← Адаб

Адаб · id 26549

مصارع العشاق

السراج القارئ

Полный текст (611 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فقُلْتُ لهَا، ودَمعُ العَينِ هَامٍ، ... لَهُ مِنْ فَوْقِ خَدّيَّ انسِجَامُ: أقِلّي اللّوْمَ عَنْ ظَمآنَ صَادٍ، ... يَحُومُ، وَقَد أضَرّ بِهِ الأُوَامُ أصَمَّ عَنِ العَوَاذِلِ، لَيسَ يَجدِي ... عَليهِ في الهَوَى قَطُّ المَلامُ الشيخ المتصابي أخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن الحسن بن دريد، أخبرنا الرياشي عن محمد بن سلام عن أبيه، حدثني شيخ من بني ضبة قال: رأيت أعرابياً كبير السن كثير المزاح، بيده محجن، وهو يجر رجليه حتى وقف على مسعر بن كدام، وهو يصلي، فأطال الصلاة، والأعرابي واقف، فلما أعيا قعد. حتى إذا فرغ مسعر من صلاته سلم الأعرابي عليه، وقال له: خذ من الصلاة كفيلاً! فتبسم مسعر، وقال: عليك بما يجدي عليك نفعه، يا شيخ، كم تعد؟ فقال: مائةَ وبضع عشرة سنة. قال: في بعضها ما كفى واعظاً، فاعمل لنفسك، فقال: أُحِبُّ اللّوَاتِي هُنّ مِنْ وَرَقِ الصِّبى، ... وَمِنهُنّ عَنْ أزْوَاجِهِنّ طِمَاحُ مُسِرّاتُ بُغضٍ، مُظهِرَاتٌ عَدَاوَةً، ... تَرَاهُنّ كَالمَرْضَى، وَهُنّ صِحاحُ فقال مسعر: أف لك! فقال: والله ما بأخيك حركة منذ أربعين سنة، ولكنه بحر يجيش ويرمي زبده، فضحك مسعر، وقال: إن الشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح.

стр. 492

نور متجسم قال: وحدثنا المعافى، حدثنا يزيد بن الحسن البزاز، حدثني خالد الكاتب قال: دخلت على أبي عباد أبي الرغل بن أبي عباد، وعنده أحمد بن يحيى وابن الأعرابي، فرفع مجلسي، فقال له ابن الأعرابي: من هذا الفتى الذي أراك ترفع من قدره؟ فقال: أو ما تعرفه؟ قال: اللهم لا! قال: هذا خالد الكاتب الذي يقول الشعر؟ قال: فأنشدني من قولك شيئاً، فأنشده: لَوْ كَانَ مِنْ بَشَرٍ لمْ يَفتَنِ البَشَرَا، ولَمْ يَفقْ في الضّيَاءِ الشمسَ والقَمَرَا نُورٌ تَجَسّمَ، مُنحَلّ وَمُنعَقِدٌ، ... لَوْ أدرَكَتهُ عُيُونُ النّاسِ لانكَدَرَا فصاح ابن الأعرابي وقال: كفرت يا خالد! هذه صفة الخالق، ليست صفة المخلوق، فأنشدني ما قلت غير هذا، فأنشدته: أَرَاكَ لمّا لجَجتَ في غَضَبِكَ، ... تَترُكُ رَدّ السّلامِ في كُتُبِك حتى أتيت على قولي: أقُولُ للسُّقمِ عُدْ إلى بَدَني، ... حبّاً لِشَيءٍ يكونُ مِنْ سَبَبِك فصاح ابن الأعرابي وقال: إنك لفطن، وفوق ما وصفت به. بيت شعر بثلاثمائة دينار قال: وحدثنا المعافى، حدثنا أحمد بن جعفر بن موسى البرمكي قال: فال خالد الكاتب: وقف علي رجل بعد العشاء متلفع برداء عدنيٍ أسود، ومعه غلام معه صرةٌ، فقال لي: أنت خالد؟ قلت: نعم! قال: أنت الذي تقول: قَد بكَى العاذِلُ لي من رَحمَتي، ... فبُكائي لِبُكَاءِ العَاذِلِ

стр. 493

قلت: نعم! قال: يا غلام ادفع إليه الذي معك! فقلت: وما هذا؟ قال: ثلاثمائة دينار. قلت: والله لا أقبلها، أو أعرفك. قال: أنا إبراهيم بن المهدي. صرعة المحب قال: وحدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدثني محمد بن المرزبان، حدثنا زكريا بن موسى، حدثنا شعيب بن السكن عن يونس النحوي قال: لما اختلط عقل قيس المجنون وامتنع من الطعام والشراب مضت أمه إلى ليلى فقالت لها: يا هذه! قد لحق ابني بسببك ما قد علمت، فلو صرت معي إليه، رجوت أن يثوب إليه، ويرجع عقله إذا عاينك؟ فقالت: أما نهاراً فلا أقدر على ذلك لأني لا آمن الحي على نفسي، ولكن أمضي معك ليلاً. فلما كان الليل صارت إليه فقالت له: يا قيس! إن أمك تزعم أن عقلك ذهب بسببي، وأن الذي لحقك أنا أصله. ففتح عينيه، فنظر إليها، وأنشأ يقول: قالَت جُنِنتَ عَلى رَأسِي، فقُلتُ لها: ... ألحُبُّ أعظَمُ مِمّا بِالمَجَانِينِ الحُبّ لَيسَ يُفيقُ الدّهرَ صَاحِبُهُ، ... وَإنّمَا يُصرَعُ المَجنُونُ في الحِينِ جنون القلب ولي ابتداء قصيدة مدحت بها عين الدولة ابن أبي عقيل بالشام أولها: عَرِّجْ بِنَا عَنِ الحِمَى يَمِينَا، ... فَقَدْ تَوَلّى الحَيرةُ الغَادِينَا لمْ أنسَ يَوْمَ ذِي الأَرَاكِ قَوْلَها، ... وَالبَينُ عَنْ قَوْسِ النّوَى يَرْمينَا

стр. 494

٤ تَزَوَّدِ الوَدَاعَ، وَاعلَمْ أنّنَا، ... كمَا اشتَهَى البَينُ، مُفَارِقُونَا وأَلمَسَتْني، وَالرّقِيبُ غَافِلٌ، ... كَفّاً تَكَادُ أنْ تَذُوبَ لِينَا أجْلَلتُ فضاهَا اللّثْمَ إلاّ أنّني ... قَبّلتُ مِنهَا النّحرَ والجَبيِنا تَمْنَعُنَا العِفّةُ كُلَّ رِيبَةٍ، ... وَالقَلبُ قَد جُنّ بهَا جُنُونَا أنفاس تذيب الحديد أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال، حدثنا محمد بن أحمد بن الصلت، حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم، حدثني أبي أنشدني أبو عكرمة الضبي: فلو أنّ ما بي بالحَصَا فَلَقَ الحَصَا، ... وَبالرّيحِ لمْ يُسْمَعْ لهنّ هُبُوبُ وَلَوْ أنّني أستَغفِرُ اللهَ كُلّمَا ... ذكَرْتُكِ لمْ تُكتَبْ عليّ ذُنوبُ وَلَوْ أنَ أنفَاسِي أصَابَتْ بحرّهَا ... حَديداً، إذاَ ظَلّ الحَديدُ يَذُوبُ لو يدوم التلاقي وبإسناده أخبرنا محمد بن القاسم الأنباري قال: أنشدني محمد بن المرزبان لابن أبي عمار المكي: مَنْ لقَلبٍ يجولُ بينَ التّرَاقِي، ... مُستَهَامٍ، يَتُوقُ كُلَّ مَتَاقِ حَذراً أنْ تَبينَ دَارُ سُلَيمَى، ... أوْ يَصيحَ الصَّدَى لهَا بِفِرَاقِ

стр. 495

أمَّ سَلاّمَ، مَا ذكَرتُكِ إلاّ ... شَرِقَتْ بالدّمُوعِ مِني المَآقِي كَيفَ يَنسَى المُحِبُّ ذِكرَ حَبيبٍ، ... طَيّبِ الخِيمِ ظَاهِرِ الأشَواقِ وَحَديثٍ يَشفي السَّقيمَ من السُّق ... مِ، دَوَاءِ السّلِيمِ كَالدِّرْيَاقِ حَبّذَا أنتِ من جَلِيسٍ إلَينَا ... أُمَّ سَلاّمَ لَوْ يَدُومُ التّلاقي حمام الشعب أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثني محمد بن القاسم أنشدني أبي لبعض الأعراب: ألا يا حَمامَ الشِّعبِ شِعبِ مُؤنِّسٍ! ... سُقيتَ الغَوَادي من حمامٍ وَمن شِعبِ سُقيتَ الغَوَادي، رُبّ خَوْدٍ خَرِيدَةٍ، ... أصَاختْ لخفضٍ من عَنائكَ أوْ نَصْبِ فإنْ يَرْتَحِلْ صَحبي بجُثمانِ أعظُمي، ... يُقِمْ قَلبيَ المَحزُونُ في منزِلِ الرَّكبِ في وجهه شافع وأخبرنا أبو علي الجازري، حدثنا المعافى، حدثنا محمد بن يحيى الصولي، حدثنا علي بن يحيى قال: كنت واقفاً بين يدي المعتضد، وهو مقطب، فأقبل بدر، فلما رآه من بعيد تبسم وأنشد: وَفي وَجهِهِ شافعٌ يَمحُو إساءَتَهُ، ... من القُلوبِ، وَجيهٌ حَيثُ مَا شَفَعَا

