته، فسألته عما دهاه، فقال: اعلم أني مررت بالحريبة فرأيت مجنوناً

стр. 147

مصفداً في الحديد يتمرغ في التراب ويقول: ألا ليتَ أنّ الحِبّ يعشقُ مَرّةً، ... فيَعرِفَ ماذا كان بالناس يصنْعُ. يقولونَ فُزْ بالصّبرِ! إنّكَ هالِكٌ، ... ولَلصّبرُ مني، إن أُحاوِلْه، أجزَعُ. إما موت أو حياة أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن القاسم قال: أنشدني إبراهيم بن أحمد الشيباني لقيس بن ذريح: لقَد عَنّيْتَني يا حُبَّ لُبنى، ... فَقَعْ إمّا بِمَوْتٍ أوْ حَيَاةِ. فإنّ المَوْتَ أيسَرُ من حَيَاةٍ ... منَغَّصَةٍ لها طَعمُ الشّتاتِ. وقالَ الآمِرُونَ: تَعَزّ عَنْهَا، ... فقلتُ: نَعَم، إذا حانَتْ وفاتي!. عاشقان يصليان أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أيوب قال: حدثنا محمد بن عمران قال: حدثني أحمد بن محمد الجوهري قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: رأيت عاشقين اجتمعا، فجعلا يتحدثان من أول الليل إلى الغداة، ثم قاما إلى الصلاة.

стр. 148

الحياء المانع قال محمد بن عمران وأخبرنا الصولي قال: أنشدنا محمد بن القاسم: كم قد خَلَوْتُ بمَن أهوَى فيمنَعُني ... منه الحَياءُ، وقد أوْدى بِمَعقُولي. بَأبي الحَيَاءُ وَشَيْبي أنْ أُلِمّ بِهِ، ... وَخَشيَةٌ بَعدُ مِن قالٍ ومِن قِيلِ. العشاق الأعفاء قال وأنشدنا إبراهيم بن محمد بن عرفة لنفسه: كم قد ظفِرْتُ بمَن أهوَى فيمنَعُني ... منهُ الحَياءُ وخوْفُ الله والحَذَرُ. وكم خَلَوْتُ بمَن أهوَى فَيُقنِعُني ... منه الفُكاهَةُ والتّحديثُ والنَّظَرُ. كذلك الحب لا إتيان معصيةٍ، ... لا خير في لذةٍ من بعدها سقر. وللعطوي من أبيات: إن أكنْ عاشِقاً فإني عفيفُ الل ... حْظِ واللفظِ عن ركوبِ الحَرَامِ. كنت ماراً بين تيماء ووادي القرى، وأظنه في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، صادراً من مكة، فرأيت صخرةً عظيمةً ملساء فيها تربيع بقدر ما يجلس عليها النفر كالدكة، فقال بعض من كان معنا من العرب، وأظنه جهيناً: هذا مجلس جميلٍ وبثينة فاعرفه.

стр. 149

سيوف البين أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه قال: أخبرنا محمد بن القاسم الأنباري قال: أنبأني أبي قال: أنشدنا أحمد بن عبيد: ضَعُفتُ عن التسلِيمِ يوْمَ فِرَاقها، ... فَوَدّعتُها بالطّرْفِ والعَينُ تَدمَعُ. وأمسَكتُ عن رَدّ السلامِ، فمن رَأى ... مُحبّاً بطَرْفِ العَينِ قَبلي يُوَدِّعُ. رَأيتُ سُيوفَ البينِ عندَ فِرَاقِهَا، ... بأيدي جنودِ الشوْقِ، بالمَوْتِ تَدفَعُ. عَلَيكِ سَلامُ اللهِ مني مُضَاعَفاً، ... إلى أن تغيبَ الشمسُ من حيثُ تَطلُعُ. لقاء في الجنة أخبرنا أحمد بم علي بن محمد السواق قال: اخبرنا محمد بن أحمد بن فارس قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم الزبيبي قال: حدثنا محمد بن خلف قال: حدثنا عبد الله بن عبيد قال: حدثني محمد بن الحسين في إسناد لا أحفظه قال: علق فتىً من الحي بنت عم له، فخطبها إلى أبيها، فرغب بها عنه، فبلغ ذلك الجارية، فأرسلت إليه: قد بلغني حبك إياي، وقد أحببتك لذلك لا لغيره، فغن شئت خرجت إليك بغير علم أهلي، وإن شئت سهلت لك المجيء. فأرسل إليها: كل ذلك لا حاجة لي فيه، إني أخاف أن يلقيني حبك في نار لا تطفأ وعذاب لا ينقطع أبداص. فلما جاءها الرسول بكت، ثم قالت: لا أراك راهباً، والله، ما أحد أولى بهذا الأمر من أحدٍ، إن الخلق في الوعد والوعيد مشتركون. قال: فتدرعت الشعر وأقبلت على العبادة، فكبر ذلك على أهلها

стр. 150

وعلى أبيها، فلم تزل تتعبد حتى ماتت. فكان الفتى يأتي قبرها كل ليلة، فيدعوه لها ويستغفر وينصرف. فأخبرنا أنه رآها في المنام فقال لها: فلانة؟ قالت: نعم، ثم قالت: نعم المحبة، يا سؤلي، محبتكم، ... حب يجر إلى خير إلى نَعيمٍ وعَيشٍ لا زَوَالَ لَه، ... في جنّة الخلدِ خلدٍ ليسَ بالفاني. قال: فقلت لها: أيتها الحبيبة، أفتذكرينني هناظ؟ قال: فقالت: والله إني لأتمناك على مولاي ومولاك، فأعني على نفسك بطاعته، فلعله يجمع بيني وبينك في داره، ثم ولت، فقتل لها: متى أراك؟ قلت: تراني قريباً إن شاء الله. قال: فلم يلبث الفتى بعد هذه الرؤيا إلا قليلاً حتى مات فدفن إلى جانبها. صخر بن الشريد وزوجته أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الحازري بقراءتي عليه قال: حدثنا المعافى بن زكريا قال: حدثنا محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا الأصمعي قال: التقى صخر بن عمرو بن الشريد السلمي ورجل من بني أسد، فطعن الرجل صخراً، فقيل لصخر: كيف طعنك؟ قال: كان رمحه أطول من رمحي بأنبوب، فضمن صخر منها، وطال مرضه، وكانت أمه إذا سئلت عنه، قالت: نحن بخير ما رأينا سواده بيننا، وكانت امرأته، إذا سئلت عنه، قالت: لا هو حي فيرجى، ولا ميت فينعى، فقال صخر: أرَى أُمَّ صَخْرٍ لا تَمَلّ عِيادتي، ... ومَلّتْ سُلَيمى مضْجَعي ومكاني.

стр. 151

إذا ما امرُؤ سَوّى بأُمٍّ حَلِيلَةً، ... فَلا عاشَ إلاّ في شَقا وهَوَانِ. لَعمري لقد أيقظتِ من كان نائماً، ... وأسمَعتِ مَن كانتْ له أُذُنانِ. بَصِيراً بوَجهِ الحَزْمِ لوْ يستطيعُه، ... وقد حِيلَ بينَ العَيرِ والنّزوَانِ. قال المعافى بن زكيرا ويروى: أهم بأمر الحزم لو أستطيعه. وقول أم صخر: ما رأينا سواده أي شخصه. قال الشاعر: بين المخازم يرتقبن سوادي، أي شخصي. نوم الفهد أخبرنا أبو الحسن علي بن صالح الروذباري بقراءتي عليه بمصر، سنة خمس وخمسين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو مسلم الكاتب إجازة قال: حدثنا ابن دريد قال: أخبرنا عبد الرحمن عن عمه قال: مرض أعرابي من بني نمير يقال له: حنيف بن مساور، وكانت له امرأة من قومه يقال لها زرعة بنت الأسود، وكان لها محباً. فلما اشتد وجعه جلست عند رأسه، فأنشأ يقول: يا زٍرْعَ دومي واحفظي لي عَهدي، ... كَمْ مِنْ مُنِيرٍ بَينَنَا مسدّي. وَكاشِحٍ، يا زَرْعَ، بادي الحِقدِ، ... يا زرعَ إن وَسّدتِني في لحدي. وَجَاءَكِ الخاطِبُ بَعدَ الوَفْدِ، ... وقلتِ: عَبدٌ بدَلٌ من عَبْدٍ.

