← Адаб

Адаб · id 26549

مصارع العشاق

السراج القارئ

Полный текст (611 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هل يأتيكم نفسي وأنشد لخالد الكاتب: إني إذا لم أجد شخصاً لأرسله ... وضاق بي منتهى أمري وملتمسي لمرسل زفرة من بعدها نفس، ... يا ليت شعري هل يأتيكم نفسي؟ المرأة الفاجرة والحية حججت فإني لفي رفقة مع قوم إذ نزلت منزلاً ومعنا امرأة، فنامت، وانتهت، وحية منطوية عليها قد جمعت رأسها وذنبها بين ثدييها، فهالنا ذلك وارتحلنا، فلم تزل منطوية عليها لا تضرها، حتى دخلنا أنصاب الحرم فانسابت، فدخلنا مكة فقضينا نسكنا. فرآها الغريض فقال: أي شقية ما فعلت حيتك؟ قالت: في النار! فقال: ستعلمين من في النار؛ ولم أفهم ما أراد فظننت أنه مازحها، واشتقت إلى غنائه، ولم يكن بيني وبينه ما يوجب ذلك عليه، فأتيت بعض أهله، فسألته ذلك فقال: نعم، فوجه إليه أن اخرج بنا إلى موضع كذا وكذا، ثم قال لي: اركب بنا، فركبنا حتى سرنا قدر ميل، فإذا الغريض هناك، فنزلنا، فإذا طعام معد، وموضع حسن، فأكلنا وشربنا، ثم قال: يا أبا يزيد هات بعض طرائفك! فاندفع يغني، ويوقع بقضيب: مرضت فلم تحفل علي جنوب، ... وأدنفت، والممشى إلي قريب

стр. 72

فلا يبعد الله الشباب وقولنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوب فقلد سمعت شيئاً ظننت أن الجبال التي حولنا تنطق معه شجا صوت وطيب غناء، وقال لي: أتحب أن نزيدك؟ فقلت: إي والله، فقال له: هذا ضيفك وضيفنا، وقد رغب إليك وإلينا، فأسعفه بما يريد. فاندفع يغني بشعر مجنون بني عامر: عفا الله عن ليلى الغداة، فإنها ... إذا وليت حكماً علي تجور أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة؟ إني إذاً لصبور فما عقلت بما غنى من حسنه، إلا بقول صاحبي: نجور عليك يا أبا يزيد، عرض بأني لما وليت الحكم عليه، جرت في سؤالي إياه أكثر من صوت. فقلت له، بعد ساعة، سراً: جعلت فداءك إني أريد المضي في أصحابي، نريد الرحلة، وقد أبطأت عليهم، فإن رأيت أن تسأله، حاطه الله من السوء والمكروه، أن يزيدني لحناً واحداً، فقال: يا أبا يزيد! أتعلم ما هو أشهى إلى ضيفنا؟ قال: نعم، أرادك على أن تكلمني في أن أغنيه. قلت: فهو والله ذاك، فاندفع يغني: خذي العفو مني تستديمي مودتي، ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فإني رأيت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعنا، لم يلبث الحب يذهب فقال له: قد أخذنا العفو منك، واستدمنا مودتك، ثم أقبل علينا فقال: ألا أحدثكم بحديث حسن؟ قلنا: بلى! فقال: قال شيخ من أهل العلم وبقية الناس وصاحب علي بن أبي طالب، وخليفة عبد الله بن عباس على البصرة، أبو الأسود الدؤلي لابنته ليلة البناء: أي بنية! النساء كن بوصيتك وتأديبك أحق مني، ولكن لابد مما لابد منه، يا بنية: إن أطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الدهن، وأحلى الحلاوة الكحل. يا بنية لا تكثري مباشرة زوجك فيملك، ولا تتباعدي عنه

стр. 73

فيجفوك، ويعتل عليك. وكوني كما قلت لأمك: خُذي العفوَ مني تستديمي موَدّتي ... ولا تَنطِقي في سَوْرَتي حينَ أغضَبُ. فإني رأيتُ الحُبّ في الصّدرِ والأذى ... إذا اجتَمعَا لم يلبَثِ الحُبُّ يذهبُ. فقلت له: فديتك ما أدري غناؤك أحسن أم حديثك، والسلام عليك، ونهضت وركبت، وتخلف الغريض وصاحبه في موضعهما، وأتيت أصحابي وقد أبطأت، فرحلنا منصرفين، حتى إذا كنا في المكان الذي رأيت فيه الحية منطويةً على صدر المرأة، ونحن ذاهبون، رأيت الحية والمرأة وهي منطوية عليها فلم ألبث أن صفرت الحية فإذا الوادي يسيل علينا حيات، فنهشنها حتى بقيت عظاماً، فطال تعجبنا من ذلك، ورأينا ما لم نر مثله قط، فقلت لجارية كانت معنا: ويحك أخبرينا عن هذه المرأة! قالت: علقت ثلاث مرات، وكل مرة تلد ولداً، فإذا وضعته سجرت التنور، ثم ألقته فيه، فذكرت قول الغريض، حين سألها عن الحية فقالت في النار ستعلمين من في النار. أبو نواس والغلام عند الحجر الأسود وجدت بخط محمد بن نصر بن أحمد بن مالك يقول: حدثنا أبو بكر محمد بن الفضل بن قديد بن أفلح البزاز قال: حدثنا الحسن بكر بن أحمد بن الفرج بن عبد الرحيم بكازرون قال: حدثنا عباد قال: قال الأصمعي: كنت مع أبي نواس بمكة، فإذا أنا بغلام أمرد يستلم الحجر، فقال لي أبو نواس: والله لا أبرح حتى أقبله عند الحجر، فقلت: ويلك! اتق الله، ، فإنك في بلد الله الحرام،

стр. 74

وعند بيته. فقال: ما منه بد. ثم دنا من الحجر، وجاء الغلام يستلمه فبادر أبو نواس، فوضع خده على خد الغلام، وقبله، والله، وأنا أرى فقلت: ويلك لقد ارتكبت أمراً عظيماً في حرم الله تعالى. فقال: دع ذا عنك فإن ربي رحيم، ثم أنشأ يقول: وعاشِقَانِ التَفّ خَدّاهُمَا ... عندَ استِلامِ الحَجَرِ الأسوَدِ. فاشتَفَيا مِنْ غيرِ أنْ يَأتئمَا ... كأنّما كانا على مَوْعِدِ. الزاغ الشاعر العاشق أخبرنا علي بن محمد بن الحسين الجازري بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثني أبو علي محرز بن أحمد الكاتب. قال: حدثني محمد بن مسلم السعدي قال: وجه إلي يحيى بن أكثم يوماً، فصرت إليه، وإذا عن يمينه قمطرة مجلدة، فجلست، فقال: افتح هذه القمطرة، ففتحتها، فإذا شيء قد خرج منها، رأسه رأس إنسان، وهو من سرته إلى أسفله خلقة زاغ، وفي صدره وظهره سلعتان، فكبرت وهللت، وفزعت، ويحيى يضحك، فقال لي بلسان فصيح طلق ذلق: أنا الزّاغُ أبو عَجْوَه ... أنا ابنُ اللّيْثِ واللّبوَه. أُحِبّ الرّاحَ والرَّيْحَا ... نَ والنّشوَةَ وَالقَهوَه. فلا عَدْوَ يدي يُخشى ... ولا يُحذرُ لي سَطْوَه.

стр. 75

ولي أشيَاءُ تُستَط ... رَفُ يَوْمَ العِرْسِ والدَّعوَه. فَمِنها سِلْعَةٌ في الظَهْ ... رِ لا تسترُها الفَرْوَه. وَأمّا السِّلعَةُ الأخرَى ... فلَوْ كانَتْ لهَا عُرْوَه. لمَا شَكّ جَميعُ الناسِ في ... هَا أنّهَا رَكْوَه. ثم قال: يا كهل أنشدني شعراً غزلاً! فقال لي يحيى: قد أنشدك الزاغ، فأنشده، فأنشدته: أغَرّكَ أنْ أذنَبْتَ ثُمّ تَتابَعتْ ... ذنوبٌ، فلَم أهجُرْكَ، ثُمّ ذنوبُ. وأكثرْتَ حتى قلتَ ليسَ بصارمي ... وقدْ يَصرِمُ الإنْسانُ وهوَ حبيبُ. فصاح: زاغ زاغ زاغ، وطار، ثم سقط في القمطرة. فقلت ليحيى: أعز الله القاضي، وعاشق أيضاً! فضحك. قلت: أيها القاضي! ما هذا؟ قال: هو ما تراه، وجه به صاحب اليمن إلى أمير المؤمنين، وما رآه بعد، وكتب كتاباً لم أفضضه، وأظن أنه ذكر في الكتاب شأنه وحاله. الزاغ في رواية أخرى أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر الدقاق قال: أخبرنا الأمير أبو الحسن أحمد بن محمد بن المكتفي بالله قال: حدثنا جحظة قال: أخبرني بعض بني الرضا قال: قال علي بن محمد: دخلت على أحمد بن أبي دؤاد، وعن يمينه قمطر مجلد، فقال لي: اكشف وانظر العجب! فكشفت، فخرج علي رجل طوله شبر، من وسطه إلى أعلاه رجل، ومن وسطه إلى أسفل صورة الزاغ ذنباً ورجلاً، فقال لي: من أنت؟ فانتسبت له، فسألته عن اسمه فقال: أنا الزّاغُ أبو عَجوَه ... حليفُ الخمرِ والقَهوَه.

