← Адаб

Адаб · id 26549

مصارع العشاق

السراج القارئ

Полный текст (611 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ليلى الحارثية أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عمر بن أحمد المروروذي، حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن أحمد بن صدقة، حدثنا أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا أبو معمر قال: أمل علينا سفيان بن عيينة عن يحيى بن يحيى الغساني قال: سمعت عروة يحدث أن عبد الرحمن بن أبي بكر خرج في نفر من قريش إلى الشام يمتارون، فمروا بامرأة يقال لها ليلى، فراعه جمالها، وقد وقع منها في نفسه شيء، فرجع وهو يشبب ويقول: تذكّرْتُ لَيلى، وَالسَّمَاوَةُ بَينَنَا، ... وَما لابنَةِ الجُوديّ لَيلى، وَمَا لِيَا زاده مصعب بيتين ليس من حديث ابن عيينة: وَأنّى تَعَاطَى ذِكرَهُ حارِثِيّةٌ، ... تُقيمُ ببصرَى أوْ تَحِلّ الجَوابِيَا وَأنّى تَلاقِيها؟ بَلى، وَلَعَلّها ... إنِ الناسُ حَجّوا قابلاً أن تُوَافِيَا ثم رجع إلى حديث سفيان قال: فلما كان زمن عمر بن الخطاب افتتح خالد بن الوليد الشام، فصارت إليه.

стр. 527

عبد الملك والغلام العاشق أنبأنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحيم المازني، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا الكديمي أبو العباس، حدثنا السليمي عن محمد بن نافع مولاهم عن أبي ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان قال: كان عبد الملك يجلس في كل أسبوع يومين جلوساً عاماً، فبينا هو جالس في مستشرف له، وقد أدخلت عليه القصص، إذ وقعت في يده قصةٌ غير مترجمة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته فلانة تغنيني ثلاثة أصوات، ثم ينفذ في ما شاء من حكمه، فعل. فاستشاط من ذلك غضباً وقال: يا رباح! علي بصاحب هذه القصة، فخرج الناس جميعاً، وأدخل إليه غلام، كما عذر، كأهيإ الفتيان، وأحسنهم، فقال له عبد الملك: يا غلام! هذه قصتك؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين. قال: وما الذي غرك مني؟ والله لأمثلن بك، ولأردعن بك نظراءك من أهل الجسارة. علي بالجارية! فجيء بجارية كأنها فلقة قمر، وبيدها عود، فطرح لها كرسي، وجلست، فقال عبد الملك: مرها يا غلام! فقال: غنيني يا جارية بشعر قيس بن ذريح: لقد كنتِ حسبَ النفسِ، لوْ دام ودُّنا، ... وَلَكِنّمَا الدّنْيَا مَتَاعُ غُرُورِ وَكنّا جَميعاً قبلَ أن يَظهَرَ الهَوَى، ... بِأنعَمِ حَالَيْ غِبْطَةٍ وَسُرُورِ فَما بَرِحَ الوَاشُونَ حَتى بَدَتْ لَنَا ... بُطُونُ الهَوَى مَقلُوبَةً لِظُهُورِ فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تمزيقاً، ثم قال له عبد الملك: مرها تغنك الصوت الثاني! فقال: غنيني بشعر جميل:

стр. 528

ألا لَيتَ شِعرِي! هَل أبِيتَنّ ليلةً ... بِوَادِي القُرَى؟ إني إذاً لَسَعيدُ إذا قلتُ: ما بي يا بُثَيْنَةُ قاتلي ... من الحُبّ، قَالَتْ: ثابتٌ وَيَزيدُ وَإن قلتُ: رُدّي بعض عقلي أعش به ... مَعَ النّاسِ! قالت: ذاكَ منكَ بَعيدُ فلا أنا مَرْدُودٌ بما جئتُ طالِباً؛ ... وَلا حُبّهَا فِيمَا يَبيدُ يَبيدُ يمُوتُ الهَوَى مني، إذا ما لَقيتُها، ... ويَحيَا، إذا فارَقتُها، فَيَعُودُ فغنته الجارية، فسقط مغشياً عليه ساعةً، ثم أفاق، فقال له عبد الملك: مرها فلتغنك الصوت الثالث! فقال يا جارية غنيني بشعر قيس بن الملوح المجنون: وَفي الجيرَةِ الغادِينَ مِنْ بَطنِ وَجرَةٍ ... غَزَالٌ غَضِيضُ المُقلَتَينِ رَبيبُ فَلا تَحسَبي أنّ الغَرِيبَ الذِي نَأَى، ... وَلَكِنّ مَنْ تَنأَينَ عَنهُ غَرِيبُ فغنته، فطرح الغلام نفسه من المستشرف، فلم يصل إلى الأرض حتى تقطع، فقال عبد الملك: ويحه، لقد عجل على نفسه، ولقد كان تقديري فيه غير الذي فعل، وأمر فأخرجت الجارية عن قصره، ثم سأل عن الغلام فقالوا: غريب لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادي في الأسواق، ويده على أم رأسه: غداً يَكثُرُ الباكُونَ مِنّا وَمنكُمُ ... وَتَزْدَادُ دارِي من دِياركمُ بُعدا

стр. 529

الطائفة في البيت الحرام أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن إبراهيم الحنائي بدمشق، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم التميمي، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد، حدثنا وزيره ابن محمد، حدثنا عمر بن شبة، حدثنا عيسى بن يزيد قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذ نظرت إلى جارية حسناء تطوف بالبيت، وهي تقول: لن يقبلَ اللهُ من مَعشوقَةٍ عَمَلاً ... يَوماً وَعَاشِقُها حَيرَانُ مَهجُورُ لَيستْ بمأجورَةٍ في قَتلِ عاشِقِها، ... لكنّ عاشِقَها في ذاكَ مأجُورُ قال: قلت: يا هذه تنشدين هذا حول بيت الله الحرام؟ فقالت: إليك عني يا شيخ، لا يرهقك الحب، فإنه يكمن في القلب ككمون النار في حجرها، إن قدحته أورى، وإن كتمته توارى. ثم ولت نحو زمزم، وهي تقول: أُنُسٌ غَرَائِرُ ما هَمَمنَ بريبَةٍ، ... كَظِباءِ مكّةَ صَيدُهنّ حَرَامُ يُحسَبنَ من لِينِ الحَديثِ زَوَانِيَا، ... وَيَصُدّهُنّ عَنِ الخَنَا الإسلامُ العود الصليب أنبأنا الرئيس أبو علي بن وشاح الكاتب، أخبرنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا، حدثنا علي بن سليمان الأخفش، حدثنا محمد بن مريد قال: حدثت عن بعض أصحاب ابن عباس فقال: إني وابن عباس بفناء الكعبة، وهو في جماعة، فإذا بفتيان يحملون بينهم فتىً حتى وضعوه بين يدي ابن عباس، فقالوا: استشف له! فكشفوا عنه،

стр. 530

فإذا وجه حلو، وعود صليب، وجسم ناحل، فقال له: ما يؤلمك؟ فقال: بنَا من جَوَى الأحزَانِ وَالحبّ لَوْعَةٌ ... تَكادُ لهَا نَفسُ الشّفيقِ صَلِيبُ وَلَكِنّما أبْقَى حُشَاشَةَ مَا تَرَى ... عَلى ما تَرَى عُودٌ هُناكَ صَلِيبُ فقال ابن عباس: أرأيتم وجهاً أعتق أو عوداً أصلب أو منطقاً أفصح من هذا؟ قتيل الحب، لا عقل ولا قود! فما سمعنا ابن عباس دعا بشيء إلى أن أمسى إلا بالعافية مما أصاب الفتى. نظرت إليها وأنبأنا ابن وشاح، أخبرنا القاضي المعافى بن زكريا، حدثنا أبو طالب الكاتب علي بن محمد بن الجهم، حدثنا عمر يعني ابن شبة، حدثني أبو يحيى قال: أنشدت عبد الملك بن عبد العزيز: وَلمّا رَأيتُ البَينَ مِنهَا فُجَاءَةً؛ ... وَأهَوَنُ للمَكرُوهِ أنْ يُتَوَقّعَا وَلمْ يَبقَ إلَيْهَا نَظْرَةً، فرَأيتُهَا ... وقد أبرَزَتْ من جانبِ السجفِ إصبعا قال أبو يحيى: فقلت له: قالها رجل من بني قشير. فقال: احسن والله، فقلت: أنا قلتها في طريقي إليك. قال: قد والله عرفت فيها الضعف حين أنشدتني.

стр. 531

؟ روح معذبة بالحياة قال أبو الفرج الببغاء: وقد كان القاضي أبو القاسم التنوخي أنشدنا جميع شعره أو أكثره ولا أعلم هذه القطعة فيما أنشدنا أهي له أم لا، وهي: يا سادَتي! هَذِهِ رُوحي تُوَدّعُكُم، ... إذْ كانَ الصّبرُ يُسليها وَلا الجَزَعُ قد كُنتُ أطمَعُ في رُوحِ الحَيَاةِ لهَا، ... فالآنَ مُذْ غِبتُمُ لمْ يَبقَ لي طَمَعُ لا عَذّبَ اللهُ رُوحي بِالحَيَاةِ، فَمَا ... أظُنّهَا بَعدَكُمْ بالعَيشِ تَنتَفِعُ الأعرابي البصير أخبرنا عبيد الله بن عمر بن أحمد بن شاهين الواعظ، حدثنا أبي، حدثنا عمر بن الحسن حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا علي بن الجعد، سمعت أبا بكر بن عياش يقول: كنت في زمن الشباب، إذا أصابتني مصيبة، تجلدت، ودفعت البكى بالصبر، وكان ذلك يؤذيني ويؤلمني، حتى رأيت أعرابياً بالكناسة واقفاً على نجيب وهو ينشد: خَليليّ عُوجا من صُدورِ الرّوَاجِلِ، ... بجُمهُورِ حَزْوَى، وَابكِيا في المَنازِلِ لَعَلّ انحِدارَ الدّمعِ يُعقِبُ رَاحَةً، ... مِنَ الوَجدِ أوْ يَشفي نجيَّ البَلابِلِ فأصابتني بعد ذلك مصائب فكنت أبكي، فأجد لذلك راحةً، فقلت: فاتل الله الأعرابي ما كان أبصره!