стр. 496

ثم قال لي: لمن هذا؟ فقلت: يقوله الحكم بن كثير المازني البصري. قال: أنشدني باقي الشعر، فقلت: لَهْفي عَلى مَن أطَارَ النّوْمَ، فَامتَنَعَا، ... وَزَادَ قَلبي عَلى أوْجِاعِهِ وَجَعَا كَأنّمَا الشّمسُ مِن أعطافِهِ لَمَعتْ ... حُسناً، أوِ البَدرُ مِنْ أزْرَارِهِ طَلَعَا مُستَقبَلٌ بالذي يَهوَى، وَإن عَظُمَتْ ... مِنهُ الإسَاءَةُ، مَعذُورٌ بمَا صَنَعَا في وَجهِهِ شَافِعٌ يَمحُو إسَاءَتَهُ، ... من القُلُوبِ، وَجِيهٌ حَيثُ مَا شَفَعَا قال الصولي: فأخذ هذا المعنى أحمد بن يحيى بن العراق الكوفي، فقال: بدا وكأنما قمر، وأنشد البيتين. لم يفرق بين المحبين أخبرنا علي بن أحمد علي المعدل، حدثني أبي قال: روى أبو روق الهراني عن الرياشي أن بعض أهل البصرة اشترى صبيةً، فأحسن تأديبها وتعليمها، وأحبها كل المحبة، وأنفق عليها حتى أملق، ومسه الضر الشديد، فقالت الجارية: إني لأرثي لك، يا مولاي، مما أرى بك من سوء الحال، فلو بعتني واتسعت بثمني، فلعل الله أن يصنع لك وأقع أنا بحيث يحسن حالي، فيكون ذلك أصلح لكل واحد منا. قال: فحملها إلى السوق، فعرضت على عمر بن عبيد بن معمر التيمي، وهو أمير البصرة يومئذ، فأعجبته، فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما قبض المولى الثمن، وأراد الإنصراف، استعبر كل واحد منهما لصاحبه باكياً، وأنِشأت الجارية تقول: هَنِيئاً لكَ المَالُ الّذِي قَد حَوَيتَهُ، ... وَلم يبقَ في كَفّيّ غَيرُ التّذَكّرِ

стр. 497

أقولُ لنَفسِي، وَهْيَ في عَيشِ كُرْبةٍ: ... أقِلّي، فَقَد بانَ الحَبيبُ، أوِ اكثرِي إذا لَمْ يَكُنْ للأمرِ عِندَكِ حِيلَةٌ، ... وَلم تَجدِي شَيئاً سوَى الصّبرِ، فاصْبرِي واشتد بكاء المولى، ثم أنشأ يقول: فَلَوْلا قُعُودُ الدّهرِ بي عَنكِ لم يكنْ ... يُفَرّقُنا شيءٌ سمَى المَوْتِ، فاصْبرِي أرُوحُ بِهَمٍّ في الفُؤادِ مُبَرِّحٍ، ... أُناجي بهِ قَلباً طَويلَ التّفَكّرِ عَلَيكِ سَلامٌ، لا زِيَارَةَ بَينَنَا، ... وَلا وَصْلَ إلاّ أنْ يَشَاءَ ابنُ مَعْمَرِ فقال له ابن معمر: قد شئت، خذها، ولك المال، فانصرفا راشدين، فوالله لا كنت سبباً لفرقة محبين. مالك يفتي في الحب وأخبرنا محمد، حدثنا المعافى، حدثنا محمد بن أحمد الحكيمي، حدثنا أبو إبراهيم الزهري، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني معن بن عيسى قال: دخل ابن سرحون السلمي على مالك بن أنس، وأنا عنده، فقال له: يا أبا عبد الله! إني قد قلت أبياتاً، وذكرتك فيها، قال: اجعلني في حل، قال: أحب أن تسمعها، قال: لا حاجة لي بذلك. فقال: بلى! قال: هات! فأنشد: سَلُوا مَالكَ المُفتي عَنِ اللهوِ وَالغنى ... وَحبِّ الحِسَانِ المُعجِباتِ الفَوَارِكِ يُنَبّئكُمُ أني مُصِيبٌ، وَإنّمَا ... أُسَلّي هُمُومَ النّفسِ عَني بذَلِكِ فَهل في مُحبٍّ، يكتمُ الحُبّ وَالهَوَى، ... إثامٌ، وَهَلْ في ضَمّةِ المُتَهَالِكِ؟ فضحك مالك، وسري عنه، وقال: لا! إن شاء الله. وكان ظن أنه هجاه.

стр. 498

في النساء جمال وفي الفتيان عفة أخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا جعفر بن محمد بن نصير الخواص، حدثنا أبو العباس بن مسروق، حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا محمد بن عبد الصمد البكري، حدثنا ابن عيينة قال: قال سعيد بن عقبة الهمداني لأعرابي: ممن أنت؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. قال: عذري ورب الكعبة. قال فقلت: ومم ذاك؟ قال: في نسائنا صباحة، وفي فتياننا عفة. ذو الرمة ومي أخبرنا محمد بن الحسين إجازة إن لم يكن سماعاً، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا إبراهيم بن عبد الله الأزدي ومحمد بن القاسم الأنباري قالا: حدثنا أحمد بن يحيى عن أبي زيد، حدثنا إسحق بن إبراهيم، حدثني أبو صالح الفزاري قال: ذكر ذو الرمة في مجلس فيه عدة من الأعراب، فقال عصمة بن مالك، شيخ منهم، قد أتى له مائة سنة، فقال: كان من أظرف الناس. قال: كان آدم، خفيف العارضين، حسن المنظر، حلو المنطق، وكان إذا أنشد بربر وحبس صوته، وإذا واجهك لم تسأم حديثه وكلامه. وكان له إخوة يقولون الشعر، منهم: مسعود وهمام وخرواش، فكانوا يقولون القصيدة، فيزيد فيها الأبيات؛ فيغلب عليها، فتذهب له. فأتى يوماً، فقال لي: يا عصمة! إن مية منقرية، وبنو منقر أخبث حي، وأبصره بأثر وأعلمه بطريق، فهل عندك من ناقة نزدار عليها مية؟ فقلت: نعم، عندي الجؤذر. قال: علي بها.

стр. 499

فركبناها جميعاً حتى أشرفنا على بيوت الحي، فإذا هم خلوف وإذا بيت مية خال، فملنا إليه فتقوض النساء نحونا، ونحو بيت مية، فطلعت علينا، فإذا هي جارية أملود، واردة الشعر، وإذا عليها سب أصفر، وقميص أخضر، فقلن: أنشدنا يا ذا الرمة! فقال: أنشدهن يا عصمة! فنظرت إليهن وأنشدتهن: وَقَفتُ عَلى رَسمٍ لمَيّةَ نَاقَتي، ... فما زِلتُ أبكي عندَه وَأُخاطِبُه وَأسقِيهِ حَتى كادَ مِمّا أبُثّهُ ... تُكَلّمُني أحجَارُهُ وَملاعبُه حتى بلغت إلى قوله: بكى وَامقٌ جاءَ الفرَاقُ وَلم يُجِلْ ... جَوَائِلَهَا أسرَارُهُ وَمَعَاتبُه فقالت ظريفة ممن حضر: فليجل الآن! فنظرت إليها حتى أتيت على القصيدة إلى قوله: إذا سَرَحتْ مِنْ حُبّ مَيٍّ سَوَارِحٌ ... عَلى القَلبِ آبَتهُ جَميعاً عَوَازِب فقالت الظريفة منهن: قتلته قتلت. فقالت مي: ما أصحه وهنيئاً له! فتنفس ذو الرمة نفساً كاد من حره يطير شعر وجهه، ومضيت في الشعر حتى أتيت على قوله: وَقد حَلَفتْ باللهِ مَيّةُ مَا الّذي ... أقُولُ لهَا إلاّ الّذي أنَا كَاذِبُه إذاً فَرَمَاني اللهُ مِنْ حَيثُ لا أرَى، ... وَلا زَالَ في دَارِي عَدُوٌّ أُحَارِبُه فقالت الظريفة: قتلته، قتلك الله. فقالت مي: خف عواقب الله يا غيلان!

стр. 500

ثم أتيت على الشعر حتى انتهيت إلى قولي: إذَا رَاجَعتَكَ القَوْلَ مَيّةُ، أوْ بَدَالكَ الوَجهُ منها، أوْ نَضَا الدّرْعَ سالبُه فَيَا لكَ مِنْ خَدٍّ أسِيلٍ وَمَنطِقٍ ... رَخِيمٍ، وَمِنْ خُلقٍ تَعَلّلَ جاذِبُه فقالت تلك الظريفة: ها هذه، وهذا القول؛ قد راجعتك وقد واجهتها، فمن لك أن ينضو الدرع سالبه؟ فالتفتت إليها مية، فقالت: قاتلك الله ما أعظم ما تجيئين به! فتحدثنا ساعة ثم قالت الظريفة: إن لهذين شأناً، فقمن بنا! فقمن وقمت معهن، فجلست بحيث أراهما، فجعلت تقول له: كذبت، فلبث طويلاً ثم أتاني ومعه قارورة فيها دهن، فقال: هذا دهن طيب أتحفتنا به مية، وهذه قلادة للجؤذر، والله لا أخرجتها من يدي أبداً. فكان يختلف إليها، حتى إذا انقضى الربيع، ودعا الناس الصيف أتاني فقال: يا عصمة! قد رحلت مي، فلم يبق إلا الآثار، فاذهب بنا ننظر إلى آثارهم، فخرجنا حتى انتهينا، فوقف وقال: ألا يا اسلمي يا دَارَ ميّ عَلى البِلى، ... وَلا زَالَ مُنهَلاًّ بِجَرْعَائِكِ القطرُ فَإنْ لمْ تَكُوني غَيرَ شَامٍ بقَفرَةٍ، ... تَجُرّ بهَا الأذْيَالَ صَيْفِيّةٌ كُدرُ فقلت له: ما بالك؟ فقال لي: يا عصمة! إني لجلد، وإن كان مني ما ترى. وكان آخر العهد به. أجمل الحائيات الغزلية والخبر على لفظ أبي عبد الله قال: وحدثت عن ابن أبي عدي قال: سمعت ذا الرمة يقول: بلغت نصف عمر الهرم أربعين سنة، وقال ذو الرمة: على حينَ رَاهَقتُ الثّلاثينَ، وَارْعَوَتْ ... لِداتي، وكادَ الحِلمُ بالجَهلِ يَرْجَحُ

