Полный текст (5 943 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
لما أهبط آدم إلى الأرض مكث يبكي ثلاثمائة سنة لا يرقأ له دمع.
وقال المسعودي: لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حين أخرجه الله من الجنة.
وقال مجاهد: بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء، وأنبت الله من دموعه العود الرطب والزنجبيل والصندل وأنواع الطيب، وبكت حواء حتى أنبت الله من دموعها القرنفل والأقاوى.
الحواشي
(١) عباس وابن عمر وعنه آله، وسماك بن الفضل مات سنة أربع عشرة ومائة، "لما أهبط آدم إلى الأرض مكث يبكي ثلاثمائة سنة لا يرقأ" بالهمز والقاف، أي: لا يسكن ولا يجف "له دمع" على ما أصابه، "وقال المسعودي" عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي الحافظ، قال ابن نمير: ثقة اختلط آخرًا، وقال ابن مسعر: ما أعلم أحدًا أعلم بعلم ابن مسعود منه، مات سنة ستين أو خمس وستين ومائة. "لو أن دموع أهل الأرض جمعت" وجمعت دموع آدم؛ "لكانت دموع آدم أكثر" من دموع أهل الأرض "حين أخرجه الله من الجنة" حزنًا على فراقها وفراق أهلها وعلى أكله من الشجرة وإن غفر له قبل الخروج؛ كما جزم به القرطبي وغيره لشدة الخشية وكمال عظمة الله في قلبه، وقول شيخنا: لعل المراد إلى وقت التوبة مبني على أنه لم يتب عليه إلا بعد خروجه بمدة.
"وقال مجاهد" بن جبير بفتح الجيم وسكون الموحدة، وقيل: جبير بالضم مصغرًا والأول أكثر المخزومي مولاهم المكي الثقة الحافظ الإمام في التفسير، وفي العلم أحد الأعلام المجتمع على إمامته. وذكر ابن حبان له في الضعفاء: مردود مات بمكة وهو ساجد سنة ثلاث ومائة، وقيل غير ذلك، خرج له في الستة. "بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه" حياء من ربه ، "إلى السماء" وبهذا القيد لا ينافي قول وهب فهذه المائة بعض الثلاثمائة وخصت بالذكر للقيد، "وأنبت الله من دموعه العود الرطب" لعل المراد الذي يتبخر به، قال شيخنا: وقد ذكروا أنه مما نزل معه من الجنة، فإن صح ما ترجاه، فيحتمل أنه ما نبت في الأرض إلا بدموعه، "والزنجبيل" عرق يسري في الأرض ونباته كالقصب والبردي، له قوة مخنة يسيرًا باهية مذكية وإن خلط برطوبة كبد المعز وجفف وسحق واكتحل به أزال الغشاوة وظلمة البصر، "والصندل" خشب معرف أجوده الأحمر أو الأبيض محلل للأورام نافع للخفقان والصداع ولضعف المعدة الحارة والحميات، قاله وما قبله القاموس. "وأنواع الطيب" عام على خاص أي: الذي له رائحة وإن استعمل لغيرها، "وبكت حواء حتى أنبت الله من دموعها القرنفل والأقاوى" الطيب، وتطلق علىстр. 107
يا بني آدم، انظروا كيف بكى أبوكم على فعله واحدة ثلثمائة سنة، فكيف بكم يا أصحاب الكبائر العظيمة؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار، كان آدم كلما رأى الملائكة تصعد وتهبط ازداد شوقًا إلى الأوطان، وتذكر العهد والجيران، يا أصحاب الذنوب احذروا زلة يقول فيها الحبيب: هذا فراق بيني وبينك، فياذا العقل السليم، انظر كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة........................................
الحواشي
(١) توابل الطعام؛ كما في المصباح.