стр. 152

فَخَصّكِ اللهُ بِفَذٍّ ... وَغْدِ يَنَامُ في بَيتِكِ نَوْمَ فَهْدِ. قال: فمات، فوالله ما انقضت عدتها، إلا ريثما تزوجت، فكأنه كان يرى زوجها، وهو كما وصف. لم يفوا ولم يرحموا أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني بمكة في المسجد الحرام قال: أخبرنا الأستاذ أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المذكر قال: سمعت أبا الفوارس بن حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري قال: سمعت أبا الحسن العيشي المؤدب يقول: انحدرت من بالس أريد العراق، فدخلت الموصل، فأقمت بها أياماً، فبينا أنا مار في بعض أزقتها، إذا صياح وجلبةٌ، فسألت عنها فقيل: ههنا دار المجانين، وهذا صوت بعضهم، فدخلت، فإذا شاب مشدود متشحط في الدم، فسلمت، فرد السلام، وقال: من أين؟ تجيء قلت: من بالس. قال: وأين تريد؟ قلت: العراق. فقال: أتعرف بني فلان؟ وأشار إلى أهل بيتٍ. قلت: نعم. قال: لا صنع الله لهم ولا خار لهم، هم الذين أدهشوني وتيموني وأحلوني هذا المحل. قلت: وما فعلوا؟ قال: زَمّوا المَطايا واستَقلّوا ضُحىً ... ولم يُبالوا قلبَ مَن تَيّمُوا. ما ضَرّهُم، واللهُ يرْعاهُمُ، ... لوْ وَدّعُوا بالطَّرْفِ أوْ سَلّموا. ما زِلتُ أذري الدمعَ في إثرِهِم، ... حتى جرَى من بَعدِ دمعي دمُ. ما أنصَفوني، يوْمَ بانوا ضُحىً، ... ولم يفُوا عَهدي ولم يَرْحَمُوا.

стр. 153

ضجيج الكواكب أنبأنا محمد بن أبي نصر بدمشق قال: أنشدني علي بن أحمد ليحيى بن هذيل: إذا حَبَستُ على قَلبي يدي بِيَدي، ... وَصِحتُ في الليلَةِ الظَّلماءِ واكبِدي. ضَجّتْ كَوَاكِبُ ليلى في مَطالِعِها، ... وَذابَتِ الصّخرَةُ الصّمَّاء من كَمَدي. الهوى حلو ومر أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري بقراءتي عليه قال: حدثنا المعافى بن زكريا الجريري قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: حدثني أبو الوضاح عن الواقدي عن أبي الجحاف قال: إني لفي الطواف وقد مضى أكثر الليل وخف الحاج إذا امرأة قد أقبلت كأنها شمس على قضيب غرس في كثيب، وهي تقول: رَأيتُ الهوَى حُلواً إذا اجتمَعَ الوَصْلُ، ... ومُرّاً على الهِجرَان، لا بل هوَ القتلُ. وَمَنْ لمْ يَذُقْ للهَجْرِ طَعْماً، فَإنّهُإذا ذاقَ طَعْمَ الحبّ لم يدرِ ما الوَصْلُ. وقد ذُقتُ من هذين في القرْبِ والنَّوَى، ... فأبعَدُه قَتلٌ وأقرَبُه خَبْلُ.

стр. 154

زليخا ويوسف أخبرنا القاضي أبو علي زيد بن أبي حيويه قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن عمر بن علي الحلباني. قال: حدثنا محمد بن سعيد قال: حدثنا ابن عليل المطيري قال: حدثنا ابن الدروقي قال: حدثنا سلمة بن شبيب قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم عن عبد الصمد بن معقل عن وهب قال: لما خلت زليخا بيوسف، ﵇، ارتعد يوسف. فقالت زليخا: من أي شيء ترعد، إنما جئت بك لتأكل وتشرب وتشتم رائحتي، وأشتم رائحتك. قال: يا أمة الله، لست لي بحرمة. قالت: فمن أي شيء تفزع؟ قال: من سيدي. قالت: الساعة، إذا نزل من الركوب، واخذت بيدي الكأس المذهب والإبريق المفضض، سقيته شربةً من السم، وألقيت لحمه عن عظمه. قال لها: لا تفعلي، فلست ممن يقتل الملوك، وإنما أخاف من إله السماء. قالت له: فعندي من الذهب والفضة والجواهر والعقيق ما أفديك منه. قال: هو لا يقبل الرشا. قالت: دع عنك هذا! قم اسق أرضي. قال: لا ازرع أرض غيري. قالت: فارفع رأسك انظر إلي! قال: أخاف العمى في آخر عمري. قالت: فمازحني ترجع إلي نفسي. قال: يا أمة الله! لست لي بحرمة فأمازحك. قالت: فلا صبر لي عن هذه الذؤابة التي بلغت إلى قدميك، ليتني وسمتها مرةً واحدةً. قال: أخشى أن تحشى من قطران جهنم، يا هذه، هوذا الشيطان يعينك على فتنتي، لا تشوهي بخلقي ذا الحسن الجميل، فادعى في الخلق زايناً، وفي الوحوش خائناً، وفي السماء عبداً كفوراً. قال وهب: ولان من يوسف، ﵇، مقدار جناح بعوضة، فارتفعت الشهوة إلى وجهه، وفاستنارت، وكان سرواله معقوداً تسع عشرة

стр. 155

عقدةً، فحل أول عقدة، وإذا قائل يقول من زاوية البيت: إن الله كان عليكم رقيباً! ثم حل العقدة الثانية، فإذا قائل يقول: ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. فأوحى الله، ، إلى جبريل: الحقه، فغنه المعصوم في ديوان الأنبياء! فانفرج السقف في أقل من اللمح فنزل جبريل، ﵇، فضرب صدره ضربةً، فخرجت شهوته من أطراف أنامله فنقص منه ولد، فولد لكل رجل من أولاد يعقوب، ﵇، اثنا عشر ولداً، ما خلا يوسف، ﵇، فإنه ولد له أحد عشر. فقال: يا رب ماذا خبري؟ لم ألحق بأخوتي في الويد، فأوحى الله، ، إليه: إن الشهوة التي خرجت من أناملك حاسبناك بها. وبإسناده قال وهب: لما أراد الله بيوسف الخير قامت زليخا إلى طاق لها، فارخت عليه ستراً، وكان لها في الطاق صنم من خشبٍ تعبده، فقال لها يوسف، ﵇: ماذا صنعت؟ قالت: استحييت من إلهي أن يراني أصنع الفاحشة. قال: فأنت تستحيين من إله من خشب لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يسمع ولا يبصر، فأنا أستحيي ممن أكرم مثواي، واحسن مأواي، واستبقا الباب. قالت زليخا: يا يوسف، بليت منك بخصلتين: ما رأيت بشراً أحسن منك، والثانية زوجي عنين. فلما تزوجها يوسف، ﵇، فأبصر بعينيها حولاً قال: يا زليخا! أو حولاء؟ قالت له: ما علمت؟ قال: لا والله! قالت: ما استحللت أن أملأ عيني منك. قال وهب بن منبه: وكانت زليخا ممنوعة من الشقاء، وكانت أجمل من بطشابع صاحبة داود، ﵇.