стр. 501

ذا خَطَرَتْ من ذِكرِ مَيّةَ خَطرَةٌ ... على القَلبِ كادَت في فؤادِكَ تَجرَحُ تَصَرَّفُ أهوَاءُ القُلُوبِ، وَلا أرَى ... نَصِيبَكِ مِنْ قَلبي لِغَيرِكِ يُمنَحُ فبعض الهَوَى بالهجرِ يُمحى، فينمحي، ... وَحبّكِ عندي يَستَجِدّ وَيَرْبَحُ وَلَمّا شَكَوْتُ الحُبّ كَيما تُثيبَني ... بوَجديَ، قالَت: إنّمَا أنتَ تَمزَحُ بعَاداً وَإدْلالاً عليّ، وَقَدْ رَأتْ ... ضَميرَ الهَوَى بالجسْمِ كَادَ يُبَرِّحُ لَئِنْ كانتِ الدّنيَا عليّ كَمَا أرَى ... تَبَارِيحَ مِن ذِكرَاكِ، فالمَوْتُ أرْوَحُ قال القاضي المعافى: وهذه من قصائد ذي الرمة الطوال المشهورة المستحسنة، وأولها: أمَنزِلَتَيْ مَيٍّ سَلامٌ عَلَيكُمَا، ... عَلى النأي، وَالنّائي يَودّ وَيَنصَحُ ومنها: ذكَرْتُكِ أنْ مَرّتْ بشنَا أُمُّ شَادِنٍ ... أمَامَ المَطَايَا تَشرَئِبّ وَتَسنَحُ مِنَ المُؤلِفاتِ الرّملِ أدْمَاءُ حُرّةٌ، ... شُعَاعُ الضّحَى في مَتنِها يَتَوَضّحُ رَأتنَا كَأنّا عَامِدُونَ لِصَيدِهَا، ... ضُحىً، فَهيَ تَنبُو تَارَةً وَتَزَحزَحُ هيَ الشبهُ أعطَافاً وَجِيداً وَمُقلَةً، ... وَمَيّةُ أبْهَى بَعدُ مِنهَا وَأملَحُ فهذه من أحسن الحائيات على هذا الروي، ونظيرها كلمة ابن مقيل التي أولها: هلِ القَلبُ من دُهماءَ سالٍ فمُسمِحُ، ... وَزَاجِرَة عَنهَا الخَيَالُ المُبَرّحُ وقول جرير: صحَا القَلبُ عن سَلمى، وقَد برّحت به، ... وَما كانَ يلقَى من تُمَاضِرَ أبرَحُ

стр. 502

ومثله: لَقَد كانَ لي في ضَرّتينِ عدمتَني، ... وَمَا كُنتُ ألقَى مِنْ رَزِينَةَ أبرَحُ وذكر في خبر ذي الرمة بهذا الإسناد، إخوة ذي الرمة، فقيل منهم: مسعود وهمام وخرواش، فأما مسعود فمن مشهوري إخوته، وإياه عنى ذو الرمة بقوله: أقُولُ لمَسعودٍ بجَرْعَاءِ مَالِكٍ ... وَقَد همّ دَمعي أنْ يَسُحَّ أوَائلُه ومنهم هشام، وهو الذي استشهد سيبويه في الإضمار في ليس بقوله، فقال: قال هشام بن عقبة أخو ذي الرمة: هيَ الشّفَاءُ لِدائي لَوْ ظَفِرْتُ بهَا، ... وَلَيسَ مِنهَا شِفَاءُ الدّاءِ مَبذُولُ ومنهم أوفى، وهو الذي عناه بعض إخوته في شعر رثى فيه ذا الرمة أخاهما: تَعَزِيتُ عَن أوْفَى بغَيلانَ بعدَهُ، ... عَزَاءً، وَجفنُ العَينِ ملآنُ مُترَعُ وَلم يُنسِني أوْفَى المَصَائبَ بعدَهُ، ... وَلكنّ نَكْءَ القَرْحِ بالقرْحِ أوْجعُ وذكره ذو الرمة فقال: أقُولُ لأوْفى حينَ أبصرَ باللِّوَى ... صَحيفَةَ وَجهي قد تَغَيَّرَ حَالُهَا شعاف القلب وشغافه أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي، أخبرنا أبو عبيد محمد بن عمران المرزباني: أنشدنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي لجرير بن الخطفى: سمعتُ الحمامَ الوُرْقَ في رَوْنَقِ الضّحى ... على الأيكِ في وَادي المَراضَينِ يَهتِفُ أتَزْعُمُ أنّ البَينَ لا يَشعَفُ الفَتى، ... بَلى مثلَ بَيني يوْمَ لبنانَ يَشعَفُ

стр. 503

فَطالَ حِذارِي غُرْبَةَ البَينِ وَالنّوَى ... وَأُحدُوثَةً مِنْ كَاشِحٍ يَتَقَوّفُ قال أبو عبيد الله قوله: يشعف يقال: شعفه أي بلغ منه رأس قلبه، وشعاف كل شيء أعلاه، وأما قوله، : قد شغفها حباً؛ فإن الشغاف دم القلب، أي بلغ الحب إلى ذلك المكان. قال النابغة الذبياني: وَقد حالَ هَمٌّ دُونَ ذلكَ داخلٌ ... مَكانَ الشّغافِ تَبتَغيهِ الأصَابعُ وقوله يتقوف: أي يتتبع، وهو القائف، ونمه قول: إنا نقوف الآثار. دعاء الحبيب على حبيبه حدثنا أحمد بن علي بن ثابت من لفظه بدمشق، أخبرني أحمد بن أبي جعفر القطيعي، حدثني إسحق بن إبراهيم بن أحمد الطبري، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد، حدثنا أبو غالب ابن بنت معاوية بن عمرو، حدثني جدي معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله: سألت الله، ، أن لا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه. المهدي وأنسب بيت أخبرنا التنوخي، أخبرني أبو الفرج المعروف بالأصفهاني، أخبرني الجرمي ابن أبي العلاء، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني خلف بن وضاح أن عبد الأعلى بن عبد الله بن صفوان الجمحي قال: حملت ديناً بعسكر المهدي، فركب المهدي يوماً بين أبي عبيد الله وعمر بن بزيع، وأنا وراءه، في موكبه على برذون قطوف، فقال: ما أنسب بيت قالته العرب؟ قال أبو عبيد الله: قول امرئ القيس: وَمَا ذَرَفتْ عَيْنَاكِ إلاّ لتَضرِبي ... بسَهمَيكِ في أعشَارِ قَلبٍ مُقَتَّلِ

стр. 504

قال: هذا أعرابي قح. فقال عمر بن بزيع: قول كثير يا أمير المؤمنين: أرِيدُ لأنسَى ذِكْرَهَا، فكأنّما ... تَمَثَّلُ لي بلَيلى بكلّ سَبيلِ فقال: ما هذا بشيء، وما له يريد أن ينسى ذكرها، حتى تمثل له؟ فقلت: عندي حاجتك يا أمير المؤمنين! قال: الحق بي. قلت: لا لحاق لي، ليس ذلك في دابتي، قال: احملوه على دابة. قلت: هذا أول الفتح، فحملت على دابة، فلحقته، فقال: ما عندك؟ قلت: قول الأحوص: إذا قُلتُ إني مُشتَفٍ بِلِقائِها، ... فحَمّ التّلاقي بَيننَا زَادَني سُقمَا فقال: أحسنت! حاجتك؟ قلت: علي دين. فقال: اقضوا دينه، فقضي دينه. أم البنين ووضاح اليمن أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري بقراءتي عليه، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثني أبي، محمد أبو أحمد الختلي، حدثنا أبو حفص يعني النسائي، حدثنا محمد بن حيان بن صدقة عن محمد بن أبي السري عن هشام بن محمد بن السائب قال: كانت عند يزيد بن عبد الملك بن مروان أم البنين بنت فلان، وكان لها من قلبه موضع، فقدم عليه من ناحية مصر بجوهر له قدر وقيمة، فدعا خصياً له، فقال: اذهب بهذا إلى أم البنين وقل لها: أتيت به الساعة، فلبعثت به إليك. فأتاها الخادم، فوجد عندها وضاح اليمن، وكان من أجمل العرب، وأحسنه وجهاً، فعشقته أم البنين، فأدخلته عليها، فكان يكون عندها، فإذا أحست بدخول يزيد بن عبد الملك عليها أدخلته في صندوق من صناديقها، فلما رأت الغلام قد أقبل أدخلته الصندوق، فرآه الغلام، ورأى الصندوق الذي دخل فيه، فوضع الجوهر بين يديها، وأبلغها رسالة يزيد، ثم قال: يا سيدتي هبي لي

стр. 505

منه لؤلؤةً! قالت: لا ولا كرامة، فغضب وجاء إلى مولاه، فقال: يا أمير المؤمنين إني دخلت عليها وعندها رجل، فلما رأتني أدخلته صندوقاً، وهو في الصندوق الذي من صفته كذا وكذا، وهو الثالث أو الرابع، فقال له يزيد: كذبت، يا عدو الله! جئوا عنقه، فوجئ في عنقه، ونحّوه عنه. قال: فأمهل قليلاً، ثم قام، فلبس نعله، ودخل على أم البنين، وهي تمتشط في خزانتها، فجاء حتى جلس على الصندوق الذي وصف له الخادم فقال لها: يا أم البنين! ما أحب إليك هذا البيت؟ قالت: يا أمير المؤمنين ادخله لحاجتي وفيه خزانتي فما أردت من شيء أخذته من قرب. قال: فما في هذه الصناديق التي أراها؟ قالت: حليي، وأثاثي. قال: فهبي لي منها صندوقاً. قالت: كلها لك يا أمير المؤمنين لك. قال: لا أريد إلا واحداً، ولك علي أن أعطيك زنته وزنة ما فيه ذهباً. قالت: فخذ ما شئت. قال: هذا الذي تحتي. قالت: يا أمير المؤمنين عد عن هذا، وخذ غيره، فإن لي فيه شيئاً يقع بمحبتي. قال: ما أريد غيره. قالت: هو لك. قال: فأخذه ودعا الفراشين فحملوا الصندوق، فمضى به إلى مجلسه، فجلس، ولم يفتحه، ولم ينظر ما فيه، فلما جنه الليل دعا غلاماً له أعجمياً فقال له: استأجر أجراء غرباء ليسو من أهل المصر. قال: فجاءه بهم وأمرهم، فحفروا له حفيرة في مجلسه، حتى بلغوا الماء، ثم قال: قدموا لي الصندوق. فألقي في الحفيرة. فألقي في الحفيرة، ثم وضع فمه على شفيره، فقال: يا هذا! قد بلغنا عنك خبر، فإن يك حقاً، فقد قطعنا أثره، وإن يك باطلاً، فإنما دفنا خشباً. ثم أهالوا عليه التراب حتى استوى، قال: فلم ير وضاح اليمن حتى الساعة. قال: فلا، والله، ما بان لها في وجهه ولا في خلائقه شيء حتى فرق الموت بينهما.

