Полный текст (5 943 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
ومحق بذلك الكافرين.
الحواشي
(١) "ومحق بذلك الكافرين" كما قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين﴾ الآية. أي: يهلك الكافرين الذين حاربوا يوم أحد ولم يسلموا؛ لأنه تعالى لم يمحق كل كافر، بل بقي منهم كثير على كفرهم. والمعنى: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وإن كان على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم.
ومنها: أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- إذا أصيبوا ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام تعظيمًا لأجرهم, تأسَّى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره والعاقبة للمتقين.
قال ابن إسحاق: أنزل الله في شأن أُحد ستين آية من آل عمران.
وروى ابن أبي حاتم وأبو يعلى من طريق المسْوَر بن مخْرَمَة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: أخبرني عن قصتكم يوم أُحد؟ قال: اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها، ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إلى قوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ . قال: ألقى عليهم النوم، والله أعلم.стр. 982
" غزوة حمراء الأسد ":
وهي على ثمانية أميال من المدينة, على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة.
وكانت صبيحة يوم الأحد لست عشرة، أو لثمان خلون من شوال, على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة لطلب عدوهم بالأمس،
الحواشي
(١) غزوة حمراء الأسد:
بالحاء المهملة والمد. قال أبو عبيد البكري: تأنيث أحمر مضافة إلى أسد، "وهي" أنَّثه لكونه اسمًا للبقعة أو نظرًا للفظ حمراء، وإلّا ففي النور اسم مكان، والقاموس موضع، "على ثمانية أميال", وقيل: عشرة كما في الخميس، "من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت" أيها الذاهب من المدينة "ذا الحليفة", تكون عن يسارك، "وكان صبيحة يوم أحد" وهو يوم السبت، فهذه الغزوة يوم الأحد "ليست عشرة ليلة مضت" عند ابن إسحاق, "أو لثمانٍ خَلَوْنَ" عند ابن سعد، "من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة".
قال اليعمري: والخلاف عندهم كما سبق في أُحد، "لطلب عدوهم" مصدر مضاف لمفعوله، أي: الذين عادوهم "بالأمس" أي: اليوم الذي قبل يوم خروجهم؛ لأنه كما ذكر الواقدي، باتت وجوه الأنصار على بابه ﷺ خوفًا من كرة العدوّ، فلمَّا طلع الفجر وأذَّن بلال بالصلاة، وجاء عبد الله ابن عمرو المزني, فأخبره ﷺ أنه قد أقبل من أهله, حتى إذا كان بملل بميمстр. 983
ونادى مؤذن رسول الله ﷺ : "أن لا يخرج معنا أحدٌ إلّا من حضر يومنا بالأمس"، أي: من شهد أُحدًا.
الحواشي
(١) ولامين, موضع قرب المدينة، إذا قريش قد نزلوا فسمعهم يقولون: ما صنعتم شيئًا، أصبتم شوكة القوم وحدهم, ثم تركتموهم ولم تبيدوهم، فقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم فارجعوا نستأصل من بقي، وصفوان بن أمية يأبى ذلك عليهم ويقول: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا -بمهملة وموحدة، أي: غضبوا، وأخاف أن يجتمع عليكم من تخلف من الخزرج، فارجعوا والدولة لكم, فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم. فقال ﷺ : "أرشدهم صفوان وما كان برشيد، والذي نفسي بيده, لقد سومت لهم الحجارة, ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب"، ودعا ﷺ أبا بكر وعمر, فذكر لهما ما أخبر به المزني، فقالا: يا رسول الله, اطلب العدو ولا يقحمون على الذرية، أي: يدخلون، فلمَّا انصرف من صلاة الصبح ندب الناس، "وأذَّن مؤذن رسول الله ﷺ ".
قال البرهان: لا أعرفه، وفيه تقصير، فقد ذكر الواقدي أنه بلال, أمره أن ينادي: أنَّ رسول الله ﷺ يأمركم بطلب عدوكم, و"أن لا يخرج معنا أحد إلّا من خرج معنا أمس".
زاد ابن إسحاق: وكلمه جابر فقال: إن أبي كان خلَّفني على أخوات لي سبع, وفي لفظ: تسع، وهو الصحيح. وقال: يا بني, إنه لا ينبغي لي ولا لك أن تترك هذه النسوة لا رجل فيهنّ, ولست بالذي أترك الجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسي, فتخلف على أخواتك, فتخلفت عليهنَّ فأذن له ﷺ فخرج معه.
وعند الواقدي: فوثب المسلمون إلى سلاحهم, وما عولوا على دواء جراحهم, وجرح من بني سلمة أربعون جريحًا, بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحًا، وبخراش بن الصمة عشر، وبقطبة بن عامر تسع، وبكعب بن مالك بضعة عشر.
"أي: من شهد أُحد"؛ لعل حكمة ذلك وإن كان خروج المتخلفين فيه زيادة في إرهاب الأعداء وتقوية المسلمين، أنه أراد إظهار الشدة للعدو, فيعلمون من خروجهم مع كثرة جرحاتهم أنَّهم على غاية من القوة والرسوخ في الإيمان وحب الرسول, والزيادة في تعظيم من شهد أُحد، أو أنه خاف اختلاط المنافقين بهم فيمنون عليه بعد بخروجهم معهم وهم مسلمون ظاهرًا، فلا يرد أنه كان يمنعهم دون المسلمين.
وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة: لما انصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في أثرهم"، فانتدب منهم سبعون رجلًا فيهم أبو بكر والزبير.
زاد الطبراني عن ابن عباس، وعمر وعثمان وعلي وعمّار وطلحة وسعد وابن عوف وأبو عبيدة وحذيفة وابن مسعود.стр. 984
وإنما خرج ﵊ مرهبًا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنّوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.
الحواشي
(١) قال الحافظ ابن كثير: هذا سياق غريب جدًّا، فالمشهور عند أصحاب المغازي أنَّ الذين خرجوا إلى حمراء الأسد كل من شهد أُحدًا، وكانوا سبعمائة، قُتِلَ منهم سبعون، وبقي الباقون.
قال الشامي: والظاهر أنه لا تخالف بين قولي عائشة وأصحاب المغازي؛ لأن معنى قولها: فانتدب منهم سبعون، أنهم سبقوا غيرهم، ثم تلاحق الباقون, ولم ينبه على ذلك الحافظ في الفتح، انتهى.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتوم.
قال ابن سعد: ودعا ﷺ بلوائه وهو معقود لم يحل, فدفعه إلى عليِّ، ويقال: إلى أبي بكر الصديق. "وإنما خرج ﵊ مرهبًا." قال البرهان: بكسر الهاء, اسم فاعل، أي: مخيفًا "للعدو, وليبلغهم أنه خرج في طلبهم" عطف سبب على مسبب، أي: خرج ليبلغهم فيخافوا، وفي نسخة: حذف الواو وهو الذي في ابن إسحاق، وكذا في العيون عنه، "ليظنوا به قوةً, وأن الذي أصابهم لم يوهنهم", أي: لم يضعفهم، "عن عدوهم،" فهذا سبب الغزوة عند ابن إسحاق، وعند موسى بن عقبة وغيره أن سببها ما بلغه من إرادة أبي سفيان العود لاستئصال المسلمين، كذا جعله الشامي خلافًا، وانتقده شيخنا بأنَّ مثل هذا لا يستلزم أن يكون خلافًا في السبب، بل يجوز أنه لما بلغه خبر أبي سفيان خرج لإرهاب العدو حتى لا يرجعوا إلى المدينة, فذكر ابن عقبة السبب الحقيقي وهو بلوغ خبر أبي سفيان وابن إسحاق, ما أراده ﷺ بعد بلوغ الخبر.
وذكر ابن سعد أنه ﷺ ركب فرسه وهو مجروح، فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعةً في آثار القوم، فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد, ولهم زجل, ويأتمرون بالرجوع, وينهاهم صفوان، فبصروا بالرجلين فقتلوهما، ومضوا ومضى ﷺ بأصحابه, ودليله ثابت بن الضحاك بن ثعلبة بن الخزرج، حتى عسكر بحمراء الأسد، فوجد الرجلين فدفنهما بقبر واحد.
وروى النسائي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدًا قتلتم ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم ارجعوا، فسمع بذلك ﷺ , فندب المسلمين فانتدبوا, حتى بلغ حمراء الأسد، أو بئر أبي عتبة، فأنزل الله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ [آل عمران: ١٧٢] الآية، وهذا قول أكثر المفسرين ورجَّحه ابن جرير.
وقال مجاهد وعكرمة: نزلت في بدر الصغرى.
قال ابن كثير: والصحيح الأول.стр. 985
وأقام ﵊ بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة يوم الجمعة, وقد غاب خمسًا.
وظفر ﵊ في مخرجه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص, فأمر بضرب عنقه صبرًا.
الحواشي
(١) "وأقام ﵊ بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء".
قال ابن سعد: وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار، حتى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معكسرهم ونيرانهم في كل وجه، فكبت الله بذلك عدوهم.
وعند ابن إسحاق: أنه لقيه بحمراء الأسد معبد بن أبي معبد الخزاعي، فعزاه بمصاب أصحابه، وهو يومئذ مشرك، وأسلم بعد, كما جزم به ابن عبد البر وابن الجوزي، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان وأصحابه وهم بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة وقالوا: أصبنا في أُحد أصحاب محمد وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؛ لنكِرنَّ عليهم فلنفرغنَّ منهم، فلمَّا رأى أبو سفين معبدًا قال: ما وراءك؟ قال: محمد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط, يتحرقون عليكم تحرقًا, قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم, وندموا على ما صنعوا, فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول! قال: ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فثنى ذلك المشركين فرجعوا إلى مكة.
وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه، فرجع إلى مكة. فقال ﷺ : "إن أبا سفين قد أصاب منكم طرفًا، وقذف الله في قلبه الرعب".
"ثم رجع" ﷺ بأصحابه بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء "إلى المدينة يوم الجمعة", لم يذكر ابن إسحاق وأتباعه يوم الجمعة، فلعله ﷺ خرج من حمراء الأسد يوم الخميس، وبات بالطريق لغرض ما ليلة الجمعة، ثم دخل يومها، "وقد غاب خمسًا" كما جزم به البلاذري، "وظفر ﵊ في مخرجه ذلك", أي: رجوعه من حمراء الأسد قبل روعه إلى المدينة "بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص" بن أمية بن عبد شمس، وهو جد عبد الملك بن مروان أبو أمه عائشة، "فأمر بضرب عنقه صبرًا" بأن أوثقه حتى أمر بقتله.
قال ابن هشام: ويقال: إن زيد بن حارثة وعمَّار بن ياسر قتلاه بعد حمراء الأسد، كان لجأ إلى عثمان فاستأمن له رسول الله ﷺ ، فأمَّنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قُتِل، فأقام بعد ثلاثстр. 986
قال الحافظ مغلطاي: وحُرِّمَت الخمر في شوال، ويقال: سنة أربع. انتهى.
قال أبو هريرة فيما رواه أحمد: حُرِّمَت الخمر ثلاث مرات, قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر،.............................................
الحواشي
(١) وتوارى، فبعثهما ﷺ فقال: "إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا"، فوجداه فقتلاه، وبهذ عارض البرهان الأول. وجمع شيخنا بأنه لما توارى أرسل يطلبه، فظفر به زيد وعمَّار وأوثقاه وجاءا به إلى النبي ﷺ , فأمرهما بقتله, وأنهما لما ظفرا به أوثقاه ثم قتلاه اكتفاء بإشارته لهما بقتله، فيكون في قوله: "أمر بضرب عنقه صبرًا" تسمح.
وفي سيرة ابن هشام: وأخذ ﷺ أبا عزَّة -بعين مهملة وزاي مشددة مفتوحة وتاء تأنيث- عمرو بن عبد الله الجمحي، وكان أسره ببدر، ثم مَنَّ عليه فقال: يا رسول الله, أقلني، فقال: "والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول: خدعت محمدًا مرتين، اضرب عنقه يا زبير"، فضرب عنقه.
قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال ﷺ : "إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت"، فضرب عنقه.