стр. 156

انتظري الدهر أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري بقراءتي عليه قال: حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن إسحاق الجابري الموصلي بالبصرة قال: حدثنا محمد بن ياسر الكاتب كاتب ابن طولون قال: حدثني أبي قال: حدثنا علي بن إسحاق قال: اشترى عبد الله بن طاهر جاريةً بخمسة وعشرين ألفاً على ابنة عمه، فوجدت عليه، وقعدت في بعض المقاصير، فمكثت شهرين لا تكلمه، فعمل هذين البيتين: إلى كم يكونُ العَتْبُ في كلّ سَاعَةٍ، ... وكم لا تَمَلّينَ القَطِيعَةَ والهَجرَا. رُوَيْدَكِ! إنّ الدهرَ فِيهِ كِفايَةٌ ... لتَفريقِ ذاتِ البَينِ، فانتَظرِي الدهرَا. قال: وقال للجارية: اجلسي على باب المقصورة فغني به! قال: فلما غنت البيت الأول لم تر شيئاً، فلما غنت البيت الثاني، إذا هي قد خرجت مشقوقة الثوب حتى أكبت على رجله فقبلتها. هبوا ساعةً أخبرني أبو عبد الله الحافظ الأندلسي بدمشق قال: أنشدني أبو عبد الله بن حزم لنفسه: صِلوا رَاحِلاً عَنكُم بتَأنِيس لَيلَةٍ، ... فسوْفَ يَغِيبُ المَرْءُ عنكم لَيالِيَا. هَبوا ساعةً يسترجع الطَّرفُ ضِعفَها، ... فِدىً لكُمْ نَفْسي وأهلي وَمالِيَا. وَلا تَحسَبوا عَوْنَ الزّمانِ، فأنّه ... لَنَا وَلَكُم يُمسي ويَضْحَى مُعاديا.

стр. 157

الله يحب التوابين أخبرنا أبو الحسن علي بن صالح بن علي بقراءتي عليه بمصر، في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب في ما أجاز لنا قال: حدثنا ابن دريد قال: أخبرنا الحسن بن خضر قال: أخبرني رجل من أهل بغداد عن أبي هاشم المذكر قال: أردت البصرة، فجئت إلى سفينة أكتريها، وفيها رجل ومعه جاريةٌ، فقال الرجل: ليس ههنا موضع! فسألته الجارية أن يحملني، فحملني، فلما سرنا، دعل الرجل بالغداء، فوضع، فقال: انزلوا بذكل المسكين ليتغدى، فأنزلت على أنني مسكين، فلما تغدينا، قال: يا جارية هاتي شرابك، فشرب، وأمرها أن تسقيني، فقلت: رحمك الله، إن للضيف حقاً، وهذا يؤذيني. قال: فتركني، فلما دب فيه النبيذ قال: يا جارية هاتي العود وهاتي ما عندك، فأخذت العود، ثم غنت: وكُنّا كَغُصْنَي بانَةٍ لَيسَ وَاحِدٌ ... يزُولُ على الحالاتِ عن رأي واحِدِ. تَبَدَلّ بي خِلاًّ فَخَالَلْتُ غيرَهُ، ... وَخَلّيْتُهُ لمّا أرَادَ تَبَاعُدي. فَلَوْ أنّ كفّي لم تُرِدني أبَنْتُها، وَلمْ يَصْطَحِبْها، بعدَ ذلكَ، ساعِدي. ألا قَبّحَ الرّحمنَ كلَّ مماذقٍيكونُ أخاً في الحَفض لا في الشدائد. ثم التفت إلي فقال: أتحسن مثل هذا؟ فقلت: أحسن خيراً منه، فقرأت: إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت. فجعل يبكي، فلما انتهيت إلى قوله: وإذا الصحف نشرت، قال: يا جارية اذهبي، فأنت حرة لوجه الله، ، وألقى ما معه من الشارب في الماء، وكسر العود، ثم دنا إلي، فاعتنقني وقال: يا أخي أترى الله يقبل توبتي؟ فقلت: إن الله حب التوابين، وحب المتطهرين، قال: فآخيته بعد ذلك أربعين سنة حتى مات قبلي، فرأيته في المنام فقلت: إلام صرت بعدي؟ فقال: إلى الجنة. فقلت: يا أخي

стр. 158

بم صرت إلى الجنة؟ قال: بقراءتي علي: وإذا الصحف نشرت. رجل لا يملك دمعه أخبرنا إبراهيم بن سعيد إجازة قال: حدثنا أبو صالح السمرقندي قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن أليسع بالقرافة قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي قال: قال أبو حمزة الصوفي، وحدثني أبو الغمر حسام بن المضاء المصري قال: غزوت في زمن الرشيد في بعض المراكب فلججنا في البحر، فانكسر بنا في بعض جزائر صقلية، فخرج من أفلت، وخرجت معه فرأيت في بعض الجزائر رجلاً لا يملك دمعه من كثرة البكاء، فسألته عن حاله، وقلت له: ارفق بعينيك، فإن البكاء قد أضر بهما. قال: إلا ذلك. فقلت: وما جنايتهما عليك حتى تتمنى لهما البلاء؟ فقال: جناية لا أزال معتذارً منها إلى الله تعالى أيام حياتي. قلت: وما هي؟ قال: سرعة نظرهما إلى الأمور المحظورة عليها، ولقد أوقعتاني في ذنب نظرت إليه، لولا الرجاء لرحمة الله لأيست أن يعفو لي عنه. وبالله لو صفح الله لي عنه وأدخلني الجنة ثم تراءى لاستحييت أن أنظر إليه بعينين عصتاه، ثم صعقن وسقط مغشياً عليه.

стр. 159

حنين المغنية الحسناء إلى بغداد أخبرني أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسي بمصر، وكتبه لي بخطه قال: أخبرني أبو محمد اليزيدي قال: حدثنا الزبير قال: حدثني أبو علي بن الأشكري المضري قال: كنت من جلاس تميم بن أبي أوفى، وممن يخف عليه، فبعث بي إلى بغداد، فاتبعت له هناك جاريةً رائعة جداً، فلما حصلت عند أقام دعوةً لجلسائه، قال: وأنا فيهم، ثم وضعت الستارة، وأمرها بالغناء ليسمع غناءها، ويحاسن الحاضرين بها، فغنت: وبَدا له من بَعد ما اندَمل الهوَى ... برْقٌ تَألّقَ موهناً لمَعَانُه. يبدو كحاشِيَة الرِّداءِ، ودونَه ... صَعبُ الذُّرَى متَمَنّعٌ أركانُه. فالنارُ ما اشتَمَلَتْ عَلَيه ضلوعُه، ... والماءُ ما سَمَحَتْ به أجفانُه. قال: فأحسنت ما شاءت، وطرب تميم وكل من حضر، ثم غنت: سَيُسلِيكَ عمَّا فاتَ دولةُ مُفضِلٍ ... أوَائِلُهُ مَحْمودَةٌ وأوَاخِرُه. ثنى اللهُ عِطفَيه وألّفَ شخصَهُ، ... على البِرّ، مذ شُدّتْ عليه مآزِرُه. قال: فطرب تميم ومن حضر طرباً شديداً، ثم غنت: أستودع الله في بَغْدادَ لي قَمَراً ... بالكَرْخِ من فَلكِ الأزرارِ مطلِعُه. قال: فاشتد طرب تميم، وأفرط جداً، ثم قال لها: تمني ما شئت، فلك متمناك. فقالت: أتمنى عافية الأمير وبقاءه. فقال: والله لا بد لك أن تتمني. فقالت: على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى؟ فقال: نعم!، فقالت له: أتمنى أن أغني بهذه النوبة ببغداد. قال: فاستنقع لون تميم، وتغير وجهه، وتكدر المجلس، وقام وقمنا كلنا. قال ابن الأشكري: فلحقني بعض خدمه، وقال لي: ارجع فالأمير