стр. 506

وجه كالسيف الصقيل أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل بمصر قراءة عليه، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن موسى القطان، حدثنا أبي، حدثنا العتبي، حدثنا أبو الغصن الأعرابي قال: خرجت حاجاً، فلما مررت بقباء تداعى أهلها وقالوا: الصقيل الصقيل، فنظرت فإذا جارية كأن وجهها سيف صقيل، فلما رميناها بالحدق ألقت البرقع عن وجهها وتبسمت، فوالله ما رأيت شيئاً قط أحسن منها، ثم أنشأت تقول: وكنتَ مَتى أرْسَلتَ طَرْفَكَ رَائداً ... لقَلبِكَ يَوْماً أتعَبَتكَ المَنَاظِرُ رَأيتَ الذي لا كلَّهُ أنتَ قَادرٌ ... عَلَيهِ ولا عن بعضِهِ أنتَ صَابرُ دل المطاع على المطيع أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي، قرأت على أبي عمر بن حيويه: أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة لنفسه: تَوَاصُلُنا عَلى الأيّامِ بَاقٍ، ... وَلَكِنْ هَجرُنَا مَطَرُ الرّبيعِ يَرُوعُكَ صَوْبَهُ، لَكِنْ تَرَاهُ ... عَلى عِلاّتِهِ دَاني النّزُوعِ كذا العُشّاقُ هجرُهمُ دَلالٌ، ... وَيَرْجعُ وَصْلُهم حسنَ الرّجوعِ مَعاذَ اللهِ أنْ نُلفَى غِضَاباً، ... سِوَى دَلِّ المطاعِ على المُطيعِ

стр. 507

شعر لمحمد بن أبي أمية وأخبرنا ابن حيويه، أنبأنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري أنشدنا إبراهيم بن عبد الله الوراق لمحمد بن أبي أمية: مَلِّ الوِصَالَ، فَعاذَ بالهَجرِ، ... وَتَكَلّمَتْ عَينَاهُ بالغَدْرِ وَظَلَتُ مَحزُوناً أُفَكّرُ في ... إعرَاضِهِ عَني، وَفي صَبرِي مَا نِلتُ مِنهُ مَوَدّتِهِ، ... يَوْماً أُسَرّ بِهِ مَعَ الدّهرِ في كُلّ مَوْضِعِ لَذّةٍ حُزُنٌ ... يَعتَالُهُ مِنْ حَيثُ لا أدرِي وفتيان صدق وأخبرنا التنوخي، أخبرنا ابن حيويه، أنبأنا عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر أنشدنا البحتري: كَأنّ رَقيباً مِنكَ يَرْعَى خَوَاطِرِي، ... وَآخَرَ يَرْعَى نَاظِرِي وَلِسَاني فَما أبصَرَتْ عَينايَ بَعدَكَ مَنظَراً ... يَسُوءُكَ إلاّ قُلتُ قَدْ رَمَقَانِي وَلا بَدَرَتْ مِنْ فيّ بَعدَكَ مَزْحَةٌ ... لِغَيرِكَ إلاّ قُلتُ قَدْ سَمِعَانِي إذَا ما تَسَلّى العاذِرُونَ عَنِ الهَوَى ... بِشُرْبِ مُدَامٍ أوْ سَمَاعٍ قِيَانِ وَجَدْتُ الّذي يُسلي سِوَايَ يَشُوقُني ... إلى قُرْبِكُمْ حَتى أمَلَّ مَكَاني وَفِتيَانِ صِدقٍ قد سَئِمتُ لقَاءَهُم، ... وَعَفّفتُ طَرْفي عنهُمُ وَلِسَاني وَمَا الدّهرَ، أسلى عَنهُمُ، غيرَ أنّني ... أرَاكَ عَلى كُلّ الجِهاتِ تَرَاني

стр. 508

بنت تخون أباها أخبرنا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الضراب بمصر، حدثنا أبي، رحمه الله تعالى، حدثنا أحمد بن مروان، حدثنا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: قرأت في سير العجم أن أردشير لما استوثق له أمره وأقر له بالطاعة ملوك الطوائف، حاصر ملك السريانية، وكان متحصناً في مدينة يقال لها الحضر، بإزاء مسكن من برية الثرثار، وهي برية سنجار، والعرب تسمي ذلك الملك الشاطرون، فحاصره فلم يقدر على فتحها، حتى رقت بنت الملك على الحصن يوماً، فرأت أردشير، فهويته، فنزلت وأخذت نشابة، وكتبت عليها: إن أنت ضمنت لي أن تتزوجني، دللتك على موضع تفتح به المدينة بأيسر الحيلة وأخف المؤونة، ثم رمت بالنشابة نحو أردشير، فقرأها، وأخذ نشابةً، فكتب إليها: لك الوفاء بما سألتني، ثم ألقاها إليها، فدلته على الموضع، فأرسل إليها، فافتتحها، فدخل، وأهل المدينة غارّون لا يشعرون، فقتل الملك، وأكثر القتل فيها، وتزوجها. فبينما هي، ذات ليلة، على فراشه أنكرت مكانها، حتى سهرت أكثر ليلها، فقال لها: ما لك؟ قالت: أنكرت فراشي، فنظروا تحت الفراش، فإذا تحت المجلس طاقة آس قد ثرت في جلدها، فتعجب من رقة بشرتها، فقال لها: ما كان أبوك يغذوك؟ قالت: كان أكثر غذائي عنده الشهد والمخ والزبد. فقال لها: ما أحد بالغ في الحباء والكرامة مبلغ أبيك، وإذا كان جزاءه عندك على جهد إحسانه مع لطف قرابته، وعظم حقه، إساءتك إليه، فما أنا بآمن مثل ذلك منك، ثم أمر بأن تعقد قرونها بذنب فرس شديد الجري، جموح، ثم يجرى. ففعل ذلك بها حتى سقطت عضواً عضواً، وهو الذي يقول فيه أبو داود الإيادي: وأَرَى المَوْتَ قَدْ تَدَلّى مِنَ الحِص ... نِ عَلى رَبّ أهلِهِ الشّاطرُونِ

стр. 509

العاشق المظلوم أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر محمد بن بكر البسطامي، حدثنا ابن دريد، حدثنا أحمد بن عيسى العكلي عن ابن أبي خالد عن الهيثم بن عدي قال: كان لعمرو بن دويرة السحمي أخ قد كلف بابنة عم له كلفاً شديداً، وكان أبوها يكره ذلك ويأباه، فشكا إلى خالد بن عبد الله القسري، وهو أمير العراق، أنه يسيء جواره، فحبسه، فسئل خالد في أمر الفتى، فأطلقه، فلبث الفتى مدةً كافاً عن ابنة عمه، ثم زاد ما في قلبه وغلب عليه الحب، فحمل نفسه على أن تسور الجدار إليها، وحصل معها الفتى، فأحس به أبوها، فقبض عليه، وأتى به خالد بن عبد الله القسري وادعى عليه السرق، وأتاه بجماعة يشهدون أنهم وجدوه في منزله ليلاً، وقد دخل دخول السراق، فسأل خالد الفتى، فاعترف بأنه دخل ليسرق، ليدفع بذلك الفضيحة عن ابنة عمه، مه أنه لم يسرق شيئاً، فأراد خالد أن يقطعه، فرفع عمرو أخوه إلى خالد رقعةً فيها: أخالِدُ! قد وَاللهِ أُوطِئتَ عَشوَةً، ... وَمَا العَاشِقُ المَظلُومُ فِينا بسارِقِ أقَرّ بِمَا لمْ يَأتِهِ المَرْءُ، إنّهُ ... رَأى القَطعَ خيراً من فَضيحَةِ عاتِقِ وَلَوْلا الّذِي قد خفتُ من قَطعِ كفّهِ ... لأُلفِيتُ في أمرٍ لَهُم غيرَ نَاطِقِ إذا مُدّتِ الغَايَاتُ في السَّبقِ للعُلى، ... فأنتَ ابنَ عَبدِ اللهِ أوّلُ سَابِقِ وأرسل خالد مولىً له يسأل عن الخبر، ويتجسس عن جلية الأمر، فأتاه بتصحيح ما قال عمرو في شعره، فأحضر الجارية وأخذ بتزويجها من الفتى، فامتنع أبوها وقال: ليس هو بكفؤٍ لها. قال: بلى! والله إنه لكفؤٌ لها إذ بذل