"قال الحافظ مغلطاي: وحُرِّمَت الخمرة في شوال" سنة ثلاث بعد وقعة أُحد. ففي الصحيح عن جابر قال: اصطبح الخمر يوم أُحد ناس، ثم قتلوا شهداء. زاد في رواية: وذلك قبل تحريمها، "ويقال: سنة أربع"، ذكره ابن إسحاق وفيه نظر؛ لأن أنسًا كان الساقي يوم حُرِّمَت، فلمَّا سمع النداء بتحريمها بادر فأراقها. فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر ع ذلك "انتهى" كلام مغلطاي بما زدته، كما نقله عنه المصنف في الحديبية، وفي نظره نظر؛ لأن أنسًا كان ابن أربع عشرة سنة، فليس يصغر عن ذلك على أن إراقتها كان بأمر الصحابة له، كما في البخاري عنه. وجزم الدمياطي بأن تحريمها كان سنة الحديبية.
"قال أبو هريرة فيما رواه أحمد: حُرِّمَت الخمر ثلاث مرات", أي: نزل تحريمها في القرآن ثلاثًا، إلّا أنها حرمت ثم حرمت. وهكذا قال الإمام الشافعي: ليس شيء أُحِلَّ ثم حُرِّمَ، ثم أُحِلَّ ثم حُرِّمَ إلا المتعة. قال بعضهم: نسخت ثلاثًا، وقيل: أكثر. ويدل عليه اختلاف الروايات في وقت تحريمها، نقله الحافظ في تخريج الرافعي, ومَرَّ في تحويل القبلة عن ابن العربي أنها كنكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية, نُسِخَت مرتين.
وزاد أبو العباس العزفي: الوضوء مما مسَّت النار، وأيًّا كان فليس الخمر منها, وبين المرات بقوله: "قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر" أي: يتناولون المال المتحصل من القمار، ويصرفونه في منافعهم، وخصَّ الأكل لكثرة وقوعه وعمومهстр. 987
فسألوا رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] إلى آخر الأية. فقال الناس: ما حرم علينا، إنما قال: فيهما إثم كبير.
وكانوا يشربون الخمر حتى كان يومًا من الأيام صلى رجل من المهاجرين, أمَّ أصحابه في المغرب خلط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] .
الحواشي
(١) والاحتياج إليه، "فسألوا رسول الله ﷺ عنهما" عن حكمهما أحلال أم حرام؟ "فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية، ما حكمهما؟ ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِير﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية، عظيم, وفي قراءة بالمثلثة لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة، وقول الفحش، ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاس﴾ باللذة والفرح في الخمر، وإصابة المال بلا كَدٍّ في الميسر "إلى آخر الآية", يعني: وإثمهما أكبر من نفعهما، "فقال الناس: ما حرم علينا, إنما قا فيهما إثم كبير" كأنهم فهموا أن المراد به ما يكون سببًا لفعل الحرام من تغيير العقل بالخمرة، وقيام النفوس بالقمار, فهما مظنة للحرام، ولا يلزم منه التحريم، "وكانوا يشربون الخمر", وفي إقراره ﷺ لهم دليل على أن المراد ما فهموه "حتى كان" وجد "يوم من الأيام" وفي نسخة: يومًا بالنصب على الظرفية، أي: في يوم، وعلى التقديرين فقوله: "صلى رجل" في موضع المصدر, لكن على النصب, المصدر المؤوّل اسم كان، وعلى الرفع فاعل لفعل مقدَّر، أي: حتى وجد يوم وقع فيه صلاة رجل "من المهاجرين" هو علي، وقيل: ابن عوف، على ما حكاه ابن كثير، "أمَّ أصحابه في المغرب خلط في قراءته".
وروى أبو داود، والترمذي، وحسَّنه النسائي والحاكم عن علي قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منَّا وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ونحن نعبد ما تعبدون، "فأنزل الله آية أغلظ منها فيها،" ولم تقع هذه الجملة في حديث علي, إنما قال: فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣] الآية، أي: لا تصلوا ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] الآية، من الخمر عند الأكثرين؛ لأن سبب نزولها صلاة جماعة حال السكر.
وقال الضحاك: المراد من النوم، قاله البغوي، ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] الآية" بأن تصحوا، وكان وجه الغلظ اشتمالها على النهي صريحًا، لكنه ليس عن شرب الخمر،стр. 988
وكان الناس يشربون ثم نزلت آية أغلظ منها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] قال: انتهينا ربنا.
والميسر: القمار وقيل غيره.
الحواشي
(١) وإنما هو عن الصلاة مع السكر خصوصًا، وقد فسَّر البيضاوي السكر بما يشمل غير الخمر من نحو نوم حتى ينتبهوا.
وقال ابن كثير: يحتمل أنَّ المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية؛ لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة أوقات من الليل والنهار، فلا يتمكَّن شارب الخمر من أدائها في أوقاتها دائمًا، انتهى. فكأنما قيل لهم: حال الصحو لا تسكروا لئلّا يفوتكم به شيء من الصلاة.
"وكان الناس يشربون،" لأنهم ما نهوا عنه، "ثم نزلت آية أغلظ من ذلك" للأمر الصريح باجتنابها، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] "الآية، إلى قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآية، وضمير اجتنبوه للرجس المعبّر به عن هذه الأشياء، كما جزم به الجلال.
وزاد البيضاوي: أو للتعاطي. قال: وأكد تحريمهما فصدر الجملة بإنما, وقرنهما بالأنصاب والأزلام، وسمَّاهما رجسًا، وجعلهما من عمل الشيان تنبيهًا على أنَّ الاشتغال بهما شر بحت أو غالب، وأمر باجتناب عينهما، وجعله سببًا يرجى منه الفلاح، ثم قرر ذلك بأن بيِّن ما فيهما من المفاسد، فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَان﴾ الآية. "قال: انتهينا ربنا" كذا في النسخ.
فقال الشارح: قائله عمر، كما مَرَّ عن البيضاوي, والذي مَرَّ حديث آخر غير هذ، والذي في المسند لأحمد عن أبي هريرة، ثم نزلت آية أغلظ من ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون﴾ [المائدة: ٩١] الآية، قالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فراشهم، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا من عمل الشيطان، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية، إلى آخر الآية. "والميسر" بكسر السين، وتضم وتفتح كما في القاموس، "القمار" بكسر القاف.
قال البيضاوي: سُمِّيَ به؛ لأنه أخذ مال الغير بيسر أو سلب يساره، أي: غناه، "وقيل غيره", فقيل هو التردد، وقيل: اللعب بالقداح، وقيل: الجزور التي كانوا يتقامرون عليها إذا أرادوا أن ييسروا، اشتروا جزورًا نسيئة، ونحروه قبل أن ييسروا، وقسموه ثمانية وعشرين قسمًا، وعشرة أقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل، ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء،стр. 989
وولد الحسن بن علي في هذه السنة.
الحواشي
(١) وغرم من خرج لهم الغفل، كذا في القاموس، انتهى.
"وولد الحسن بن علي في هذه السنة"، سنة ثلاث في منتصف رمضان.
قال أبو عمر: هذا أصحّ ما قيل، وقيل: ولد لنصف شعبان سنة ثلاث، وقيل: ولد بعد أُحد بسنة، وقيل: بسنتين، حكاها ابن الأثير.
قال الواقدي: وحملت فاطمة بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، وكانت الداية أسماء بنت عميس وأم أيمن.
وروى ابن منده عن سوادة الكندية، قالت: كنت فيمن شهد فاطمة حين ضربها المخاض، فجاء ﷺ فقال: "كيف هي"؟ قلت: إنها لتجهد، قال: "فإذا وضعت فلا تحدثي شيئًا" فوضعت ابنًا، فسررته ووضعته في خرقة صفراء، فقال: "ائتيني به"، فلففته في خرقة بيضاء، فتفل في فيه، وسقاه من ريقه، ودعا عليًّا فقال: "ما سميته"؟، قال جعفرًا، قال: "لا, ولكنه الحسن".
وأخرج أحمد وأبو حاتم عن علي, لما ولد الحسن سميته حربًا، فجاء ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه" , قلنا: سميناه حربًا فقال: "بل هو حسن"، فلمَّا ولد الحسين الثالث سميته حربًا، فجاء ﷺ فقال: "أروني ابن ما سميتموه" قلنا: حربًا، قال: "بل هو حسين" , فلمَّا ولد الثالث سميته حربًا, فجاء ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه"، قلنا: حربًا، فقال: "بل هو محسن".стр. 990
" سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ":
ثم سرية عبد الله بن عبد الأسد، هلال المحرَّم على رأس خمس وثلاثين شهرًا من الهجرة، إلى قطن -جبل بناحية فيد-
الحواشي
(١) ثم سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد:
بسين مهملة، ابن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، "هلال المحرَّم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة إلى قطن" بفتح القاف، والطاء المهملة وبالنون، "جبل بناحية فيد" بفتح الفاء وسكون التحتية، وبالدال المهملة.
قال ابن سعد: ماء لبني أسد بن خزيمة، قال غيره: على يمينك إذا فارقت الحجاز وأنت صادر من النفرة.
وقال ابن إسحاق: قطن ماء من مياه بني أسد بنجد, بعث إليه ﷺ أبا سلمة في سرية، فقتل مسعود بن عروة، وما في القاموس: إن فيد قطعة بطريق مكة لا تفهم منه أن السرية إليها؛ إذ لم يقل هو ذلك، والذي ذكره أصحاب المغازي إنما هو ما ذكره، فإنما ذكر الشارح كلامه استطرادًا،стр. 991
ومعه مائة وخمسون رجلًا من الأنصار والمهاجرين، لطلب طليحة وسلمة ابني خويلد، فلم يجدهما، ووجد إبلًا وشاء فأغار عليهما ولم يلق كيدًا.
الحواشي
(١) "ومعه مائة وخمسون رجلًا من المهاجرين والأنصار" منهم أبو عبيدة وسعد وأسيد بن حضير وأبو نائلة وأبو سبرة وعبد الله بن سهل والأرقم، كذا في الخميس، "لطلب طليحة" بالتصغير, وأسلم بعد ذلك، ثم ارتدَّ بعد النبي ﷺ وادَّعى النبوة, فقاتله خالد بن الوليد فهزمه, فهرب إلى الشام، ثم أسلم إسلامًا صحيحًا، ولم يغمض عليه في إسلامه بعد ذلك، وشهد القادسية ونهاوند مع المسلمين، وذكر له الواقدي وغيره مواقف عظيمة في الفتوح، ويقال: إنه استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين، ووقع في الأم للشافعي أن عمر قتل طليحة وعيينة.
قال في الإصابة: وراجعت في ذلك جلال الدين البلقيني فاستغربه جدًّا، ولعله قبل بالباء الموحدة، أي: قبل منهما الإسلام، "وسلمة".
قال البرهان: لا أعرف له إسلامًا، وجزم الشامي بأنه لم يسلم.
"ابني خويلد" قال ابن سعد وغيره: وذلك أن الوليد بن زبير الطائي أخبره ﷺ أنه مَرَّ على طليحة وسلمة وهما يدعوان قومهما ومن أطاعهما لحربه ﷺ , فنهاهم قيس بن الحارث فلم ينتهوا، فدعا ﷺ أبا سلمة وعقد له لواء، وقال: "سِرْ حتى تنزل أرض بني أسد بن خزيمة فأغر عليهم"، فخرج فأسرع السير حتى انتهى إلى أدنى قطن، فأغار على سرح لهم مع رعاء لهم مماليك ثلاثة، وأفلت سائرهم، فجاءوا جمعهم، وأخبروهم الخبر، فتفرقوا في كل وجه، "فلم يجدهما"؛ لأنهم خافوا، فهربوا عن منازلهم، "ووجد إبلًا وشاء" جمع شاة، "فأغار عليهما ولم يلق كيدًا" أي: حربًا.
وعند ابن سعد وغيره: وورد أبو سلمة الماء فعسكر به وفرَّق قومه ثلاث فرق, فرقة قامت معه، وفرقتان أغارتا في ناحيتين شتّى، فرجعتا إليه سالمتين، وقد أصابتا نعمًا وشاءً، فانحدر بهم أبو سلمة إلى المدينة. وأخرج منه صفي رسول الله ﷺ عبدًا، وأعطى الطائي الدليل ما رضي به، ثم خمسها, وقسم الباقي على أهل السرية، قيل: فبلغ سهم كل واحد سبع بعير، وأغنامًا، ومدة غيبته في تلك السرية عشرة أيام، والله أعلم.стр. 992
" سرية عبد الله بن أنيس ":
الحواشي
(١) ثم سرية عبد الله بن أنيس:
بضم أوَّله، وفتح النون وسكون التحتية، ابن أسعد الجهني الأنصاري السلمي، وتردَّد المحب الطبري فيمن هو بعينه لا معنى له؛ لأنه الجهني وهو أشهر ذكرًا من الخمسة الذينстр. 993
ثم سرية عبد الله بن أنيس وحده، يوم الإثنين لخمس خلون من المحرَّم، على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة، إلى سفيان بن خالد الهذلي بعرنة -وادي عرفة؛ لأنه بلغه ﷺ أنه جمع الجموع لحربه.