стр. 532

الصوفي المتواجد أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، أخبرني أبي، حدثني أبو الطيب محمد بن أحمد بن عبد المؤمن أحد الصوفية من أهل سر من رأى قال: رأيت ببغداد صوفياً أعور، يعرف بأبي الفتح، في مجلس أبي عبد الله بن البهلول، فقرأ بألحان قراءة حسنة، وصبي يقرأ: أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر، فزعق الصوفي: بلى! بلى! دفعات وأغمي عليه طول المجلس، وتفرق الناس عن الموضع، وكان الاجتماع في صحن دار كنت أنزلها، فلم يكن الصوفي أفاق فتركته مكانه، فما أفاق إلى أن قرب العصر، ثم قام، فلما كان من بعد أيام سألت عنه، فعرفت أنه حضر عند جارية في الكرخ تقول بالقضيب، فسمعتها تقول الأبيات التي فيها: وَجهُكَ المأمُولُ حُجّتُنا ... يَوْمَ يأتي النّاسُ بالحُجَجِ فتواجد، وصاح، ودق صدره إلى أن أغمي عليه، فسقط، فلما انقضى المجلس حركوه فوجدوه ميتاً، فغسلوه، ودفنوه، واستفاض الخبر بهذا وشاع، وأخبرني به فئام من الناس والأبيات لعبد الصمد بن المعذل: يا بَديعَ الدّلّ وَالغُنُجِ! ... لكَ سُلطانٌ عَلى المُهَجِ إنّ بَيْتاً أنْتَ سَاكِنُهُ ... غَيرُ مُحتَاجِ إلى السُّرُجِ وَجهُكَ المَعشوقُ حُجّتُنا ... يَوْمَ يأتي النّاسُ بالحُجَجِ والصوفية إذا قالوا: وجهك المأمول، نقلوه إلى ما لهم في ذلك من المعاني، وكانت قصة هذا الرجل وموته في سنة خمسين وثلاثمائة، وأمره من مفردات الأخبار.

стр. 533

الأصمعي والجواري أخبرنا الخطيب، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي بنيسابور، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفار الأصبهاني، حدثنا أبو عبد الله محمد بن أخبرنا النيسابوري ببغداد، حدثنا محمد بن حبيب، سمعت علي بن عثام يقول: سمعت الأصمعي يقول: مررت بالبادية على رأس بئر، وإذا على رأسه جوار، وإذا واحدة فيهن كأنها البدر، فوقع علي الرعدة، وقلت لها: يَا أحسَنَ النّاسِ إنساناً، وَأملَحَهُمْ! ... هَل باشتكائي إليكِ، اليَوْمَ، من باسِ فَبَيّنِي لي بقَوْلٍ غَيرِ ذي خُلُفٍ: ... أبالصّرِيمةِ يمضِي عَنكِ أمْ ياسِ قال: فرفعت رأسها وقالت لي: اخسأ، فوقع في قلبي مثل جمر الغضا، فانصرفت عنها، وأنا حزين. قال: ثم رجعت إلى رأس البئر، وإذا هي هناك، فقالت: هَلُمّ نَمحُ الّذِي آذَاكَ أوَلُهُ، ... وَنُحدِثِ الآنَ إقبالاً مِنَ الرّاسِ حَتى يَكُونَ ثبيراً في مَوَدّتِنَا ... مَثلَ الّذِي يَحتَذِي نَعلاً بمِقياسِ فانطلقت معها إلى أبيها، فتزوجتها، فابني علي منها.

стр. 534

الهوى دعوى من الناس أخبرنا الخطيب، أنبأنا أحمد بن الحسين الواعظ، حدثنا أبو الفرج الورثاني الصوفي، أخبرني محمد بن عبد العزيز الصوفي، قال أحمد بن الحسين: وقد رأيته ولم أسمع منه: أنشدني أبو علي الروذباري: أُنَزّهُ في رَوْضِ المَحَاسِنِ مُقلَتي، ... وَأمنَعُ نَفسي أنْ تَنَالَ المُحَرَّما وَأحمِلَ مِنْ ثِقْلِ الهَوَى مَا لَو أنّه ... عَلى الجامِدِ الصُّلْبِ الأصَمّ تَهَدّمَا وَيَظهَرُ سِرّي عَن مُترْجَمِ خاطرِي، ... فَلَوْلا اختِلاسُ الطّرْفِ عنهُ تَكَلّمَا رَأيتُ الهَوَى دعوَى من الناسِ كلِّهم، ... فَما إن أرَى حبّاً صَحيحاً مُسَلَّمَا آخر الرمق أخبرني الخطيب أنبأني أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب الدسكري بحلوان للروذباري: وَلَوْ مَضَى الكُلّ مِنّي لمْ يكُنْ عجباً، ... وَإنّمَا عَجَبي للبَعضِ كَيفَ بَقي أدرِكْ بقِيّةَ رُوحٍ فيكَ قد تَلِفَتْ، ... قَبلَ الفِرَاقِ، فهَذا آخِرُ الرَّمَقِ القباح غوال وإن رخصن أنبأنا أبو الغنائم محمد بن علي بن علي، حدثنا إسماعيل بن سويد، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أحمد بن إسماعيل بن حذافة، أخبرنا الأصمعي، حدثني الحسن الوصيف حاجب المهدي قال: كنا بزيالة، وإذا أعرابي يقول: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك! إني عاشق. قال: وكان يحب ذكر العشاق والعشق، فدعا الأعرابي، فلما

стр. 535

دخل عليه قال: سلام عليك، يا أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته، ثم قعد. فقال له: ما اسمك؟ فقال: أبو مياس. قال: يا أبا مياس! من عشيقتك؟ قال: ابنة عمي، وقد أبى أبوها أن يزوجنيها. قال: لعله أكثر منك مالاً؟ قال: لا! قال: فما القصة؟ قال: أدن مني رأسك؟ قال: فجعل المهدي يضحك وأصغى إليه رأسه، فقال: إني هجين، قال: ليس يضرك ذاك، إخوة أمير المؤمنين وولده أكثرهم هجن. يا غلام علي بعمه. قال: فأتي به، فإذا أشبه خلق الله بأبي مياس كأنهما باقلاّة فلقت. فقال المهدي: ما لك لا تزوج أبا مياس وله هذا اللسان والأدب وقرابته منك؟ قال: إنه هجين. قال: فإخوة أمير المؤمنين وولده أكثرهم هجن، فليس هذا مما ينقصه، زوجها منه، فقد أصدقتها عنه عشرة آلاف درهم، قال: قد فعلت. فأمر له بعشرين ألف درهم، فخرج أبو مياس، وهو يقول: ابتَعتُ أسوَاقَ القِبَاحِ لأهلِها؛ ... إنّ القِباحَ وَإنْ رَخُصْنَ غَوَالِ معشوق ينفق على عاشق حدثنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ من لفظه بالشام، أنبأنا أبو سعد الماليني، حدثنا الحسن بن إبراهيم الليثي، حدثني الحسين بن القاسم قال: كان محمد بن داود يميل إلى محمد بن جامع الصيدلاني، وبسببه عمل كتاب الزهرة، وقال في أوله: وما تنكر من تغير الزمان وأنت أحد مغيريه؛ ومن جفاء الإخوان وأنت المقدم فيه؛ ومن عجيب ما يأتي به الزمان ظالم يتظلم، وغابن يتندم، ومطاع يستظهر، وغالب يستنصر.

стр. 536

قال الحسين: وبلغنا أن محمد بن جامع دخل الحمام، وأصلح من وجهه، وأخذ المرآة فنظر إلى وجهه، فغطاه، وركب إلى محمد بن داود، فلما رآه مغطى الوجه. خاف أن يكون قد لحقته آفة، فقال: ما الخبر؟ فقال: رأيت وجهي الساعة في المرآة، فغطيته، وأحببت أن لا يراه أحد قبلك، فغشي على محمد بن داود. قال الليثي: وحدثني محمد بن إبراهيم بن سكرة القاضي قال: كان محمد بن جامع ينفق على محمد بن داود، وما أعرف فيما مضى من الزمان معشوقاً ينفق على عاشق إلا هو. صبر يوم حدثنا أحمد بن علي الوراق بالشام، أخبرني أبو القاسم الأزهري، حدثني أبو العباس محمد بن جعفر بن عبد العزيز بن المتوكل الهاشمي: أنشدنا الصولي: أيّهَا المُستَحِلّ ظُلمي وَهَجرِي! ... لكَ طُولُ البَقاءِ قد ماتَ صَبرِي قال لي: لا أقلّ من صَبرِ يَوْمٍ، ... بالقَلِيلِ القَلِيلِ يَنفَدُ عُمرِي قال الخطيب: قال لي الأزهري: رأيت هذا الشيخ في دكان أبي سعيد الوراق، وأنشدني من حفظه أبياتاً علقتها عنه، وذكر لي أنه رواها عنه عن الصولي وغيره.