стр. 510

يده عنها، ولئن لم تزوجها لأزوجنه إياها وأنت كاره. فزوجه، وساق خالد المهر عنه، من ماله، فكان يسمى العاشق إلى أن مات. يطلق زوجتيه أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، حدثنا أبو سعيد الحسن بن جعفر بن الوضاح السمسار، حدثنا أبو بكر محمد بن يحيى المروزي، حدثنا عاصم، حدثنا المسعودي عن الحسن بن سعد عن أبيه قال: كان تحت الحسن بن علي، ﵉، امرأتان تميمية وجعفية، فطلقهما جميعاً، فبعثني إليهما، وقال: أخبرهما فلتعتدا، وأخبرني بما تقولان، ومتع كل واحد بعشرة آلاف وكذا وكذا من العسل والسمن. فأتيت الجعفية، فقلت: اعتدي، فتنفست الصعداء ثم قالت: متاع قليل من حبيب مفرق؛ وأما التميمية، فلم تدر ما معنى اعتدّي حتى قالت لها النساء، وأخبره بقول الجعفية، فنكت في الأرض ثم قال: لو كنت مراجعاً امرأة لراجعتها. أموت وأحيا أخبرنا علي بن المحسن، أنشدنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن الأخباري، أنشدنا ابن دريد أنشدنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه لامرأة بدوية: فَلَوْ أنّ مَا ألقَى وَما بي من الهَوَى ... بأوعر رُكْناهُ صفاً وَحَديدُ تَفَطّرَ مِنْ وَجْدٍ وَذّابَ حَدِيدُهُ، ... وَأمسَى تَرَاهُ العَينُ، وَهوَ عَميدُ ثَلاثونَ يَوْماً، كُلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... أمُوتُ وَأحيَا، إنّ ذَا لَشَديدُ مَسَافَةَ أرْضِ الشّامِ وَيحَكَ قَرّبِي ... إليّ ابنَ جَوّابٍ وَذَاكَ يَزِيدُ فَلَيتَ ابنَ جَوّابٍ مِنَ النّاسِ حظُّنا، ... وكانَ لَنا في النّارِ بعدُ خُلُودُ

стр. 511

جميل والبنات العذريات أخبرنا أبو علي بن الحسين الجازري بقراءتي عليه، حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري، حدثنا محمد بن داود بن سليمان النيسابوري، حدثنا علي بن الصباح، حدثني أبو المنذر، حدثني شيخ من أهل وادي القرى قال: لما استعدى آل بثينة مروان بن الحكم على جميل وطلبه ربعي بن دجاجة العبدي، صاحب تيماء، هرب إلى أقاصي بلادهم، فأتى رجلاً من بني عذرة شريفاً، وله بنات سبع كأنهن البدور جمالاً، وقال: يا بناتي تحلين بجيد حليكن، والبسن جيد ثيابكن ثم تعرضن لجميل فإني أنفس على مثل هذا من قومي. وكان جميل، إذا رآهن، أعرض بوجهه فلا ينظر إليهن، ففعلن ذلك مراراً، فلما علم ما أريد بهن، أنشأ يقول: حَلَفتُ لِكَي تَعلَمنَ أني صاَدِقٌ ... وَلَلصّدقُ خيرٌ في الأمورِ وَأنجَحُ لَتكليمُ يومٍ مِنْ بُثَيْنَةَ وَاحِدٍ، ... وَرُؤيَتُهَا عِندِي ألَذُّ وَأصْلَحُ مِنَ الدّهرِ، لَوْ أخلو بكنّ، وَإنّما ... أُعَالِجُ قَلباً طَامحاً حين يَطمَحُ قال: فقال بهن أبوهن: ارجعن، فوالله لا يفلح هذا أبداً. المحبوس وابنة الوالي أخبرنا عبد الواحد بن الحسين المقري إن لم يكن سماعاً فإجازة، حدثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، حدثنا أبو علي الكوكبي، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا محمد بن زيد العتبي، أخبرني جدي الحسن بن زيد قال: ولينا وال بديار مصر، فوجد على بعض عماله، فحبسه وقيده، فأشرفت عليه ابنة الوالي، فهويته، فكتبت إليه: أيّهَا الزّاني بِعَيْنَيْ ... هِ، وَفي الطَّرْفِ الحُتُوفُ

стр. 512

إنْ تُرِدْ وَصْلاً، فقَدْ ... أمكَنَكَ الظّبيُ الأُلُوفُ فأجابها الفتى: إنْ تَرَيْني زَانيَ العَيْنَيْ ... نِ، فَالفَرْجُ عَفيفُ لَيْسَ إلاّ النّظَرُ الفَا ... تِرُ، وَالشّعْرُ الظّرِيفُ فكتبت إليه: قَدْ أَرَدْناكَ بِأنْ تَع ... شَقَ إنْسَاناً ألُوفَا فَتَأبّيْتَ، فَلا زِلْ ... تَ لِقَيْدَيْكَ حَلِيفا فأجابها الفتى: مَا تَأبّيْتُ لأنّي ... كُنتُ للظّبيِ عَيُوفَا غَيرَ أنّي خِفْتُ رَبّاً، ... كَانَ بي بَرّاً لَطِيفا فذاع الشعر، وبلغ الخبر الوالي، فدعا به فزوجه إياها، ودفعها إليه. الدموع ألسنة القلوب أخبرنا أبو الغنائم محمد بن علي بن علي الدجاجي إجازة، حدثنا إسماعيل بن سويد، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا أحمد بن زهير، أخبرنا محمد بن سلام قال: قلت لصديق لي: إن كنت تحسن إنشاد الغزل فأنشدني أبياتاً تشوي القلب رقةً اكتب بها إلى رجل مستهتر بجارية له، فأنشأ يقول: وَقَائِلَةٍ، وَدَمعُ العَينِ يجرِي ... على الخدّينِ كالمَاءِ السَّكُوبِ قَميصُكَ وَالدّمُوعُ تَجول فيه، ... وَقلبُكَ لَيسَ بالقلبِ الكَئيبِ نظيرُ قميص يوسُفَ حينَ جاؤوا ... عَلى لَبّاتِهِ بِدَمٍ كَذُوبِ

стр. 513

دُموعُ العَاشقِينَ، إذا تَوَالَتْ، ... بِظَهرِ الغَيبِ ألْسِنَةُ القُلوبِ فخشيت أن أكتب بها إلى صديقي، فتوافق منه بعض ما أعرف، فيموت عشقاً قلبه. الطيف المحتشم ولي من أثناء قطعة: ما بالُ طَيفكِ، زارَ مُحتَشِما، ... لَوْ لَمْ يَزُرْ مَا كَانَ مُتّهَما وَافَى، وَقد نَامَ السّميرُ، وَمَا ... شَعَرَ الرّقيبُ بِهِ، وَلا عَلِمَا وَاللّيلُ قَدْ مُدّتْ سَتَائِرُهُ، ... وَالصّبحُ لَمْ يَنشُرْ لَهُ عَلَمَا فَوَدِدتُ أنّ اللّيلَ طَالَ، وَأَ ... نّ الصّبحَ لمْ يَفترَّ مُبتَسِمَا يا طَيفَ علوَةَ قد وَصَلتَ عَلى ... رُغمِ الوُشاةِ من الهَوَى رَحِمَا ما زِلتُ أخضَعُ، يَوْمَ فُرْقَتِهِ، ... وَالبَينُ قَد مَزَجَ الدّمُوعَ دَمَا حتى رَثَى لي بَعدَ قَسوَتِهِ، وَأبَاحَني فمَهُ، وكانَ حمَى فَلَثمتُ مِنهُ، عَلى تَمَنّعِهِ ... مِنْ لاثِمِيهِ، مَبسِماً شَبِمَا وَنَظرْتُ في مِرآةِ وَاعِظَةِ عاذِلَتي ... في الصّالحَاتِ مُقَدِّماً خِدَمَا

стр. 514

شعر يزيد بن الطثرية أنبأنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال، ﵀، أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت، حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري أنشدني أبي ليزيد بن الطثرية، والطثر عند العرب: الخصب وكثرة اللبن: ما وَجْدُ عَلْوِيِّ الهَوَى حَنّ وَاجتَوَىبِوَادِي الشَّرَا وَالغَوْرِ ماءً وَمَرْتَعَا تَشّوَقَ لمّا عَضّهُ القَيدُ وَاجتَوَى ... مَرَاتِعَهُ من بَينِ قُفٍّ وَأجْرَعَا وَرَامَ بِعَينَيهِ جِبِالاً مُنيفَةً، ... وَمَا لا يَرَى فِيهِ أخو القَيدِ مَطمَعَا إذا رَامَ مِنهَا مَطلَعاً رَدّ شَأوَهُ ... أمينُ القُوَى، عَضّ اليَدينِ فأوْجَعَا بِأكْبَرَ مِنْ وَجْدٍ برَيّا، وَجَدتُهُ، ... غَداةَ دَعَا دَاعي الفِرَاقِ فَأسمَعَا خَليليَ قِفْ، لا بُدّ مِنْ رَجعِ نَظرَةٍ ... مُصَعَّدَةٍ، شتّى بها القَوْمُ أوْ مَعَا مغتَصَبٍ قَد عَزّهُ الشّوْقُ أمرَهُ، ... يُسِرّ، حَياءً، عَبرَةً إنْ تَطَلّعَا تَهيجُ لَهُ الأحزَانُ وَالذّكرُ، كُلّمَا ... تَرَنّمَ، أوْ أوْفَى من الأرضِ مَيَفَعا تَلَفّتُّ للإصغَاءِ، حَتّى وَجَدْتُني ... وَجِعتُ مِنَ الإصغَاءِ لِيتاً وَأخدَعَا قِفا وَدِّعا نَجداً وَمَن حَلّ بالحِمَى، ... وَقَلّ لنَجدٍ عِندَنَا أنْ يُوَدَّعَا