فلمَّا وصل إليه قال له: ممن الرجل؟ قال: من بني خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد, فجئتك لأكون معك، قال: اجلس. فمشى معه ساعة، ثم اغترَّه.....
الحواشي
(١) وافقوه في الاسم، واسم الأب من الصحابة ﵃، ذكره الشامي.
"ثم سرية عبد الله بن أنيس وحده" إطلاق السرية على الواحد مجاز، "يوم الإثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة إلى سفيان بن خالد" بن نبيح -بضم النون، وفتح الموحدة، وسكون التحتية وبالحاء المهملة, "الهذلي" ثم اللحياني، قاله ابن سعد، وتبعه اليعمري.
وقال ابن إسحاق: لقتل خالد بن سفيان بن نبيح، وفي حياة لحيوان: لقتل خالد بن نبيح، وتبعه المصنف فيما مرَّ, فنسباه لجدّه على قول ابن إسحاق. "بعرنة" بضم العين المهملة، وفتح الراء، والنون فتاء تأنيث، موضع بقرب عرفة موقف الحجيج، كذا في السبل، وقد ينافي قوله "وادي عرفة"؛ لأن ظاهره أن عرفة، بعضه, إلّا أن يكون أضافها إليها لاتصالها بها، ففي النور: عرنة موضع عند الموقف بعرفات.
وقال بعض مشايخ مشايخي قرية بوادي عرفة؛ "لأنه بلغه ﷺ أنه جمع الجموع لحربه،" فقال لعبد الله: "ائته فاقتله"، فقلت: صفه لي حتى أعرفه" قال: "إذا رأيته هبته, وفرقت ووجدت له قشعريرة, وذكرت الشيطان"، وكنت لا أهاب الرجال"، فقلت: يا رسول الله, ما فرقت من شيء قط، فقال: "آية ما بينك وبينه ذلك"، واستأذنته أن أقول، فقال: "قل ما بدا لك".
وقال: انتسب لخزاعة، فأخذت سيفي ولم أزد عليه, وخرجت أعتزي إلى خزاعة، "فلمَّا وصل إليه" بعرنة لقيته يمشي ووراءه الأحابيش, فهبته, وعرفته بنعته ﷺ , فقلت: صدق الله ورسوله، وقد دخل وقت العصر حين رأيته، فصليت وأنا أمشي أومئ برأسي إيماءً، فلمَّا دنوت منه، "قال له: ممن الرجل؟ قال: من بني خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد، فجئتك لأكون معك", قال: أجل إني لفي الجمع له، فمشيت معه، وحدَّثته فاستحلى حديثي، وأنشدته, وقلت عجبًا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث, فارق الآباء وسفّه أحلامهم، قال: إنه لم يلق أحدًا يشبهني، وهو يتوكأ على عصا يهد الأرض، حتى انتهى إلى خبائه، وتفرَّق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه، وهم يطيفون به، فقال: هلمَّ يا أخا خزاعة، فدنوت منه، "قال: اجلس، فمشى معه ساعة" قبل الجلوس، أو المراد مشى معه في الكلام، "ثم اغترَّه" بغين معجمة، أي:стр. 994
وقتله، وأخذ رأسه، فكان يسير الليل ويتوارى النهار، حتى قدم المدينة، فقال له ﵊: "أفلح الوجه"، قال: أفلح وجهك يا رسول الله، ووضع رأسه بين يديه.
وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من محرم.
الحواشي
(١) أخذه في غفلة، "وقتله", عند ابن سعد، فقال: اجلس، أي: في الخباء، فجلست معه حتى إذا نام الناس اغتررته، وفي أكثر الروايات، وهي رواية ابن إسحاق أنه قال: مشيت معه حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف وقتلته، "وأخذ رأسه", قال: ثم أقبلت فصعدت جبلًا فدخلت غارًا وأقبل الطلب، وأنا مكتمن في الغار، وضرب العنكبوت على الغار، وأقبل رجل معه إداوة ضخمة، ونعلاه في يده، وكنت حافيًا، فوضع إداوته ونعله، وجلس يبول قريبًا من فم الغار، ثم قال لأصحابه: ليس في الغار أحد، فانصرفوا راجعين، وخرجت فشربت ما في الإداوة ولبست النعلين، "فكان يسير الليل ويتوارى النهار" خوفًا من الطلب، "حتى في المدينة" فوجده ﷺ في المسجد، "فقال له ﵊: "أفلح الوجه" أي: فاز، قال: أفلح وجهك يا رسول الله", هكذا رواية ابن سعد، وفيها من الأدب ما لا يخفى؛ حيث لم يأت بالعطف المفيد للمشاركة؛ لأن فلاحه ﷺ لا يشاركه فيه أحد، وإن شاركوه في أصل الفلاح.
نعم في رواية: ووجهك بالواو, فلعل إحداهما بالمعنى، أو تكررت بالعطف، ودونه، "ووضع رأسه بين يديه", وأخبرته خبري فدفع إليَّ عصا وقال: "تخصّر بها في الجنة, فإنَّ المتخصرين في الجنة قليل"، فكانت العصا عنده، حتى إذا حضرته الوفاة، أوصى أن يدرجوها في أكفانه، ففعلوا, والتخصر بفتح الفوقية، والخاء المعجمة وضم الصاد المهملة: الاتكاء على قضيب ونحوه، "وكانت غيبته ثماني عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم".
قال ابن عقبة: وزعموا أنه ﷺ أخبر بموته قبل قدوم عبد الله بن أنيس.стр. 995
[بعث الرجيع] :
الحواشي
(١) بعث الرجيع:
"ثم سرية عاصم بن ثابت" بن أبي الأقلح -بالقاف، واللام والمهملة- قيس بن عصمة بن النعمان الأنصاري، من سباقهم إلى الإسلام.
روى الحسن بن سفيان: لما كان ليلة العقبة، أو ليلة بدر، قال ﷺ لمن معه: "كيف تقاتلون"، فقام عصام بن ثابت، فأخذ القوس والنبل، وقال: إذا كان القوم قريبًا من مائتي ذراع، كان الرمي، وإذا دنوا حتى تنالهم الرماح، كانت المداعبة حتى تقصف، فإذا تقصفت وضعناها،стр. 996
ثم سرية عاصم بن ثابت، في صَفَر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة إلى الرجيع -بفتح الراء وكسر الجيم، اسم ماء لهذيل بين مكة وعسفان- بناحية الحجاز، وكانت الوقعة بالقرب منه فسميت به.
وحديث عضل والقارة -بفتح الضاد المعجمة بعده لام- بطن من بني الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ينسبون إلى عضل بن الديش، وأما القارة -بالقاف وتخفيف الراء: بطن من الهون ينسبون إلى الديش المذكور، وقال ابن دريك: القارة: أكمة سوداء فيها حجارة، كأنهم نزلوا عندها فسموا بها.
وقصة عضل والقارة كانت في بعث الرجيع، لا في سرية بئر معونة، وقد فصل بينهما ابن إسحاق، فذكر بعث الرجيع في أواخر سنة
الحواشي
(١) وأخذنا السيوف وكانت المجالدة, فقال ﷺ : "هكذا أنزلت الحرب من قاتل، فليقاتل كما يقاتل عاصم".
وشهد العقبة وبدرًا وأحدًا، "في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة" فتكون في السنة الرابعة، "إلى الرجيع -بفتح الراء وكسر الجيم فتحتية ساكنة فعين مهملة.
قال في الفتح: هو في الأصل اسم للروث, سمي بذلك لاستحالته، والمراد هنا "اسم ماء لهذيل" بذال معجمة, "بين مكة وعسفان", وبينهما مرحلتان "بناحية الحجاز، كانت الوقعة بالقرب منه" بالهداة، كما يأتي، "فسميت به، وحديث عضل" عطف على سرية، "والقارة" وعضل "بفتح" العين المهملة، والضاد "المعجمة بعدها لام، بطن من بين الهون" بضم الهاء وسكون الواو وبالنون كما في الصحاح.
"ابن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، ينسبون إلى عضل بن الديش" بفتح الدال المهملة وكسرها، ثم تحتية ساكنة ثم شين معجمة، كما قاله البرهان، وشيخه المجد في القاموس، ووقع في السبل بدال وسين مهملتين "ابن محكم، والقارة بالقاف وتخفيف الراء" فتاء تأنيث. "بطن من الهون أيضًا، ينسبون إلى الديش المذكور".
"وقال ابن دريد: القارة أكمة سوداء، فيها حجارة كأنهم نزلوا بها" أي: عندها، "فسموا بها" قال: ويضرب بهم المثل في إصابة الرمي, قال الشاعر:
قد أنصف القارة من راماها
"وقصة عضل والقارة كان في" أي: مع "بعث الرجيع لا في سرية بئر معونة" كما قد يوهمه ترجمة البخاري، "وقد فصل" فرق "بينهما ابن إسحاق, فذكر بعث الرجيح في أواخر سنةстр. 997
ثلاث، وبئر معونة أوائل سنة أربع.
وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النبي ﷺ في ليلة واحدة.
وسياق ترجمة البخاري يوهِمُ أن بعث الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك؛ لأن بعث الرجيع كان سرية عاصم وخبيب وأصحابهما، وهي مع عضل والقارة. وبئر معونة كان سرية القراء، وهي مع رعل وذكوان، وكأن البخاري أدمجها معها لقربها منها.
ويدل على قربها منها ما في حديث أنس من تشريك النبي ﷺ بين بني لحيان وبين عصية وغيرهم في الدعاء عليهم.
ولم يرد البخاري ﵀ أنهما
الحواشي
(١) ثلاث" وهذا قول ابن إسحاق, وما مَرَّ أنها في صفر قول ابن سعد فلا يورد عليه، "وبئر معونة في أوائل سنة أربع".
"وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النبي ﷺ في ليلة واحدة", فهذا يدل على أن البخاري أدمجها معها للقرب، والجائي بالخبر الوحي فسيأتي في المتن، فاستجاب الله لعاصم، فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا، ويأتي في بئر معونة عن الحافظ، أن الله أخبر بهم على لسان جبريل.
"وسياق ترجمة البخاري" بقوله: باب غزوة الرجيع، ورعل، وذكوان وبئر معونة، وحديث عضل، والقارة، وعاصم بن ثابت، وخبيب وأصحابه، "يوهم أن بعث الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك؛ لأن بعث الرجيع كانت سرية عاصم وخبيب" بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى مصغرًا، "وأصحابهما, وهي مع عضل، والقارة وبئر معونة كان سرية القراء, وهي مع رعل" بكسر فسكون "وذكوان" بذال معجمة، "وكأنَّ البخاري أدمجها" أدخلها، "معها لقربها منها، ويدل على قربه منها ما في حديث أنس" في الصحيح، "من تشريك النبي ﷺ بين بني لحيان" بكسر اللام وفتحها، "وبين عصية" بضم الضم مصغرًا، "وغيرهم" كرعل وذكوان "في الدعاء عليهم" في قنوت الصبح شهرًا.
ووجه الدلالة أن بعث الرجيع مع بني لحيان وبئر معونة كانت مع عصية ورعل وذكوان، وقد جمع بين الكل في الدعاء، وهنا قال الحافظ، وذكر الواقدي، أنَّ خبر بئر معونة ... إلخ، استدلالًا على القرب أيضًا، فما كان ينبغي للمصنف تقديمه، "ولم يرد البخاري ﵀ أنهماстр. 998
قصة واحدة، ولم يقل ذكر عضل والقارة عنده صريحًا.
وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق, فإنه بعد أن استوفى قصة أُحد قال: ذكر يوم الرجيع: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله ﷺ بعد أُحدٍ رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا، فبعث معهم ستة من أصحابه, وأمَّرَ ﵊ على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي, كذا في السيرة له, وفي الصحيح: وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتي، وهو
الحواشي
(١) قصة واحدة"؛ لأنه خلاف الواقع، فلا يحمل عليه وإن أوهمه كلامه، "ولم يقل ذكر عضل والقارة عنده صريحًا، وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق، فإنه بعد أن استوفى قصة أُحد قال: ذكر يوم الرجيع: حدثني عاصم بن عمر" بضم العين "ابن قتادة" الأنصاري الظفري العلامة في المغازي "قال: قدم على رسول الله ﷺ بعد أُحد رهط من عضل والقارة" سبعة، كما في رواية الواقدي عن شيوخه، مشت بنو لحيان من هذيل بعد قتل سفيان بن نبيح الهذلي إلى عضل والقارة، فجعلوا لهم إبلًا على أن يكلموا رسول الله ﷺ أن يخرج إليهم نفرًا من أصحابه، فقدم سبعة نفر منهم مقرِّين بالإسلام، "فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا" في الدين، ويقرؤننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام.