стр. 76

ولي أشيَاءُ تُستَط ... رَفُ يَوْمَ العِرْسِ والدّعْوَه. فمِنها سِلعَةٌ في الظّهْ ... رِ لا تَستُرُهَا الفَرْوَه. ومِنها سِلعَةٌ في الصّدْ ... رِ لَوْ كانَ لها عُرْوَه. لمَا شكّ جميعُ الناسِ حَ ... قّاً أنّها رَكْوَه. ثم قال: أنشدني شيئاً في الغزل، فأنشدته: وَلَيلٍ في جَوَانِبِهِ فُضُولٌ ... مِنَ الإظلامِ أطلسَ غيهَباني. كأنّ نجومَهُ دَمْعٌ حَبِيسٌ ... ترَقرَقَ بينَ أجفانِ الغَوَاني. فصاح: وا أبي، وا أمي! ورجع إلى القمطر، وستر نفسه. فقال ابن أبي دؤاد: وعاشق أيضاً! البلبل الناطق أخبرنا القاضي أبو علي زيد بن أبي حيويه بتنيس سنة خمس وخمسين وأربعمائة بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن عمر بن علي بن زريق الجلباني قال: حدثنا أبو الفرج محمد بن سعيد بن عمران قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن عليل بن محمد المطيري الحافظ قال: حدثنا سليمان بن عبد الملك قال: حدثنا مروان بن دؤالة قال: حدثنا الحارث بن عطية عن موسى بن عبيدة عن عطاء في قوله: ولقد همت به وهم بها. قال: كان لها بلبل في قفص، إذا نظر إليها صفر لها، فلما رآها قد دعت يوسف، ﵇، إلى نفسها، ناداه بالعبرانية: يا يوسف لا تزن، فإن الطير فينا إذا زنى تناثر ريشه.

стр. 77

عزة وكثير أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد قال: حدثنا محمد بن العباس بن حيويه قال: حدثنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني يزيد بن محمد قال: أخبرني محمد بن سلام الجمحي قال: أرادت عزة أن يعرف ما لها عند كثير فتنكرت له، وقامت به متعرضة، فقام فاتبعها، فكلمها، فقالت له: فأين حبك عزة؟ فقال: أنا الفداء لك، لو أن عزة أمة لي لوهبتها لك. قالت: ويحك! لا تفعل، فقد بلغني أنها لك في صدق المودة، ومحض المحبة والهوى على حسب الذي كنت تبدي لها من ذلك وأكثر، وبعد، فاين قولك: إذا وَصَلَتنا خِلّةٌ كي نُزيلَها ... أبَينا، وقلنا: الحاجِبِيّةُ أوّلُ. فقال كثير: بأبي أنت وأمي! أقصري عن ذكرها، واسمعي ما أقول، ثم قال: ما وَصْلُ عَزّةَ إلاّ وَصْلُ غانيَةٍ ... في وَصْلِ غانيَةٍ من وصلها خَلَفُ. ثم قال: هل لك في المخالة؟ فقالت له: كيف بما قلت في عزة وسيرته لها؟ فقال: أقبله فيتحول إليك، ويصير لك. قال: فسفرت عن وجهها، عند ذلك، وقالت: أغدراً وانتكاثاً يا فاسق؟ وإنك لها هنا، يا عدو الله! فبهت وأبلس ولم ينطق، وتحير وخجل، ثم إنها عرفته أمرها ونكثه وغدره بها، وأعلمته سوء فعاله، وقلة حفاظه، ونقضه للعهد والميثاق، ثم قالت: قاتل الله جميلاً حيث يقول: لحَى اللهُ مَن لا يَنفَعُ الوِدُّ عِندَهُ، ... ومَن حَبلُهُ إنْ مُدّ غيرُ متينِ.

стр. 78

وَمَن هوَ ذو وَجهَينِ ليسَ بدائِمٍ ... على العَهدِ حلاّفٌ بِكلّ يمِينِ. قال: فأنشأ كثير يقول بانخزالٍ وحصر وانكسار، يعتذر إليها، ويتنصل مما كان منه، ويحتال في دفع زلته، متمثلاً بقول جميل، ويقال: بل سرقه من جميل وانتحله لنفسه فقال: ألا لَيتني قبلَ الذي قلتُ شِيبَ لي ... من المُذعِفِ القاضي سِمامُ الذَّرَارِحِ. فَمُتّ ولمْ تَعلَمْ عليّ خِيَانَةً، ... ألا رُبّ باغي الرِّبْحِ ليْسَ برَابِحِ. فَلا تحمِليهَا واجْعلِيها خِيَانَةً، ... تَروّحتُ منها في مياحةِ مائِحِ. أبوءُ بذَنبي أنّني قَدْ ظَلَمْتُها، ... وإني بِباقي سِرِّهَا غيرُ بائِحِ. يرى الدم حلالاً ولي، وهما بيتان لا غير: إنّ في الجِيرَةِ الذينَ استَقَلّوا ... من زَرُودٍ، وبطنَ وجرةَ حلّوا. لَغزَالاً يرَى دِماءَ محِبّي ... هِ حَلالاً لهُ، وما الدمُ حِلُّ.

стр. 79

هبني لا أبوح أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت بالشام قال: أخبرنا أبو القسم عبيد الله بن أحمد الصيرفي قال: أخبرنا أبو بكر بن شاذان قال: أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي قال: أنشدني بعض أصحابنا: جَعَلْتُ مَحلّةَ البَلَوى فُؤادي، ... وَسَلّطتُ السُّهادَ على رُقادي. ونِمتَ مُوَدِّعاً وَسهِرْتُ لَيلاً، ... أما استَحيا رُقادُكَ من سُهادي؟ فَهبَني لا أبوحُ بِمَا أُلاقي، ... ألَيسَ الشَّوْقُ من كَبِدي يُنَادي؟. ما كان قلبي حاضراً أنشدنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قال: أنشدني قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن علي بن جعفر بن ماكولا لأبي بكر الخوارزمي الطبري من طبرية الشام من تشبيب قصيدة في الصاحب أبي القاسم عباد: يَفُلُّ غداً جيشُ النَّوَى عسكرَ اللِّقا ... فرَأيُكَ في سَحّ الدموعِ مُوَفَّقَا. وَلمّا رَأيْتُ الإلفَ يَعْزِمُ للنّوَى ... عزَمتُ على الأجفانِ أن تَتَرَقرَقَا. وخُذ حجّتي في ترْكِ جِسميَ سالماً ... وقلبي، ومن حقَّيِهما أن يُخَرَّقَا. يدي ضَعُفَتْ عن أن تُخَرّقَ جيَبَها، ... وما كان قلبي حاضراً فيَمُزَقَّا.

стр. 80

لم يبق إلا نفس خافت أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري الحافظ، ﵀، سنة أربع وأربعمائة بقراءتي عليه، قلت له: قرأت على أبي علي الحسن بن حفص بن الحسن البهراني ببيت المقدس قلت: أخبركم أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي قال: حدثنا عبد الله بن موسى قال: سمعت الحسن الصوفي الأذربيجاني يقول: حضرنا ببغداد في جماعة من الفقراء مجلس سماع، فتواجد بعض المشايخ، قال: فقمنا إليه وقلنا، كيف تجدك، أيدك الله؟ فقال: لم يَبقَ إلاّ نَفَسٌ خافِتُ، ... ومُقلَةٌ إنسانُها باهِتُ. ذابَ فما في الجسمِ من مفصِلٍ، ... إلاّ وَفيهِ سَقَمٌ ثابِتُ. عَدُوّهُ يَبكي لَهُ رَحْمَةً، وحسبُكم، من راحمٍ، شامتُ. فَعيُنُه تَبكي، وأحْشاؤه ... تضْحَكُ، إلاّ أنّه ساكتُ. ثغر يقرع ثغراً أخبرني أبو عبد الله الصوري قال: قرأت على أبي القاسم علي بن عمر بن جعفر الشيخ الصالح، ﵀، بالرملة قلت له: أنشدكم أبو القاسم علي بن محمد بن زكيرا بن يحيى الفقيه لبعضهم: إذا نحنُ خِفنَا الكاشِحينَ، فلمْ نُطِقْ ... كلاماً، تَكَلّمنا بأعيُنِنا شَزْرَا.