стр. 537

من توفاك يحييك أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا الجريري قال: استشرف بعض المترفين إلى طريقة الصوفية والاختلاط بهم وملابستهم، فشاور في هذا بعض مشيختهم، فرده عما تشوف إليه من هذا، وحذره التعرض له، فأبت نفسه إلا ما جذبته الدعاوى إليه، وعطفته الخواطر عليه، فمال إلى فريق من هذه الطائفة، فعلق بهم، واتصل بجملتهم، ثم صحب جماعةً منهم متوجهةً إلى الحج فعجز في بعض الطريق عن مسايرتهم، وقصر عن اللحاق بهم، فمضوا وتخلف عنهم، واستند إلى بعض الأميال إرادة الاستراحة من الإعياء والكلال. فمر به الشيخ الذي كلمه في ما حصل فيه قبل أن يتسنمه، فنهاه عنه وحذره منه، فقال هذا الشيخ مخاطباً له: إنّ الّذينَ بخَيرٍ كُنتَ تَذكُرُهُمْ ... قَضَوْا عَليكَ وَعَنهُم كنتُ أنهَاكَا فقال له الفتى: ما أصنع الآن؟ فقال له: لا تَطلُبَنّ حَياةً عِندَ غَيرِهِمُ، ... فَلَيسَ يُحييكَ إلاّ مَن تَوَفّاكَا بشار يصف مجلس غناء أخبرنا الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا العباس بن الفضل الربعي، حدثنا إسحق بن إبراهيم الموصلي قال: كان بالبصرة لرجل من آل سليمان بن علي جارية، وكانت حسناء بارعة الظرف والجمال، وكان بشار بن برد صديقاً لمولاها ومداحاً له، فحضر مجلسه، والجارية تغنيهم، فشرب مولاها وسكر ونام، ونهض للانصراف من كان بالحضرة، فقالت الجارية لبشار: أحب أن تذكر مجلسنا هذا في قصيدة

стр. 538

وترسلها إلي على أن لا تذكر فيها اسمي ولا اسم سيدي، فقال بشار، وبعث بها مع رسوله إليها: وَذاتِ دَلٍّ كَأنّ الشمسَ صُورَتُها، ... بَاتَتْ تُغَنّي عَميدَ القَلبِ سكرَانَا إنّ العُيُونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ ... قَتَلْنَنَا ثمّ لا يُحيِينَ قَتلانَا فقلتُ: أحسَنتِ يا سؤلي ويَا أمَلي، ... فَأسمِعِيني، جَزَاكِ اللهُ إحسَانَا يا حَبّذا جَبَلُ الريّانِ من جَبَلٍ؛ ... وَحَبّذا سَاكِنُ الريّانِ مَن كانَا قالت: فهلاّ، فدَتكِ النفسُ، أحسن من ... هذا لمَن كان صبّ القَلبِ حَيرَانَا يا قَوْمُ أُذني لبَعضِ الحيّ عاشِقَةٌ ... وَالأذنُ تَعشَقُ قبلَ العَينِ أحيانَا فقلتُ: أحسَنتِ! أنتِ الشمسُ طالعةً، ... أضرَمتِ في القَلبِ وَالأحشَاءِ نِيرَانَا فَأسمِعينا غِنَاءً مُطْرِباً هَزَجاً، ... يزِيدُ صَبّاً مُحِبّاً فِيكِ أشجَانَا يا لَيتني كُنتُ تُفّاحاً مُفَلَّجَةً، ... أو كُنتُ من قُضُبِ الرّيحانِِ رَيحَانَا حَتى إذا وَجَدَتْ رِيحي فأعجَبَها، ... وَنحنُ في خَلوةٍ مُثّلتُ إنسَانَا فحَرّكتْ عودَها، ثمّ انثَنَتْ طَرَباً، ... تَشدُو بهِ ثمّ لا تُخفِيهِ كِتمانَا أصبَحتُ أطوَعَ خَلقِ اللهِ كُلّهِمِ ... لأكثرِ الخَلقِ لي في الحُبّ عِصْيَانَا فقلتُ: أطرَبتَنا يا زَينَ مَجلِسِنَا، ... فَغَنِّنَا أنتِ بالإحسَانِ أوْلانَا فَغَنّتِ الشَّرْبَ صَوْتاً مُونَقاً رَمَلاً ... يُذكي السّرُورَ وَيُبكي العَينَ ألوَانَا لا يَقتُلُ اللهُ مَنْ دامَتْ مَوَدّتُهُ، ... وَاللهُ يَقتُلُ أهلَ الغَدرِ أحيَانَا

стр. 539

الفضل بن يحيى وخشف أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن يحيى الصولي، حدثنا عون بن محمد، حدثني إدريس بن بدر أخو الجهم بن بدر قال: كن أبي منقطعاً إلى الفضل بن يحيى، فكان معه يوماً في موكبه، فقال أبي: فرأيت من الفضل حيرة وجولة، ففطن أني قد استبنت ما كان منه، فقال: عرفني يا بدر كيف قال المجنون: وداع دعا، فأنشدته: وَداعٍ دَعا، إذْ نحنُ بالخَيفِ من مِنىً، ... فَهَيّجَ أحزَانَ الفُؤادِ، وَما يَدرِي دَعَا باسمِ لَيلى غَيرِهَا فَكَأنّما ... أطارَ بلَيلى طائراً كانَ في صَدرِي قال: هذه، والله، قصتي، كنت أهوى جاريةً يقال لها خشف ثم ملكتها فقربت من قلبي، فسمعت الساعة صائحاً يصيح: يا خشف، فكان مني ما رأيت، ونالني مثل ما قال المجنون. ابتنى معاوية بالأبطح مجلساً، فجلس عليه، ومعه ابنة قرظة، فإذا هو بجماعة على رحال لهم، وإذا بشاب منهم قد رفع عقيرته يتغنى: مَنْ يُسَاجِلْني يُساجِلْ مَاجِداً ... أخضَرَ الجِلدَةِ في بَيتِ العَرَبْ قال: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن جعفر. قال: خلوا له الطريق، فليذهب؛ ثم إذا هو بجماعة فيهم غلام يغني: بَينَمَا يَذكُرْنَني أبصَرْنَني ... دُونَ قِيدِ الميلِ يَعدو بي الأغَرّ

стр. 540

قِيلَ تَعرِفنَ الفَتى؟ قُلْنَ نَعَم! ... قد عَرَفناهُ، وهَل يخفَى القَمَرْ؟ قال: من هذا؟ قالوا: عمر بن أبي ربيعة. قال: خلوا له الطريق، فليذهب. قال: ثم إذا بجماعة، وإذا رجل منهم يسأل ويقول: رميتُ قبل أن أحلق، وحلقت قبل أن أرمى، لا شيء أشكلت من مسائل الحج. فقال: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن عمر. فالتفت إلى بنت قرظة، فقال: هذا وأبيك الشرف لا ما نحن فيه. شعر سارت بن الركبان حدثنا أحمد بن علي الوراق بدمشق من لفظه، أخبرنا أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أخبرنا الحيري بنيسابور، حدثنا أبو نصر بن أبي عبد الله الشيرازي، حدثني أبو الحسين محمد بن الحسين الطاهري البصري من حفظه قال: حدثني أبو الحسن محمد بن الحسين بن الصباح الداودي البغدادي الكاتب بالرملة، حدثنا القاضي أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الأزدي ببغداد قال: كنت أساير محمد بن داود بن علي ببغداد، فأذاكره بشيء من شعره، وهو: أشكُو غَليلَ فُؤادٍ أنتَ مُتلِفُهُ، ... شَكوَى عَليلٍ إلى إلْفٍ يُعَلّلُهُ سُقمي يَزيدُ مَعَ الأيامِ كَثرتُهُ، ... وَأنتَ في عُظْمِ ما ألقَى تُقَلّلُهُ اللهُ حَرّمَ قَتلي في الهَوَى، سَفَهاً؛ ... وَأنتَ يا قاتِلي ظُلماً تُحَلّلُهُ فقال محمد بن داود: كيف السبيل إلى استرجاع هذا؟ فقال القاضي أبو عمر: هيهات، سارت به الركبان.

стр. 541

من يهب ولده ؟ أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا القاضي المعافى بن زكريا، حدثنا أحمد بن جعفر البرمكي جحظة، حدثني خالد الكاتب قال: قال لي علي بن الجهم: هب لي بيتك، وهو: لَيتَ مَا أصْبَحَ مِنْ ... رِقّةِ خدّيكَ بقَلبكَ قال: فقلت له: أرأيت أحداً يهب ولده؟ المحبان الوفيان أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن، حدثني أبي، حدثنا عبيد الله بن محمد الهروي، حدثني أبي، حدثني صديق لي ثقة: أنه كان ببغداد رجل من أولاد النعم، ورث مالاً جليلاً، وكان يعشق قينة، فأنفق عليها مالاً كثيراً ثم اشتراها، وكانت تحبه كما يحبها، فلم يزل ينفق ماله عليها إلى أن أفلس، فقالت له الجارية: يا هذا قد بقينا كما ترى، فلو طلبت معاشاً؟ قال: وكان الفتى لشدة حبه الجارية وإحضاره الأستاذات ليزيدوها في صنعتها قد تعلم الضرب والغناء فخرج صالح الضرب والحذق فيهما، فشاور بعض معارفه فقال: ما أعرف لك معاشاً أصلح من أن تغني للناس، وتحمل جاريتك إليهم، فتأخذ على هذا الكثير، ويطيب عيشك، فأنف من ذلك، وعاد إليها فأخبرها بما أشير به عليه، وأعلمها أن الموت أسهل عنده من هذا. فصبرت معه على الشدة مدة، ثم قالت له: قد رأيت لك رأياً. قال: قولي! قالت: تبيعني، فإنه يحصل لك من ثمني ما إن أردت أن تتجر به،