وفي الصحيح عن أبي هريرة, بعث النبي ﷺ سرية عينًا، وفي رواية: بعث عشرة عينًا يتجسسون له، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: بعثهم عيون إلى مكة ليأتوه بخبر قريش، ويجمع بأنه لما أراد بعثهم عيونًا، وافق مجيء النفر في طلب مَنْ يفقههم، فبعثهم في الأمرين، "فبعث معهم ستة من أصحابه", وسماهم ابن إسحاق فقال: وهم: عاصم ومرثد وخبيب وزيد بن الدثنة وعدب الله بن طارق وخالد بن البكير، وجزم ابن سعد بأنهم كانوا عشرة، فزاد: معتب بن عبيد، وكذا سمَّى موسى بن عقبة السبعة المذكورين، لكن قال: مغيث بن عوف.
قال الحافظ: فلعل الثلاثة الآخرين كانوا أتباعًا فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم.
"وأمَّرَ ﵊ على القوم مرثد" بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح المثلثة وبالدال المهملة "ابن أبي مرثد", صحابي وأبوه صحابي, واسمه كناز -بنون ثقيلة- ابن الحصين، وهما ممن شهد بدرًا "الغنوي" بفتح المعجمة والنون نسبة إلى غني بن أعصر، "كذا في السيرة له" لابن إسحاق.
"وفي الصحيح" من حديث أبي هريرة: "وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتي وهوстр. 999
أصح -فخرجوا مع القوم حتى أتوا الرجيع- ماء لهذيل, غدروا بهم, فاستصرخوا عليهم هذيلًا فلم يرع القوم، وهم في رحالهم، إلّا الرجال بأيديهم السيوف، وقد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله لا نريد قتلكم، ولكنَّا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم، فأبوا، فأمَّا مرثد وخالد وعاصم، فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا, وقاتلوا حتى قتلوا ﵃.
وفي البخاري: وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، حتى إذا كانوا بالهدأة
الحواشي
(١) أصح" كما قاله السهيلي وغيره. قال في الفتح: وجمع بعضهم بأن أمير السرية مرثد وأمير العشرة عاصم بناء على التعدد، ولم يرد البخاري أنهما قصة واحدة، "فخرجوا مع القوم حتى أتوا الرجيع ماء لهذيل" بن مدركة بن إلياس بن مضر, "غدروا بهم فاستصرخوا" أي: استغاثوا "عليهم هذيلًا" ليعينوهم على قتلهم، "فلم يرع القوم" أي: يبغتهم ويفجأهم أو يفزعهم، "وهم في رحالهم إلّا الرجال بأيديهم السيوف وقد غشوهم" بضم الشين وهذا ظاهر، قاله البرهان؛ لأن فعله غشي كتعب، فإذا أسند إلى واو الجماعة قيل: غشيوا كرضيوا، استثقلت الضمة إلى الياء فحذفت الضمة ثم الياء, ثم قلبت كسرة الشين ضمة، لمناسبة الواو، "فأخذوا" أي: عاصم ومن معه، "أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله لا نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة", بأن نسلمكم لهم ونأخذ بدلكم شيئًا منهم، لعلمهم أنه لا شيء أحبَّ إليهم من أن يؤتوا بأحد من الصحابة يمثلون به ويقتلونه بمن قتل منهم ببدر وأحد، "ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم فأبوا، فأمَّا مرثد" بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة "وخالد" بن البكير -بضم الموحدة وفتح الكاف- الليثي حليف بني عدي, من السابقين، وشهد بدرًا, استشهد يومئذ وهو ابن أربع وثلاثين سنة.
ذكره ابن إسحاق وغيره، "وعاصم" بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، "فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا، وقاتلوا حتى قتلوا ﵃" في الموضع الذي جاءوهم فيه حتى استصرخ عليهم الآتي بهم إليه وقسيم، أمَّا تركه المصنف استغناء بذكره بمعناه كما يأتي, وهو ثابت في ابن إسحاق قال: وأما زيد وخبيب وابن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة.
"وفي البخاري" في الجهاد وغزوة بدر، وهنا من طريق الزهري عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط سرية عينًا، "وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت حتى إذا كانوا بالهدأة" -بفتح الهاء.стр. 1000
بين عسفان ومكة -وذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو الحيان، فنفروا لهم بقريب من مائتي رجل. وعند بعضهم فتبعوهم بقريب من مائة رام.
والجمع بينهما واضح، بأن تكون المائة الأخرى غير رماة.
وفي رواية أبي معشر في مغازيه: فنزلوا بالرجيع سحرًا، فأكلوا تمرة عجوة، فسقط نواه بالأرض، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون بالنهار،
الحواشي
(١) قال الحافظ: وسكون الدال بعدها همزة مفتوحة لأكثر الرواة.
وللكشميهني: بفتح الدال وتسهيل الهمزة.
وعند ابن إسحاق بالهدة بتشديد الدال بغير ألف موضع.
"بين عسفان ومكة" وعند ابن إسحاق وهي على سبعة أميال من عسفان، "وذكروا" بضم المعجمة مبنيًّا للمفعول "لحي من هذيل" بضم الهاء، وفتح المعجمة، وسكون التحتية وباللام "يقال لهم بنو لحيان" بكسر اللام، وقيل: بفتحها وسكون المهملة، ولحيان هو ابن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، وزعم الهمداني النسَّابة أن أصل بني لحيان من بقايا جُرْهُم, دخلوا في هذيل فنسِبُوا إليهم، قاله الحافظ: "فنفروا لهم بقريب من مائتي رجل", هكذا عند البخاري في الجهاد من رواية شعيب عن الزهري بسنده، وزاد كلهم رامٍ، "وعند بعضهم" أي: الرواة، وهو معمر عن الزهري في صحيح البخاري في هذا الباب، "فتبعوهم بقريب من مائة رامٍ" بالنبل، ومثله عنده في غزوة بدر من رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري، ولفظه: فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام، والجمع بينهما واضح بأن تكون المائة الأخرى غير رماة" ولم أقف على اسم أحد منهم, هكذا قال الحافظ، وفيه وقفة. فإن لفظ رواية شعيب في الجهاد: فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجل كلهم رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مآكلهم تمرًا تزودوه من المدينة, فقالوا: هذا تمر يثرب.
"وفي رواية أبي معشر" بفتح الميم، وسكون المهملة وفتح المعجمة نجيح بن عبد الرحمن السندي "في مغازيه، فنزلوا بالرجيع سحرًا, فأكلوا تمرة عجرة" إضافة بيانية، أي: تمرًا مسمَّى بهذا الاسم "فسقط نواه في الأرض، وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون" بضم الميم وفتحها.
قال في القاموس: كمن كنصر وسمع كمونًا: استخفى "بلنهار", وهذا واضح على أنهم كانوا عيونًا ليأتوه بخبر قريش، وكذا على أنهم ذهبوا ليفقهوا الآتين في طلب من يفقههم؛ لأنهم قليل؛ إذ غاية ما قيل في السرية عشرة، والآتين في طلبهم سبعة، ومثل هذا العدد في زمن المحاربة خصوصًا بعد أُحد لا يأمنون على أنفسهم فيسيروا ظاهرين نهارًا، فلذا كانوا يكمنون به،стр. 1001
فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنمًا، فرأت النواءات وأنكرت صغرهن، وقالت: هذا تمر يثرب, فصاحت في قومها قد أتيتم، فجاءوا في طلبهم، فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، وتبعوا آثارهم حتى لحقوهم.
وفي رواية ابن سعد: فلم يرع القوم إلّا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم.
فلما حسَّ بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد -بفاءين مفتوحتين ومهملتين, الأولى ساكنة- وهي الرابية المشرفة، فأحاط بهم القوم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا،
الحواشي
(١) "فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنمًا فرأت النواءات" هذا جمع تصحيح لم يذكره القاموس والمصباح، فإنهما قالا: النوى جمع نواة، وجمع الجمع أنواء, مثل سبب وأسباب، فالظاهر كما قال شيخنا: إنه كان يقال: فلمَّا رأت النوى بالقصر، أو الأنواء، "فأنكرت صغرهن وقالت: هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها: قد أتيتم" بالبناء للمفعول من قِبل العدو، "فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد كمنوا" بفتحتين وبفتح فكسر: استخفوا "في الجبل، واتبعوا آثارهم" حين أخبرتهم المرأة "حتى لحقوهم" بالجبل، والواو لا ترتب, فلا يرد اقتضاؤه أن اقتفاء الأثر بعد وجدانهم كامنين بالجبل.
"وفي رواية ابن سعد" في حديث أبي هريرة هذا، "فلم يرع القوم إلّا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم", أعاده وإن مَرَّ عن ابن إسحاق؛ لأن ذاك مرسل، وهذا مسند، ويقع سقوطه في نسخ وهو خطأ؛ لإيهامه أن ما بعده رواية ابن سعد، مع أنه من جملة حديث البخاري, ففيه عقب قوله: حتى لحقوهم، "فلمَّا حسَّ".
قال المصنف: صوابه كما قال السفاقسي أحسَّ رباعيًّا، أي: علم "بهم عاصم وأصحابه لجأوا" بفتح الجيم وكسرها آخره همزة- تحرزوا واعتصموا "إلى فدفد -بفاءين مفتوحتين ودالين مهملتين الأولى ساكنة- وهي الرابية المشرفة".
قال الحافظ: ووقع عند أبي داود إلى قردد -بقاف وراء ودالين.
قال ابن الأثير: هو الموضع المرتفع، ويقال: الأرض المستوية، والأول أصح, "فأحاط بهم القوم فقالوا: لكم العهد والميثاق" تفسيري، "إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا".
وعند ابن سعد فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتالكم، إنما نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، وهي رواية ابن إسحاق المتقدمة.стр. 1002
فقال عاصم بن ثابت أيها القوم: أما أنا فلا أنزل في ذمَّة كافر، ثم قال: اللهم أخبر عنَّا رسولك، فاستجاب الله تعالى لعاصم فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا.
فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم على العهد والميثاق: خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة -بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة والنون المفتوحة المشددة, وعبد الله بن طارق.
الحواشي
(١) "فقال عاصم بن ثابت" لأصحابه: قاله المصنف: "أيها القوم أمَّا" بتشديد الميم "أنا فلا أنزل في ذمة كافر" أي: في عهده.
وعند سعيد بن منصور، فقال عاصم: لا أقبل اليوم عهدًا من مشرك.
"ثم قال: اللهمَّ أخبر عنّا رسولك" وفي لفظ: نبيك، وقوله، "فاستجاب الله تعالى لعاصم، فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا", هذه الجملة إنما نسبها في الفتح لرواية الطيالسي، وتبعه المصنف في شرح البخاري في المواضع الثلاثة، كما أوهمه المصنف، "فرموهم" أي: رمى الكفار المسلمين حين امتنعوا من النزول، "بالنبل" -بفتح النون وسكون الموحدة- السهام العربية، ورماهم عاصم بالنبل حتى فني نبله.
وفي رواية: نثر عاصم كنانته فيها سبعة أسهم، فقتل بكل سهم رجلًا من عظماء المشركين، ثم طاعنهم حتى انكسر رمحه، ثم سلَّ سيفه، وقال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخره، "فقتلوا عاصمًا", زاد البخاري في هذا الباب: وفي الجهاد في سبعة، أي: في جملة سبعة، وقد مَرَّ أنهم عشرة, سمَّى منهم سبعة, وثلاثة لم يسموا؛ لأن الظاهر أنهم أتباع فلم يعتن بتسميتهم، كما قاله الحافظ، "ونزل إليهم على العهد والميثاق خبيب" بضم المعجمة وفتح الموحدة الأولى "ابن عدي" الأنصاري الأوسي البدري، "وزيد بن الدثنة" بن عبيد بن عامر بن بياضة الأنصاري البياضي، شهد بدرًا وأحدًا "بفتح الدال المهملة وكسر" الثاء "المثلثة" زاد البرهان: وقد تسكن "والنون المفتوحة المشددة" ثم تاء تأنيث.