وفي القاموس: الأفواه التوابل الواحد فوه كسوق وجمع الجمع أفاويه، ونحوه في المصباح. فسقوط الهاء من المصنف تخفيف أو لغة قليلة ثم وشح المؤلف تلك القصة بمنزع صوفي على عادته، فقال: "يا بني آدم، انظروا كيف بكى أبوكم على فعلة واحدة" بفتح الفاء اسم للمرة من الفعل، وفي نسخة على صغيرة واحدة ولا يناسب ترديده الآتي، كذا قيل وأنت خبير بأن الترديد إنما هو على لسان السائل مع الجزم بأنها صغيرة في الجواب، فكلتاهما مناسبة "ثلاثماة سنة" مع النسيان والتأويل، "فكيف بكم يا أصحاب الكبائر العظيمة"؟ العمد "فاعتبروا" اتعظوا وقيسوا حالكم في استحقاق العقوبة بالذنب على حال أبيكم في إخراجه من الجنة بفعلة "يا أولي الأبصار" البصائر، "كان آدم" ﵇ "كلما رأى الملائكة تصعد" بفتح العين مضارع صعد بكسرها، "وتهبط، ازداد شوقًا إلى الأوطان" جمع وطن، أي: أماكن الجنة سماها بذلك؛ لأنه أبيح له نعيمها بلا تخصيص محل منها دون آخر، وفيه إشعار بتكرر رؤيته للملائكة وأنها حقيقة وهل على صورهم الأصلية أو غيرها محل نظر، وقد ذكروا أن من خصائص المصطفى رؤية جبريل على صورته مرتين، "وتذكر العهد" الأمان الذي كان فيه قب هبوطه أو المنزل، فهو كالتفسير للأوطان أوائل عهدية، أي: تذكر عهد الله الذي نسيه فصار في هذه الحالة، "والجيران" جمع جار وهو المجاور في السكن والمراد الملائكة وغيرهم من الحيوان سماهم جيرانًا، لكونهم معه في الجنة، "يا أصحاب الذنوب، احذروا زلة يقول فيها الحبيب" لمحبه "هذا فراق بيني وبينك" تلميح بقصة موسى مع الخضر؛ لأن آدم لما أكل تباعد عنه أحبابه وما أواه أحد فكأنهم قالوا له ذلك، "فيا ذا العقل السليم، انظر" بعقلك "كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة" مر قول الحكيم أنه من ذهب أو ياقوت أحمر له سبعمائة قائمة، ونحوه في المشكاة وذلك يأبى ادعاء أنه تمثيل من حيث جعله سرير المملكة، وإن سلم فهو صورة جعلت لآدم اجلس عليها تكريمًا، وعبر عنها بذلك مجازًا، فإن الأصل الحقيقة وإثبات الصورة يمنع التمثيل وغاية الأمر أن التجوز في الإضافة للمملكة مع أنه مسمى بذلك عندهم؛ كما أفاده الخبر وما به ضرر، فليس أقوى من إضافة العرش والكرسي لله في التنزيل مع تنزههстр. 108
فمد يده إلى لقمة نهى عنها فأخرج من الجنة، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصي فإنها من نزلت به نزلت به وحطته عن مرتبته.
فإن قلت: هذه الفعلة التي أهبط بها آدم من الجنة، إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة فلم جرى عليه بسببها ما جرى من نزع اللباس والإخراج من الجنة وغير ذلك؟
أجاب الزمخشري: بأنها ما كانت إلا صغيرة، مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأذكار الصالحة التي هي أجل الطاعات، وأعظم الأعمال، وإنما جرى عليه ما..................