стр. 160

يدعوك فرجعت، فوجدته جالساً ينتظرني، فسلمت وجلست، فقال: ويحك أرأيت ما امتحنا به؟ قلت: نعم أيها الأمير. فقال: لا بد من الوفاء لها، وما اثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها غلى بغداد، فإذا غنت هناك فاصرفها. فقلت: سمعاً وطاعةً. قال: ثم قمت وتأهبت وأمرها بالتأهب وأصحبها جاريةً سوادء تخدمها، وأمر بناقةٍ ومحمل، فأدخلت فيهن وجعلها معين ثم دخلنا الطريق إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في قافلة العراق، فلما وردنا القادسية، أتتني السوداء عنها، فقالت: تقول لك سيدتي: أين نحن؟ فقلت لها: نحن نزول بالقادسية. فانصرفت إليها وأخبرتها، فلم أنشب أن سمعت صوتها قد اندفع بالغناء: لمّا وَرَدنَا القَادِسِيّ ... ة حيثُ مجْتَمَعُ الرّفِاقِ. وَشممتُ من أرْض الحجا ... زِ نَسيمَ أنفاسِ العرَاقِ. أيْقَنتُ لي ولمَن أُحِ ... بّ بجمعِ شَملٍ واتّفاقِ. وَضَحِكتُ من فَرحِ اللّقا ... ء كما بَكيتُ من الفرَاقِ. فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيدي بالله! فما سمع لها كلمة. قالك ثم نزلنا بالياسرية، وبينها وبين بغداد قريب في بساتين متصلة من الناس فيبيتون ليلتهم، ثم يبكرون لدخول بغداد، فلما كان قرب الصباح، إذا أنا بالسوداء قد أتتني ملهوفة. فقلت: ما لك؟ فقالت: إن سيدتي ليست حاضرةً! فقلت: وأين هي؟ قالت: والله ما أدري. قال: فلم أحس لها أثراً، فدخلت بغداد، وقضيت حوائجي بها، وانصرفت إلى تميم فأخبرته الخبر، فعظم ذلك عليه، ثم ما زال بعد ذلك ذاكراً لها واجماً عليها.

стр. 161

الأسود المتيم بالله أخبرنا أبو الحسن علي ن محمود الزوزني شيخ الرباط بقراءتي عليه قال: سمعت محمد بن محمد بت ثوابة يقول: حكي لي عن الشبلي أنه دخل إلى مارستان، فإذا هو بأسود، إحدى يديه مغلولة إلى عنقه، والأخرى إلى سارية، وهو مقيد بقيدين. قال: فلما رآني قال لي: يا أبا بكر قل لربك أما كفاك أن تيمني بحبك حتى قيدتني؟ ثم أنشأ يقول: على بُعدِكَ لا يصْبِرُ مَن عادَتُهُ القربُ. وعن قُرْبِكَ لا يصْبرُ من تيّمه الحُبّ. فإن لم تَرَكَ العَيْنُ فقد أبصرَكَ القلبُ. قال: فزعق الشبلي، وأغمي عليه، فلما أفاق رأى الغل مطروحاً والقيد والأسود مفقودين. الشبلي وشعر المجنون أخبرنا أبو الحسن الزوزني أيضاً على أثره قال: قال لي علي بن المثنى: دخلت على أبي بكر جحدر بن جعفر الملقب بالشبلي في داره يوماً، وهو يهيج ويقول: على بُعدكَ لا يَصْبِرُ مَن عادتُهُ القربُ. ولا يقوَى على حَجبِكَ من تَيّمه الحبُّ. لئِن لمْ تَرَكَ العَينُ فقد يُبصرُكَ القلبُ.

стр. 162

سأل الله أن يبتليه حدثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن علي العلاف الواعظ من حفظه قال: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن سمعون الواعظ شيخنا يقول: سمعت أبا عبد الله الغلفي، أو قال لي أبو عبد الله الغلفي بطرسوس صاحب أبي العباس بن عطاء يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: قرأت القرآن، فما رأيت الله، ، ذكر عبداً فأثنى عليه في ما تبتليني، فما مضت الأيام والليالي حتى خرج من داري نيف وعشرون ما رجع منهم أحد، وذهب ماله، وذهب عقله، وذهب ولده وأهله. قال أبو عبد الله الغلفي: فمكث بحكم الغلبة سبع سنين أو نحوها، فما رأيت أحداً صحا بعد غلبة فنطق بالحكمة أحسن من أبي العباس بن عطاء، فكان أول شيء قال بعد صحوه من غلبته: حَقّاً أقولُ لقد كَلّفتني شَطَطَاً ... حملي هَوَاك وصَبري ذانِ تعجِيبُ. جمَعتَ شيئينِ في قَلبٍ له خَطَرٌ، ... نَوْعَينِ ضِدّينِ: تَبِريدٌ وتَلْهِيبُ. نارٌ تُقَلقِلُني، والشوْقُ يُضرِمُهَا، ... فكَيفَ قَد جُمِعا، والعقلُ مسلوبُ. لا كنتُ إن كنتُ أدري كيفَ يُسلمني ... صَبري إلَيكَ كما قد ضُرّ أيّوبُ. لما تَطاوَلَ بَلوَاه اقشَعَرَّ لها، ... فصَاحَ، من حَملِها، غَرْثانُ مَكرُوبُ: قد مَسّني الضَّرّ والشيطانُ ينصُبُ بي، ... وأنتَ ذو رحْمَةٍ، والعَبْدُ مَنكوبُ. قال لنا شيخنا أبو طاهر بن العلاف: قال لنا أبو الحسين بن سمعون، ﵀: أظن كان بقي عليه من الغلبة شيء فقال: لقد كلفني شططاً، وأنا أقول: لقد حملتني عجباً.

стр. 163

ريحانة ناطقة أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد المكي صاحب قوت القلوب بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو الفتح يوسف بن عمر القواس إملاء قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن محمد بن سهل الواعظ قال: حدثنا محمد يعني ابن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال: حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا روح بن منصور قال: قال عباد العطار: قمت ذات ليلة فقلت: اللهم اكس وجهي منك حياءً، فصرخت ريحانة: ادعو لك بإسقاط العرى، أنت مراءٍ، وتدعو بالحياء؟ الورع أولى بك من ذا، وأنشأت تقول: تَعَوّدْ سَهَرَ اللّيلِ، فإنّ النَّوْمَ خُسرَانُ. وَلا تَرْكنْ إلى الذَّنْبِ، فعُقبى الذنبِ نيرَانُ. وَكُنْ للْوَحْيِ دَرّاساً، فَلِلقُرْآنِ أخدانُ. إذا ما اللّيلُ فاجاهُم، فهم في الليلِ رُهْبَانُ. يَمِيلون كمَا مالَتْ، من الأروَاحِ، أغصانُ. قال: فبكيت حتى اشتفيت. عيسى بن مريم والأسد أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن سويد الشاهد قال: حدثنا الحسين بن القاسم بن جعفر الكوكبي قال: حدثنا أبو يوسف الضخم قال: حدثنا عبد الله بن مقوم التنوخي قال: أخبرنا عبد المنعم عن أبيه قال: خرج عيسى بن مريم، ﵇، في ليلة شاتية في سياحته فأخذته السماء بالمطر والريح، فأتى كهفاً ليسكن فيه، فإذا هو بسبع قد خرج إليه يبصيص، فلما رآه عيسى رجع وقال: أنت أحق بموضعك، وجعل يقول: يا رب لكل ذي روح ملجأ يسكن إليه، وليس لعيسى