стр. 81

نَصُدّ، إذا ما كاشِحٌ مالَ طرْفَهُ ... إلَينا، ونُبدي ظاهِراً بينَنَا هَجْرَا. فإنْ غَفَلوا عنّا رَأيْتَ خُدُودَنَا ... تَصافَحُ، أوْ ثَغراً قَرَعنَا بهِ ثَغْرَا. ولَوْ قَذَفَتْ أجسادُنَا ما تَضَمّنَتْ ... من الضّرِّ والبَلوَى إذاً قذفتْ جَمرَا. ابنة أبي ربيعة وأبو مسهر أخبرنا أبو طاهر بن السواق أحمد بن علي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن فارس قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم الزبيبي قال: حدثنا محمد بن خلف قال: كتب إلي أبو علي الحسن بن عليل العنزي، ثم لقيته بعد ذلك، فحدثني به قال: حدثني أبو شراعة القيسي قال: حدثنا شيبان بن مالك قال: قال حماد الراوية: أتيت مكة فجلست في حلقة فيها عمر بن أبي ربيعة، فتذاكروا العذريين وعشقهم وصبابتهم، فقال عمر: أحدثكم عن بعض ذلك: إنه كان لي خليل من عذرة، وكان مستهتراً بحديث النساء، يشبب بهن، وينشد فيهن على أنه لا عاهر الحلة ولا سريع السلوة، وكان يوافي الموسم كل سنة، فإذا أبطأ ترجمت له الأخبار، وتوكفت له السفار، حتى يقدم، وإنه راث عني ذات سنة خبره، وقدم وفد عذرة، فأتيت القوم أنشد عن صاحبي، فغذا غلام قد تنفس الصعداء ثم قال: عن أبي المسهر تسأل؟ قلت: عنه نشدت وإياه أردت. قال: هيهات أصبح، والله، أبو مسهر لا مؤيساً منه فيهمل، ولا مرجواً فيعلل، أصبح والله كما قال: لَعَمرُكَ ما حبّي لأسماءَ تاركي ... صحيحاً، ولا أَقضي به فأموتُ.

стр. 82

قال قلت: وما الذي به؟ قال: به مثل الذي بك من طول تهكمكما في الضلال، وجركما أذيال الحسار، كأن لم تسمعا بجنة ولا نار. قال قلت: من أنت منه يا ابن أخي؟ قال: أنا أخوه. قال قلت: والله ما يمنعك من أن تركب طريق أخيك التي ركبها، وتسلك مسلكه الذي سلك، إلا أنك وأخاك كالوشي والبجادن لا يرقعك ولا ترقعه، ثم انطلقت وأنا أقول: أرَائِحَةٌ حُجّاجُ عُذرَةَ روحةً، ... ولمّا يَرُحْ في القوْم جَعدُ بنُ مَهجَعِ. خليلينِ نشكو ما نلاقي من الهوَى، ... فتىً ما أقُلْ يسمَعُ وإن قالَ أسمَعِ. فلا يُبعِدَنْكَ اللهُ خِلاً، فإنّني ... سألقى كما لاقَيْتَ في الحُبّ مصرَعي. فلما حججت وقفت في الموضع الذي كنت أنا وهو نقف فيه بعرفات، وإذا أنا براكب قد أقبل حتى وقف، وقد تغير لونه وساءت هيئته، فما عرفته إلا بناقته، فإقبل حتى خالف بين عنق ناقتي وناقته، ثم اعتنقني وجعل يبكي. فقلت: ما الذي دهاك وما غا لك؟ فقال: برح العذل وطول المطل، ثم أنشأ يقول: لئِنْ كانتْ عديلةُ ذاتَ بَثٍّ ... لَقَد عَلِمَتْ بأنّ الحُبّ داءُ. ألَمْ تَنظُرْ إلى تغييرِ جِسْمي، ... وإني لا يُزَايِلُني البُكَاءُ. وأني لَوْ تَكَلّفْتُ الذي بي ... لعَفّى الكَلْمُ وانكشَفَ الغِطاءُ. وإنّ مَعاشِري وَرِجالَ قَوْمي ... حُتُوفُهُمُ الصَّبَابَةُ وَالِّلَقاءُ.

стр. 83

إذا العُذرِيّ ماتَ بحَتْفِ أنْفٍ، ... فَذاكَ العَبدُ يَبكِيهِ الرِّشاءُ. فقلت: يا أبا مسهر! إنها ساعة عظيمة، وإنك في جمعٍ من أقطار الأرض، ولو دعوت كنت قميناً أن تظفر بحاجتك، وأن تنصر على عدوك. قال: فجعل يدعو حتى إذا تدلت الشمس للغروب وهم الناس بأن يفيضوا سمعته يهمهم، فأضحت له مستمعاً، فإذا هو يقول: يا رَبَّ كلِّ غدوَةٍ وَرَوْحه، ... من مُحرِمٍ يشكو الضّحى ولُوحه. أنتَ حسيبُ الخَطبِ يوْمَ الدَّوحه. فقلت له: وما يوم الدوحة؟ قال: سأخبرك إن شاء الله! إني امرؤ ذو مالٍ كثيرٍ من نعم وشاءن وإني خشيت على مالي التلف، فأتيت أخوالي من كلبٍ، فأوسعوا لي عن صدر المجلس وسقوني بجمة البئر، فكانوا خير أخوال حتى هممت بمواقعة إبل لي بماء يقال له الخرزات، فركبت وتعلقت معي شراباً كان أهداه إلي بعض الكلبيين، وانطلقت، حتى إذا كنت بين الحي ومرعى النعم، ورفعت لي دوحة عظيمة، فقلت: لو نزلت تحت هذه الشجرة، وتروحت مبرداً؟ فنزلت فشددت فرسي بغصنٍ من أغصانها ثم جلست تحتها، فإذا بغبار قد سطع، فتبينت فبدت لي شخوص ثلاثة، فإذا رجل يطرد مسحلاً وأتانا، فلما قرب

стр. 84

مني إذا عليه درع أصفر وعمامة خر سوداء، وإذا هو تنال فروع شعره كتفيه، فقلت في نفسي: غلام حديث عهدٍ بعرس، فأعجلته لذة الصيد فنسي ثوبه وأخذ ثوب امراته. فما لبث أن لحق بالمسحل فصرعه ثم ثنى طعنة الأتان فصرعها، ثم أقبل، وهو يقول: نَطْعَنُهُم سُلكى وَمخلوجَةً ... كَرَّكَ لأمينِ عَلى نابِلِ. قال فقلت: إنك قد تعبت وأتعبت. فلو نزلت. فثنى رجله فنزل فشد فرسه بغصن من أغصان الشجرة ثم أقبل حتى جلس قريباً مني، فجعل يحدثني حديثاً ذكرت به قول الشاعر: وَإنّ حَديثاً مِنْكِ، لو تَبذُلينَه، ... جنى النحلِ في ألبانِ عَودٍ مَطافِلِ. قال: فبينا هو كذلك إذ حك بالسوط على ثنيته، فرأيت، والله، يا ابن أبي ربيعة ظل السوط بينهما، فما ملكت نفسي أن قبضت على السوط فقلت: مه! فقال: ولم؟ قلت: إني أخاف أن تكسرهما، فإنهما رقيقتان. قال: هما عذبتان، ثم رفع عقيرته فجعل يغني: إذا قَبّلَ الإنْسانُ آخرَ يَشْتَهي ... ثَنَاياهُ لم يَأثَمْ وكانَ له أجْرَا. فإن زَادَ زادَ اللهُ في حَسَنَاتِهِ ... مَثاقِيلَ يمحو اللهُ عنه بها الوِزْرَا. ثم قال لي: ما هذا الذي تعلقت في سرجك؟ قلت: شراب أهداه إلي بعض أهلط، فهل لك فيه؟ قال: وما أكرهه. فأتيته به فوضعه بيني