الحواشي
(١) سبحانه عن الحلول والجسم، "فمد يده إلى لقمة نهى عنها، فأخرج من الجنة، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصي فإنها من نزلت به" أي: أصابته، "نزلت به" أي: خفضته، "وحطته عن مرتبته" عطف تفسير، "فإن قلت: هذه الفعلة" بفتح الفاء للمرة كما مر، وبكسرها اسمًا للهيئة، أي: ما هيئة هذه الفعلة؟ "التي أهبط بها آدم من الجنة" أبالغة في المخالفة، فتكون كبيرة أم لا؟ "إن كانت كبيرة، فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء" إجماعًا لا قبل النبوة ولا بعدها، "وإن كانت صغيرة" وقلتم بجوازها عليهم، فالصغائر مغفورة باجتناب الكبائر لآحاد الأمة فكيف بنبي ولد الأنبياء؟ "فلم جرى عليها بسببها ما جرى من نزع اللباس" بمجرد تعلق الإرادة لا بفعل فاعل لما مر أنه بمجرد وضع الحية في فيه طار عنه تاجه وتهافتت ثيابه، "والإخراج من الجنة، وغير ذلك" من المعاتبة بنحو قوله: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة والفضيحة يبدو السوأة وتهافت اللباس ووهن الجلد، بعدما كان الظفر والإخراج من الجنة مع النداء: لا يجاورني من عصاني، والفرقة بينه وبين حواء مدة والعداوة بعضكم لبعض عدو، والنداء بالنسيان: فنسي ولم نجد له عزمًا، وتسليط العدو على ولده وأجلب عليهم بخيلك ورجلك، وجعل الدنيا سجنًا له وولده والتعب والشقاء فلا يخرجنكما من الجنة فتشقا، فهذه خصال ابتلي بها آدم ﵇ وبها ابتليت حواء مع خمس عشرة معها تطلب من التواريخ.
قلت: "أجاب الزمخشري" أبو القاسم محمود العلامة جار الله المعتزلي، قال ابن خلكان وغيره: كان يتظاهر به وإذا استأذن على صاحب له بالدخول يقول أبو القسم المعتزلي بالباب وأول ما صنف الكشاف، توفي ليلة عرفة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. "بأنها ما كانت إلا صغيرة مغمورة" بغين معجمة، مستورة "بأعمال قليلة من الإخلاص والأذكار الصالحة، التي هي أجل الطاعات وأعظم الأعمال" والصغيرة إذا غلبتها الطاعات لا يؤاخذ بها، "وإنما جرى عليه ماстр. 109
جرى تعظيمًا للخطيئة، وتفظيعًا لشأنها وتهويلا، ليكون ذلك لطفًا له ولذريته في اجتناب الخطايا، واتقاء المآثم.
يا هذا، انظر كم لله من لطف وحكمة في إهباط آدم من الجنة إلى الأرض، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجتهدين، واجتهاد العابدين، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين...................
الحواشي
(١) جرى تعظيمًا للخطيئة وتفظيعًا" بفاء معجمة، إظهارًا "لشأنها" أي: قبحها، وفي القاموس: الشأن: الخطب والأمر، فلعل الإضافة بيانية ولم يقل لها قصد للمبالغة كما هو عادتهم، "وتهويلا" تخويفًا لمرتكب الخطيئة؛ "ليكون ذلك لطفًا" بضم اللام، رفقًا "له ولذريته في اجتناب الخطايا" لأن ذلك كان سببًا لما حصل له من الكمالات في الدنيا المفيدة لكثرة الثواب وعظم المنزلة في الآخرة، "واتقاء المآثم" جمع مأثم عطف تفسير، وصريح ذا الجواب جواز وقوع الصغيرة من الأنبياء.
قال القرطبي: وهو مذهب الأكثرين، والمراد نسيانًا إلا الدالة على خسة كسرقة لقمة، بل قال الطبري وغيره من الفقهاء المتكلمين والمحدثين: تقع الصغائر منهم خلافًا للرافضة، لكن قال جمهور الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها، انتهى.