стр. 542

أو تنفقه في ضيعة عشت عيشاً صالحاً، وتخلصت من هذه الشدة وأحصل أنا في نعمة، فإن مثلي لا يشتريها إلا ذو نعمة، فإن رأيت هذا، فافعل. فحملها إلى السوق، فكان أول من اعترضها فتىً هاشمي من أهل البصرة، ظريف، قد ورد بغداد للعب والتمتع، فاستامها، فاشتراها بألف وخمسمائة دينار عيناً. قال الرجل: فحين لفظت بالبيع، وأعطيت المال، ندمت واندفعت في بكاء عظيم، وحصلت الجارية في أقبح من صورتي، وجهدت في الإقالة فلم يكن إلى ذلك سبيل، فأخذت الدنانير في الكيس لا أدري أين أذهب لأن بيتي موحش منها، ووقع علي من اللطم والبكاء ما هوّسني. فدخلت مسجداً، وجعلت أبكي وأفكر في ما أعمل، فغلبتني عيني، فتركت الكيس تحت رأسي، فانتبهت فزعاً، فإذا شاب قد أخذ الكيس، وهو يعدو، فقمت لأعدو وراءه، فإذا رجلي مشدودة بخيط قنب في وتد مضروب في أرض المسجد، فما تخلصت من ذلك حتى غاب الرجل عن عيني، فبكيت ولطمت ونالني أمر أشد من الأمر الأول، وقلت: فارقت من أحب لأستغني بثمنه عن الصدقة، فقد صرت الآن فقيراً ومفارقاً. فجئت إلى دجلة، فلففت وجهي بإزار كان على رأسي، ولم أكن أحسن العوم، فرميت نفسي في الماء لأغرق، فظن الحاضرون أن ذلك لغلط وقع علي، فطرح قوم نفوسهم خلفي فأخرجوني، فسألوني عن أمري، فأخبرتهم، فمن بين راحم ومستجهل إلى أن خلا بي شيخ منهم، فأخذ يعظني، ويقول: ما هذا؟ ذهب مالك فكان ماذا حتى تتلف نفسك، أو ما علمت أن فاعل هذا في نار جهنم! ولست أول من افتقر بعد غنى، فلا تفعل، وثق بالله تعالى. أين منزلك؟ قم معي إليه. فما فارقني حملني إلى منزلي وأدخلني إليه، وما زال يؤنسني ويعظني إلى أن رأى مني السكون، فشكرته، وانصرف، فكدت أقتل نفسي

стр. 543

لشدة وحشتي للجارية، وأظلم منزلي في وجهي، وذكرت النار والآخرة، فخرجت من بيتي هارباً إلى بعض أصدقائي القدماء، فأخبرته خبري، فبكى رقةً لي، وأعطاني خمسين درهماً، وقال: اقبل رأيي! اخرج الساعة من بغداد، واجعل هذا نفقة إلى حيث تجد قلبك مساعدك على قصده، وأنت من أولاد الكتاب، وخطك جيد وأدبك صالح، فاقصد بعض العمال واطرح نفسك عليه، فأقل ما في الأمر أن يصرفك في شغل أو يجعلك محرراً بين يديه وتعيش أنت معه، ولعل الله أن يصنع لك. فعملت على هذا، وجئت إلى اللتبيين، وقد قوي في نفسي أن أقصد واسطاً، وكان لي بها أقارب فأجعلهم ذريعةً إلى التصرف مع عاملها، فحين جئت إلى اللتبيين، إذا بزلال مقدم، وإذا خزانة كبيرة وقماش فاخر كثير ينقل إلى الخزانة والزلال، فسألت عن ملاح يحملني إلى واسط، فقال لي أحد ملاحي الزلال: نحن نحملك في هذا إلى واسط بدرهمين. ولكن هذا الزلال لرجل هاشمي من أهل البصرة، ولا يمكننا حملك معه على هذه الصورة، ولكن تلبس من ثياب الملاحين، وتجلس معنا، كأنك واحد منا. فحين رأيت الزلال، وسمعت أنه لرجل هاشمي من أهل البصرة، طمعت أن يكون مشتري جاريتي، فأتفرج بسماعهما إلى واسط، فدفعت الدرهمين إلى الملاح، وعدت فاشتريت جبةً من جباب الملاحين، وبعت تلك الثياب التي علي، وأضفت ثمنها إلى ما معي من النفقة، واشتريت خبزاً وأدماً وجلست في الزلال، فما كان إلا ساعة، حتى رأيت جاريتي بعينها، ومعها جاريتان تخدمانها، فسهل علي ما كان بي وما أنا فيه، وقلت: أراها وأسمع غناءها من هاهنا إلى البصرة، واعتقدت أن أجعل قصدي البصرة، وطمعت في أن أدخل مولاها، وأصير أحد ندمائه، وقلت: لا تخليني هي من المواد،

стр. 544

فإني واثق بها. فلم يكن بأسرع من أن جاء الفتى الذي اشتراها راكباً ومعه عدة ركبان، فنزلوا في الزلال، وانحدرنا، فلما صرنا بكلواذى، أخرج الطعام، فأكل هو. وصعدت فجلست معه، فدبرت أمره وضبطت دخله، وخرجه، وكان غلمانه يسرقونه، فأديت إليه الأمانة. فلما كان بعد شهر رأى الرجل دخله زائداً، وخرجه ناقصاً، فحمدني، وكنت معه إلى أن حال الحول، وقد بان له الصلاح في أمره فدعاني إلى أن أتزوج بابنته ويشاركني في الدكان، ففعلت، ودخلت بزوجتي، ولزمت الدكان والحال تقوى إلا أني في خلال ذلك منكسر النفس، ميت النشاط، ظاهر الحزن، وكان البقال ربما شرب فيجذبني إلى مساعدته، فأمتنع وأظهر أن سبب ذلك حزن على موتى لي. واستمرت بي الحال على هذا سنين كثيرة، فلما أن كان ذات يوم، رأيت قوماً يجتازون بجون ونبيذ اجتيازاً متصلاً، فسألت عن ذلك، فقيل لي: اليوم يوم الشعانين ويخرج أهل الظرف واللعب بالنبيذ والطعام والقيان إلى الأبلّة فيرون النصارى، ويشربون ويتفرجون. فدعتني نفسي إلى التفرج، وقلت: لعلي أن أقف لأصحابي على خبر، فإن هذا من مظانهم، فقلت لحميي: أريد أن أنظر هذا المنظر، فقال: شأنك. وأصلح لي طعاماً وشراباً، وسلم إلي غلاماً وسفينةً، فخرجت وأكلت في السفينة، وبدأت أشرب حتى وصلت إلى الأبلة، وأبصرت الناس، وابتدأوا ينصرفون، وانصرفت، فإذا أنا بالزلال بعينه في أوساط الناس سائراً في نهر الأبلّة، فتأملته، فإذا بأصحابي على سطحه، ومعهم عدة مغنيات، فحين رأيتهم لم أتمالك فرحاً، فصرت إليهم، فحين رأوني عرفوني وكبروا،

стр. 545

وأخذوني إليهم، وقالوا: ويحك أنت حي! وعانقوني، وفرحوا بي وسألوني عن قصتي، فأخبرتهم بها على أتم شرح، فقالوا: إنا لما فقدناك في الحال، وقع لنا أنك سكرت، ووقعت في الماء فغرقت، ولم نشك في هذا، فمزقت الجارية ثيابها، وكسرت عودها، وجزت شعرها وبكت، ولطمت، فما منعناها من شيء من هذا، ووردنا البصرة، فقلنا لها: ما تحبين أن نعمل لك؟ فقد كنا وعدنا مولاك بوعد تمنعنا المروءة من استخدامك معه في حال فقده أو سماع غنائك. فقالت: تمكنوني من القوت اليسير، ولبس الثياب السود، وأن أعمل قبراً في بيت من الدار، وأجلس عنده، وأتوب من الغناء، فمكناها من ذلك، فهي جالسة عنده إلى الآن. وأخذوني معهم، فحين دخلت الدار ورأيتها بتلك الصورة، ورأتني شهقت شهقة عظيمة، ما شككت في تلفها، واعتنقنا، فما افترقنا، ساعةً طويلة، ثم قال لي مولاها: قد وهبتها لك. فقلت: بل تعتقها، وتزوجني منها، كما وعدتني، ففعل ذلك ودفع إلينا ثياباً كثيرة وفرشاً، وقماشاً، وحمل إلي خمسمائة دينار، وقال: هذا مقدار ما أردت أن أجريه عليك في كل شهر، منذ أول يوم دخولي البصرة، وقد اجتمع هذا لهذه المدة، فخذه، والجائزة لك مستأنفة في كل شهر، وشيء آخر لكسوتك وكسوة الجارية؛ والشرط في المنادمة وسماع الجارية من وراء ستارة باق عليك، وقد وهبت لك الدار الفلانية. قال: فجئت إليها، فإذا بذلك الفرش والقماش الذي أعطانيه فيها، والجارية، فجئت إلى البقال فحدثته حديثي، وطلقت ابنته، ووفيتها صداقها، وأقمت على تلك الحال مع الهاشمي سنتين، فصلحت حالي، وصرت رب ضيعة ونعمة، وعادت حالي، وعدت إلى قريب مما كنت عليه، فأنا أعيش كذلك إلى الآن مع جاريتي.