стр. 515

حَنَنتَ إلى رَيّا، وَنَفسُكَ بَاعَدَتْ ... مَزَارَكَ مِنْ رَيّا وَشِعبَاكُمَا مَعَا فَمَا حَسَنٌ أنْ تَأتيَ الأمْرَ طَائِعاً، ... وَتَجزَعَ إن داعي الصّبَابة أسمَعَا وَلَيسَتْ عَشِيّاتُ الحِمَى بِرَوَاجِعٍ ... عَلَيكَ، وَلكِن خَلِّ عَينيكَ تَدمَعَا بكَتْ عَينيَ اليُسرَى، فَلمّا زَجَرْتُها ... عَنِ الجَهلِ بَعدَ الحِلمِ أسبَلتَا مَعَا وَأذكُرُ أيّامَ الحِمَى ثُمّ أنثَني ... عَلى كَبدِي من خَشيَةٍ أن تَصَدّعَا أنفاس تذيب الحديد وبإسناده حدثنا أبو بقكر بن الأنباري، حدثني أبي أنشدنا أبو علي بن الضبي: فَلَوْ أنّ ما بي بالحَصَا فَلَقَ الحَصَا، ... وَبالرّيحِ لم يُوجَدْ لَهُنّ هُبُوبُ وَلَوْ أنّني أستَغفِرُ اللهَ كُلّمَا ... ذكَرْتُكِ لمْ تُكتَبْ عليّ ذنُوبُ وَلَوْ أنّ أنفَاسِي أصَابَتْ بحَرّهَا ... حَديداً، إذاً ظَلّ الحَديدُ يَذُوبُ زعم الدموع وبإسناده أخبرنا ابن الأنباري أنشدنا عبد الله بن لقيط: ظَهَرَ الهَوَى مِنّي، وكُنتُ أُسِرّهُ، ... وَالحُبّ يَكتُمُهُ المُحِبّ، فَيظهَرُ زَعَمتْ دُمُوعي أنّها لا تَنقَضِي ... حَتى تَبُوحَ بمَا أُسِرُّ وَأُضْمِرُ

стр. 516

حديث يشفي الملسوع أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال فيما أذن لنا في روايته، أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت، حدثنا محمد بن القاسم أنشدني محمد بن المرزبان لابن الأعرابي المكي: مَنْ لقَلبٍ يَجُولُ بَينَ التّرَاقي، ... مُستَهامٍ يَتُوقُ كُلَّ مَتَاقِ حذراً أنْ تَبينَ دَارُ سُلَيمَى، ... أوْ يَصيحَ الصّدَى لهَا بِفِرَاقِ أُمَّ سَلاّمَ! مَا ذَكّرْتُكِ إلاّ ... شَرِقَتْ بِالدّمُوعِ مِنّي المَآقي كَيفَ يَنسَى المُحِبّ ذِكرَ حَبيبٍ، ... طَيّبِ الخِيمِ، طَاهِرِ الأخْلاقِ حَسَنِ الصّوْتِ بالغِناءِ على المِزْ ... هَرِ، يُسلس الغَرِيبَ ذَا الأشوَاقِ وَحَديثٍ يَشفي السّقيمَ من السّقْ ... مِ، دَوَاءِ السّلِيمِ كَالدِّرْيَاقِ حَبّذا أنتِ من جَليسٍ إلَيْنَا، ... أُمَّ سَلاّمَ، لَوْ يَدُومُ التّلاقي الشافعي وامرأته أخبرنا أبو الحسين علي بن عبد الوهاب السكري قراءة عليه، رحمه الله تعالى، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا أبو طالب أحمد بن الحسين بن علي، حدثني أحمد بن أصرم المزني من ولد عبيد الله بن مغفل، حدثني محمد بن عبد الله الفارسي قال: قال الشافعي: كانت لي امرأةٌ، وكنت أحبها، فكنت إذا دخلت عليها أنشأت أقول: أوَ لَيسَ بَرْحاً أنْ تُحِ ... بّ وَلا يُحبّكَ مَن تُحبُّهْ؟

стр. 517

قال فترد هي علي: فيَصُدّ عَنكَ بوَجهِهِ، ... وَتَلَجّ أنتَ، فَلا تُغِبّهْ هلال مكلل بشموس حدثنا الخطيب، أخبرنا الرزاز، أخبرنا أبو الفرج الأصفهاني، حدثني عمي، حدثني أحمد بن المرزبان قال: كان عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قد هوي جاريةً نصرانية، رآها في دير مار جرجس في بعض أعياد النصاري، فكان لا يفارق البيع شغفاً بها، فخرج في عيد مار جرجس إلى بيعة تعرف بدير مار جرجس، فوجدها في بستان إلى جانب البيعة، وقد كان قبل ذلك يراسلها ويعلمها محبته لها، فلا تقدر على مواصلته، ولا لقائه، إلا على ظهر الطريق، فلما ظفر بها التوت عليه، وأبت بعض الإباء، ثم ظهرت له، وجلست معه مع نسوة كانت تأنس بهن، فأكلوا وشربوا، وأقام معها أسبوعاً، ثم انصرف في يوم خميس وقال في ذلك: رُبّ صَهبَاءَ من شَرَابِ المَجُوسِ ... قَهوَةٍ بَابِلِيّةٍ خَندَرِيسِ قَدْ تَجَلّيتُها بنَايٍ وَعُودٍ، ... قَبلَ ضَرْبِ الشمّاسِ بالنّاقُوسِ وَغَزَالٍ مُكَحَّلٍ ذِي دَلالٍ، ... سَاحِرِ الطّرْفِ سَامرِيٍّ عَرُوسِ قَدْ خَلَوْنَا بِطيبِهِ نَجتَنيهِ، ... يَوْمَ سَبتٍ إلى صَبَاحِ الخَميسِ بَينَ وَرْدٍ وَبينَ آسٍ جَنيٍّ، ... وَسطَ بُستَانِ دَيرِ مارِ جرْجيسِ

стр. 518

تَتَثَنّى في حُسنِ جِيدٍ غَزَالٍ، ... في صَلِيبٍ مُفضّضٍٍ آبَنُوسِ كم لَثَمتُ الصّليبَ في الجيدِ منها ... كَهِلالٍ مُكَلّلٍ بِشُمُوسِ كما أكون يكون أنبأنا القاضي الشريف أبو الحسين بن المهتدي، رحمه الله تعالى، حدثنا طالب بن عثمان الأزدي، حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: الحجون موضع بمكة أنشدني أبي فيه: هَيّجَتني إلى الحُجُونِ شُجُونُ، ... لَيتَهُ قَد بَدَا لعَينيّ الحُجُونُ حَلّ في القَلبِ سَاكِنُوهُ مَحَلاًّ ... مِن فُؤادي يَحِلُّ فيهِ المَكينُ كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَوَاءٌ، وَدَاءُ الحُ ... بّ، يا صَاحبيّ، دَاءٌ دَفينُ لَيتَ شِعرِي عمّن أُحِبُّ أيُمسِي ... عِندَ ذِكرِي كمَا أكونُ يكُونُ؟ ؟ قمر نام في قمر أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي محمد القرشي قال: كان بعض الظرفاء يتعشق جاريةً لبعض المغنيات، فدعاها يوماً، فأقامت عنده، وأتى الليل، فشغل ببعض أموره، فصعدت الجارية، فنامت فوق سطح له في القمر، فلما فرغ من أمره صعد، فرآها نائمة، فاستحسن وجهها، فجعل مرةً ينظر إليها، ومرةً ينظر إلى القمر، وأنشأ يقول: قَمَرٌ نَامَ في قَمَرْ ... مِنْ نُعاسٍ وَمن سَكَرْ لَيسَ يَدرِي مُحِبّهُ، ... وَهوَ ذُو فِطنَةٍ، خَبرْ أبِهَذَا انجلَى الدّجَى، ... أمْ بِذَا أشرَقَ القَمَرْ

стр. 519

المعصفر بالدم أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الجوهري، حدثنا أبو عمر بن حيويه، أنبأنا الصولي أنشدنا ابن المعتز لنفسه: يَا زائِري في مُعَصْفَرٍ بدَمٍ ... جَاهَرْتَ في قَتلِكَ المُحبّينَا لا تَلبَسَنْ صِبغَةٌ تَدُلّ عَلى ... قَتلِكَ عُشّاقَكَ المَسَاكِينا يغار منك عليك أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، رحمه الله تعالى: حدثنا أبو منصور علي بن محمد الباخرزي الفقيه بنيسابور لبعضهم: لا تُجَرّدْ عَليّ سَيفاً مِنَ الهَجْ ... رِ، كَفَتني السّيوفُ من نَاظِرَيكَا سُقمُ جسمي أشدّ من سُقمِ عَينَي ... كَ، وَقلبي أرَقّ مِنْ وَجنَتَيكَا يا بَديعاً تكامَلَ الحُسنُ فِيهِ! ... صِلْ مُحِبّاً يَغَارُ مِنكَ عَلَيكَا الجارية الحنون ذكر أبو منصور بائي بن جعفر بن بائي الجيلي قاضي ربع الوراقين ببغداد ولم أسمعه منه، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عمران الجندي، حدثنا جعفر الخالدي، حدثنا ابن مسروق، حدثنا عمر بن شبة، حدثنا سلم بن عمر قال: اعترض ابن أبي دؤاد جاريةً، فأعجبته، فقال: ماذا تَقُولينَ في مَنْ شَفّهُ سَقَمٌ ... مِنْ طُولِ حُبّكِ حتى صَارَ حَيرَانا فأجابته: إذا رَأينَا مُحِبّاً قَد أضَرّ بِهِ ... جُهدُ الصّبَابَةِ أوْلَينَاهُ إحسَانَا