والأخير رأي الإسفراييني وعياض والشهرستاني والتقي السبكي: لكرامتهم على الله أن يصدر منهم ذنب وقد استدل الأولون بظواهر من الكتاب والسنة إن التزموها أفضت بهم إلى الكفر وخرق الإجماع، وما لا يقول به مسلم فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلفت فيه وتقابلت الاحتمالات في معناه؛ كما بسطه عياض في الشفاء، ولذا قال شيخنا: الأولى، والجواب بأن محل عصمتهم من الصغائر إن لم يترتب عليها تشريع ونحوه، فجاز وقوع ما هو صورة صغيرة من آدم لما ترتب عليها من المنافع له ولذريته، فلا ينافي أنها لا تقع منهم لا عمدًا ولا سهوًا.
"يا هذا انظر كم لله من لطف وحكمة في إهباط آدم من الجنة إلى الأرض" الظاهر: أن الحكمة هنا الفائدة المترتبة على هبوطه، كما يشير إليه قوله: "لولا نزوله لما ظهر جهاد المجتهدين واجتهاد العابدين" وإن كانت الحكمة في الأصل تحقيق العلم وإتقان العمل، "وا صعدت" بكسر العين، "زفرات" بفتح الزاي والفاء وتسكن للشعر جمع زفرة، أي: أصوات "أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين" وفي تفسير القرطبي: لم يكن إخراج الله آدم منстр. 110
يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب فإني قريب مجيب، أجيب دعوة الداعي، إن كان حصل لك من الإخراج كسر فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، وإن كان فاتك في السماء زجل المسبحين فقد تعوضت في الأرض أنين المذنبين، أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم، زجل المسبحين ربما يشوبه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار، "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم".
الحواشي
(١) الجنة عقوبة له؛ لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته، وإنما أهبطه تأديبًا أو تغليظًا للمحنة، والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم، ويترتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا داري تكليف، فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه ولله فعل ما شاء، وقد قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] ، وقال أرباب المعاني، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] ، إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة، وأن سكناه لا تدوم؛ لأن المخلد لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى، والدليل عليه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] ، انتهى.
وفي الأحوذي: خروج منها سبب لوجود الذرية وهذا النسل العظيم، ووجود الأنبياء والمرسلين والصالحين ولم يخرج منها طردًا بل لقضاء أوطاره ثم يعود إليها، انتهى. ولما تاب الله على آدم بين له بالوحي والإلهام ما اطمأنت به نفسه، وذهب به روعه، حتى كأنه قال له: "يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب" فلا تحزن "فإني قريب مجيب" فقربي لك في الجنة، كهو في الأرض "أجيب دعوة الداعي، إن كان حصل لك من الإخراج كسر" وهو الواقع "فأنا عند المنكسرة قلوبهم" اسم فاعل من انكسر مطاوع كسر من باب ضرب، ووصف القلب به تجوزا كأنه شبه ضعفه وذلته بتفرق أجزاء شيء منكسر، "من أجلي" وليس هذا بحديث قدسي، فغاية ما في المقاصد حديث أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، جرى في البداية للغزالي.
"وإن كان فاتك في السماء زجل" بفتح الزاي والجيم ولام: أصوات "المسبحين، فقد تعوضت في الأرض أنين المذنبين" ولا تقل فرق بينهما فـ"أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم" أي: المسبحين، وإذا أحب إلينا فأنت تحب ما نحب، "زجل المسبحين" من حيث هم لا مسبحي السماء، "ربما يشوبه الافتخار" فيفسده "وأنين المذنبين يزينه الانكسار" فبواسطته فاق الثلاثة ثم رشح هذا الوارد الصوفي المساق عن الحق ﷻ على طريق الصوفية، بقوله ﷺ فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: "والذي نفسي بيده " لو لمстр. 111
سبحان من إذا لطف بعبده في المحن قلبها منحا، وإذا خذل عبدًا لم ينفعه كثرة اجتهاده، وكان عليه وبالا، لقن الله آدم حجته، وألقى عليه ما تقبل به توبته، وطرد إبليس اللعين بعد طول خدمته.........................