стр. 85

وبينه، فلما شرب منه شيئاً نظرت إلى عينيه كأنهما عينا مهاة، قد أضلت ولداً، أو ذعرها قانص، فعلم أين نظري، فرفع عقيرته يغني: إنّ العُيونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ ... قَتَلْنَنَا ثُمّ لَمْ يُحيينَ قتلانا. يصرَعْنَ ذا الُّلبِّ حتى لا حَرَاكَ بِهِ، ... وهُنّ أضْعَفُ خَلقِ اللهِ أركانا. فقلت له: من أين لك هذا الشعر؟ قال: وقع رجل منا باليمامة وأنشدنيه، ثم قمت لأصلح شيئاً من أمر فرسي، فرجعت وقد جر العمامة عن رأسه، وإذا غلام كأنه الدينار المنقوش، فقلت: سبحانك اللهم ما أعظم قدرتك وأحسن صنعتك! قال: كيف قلت ذاك؟ قلت: مما راعني من نورك وبهرني من جمالك. قال: وما الذي يروعك من زرق الدواب وحبيس التراب، ثم لا تدري أينعم بعد ذلك أم ييأس. ثم قال إلى فرسه، فلما أقبل برقت لي بارقة الدرع، فإذا ثدي كأنه حق. قلت: نشدتك الله أإمرأة؟ قال: إي، والله، امرأة تكره العهر، وتحب الغزل. قلت: والله وإنا كذلك. قال: فجلست تحدثني، ما أفقد من أنسها حتى مالت على الدوحة سكراً، واستحسنت والله، يا ابن أبي ربيعة الغدر، وزين في عيني، ثم إن الله، ، عصمني بمنه، فجلست منها حجرة، فما لبثت أن انتبهت مذعورة، فلاثت عمامتها برأسها، وأخذت الرمح، وجالت في متن فرسها، فقلت: أما تزوديني منك زاداً؟ فأعطتني ثيابها، فشممت منها كالنبات الممطور، ثم قلت: أين الموعد؟ فقالت: إن لي أخوة شرسين، وأباً غيوراً، والله لأن أسرك أحب إلي من أن أضرك. قال: ثم مضت، فكان آخر العهد بها إلى يومي هذا فهي، والله، التي بلغت بي ما تراه من هذا المبلغ،

стр. 86

وأحلتني هذا المحل. قال قلت: وأنت والله يا أبا مسهر ما استحسن الغدر إلا بك، فإذا قد اخضلت لحيته بدموعه. قال قلت: والله ما قلت لك ذلك إلا مازحاً، وداخلتني له رقة، فلما انقضى الموسم، شددت على ناقتي، وشد على ناقته، وحملت غلاماً لي على بعير، وحملت عليه قبة أدم خضراء كانت لأبي ربيعة، وأخذت معي ألف دينار ومطرف خز، ثم خرجت حتى أتينا كلباً، فإذا الشيخ في نادي قومه، فأتيته، فسلمت عليه، فقال: وعليك السلام، من أنت؟ قلت: عمر بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي. قال: المعروف غير المجهول، فما الذي جاء بك؟ فقلت: جئت خاطباً. قال: أنت الكفؤ لا يرغب عن حسبه، والرجل لا يرد عن حاجته. قال قلت: إني لم آتك في نفسي، وإن كنت موضع الرغبة، ولكت أتيتكم لابن أختكم العذري. قال: والله إنه لكفيء الحسب كريم المنصب، غير أن بناتي لم يقعن إلا في الحي من قريش. قال: فعرف الجزع من ذلك في وجهي، فقال: أما إني لم أصنع بك شيئاً لم أصنعه بغيرك، أخيرها ما اختارت. قال قلت له: والله ما أنصفتني. قال: وكيف ذاك؟ قال: كنت تختار لغيري، ووليت الخيار لي غيرك. فأومأ إلي صاحبي أن دعه يخيرها. قلت: خيرها. فأرسل إليها أن من الأمر كذا وكذا، فارتإي رأيك. قال: فأرسلت إليه: ما كنت أستبد برأي دون القرشي، أما الخيار فخياري ما اختار. قال: قد صيرت الأمر إليك. فحمدت الله تعالى وصليت على نبيه،

стр. 87

وقلت: قد زوجته الجعد بن مهجع، وأصدقتها هذه الألف دينار وجعلت تكرمتها العبد والقبة، وكسوت الشيخ المطرف، فقبله وسر به، وسألته أن يبني بها من ليلته، فأجابني إلى ذلك، وضربت القبة وسط الحي وأهديت إليه ليلاً وبت عند الشيخ خير مبيتٍ. فلما أصبحت غدوت، فقمت بباب القبة، فخرج إلي وقد تبين الجذل في وجهه. قال: فقلت له: كيف كنت بعدي، وكيف هي بعدك؟ فقال: أبدت لي كثيراً مما أخفت يوم رأيتها. فقلت: ما حملك على ذلك؟ فأنشأ يقول: كَتَمتَ الهَوَى إني رأيتُكَ جازِعاً ... فقلتُ فتىً بعضَ الصّديقِ يُرِيدُ. وَإنْ تطرَحَنّي أوْ تقولُ: فَتِيّةٌ ... يُضِرّ بها بَرْحُ الهَوَى فَتَعودُ. فَوَرّيتُ عمّا بي وفي الكَبِد الحشا ... منَ الوَجْد بَرْحٌ، فاعلَمَنّ، شَديدُ. قال فقلت: أقم على أهلك، بارك الله لك! وانطلقت إلى أهلي، وأنا أقول: كَفَيتُ أخي العُذرِيَّ ما كانَ نابَهُ ... وَمِثلي لأثقالِ النَّوائِبِ أحْمَلُ. أما استَحسَنت مني المكارِمُ والعُلى، ... إذا اطُّرِحَتْ، أني أقولُ وَأفْعَلُ. ماني الموسوس وعائداته أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قال: حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز قال: حدثنا محمد بن خلف إجازة قال: أنشدت لماني: سلي عَائِداتي كيف أبصَرْنَ كُرْبَتي، ... فإن قلتِ قد حابينني، فاسألي النّاسا. فإنْ لم يقولوا مات، أوْ هُوَ مَيّتٌ، ... فزيدي إذاً قَلبي جُنوناً وَوَسوَاسَا.

стр. 88

من أشعار ماني أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني إجازة قال: أخبرني المظفر بن يحيى قال: أخبرنا علي بن محمد قال: أنشدني ابن عروس لماني: لم يَبقَ إلاّ نَفَسٌ خَافِتُ ... وَمُقلَةٌ إنْسانُها باهِتُ. بلى، وما في جسمه مَفْصِلٌ ... إلاّ وفيهِ سَقَمٌ ثابِتُ. فدمْعُهُ يجري وأحشاؤه ... تُوقَدُ إلاّ أنّهُ سَاكِتُ. وله، أعني ماني: مُعَذَّبُ القَلبِ بالفِرَاقِ ... قدْ بَلَغَتْ نفسُه التراقي. وَذابَ شَوْقاً إلى غَزَالٍ ... أوضَعَ للبَينِ بانْطِلاقِ. لم يُبْقِ منهُ السَّقامُ إلاّ ... جِلداً على أعْظُمٍ رِقَاقِ. لَوْلا تَسَلّيه بالتّبَكّي ... آذَنَتِ النّفْسُ بالفِرَاقِ. لحى الله يوم البين ولي من أثناء قصيدة: لحى يوْمَ البَينِ كم دمٍ عاشِقٍ ... أرَاقوا بهِ لا يطلُبونَ بِثَارِهِ.

стр. 89

وَعاذِلَةٍ أضْحَتْ تَلُومُ على الهَوَى ... أخا لَوْعَةٍ لمّا يُفِقْ مِن خُمارِه. ومنها: وأغيَدَ في جيشٍ من الحُسن أفتدي ... لمَاهُ وَعَينَيهِ وَخَطّ عِذارِه. حكى الظبيَ ظبيَ الرّملِ جِيداً ومُقلَةً، ... فيَا ليتَهُ لم يحكِهِ في نِفارِهِ. لروعات الحب نيران وجدت بخط أحمد بن محمد بن علي الآبنوسي ونقلته من خطه قال: حدثنا علي بن عبد الله بن المغيرة أبو محمد الجوهري قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا عمي عن أبيه قال: سمعت أعرابياً يقول: اشرحوا الرأي عند الهوى، وافطموا النفوس عند الصبي، ولقد تصدعت كبدي للعاشقين من لوم العاذلين، ولروعات الحب نيران على أكبادهم مع دموع على الغواين كغروب السواني. ذو الرمة وميّ أخبرنا أبو طالب محمد بن علي البيضاوي بقراءتي عليه من أصل أبي بكر بن شاذان، وفيه سماعه، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: قرأ على أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه. قال ذو الرمة: عَدَتني العوَادي عنكِ يا ميُّ بُرْهَةً ... وقد يَلتَوي دونَ الحبِيبِ فيَهجُر. عَلى أنّني في كُلّ سَيرٍ أسيرُهُ، ... وفي نَظَري مِنْ نحوِ أرْضِكِ أصْدُرُ. فَمَا تُحدِثُ الأيّامُ يا ميُّ بَينَنَا ... فلا نأثُرَنْ سِرّاً ولا تَتَغَيّر.