стр. 164

مسكن، فأوحى الله، ، إليه: استبطأتني، وعزتي لأزوجنك، يوم القيامة، حوراء، ولأولمن عليك أربعة آلاف سنة. كمون الحب في الحشا أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي الوكيل قال: حدثنا الحسن بن حسين بن حكمان قال: حدثنا أبو الفتح البصري قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الصوفي قال: حدثنا أبو العباس بن عطاء قال: حكي لنا عن الأصمعي قال: دخلت بعض أحياء العرب فإذا بقوم شحبٍ ألوانهم، فقلت في نفسي: إن هؤلاء قد وقعوا على داء، فأنا أخرج من بينهم. قال: فذهبت لأخرج فإذا بعضهم يقول لي: إلى أين، يا أخا العرب؟ فقلت: أطلب لدائكم دواءً. فقال: ارجع، عافاك الله، فإنا قوم ليس لدائنا دواء، نحن قوم فشت في قلوبنا محبة الله، فتغيرت ألواننا. قال الأصمعي: فأعجبيني ما سمعت لأنني ما سمعت مثله قط. قال: فرجعت إلى الحي، ولم أزل أور فرأيت خباء شعر منفرداً عن البيوت، فقصدته، فاطلعت فيه، فإذا أنا بفتىً حسن الوجه في عنقه سلسلة مشدودة سكة في الأرض، قال: فهالني ما رأيت منه، فقلت: يا فتى ما شأنك؟ فقال: يا ابن عمي! يقولون إني مجنون! فقلت: أهو كما يقولون؟ فقال لي: لا والله ما أنا بمجنون، ولكني بحب الله مفتون. قال: قلت فصف لي الحب! فقال: إليك عني، يا أخل العرب، جل عن أن يحد، وخفي أن يرى، كمن في الحشا كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى، ثم صفق وأنشأ يقول: أأنْتَ الذي أصْفَيتَ منكَ موَدّةً ... قلائِعُها في ساحَةِ القلبِ تُغرَسُ. وإن كان لي من فَقد قلبي موحشٌ، ... فقد ظلّ لي من فكرَتي فيك مؤنسُ. أناجِيكَ بالإضْمارِ حتى كَأنّني ... أرَاك بعينَيْ فكرَتي، حينَ أجلِسُ.

стр. 165

كل محب عليل أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن حسنون النرسي بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو حاتم محمد بن عبد الواحد الرازي قال: أخبرني محمد بن هارون الثقفي قال: أنشدنا المسروقي قال: أنشدنا بعض أصحابنا: ونفسُ محبٍّ الله نفسٌ عليلةٌ، ... وأيُّ محبٍّ تراه عليلا؟. الكفوف المجذوم أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت الحافظ قال: حدثنا عبد الرحمن بن فضالة النيسابوري قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن شاذان المزكي قال: سمعت طيباً المخملي بالبصرة يقول: سمعت علي بن سعيد العطار يقول: مررت بعبادان بمكفوف مجذوم، وإذا الزنبور يقع عليه، فيقطع لحمه، فقلت: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه، وفتح من عيني ما أغلق من عينيه! قال: فبينا أنا أردد الحمد إذ صرع، فبينا هو يتخبط نظرت إليه، فإذا هو مقعد، فقلت: مكفوف يصرع، ومقعد مجذوم؟ قال: فما ساتتممت كلامي حتى صاح: يا مكلف! ما دخولك في ما بيني وبين ربي؟ دعه يعمل بي ما شاء. ثم قال: وعزتك وجلالك لو قطعتني إرباً إرباً، وصببت علي العذاب صباً، ما ازددت لك إلا حباً.

стр. 166

زوجتان من الحور العين أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان قراءة عليه، غير مرة، في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي إملاء قال: حدثنا إبراهيم الحربي قال: حدثنا الحسن بن عبد العزيز عن الحارث عن ابن وهب قال: حدثني بكر بن مضر أن عبد الكريم بن الحارث حدثه عن رجل أنهم كانوا مرابطين في حصن، فخرج رجلان إلى الجيش، فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تغتسل لعل الله أن يعرضنا للشهادة؟ فقال صاحبه: ما أريد أن أغتسل، فاغتسل صاحبه، فلما فرغ سقط حجر من الحصن فأصاب الرجل، فمررت بهم، وهم يجرونه إلى خيامهم، فسألتهم ما شأنه؟ فأخبروني الخبر، فانصرفت إلى أصحابي، ثم رجعت إليهم، فأقمت عندهم، وهم يشكون هل مات أو عاد إليه الروح. فبينا هو كذلك إذ ضحك فقلنا: إنه حي، ث مكث ملياً، ثم ضحك، ثم مكث ملياً، ثم بكى، ففتح عينيه. فقلنا: ابشر يا فلان، فلا بأس عليك، لقد رأينا منك عجباً، كنا نظن أنك قد مت إذ ضحكت، ثم مكثت ملياً. قال: إني لما أصابني ما اثابني أتاني رجل فأخذ بيدي فمضى بي إلى قصر من ياقوتةٍ، فوقف بي على الباب، فخرج إلي غلمان مشمرين لم أر مثلهم، فقالوا: مرحباً بسيدنا! فقلت: من أنتم، بارك الله فيكم؟ قالوا: نحن خلقنا لك. ثم مضى بي حتى أتى بي قصراً آخر، وخرج إلي منه غلمان مشمرين هم أفضل من الأولين فقالوا: مرحباً وأهلاً بسيدنا! فقلت: من أنتم،

стр. 167

بارك الله فيكم؟ فقالوا: محن خلقنا لك. ثم مضى بي إلى بيت لا أدري من ياقوت أو زبرجدٍ أو لؤلؤ، فخرج إلي غلمان مشمرين سوى الأولين فقالوا مثل ما قال الأولون، وقلت لهم مثل ذلك، فوقف بي على باب البيت، فإذا بيت مبسوط فيه فرش موضوعة بعضها فوق بعض ونمارق مبسوطة، فأدخلني البيت، وفيه بابان، فألقيت نفسي بين الوسادتين، فقال: أقسمت عليك إلا ألقيت نفسك فوق هذه الفرش، فإنك قد نصبت في يومك هذا. فقمت فاضطجعت على تلك الفرش على وطاء لم أضع جنبي على مثله قط. فبينا أنا كذلك إذ سمعت حساً من أحد البابين، فإذا أنا بامرأة لم أر مثل جمالها، وعليها حلي وثياب لم ار مثلها، وأقبلت حتى وقفت علي، ولم تتخط تلك النمارق، ولكن أقبلت بين السماطين حتى وقفت وسلمت، فرددت ﵍. فقلت: من أنت، بارك الله فيك؟ فقالت: أنا زوجتك من الحور العين، فضحكت فرحاً بها، فأقامت تحدثني، وتذكرني أمر نساء أهل الدنيا، كأن ذلك معها في كتاب. فبينا أنا كذلك إذا سمعت حساً من الشق الآخر، فإذا أنا بامرأة لم أر مثلها ولا مثل حليها وجمالها، فأقبلت، حتى وقفت كنحو ما صنعت صاحبتها، ثم مكثت تحدثني، فأقصرت الأخرى، فأهويت بيدي إلى أحداهما، فقالت: تأن لم يأن لك، إن ذلك مع صلاة الظهر، فما أدري أقالت ذلك أم رمي بي إلى صحراء، فلم أر منهم أحداً، فبكيت عند ذلك. فقال الرجل: فما صليت الظهر أو عند الظهر، حتى قبضه الله، .