قال ابن دريد: من قولهم: دثن الطائر إذا طاف حول وكره ولم يسقط عليه.
وفي القاموس: دثن الطائر تدثينًا: طار وأسرع السقوط ف مواضع متقاربة.
قال في رواية البخاري: ورجل آخر وسماه ابن إسحاق فقال: "وعبد لله بن طارق" البلوي البدري، فليست تسميته من رواية البخاري، كما أوهمه المصنف.
وفي رواية أبي الأسود عن عروة: إنهم صعدوا في الجبل فلم يقدروا عليهم حتى أعطوهم العهد والميثاق. وفي حديث البخاري: فلمَّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها, فقال الرجل الثالث، أي: ابن طارق: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم, إن لي بهؤلاء أسوة، يريدстр. 1003
فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبًا،
الحواشي
(١) القتلى، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه. قال الحافظ: هذا يقتضي أن ذلك وقع منه أول ما أسروهم.
وفي رواية ابن إسحاق: فخرجوا بالنفر الثلاثة، حتى إذا كانوا بمر الظهران أشرع عبد الله بن طارق يده، وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بمر الظهران، فيحتمل أنهم إنما ربطوهم بعد أن وصلوا إلى مر الظهران, وإلا فما في الصحيح أصح، انتهى.
"فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة،" والذي باعهما زهير وجامع الهذليان.
قال ابن هشام: باعوهما بأسيرين من هذيل كانا بمكة.
وعند سعيد بن منصور: أنهم اشتروا خبيبًا بأمة سوداء، ويمكن الجمع، قاله الحافظ.
وقال الواقدي: بيع خبيب بمثقال ذهبًا، ويقال: بخمسين فريضة، وبيع الثاني بخمسين فريضة.
وعند ابن سعد وابن إسحاق: فأمَّا زيد فابتاعه صفوان بن أمية، فقتله بأبيه.
وعند ابن سعد: أن الذي قتله نسطاس مولى صفوان، ويقال: اشترك فيه ناس من قريش، ودخلوا بهما في شهر حرام في ذي القعدة, فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم.
"فابتاع بنو الحارث بن عامر" بن نوفل بن عبد مناف "خبيبًا", وهم عقبة وأبو سروعة وأخوهما لأمهما حجير -بضم الحاء المهملة، وفتح الجيم وسكون التحتية وبالراء- ابن أبي إهاب -بكسر أوله وبالموحدة- التميمي, حليف بني نوفل، وبَيِّنَ ابن إسحاق أنه الذي تولّى شراءه وقد أسلم الثلاثة بعد ذلك وصحبوا.
قال في حديث البخاري: وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بن عامر يوم بدر.
قال الحافظ: هكذا وقع في حديث أبي هريرة، واعتمده البخاري، فذكر خبيب بن عدي فيمن شهد بدرًا وهو متجه، لكن تعقَّبه الدمياطي بأن أهل المغازي لم يذكر أحد منهم أن خبيب بن عدي شهد بدرًا ولا قتل الحارث بن عامر، وإنما ذكروا أن الذي قتل الحارث ببدر خبيب بن إساف الخزرجي, وابن عدي أوسي, قلت: يلزم من كلامه رد الحديث الصحيح, فلو لم يقتل ابن عدي الحارث ما كان لاعتناء بن الحارث بن عامر بأسر خبيب معنى، ولا بقتله, مع تصريح الحديث الصحيح أنهم قتلوه به، لكن يحتمل أنهم قتلوه لكون ابن أساف قتل الحارث على عادة الجاهلية بقتل بعض البيلة عن بعض، ويحتمل أن يكون خبيب بن عدي شارك فيстр. 1004
فلبث خبيب عندهم أسيرًا، حتى اجتمعوا على قتله, استعار من بعض بنات الحارث موسى ليستحد بها -يعني يحلق عانته-
الحواشي
(١) قتل الحارث، والعلم عند الله تعالى.
"فلبث خبيب عندهم أسيرًا" في بيت ماوية، مولاة حجير بن أبي إهاب، وأسلمت بعد.
قال في الروض: ماوية -بواو، أي: مكسورة وشد التحتية في رواية يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، وكذا في النسخ العتيقة من رواية غيره عن ابن إسحاق بالراء، أي: والتخفيف، والماوية بالتخفيف البقرة، وبالتشديد القطاة الملساء، انتهى.
وعند سعيد بن منصور، فأساءوا إليه فقال لهم: ما يصنع القوم الكرام هذا بأسيرهم، فأحسنوا إليه بعد ذلك, وجعلوه عند امرأة تحرسه.
وروى ابن سعد عن موهب مولى آل نوفل قال: قال لي خبيب: وكانوا جعلوه عندي يا موهب, أطلب إليك ثلاثًا، أن تسقيني العذب، وأن تجنبني ما ذُبِحَ على النصب، وأن تعلمني إذا أرادوا قتلي.
قال الشامي: فكان موهبًا كان زوج ماوية. انتهى. ويؤيده أن في رواية الواقدي عنها, كانت تحدث بقصة خبيب بعد أن أسلمت وحسن إسلامها، وفيها: وكان يتهجد بالقرآن، فإذا سمعه النساء بكين ورققن عليه، فقلت له: له لك من حجاجة، قال: لا، إلا أن تسقيني العذب, ولا تطعميني ما ذبح على النصب، وتخبريني إذا أرادوا قتلي، فلمَّا أرادوا ذلك أخبرته، فوالله ما اكترث بذلك, فكأنه طلب ذلك من ماوية وموهب معًا، وقد أسلم موهب في فتح مكة كما في الإصابة. "حتى اجتمعوا" عزموا واتفقوا "على قتله" حين خرجت الأشهر الحرم، "استعار من بعض بنات الحارث".
ذكر خلف في الأطراف أن اسمها زينب بن الحارث أخت عقبة، قاتل خبيب، وقيل: امرأته، وعند ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح قال: حدثت عن ماوية مولاة حجير بن أبي إهاب، وكانت قد أسلمت قالت: حبس خبيب في بيتي، ولقد اطَّلعت عليه يومًا، وإن في يده لقطفًا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، فإن كان محفوظًا احتمل أن كلًّا من ماوية وزينب رأت القطف في يده يأكله، والتي حبس في بيتها ماوية، والتي كانت تحرسه زينب، جمعًا بين الروايتين، ويحتمل أن الحارث أب لماوية من الرضاع، وفي ابن بطال: أن اسم المرأة جويرية، فيتمله أن وجده رواية, أو سماها جويرية لكونها أمة، قاله الفتح.
"موسى" بعدم الصرف؛ لأنه على وزن فعلى، وبالصرف على وزن مفعل على خلاف بين الصرفيين، والذي في اليونينية الصرف قاله المصنف. "ليستحدَّ بها، يعني يحلق عانته،" لئلاстр. 1005
فغفلت عن ابن لها صغير, فأقبل إليه الصبي فأجلسه عنده, فخشيت المرأة أن يقتله، ففزعت، فقال خبيب: ما كنت لأغدر.
قال: قالت: والله ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يأكل قطفًا من
الحواشي
(١) تظهر عند قتله، "فغفلت عن ابن لها صغير، فأقبل إليه الصبي، فأجلسه عنده".
زاد في حديث البخاري: على فخذه والموسى بيد، "فخشيت المرأة أن يقتله، ففزعت" بكسر الزاي.
وفي رواية البخاري: ففزعت فزعة عرفها خبيب، "فقال:" أتخشين أن أقتله, ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله. وفي مرسل بريدة بن سفيان: "ما كنت لأغدر".
قال في الفتح: ذكر الزبير ابن بكار: أن هذا الصبي هو أبو حسين بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف.
وفي رواية بريدة بن سفيان: وكان لها ابن صغير، فأقبل إليه الصبي, فأخذه فأجلسه عنده، فخشيت المرأة أن يقتله، فناشدته.
وعند أبي الأسود عن عروة: فأخذ خبيب بيد الغلام فقال: هل أمكن الله منك؟ فقالت: ماكان هذا ظني بك، فرمى لها الموسى، وقال: إنما كنت مازحًا.
وعند ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح وعاصم بن عمر: أن ماوية قالت: قال لي خبيب حين حضره القتل: ابعثي إلي بحديدة أتطهر بها للقتل، قالت: فأعطيت غلامًا من الحي الموسى، فقلت: ادخل بها على هذا الرجل البيت، فوالله ما هو إلّا أن ولى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت؟ أصاب الله الرجل ثأره يقتل هذ الغلام، فيكون رجل برجل، فلمَّا ناوله الحديدة، أخذها من يده, ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلي، ثم خلَّى سبيله.
قال ابن هشام: يقال إن الغلام ابنها.
قال الحافظ: ويجمع بين الروايتين، بأنه طلب الموسى من كلٍّ من المرأتين، فأوصله إليه ابن إحداهما، وأما الابن الذي خشيت عليه، ففي رواية هذا الباب، فغفلت عن صبي لي، فدرج إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه, فهذا غير الذي أحضر إليه الحديدة، انتهى.
"قالت: والله ما رأيت أسيرًا" زاد في رواية: قط، "خيرًا من خبيب".
وعند الواقدي في حديث ماوية: وأسلمت وحسن إسلامها. قالت: كان يتهجد بالقرآن، فإذا سمعه النساء بكين ورققن عليه، "والله لقد وجدته يأكل قطفًا" بكسر القاف، عنقودًا "منстр. 1006
عنب، مثل رأس الرجل، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وما كان إلا رزقًا رزقه الله تعالى خبيبًا.
وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب، آية على الكفار، وبرهانًا لنبيه لتصحيح رسالته.
والكرامة للأولياء ثابتة مطلقًا عند أهل السنة, لكن استثني بعض المحققين مهم كالعلامة الرباني أبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء, فقال: ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك, وهذا أعدل
الحواشي
(١) عنب،" وقوله: "مثل رأس الرجل" زائد على خبر الصحيح من رواية ابن إسحاق، كما قدمنا, فما كان ينبغي للمصنف إلا البيان، "وأنه لموثق" بالمثلثة، مقيد "بالحديد، وما بمكة من ثمرة" بمثلثة وفتح الميم، أي: من ثمرة عنب.
وفي رواية ابن إسحاق عن ماوية: وما أعلم في الأرض حبة عنب فأطلقت الأرض، وأرادت أرض مكة، ووقع في بعض نسخ البخاري بالمثناة وسكون الميم، "وما كان" ذلك القطف "إلّا رزقًا رزقه الله تعالى خبيبًا، وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب آية على الكفار، وبرهانًا لنبيه لتصحيح رسالته" وتوسط ابن بطال بين من يثبت الكرامة ومن ينفيها، فجعل الثابت ما جرت به العادة لآحاد الناس أحيانًا, والممتنع ما يقلب الأعيان. "و" لكن "الكرامة للأولياء ثابتة مطلقًا" سواء كانت من معجزات الأنبياء، أم لا "عند أهل السنة، لكن استثني بعض المحققين منهم، كالعلامة الرباني، أبي القاسم" عبد الكريم بن هوازن، الحافظ المفسر، الفقيه النحوي اللغوي، الأديب، الكاتب، "القشيري" الشجاع، البطل، المجمَع على إمامته، وأنه لم ير مثل نفسه، ولا رأى الراءون مثله، وأنه الجامع لأنواع المحاسن, ولد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وسمع الحديث من الحاكم وغيره.
وروى عنه الخطيب وغيره، وصنّف التصانيف الشهيرة، وتوفي سنة خمس وستين وأربعمائة، "ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء، فقال: ولا يصلون"، أي: الأولياء "إلى مثل إيجاد ولد من غير أب، ونحو ذلك" كقلب جماد بهيمة، لكن الجمهور على الإطلاق, والتفصيل أنكروه على قائله, حتى ولده أبو نصر في المرشد، وإمام الحرمين في الإرشاد، وقال: إنه مذهب متروك، وبالغ النووي فقال: إنه غلط، وإنكار للحس, وأن الصواب وقوعها بقلب الأعيان ونحوه, انتهى. ولكن له قوة ما فقد اختاره السبكي وغيره، والحافظ ابن حجر فقال: "وهذا أعدلстр. 1007
المذاهب في ذلك.
فإن إجابة الدعوة في الحال، وتكثير الطعام, والمكاشفة بما يغيب عن العين، والإخبار بما سيأتي, ونحو ذلك, قد كثر جدًّا، حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة.