стр. 520

الرشيد والجارية المولعة بخلافه أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أحمد بن علي المروزي الجوهري إملاء من حفظه، أخبرني أبو العباس أحمد النيسابوري: أن هارون الرشيد كتب هذه الأبيات إلى جارية له كان يحبها، وكانت تبغضه: إنّ التي عَذّبَتْ نَفسِي بمَا قَدَرَتْ ... كلّ العَذابِ، فَما أبقَتْ وَلا تَرَكَتْ مازَحتُها فَبَكَتْ، وَاستَعبَرَتْ جَزَعاً ... عَنّي، فَلَمّا رَأتْني باكِياً ضَحِكَتْ فعُدتُ أضْحَكُ مَسرُوراً بضَحكَتها، ... حَتى إذا ما رَأتْني ضَاحِكاً، فَبَكَتْ تَبغي خِلافي كَمَا خَبّتْ برَاكِبِها، ... يَوْماً، قَلُوصٌ، فَلَمّا حَثّها بَرَكَتْ ووجدت له في هذه القطعة بيتاً أول وبيتاً أخيراً، فأما الأول فهو: أَليسَ من عَجَبٍ بَل زَادَني عَجَباً ... مَملوكةٌ مَلَكَتْ من بعد ما مُلِكَتْ وأما البيت الأخير فهو: كَأنّها دُرّةٌ قَد كُنتُ أذخَرُهَا، ... لِيَوْمٍ عُسرٍ، فَلَمّا رُمتُها هَلَكتْ عاشق زوجة أخيه وأخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن مخلد بن حفص العطار، حدثنا إبراهيم بن راشد بن سليمان الآدمي، حدثنا عبد الله بن عثمان الثقفي، حدثنا المفضل بن فضالة مولى عمر بن الخطاب عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال: كان في الجاهلية أخوان من حي يدعون بني كنّه، أحدهما متزوج، والآخر عزب، فقضي أن المتزوج خرج في بعض ما يخرج الناس فيه، وبقي الآخر مع امرأة أخيه، فخرجت، ذات يوم، حاسرةً، فرآها أحسن

стр. 521

الناس وجهاً وثغراً، فلما علمت أن قد رآها، ولولت وصاحت وغطت بمعصمها وجهها. قال القاضي: المعصم موضع السوار، فزاده ذلك فتنة، فحمل الشوق على بدنه، حتى لم يبق إلا رأسه وعيناه تدوران فيه. وقدم الأخ، فقال: يا أخي! ما الذي أرى بك؟ فاعتل عليه، وقال: الشوصة، والشوصة تسميها العرب اللوى وذات الجنب. فقال له ابن عمر: لا تكذبنه، ابعث إلى الحارث بن كلدة، فإنه من أطب العرب، فجيء به، فلمس عروقه فإذا ساكنها ساكن، وضاربها ضارب، فقال: ما بأخيك إلا العشق. فقال: سبحان الله تقول: هذا الرجل ميت؟ فقال: هو كذلك، أعندكم شيء من شراب؟ فجيء به ثم دعا بمسعط، فصب فيه من الشراب، وحل صرةً من صرره فذر فيه، ثم سقاه الثانية، ثم الثالثة، فانتشى يغني: يَهيجُ ما يَهيجُ وَيَذكُرُ ... أيّها القَلبُ الحزِينُ ما يكُنّه ألِمّا بي عَلى الأبْيَات ... تِ مِنْ خَيفٍ أزُرْهُنّه غَزَالاً مَا رَأيتُ اليَوْ ... مَ في دُورِ بَني كُنّه غَزَالٌ أحْوَرُ العَينِ، ... وَفي مَنطِقِهِ غُنّه قال القاضي: البيت الأول من هذه الأبيات مضطرب، وأرى بعض من رواه كسره وأخل ببنائه ونظمه لأنه لم يكن له علم بوزن الشعر وترتيبه. فقال الرجل: هذه دور قومنا، فليت شعري من؟ فقال الحارث: ليس فيه مستمتع غير هذا اليوم، ولكن أغدو عليكم من الغد، ففعل به كفعله بالأمس، فانتشى يغني سكراً، واسم امرأة أخيه ريا، فقال: أيّها الحَيّ فَاسْلَمُوا، ... كَيْ تُحَيَّوا وَتُكرَموا

стр. 522

خَرَجَتْ مُزنةٌ مِنَ ال ... بَحْرِ رَيّا تُحَمْحِمُ لَمْ تَكُنْ كَنّتي ... وَتزْعُمُ أنّي لهَا حَمُو فقال الرجل لمن حضره: أشهدكم أنها طالق ثلاثاً، ليرجع إلى أخي فؤاده، فإن المرأة توجد، والأخ لا يوجد. فجاء الناس يقولون له: هنيئاً لك أبا فلان، فإن فلاناً قد نزل لك عن فلانة. فقال لمن حضر: أشهدكم أنها علي مثل أمي إن تزوجتها. قال عبد الله بن عثمان: قال المفضل: قال ابن سيرين: قال عبيدة السلماني: ما أدري أي الرجلين أكرم الأول أم الآخر. ؟ وقف على العلل أنبأنا أبو الغنائم محمد بن علي بن علي الدجاجي، رحمه الله تعالى، حدثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، أخبرنا أبو علي الحسين بن القاسم بن جعفر، حدثنا أبو بكر أحمد بن زهير بن حرب، حدثنا الزبير بن أبي بكر، حدثني عمر بن أبي المؤملي عن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر البسطامي أنشدني عبد الله المديني أبياتاً في الغزل، وكان مشغوفاً بجارية: إذا تذكّرْتُ أيّاماً لَنَا سَلَفَتْ، ... كادَ التذكّرُ يُدنِيني من الأجلِ فإنْ مُنيتْ بما قَد فاتَ مَرْجِعُه، ... حالَ التّباعُدُ بينَ القلبِ وَالأملِ صَبٌّ لَهُ دَمعَةٌ في العَينِ جارِيةٌ؟ ... وَجِسمُهُ أبَداً وَقْفٌ عَلى العِلَلِ

стр. 523

أخذنا بأطراف الأحاديث وبإسناده حدثنا الحسين بن القاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا خالي إبراهيم بن محمد السهمي قال: كان عبد الرحمن بن خارجة إذا ودع البيت ركب راحلته، ورفع عقيرته، وأنشأ يقول: فَلمّا قَضَينا مِنْ مِنىً كلّ حاجَةٍ ... وَمَسّحَ بالأرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ وَشُدّتْ على حُدبِ المَهارِي رِحالنُا، ... وَلا يَنظُرُ الغادِي الذي هوَ رَائِحُ أخَذْنَا بأطرَافِ الأحَاديثِ بَيننَا، ... وَسَالبتْ بأعنَاقِ المَطيّ الأبَاطِحُ الدموع الشاهدة ولي من أثناء قصيدة: وَمُتَرَّفٍ، كَالمَاءِ رِقّةُ جِسْمِهِ، ... وَالقَلبُ مِنهُ قَسَاوَةٌ كَالجَلْمَدِ حَكّمتُهُ في حُبّهِ، وَمَدَامِعي ... يَشْهَدْنَ لي في حُبّهِ بتَفَرّدِي نَمّ الوُشَاةُ إلَيهِ أنّي زَاهدٌ ... فِيهِ، وَغَرّهُمُ كَبيرُ تَجَلّدِي فَجَعَلتُ أٌقسِمُ بِالنّبيّ وَآلِهِ ... وَالمَسجِدِ الأقصَى وَرَبّ المَسجِدِ إنّي عَلى ما سَنّهُ شَرْعُ الهَوَى، ... في العاشِقِينَ، وسَلْ دُمُوعي تَشْهَدِ فأبى قبُولَ مَعَاذِرِي، أفديهِ مِنْ ... صَرْفِ الحَوَادِثِ، فهوَ أكرَمُ من فُدي

стр. 524

ملاءة العفة ولي أيضاً من أثناء قصيدة: كَمْ غَادَةٍ غَازَلتُهَا، ومَفَارِقي ... سُودٌ، وَما خَطّ المَشيبِ ذُؤابَتي حَوْرَاءَ من وَحشِ الصّرَاةِ، غَرِيرَةٍ ... تَصْبي الحَلِيمَ، دَعَوْتُهَا، فأجَابَتِ بِتْنَا جَميعاً في مُلاءةِ عِفّةٍ، ... وَرَقِيبُنا نَاءٍ، وَإزْرِ صِيانَةِ نَشكُو هَوَانَا، وَالتّصَوّنُ حَاجِزٌ ... مَا بَيْننَا، نَعنُو لَهُ بِالطّاعَةِ حَتى إذا أبْدَى الصّبَاحُ جَبينَهُ، ... وَتَكَلّمَتْ وَرْقَاءُ فَوْقَ أرَاكَةِ نَهَضَتْ مُوَدِّعَةً، وَأوْدَعَتِ الحشا ... مِنّي تَلَهّبَ جَمْرَةٍ لَذّاعَةِ يَا لَيْلَةً مَا كَانَ أقْصَرَها، وَيَا ... لَهْفي عَلَيْها لَيْلَةً لَوْ طَالَتِ المملوك المالك أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي قراءة عليه، في سنة ست وثلاثين وأربع مائة، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني، حدثنا محمد بن يحيى الصولي، حدثنا الحسين بن يحيى الكاتب، أخبرني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال: حلف الرشيد لا يدخل إلى جارية له أياماً، وكان لها مكان من قلبه، فمضت الأيام، ولم تسترضه، فأحضر جعفر بن يحيى، وعرفه الخبر، وأنشده شعراً عمله، وقال: أجزه لي، والشعر: صَدّ عَنّي إذْ رَآني مُفتَتَنْ، ... وَأَطَالَ الصّدَّ لمّا أنْ فَطَنْ