стр. 168

الشهداء في قباب ورياض أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان أيضاً قال: أخبرنا أبو بكر الشافعي قال: حدثنا محمد بن يونس بن موسى قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري عن أبي هارون الغنوي عن مسلم بن شداد عن عبيد بن عمير عن أبي بن كعب قال: الشهداء يوم القيامة بفناء العرش، في قباب ورياض بين يدي الله، . عيناء الجنة أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان قال: حدثنا أبو بكر الشافعي قال: حدثنا أحمد الحسن بن عبد الجبار قال: حدثنا الحسن بن الصباح البزاز قال: حدثنا إسحاق ابن بنت داود بن أبي هند قال: أخبرنا عباد بن راشد البصري عن ثابت البناني قال: كنت عند أنس بن مالك، إذ قدم عليه ابن له من غزاة، يقال لها أبو بكر، فساءله، فقال: ألا أخبرك عن صاحبنا فلان؟ بينا نحن قائلون في غزاتنا إذ ثار، وهو يقول: وا أهلاه، وا أهلاه، فثرنا إليه، وظننا أن عارضاً عر ض له، فقلنا: ما لك؟ فقال: إني كنت أحدث نفسي ألا أتزوج حتى أستشهد، فيزوجني الله تعالى من الحور العين، فلما طالت علي الشهادة قلت في سفرتي هذه: إن أنا رجعت، هذه المرة، تزوجت، فأتاني آت في المنام قال: أأنت القائل إن رجعت تزوجت؟ قم، فقد زوجك الله العيناء، فانطلق بي إلى روضة خضراء معشبة، فيها عشر جوار. وذكر الحديث وقطع الحديث، بسبب ما وقع في الجامع، وذلك أنه تكلم رجل في المذهب، فعاونه رجل فضولي في رواق الجامع، وأخرجوه فقتل وانقطع عنا الحديث، وقبر في غد في قبر معروف، فسئل الشافعي

стр. 169

أن يملي تمام هذا الحديث، في يوم الجمعة لسبع خلون من جمادى الأولى، فأملاه علينا، وبيد كل واحدةٍ صنعة تصنعها، لم أر مثلهن في الحسن والجمال. فقلت: أفيكن العيناء؟ فقلن: نحن من خدمها، وهي أمامك. فمضيت، فإذا روضة أعشب من الأولى، وأحسن، فيها عشرون جارية في يد كل واحدة صنعة تصنعها، وليس العشر إليها بشيء في الحسن والجمال، قلت: أفيكن العيناء؟ قلن: نحن من خدمها، وهي أمامك. فمضيت، فإذا بروضة وهي أعشب من الأولى والثانية في الحسن والجمال، فيها أربعون جارية في يد كل واحدة منهن صنعة تصنعها وليس العشر والعشرون إليهن بشيء في الحسن والجمال، قلت: أفيكن العيناء؟ قلن: نحن من خدمها، وهي أمامك. فمضيت فإذا بياقوتة مجوفة فيها سرير عليه امرأة قد فضل جنباها عن السرير، فقلت: أأنت العيناء؟ قالت: نعم! مرحباً بك، فأردت أن أضع يدي عليها، قالت: مه، إن فيك شيئاً من الروح بعد، ولكن تفطر عندنا الليلة، قال: فانتبهت. قال: فما فرغ الرجل من حديثه، حتى نادى المنادي: يا خيل الله اركبي، قال: فركينا فصاف الرجل العدو، وقال: فإني لأنظر الرجل، وأنظر إلى الشمس، وأذكر حديثه، فما؟ أدري أرأسه سقط أم الشمس سقطت.

стр. 170

جارية تزو رفي المنام أخبرنا أبو الحسن أحمد بن علي بن الحسين التوزي بقراءتي عليه، في سنة أربعين وأربعمائة، قال: حدثنا أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن سويد قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: أخبرنا عبد الله بن خلف قال: حدثنا أبو بكر محمد بن سماعة قال: حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز القرشي قال: حدثني إسماعيل بن أبي خالد قال: كان عندنا فتىً باليمن بطال مسرف على نفسه. وكان مع ذلك ذا مال وجمال، فرأى ليلةً، في نومه، جاريةً، قد أقبلت إليهن وعليها ثوب من اللؤلؤ تتثنى أطرافه، وبيدها كتاب من حرير أخضر مكتوب بالذهب، فقالت له: بأبي أنت اقرأ لي هذا الكتاب، فقرأه فإذا هو: مِن التي صَاغَها الرّحمنُ في غُرَفٍ، ... من مِسكَةٍ عُجِنَتْ في ماءِ نِسرينِ. إلى الذي حبُّه في القَلبِ محْتَبسٌ، ... وَقَلُبه عَنُه في لَهوٍ وَتَفتِينِ. يا سهْلُ بادِرْ، فَقَد أوْرَثتَني حَزَناً، ... كم عَنكَ ما لا أُحبّ، الدهرَ، يأتيني. ألستَ تشتاقُ أن تَلهو على فُرُشٍ ... موْضُونَةٍ مع جوارٍ خُرّدٍ عِينِ؟ قال: فأصبح الفتى تاركاً لكل ما كان عليه من البطالة والصبى، ولم يزل متنسكاً أحسن تنسك حتى مات. قال: وكان اسمه سهلاً. قال أبو بكر بن الأنباري: الخرد الحسان. والموضونة: المنسوجة بالذهب. والعين: الحسان الأعين.

стр. 171

خود في قصر زبرجد أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد البزاز قال: حدثنا عثمان بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن محمد الطوسي قال: حدثنا أبو الطيب بن الشهوري قال: حدثني زريق الصوفي قال: أخبرني محمد بن الحسين عن حبيب الفارسي قال: دخلت يوماً إلى الرجان، فإذا بمجنون يقال له أبنا. قال: فهاج على قلبي آية من كتاب الله، ، فقرأت: حور مقصورات في الخيام، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان. قال: فهاج ثم أنشأ يقول: مِن حُبِّ سيّدة تَبَوّأ جَنّةً ... قد حُفّفَتْ أنهارُها بخِيامِ. مع خَوْدة في جوْفِ قصرِ زَبرْجدٍ ... مَكنونَةٍ في خِدرِها كغُلامِ. وَرَصَانَةٍ في قوْلِها وَحَديثِها، ... لا تأْيَسَنْ بِرَاقِدٍ نَوّامِ. الجارية المجنونة والزرع أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي التوزي بهذا الإسناد عن زريق الصوفي عن عبد الواحد قال: قال عتبة الغلام: خرجت من البصرة والأبلة، فإذا أنا بخباء أعراب قد زرعوا، وغذا أنا بخيمة، وفي الخيمة جارية مجنونة عليها جبة صوف لا تباع ولا تشترى، فدنوت فسلمت، فلم ترد السلام، ثم وليت فسمعتها تقول: زَهِدَ الزّاهِدونَ والعابِدونا، ... إذ لَمْولاهم أجاعوا البطونا. أسهرُوا الأعينَ القريحةَ فِيهِ، ... فَمضى ليلُهم، وهُم ساهِرُونا. حَيّرَتهُم مَحَبّةُ اللهِ حتى ... علمَ الناسُ أنّ فِيهم جُنونا.

стр. 172

هم ألِبّا ذوو عقولٍ، ولكِن ... قد شجاهُم جميعُ ما يَعرِفونا. قال: فدنوت إليها فقلت: لمن الزرع؟ فقالت: لنا إن سلم، فتركتها وأتيت بعض الأخبية، فأرخت السماء كأفواه القرب فقلت: والله لآتينها فأنظر قصتها في هذا المطر، فإذا أنا بالزرع قد غرق، وإذا هي قائمة نحوه وهي تقول: والذي أسكن قلبي من طرف سحر بصفي محبة اشتياقك، إن قلبي ليوقن منك بالرضا، ثم التفتت إلي فقالت: يا هذا! إنه زرعه، فأنبته، وأقامه، فسنبله، وركبه، وأرسل عليه غيثاً فسقاه، واطلع عليه فحفظه، فلما دنا حصاده، أهلكه، ثم رفعت راسها نحو السماء فقالت: العباد عبادكن وأرزاقهم عليك، فاصنع ما شئت! فقلت لها: كيف صبرك؟ فقالت: اسكت يا عتبة. إنّ إلهي لَغَنيُّ حَمِيد، ... في كل يوْمٍ منه رِزْقٌ جديد. الحمْدُ لله الذي لم يَزَلْ ... يفعل بي أكثر مما أُريد. قال عتبة: فوالله ما ذكرت كلامها إلا هيجني. دعاء ريحان المجنون وحكى الصقر بن عبد الرحمن الزاهد قال: كان ريحان المجنون يقول في دعائه: اللهم قصدتك آمالي، الطمع رغبتي فيك، وولهت بك جوارحي لمواصلات الوداد إليك. ثم يقول: كَتَبَ الناسكُ بِالدّمْ ... عِ إلى الحُورِ كِتَابا. لا بِأقْلامٍ ولكِنْ ... خَطّ بالدّمعِ سَحَابَا. من فتىً أقلَقَهُ الشَوْ ... قُ وَأضْنى وَأذابَا.