الحواشي
(١) تذنبوا لذهب الله بكم" أي: لأماتكم بانقضاء آجالكم "ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون" الله تعالى "فيغفر لهم" ليكونوا مظهرًا للمغفرة التي وصف بها ذاته؛ كقوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيم﴾ [النمل: ١١] ، فالغفار يستدعي مغفورًا، والرحيم مرحومًا، أي: فلا تمنعكم ذنوبكم من التوبة والإنابة ليأسكم من روح الله فليس إذنا في الذنب ولا حثًا عليه، بل المقصود منه مجرد التنبيه على عظم الفضل وسعة المغفرة والحث على التوبة.
قال الطيبي: لم يرد به ونحوه قلة الاحتفال بمواقعة الذنوب، كما توهمه أهل الغرة، بل كما أنه أحب الإحسان إلى المحسن أحب التجاوز عن المسيء، فمراده لم يكن ليجعل العباد كالملائكة منزهين عن الذنوب بل خلق فيهم من يميل بطبعه إلى الهوى، ثم كلفه توقيه وعرفه التوبة بعد الابتلاء، فإن وفى فأجره على الله، وإن أخطأ فالتوبة بين يديه، وسر ذلك إظهار صفة الكرم والحلم والغفران، ولو لم يوجد لانثلم طرف من صفة الألوهية، والله يتجلى لعبده بصفات الجلال والإكرام في القهر واللطف، انتهى.
"سبحان من إذا لطف بعبده في المحن" بكسر ففتح جمع محنة، أي: البلايا "قلبها" صيرها أو أبدلها "منحا" بكسر ففتح: عطايا، "وإذا خذل عبدًا لم ينفعه كثرة اجتهاده، وكان عليه" اجتهاد "وبالا" فقد "لقن الله آدم حجته" حيث قال: ما ظننت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا وقد قال قوم: إن آدم وحواء ما أكلا من الشجرة المنهي عنها، وإنما أكلا من جنسها تأولا أن المراد العين، وكان المراد الجنس، حكاه القرطبي.
"وألقى عليه ما تقبل به توبته" هو كما قال ابن عباس والحسن وابن جبير الضحاك وابن مجاهد: ربنا ظلمنا أنفسا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. وعن مجاهد أيضًا: سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، وقيل: رأى مكتوبًا على سابق العرش محمد رسول الله، فتشفع به، وقيل: المراد البكاء والحياء والدعاء والندم والاستغفار، ذكره القرطبي.
"وطرد إبليس اللعين بعد طول خدمته" مر عن القرطبي أنه عبد الله ثمانين ألف سنة، وفي منتهى النقول: تسعة آلاف سنة، وفي الخميس: مائتين وأربعين ألف سنة، ولم يبق في السماوات والأرضين السبع موضع شبر إلا سجد فيه، فقال: إلهي هل بقي موضع لم أسجد فيه؟ فقال:стр. 112
فصار عمله هباء منصورًا، قال: أخرج منها ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٤-٣٥] إذا وضع عدله على عبد لم يبق له حسنة، وإذا بسط فضله على عبد لم يبق له سيئة.
انظر......................................
الحواشي
(١) اسجد لآدم، فقال: أتفضله عليّ؟ قال أفعل ما أشاء ولا أسأل عما أفعل، فأبى فطرد ولعن.
وفي المشكاة: قال الحسن: عبد الله في السماء سبعمائة ألف وسبعين ألفًا وخمسة آلاف سنة، وعبد الله في الأرض فلم يترك موضع قدم إلا سجد فيه سجدة. "فصار عمله هباء منثورًا" هو ما يرى في الكوى التي عليها الشمس؛ كالغبار المفرق، أي: مثله في عدم النفع به لعدم شرطه.