стр. 90

اقرأ السلام وأنشد نفطويه لآخر: اقرَأ السّلامَ على مَن كنتَ تألفُه، ... وقُل له: قد أذَقتَ القلبَ ما خَافَا. فَما وجدتُ على إلفٍ فُجِعتُ بِهِ ... وجدي علَيكَ، وَقَد فارَقْتُ أُلاّفا. أيهما أصدق عشقاً أنبأنا القاضي الإمام أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال: حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا قال: حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا محمد بن عائشة قال: حدثني أبي قال: حدثني رجل من بني عامر بن لؤي ما رأيت بالحجاز أعلم منه: حدثني كثير أنه وقف على جماعة يفيضون فيه وفي جميل، وفي أيهما أصدق عشقاً، ولم يكونوا يعرفومه بوجهه، ففضلوا جميلاً في عشقه، فقلت لهم: ظلمتم كثيراً، كيف يكون جميل أصدق عشقاً من كثير، ولما أتاه عن بثينة بعض ما يكره قال: رَمى الله في عينَي بُثَينَةَ بالقَذى، ... وفي الغُرّ من أنيابها بالقوادِحِ. والقوادح ما بنقبها ويعيبها، وكثير أتاه عن عزة ما يكره فقال: هَنيئاً مَرِيئاً غَيرَ داءٍ مخامِرٍ ... لعَزّةَ من أعرَاضِنا ما استَحلّتِ. قال: فما انصرفوا إلا على تفضيلي.

стр. 91

يزيد بن عبد الملك وحبابة أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد اللأردستاني بقراءتي عليه بمكة في المسجد الحرام قال: حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا العباس بن الحسين الفارسي ببغداد قال: حدثنا علي بن الحسين بن أحمد الكاتب قال: حدثنا إسماعيل بن محمد الشيعي من شيعة بني العباس قال: حدثنا عمر بن شبة عن أبي إسحاق قال: بلغني أن جاريةً غنت بين يدي يزيد بن عبد الملك: وإني لأهوَاهَا وأهوَى لِقَاءَهَا ... كما يشتهي الصّادي الشرَابَ المبرَّدا. فراسلتها سلامة فغنت: عَلاقَةُ حُبٍّ كانَ في سنن الصِّبا، ... فأبْلى، وما يزداد إلاّ تجدّدا. فغنت حبابة: كَريمُ قُرَيشٍ حينَ يُنسَبُ والذي ... أُقِرَّ لَهُ بالفضْلِ، كَهْلاً وأمْرَدا. فراسلتها سلامة فغنت: ترْوي بمجدٍ من أبِيهِ وَجَدِّه ... وَقد أوْرَثَا بُنْيَانَ مجْدٍ مُشَيَّدا. فطرب سزسد وشق حلة كانت عليه حتى سقطت في الأرض ثم قال: أفنأذنان لي في أن أطير؟ قالت له حبابة: على من تدع الأمة؟ قال: عليك. أبو السائب وشعر جرير وبإسناده قال علي بن عمر بن أبي الأزهر قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثنا محمد بن حسن قال: أنشد إنسان أبا السائب القاضي قول جرير: غَيّضْنَ من عَبَرَاتِهِنّ، وقُلنَ لي: ... ماذا لَقِيتَ منَ الهَوَى ولَقِينَا؟ وهو على بئر فطرح في البئر بثيابه.

стр. 92

عمر الوادي والراعي أخبرنا أبو بكر الأردستاني بمكة قال: حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا يوسف بن عمر الزاهد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن نصير قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثنا مؤمل بن طالوت قال: حدثنا مكين العذري قال: سمعت عمر الوادي قال: بينا أنا أسير بين العرج والسقيا إذ سمعت رجلاً يتغنى بيتين لم أسمع بمثلهما قط، وهما: وكُنتُ إذا ما جِئتُ سُعدى بأرْضِهَا ... أرَى الأرضَ تُطَوى لي ويدنو بعيدُها. من الحَفِرَاتِ البِيضِ ودَّ جليسُها ... إذا ما انقَضَتْ أُحدوثَةٌ لو تعيدها. قال: فكدت أسقط عن راحلتي طرباً، فسمت سمته، فإذا هو راعي غنم، فسألته إعادته، فقال: والله لو حضرني قرىً أقريكه ما أعدته، ولكني أجعله قراك الليلة، فإني ربما تغنيت بهما وأنا غرثان فأشبع، وظمآن فأروى، ومستوحش فآنس، وكسلان فأنشط، فاستعدته إياهما، فأعادهما حتى أخذتهما، فما كان زادي حتى وردت المدينة غيرهما. من عشق فعف دخل الجنة أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن فارس قال: حدثنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم بن بيان قال: حدثنا محمد بن خلف قال: حدثنا زكريا بن يحيى الكوفي قال: قال محمد بن حريث الشيباني عن أبيه عن أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال: من عشق فعف فمات دخل الجنة.

стр. 93

قتل العاشق ولي قطعة مفردة: قل للظباء بذي الأرا ... ك إذا مررت بهن جائز. ألكن قتل العاشقي ... ن محل في الشرع جائز. أوعدتم فوفيتم، ... والوعد منكم غير ناجز. إن الذي رحل الخليط ... بقلبه وأقام عاجز. ألا تجشم في هواه ... إثرهم قطع المفاوز. حتى يظل يجيبه ... قلقاً، ويمسي الطرف غامز. أترى متى أنا منكم ... بوصالكم يا فوز فائز. ولقد خلوت بها وأب ... عدت العذارى والعجائز. ليلاً، فكان عفافنا ... ما بيننا والصون حاجز. حاشا صحيح الحب يوْ ... ماً أن يقام مقام ماعز. يريد ماعز بن مالك الذي أقر على نفسه بالزنا ورجمه النبي، ﷺ .

стр. 94

سنان الصوفي والغلام أخبرنا إبراهيم بن سعيد بمصر قال: أخبرنا أبو صالح السمرقندي الصوفي قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن أليسع بالقرافة قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال: حدثنا محمد جعفر بن عبد الله الصوفي قال: قال أبو حمزة الصوفي: كنت مع سنان بن إبراهيم الصوفي فنظر إلى غلام فقال: الحمد لله على كل حال! كنا أحراراً بطاعته، فصرنا عبيداً بمعصيته لأاحاظ قد بلغت بنا جهد البلاء، وأسلمتنا إلى طول الضناء، فلبثنا مع بلائنا وطول ضنائنا لا نخسر الآخرة، كما تولت عنا الدنيا، ثم بكى، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: كيف لا أبكي، وأنا مقيم على غرورٍ ومتخوف من نزول محذور من نظر شاغل أو بلاء شامل أو سخط نازل، ثم شهق وسقط إلى الأرض. قتيل القيان أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي إجازة قال: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن سويد المعدل قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا أبو حفص عمر بن بنان الأنماطي قال: حدثني الحسام بن قدامة المكي باليمن: لا تَلُوما فُلانَ حينَ مَلامَه ... أقلَقَ الحبُّ نفسَهُ المُستَهامَه. قَتَلتني بِشَكْلِهِنّ الجَوَاري، ... والجواري في شكلهنّ عرَامه. فإذا متّ فاجمَعوا الحَرَمِيّ ... اتِ وصُفّوا مولَّدات اليمامَه. وَذَوَاتِ الحَقائِبِ المَدَنِيّ ... اتِ ذَوَاتِ المَضَاحكِ البسّامه. ثمّ قُوموا على الحجونِ، فقولوا: ... يا قَتيلَ القِيانِ، يا ابن قُدامَه.

стр. 95

لا سبيل إلى وصله أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري في ما أجاز لنا قال: حدثنا ابن روح قال: حدثنا القاضي أبو الفرج النهرواني قال: حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال: أنشدنا محمد بن يزيد لأبي حيان الدارمي البصري في أبي تمام الهاشمي، وكان الدارمي يتهم به: سباكَ من هاشِمٍ سَلِيلُ ... ليسَ إلى وَصْلِهِ سَبِيلُ. مَن يتَعاطى الصّفاتِ فِيهِ، ... فالقوْلُ من وَصْفه فضُولُ. للحسنِ في وَجهِهِ هِلالٌ ... لأعيُنِ الخَلقِ ما تزُولُ. وَطُرّةٌ لا يَزَال فِيهَا ... لنُورِ بَدرِ الدّجى مَقيلُ. وَلاحَظَتهُ العُيُونُ حَتى ... تشقى به الكاعبُ البتُولُ. فإن يقِفْ، فالعُيونُ نُصْبٌ، ... وإنْ تَوَلّى، فهنّ حُولُ. الواثق وشعر الدارمي وبإسناده قال: أخبرنا المعافى قال: حدثنا عبد الله بن منصور الحارثي قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال: حدثني الفضل ابن بنت أبي الهذيل قال: كنت مع جدي عند الواثق قبل أن يلي الخلافة، فتذاكروا الشعراء إلى أنشده أبو الهذيل: برَزْنَ، فلا ذو اللُّبِّ وفَرْنَ عَقْلُهُ ... عليه، ولم يُفصِحْ بِهِنّ مُريبُ.