стр. 546

الجارية الحميراء وابن جامع أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين إن لم يكن سماعاً فإجازة، حدثنا المعافى بن زكريا أبو النضر العقيلي، حدثنا يعقوب بن نعيم الكاتب، حدثني محمد بن ضو التيمي، سمعت إسماعيل بن جامع السهمي يقول: ضمني الدهر ضماً شديداً بمكة، فانتقلت منها بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يوماً ولا أملك إلا ثلاثة دراهم، فخرجت، وهي في كمي. فإذا بجارية حميراء على رقبتها جرة تريد الركي، وتمشي بين يدي، وتترنم بصوت شجي، تقول فيه: شَكَوْنَا إلى أحبَابِنَا طولَ لَيلِنا، ... فقالوا لَنا: ما أقصرَ اللّيلَ عِندنَا وَذاكَ لأنّ النّوْمَ يَغشَى عُيُونَهُمْ ... سرَاعاً، وَلا يَغشَى لنَا النّوم أعيُنَا ما دَنَا اللّيلُ المُضرّ بذِي الهَوَى، ... جَزِعنا، وَهُم يَستبشِرُونَ إذا دَنَا فلَوْ أنّهُمْ كانُوا يُلاقُونَ مِثلَ مَا ... نُلاقي لَكَانُوا في المَضَاجِعِ مِثلَنا فوالله ما دار لي منه حرف واحد. فقلت لها: يا جارية! ما أدري أوجهك أحسن أم صوتك أم جرمك، فلو شئت أعدته علي. فقالت: حباً وكرامةً، ثم أسندت ظهرها إلى جدار كان بالقرب منها، ورفعت إحدى رجليها فوضعتها على ركبتها، وحطت الجرة على ساقها، واندفعت تغني بأحسن صوت، فوالله ما دار لي منه حرف واحد، فقلت: لقد أحسنت وتفضلت، فلو شئت أعدته مرةً أخرى. فقطبت وكلحت، وقالت: ما أعجب هذا! أحدكم يجيء إلى الجارية عليها ضريبة، فيقول لها: أعيدي مرةً بعد أخرى، فضربت يدي إلى ثلاثة دراهم، ودفعتها إليها، وقلت لها: أقيمي بهذا وجهك اليوم إلى أن نلتقي، فأخذتها كالمتكرهة، وقالت: الآن تريد أن تأخذ عني صوتاً أحسبك تأخذ عليه

стр. 547

ألف دينار، وألف دينار، وألف دينار، ثم اندفعت تغني، وأعملت فكري في غنائها، فدار لي الصوت، وفهمته، وانصرفت به مسروراً، وذكر باقي الخبر. قال ابن السراج: وقد ذكرت هذا الخبر بتمامه في أثناء كتابي هذا، فلذلك ما استوعبته هاهنا. مأساة بشر وهند أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الملك بن بشران قراءة عليه، حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزيق في شهر ربيع الأول من سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي قراءة عليه، يوم الخميس لاثنتي عشرة من ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن مسروق، حدثنا عمر بن عبد الحكم وجعفر بن عبد الله الوراق والقاسم بن الحسن عن أبي سعد عن أبيه قال: ذكر أنه كان في بدء الإسلام، وبعضهم يزيد على حديث بعض، شاب، وكان يقال له بشر، وكان يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان من بني أسيد بن عبد العزى، وكان طريقه، إذا غدا على رسول الله صلى الله عليه وآله، أن يأخذ على جهينة، وإذا فتاة من جهينة، فنظرت إليه، فعشقته، وكان لها من الحسن والجمال حظ عظيم، وكان لها زوج يقال له سعد بن سعيد، فكانت تقعد كل غداة لبشر، حتى يجتاز بها، لينظر إليها، فلما أخذها حبه كتبت إليه هذه الأبيات: تَمّرّ بِبَابي لَيسَ تَعلَمُ مَا الّذي ... أُعَالِجُ من شَوْقٍ إلَيكَ ومن جُهدِ تَمُرّ رَخيّ البَالِ مِنْ لَوْعَةِ الهَوَى، ... وَأنتَ خليُّ الذّرْعِ ممّا بدا عِندي

стр. 548

فَدَيْتُكَ، فَانظُرْ نَحوَ بَابي نَظرَةً، ... فإنّكَ أهوَى النّاسِ كلِّهمِ عِندي فَوَاللهِ لَوْ قصّرْتَ عَنّا فَلضمْ تَكُنْ ... تَمُرّ بِنا أصْبَحتُ لا شكّ في لحدِ فأجابها الفتى يقول: عَلَيكِ بتقوَى اللهِ والصّبرِ، إنّهُ ... نَهَى عَنْ فُجُورٍ بِالنّساءِ مُوَحِّدُ وَصبراً لأمْرِ اللهِ لا تَقرَبي الّذِي، ... نَهَى اللهُ عنهُ، وَالنّبيُّ مُحَمّدُ فَوَاللهِ لا آتي حَلِيلَةَ مُسْلِمٍ ... إلى أنْ أُدَلّى في القُبُورِ، وَأُفقَدُ أُحَاذِرُ أنْ أصْلى جَحيماً، وَأن أُرَى ... صَرِيعاً لِنَارٍ حَرُّهَا يَتَوَقَّدُ فَلا تَطمَعي في أنْ أزُورَكِ طَائِعاً، ... وَأنتِ لِغَيرِي، بِالخنَاءِ مُعَوَّدُ فأجابته الفتاة تقول: أمَرْتَ بتَقوَى اللهِ، وَالصّبرِ وَالتّقَى، ... فكَيفَ؟ وَما لي من سَبيلٍ إلى الصّبرِ وَهَلْ تَستطيعُ الصّبرَ حَرّى حَزِينَةٌ ... مُعَذَّبَةٌ بِالحُبِّ مُوقَرَةُ الظّهرِ؟ وَوَاللهِ مَا أدعُوكَ يا حُبُّ للّذِي ... تَظُنّ، وَلَكِنْ للحَديثِ وَللشّعرِ وَكيْ نَتَدَاوَى مَا تَرَاكَدَ داؤُهُ ... من الشوْقِ وَالحبّ الذي لكَ في صَدرِي وَلَيتُ، فدتكَ النّفسُ، أبغيك مَحرمَا، ... وَمَا ذاكَ من شأني وَلا ذاكَ من أمرِي وَمَا حاجَتي إلاّ الحَديثُ وَمَجلِسٌ ... يُسكّنُ دَمعاً يَستَهِلّ على النّحرِ قال فأجابها الفتى: مَنَعَ الزّيَارَةَ أنْ أزُورَكِ طَائِعاً، ... أخشَى الفَسادَ، إذا فَعَلتُ، فَنعتَدِي أخشَى دُنُواً مِنكِ غَيرَ مُحَلَّلٍ، ... فَأكُونُ قَد خالَفتُ دِينَ مُحَمّدِ فأخافُ أنْ يَهوَاكِ قَلبي شَارِفاً، ... فيكونَ حَتفي بالّذي كَسَبتْ يَدِي

стр. 549

فَالصّبرُ خيرُ عَزِيمَةٍ، فاستَعصِمي، ... وَإلى إِلهكِ ذي المَعارِجِ فاقصِدِي وَإذا أتَتكِ وَسَاوِسٌ وَتَفَكّرٌ، ... وَتَذَكّرٌ، فلِكُلّ ذلكَ فَاطرُدِي وَعَليكِ يَاسين، فإنّ بدَرْسِها ... تُنفى الهُمُومُ، وَذاكَ نَفسكِ عوّدي فأجابته الفتاة وهي تقول: لَعَمرُكَ ما ياسينُ تُغني مِنَ الهَوَى، ... وَقُرْبُكَ مِنْ ياسينَ أشهى إلى قلبي فَدَعْ ذِكرَ ياسينَ، فَلَيسَ بنافعي، ... فإنيَ في غَمرِ الحَيَاةِ، وَفي كَرْبِ تَحَرّجتَ عَنْ إتيَانِنَا، وَحَدِيثِنَا، ... فقَتليَ، إنْ فكّرتَ، من أكبرِ الذّنبِ وَإتيَانُنَا أدنى إلى اللهِ زُلفةً، ... وَأحسَنُ مِنْ قَتلِ المُحِبّ بلا عَتبِ قال: فلما قرأ بشر هذه الأبيات غضب غضباً شديداً، وحلف لا يمر بباب هند ولا يقرأ لها كتاباً، فلما امتنع كتبت إليه تقول: سألتُ رَبي، فقد أصَبحتَ لي شَجَناً، ... أن تُبتَلى بهَوَى مَنْ لا يُبَالِيكَا حتى تّذوقَ الذي قد ذُقتُ من نَصَبٍ، ... وَتَطلُبَ الوَصلَ مِمّنْ لا يُؤاتيكَا رَمَاكَ رَبّي بِحُمّاةٍ مُقَلقِلَةٍ، ... وَبامتِنَاعِ طَبيبٍ لا يُداوِيكَا وَأنْ تَظَلّ بِصحرَاءٍ عَلى عَطَشٍ، ... وَتَطلُبَ المَاء َ مِمّن لَيسَ يَسقيكَا فلما لج بشر وترك الممر ببابها، أرسلت إليه بوصيفة لها فأنشدته هذه الأبيات، فقال للوصيفة: لأمر ما لا أمر، فلما جاءت الوصيفة أخبرتها بقول بشر، فكتبت وهي تقول: كَفّرْ يمينَكَ! إنّ الذّنبَ مَغفورُ، ... وَاعلَمْ بأنّكَ كَفّرْتَ مأجورُ لا تَطرُدنّ رَسُولي وَارْثَيَنّ لَهُ، ... إنّ الرّسُولَ قَليلُ الذّنبِ مأمُورُ وَاعلَمْ بأني أبيتُ اللّيلَ سَاهِرَةً، ... وَدَمعُ عَيني عَلى خَدّيّ مَحدُورُ

стр. 550

أدعوهُ باسمِكَ في كَرْبٍ وَفي تعبٍ، ... وَأنتَ لاهٍ قَرِيرُ العَينِ مَسرُورُ فلم لج بشر وترك الممر ببابها، اشتد عليها ذلك، ومرضت مرضاً شديداً، فبعث زوجها إلى الأطباء، فقالت: لا تبعث إلي طبيباً، فإني عرفت دائي، قهرني جنّي في مغتسلي، فقال لي: تحولي عن هذه الدار، فليس لك في جوارنا خير. فقال لها زوجها: فما أهون هذا. فقالت: إني رأيت في منامي أن أسكن بطحاء تراب. قال: اسكني بنا حيث شئت، فاتخذت داراً على طريق بشر، فجعلت تنظر إليه، كل غداة، إذا غدا إلى رسول الله ﷺ ، حتى برأت من مرضها، وعادت إلى حسنها، فقال لها زوجها: إني لأرجو أن يكون لك عند الله خير لما رأيت في منامك أن اسكني بطحاء تراب، فأكثري من الدعاء. وكانت مع هند في الدار عجوز، فأفشت إليها أمرها، وشكت ما ابتليت به، وأخبرتها أنها خائفة إن علم بشر بمكانها أن يترك الممر في طريقه، ويأخذ طريقاً آخر، فقالت لها العجوز: لا تخافي، فإني أعلم لك أمر الفتى كله، وإن شئت أقعدتك معه، ولا يشعر بمكانك. قالت: ليت ذاك قد كان. فقعدت العجوز على باب الدار، فلما أقبل بشر قالت له العجوز: يا فتى؟ هل لك أن تكتب لي كتاباً إلى ابن لي بالعراق؟ قال بشر: نعم! فقعد يكتب، والعجوز تملي عليه وهند تسمع كلامهما، فلما فرغ بشر قالت العجوز لبشر: يا فتى! إني لأظنك مسحوراً، قال بشر: وما أعلمك بذلك؟ قالت له: ما قلت لك حتى علمت، فما الذي تهم؟ قال لها: إني كنت أمر على جهينة، وإن قوماً منهم كانوا يرسلون إلي ويدعونني إلى أنفسهم، ولست آمنهم أن يكونوا قد أضمروا لي شراً. قالت له العجوز: انصرف عني اليوم حتى أنظر في أمرك. فلما انصرف دخلت إلى هند فقالت: هل سمعت ما قال؟ قالت: نعم!