فانحصر الخارق الآن في نحو ما قاله القشيري، وتعيّن تقييد من أطلق، بأن كل معجزة لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي.
ووراء ذلك: إن الذي استقر عند العامة، أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك يكون من أولياء الله تعالى، وهو غلط، فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأَوْلى من ذكروه: أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان متمسكًا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان علامة على ولايته، ومن لا فلا
الحواشي
(١) المذاهب" الثلاثة، إثبات الكرامة نفيها التفصيل، "في ذلك، فإن إجابة الدعوة في الحال،" أي: سريعًا، "ولكثير الطعام والمكاشفة بما يغيب عن العين والإخبار بما سيأتي, ونحو ذلك قد كثر جدًّا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخارق" المذكور في تعريف الكرامة، بأنها ظهور أمر خارق للعادة على يد الولي، مقرون بالطاعة والعرفان، بلا دعوى نبوة, "الآن في نحو ما قاله القشيري وتعيّن تقييد من أطلق" القول، "بأن كل معجزة وجدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي،" لا فارق بينهما إلّا التحدي, بقصر الجواز على غير إيجاد ابن بلا أب، وقلب العصا حية، والجمهور كما علمت على الإطلاق, إلّا بمثل القرآن مما خرج من المعجزات إلى الخصائص، قاله السعد والنووي "ووراء ذلك" الذي حققناه، "أن الذي استقرَّ عند العامَّة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك يكون من أولياء الله تعالى وهو غلط، فإن الخارق" كما قال الباقلاني: "قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب".
وقال إمام الحرمين: فيه نظر, فلسنا نثبت لهم كرامة، "فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق" بين الولي وغيره، "وأولى مما ذكروه أن يختبر حال من وقع له" الخارق، "فإن كان متمسكًا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان علامة على ولايته، ومن لا فلا،" فقد حكي الاتفاق على أن الكرامة لا تظهر على الفسقة الفجرة، بل على الموفَّقين البررة.
نعم، قد تظهر على يد فاسق إنقاذًا له مما هو فيه، ثم يتوب بعدها، ويصير على أحسنстр. 1008
والله أعلم, انتهى ملخصًا من الفتح.
ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين -وعند موسى بن عقبة: أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم -وقال: اللهمَّ أحصهم عددًا، ولا تبق منهم أحدًا، واقتلهم بددًا -يعني متفرقين، فلم يحل الحول ومنهم أحد حي.
الحواشي
(١) حال, كأصحاب الكهف كانوا عبدة أوثان، فحصل لهم ما حصل إرشادًا وتذكرة "والله أعلم، انتهى".
كل ما ذكره من أول هذه السرية "ملخصًا من الفتح" أي: فتح الباري للحافظ ﵀.
قال في حديث البخاري: "ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه،" في الحل، "قال: "دعوني" اتركوني "أصل" بلا ياء للكشميهني، ولغيره بثبوت الياء، ولكل وجه قاله الحافظ، "ركعتين", قال في حديث البخاري: فتركوه، فركع ركعتين.
"وعند موسى بن عقبة: أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم" بفتح الفوقية، يقال له الآن: مسجد عائشة، وهو عند طرف حرم مكة من جهة المدينة والشام, على ثلاثة أميال، وقيل: أربعة من مكة، سمي بذلك؛ لأنَّ عن يمينه جبلًا يقال له نعيم، وعن شماله جبلًا يقال له ناعم، والوادي نعمان بفتح النون، ويقال له: نعما الأراك، قال الشاعر:
أما والراقصات بذات عرق ... ومن صلى بنعمان الأراك
وفي حديث البخاري: ثم انصرف إليهم، فقال: لولا أن تروا أنَّ ما بي جزع من الموت لزدت، وفي مرسل بريدة بن سفين: لزدت سجدتين أخريين، "وقال: اللهمَّ أحصهم،" بقطع الهمزة وحاء ساكنة وصاد مكسورة مهملتين، "عددًا" أي: أهلكهم واستأصلهم، بحيث لا يبقى من عددهم أحد، "ولا تبق منهم أحدًا، واقتلهم بددًا".
قال السهيلي: بفتح الموحدة، والدال المهملة الأولى, مصدر بمعنى: التبدد، أي: ذوي بدد، "يعني متفرقين".
قال -أعني السهيلي: ومن رواه بكسر الباء، فجمع بدة وهي الفرقة والقطعة من الشيء المتبدد، ونصبه على الحال من المدعو عليهم.
قال الدماميني: ويحتمل أن بددًا نفسه حال على جهة المبالغة، أو على تأويله باسم الفاعل انتهى.
"فلم يحل الحول ومنهم أحد حي" كما في مرسل بريدة بن سفيان، ولفظه: فلما وقعстр. 1009
وفي رواية بريدة بن سفيان، فقال خبيب: اللهمَّ إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه.
وفي رواية أبي الأسود عن عروة، جاء جبريل إلى النبي ﷺ فأخبره, فأخبر أصحابه بذلك.. الحديث.
ثم أنشأ خبيب يقول:
فلست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شق كان لله مصرعي
الحواشي
(١) على الخشبة استقبل الدعاء, فلبد رجل بالأرض خوفًا من دعائه, فلم يحل الحول ومنهم أحد حي غير ذلك الرجل الذي لبد في الأرض.
وحكى ابن إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان قال: كنت مع أبي، فجعل يلقيني إلى الأرض خوفًا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه.
قال في الروض: فإن قيل: هل أجيبت عوة خبيب، والدعوة في تلك الحال من مثله مستجابة، قلنا: أصابت منهم من سبق في علم الله أن يموت كافرًا، ومن أسلم منهم لم يعنه خبيب ولا قصد بدعائه، ومن قتل منهم بعد الدعوة فإنما قتلوا بها بددًا غير معسكرين ولا مجتمعين كاجتماعهم في أُحد وبدر، وإن كانت الخندق بعدها، فقد قتل منهم آحاد متبددون, ثم لم يكن لهم بعد ذلك جمع، ولا معسكر غزوا فيه، فنفذت الدعوة على صورتها فيمن أراد خبيب، وحاشاه أن يكره إيمانهم، انتهى.
"وفي رواية" سعيد بن منصور من مرسل "بريدة بن سفيان" الأسلمي المدني، ليس بالقوي، وفيه رفض من السادسة.
روى له النسائي، كما في التقريب "فقال خبيب: اللهمَّ إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه".
"وفي رواية أبي الأسود عن عروة: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فأخبره, فأخبر أصحابه بذلك. الحديث".
وعند موسى بن عقبة، فزعموا أنه ﷺ قال ذلك اليوم وهو جالس: "وعليك السلام, خبيب قتلته قريش"، "ثم أنشأ خبيب يقول: فلست أبالي" هذه رواية الكشميهني، واختارها المصنّف لقول الحافظ، هي أوزن قال: وللأكثر: ما إن أبالي، وهو جائز, لكنه مخروم، ويكمل بزيادة الفاء وما نافية، وإن بكسر الهمزة نافية أيضًا للتأكيد.
وفي رواية: وما إن أبالي، بزيادة واو في أخرى، ولست أبالي، "حين أقتل" بالبناء للمفعول، حال كوني مسلم، على أيّ شق" بكسر الشين المعجمة، أي: جنب، "كان لله مصرعي" أي:стр. 1010
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
والأوصال: جمع وصل، وهو العضو. "والشلو -بكسر المعجمة- الجسد, ويطلق على العضو. لكن المراد به هنا الجسد. والممزع -بالزاي ثم المهملة- المقطّع, ومعنى الكلام: أعضاء جسد مقطع.
وعند أبي الأسود عن عروة, زيادة في هذا الشعر فقال:
لقد أجمع الأحزاب فيّ وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وفيه أيضًا:
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
وساقه ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتًا،
الحواشي
(١) مطرحي على الأرض، "وذلك في ذات الإله،" أي: في وجه الله وطلب رضاه وثوابه، كما قاله المصنف. "وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع" بضم الميم الأولى، وفتح الثانية وزاي مشددة "والأوصال جمع وصل، وهو العضو، والشلو بكسر" الشين "المعجمة" وإسكان اللام وبالواو: الجسد, ويطلق على العضو، لكن المراد به هنا الجسد" كما قال الخليل لقوله: على أوصال -يعني: أعضاء جسد؛ إذ لا يقال أعضاء عضو. انتهى. "والممزَّع بالزاي" المشددة "ثم" العين "المهملة المقطع، ومعنى الكلام: أعضاء جسد مقطع" مفرق.
"وعند أبي الأسود عن عروة، زيادة في هذا الشعر، فقال: لقد أجمع الأحزاب في" أي: في شأني، "وألَّبوا" بشدّ اللام وموحدة أي: حضوا "قبائلهم", ولا يفسّر يجمعوا أيضًا، كما في النور ليغاير قوله: أجمع "واستجمعوا كل مجمع, وفيه أيضًا:
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
روي أن قريش طلبوا جماعة ممن قتل آباؤهم وأقرباؤهم ببدر، فاجتمع أربعون بأيديهم الرماح والحراب، وقالوا لهم: هذا الرجل قتل آباءكم، فطعنوه بالرماح والحراب، فتحرَّك على الخشبة، فانقلب وجهه إلى الكعبة، فقال: الحمد لله الذي جعل وجهي نحو قبلته، فلم يستطع أحد أن يحوله، "وساقه" أي: الشعر محمد "ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتًا" هكذا في الفتح، ولعله في رواية غير زيادة، وإلّا فروايته عشرة فقط، وكذا عند الواقدي وغيره وهي:
لقد جمع الأحزاب حوالي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وكلهم مبدي العداوة جاهد ... علي؛ لأني في وثاق مضيع
وقد جمعوا أبناءهم ونساؤهم ... وقربت من جذع طويل ممنعстр. 1011
قال ابن هشام: ومن الناس من ينكرها لخبيب.
فكان أول مَن سنَّ الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبرًا، كذا قاله ابن إسحاق، وقوله هذا يدل على أنها سنة جارية.
وإنما صار فعل خبيب سنة -والسنة إنما هي أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله وتقريره؛ لأنه فعلها في حياته ﷺ , فاستحسن ذلك من فعله واستحسنها المسلمون
الحواشي
(١) إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي ... فقد بضعوا لحمي وقد يأس مطمعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد خيروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت إني لميت ... ولكن حذاري جحم نار ملفع
ووالله ما أخشى إذا مت مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مضجعي
فلست بمبد للعدوّ تخشعًا ... ولا جزعًا إني إلى الله مرجعي
"قال ابن هشام: ومن الناس من" لفظه: وبعض أهل العلم، "ينكرها لخبيب،" والمثبت مقدم على النافي كيف وبيتان منها في الصحيح.
قال الحافظ: وفيه إنشاء الشعر، وإنشاده عند القتل، وقوة نفس خبيب، وشدة قوته في دينه.
قال في حديث البخاري: ثم قال إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو الذي سنَّ لكل مسلم قتل صبرًا الصلاة، وأخبر أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، هكذا في البخاري في بدر من رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري, ونحوه في الجهاد من رواية شعيب عن ابن شهاب، وسقط ذلك في هذا الباب من رواية معمر، فوقف معه المصنف, فعزا لابن إسحاق قوله: "فكان أوّل من سنَّ الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبرًا" أي: مصبورًا، أي: محبوسًا للقتل، "كذا قاله ابن إسحاق" عن شيخه عاصم ابن عمر بن قتادة، ولا أدري ما وجه التبري ولا قصر العزو.
ولابن إسحاق مع كونه في الصحيح موصولًا، وفي السيرة مرسلًا، وقيل: أول من سنهما زيد بن حارثة للبلاغ الآتي، وردّ بأنه لم يتصل، فلا يقاوم ما في الصحيح.
"وقوله: هذا" كما قال صاحب الروض، "يدل على أنها سنة جارية، وإنما صار فعل خبيب سنة، والسنة إنما هي أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله وتقريره؛ لأنه فعلها في حياته ﷺ , فاستحسن ذلك من فعله" فهو تقرير له، "واستحسنها المسلمون", وفعلوها كحجر بن عديстр. 1012
والصلاة خير ما ختم به عمل العبد.