стр. 96

يقول: استوى الناس في النظر إليهن. فقال: يا أبا الهذيل، شعر وقع إلي لا ادري لمن هو، يقول فيه: مَا مَرّ في صَحْنِ قصرِ أوْسٍ، ... إلاّ تَسَجّى لَهُ قَتِيلُ. فإنْ يَقِفْ، فَالعُيونُ نُصْبٌ، ... وإن تَوَلّى، فهَنُ ّحُولُ. ما سمعت في هذا المعنى بأجود منه. فقال له: أصلح الله الأمير، هذا الشعر لرجلٍ بالبصرة يكنى بأبي حيان الدارمي، عمارة بن حيان، فقال: يحمل إلينا، فورد الكتاب وقد مات. الغلام وجارية المهدي أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر بقراءتي عليه قال: أخبرنا الأمير أبو الحسن بن محمد المكتفي بالله قال: حدثنا جحظة قال: حدثني ابن أخت الحاركي: أن خادماً ممن خدم أباه جاءه يخبره أن عند جاريةٍ في بعض قصوره رجلاً، فلبس حلةً وسار إلى إلى القصر، فألفى عندها غلاماً شاباً، له ذؤابتان، كأنه قضيب فضة، فسأله عن دخوله وكيف كان، وما شأنه. فقال: إن هذه الجارية كانت لوالدتي، وكان بيني وبينها ألفة، فلما بيعت لأمير المؤمنين، صرت إلى الباب متعرضاً لها، فأذنت في الدخول، فدخلت على أحد أمرين: إما أن أظفر بما أريد أو أقتل فأستريح. فأمر المهدي بإحضار سياط، ونصبه بينها، ثم ضربه عشرين سوطاً، ورفع عنه الضرب وقال: ما أصنع بتعذيبك، ولست بتاركك حياً، ولا تاركها، يا غلام، سيف ونطع! فلما أتي بذلك، وأجلس الغلام في النطع قال: يا أمير المؤمنين! قبل أن ينزل بي القتل، وهو دون حقي، اسمع مني ما أقول! قال: هات، فأنشأ يقول:

стр. 97

ولَقد ذكرْتُكِ والسّياطُ تنوشُني ... عندَ الإمامِ وساعدي مَغلُولُ. وَلَقَد ذكرْتُكِ والذي أنا عبدُه ... والسيفُ بينَ ذُؤابتي مَسلُولُ. فأطرق المهدي وتغرغرت عيناه بالدموع. ثم قال: يا غلام، ائتني بإزار! فأتي به، فقال: الففهما به جميعاً، بعد أن تنزع ثيابهما، وأخرجهما عن قصري، ففعل ذلك. سيد العشاق حدث أبو عمر بن حيويه ونقلته من خطه قال: حدثنا أبو بكر محمد بن خلف قال: حدثني أبو بكر العامري قال: حدثني أبو عبد الله القرشي وحدثنا الدمشقي عن الزبير قال: حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري قال: عشق رجل من ولد سعيد بن العاص جاريةً مغنية بالمدينة، فهام بها، وهو لا يعلمها بذكل، ثم إنه ضجر فقال: والله لأبوحن لها، فأتاها عشيةً، فلما خرجت إليه، قال لها: بأبي أنت أتغنين: أتُجْزُونَ بالودّ المُضاعَفِ مثلَه، ... فإنّ الكريم مَن جزَى الودَّ بالودِّ. قالت: نعم، وأغني أحسن منهن ثم غنت: للّذي وَدّنا الموَدّةُ بالضِّعْ ... فِ، وَفَضْلُ البادي بِهِ لا يُجازَى. لَوْ بَدا ما بِنَا لَكُم ملأ الأر ... ضَ وأقطارَ شامِهَا والحِجَازَا. فاتصل ما بينهما، فبلغ الخبر عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فابتاعها له وأهداها إليه، فمكثت عنده سنة ثم ماتت، فبقي مولاها شهراً أو أقل ثم مات كمداً عليها، فقال أبو السائب المخزومي: حمزة سيد الشهداء، وهذا سيد العشاق، فامضوا بنا حتى ننحر على قبره سبعين نحرة، كما كبر النبي، ﷺ وآله وسلم، على قبر حمزة، ﵁، سبعين تكبيرة. قال: وبلغ أبا حازم الخبر، فقال: ما من محب في الله يبلغ هذا إلا وليّ.

стр. 98

قتيل الهجران أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الخياط قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بمكة قال: حدثنا أحمد بن أبي عمران قال: سمعت أبا بكر الرازي قال: سمعت عبد الرحمن الصوفي يقول: كنت ببغداد في سوق النخاسين، فرأيت قوماً مجتمعين، فدنوت منهم، فرأيت شاباً مصروعاً مغشياً عليه، فقلت لواحد منهم: ما الذي أصابه؟ فقال: سمع آيةً من كتاب الله، ، فقلت: أية آيةٍ كانت؟ فقال: قوله، : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله؟ قال: فلما سمع أفاق، وأنشأ يقول: ألمْ يأنِ للهِجرَانِ أن يَتَصَرّما ... وللغُصْنِ، غُصْنِ البَانِ، أن يتبسّما. وللعاشِقِ الصَّبّ الذي ذابَ وانحنى، ... أما آنَ أن يُبْكي عليهِ وَيُرْحَما. كَتَبْتُ بِمَاءِ الشّوْقِ، بينَ جَوَانحي، ... كِتاباً حَكى نَقشَ الوُشاةِ مُنمنَما. ولما شكوت الحب أخبرنا عبد العزيز بن علي الطحان قال: أخبرنا علي بن عبد الله الهمذاني في المسجد الحرام قال: حدثني الجنيد قال: أرسلني سري في حاجةٍ يوماً فمضيت فقضيتها، فرجعت، فدفع رجل رقعة، وقال: ما في هذه الرقعة أجرتك لقضاء حاجتي، ففتحتها، فإذا فيها مكتوب: وَلمّا شَكَوْتُ الحُبَّ قالَتْ كَذَبتني ... ألستُ أرَى مِنكَ العِظامَ كوَاسِيَا.

стр. 99

وَما الحُبُّ حتى يَلصَقَ الكِبدُ بالحَشا، ... وَتَخمُدَ حتى لا تجيبَ المُنادِيَا. وَتَضْعُفَ حتى لا يُبَقّي لكَ الهوَى ... سوى مُقلَة تَبكي بها وَتُنَاجِيَا. دماء أهل الهوى هدر ولي من أثناء قصيدة: لا تَطلُبوا بدمِ العشّاقِ طائَلةً، ... دماءُ أهلِ الهَوى مَطلولَةٌ هَدَرُ. مواقع الأنفس أنبأنا أبو بكر أحمد بن أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الحسن عل بن أيوب القمي قال: حدثنا محمد بن عمران قال: حدثنا ابن عرفة النحوي عن محمد بن يزيد قال: قال أبو نواس: يا نَظرَةً ساقَتْ إلى ناظِرٍ ... أسبابَ ما يدعو إلى حَتفِهِ. من حُبِّ ظَبْيٍ حَسَنٍ دَلُّهُ ... يُقصّرُ الواصِفُ عن وَصْفِهِ. في البَدرِ من صَفحتِه لمحَةٌ ... ولمحَةٌ في الظبيِ مِن طَرْفهِ. موَاقِعُ الأنفُسِ في ثغرِهِ، ... وفي ثَنَاياهُ وفي كَفّهِ. يجتمعان في القبر ذكر أبو عمر بن حيويه ونقلته من خطه قال: حدثنا أبو بكر بن المرزبان قال: حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا الحسن بن محمد بن عيسى المقري قال: أخبرني محمد بن عبيد الله العتبي قال: حدثنا ابن المنبه قال: سمعت أبا الخطاب الأخفش يقول: خرجت في سفر فنزلنا على ماءٍ لطيء فبصرت بخيمة من بعيد فقصدت نحوها فإذا فيها شاب على فراشٍ

стр. 100

كأنه الخيال، فأنشأ يقول: ألا ما للحَبيبَةِ لا تَعودُ، ... أبخلٌ بالحبِيبَةِ أم صُدودُ. مَرِضْتُ فعَادني عُوّادُ قَوْمي، ... فما لكِ لم تُرَيْ في مَن يَعودُ. فلَوْ كنتِ المَريضَ، ولا تكوني، ... لعُدتُكم، ولوْ كثُرَ الوَعِيدُ. ولا استَبطَأتُ غَيركِ، فاعلمِيهِ، ... وحولي من ذَوي رَحِمي عديدُ. قال: ثم أغمي عليه، فمات. فوقعت الصيحة في الحي، فخرج من آخر الماء جارية كأنها قلقة قمر، فتخطت رقاب الناس حتى وقفت عليه فقبلته، وأنشأت تقول: عَذابي أن أعودَكَ، يا حبيبي، ... معَاشِرُ فَيهِمُ الواشي الحَسودُ. أذَاعُوا ما عَلِمتَ مِنَ الدّوَاهي، ... وعابُونَا وما فِيهِمْ رَشِيدُ. فأمّا إذْ حَلَلْتَ بِبَطنِ أرْضٍ ... وقصرُ الناسِ كُلّهِمِ اللُّحُودُ. فَلا بَقِيَتْ ليَ الدنْيَا فُوَاقاً، ... ولا لُهم، ولا أثرَى، عَديدُ. قال: ثم شهقت شهقةً فخرت ميتةً منها، فخرج من بعض الأخبية شيخ فوقف عليهما، فترحم عليها، وقال: والله لئن كنت لم أجمع بينكما حيين لأجمعن بينكما ميتين! فدفنهما في قبر واحد احتفره لهما، فسألته، فقال: هذه ابنتي وهذا ابن أخي.