стр. 551

قالت: ابشري، فإني أراه فتىً حدثاً، لا عهد له بالنساء، ومتى ما أتى وزينتك هنيئةً وطيبتك، وأدخلتك عليه، غلبت شهوته وهواه دينه، فانظري يخرج زوجك إلى القرية، فأخبريني. فسألت هند زوجها، فأخبرها أنه خارج يوم كذا وكذا، وأخبرت هند العجوز، وواعدت بشراً ميعاداً، لتنظر له في نجمه، فلما كان في ذلك الوقت جاء بشر إلى العجوز، فقالت: إني شاكية لست أقدر أن أجعل النشرة. ولكن بيتي أستر عليك، فدخل معها البيت، وجاءت هند خلفها، فدخلت البيت على بشر، فلما دخلت خرجت العجوز، فأغلقت الباب عليهما، وقدم زوج هند من الخروج في ذلك اليوم إلى الضيعة فجاء حتى دخل داره، فوجد مع امرأته رجلاً في البيت، فطلقها، ولبب بالفتى فذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا نبي الله! سليمان هذا بأي حق دخل داري، وجامع زوجتي، فبكى بشر، وقال: والله يا رسول الله ما كذبتك منذ صدقتك، وما كفرت بالله منذ آمنت بك، ولا زنيت منذ شهدت أن لا إله إلا الله، فقص على النبي صلى الله عليه وآله، قصته. فبعث النبي ﵌، إلى العجوز وهند، فأحضرهما، فأقرتا بين يديه، فقال: الحمد لله الذي جعل من أمتي نظير يوسف الصديق. ثم قال لهند: استغفري لذنبك، وأدب العجوز، وقال لها: أنت رأس الخطيئة، فرجع بشر إلى منزله، وهند إلى منزلها، فهاج بشر حب هند، فسكت حتى إذا قضت عدتها بعث إليها يخطبها، فقالت: لا والله لا يتزوجني وهو قد فضحني عند رسول الله، ﵌. ثم مرض من حبها، وعاد إليها الرسول، فقال: إنه مريض، وإنك

стр. 552

إن لم تفعلي ليموتن، فقالت: أماته الله، فطال ما أمرضني. قال: ومرض بشر فاشتد مرضه وبلغ أصحاب النبي، ﷺ ، فأقبلوا إليه يعودونه، فقال بعضهم: أنا أرجو أن يعذب الله هنداً، وأنشأ يقول: إلهيَ إني قد بُليتُ مِنَ الهَوَى ... وَاصبحتُ يا ذا العرْشِ في أشغلِ الشغلِ أُكابدُ نَفساً قَد تَوَلّى بها الهَوَى، ... وَقد مَلّ أخوَاني وَقَد مَلّني أهلي وَقَدْ أيقَنَتْ نَفسِي بِأنّيَ هَالِكٌ ... بِهنْدٍ وَأنّي قَدْ وهَبتُ لهَا قَتلي وَإنّي وَإنْ كانَتْ إليّ مُسِيئَةً، ... يَشُقّ عَليّ أنْ تُعَذَّبَ مِنْ أجلي قال: فشهق شهقةً فمات، رحمه الله تعالى، وأقامت عليه أخته مأتماً، فقامت تندبه، فجاءت هند، وأخته تقول: وَابِشرَاهُ من لَوْعَةِ الهَوى قد تولّى، ... وَابِشرَاهُ ذو الحاجاتِ لا تُقضَى وَابِشرَاهُ شَبابُهُ مَا تَمَلّى، ... وَابِشرَاهُ صَحيحاً قَدْ تَوَلّى وَابِشراهُ لِكتَابِهِ مَا أقْرأ، ... وَابِشرَاهُ بَينَ أصحَابِهِ لا يُرَى وَابِشرَاهُ للضّيفِ مَا أقْرَى، ... وَابِشرَاهُ مُعَجِّلاً إلى الغُرَبَا قال: فلما سمعت هند صرخت صرخةً، ووقعت ميتةً، رحمهما الله، وذهب بها فدفنت مع بشر، فلما مضت أيام جاءت العجوز إلى النبي، ﵌، فقالت: يا رسول الله، أنا رأس الخطيئة، كما قلت، أنا التي كنت سبب الأمر، وقد خشيت أن لا تكون لي توبة، فقال النبي ﷺ : استغفري لذنبك وتوبي، فإن الله تعالى يقبل التوبة النصوح. آخر حديثهما.

стр. 553

الحبيب المتبدل أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدثنا محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف قال: أنشدني أبو بكر العامري، أنشدني غيث الباهلي، أنشدتني قريبة أم البهلول لبيهس بن مكنف بن أعيا بن ظريف: ألَمْ تَرَ ظَمياءَ الشِّباكِ تبدّلتْ ... بَديلاً وَحلّتْ حبلَها من حِبالِيَا؟ أرَى الإلفَ يَسلُو للتّنائي وَللغِنى، ... وَلليأسِ، إلاّ أنّني لَستُ سَالِيَا بنَفسِي وَمَالي قَاسياً لَوْ وَجَدتُهُ ... عَلى النّحرِ فاستَسْقَيتُهُ ما سَقانيَا وَمَن لَوْ رَأى الأعداءَ يَنتضِلونَني ... لَهُمْ غَرَضاً، يَرْمونَني لرَمانِيَا وَمَن لوْ أرَاهُ عَانِياً لَكَفَيتُهُ، ... وَمَن لوْ رآني عانِياً مَا كَفَانِيَا وَمن قد عصَيتُ الناسَ فيه جماعةً، ... وَصرّمتُ خُلاّناً لَهُ، وَجَفَانِيَا غايات الوصال وبإسناده أخبرنا محمد بن خلف قال: أنشدت للحكم بن قنبر: وَقائِلَةٍ صِلْ غَيرَها قَد تَبَدّلَتْ، ... فإنّ ظِرَافَ الغَانِيَاتِ كَثيرُ فقُلتُ لهَا قَلبي يَقولُ: وَهَلْ لهَا، ... وَإنْ صَرَمتني، في الظّرَافِ نَظِيرُ؟ فكُفّي، فإنّي في اطّلابي لِوَصْلِهَا، ... بأرْبَعِ غَايَاتِ الوِصَالِ نَضِيرُ

стр. 554

البين مضر للمشغوف وبإسناده أخبرنا محمد بن خلف، حدثني أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثني أبو عبد الرحمن الغلابي قال: قال إسحاق: جاء رجل من التجار بقينة يعرضها على الرشيد، وأمر بإدخالها مقصورةً لتهيأ فيها، فدخل الفضل بن الربيع ليعترضها، ويخبر أمير المؤمنين، فأخذت العود، وأصلحته، وجعلت تنظر في وجه مولاها، وعيناها تذرفان، وغنت: قَدْ حَانَ منك، فلا تَبعُدْ بِكَ الدّارُ، ... بَينٌ، وَفي البَينِ للمَشْغُوفِ أضرَارُ فأخبر الفضل بن الربيع الرشيد الخبر، فأمر بردها على مولاها، وأمر له بعشرة آلاف درهم. ما أعف وأمجد أخبرنا أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف قال: أنشدت لجميل بن عبد الله بن معمر: أقُولُ، وَلمّا تَجزِ بالودّ طائلاً، ... جَزَى اللهُ خَيراً، ما أعَفّ وَأمجَدا فقالتْ: بِغَيري كُنتَ تَهتِفُ دائِباً، ... وَكُنتَ صَبُوراً للغَواني مُصَيَّدا فقُلتُ: فمَنْ ذا يَتّمَ القَلبَ غيركُم ... وَعَوّدَهُ غَيرَ الّذي كانَ عَوّدا فقالت لتِربَيها، لتَصديقِ قَوْلِهَا، ... هلُمّا اسمَعَا مِنهُ المَقَالَةَ وَاشهدَا فقالت: وَهَل في ذاكَ بأسٌ، وَإنّمَا ... أُرِيدُ لِكَيمَا تُسعدِاني، وَتُحمدَا

стр. 555

موهوب للمنايا وبإسناده قال أنشدت لأعرابي: لَقَدْ وَهَبَتني للمَنَايَا غَرِيرَةٌ، ... قَرِيبَةُ عَهدٍ بِالصِّبَى وَالتّمَائِمِ أأجعَلُها كالرّثمِ، حَاشَى لحُسنِهَا ... وَللرَّخصِ مِنْ أطرَافِهَا وَالمَعَاصِمِ بَلى! إنّ طَرْفَ الرّثمِ يُشبِهُ طَرْفَها، ... وَمِنهَا استَعارَ الجيدَ ظَبيُ الصّرَائِمِ خَلَوْتُ بهَا لَيلاً، وَثَالِثُنَا التّقَى، ... وَلَستُ عَلى ذاكَ العَفافِ بنادِمِ الفتول الخثعمية وحلف الفضول ذكر أبو القاسم منصور بن جعفر الصيرفي في كتابه كتاب المجالسات، حدثني أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن موسى عن الزبير، حدثني غير واحد منهم عن عبد العزيز بن عمر القيسي عن مفتي بن عبد الله بن عنبسة: أن رجلاً من خثعم قدم مكة تاجراً، ومعه بنت له يقال لها الفتول، فعلقها نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة، فلم يبرح حتى نقلها إليه وغلب أباها عليها، فقيل لأبيها: عليك بحلف الفضول. فأتاهم، فشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيه بن الحجاج، فقالوا له: أخرج ابنة هذا الرجل، وهو يومئذ متبد بناحية مكة، وهي معه. فقال: يا قوم متعوني منها الليلة. قالوا له: لا والله، ولا ساعةً، فأخرجها، فأعطوها أباها، وركبوا وركب معهم الخثعمي، فلذلك