وقد صلى هاتين الركعتين زيد بن حارثة، مولى رسول الله ﷺ في حياته ﵊، كما رويناه من طريق السهيلي بسنده إلى الليث بن سعد قال: بلغني أن زيد بن حارثة اكترى بغلًا من الطائف، فاشترط عليه الكراء أن ينزله حيث شاء. قال: فمال به إلى خربة، فقال له انزل فنزل، فإذا في الخربة قتلى كثيرة، قال: فلمَّا أراد أن يقتله قال له: دعني أصلي ركعتين، قال: صلِّ فقد صلى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئًا، فلمَّا صليت أتاني ليقتلني فقلت: يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتًا: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج ليطلب فلم ير شيئًا، فرجع إليّ، فناديت: يا أرحم الراحمين، فعل ذلك ثلاثًا، فإذا بفارس على فرس في يده حربة حديد في رأسها شعلة نار، فطعنه بها فأنفذها
الحواشي
(١) الصحابي، فدلَّ ذلك على عدم نسخها, "والصلاة خير ما ختم به عمل العبد" هو وجه استحسانهم لها, فهو عطف علة على معلول, ولفظ الروض: مع أن الصلاة، "وقد صلى هاتين الركعتين زيد بن حارثة، مولى رسول الله ﷺ في حياته ﵊، كما رويناه من طريق السهيلي" في الروض "بسنده إلى الليث" وهو: حدثنا أبو بكر بن طاهر الإشبيلي، حدثنا أبو علي الغساني، حدثنا أبو عمر النمري، حدثنا أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان بن خيرون، حدثنا قسم بن أصبغ، حدثنا أبو بكر بن أبي خيثمة، حدثنا ابن معين، حدثنا يحيى عبد الله بن بكير المصري، حدثني الليث "بن سعد، قال: بلغني أن زيد بن حارثة" الحِبّ والد الحبّ المختص، بأن الله لم يصرّح في القرآن باسم أحد من الصحابة سواه, البدري، "اكترى" من رجل "بغلًا من الطائف، واشترط عليه الكراء أن ينزله حيث شاء، قال: فمال به إلى خربة، فقال له انزل، فنزل, فإذا في الخربة قتلى كثيرة، قال: فلمَّا أراد أن يقتله، قال: دعني أصلي ركعتين، قال: صلِّ، فقد صلى قبلك هؤلاء" الفرائض وغيرها، "فلم تنفعهم صلاتهم شيئًا" فمراده الاستهزاء بالمسلمين وصلاتهم من حيث هي، أو الركعتين عند القتل، وهؤلاء كانوا بعد قتل خبيب، فلا ينافي أنه أول من سنَّهما.
"قال: فلمَّا صليت أتاني ليقتلني، فقلت: يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتًا لا تقتله فهاب ذلك، فخرج ليطلب فلم ير شيئًا، فرجع إليّ فناديت: يا أرحم الراحمين, فعل ذلك ثلاثًا، فإذا بفارس" يحتمل أنه جبريل أو غيره، "على فرس, في يده حربة حديد, في رأسها شعلة نار، فطعنه بها فأنفذها" كذا في نسخ، وهي ظاهرة.стр. 1013
من ظهره فوقع ميتًا. ثم قال: لما دعوت المرة الأولى: يا أرحم الراحمين, كنت في السماء السابعة، فلمَّا دعوت المرة الثانية: يا أرحم الراحمين, كنت في سماء الدنيا، فلمَّا دعوت الثالثة أتيتك. انتهى.
في رواية أبي الأسود عن عروة: فلمَّا وضعوا فيه السلاح وهو مصلوب -نادوه وناشدوه: أتحب أن محمدًا مكانك؟ قال: لا والله، ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه.
ويقال: إن الذي قال ذلك زيد بن الدثنة، وأنَّ أبا سفيان قال له: يا زيد، أنشدك بالله, أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تُضْرَب عنقه، وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني لجالس في أهلي
الحواشي
(١) وفي أخرجه: وهي التي رأيتها بالروض فأنفذه، أي: أنفذ ما طعنه به، "من ظهره، فوقع ميتًا، ثم قال: لما دعوت المرة الأولى: يا أرحم الراحمين, كنت في السماء السابعة، فلما دعوت المرة الثانية: يا أرحم الراحمين, كنت في سماء الدنيا، فلما دعوت" المرة "الثالثة": يا أرحم الراحمين "أتيتك. انتهى" فيه الاعتناء بهذا الدعاء، وأن المخلص فيه كزيد محقق الإجابة، ولعلَّ حكمة عدم نزوله في أوّل مرة رجاء أن الكافر ينتهي عن قتله بالقول، فلمَّا كرره ثلاثًا ولم يكف تحقق عتوه فاستحقّ القتل، ولعلَّ عدم استمراره في السماء السابعة لآخر الدعوات مع قدرته على نزوله في أسرع زمن, الاعتناء بشأن الداعي في تقربه منه، وتعليمه بذلك الفعل, وإخباره عنه, بعد كيف يعين من استغاث به، وذلك بأن يبادر إلى جوابه ويشرع في إغاثة الملهوف بالأخذ في أسباب الدفع عنه، هكذا أبدعه شيخنا ﵀.
"وفي رواية أبي الأسود عن عروة: فلمّا وضعوا فيه السلاح،" الرماح والحرب وطعنوه بها طعنًا خفيفًا، "وهو مصلوب, نادوه وناشدوه: أتحب أنّ محمدًا مكانك، قال: لا والله ما" أحب أن يفديني" بفتح الياء وسكون الفاء "بشوكة في قدمه، ويقال" وهو الذي عند ابن إسحاق: "إن الذي قال ذلك زيد بن الدثنة" لما بعث به صفوان مع مولاه نسطاس إلى التنعيم ليقتله، واجتمع هو وخبيب في الطريق, فتواصوا بالصبر والثبات على ايلحقهما من المكاره. "وأنَّ أبا سفيان قال له: يا زيد, أنشدك" بفتح الهمزة وضم الشين، أسألك "بالله, أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تُضْرَب عنقه، وإنك في أهلك, فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني لجالس في أهلي،" ولا منافاة بين النقلين، فقد يكونونстр. 1014
قال أبو سفيان: ما رأيت الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا.
ثم قتله نسطاس -بكسر النون.
وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم
الحواشي
(١) قالوا ذلك لخبيب، وقاله أبو سفيان لزيد، "فقال أبو سفيان: ما" نافية لا تعجبية كما زعم، وإن كان معنى كلامه التعجب، "رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا، ثم قتله نسطاس بكسر النون" مولى صفوان حضر يوم أُحد مع الكفار، ثم أسلم وحسن إسلامه, فكان يحدِّث عن يوم أُحد كما في الإصابة، وضمير قتله راجع لزيد فقط, كما هو المنقول في ابن إسحاق وأتباعه، وأما خبيب ففي الصحيح عن أبي هريرة وجابر, أن الذي قتله أبو سروعة -بكسر السين المهملة وفتحها- عند الأكثر، والراء ساكنة.
قال الحافظ: زاد سعيد بن منصور والإسماعيلي عن سفيان بن عيينة, واسمه: عقبة بن الحارث، وهذا خالف سفيان فيه جماعة من أهل السير والنسب، فقالوا: أبو سروعة أخو عقبة, حتى قال العسكري: من زعم أنهما واحد فقد وَهِمَ.
وفي الإصابة: أبو سروعة النوفلي: هو عقبة بن الحارث عند الأكثر، وقيل: أخوه, واسمه: الحارث, أسلم يوم الفتح، وكذا قال الزبير بن بكار وغيره, انتهى.
ولابن إسحاق بإسناد صحيح عن عقبة بن الحارث قال: ما أنا قتلت خبيبًا؛ لأني كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة العبدري أخذ الحربة فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله، انتهى.
وروى أحمد عن عمرو بن أمية الضمري قال: بعثني رسول الله ﷺ وحدي عينًا إلى قريش، فجئت خشبة خبيب بن عدي لأنزله من الخشبة، فصعدت خشبته ليلًا فقطعت عنه وألقيته، فسمعت وجبة خلفي، فالتفت فلم أر خبيبًا، وكأنما ابتلعته الأرض, فلم أر له أثرًا حتى الساعة.
وروي أنه ﷺ أرسل الزبير والمقداد بن الأسود فأتياه، فإذا هو رطب لم يتغير منه شيء بعد أربعين يومًا ولونه لون الدم، وريحه ريح المسك, فحمله الزبير على فرسه وسارا, فلحقهم سبعون من الكفار، فقذفه الزبير، فابتلعته الأرض, فسمي بليع الأرض.
"وبعثت قريش إلى عاصم" الأمير المقتول أولًا في جملة السبعة حين حدّثوا أنه قتل "ليؤتوا" بضم التحتية وفتح الفوقية "بشيء من جسده يعرفونه" به كرأسه، "و" سبب ذلك أنهстр. 1015
قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، ولعلَّ العظيم المذكور: عقبة بن أبي معيط، فإن عاصمًا قتله صبرًا بأمر النبي ﷺ بعد أن انصرفوا من بدر. ووقع عند ابن إسحاق, وكذا في رواية بريدة بن سفيان: أن عاصمًا لما قُتِل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وهي أمّ مسافع وجلاس ابني طلحة العبدري، وكان عاصم قتلهما يوم أُحد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنَّ الخمر في قحفة -بكسر القاف، وهو ما انفلق من الجمجمة فبان.
قال الطبري: وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة.
فمنعهم منهم الدبر -بفتح الدال
الحواشي
(١) "كان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر" هكذا في حديث أبي هريرة في الصحيح.
قال الحافظ: "ولعلَّ العظيم المذكور عقبة بن أبي معيط، فإن عاصمًا قتله" على قول ابن إسحاق "صبرًا بأمر النبي ﷺ بعد أن انصرفوا من بدر،" بمحلٍّ يُقال له: عرق الظبية, "ووقع عند ابن إسحاق، وكذا في رواية بريدة بن سفيان: أن عاصمًا لما قُتِلَ أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة" بضمِّ السين المهملة وخفة اللام وبالفاء.
وصحَّف ابن الأثير فأبدلها ميمًا "بنت سعد" بن شهيد -بضم الشين المعجمة وفتح الهاء- الأنصارية الأوسية، أسلمت في فتح مكة بعدما نازعت طويلًا في إعطاء مفتاح البيت كما في الإصابة، "وهي أم مسافع" بضم الميم وكسر الفاء "وجلاس" بضم الجيم وخفة اللام وسين مهملة، "ابني طلحة العبدري" -بفتح العين المهملة وسكون الموحَّدة وفتح الدال المهملة وبالراء- نسبة إلى عبد الدار بن قصي، "وكان عاصم قتلهما يوم أُحد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها" المذكورين "يوم أُحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنَّ الخمر في قحفة -بكسر القاف وسكون الحاء المهملة وبالفاء، "وهو ما انفلق من الجمجمة فبان" ظهر، ولا ينافيه قول غيره أعلى الدماغ؛ لأن الجمجمة إذا انفلقت ظهر أعلى الدماغ، فإذا شربت في القحف فقد شربت في الجمجمة.
قال الحافظ: فإن كان محفوظًا احتمل أن تكون قريش لم تشعر بما جرى لهذيل من منع الدبر لها من أخد رأس عاصم، فأرسلت من يأخذه أو عرفوا بذلك، ورجعوا أن يكون الدبر تركته فيتمكنوا من أمره.
"قال الطبري: وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة، فمنعهم منهم الدبر -بفتح الدال المهملةстр. 1016
المهملة وسكون الموحَّدة: الزنابير -فلم يقدروا منه على شيء.
وكان عاصم بن ثابت قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا, وكان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته، كما حفظه في حياته.
وإنما استجاب الله تعالى له في حماية لحمه من المشركين، ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه.
الحواشي
(١) وسكون الموحدة الزنابير:
قال الحافظ: وقيل: ذكور النحل ولا واحد له من لفظه، وللبخاري: فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر, فحمته من رسلهم، "فلم يقدروا منه على شيء".
وفي رواية البخاري في الجهاد: فلم يقدروا أن يقطعوا من لحمه شيئًا، ولأبي الأسود عن عروة: فبعث الله عليهم الدبر، تطير في وجوههم وتلدغهم، فحالت بينهم وبين أن يقطعوا. ولابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، فلمَّا حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصمًا، فذهب به.
وفي معالم التنزيل: فاحتمله السيل، فذهب به إلى الجنة, وحمل خمسين من المشركين إلى النار، وفي حياة الحيوان أنهم لما قتلوه أرادوا أن يمثلوا به, فحماه الله بالدبر حتى أخذه المسلمون فدفنوه.
"و" في رواية ابن إسحاق، عن شيخه عاصم بن عمر، "كان عاصم بن ثابت قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسَّه مشرك،" قوي رجاؤه في الله فعاهده بذلك، أو عاهده أن لا يمكِّن مشركًا من مَسِّه، أو المراد: سأله ذلك، "ولا يمس مشركًا" بمصافحة ونحوها مما يشعر بتعظيمه، أو الميل له, فلا ينافي أنه يقتلهم بالسيف والرمح.