стр. 173

لا تمرض ولا تهرم ولا تموت أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال بقراءتي عليه بمصر، في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو صالح محمد بن أبي عدي السمرقندي الصوفي قراءة عليه قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن أليسع بن عاصم البزاز الصوفي قراءة عليه بالقرافة قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قراءة عليه قال: أخبرنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي الخياط قال: قال أبو حمزة محمد بن إبراهيم الصوفي: كنت مع محمد بن الفرج السائح، فنظر إلى جارية جميلة تعرض على رجل ليشتريها، فقال: بكم تباع هذه الجارية؟ فقيل له: بألف دينار، فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم! إنك تعلم أني لا أملكها، ولا تنالها يدي، وإني لأعلم من كرمك أني لو سألتك إياها لم تردني عنها ولم تمنعني منها، تفضلاً منك علي وإحساناً إلي، وإني أسالك ما هو أنفس عندي منها، بادنةً لا تمرض ولا تهرم ولا تموت، ومهرها أن لا تراني نائماً بليل، ولا طاعماً بنهار، ولا ضاحكاً إلى أحد من خلقك أبداً، وأنا أجد في المهر من وقتي هذا، فأنجز لي، إذا لقيتك، ما سألتك يا كريم. قال: فما رأيناه نائماً بليل، ولا طاعماً بنها، ولا ضاحكاً إلى أحد من الناس حتى لحق بالله، . الغلام الشهيد أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بقراءتي عليه بمصر بإسناده قال: قال أبو حمزة محمد بن إبراهيم الصوفي: طنت مع عبيد الله بن محمد الغسكندراني ببلاد الروم فنظر إلى غلام جميل يحمل على علج من الروم، ويرجع عنه أحياناً، فدنا منه، وقال: فدتك

стр. 174

النفس أنا تشتاق إلى أن ترى وجهاً هو أحسن من وجهك وأبهج من شخصك؟ فقال: بلى، والله يا عم. فقال: والله ما بينك وبين أن ترى الله، ، إلا أن يقتلك هذا العلج، فصاح الغلام، وحمل عليه، فقتله العلاج، فكان عبيد الله بن محمد يقول بعد ذلك إذا ذكره: رحمة الله علينا وعليه، إني لأرجو أن يكون الله، ، قد ضحك غلى وجهه الحسن الجميل بما بذل له من مهجة نفسه. ابن جويرية والغلام الجميل وبإسناده قال: قال أبو حمزة وحدثني إسماعيل بن هرثمة الوقاص قال: حدثنا الأسود بن مالك الفزاري قال: حدثني أبي قال: حضرت أبا مسلم سعيد بن جويرية الخشوعي، وقد نظر إلى غلام جميل فأطال النظر إليه، ثم قرأ: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، سبحان الله، ما أهجم طرفي على مكروه نفسه، وأقدمه على سخط سيده، وأغراه بما قد نهى عنه، وألهجه بالأمر الي حذر منه، لقد نظرت إلى هذا نظراً لا أحسبه إلا أنه سيفضحني عند جميع من عرفني في عرصة القيامة، ولقد تركني نظري هذا، وأنا أستحيي من الله، ، وإن غفر لي، وأراني وجهه، ثم صعق.

стр. 175

يحن بالجنان أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني بقراءتي عليه في المسجد الحرام بباب الندوة قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المذكر قال: حدثنا أبو الفضل العباس بن هزار بن محمد بن هزار الخطيب بمرو الروذ قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز. قال: حدثنا علي بن الجعد قال: حدثنا شعبة قال: بلغني عن عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز النخعي أنه كان يصلي في مسجد على عهد عمر فقرأ الإمام ذات ليلة: ولمن خاف مقام ربه جنتان، فقطع صلاته وجن، وهام على وجهه، فلم يوقف له على أثر. العظة القاتلة أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بقراءتي عليه بمصر، سنة خمس وخمسين، قال: أخبرنا أبو صالح السمرقندي قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن أليسع قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي قال: أبو حمزة الصوفي: حدثني محمد بن مصعب بن الزبير المكي قال: حدثني أبي قال: حدثني رجل من أهل المدينة، ونحن ببلاد الروم في سرية عليها محمد بن مصعب الطرطوسي قال: كان بالمدينة غلام من بني مخزوم موصوف ببراعة الجمال، فإذا كان في أيام الحج حجبه أبوه عن الخروج إلى المسجد حتى يصدر آخر الحاج إشفاقاً عليه من أعين الناس وحذراً عليه منهم، فاشتهر بجماله ووصف بكماله، فكانت الرفاق تتحدث بحديثه، فقدم علينا رجل من الصوفية عند انقضاء عمرتهم، وقد رجعوا من الحج لزيارة قبر النبي، صلى

стр. 176

الله عليه وآله وسلم، وما بالمدينة يومئذ أحد من الحاج غيرهم، فخرج المخزومي في ذك اليوم، فأتى قبر النبي، ﷺ ، فسلم عليه، ثم قعد في الروضة ينتظر الصلاة، فوقف عليه طلحة ينظر إليه ملياً، فرأى شيئاً لم ير مثله قط، ثم قال: يا فتىً اسمع عني مقالتي واعرض على قلبك كلامي، وافهم مني عظتي، فإني قد بدأتك بالنصيحة لما أملت لك من الله، ، فيها من حسن الجزاء، وجميل الثناء. يا حبيبي أتدري من يراك، ومن يشهد عليك؟ قال: ومن هما يا عم؟ قال: الله تعالى يراك، ونبيه، ﷺ ، يشهد عليك، فإياك واقتراف المعاصي بحضرة نبيك، ﷺ ، فإنك لا تأتي أمراً في هذه البلدة يكون عليك فيه تبعة، إلا والله تعالى له حفيظ، والنبي، ﷺ ، عليك به شعيدن وأصحابه لك خصوم، وكفى خصماً أن يكون القاضي عليه خالقه، والشاهد عليه نبيه، صلى الله ليه وسلم، والخصوم له خيرة الله من خلقه الصالحون من عباده فانتفض الغلام وسقط مغشياً عليه، واجتمع الناس فاحتملوه إلى منزله، فما أتى عليه ثلاثة أيام حتى مات. خليلان في الجنة أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بمصر بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو صالح السمرقندي الصوفي. قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بالقرافة قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي قال: حدثان أبو حمزة الصوفي قال: حدثنا محمد بن الأحوص الثقفي قال: حدثني أبي قال: حدثني رجل من أصحابنا قال: كان محمد بن الحسين الضبي وعبد العزيز بن الشاه التيمي كأنهما هلالان أو درتان من حسنهما وجمالهما، فسمعا كلام أبي عبد الله