стр. 556

يقول نبيه بن الحجاج: رَاحَ صَحبي وَلمْ أُحَيّ الفَتُولا، ... لَمْ أُوَدّعْهُمُ وَداعاً جَمِيلا إذ أجَدّ الفُضُولُ أنْ يَمنَعُوهَا ... قَدْ أُرَاني، وَلا أخَافُ الفُضُولا عفة ووجه صبيح أخبرنا أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم البصري، حدثنا محمد بن خلف أنشدت لبعض الأعراب: يا خَليليّ هَجِّرَا كَيْ تَرُوحَا، ... هِجتُما للسّقَامِ قَلباً قَرِيحَا إنْ تُرِيحَا كَيْ تَعلَما سِرّ سُعدى ... تَجِدانِي بِسرّ سُعدَى شَحِيحا كَلّمَتني، وَذّاكَ ما نِلتُ مِنَها؛ ... إنّ سُعدى تَرَى الوِصَالَ قَبِيحَا إنّ سُعدَى لَمُنيَةُ المُتَمَنّي، ... جَمَعَتْ عِفّةً وَوَجهاً صَبِيحَا صدق الواشون وبالإسناد قال أنشدت لقيس بن الملوح: فماذا عَسَى الوَاشُونَ أن يَتَحدّثُوا ... سِوَى أنْ يَقُولُوا إنّني لكِ عَاشِقُ نَعَم! صَدَقَ الوَاشُونَ! أنتِ كَرِيمةٌ ... عليّ، وَأهوَى منكِ حُسنَ الخلائِقِ كذا ذكر والصواب: نَعَم! صَدَقَ الوَاشُونَ! أنتِ حَبيبَةٌ ... إليّ، وَإنْ لم تَصفُ مِنكِ الخلائِقُ

стр. 557

سواء في الهوى في المجالسات حدث أبو القاسم منصور بن جعفر الصيرفي، حدثني أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله المحرر، أخبرني بعض أصحابنا، أخبرني صديق لي من أهل المدينة قال: كان لنا عبد أسود يستقي الماء، فهوي جارية لبعض المدنيين سوداء، وكان يواصلها سراً منا، فلم يزالا كذلك حتى اشتهر أمرهما، وظهر، فشكا مولى الجارية الغلام إلى أبي، فضربه وحبسه وقيده، فمكث أياماً على هذه الحال ثم دخلت إليه فقلت له: ويلك! قد فضحتنا وشهرتنا بحبك لهذه السوداء، وتعرضت فيها للمكروه، فهل تجد بك مثل وجدك بها؟ فبكى، وأنشأ يقول: كِلانا سَوَاءٌ في الهَوَى غيرَ أنّها ... تَجَلّدُ أحياناً، وَما بي تَجَلّدُ تَخافُ وَعِيدَ الكَاشِحِينَ، وَإنّمَا ... جنوني عَلَيها حينَ أُنهَى وَأُوعَدُ قال: فخبرت بذلك أبي، فحلف أنه لا يبيت أو يجمع بينهما، فاشتراها له أبي باثي عشر ديناراً وزوجها منه. قتيل لا قود له ولا دية أنبأنا القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد بن متويه البلخي، حدثنا أحمد بن إسماعيل الكرابيسي، حدثنا معبد بن فرقد البلخي، حدثنا سليمان بن أبي عبد الرحمن عن مجالد بن عبد الرحمن الأندلسي عن عطاء أن عكرمة قال: كنا عند ابن عباس في آخر أيام العشر في المسجد الحرام، إذ أقبل فتيان يحملون فتىً، حتى وضعوه بين يدي ابن عباس فقالوا: استشف الله له تؤجر.

стр. 558

فقال لهم: ما به؟ فأنشأ الفتى يقول: وَبي من جَوَى الأسقامِ وَالحبّ لَوْعَةٌ، ... تكادُ لها نَفسُ الشّفيقِ تَذُوبُ وَلَكِنّمَا أبقى حُشَاشَةَ مَا تَرَى ... عَلى مَا بِهِ عُودٌ هُنَاكَ صَلِيبُ قال ابن عباس: والله ما رأيت وجهاً أعتق، ولا لساناً أذلق، ولا عوداً أصلب من هذا، هذا والله قتيل الحب والهوى، لا قود له ولا دية. الدمع المبتذل وأنبأنا القاضي أبو الطيب، سمعت أبا جعفر الموسائي العلوي يقول: حدثني محمد بن أحمد بن الرصافي قال: قال لي عبد الملك بن محمد: إني خرجت من البصرة أريد الحج، فإذا أنا بفتىً نضوٍ قد نهكه السقام، يقف على محمل محمل، وهودج هودج، ويطلع فيه، فتعجبت منه ومن فعله، فقال: أحُجّاجَ بَيتِ اللهِ في أيّ هَوْدَجٍ، ... وَفي أيّ خِدْرٍ مِنْ خُدورِكُمُ قلبي؟ أأبقَى أسِيرَ الحُبّ في دارِ غُرْبَةٍ، ... وَحَادِيكُمُ يَحدُو بقَلبيَ في الركبِ؟ فلم أزل أقف عليه، حتى جاء إلى المنزل، فاستند إلى جدار ثم قال: خَلّ فَيضَ الدّمعِ يَنهَملُ، ... بَانَ مَن تَهوَاهُ فارْتَحلوا كُلُّ دَمعٍ صَانَهُ كَلِفٌ ... فَهوَ يَوْمَ البَينِ مُبتَذَلُ قال: ثم تنفس الصعداء، وشهق شهقةً، فحركته، فإذا هو ميت.

стр. 559

يقتل من يحبه أنبأنا القاضي أبو الطيب، سمعت أبا القاسم بن متويه يقول: رشق الجماني العلوي غلاماً له وكان يحبه، فقتله، وقال فيه: فإنْ تَكُ قد قُتِلتَ بسَهمٍ رَامٍ، ... وَكانَتْ قَوْسُهُ سَبَباً لحَتفِك فَكَمْ يَوْمٍ أدَمتَ القَتلَ فِيهِ، ... بقَوْسَيْ حاجبَيك وَسَهمٍ طَرْفكِ هذا مليح أخبرنا أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب بالشام، أنبأنا أبو الفرج التميمي أنشدنا أبو الحسن السلامي لنفسه: ظَبيٌ إذا لاحَ في عَشِيرَتِهِ ... يَطرُقُ بالهَمّ قَلبَ مَن طَرَقَهْ سِهَامُ ألحَاظِهِ مُفَوَّقَةٌ، ... فكلّ مَنْ رَامَ وَصلَهُ رَشقَهْ بَدائِعُ الحُسنِ فِيهِ مُفتَرِقَهْ، ... وَأنفُسُ العَاشِقينَ مُتّفِقَهْ قد كتبَ الحُسنُ فَوْقَ عارِضِهِ: ... هَذا مَليحٌ وَحَقِّ مَنْ خَلَفَهْ

стр. 560

الشاهد الغائب أنبأنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأزجي، حدثنا أبو أحمد عبيد الله بن محمد بن أبي مسلم، حدثنا أبو بكر الصولي قال: كنا يوماً عند تغلب، فأقبل محمد بن داود الأصفهاني، فسلم عليه أبو العباس، ثم قال له: أهاهنا شيء من صيودك؟ فأنشده: سَقَى اللهُ أيّاماً لَنَا وَلَيَالِيَا، ... لَهُنّ بأكنَافِ الشّبَابِ مَلاعِبُ إذِ العَيشُ غَضٌّ، وَالزّمانُ مطاوِعٌ، ... وَشاهِدُ آفاتِ المُحبّينَ غَائِبُ السقم المسروق قال: وأنشدني أبو بكر الصولي: أحبَبتُ مِنْ أجلِهِ من كانَ يُشبُهُ، ... وَكُلُّ شَيءٍ مِنَ المَعشُوقِ مَعشوقُ حتى حَكيتُ بِجسمي مَا بمُقلَتِهِ، ... كَأنّ سُقمي مِن جَفنَيهِ مَسرُوقُ حياة الكلام وموت النظر أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم الزبيبي، حدثنا محمد بن خلف، حدثني أحمد بن طيفور، حدثنا عبد الله بن أحمد، أخبرني أبو أحمد الغساني عن أعرابي من عذرة يكنى أبا المعرج قال: نزل أعرابي من بني أسد بأعرابية من طي في يوم صائف، فأتته بقرىً حاضر وماء بارد، فنظر إليها، ففتنته بنظرها من وراء البرقع، فراودها عن