стр. 101

رد فؤادي أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي في ما أجاز لنا قال: حدثنا أبو عمر بن حيويه قال: أنشدنا أبو عبد الله النوبختي: قلتُ لَهُ: رُدّ فؤادي، فَقَد ... أبلَيتَ بالهَجْرِ نَوَاحيه. فقال لي مُبتَسِماً ضاحكاً: ... قَد غلق الرّهنُ بِمَا فِيه. حديث عاشقين أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قال: أخبرنا علي بن أيوب قال: حدثنا أبو عبيد المرزباني قال: حدثني أحمد بن محمد الجوهري قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: رأيت عاشقين اجتمعا، فجعلا يتحدثان من أول الليل إلى الغداة. أموت بدائي أخبرنا عبد العزيز بن علي الأزجي قراءة عليه قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الهمذاني بمكة قال: أنشدنا محمد بن عبد الله ليحيى بن معاذ: أموتُ بِدائي لا أُصيبَ مُداويا ... ولا فَرَجاً ممّا أرَى من بَلائيا. إذا كانَ هذا العَبدُ رِقَّ مَلكِيه، ... فمَن دونه يرجو طبيباً مداويا. معَ اللهِ يمضي دهرُهُ مُتَلَدِّداً، معطياً له ما عاش أم كان عاصيا.

стр. 102

مصارع العشاق أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ بالشام قال: حدثنا علي بن أيوب قال: حدثنا أبو عبيد الله محمد بن عمران قال: أخبرني محمد بن يحيى قال: قال علي بن الجهم: نُوَبُ الزّمانِ كَثيرَةٌ، وأشَدُّها ... شَملٌ تَحَكّمَ فيهِ يوْمُ فِرَاقِ. يا قلبِ لِمْ عرّضْتَ نفسَكَ للهوَى، ... أوَما رَأيْتَ مصَارِعَ العُشَّاقِ؟. غريقا الهوى أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري بقراءتي عليه سنة إحدى وأربعين وأربعمائة قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه قال: حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قال: حدثنا ميمون بن هارون الكاتب قال: حدثني عبد الرحمن بن إسحاق القاضي قال: انحدرت من سر من رأى مع محمد بن إبراهيم أخي إسحاق، ودجلة تزخر من كثرة مائها. فلما أن سرنا ساعة قال: ارفق بنا، ثم دعا بطعامه، فأكلنا، ثم قال: ما ترى في النبيذ؟ قلت له: أعزك الله أيها الأمر، هذه دجلة قد جاءت بمد عظيم يرعب مثله، وبينك وبين منزلك مبيت ليلةٍ، فول شئت أخرته. قال: لابد لي من الشرب فضربت ستارة، واندفعت مغنية تغني، واندفعت أخرى فغنت: يَا رَحْمَتَا للعَاشِقِينَا ... ما إن أرى لهمُ مُعِينَا. كَمْ يُشتَمونَ ويُضرَبُو ... نَ ويُهجَرُونَ فَيَصْبرُونا.

стр. 103

فقالت لها المغنية الأولى: فيصنعون ماذا؟ قالت: يصنعون هكذا، فرفعت الستارة، وقذفت بنفسها في دجلة، وكان بين يدي محمد غلام ذكر أنه شراه بألف دينار، وبيده مذبة، لم أر أحسن منه، فوضع المذبة، وقذف بنفسه في دجلة، وهو يقول: أنْتَ التي غَرّقْتِني ... بَعْدَ القَضَا لَوْ تَعلمِينَا. فأراد الملاحون أن يطرحوا أنفسهم خلفهما، فصاح بهم محمد: دعوهما يغرقا إلى لعنة الله! قال: فرأيتهما، وقد خرجا من الماء متعانقين ثم غرقا. التطير من البكاء أنشدنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال قال: أنشدنا أبو الحسن أحمد بن محمد لن موسى قال: أنشدنا محمد بن القاسم الأنباري قال: أنشدنا عبد الله بن عمرو بن لقيط: يا شوْقَ إلفَينِ حالَ النّأيُ بينهُما ... فعَافَصَاهُ على التوْديعِ فاعتَنَقا. لَوْ كنتُ أملِكُ عيني ما بكيتُ بِها ... تَطَيّراً من بُكائي بعدَهم شَفَقَا. ما لقتيل الحب قود ولي من أثناء قصيدة: وطالبٍ بدمي ثأراً، فقلت له: ... هيهاتَ ما لقتيلِ الحبِّ من قَوَدِ. للهِ قلبي لقد أضحى، غَداةَ غَدَت ... حُمولُهم، للجَوى حِلفاً وللكَمَدِ.

стр. 104

الحب حلو ومر أنبأنا الشيخ أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة أن أبا عبيد الله محمد بن عمران المرزبان أخبرهم إجازة قال: أخبرنا عبيد الله بن أحمد الكاتب قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: أنشدني إبراهيم بن عبد الله الوراق لمحمد بن أبي أمية: وَضاحِكٍ من بُكائي حينَ أُبصِرُهُ ... لَوْ كانَ جَرّبَ ما جَرّبتُ أبكَاهُ. لا يُرْحَمُ المُبتَلى ممّا تَضَمّنَه ... إلاّ فتى مُبتَلى قد ذاقَ بَلوَاهُ. ما أسرَعَ الموْتَ إن تمّتْ غريمتُهم ... على القَطِيعَةِ إن لمْ يرْحَمِ اللهُ. الحُبُّ حلوٌ ومُرٌّ في مَذَاقَتِهِ، ... أمرُّهُ هَجرُكمْ والوَصْلُ أحلاهُ. لم يفتها جواره ميتاً أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر الدقاق بقراءتي عليه قال: أخبرنا الأمير أبو الحسن أحمد بن محمد المكتفي بالله قال: حدثنا ابن دريد قال: حدثنا السكن بن سعيد عن العباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: حدثني مصدع بن غلاب الحميري وكان مخضرماً، وأدركته وهو ابن ثماني عشرة ومائة سنة وما في فرته ولحيته بيضاء، قال: حدثني أبي غلاب قال: كان بذمار فتىً من حمير، من أهل بيت شرف يقال له: زرعة بن رقيم، وكان جميلاً شاعراً لا تراه امرأة إلا صبت إليه، وكان في ظهر ذمار رجل شيخ كثير المال، وكانت له بنت تسمى مفداة، بارعة الجمال، حصيفة اللب، ذات لسان مصلق، تفحم البليغ، وتخرس المنطيق، وكان زرعة يتحدث إليها في فتية من الحي، وكان ممن

стр. 105

يتحدث إليها فتىً من قومها يقال له حيي، ذو جمال وعفاف وحياء، فكانت تركن إلى حديه، وتشمئز من زرعة لرهقه، فساء ذلك زرعة وأحزنه، فاجتمعا ذات يوم عندها فرأى إعراضها عنه وإقبالها على حيي، فقال: صُدودٌ وإعرَاضٌ وإظْهارُ بَغضَةٍ، ... غَلاَم وَلِمْ يا بينتَ آل العُذافرِ؟. فقالتْ: عَلى غَيرِ ما شَرٍّ، ولكِنّكَ امرؤٌ ... عُرِفتَ بِغل المومِساتِ العَواهِرِ. فقال حيي: جَمَالُكَ يا زَرعَ بنَ ارقَمَ إنّما ... تُنَاجي القُلوبَ بالعيونِ النّوَاظِرِ. فقالَ زَرعةُ: فإنْ يَكُ مما خَسّ حظي لأنّني ... أَصَابني فتُصْبِيني عيونُ القَصَائِرِ. وَإني كَريمٌ لا أُزَنَ بِرِيبَةٍ ... وَلا يَعْتري ثوْبيَّ رينُ المَعايرِ. فقالت المفداة: كذاك فكُن، يسلمْ لكَ العِرضُ، إنه ... جمالُ امرئ أن يرتدي عِرضَ طاهر. فقال حيي: حَيَاءَكُمَا لا تَعْصِيَاهُ، فإنّمَا ... يكونُ الحَياءُ من تَوقّي المعايرِ.