стр. 525

كانَ مَملُوكي، فأضحَى مالكي، ... إنّ هذا مِنْ أعَاجِيبِ الزّمَنْ فقال له جعفر بن يحيى: إن أبا العتاهية محبوس، بلا جرم، وهو أقدر الناس على أن يأتي بشيء مليح، قال: وجه البيتين إليه، وقل له أجزهما بما يشابههما، فلما قرأهما أبو العتاهية كتب تحتهما: ضَعُفَ المِسكينُ عن تِلكَ المِحَنْ ... بهَلاكِ الرّوحِ مِنهُ وَالبَدنْ وَلَقَدْ كُلّفَ شَيئاً عَجَباً ... زَادَ في النَكبةِ وَاستَوْفَى المِحَنْ قِيلَ: فَرّحنَا، وَيَأبى فَرَحٌ ... أنْ يُؤاتِينيَ مِنْ بَيتِ الحَزَنْ فلما قرأ الأبيات استحسنها الرشيد، وأمر بإطلاقه وصلته، وقال: صدق، والله، احضروه، فحضر، فقال: أجز بيتيّ! فقال: الآن طاب القول، وأطاع الفكر، وأنشد: عِزّةُ الحُبّ أرَتْهُ ذِلّتي، ... في هَوَاهُ، وَلهُ وَجهٌ حَسَنْ فَلِهَذا صِرْتُ مَملُوكاً لَهُ، ... وَلِهَذا شَاعَ أمرِي وَعَلَنْ فقال الرشيد: جئت، والله، بما في نفسي، وأطلقه وزاد في صلته. فتوى في الحب حدثنا أحمد بن علي الحافظ بدمشق من لفظه، حدثنا أبو نعيم الحافظ بأصفهان، حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، أخبرني بعض أصحابنا قال: كتب بعض أهل الأدب إلى أبي بكر بن داود الأصبهاني الفقيه: يا ابنَ داودَ، يا فَقيهَ العِرَاقِ! ... أفتِنَا في قَواتِلِ الأحداقِ! هَلْ عَلَيها القِصَاصُ في القَتلِ يوْماً، ... أمْ حَلالٌ لَهَا دَمُ العُشّاقِ؟ فأجابه ابن داود: عِندي جَوَابُ مَسائِلِ العُشّاقِ، ... إسمَعْهُ مِنْ قَلَقِ الحَشَا مُشتَاقِ لمّا سَألتَ عنِ الهَوَى أهلَ الهَوَى، ... أجرَيتَ دَمعاً لَمْ يكُنْ بالرّاقي أخطأتَ في نَفسِ السؤالِ، وَإن تُصِبْ ... تكُ في الهَوَى شَفَقَاً من الأشفاقِ لَوْ أنّ مَعشُوقاً يُعّذِّبُ عَاشِقاً ... كانَ المُعَذَّبُ أنْعَمَ العُشّاقِ

стр. 526

ليلى الحارثية أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عمر بن أحمد المروروذي، حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن أحمد بن صدقة، حدثنا أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا أبو معمر قال: أمل علينا سفيان بن عيينة عن يحيى بن يحيى الغساني قال: سمعت عروة يحدث أن عبد الرحمن بن أبي بكر خرج في نفر من قريش إلى الشام يمتارون، فمروا بامرأة يقال لها ليلى، فراعه جمالها، وقد وقع منها في نفسه شيء، فرجع وهو يشبب ويقول: تذكّرْتُ لَيلى، وَالسَّمَاوَةُ بَينَنَا، ... وَما لابنَةِ الجُوديّ لَيلى، وَمَا لِيَا زاده مصعب بيتين ليس من حديث ابن عيينة: وَأنّى تَعَاطَى ذِكرَهُ حارِثِيّةٌ، ... تُقيمُ ببصرَى أوْ تَحِلّ الجَوابِيَا وَأنّى تَلاقِيها؟ بَلى، وَلَعَلّها ... إنِ الناسُ حَجّوا قابلاً أن تُوَافِيَا ثم رجع إلى حديث سفيان قال: فلما كان زمن عمر بن الخطاب افتتح خالد بن الوليد الشام، فصارت إليه.

стр. 527

عبد الملك والغلام العاشق أنبأنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحيم المازني، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا الكديمي أبو العباس، حدثنا السليمي عن محمد بن نافع مولاهم عن أبي ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان قال: كان عبد الملك يجلس في كل أسبوع يومين جلوساً عاماً، فبينا هو جالس في مستشرف له، وقد أدخلت عليه القصص، إذ وقعت في يده قصةٌ غير مترجمة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته فلانة تغنيني ثلاثة أصوات، ثم ينفذ في ما شاء من حكمه، فعل. فاستشاط من ذلك غضباً وقال: يا رباح! علي بصاحب هذه القصة، فخرج الناس جميعاً، وأدخل إليه غلام، كما عذر، كأهيإ الفتيان، وأحسنهم، فقال له عبد الملك: يا غلام! هذه قصتك؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين. قال: وما الذي غرك مني؟ والله لأمثلن بك، ولأردعن بك نظراءك من أهل الجسارة. علي بالجارية! فجيء بجارية كأنها فلقة قمر، وبيدها عود، فطرح لها كرسي، وجلست، فقال عبد الملك: مرها يا غلام! فقال: غنيني يا جارية بشعر قيس بن ذريح: لقد كنتِ حسبَ النفسِ، لوْ دام ودُّنا، ... وَلَكِنّمَا الدّنْيَا مَتَاعُ غُرُورِ وَكنّا جَميعاً قبلَ أن يَظهَرَ الهَوَى، ... بِأنعَمِ حَالَيْ غِبْطَةٍ وَسُرُورِ فَما بَرِحَ الوَاشُونَ حَتى بَدَتْ لَنَا ... بُطُونُ الهَوَى مَقلُوبَةً لِظُهُورِ فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تمزيقاً، ثم قال له عبد الملك: مرها تغنك الصوت الثاني! فقال: غنيني بشعر جميل:

стр. 528

ألا لَيتَ شِعرِي! هَل أبِيتَنّ ليلةً ... بِوَادِي القُرَى؟ إني إذاً لَسَعيدُ إذا قلتُ: ما بي يا بُثَيْنَةُ قاتلي ... من الحُبّ، قَالَتْ: ثابتٌ وَيَزيدُ وَإن قلتُ: رُدّي بعض عقلي أعش به ... مَعَ النّاسِ! قالت: ذاكَ منكَ بَعيدُ فلا أنا مَرْدُودٌ بما جئتُ طالِباً؛ ... وَلا حُبّهَا فِيمَا يَبيدُ يَبيدُ يمُوتُ الهَوَى مني، إذا ما لَقيتُها، ... ويَحيَا، إذا فارَقتُها، فَيَعُودُ فغنته الجارية، فسقط مغشياً عليه ساعةً، ثم أفاق، فقال له عبد الملك: مرها فلتغنك الصوت الثالث! فقال يا جارية غنيني بشعر قيس بن الملوح المجنون: وَفي الجيرَةِ الغادِينَ مِنْ بَطنِ وَجرَةٍ ... غَزَالٌ غَضِيضُ المُقلَتَينِ رَبيبُ فَلا تَحسَبي أنّ الغَرِيبَ الذِي نَأَى، ... وَلَكِنّ مَنْ تَنأَينَ عَنهُ غَرِيبُ فغنته، فطرح الغلام نفسه من المستشرف، فلم يصل إلى الأرض حتى تقطع، فقال عبد الملك: ويحه، لقد عجل على نفسه، ولقد كان تقديري فيه غير الذي فعل، وأمر فأخرجت الجارية عن قصره، ثم سأل عن الغلام فقالوا: غريب لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادي في الأسواق، ويده على أم رأسه: غداً يَكثُرُ الباكُونَ مِنّا وَمنكُمُ ... وَتَزْدَادُ دارِي من دِياركمُ بُعدا

стр. 529

الطائفة في البيت الحرام أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن إبراهيم الحنائي بدمشق، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم التميمي، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد، حدثنا وزيره ابن محمد، حدثنا عمر بن شبة، حدثنا عيسى بن يزيد قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذ نظرت إلى جارية حسناء تطوف بالبيت، وهي تقول: لن يقبلَ اللهُ من مَعشوقَةٍ عَمَلاً ... يَوماً وَعَاشِقُها حَيرَانُ مَهجُورُ لَيستْ بمأجورَةٍ في قَتلِ عاشِقِها، ... لكنّ عاشِقَها في ذاكَ مأجُورُ قال: قلت: يا هذه تنشدين هذا حول بيت الله الحرام؟ فقالت: إليك عني يا شيخ، لا يرهقك الحب، فإنه يكمن في القلب ككمون النار في حجرها، إن قدحته أورى، وإن كتمته توارى. ثم ولت نحو زمزم، وهي تقول: أُنُسٌ غَرَائِرُ ما هَمَمنَ بريبَةٍ، ... كَظِباءِ مكّةَ صَيدُهنّ حَرَامُ يُحسَبنَ من لِينِ الحَديثِ زَوَانِيَا، ... وَيَصُدّهُنّ عَنِ الخَنَا الإسلامُ العود الصليب أنبأنا الرئيس أبو علي بن وشاح الكاتب، أخبرنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا، حدثنا علي بن سليمان الأخفش، حدثنا محمد بن مريد قال: حدثت عن بعض أصحاب ابن عباس فقال: إني وابن عباس بفناء الكعبة، وهو في جماعة، فإذا بفتيان يحملون بينهم فتىً حتى وضعوه بين يدي ابن عباس، فقالوا: استشف له! فكشفوا عنه،

стр. 530

فإذا وجه حلو، وعود صليب، وجسم ناحل، فقال له: ما يؤلمك؟ فقال: بنَا من جَوَى الأحزَانِ وَالحبّ لَوْعَةٌ ... تَكادُ لهَا نَفسُ الشّفيقِ صَلِيبُ وَلَكِنّما أبْقَى حُشَاشَةَ مَا تَرَى ... عَلى ما تَرَى عُودٌ هُناكَ صَلِيبُ فقال ابن عباس: أرأيتم وجهاً أعتق أو عوداً أصلب أو منطقاً أفصح من هذا؟ قتيل الحب، لا عقل ولا قود! فما سمعنا ابن عباس دعا بشيء إلى أن أمسى إلا بالعافية مما أصاب الفتى. نظرت إليها وأنبأنا ابن وشاح، أخبرنا القاضي المعافى بن زكريا، حدثنا أبو طالب الكاتب علي بن محمد بن الجهم، حدثنا عمر يعني ابن شبة، حدثني أبو يحيى قال: أنشدت عبد الملك بن عبد العزيز: وَلمّا رَأيتُ البَينَ مِنهَا فُجَاءَةً؛ ... وَأهَوَنُ للمَكرُوهِ أنْ يُتَوَقّعَا وَلمْ يَبقَ إلَيْهَا نَظْرَةً، فرَأيتُهَا ... وقد أبرَزَتْ من جانبِ السجفِ إصبعا قال أبو يحيى: فقلت له: قالها رجل من بني قشير. فقال: احسن والله، فقلت: أنا قلتها في طريقي إليك. قال: قد والله عرفت فيها الضعف حين أنشدتني.
следующие страницы →