"وكان عمر" بن الخطاب، "لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته، كما حفظه في حياته" ففيه استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيًّا وميتًا، "وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين"؛ لقوله: اللهمَّ إني حميت لك دينك صدر النهار فاحم لحمي آخره. "ولم يمنعهم من قتله لما أراد الله من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه" كما طلب، ولا يستلزم ذلك كونه أفضل من حمزة ونحوه كما هو ظاهر، والله أعلم.стр. 1017
بئر معونة:
سرية المنذر بن عمرو -بفتح العين المهملة- إلى بئر معونة -بفتح الميم وضم المهملة وسكون الواو بعدها نون: موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان. في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أُحد.
بعث معه المطلب السلمي ليدلهم على الطريق.
وكانت مع رعل -بكسر الراء وسكون العين المهملة: بطن من بني سليم، ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك، وذكوان بطن من بني سليم أيضًا, ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة. فنسبت الغزوة إليها.
الحواشي
(١) بئر معونة:
"سرية المنذر" بضم فسكون، وكسر الذال المعجمة وراء "ابن عمرو -بفتح العين المهملة" الخزرجي العقبي، البدري، النقيب، من أكابر الصحابة، له حديث رواه عنه سهل بن سعد أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو قبل التسليم. أخرجه الدارقطني وغيره. "إلى" أهل "بئر معونة" ليدعوهم إلى الإسلام، أو مددًا لهم على عدو لهم، ويجيء بسطه "بفتح الميم، وضم المهملة، وسكون الواو بعدها نون: موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان" هذا لفظ الفتح تبعًا للمطالع، وفي ابن إسحاق، وتبعه اليعمري، وهي بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم, كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بني سليم أقرب.
قال شيخنا: والظاهر أنه لا تنافي؛ لجواز أن يكون ذلك الموضع المنسوب لهذيل بين مكة وعسفان, وبجواره أرض بني عامرة وحرة بني سليم. "في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة, على رأس أربعة أشهر من أُحد" عند ابن إسحاق، وجعلها بعضهم في المحرّم، وقدمها على بعث الرجيع، "وبعث" ﷺ "معه" أي: المنذر, خصَّ بالذكر لأنه الأمير، وفي نسخة معهم، أي: السرية "المطلب السلمي" بضم السين وفتح اللام، نسبة لبني سليم, صحابي له ذكر في هذه الغزوة، "ليدلهم على الطريق, وكانت مع رعل -بكسر الراء وسكون المهملة: بطن من بني سليم" بلفظ التصغير "ينسبو إلى رعل بن عوف" بالفاء "بن مالك" بن امرئ القيس بن نهية بن سليم، "و" مع "ذكوان" بفتح المعجمة وسكو الكاف، وواو وألف ونون "بطن من بني سليم" أيضًا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة" بن نهية بن سليم "فنُسِبَت الغزوة إليها،" أي: بئر معونة لنزولهم بها.стр. 1018
وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكان من أمرها -كما قاله ابن إسحاق: أنه قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر, المعروف بملاعب الأسنّة على رسول الله ﷺ
الحواشي
(١) "وهذه الوقعة" كما تعرف بسرية المنذر وبئر معونة "تعرف بسرية القرّاء" جمع قارئ؛ لكثرة قراءة السبعين الذين ذهبوا فيها، "وكان من أمرها كما قاله ابن إسحاق" عن شيوخه: "أنه قدم أبو براء" بفتح الموحدة وبالراء والمد "عامر بن مالك بن جعفر" العامري. اختُلِفَ في إسلامه، فذكره جماعة في الصحابة.
وقال الذهبي: الصحيح أنه لم يسلم.
وقال في الإصابة: ليس في شيء من الأخبار ما يدل على إسلامه، وعمدة من ذكره في الصحابة ما عند ابن الأعرابي وغير عنه، أنه قال: بعثت إلى النبي ﷺ ألتمس منه دواء، فبعث إليّ بعكة عسل، وليس ذلك بصريح في إسلامه، بل ذكر أبو حاتم السجستاني عن هشام الكلبي، أن عامر بن الطفيل، لما أخفر ذمّة عمه عامر بن مالك، عمد إلى الخمر فشربها صرفًا حتى مات.
نعم، ذكر عمرو بن شبة، عن مشيخة من بني عامر، قالوا: قدم على رسول الله ﷺ خمسة وعشرون رجلًا من بني جعفر، ومن بني بكر, فيهم عامر بن مالك، فنظر ﷺ إليهم، فقال: "قد استعملت عليكم هذا" , وأشار إلى الضحاك بن سفيان الكلابي، وقال لعامر بن مالك: "أنت على بني جعفر"، وقال للضحاك: "استوص به خيرًا", فهذا يدل على أنه وفد بعد ذلك مسلمًا، انتهى. "المعروف بملاعب الأسنة،" جمع سنان، وهو نصل الرمح، كما في القاموس, عبَّر به لكونه المقصود من الرمح.
قال في الرض: سمي بذلك في يوم سوبان، وهو يوم كان بين قيس وتميم, وجبلة اسم لهضبة عالية؛ لأن أخاه طفيلًا الذي يقال له فارس قرزل، أسلمه ذلك اليوم وفرّ، فقال الشاعر:
فررت وأسلمت ابن أمك عامرًا ... يلاعب أطراف الوشيج المزعزع
فسمِّي ملاعب الرماح، وملاعب الأسنة، وهم عم لبيد بن ربيعة. انتهى. "على رسول الله ﷺ ".
وفي رواية: أنه أهدى إليه فرسين وراحتلين، فقال ﷺ : "لا أقبل هدية مشرك".
وفي رواية: "إني نهيت عن زبد المشركين" بفتح الزاي، وسكون الموحدة وبالدال المهملة: الرفد والعطاء.
قال السهيلي في غزوة تبوك: ولم يقل من هديتهم؛ لأنه إنما كره ملاينتهم ومداهنتهم إذا كانوا حراب له؛ لأن الزبد مشتق من الزبد، كما أن المداهنة مشتقة من الدهن، فعاد المعنى إلى معنى اللين ووجود الجد في حربهم والمخاشنة، وقد ردَّ هدية أبي براء، وكان أهدى إليه فرسًا،стр. 1019
فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد, وقال: يا محمد, لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك, فقال ﵊: "إني أخشى أهل نجد عليهم". قال أبو براء: أنا لهم جاء فابعثهم.
فبعث ﵊ المنذر بن عمرو، ومعه القراء وهم سبعون -وقيل: أربعون, وقيل: ثلاثون.
وقد بَيِّنَ قتادة في روايته أنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل
الحواشي
(١) وأرسل إليه أنني قد أصابني وجع، أحسبه قال: يقال له الدبلة، فابعث إلي شيء أتداوى به، فأرسل إليه بعكة عسل، وأمره أن يستشفي به, وردَّ عليه هديته، وقال: "إني نهيت عن زبد المشركين" انتهى. وهذا قبل ما تقدَّم بلا ريب لا بعده؛ لموته أسفًا على ما صنع عامر سريعًا. "فعرض عليه الإسلام فلم يسلم، ولم يبعد" بفتح أوله وضم العين, بل قال: يا محمد, إني أرى أمرك هذا حسنًا شريفًا، وقومي خلفي، فلو أنك بعث معي نفرًا من أصحابك؛ لرجوت أن يتبعوا أمرك، فإنهم إن اتبعوك فما أعز أمرك، "وقال: يا محمد, لو بعثت رجال من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم" بفتح التاء خطابًا، أي: بواسطة من ترسله إليهم، "إلى أمرك لرجوت" بضم التاء على التكلم "أن يستجيبوا لك، فقال ﵊: "إني أخشى أهل نجد عليهم" هو في الأصل ما أشرف من الأرض.
"قال أبو براء: أنا لهم جار" أي: هم في ذمامي وعهدي وجواري، "فابعثهم، فعث ﵊ المنذر بن عمرو، ومعه القراء" وانفصل المصنف عن رواية ابن إسحاق التي هو فيها دون بيان، فقال: "وهم سبعون" كما في البخاري ومسلم من طرق عن أنس.
قال السهيلي: وهو الصحيح، "وقيل: أربعون،" كما في رواية ابن إسحاق وموسى بن عقبة.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بأنّ الأربعين كانوا رؤساء، وبقية العدة أتباعًا "وقيل: ثلاثون".
قال الحافظ: هو وهم، لكن قال في الغرر: إن رواية القليل لا تنافي رواية الكثير، وهو من باب مفهوم العدد، وكذا قول من قال ثلاثين، انتهى.
"وقد بَيِّنَ قتادة" بن دعامة "في روايته", عن أنس في الصحيح "أنهم كانوا يحتطبون،" يجمعون الحطب "بالنهار، ويصلون بالليل", ولفظه: استمدوا رسول الله ﷺ , فأمدَّهم بسبعين من الأنصار, كنَّا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل, وادَّعى الدمياطي أن هذه الرواية وهم، فإنهم لم يستمدوه ﷺ , وإنما الذي استمدَّهم عامر بن الطفيل على الصحابة.
قال الحافظ: ولامانع أن يستمدوه ﷺ في الظاهر, وقصدهم الغدر بهم، ويحتمل أنстр. 1020
وفي رواية ثابت: ويشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن بالليل.
فساروا حتى وصلوا إلى بئر معونة، بعثوا حرام بن ملحان بكتابه ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل العامري، ومات كافرًا -وليس هو عامر بن
الحواشي
(١) الذي استمدوه غير الذين استمدهم عامر، والكل من بني سليم.
وفي رواية عاصم عن أنس عند البخاري أنه ﷺ بعث أقوامًا إلى ناس من المشركين بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، ويحتمل أنه لم يكن استمدادهم لهم لقتال عدو، وإنما هو للدعاء للإسلام، وقد أوضح ذلك ابن إسحاق، فذكر ما نقله المصنف عنه، وقيل في تأويله أيضًا، أي: طلبوا منه مدة يمهلهم فيها، أي: للتروي في الإسلام؛ لأنهم لم يسلموا ولم يظهروا إسلامًا.
"وفي رواية ثابت" البناني، عن أنس في الصحيح: "ويشترون به،" أي: الحطب, "الطعام لأهل الصفة" وللفقراء.
وفي رواية: ويأتون به إلى حجر أزواجه ﷺ ، "ويتدارسون القرآن بالليل"، ويصلون كما هو بقية رواية ثابت، والجمع بين هذه الروايات سهل, بأنهم كانوا يصلون بعض الليل، ويدرسون بعضه، ويحتطبون ويبيعون بعضه، يشترون به طعامًا لأهل الصُّفَّة والفقراء، وبعضه يأتون به الحجر الشريفة, أو بعضهم يفعل كذا، والآخر كذا، أو يفعلون ذا مرة وذا مرة، وقوله: لأهل الصفة, لا يفهم أنهم ليسوا من أهلها.
وقد نصَّ المصنف في بناء المسجد على أنهم من أهل الصفة، فبعض أهل المحل يشتري لبعض، كما هو مشاهد في كثير من الزوايا والربط, فلا حاجة لحمله على النفي والإثبات وتعسف الجمع، بأن من عدهم من أهلها نظر إلى إعراضهم عن نحو: التجارة والزراعة ومخالطة أهلها إلّا وقت الحاجة, ومن لم يعد بناه على أن أهلها هم الملازمون للمسجد الذين لم يتعلقوا بشيء غير العبادة، أو أمر ضروري يخرجون له ويعودون سريعًا.
"فساروا حتى وصلوا إلى بئر معونة، بعثوا حرام" بمهملة وراء "ابن ملحان" بكسر الميم أشهر من فتحها، أخو أم سليم, خال أنس بن مالك "بكتابه ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل" ابن مالك بن جعفر الكلابي "العامري", وهو ابن أخي أبي براء، "ومات كافرًا" بإجماع أهل النقل، وعدَّه المستغفري صحابيًّا غلط، قاله البرهان.
وقال الحافظ: هو خطأ صريح، فإن عامرًا مات كافرًا، وقصته معروفة -يريد في الصحيح وغيره, من قدومه على النبي ﷺ ، وقوله: لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بألف أشقر وألف شقراء، فقال ﷺ : "اللهم اكفني عامرًا"، فطعن في بيت امرأة فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، "وليس هو عامر بنследующие страницы →