стр. 106

فانصرفت زرعة وقد خامره من حبها ما غلب على عقله، فغبر أياماً عنها، وامتنع من الطعام والشراب والقرار، وأنشأ يقول: يا بُغيَةً أهدَتْ إلى القلبِ لوْعَةً ... لقد خُبئَتْ لي منك إحدى الدهارسِ. وما كنتُ أدري والبَلايا مُظِلّةٌ ... بأنّ حِمامي تحتَ لحظِ مُخالِسِ. جَلَستُ على مَكتوبَةِ القَلبِ طائِعاً، ... فيَا طَوْعَ مَحبوسٍ لأعنَفِ حابِسِ. فشاع هذا الشعر في الحي وبلغ المفداة، فاحتجبت عنه، وامتنعت من محادثة الرجال، فامتنع من الحركة والطعام، فغبر على ذلك حول، ومات عظيم من عظماء القبائل فبرز مأتم النساء، فبلغ زرعة أن المفداة في المأتم، فاحتمل حتى تنائى نشزاً، واجتمع إليه لذاته يفندون رأيه ويعذلونه، فأنشأ يقول: لمْ يُلَمُ في الوَفاءِ مَن كَتَمَ الْ ... حُبّ وأغضى عُلى فؤادٍ لَهِيدِ. صَابَنا ذاك لاسم من جلبَ السّ ... مَ علَيه ونفسُهُ في الوَريدِ. ثم شهق، فمات، وتصايح أصحابه ونساؤهن وبلغ المفداة خبره، فقامت نحوه حتى وقفت عليه، وقد تعفر وجهه، وأهله ينضحونه بالماء، فهمت أن تلقي نفسها عليه، ثم تماسكت، وبادرت خباءها، فسقطت تائهة العقل، تكلم فلا تجيب، سحابة يومها، فلما جنّ عليها الليل رفعت عقيرتها فقالت: بِنَفْسِي يَا زَرْعَ بْنَ أرْقَمَ لوْعَةٌ ... طَوَيتُ علَيها القلبَ والسرُّ كاتِمُ.

стр. 107

لَئِنْ لمْ أمُتْ حُزْناً عَلَيْهِ فَإنّني ... لألأمُ مَن نِيطَتْ عَلَيه التّمائِم. لَئِنْ فُتّني حَيّاً فَلَيْسَ بِفَائِتي ... جوَارُك مَيْتاً حيثُ تَبلى الرَّمَائِم. ثم تنفست نفساً نبه من حولها فإذا هي ميتة فدفنت إلى جنبه. وقالت امرأة من حمير أشبلت على ولدها بعد زوجها: وَفَيتُ لابنِ مالكِ بن أرطأه ... كما وَفَتْ لزرعة المُفَدّاه. واللهِ لا خِسْتُ بهِ أو ألقاه ... حيثُ يُلاقي وامقٌ من يهواه. من ممتَطٍ، ناحِيَةً، شَمَرْداه ... وعاثِرٍ قد خَذَلَته رِجلاهْ. تريد قول الجاهلية: إن الناس يحشرون ركباناً على البلايا، ومشاةً إن لم تعقر مطاياهم على قبورهم، وهذا شيء كان من فعل الجاهلية. تفارق قومها باكية حدث شيخنا أبو علي بن شاذان قال: حدثني أبي أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن سليمان بن داود بن محمد الطوسي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثنا هارون بن موسى قال: حدثني عبد الله بن عمرو الفهري عن عمه الحارث بن محمد بن عيسى بن عبد الأعلى قال: كانت بالمدينة جاريةً لآل أبي رماثة، أو لآل أبي تفاحة، يقال لها: سلامة. قال: فكتب فيها يزيد بن عبد الملك لتشترى له، فاشتريت

стр. 108

بعشرين ألف دينار، فقال أهلها: لا تخرج حتى نصلح من شأنها، فقالت الرسل: لا حاجة لكم بذاك! معنا ما يصلحها. قال: فخرج بها حتى أتي بها سقاية سليمان، قال: فأنزلها رسله فقالت: لا والله لا أخرج حتى يأتيني قوم كانوا يدخلون علي فأسلم عليهم، قال: فامتلأ ذلك الموضع من الناس، قال: ثم خرجت فوقفت بين الناس، وهي تقول: فارَقوني وقد عَلِمتُ يَقِيناً ... ما لمَن ذاقَ فُرقَةً من إيابِ. إنّ أهلَ الحِصَابِ قد ترَكوني ... في وُلوعٍ يذكو بأهلِ الحِصَابِ. سكنوا الجِزْعَ وهو جِزْعُ أبي مو ... سى إلى النخلِ من صفيّ الشبابِ. أهلُ بَيتٍ تَتَابعُوا للمَنَايَا، ... ما على الدهرِ بعدهم من عِتابِ. قال: فما زالت على ذلك تبكي ويبكون حتى راحت، ثم أرسلت إليهم بثلاثة آلاف درهم. يزيد يموت حزناً على حبابة حدث أبو علي بن شاذان قال: حدثني أبي أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن سليمان الطوسي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني هارون بن موسى قال: حدثني موسى بن جعفر بن أبي كثير وعبد الملك بن الماجشون قال: لما مات عمر بن عبد العزيز قال يزيد: والله ما عمر بأحوج إلى الله مني. قال: فأقام أربعين ليلةً يسير بسيرة عمر، فقالت حبابة لخصي له كان صاحب أمره: ويحك قم بي حيث يسمع كلامي ولك علي عشرة آلاف درهم، فلما مر يزيد بها قالت: بَكَيتُ الصِّبي جهلاً فمن شاء لامني ... ومَن شاءَ آسى في البُكاءِ وأسعَدا. ألا لا تَلُمه اليَوْمَ أن يَتَلَبّدا ... فقَد مُنِعَ المَحزُونُ أن يَتَجَلّدا.

стр. 109

وَما العَيشُ إلاّ ما تَلَذُّ وتَشتَهي ... وإنْ لامَ فيهِ ذو الشنّانِ وَفَنّدا. إذا كنتَ عِزْهاةً عن اللهوِ والصِّبي ... فكن حجراً من يابِس الصّخرِ جَلمَدا. قال أبو موسى: وهذا الشعر للأحوص، فلما سمعها قال للخصي: ويحك! قل لصاحب الشرط يصلي بالناس. وقال يوماً: والله إني لأستحيي أن أخلوا بها، ولا أرى أحداً غيرها، وأمر ببستان، وأمر بحاجبه أن لا يعلمه بأحد. قال: فبينما هو معها أسر الناس بها، إذ حذفها بحبة رمان، أو بعنبة، وهي تضحك، فوقعت في فيها فشرقت فماتت، فأقامت عنده في البيت حتى جيفت، او طادت تجيف، ثم خرج فدفنها، وأقام أياماً، ثم خرجن وهليه الهم بادياً، حتى وقف على قبرها فقال: فإن تسلُ عنكِ النفسُ أوْ تدع الصِّبي ... فباليَأسِ أسلو عنكِ لا بالتّجَلّدِ. وَكُلُّ خَلِيلٍ لامَتني فهوَ قائِلٌ ... من أجِلكِ هذا هامَةُ اليوْمِ أوْ غَدِ. ثم رجع فما خرج من منزله حتى خرج بنعشه. الصوفي المتعفف أخبرنا إبراهيم بن سعيد بقراءتي عليه بمصر قال: أخبرنا أبو صالح محمد بن أبي عدي السمرقندي قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن أليسع بالقرافة قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي الحافظ قال: قال أبو حمزة الصوفي: رأيت ببيت المقدس فتىً من الصوفية يصحب غلاماً مدةً طويلةً، فمات الفتى، وطال الغلام عليه، حتى صار جلداً وعظماً من الضنى

стр. 110

والكمد. فقلت له يوماً: لقد طال حزنك على صديقك حتى أظن أنك لا تسلو بعده أبداً. فقال: وكيف أسلو عن رجلٍ أجل الله تعالى أن يعصيه معي طرفة عين وصانني عن نجاسة الفسوق في طول صحبتي له وخلواتي معه في الليل والنهار. هويت شادناً أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي إجازة قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه قراءة عليه قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف قال: قال عمر بن أبي ربيعة: طَبِيبَيّ داوَيتُما ظاهِراً، ... فمن ذا يُداوي جَوىً باطِنا. فعوجا على مَنزلٍ بالغَمِي ... مِ، فإني هَوِيتُ بِهِ شَادِنَا. دهر يشت ويجمع أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد النرسي قال: أخبرنا أبو حاتم محمد بن أحمد الرازي قال: أنشدني أبو مضر ربيعة بن ميسرة بن علي البزار بقزوين لبعضهم: فلا تحسَبي أني تَبَدّلتُ خِلّةً ... سواكِ ولا أني بِغَيرِكِ أقنَعُ. ولا عَن قِلىً كان القَطيعَةُ بَينَنَا، ... ولكنّهُ دَهْرٌ يُشِتّ وَيَجْمَعُ.
следующие страницы →