стр. 561

نفسها، فقالت: يا هذا! أما يقذعك الإسلام والكرم؟ كل وقل، وإن أردت غير ذلك فارتحل، فأنشأ الأسدي يقول: تَقولُ لي عمرَةُ قوْلَ المُبتَعِلْ: ... للضّيفِ حَقّ يا فتَى فكُلْ وَقِلْ فعِندنَا ما شِئتَ من بَرْدٍ وَظِلٍّ، ... أمّا الذي تَطلبُهُ، فَلا يَحِلْ يَمنَعُ مِنهُ الدِّينُ وَالعِرْقُ الأصُلْ قال: وعلقها، فقال: فزوجيني نفسك. فقالت: شأنك وأوليائي؟ فأتاهم، فخاف أن لا يزوجوه للعداوة التي بينهم، فانتسب عذرياً، فزوجوه، فأقام معها زماناً ثم علم به أهلها، فقالوا: يا هذا والله إنك لكفؤ كريم، ولكنا نكره أن تنكح منا وأنت حربنا، فخل عن صاحبتنا، وقد كان تزايد وجده بها لما رأى من موافقتها وحسنها، وكانت تهالكه عند الجماع، فطلقها وقال: أحِبّكِ يا عمَرَ حُبّ المُسِرّ، ... لِطُولِ الحَياةِ وَأمنِ الغِيَرْ وَيُعجِبُني مِنكِ عِندَ الجِما ... عِ حياةُ الكلامِ وَموْتُ النّظرْ وَهَجرُكِ يَرْمِينَ بالمُنكرَاتِ ... أغالِيظَ ذو السَّكَرِ المُبتَهِرْ وَذو أشَرٍ بَارِدٍ طَعمُهُ، ... وَرَابي المَجَسّةِ سُخنِ القَعَرْ

стр. 562

الأخوات الثلاث وكتابهن أخبرنا أبو الغنائم محمد بن علي بن علي في ما أجاز لنا، حدثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، حدثنا الحسين بن القاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني عم لي قال: ذكر لي رجل من أهل المدينة أن رجلاً خرج حاجاً، فبينا هو قد نزل تحت سرحة في بعض الطريق، بين مكة والمدينة، إذا هو بكتاب معلق في السرحة مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الحاج القاصد بيت الله إن ثلاث أخوات فتيات خلون يوماً، فبحن بهواهن، وذكرن أشجانهن، فقالت الكبرى منهن: عَجِبتُ له أن زَارَ في النّوْمِ مَضْجعي، ... وَلَوْ زَارَني مُستَيقظاً كانَ أعجَبَا وقالت الوسطى: ما زَارَني في النّوْمِ إلاّ خَيالُهُ، ... فقُلتُ لَهُ: أهلاً وَسَهلاً وَمَرْحَبَا وقالت الصغرى: بنَفسِي وَأهلي مَن أرَى كُلَّ لَيلَةٍ ... ضَجيعي، وَرَيّاهُ من المِسكِ أطيَبَا وفي أسفل الكتاب: رحم الله من نظر في كتابنا هذا وقضى بيننا بالحق ولم يجر في القضية. قال: فأخذ الكتاب فتى وكتب في أسفله: أُحَدّثُ عَنْ حُورٍ تَحَدّثنَ مَرّةً، ... حديثَ امرِئٍ سَاسَ الأمورَ وَجرّبَا ثَلاثٍ كَبَكرَاتِ الهِجَانِ عَطابلٍ، ... نَوَاعِمَ يَقتُلنَ اللّئيمَ المُسَبّبَا خَلَوْنَ، وَقد غابتْ عُيُونٌ كَثيرَةٌ، ... مِنَ اللاءِ قَد يَهوَينَ أنْ يَتَغَيّبَا فَبُحنَ بما يُخفِينَ من لاعِجِ الهَوَى، ... مَعاً، وَاتّخَذنَ الشّعرَ مَلهىً ومَلعَبَا

стр. 563

عَجبتُ له أن زَارَ في النّومِ مَضجَعي، ... وَلَوْ زَارَني مُستَيقِظاً كانَ أعَجَبَا وَإذ أخبرَتْ ما أخبرَتْ وَتَضاحَكَتْ، ... تَنَفّسَتِ الأخرَى، وَقالت تطرُّبَا: وَما زَارَني في النّوْمِ إلاّ خَيَالُهُ، ... فقُلتُ لهُ: أهلاً وسَهلاً وَمَرْحَبَا وَشُوّقَتِ الأخرَى وَقالَتْ مُجيبَةً ... لَهُنّ بقَوْلٍ كانَ أشهَى وَأعذَبَا: بنَفسِي وَأهلي مَن أرَى كلّ لَيلَةٍ ... ضَجيعي، وَرَيّاهُ مِنَ المِسكِ أطيَبَا فلَمّا تَبَيّنتُ الذي قُلنَ وَانبَرَى ... ليَ الحُكمُ لم أترُكْ لدى القَوْلِ مَعتَبَا قَضَيتُ لصُغرَاهُنّ بالظّرْفِ، إنّني ... رَأيتُ الذي قالتْ إلى القَلبِ أطرَبَا غريبان وجارية أخبرنا أبو الفتح عبد الواحد بن الحسين بن شيطا وأبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين قالا: حدثنا أبو القاسم بن سويد العدل، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا ابن علي الكاتب، أخبرني بعض أصحابنا من الكتاب قال: دخلت البصرة أنا وصديق لي، فرأيت جارية قد خرجت من بعض الدور كأنها فلقة قمر، فقلت لصاحبي: لو ملت بنا إليها فاستسقيناها ماء؟ ففعل، فقلنا له: جعلنا الله فداءك، اسقينا ماء، فقالت: نعم، وكرامة! فدخلت وأخرجت كوز ماء، وهي تقول: ألا حَيِّ شَخْصَيْ قاصِدَينِ أرَاهُمَا ... أقَامَا فَما أن يَعرِفَا مُبتَغَاهُمَا هُمَا استَسقَيَا مَاءً عَلى غَيرِ ظَمأةٍ ... لِيَستَمتِعَا باللّحظِ مِمّنْ سَقَاهُمَا فقلت لها: جعلني الله فداءك، فهل لك في الخلوة؟ فولت، وهي تقول: شه! أجمل أنا فيركبني اثنان؟

стр. 564

المضل إبله والجارية الموجعة القلب أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي، حدثنا إبراهيم بن محمد الطائفي، حدثني صقر بن محمد مولى قريش، حدثنا الأصمعي قال: سمعت رجلاً من بني تميم يقول: أضللت إبلاً لي، فخرجت في طلبهن، فمررت بجارية أعشى نورها بصري، فوقفت بها، فقالت: ما حاجتك؟ قلت: إبل لي أضللتها، فهل عندك شيء من علمها؟ قالت: أفلا أدلك على من عنده علمهن؟ قلت: بلى! قالت: الذي أعطاكهن هو الذي أخذهن، فاطلبهن من طريق التيقن لا من طريق الاختيار. ثم تبسمت، وتنفست الصعداء، ثم بكت وأطالت البكاء، وأنشأت تقول: إني وَإنْ عَرَضَتْ أشياءُ تُضحِكُني، ... لمُوجَعُ القَلبِ مطوِيّ عَلى الحَزَنِ إذا دَجا اللّيلُ أحيا لي تَذَكّرَهُ، ... وَالصّبحُ يَبعَثُ أشجاناً عَلى شَجَنِ وَكيفَ تَرْقُدُ عَينٌ صَارَ مُؤنِسُهَا ... بَينَ التّرَابِ، وَبَينَ القَبرِ وَالكَفَنِ أبلَى الثّرَى وَتُرَابُ الأرْضِ جِدّتَهُ، ... كأنّ صُورَتهُ الحَسناءَ لَمْ تَكُنِ أبكي عَلَيهِ حَنيناً حِينَ أذكُرُهُ، ... حَنينَ وَالِهَةٍ حَنّتْ إلى وَطَنِ أبكي على مَن حَنَتْ ظهرِي مُصِيبَتُهُ، ... وَطَيّرَ النّوْمَ عَن عَيني وَأرّقَني وَاللهِ لا أنسَ حبّي الدهرَ ما سَجَعتْ ... حَمَامَةٌ، أوْ بَكَى طَيرٌ عَلى فَنَنِ فقلت، عندما رأيت من جمالها وحسن وجهها وفصاحتها وشدة جزعها: هل لك من بعل لا تذم خلائقه وتؤمن بوائقه؟ فأطرقت ملياً ثم أنشأت تقول: كُنّا كَغُصنَينِ في أصلٍ غِذاؤُهُما ... ماءُ الجَدَاوِلِ في رَوْضَاتِ جَنّاتِ فَاجتَثّ خيرَهُمَا من جَنبِ صَاحِبِهِ، ... دَهرٌ يَكُرّ بفَرْحَاتٍ وَتَرْحَاتِ

стр. 565

وَكانَ عَاهَدَني، إنْ خانَني زَمَنٌ، ... أنْ لا يُضَاجعَ أُنثى بَعدَ مَثوَاتي وَكُنتُ عَاهدتُهُ أيضاً، فعَاجَلَهُ ... رَيبُ المَنُونِ مُذْ سُنَيّاتِ فاصرِفْ عِنانَكَ عَمّن لَيسَ يَرْدعُه ... عَنِ الوَفَاءِ خِلابٌ في التحيّاتِ دعه ليوم البعث أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق بقراءتي عليه، حدثنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن بيان الزبيبي، حدثنا محمد بن خلف المحولي، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن الحسين، حدثني محمد بن سلام الجمحي قال: سمعت خارجة بن زياد، وهو من بني سليم، يذكر قال: هويت امرأة من الحي، فكنت أتبعها إذا خرجت إلى المسجد، فعرفت مني ذلك فقالت لي ذات ليلة: ألك حاجة؟ قلت: نعم! قالت: وما هي؟ قلت: مودتك. قالت: دع ذلك ليوم التغابن. قال: فأبكتني، والله فما عدت إليها بعد ذلك. لحام بني إسرائيل والجارية أخبرنا أحمد، حدثنا محمد، حدثنا عبد الله، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أحمد بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا مرحوم بن عبد العزيز، حدثنا أبو عمران الجوني قال: كان لحام بني إسرائيل لا يتورع من شيء، فجهد أهل بيت من بني إسرائيل، فأرسلوا إليه جارية منهم تسأله، فمضت إليه، وقالت: يا لحام بني إسرائيل، أعطنا لحماً! فقال: لا! أو تمكنيني من نفسك. فرجعت،
следующие страницы →