стр. 177

الديلمي، وكان من أحسن الناس كلاماً وأظهرهم خشوعاً وأكثرهم صلاة واجتهاداً، فصحباه، وكانا معه لا يامن عليهما أبواهما أحداً غيره، فكان يحج بهما في كل عام، ويرابط معهما في السواحل سائر سنيه، حتى أخذا منهن ووعيا عنه، وتأسيا بأخلاقه، واحتذيا عاى طريقتهن وكانا مقبلين على طلب الخير والجهاد، فخرج بهما فرآهما رجل من الجند، فرأى شيئاً لم ير مثله، فأراد أخذهما منه، فحال بينه وبينهما، وأعانه الناس على ذلك، وكان مشهوراً بالنسك والعفاف، فاغتاله الجندي فقتله، وقبض على الغلامين، فمتنعا عليه، واستغاثا بالناس، فجاؤوا فنظروا إلى ابي عبد الله الديلمي مقتولاً، فأخذوا الجندي، وأتوا به السلطان فقتله. قال أبي: فحدثني هذا الرجل قال: كنت حاضراً لهما، وقد دفناه ورجعا عن قبره، يعرف الحزن عليهما، والكآبة فيهما، فسمعت أحدهما يقول لصاحبه: ما ترى، يا اخي؟ قال: أرى أن يكون على عزيمتنا أو يمضي على ما عقدناه من نيتنا حتى نقضي راطنا، ونرجع إلى بلادنا، فقال له الآخر: لست أرى رأيك ولا ما أشرت بهن ولكن مصيبتنا بهذا الرجل ليست بصغيرة ولا حقه علينا بيسير، هـ علينا حق الوالد بالشفقة، وحق التعليم وطول الصحبة، وطهارة العشرة، وحسن المرافقة، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن نقيم على قبره مقدار رباطنا نستغفر له، ثم ننصرف، فإن عزمت أن نرابط بعد فعلنا، وإن أحببت أن نرجع صدرنا. قال: قد قلت قولاً لن أخالفك عليه، فاسألاني الإسعاد لهما على ذلك، فأقمت معهما نيفاً على عشرين يوماً، فاعتل محمد بن الحسن، فاشتدت علته، فقلن عبد العزيز قلقاً شديداً، وجزع جزعاً لم أره من أحد قط، فقلت: ما هذا الجزع يا أخي؟ قال: أفلا يحق لي أن أجزع على أخ شقيق وحبيب شفيق؟ فسمعنا محمد فقال: يا عبد العزيز لا تجزع فإن الجزع لا يغني عن

стр. 178

ي شيئاً مما نزل بي من الموت، واعلم يا أخي أنك أرفع عند الله، ، ردحةً مني. فقال: وبم ذاك؟ قال: بمصابك بي، فبكى عبد العزيز حتى ألصق خده بالأرض وأبكى من حضر من النساك وغيرهم، فقال له محمد: يا أخي لا تبك فإني في أمر عظيم، وعلى خطر جسيم هو أكبر عندي وأجل في قلبي من بكائك، وقد شغلني الفكر فيك وفي وحدتك بعدي عن بعض ما أنا فيه من ألم العلة، وقد تزايدت علتي لما أراه في وجهك من الحزن والغم، فإن استطعت أن تحتسبني عند الله، ، فافعلن، ولا تطلقن علي عبرةً ولا تذرين بعدي دمعة، فإني منقول إلى رحمة وصائر إلى نعمة، لول كان أحد أحق بالبكاء من أحد لكنت أحق به لما نزل بي من الموت وشدة كربه وحياء مما حضرني من ملائكة ربي. فصعق عبد العزيز، وخر مغشياً عليه، فدنوت من محمد بن الحسن، فقلت: ألك حاجة أو أمر توصيني به؟ فقال: أوصيك بإيثار تقوى الله، ، على جميع الأمور، وحاجتي أن تحفظني في أخي هذا، فإنه من أهم من أترك بعدي. فقال له أبو المغلس الصوفي، وكان يشبه خشوعه بخشوع أبي عبد الله الديلمي: يا أبا عبد الله! قد عشتما مصطحبين منذ كنتما صغيرين، لا نعرف لأحد منكما خزيةً ولا نحفظ عليكما زلةً، فنشأتما على أمر واحد لم تتهاجرا، ولم تختصما، ولم تتفرقا، وقد تكلم بعض الناس فيكما بكلام قد رفع الله أقداركما عنه لما بيَّن الله تعالى اليوم من أموركما، ونشر من حسن طويتكما، فالحمد لله على ما أولاكما من ذلك. وقد تذكر أن أعلام الموت إليك قد أقبلتن والملائكة منك قد اقتربت، وإني أثق بفهمك، لما أعلم من حسن عقلك، فهل ترى أحداً منهم؟

стр. 179

فقال: إني أرى صوراً تقبل ولا أثبتها على حقيقة النظر. قال: فما تجد؟ قال: أجد ألماً لو قسم على جميع الخلائق لكانوا في مثل حالي. قال: صفه لي. قال: وما عسى أن أصف لك منه؟ أجد نفسي كأنها بين جبلين قد اصطكا علي، وكأن أسنةً توخز في بدني، وكأن ناراً توقد في عيني، وأجد لهاتي قد يبست، فما أجد فيها شيئاً من ريقي. فقال له أبو المغلس: إني قرأت بعض الأخبارن وما روي في الآثار: حتى يرى مقعده من النار، أو الجنة. فهل رأيت شيئاً من ذلك؟ قال: أما في وقتي هذا فلا. فلما اشتد به الامر وكاد أن يغلبه الكرب أومأ بيده إلى أبي المغلس، فأصغى بأذنه إليه، فقال: إنك سألتني عن مقعدي، وهذه الروح قد خرجت من بعض جسدي، وارتفعت إلى حقوي، وقد رأيت مقعدي. قال: وأين رايته؟ قال: رأيته في جنة عدن. قال: فهل رأيت أبا عبد الله الديلمي؟ قال: إن روحه لترفرف علي، وقد رايت مقعده أفضل من مقعدي، ودرجته أفضل من درجتي، ولا احسب أنه قال إلا بالعلم الذي سبق إليه قبلي، أو بالشهادة التي اختصه الله تعالى بها دوني، وهذه روحه تبشر روحي بما أعده الله تعالى لي مما لم يبلغه عملي، ولا أحاط به فهمي، ولا استحقه بفعلي مما يعجز عن صفته قول، ثم مد يده وغمض عينيه، وقضى، رحمة الله عليه. ثم إن عبد العزيز أفاق بعد طويل فحضر غسله وجهازه، ودفنه، ورجع، ورجعنا معه، فمكث أياماً لا يطعم ولا يتكلم، وحضرت

стр. 180

صلاة الغداة، فقام إلى جانبي في الصف، فسمعته يدعو بعدما فرغ من الصلاة، وهو يقول: اللهم لا تجمع علي كرب الدنيا وعذاب الآخرة، وعجل خروجي عن الدنيا سالماً منها غل رضاك ومغفرتك، وارحم غربتي، وأجب دعوتين واجمع بيني وبين من أحبني فيك، وأحببته لك، ولا تفرق بيني وبينه، واجعل اجتماعنا في محل الفائزين. ثم قال: أقسمت عليك ألا فعلت. ثم خر ساجداً فظننت أنه قد سجد وأطال السجود، فدنوت منه، فحركته، فإذا هو قد قضى، فدفنته إلى جنب صاحبه، فكنا حيناً من الدهر نتحدث بحديثهم، وبما وهب الله، ، لهم من الاجتماع في الدنيا والآخرة، وبما أفضوا إليه من الكرامة والرحمة. قال: فمكثت سنين أتمنى أن أرى واحداً منهم في منام، فرأيت عبد العزيز بن الشاه، وعليه ثياب خضر، وهو يطير بين السماء والأرض، فناديته، فوقف، فقلت: ما عل الله بك؟ قال: غفر لي. قلت: بماذا غفر لك؟ قال: بقول الناس في ما لا يعلمون وبرميهم إياي بالإفك والظنون. قلت: فما فعل محمد بن الحسن؟ قال: جمع الله بيني وبينه، وأنا وهو في درجة واحدة. قلت: فما فعل أبو عبد الله الديلمي؟ ٣ا - ل: هيهات! ذاك رجل أبيح له الجنة، فهو يسرح فيها، ويحل منها حيث يشاء. قلت: وبم ذاك؟ قال: بما سبق له من السعادة، وبفضل أجر الشهادة، وبحفظه لفرجه عن الحرام، وطرفه ولسانه عن الآثام.
следующие страницы →