"قال" تعالى: "اخرج" التلاوة فاخرج، وصرح الدماميني عن ابن السبكي بجواز حذف العاطف في الاستدلال بل والإتيان بواو وفاء؛ لأنه ليس المراد إلا ما بعده، وقد كتب ﷺ لهرقل: "ويا أهل الكتاب" "منها" أي: في الجنة لا السماء إذ لم يمنع منها إلا بعد البعثة، "فإنك رجيم" مطرود من الخير والكرامة، فإن من يطرد يرجم بالحجارة أو شيطان يرجم بالشهب، "وإن عليك اللعنة" هذا الطرد والإبعاد "إلى يوم الدين" يوم القيامة، وإنما غيابه لانتهاء التكليف الذي هو مظنة الفعل سبب التوبة، ومعلوم أنه حيث انتفى سبب التوبة تأبد الطرد، أو لكونه أبعد ما يتعارفه الناس فجرى على أسلوب كلامهم أو لأنه لشدة العذاب يوم القيامة يذهل عن كونه مطرودًا عن الرحمة بخلاف الدنيا، فإن بالعيان عالم بالطرد.
"وإذا وضع عدله على عبد" أي: إذا جازاه على فعله بمقتضى عدله، "لم يبق" بضم الياء أي الله وفتحها، "له حسنة" بالنصب والرفع؛ لأن العبد لا يخلو من أفعال مقتضية للمؤاخذة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] ، أي: من يدب عليها بشؤم المعاصي، وقيل: المراد بالدابة الإنس فقط. "وإذا بسط فضله على عبد" أي: عامله بالرحمة والمغفرة، "لم يبق له سيئة" أي: لم يؤاخذه بذنوبه، والمراد: أن حسناته وسيئاته تمحيان من صحف الملائكة ليكون ذلك بالنسبة للحسنة أشد في إدخال الأسف والحزن عليه لتفريطه حتى ذهبت حسناته، وبالنسبة للسيئة أبلغ في الستر عليه؛ كما قال ﷺ : "إذا تاب العبد أنسى الله الحفظة ذنوبه وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله، وليس عليه شاهد من الله بذنب" رواه الأصبهاني في الترغيب، والحكيم الترمذي في النوادر، وابن عساكر. وعبر في الأول بوضع لمناسبته للوزن والمحاسبة. وفي الثاني: بالبسط؛ لأنه المناسب للعفو والستر.
"انظر" من النظر، بمعنى إعمال الفكر ومزيد التدبر والتأمل، قال الراغب: النظر إجالة الخاطرстр. 113
لما ظهرت فضائل آدم ﵊ على الخلائق بالعلم، وكان العلم لا يكمل إلا بالعمل بمقتضاه، والجنة ليست دار عمل ومجاهدة، إنما هي دار نعيم ومشاهدة، قيل له: يا آدم اهبط إلى أرض الجهاد، وصابر جنود الهوى بالجد والاجتهاد، وكأنك بالعيش الماضي وقد عاد على أكمل من ذلك المعتاد.
ولما أظهر إبليس -عليه اللعنة- الحسد، سعى في الأذى، حتى كان سببًا في إخراج السيد آدم من الجنة، وما فهم الأبله..................
الحواشي
(١) نحو المرئي لإدراك البصيرة إياه، فللقلب عين، كما أن للبدن عينًا. "لما ظهرت فضائل آدم ﵊ على الخلائق" من الملائكة وغيرهم "بالعلم" المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ، وبما آتاه الله من قوة العقل. قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة، وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى أرجحهم. قال القرطبي: يحتمل أن يخص من عمومه المصطفى فإنه أوفر الناس حلمًا، ويحتمل من المعنى غير الأنبياء.
"وكان العلم لا يكمل إلا بالعمل بمقتضاه والجنة ليست دار عمل ومجاهدة، وإنما هي دار نعيم ومشاهدة" فيه إشارة إلى جنة المأوى، "قيل له: يا آدم اهبط إلى أرض الجهاد" إضافة بيانية، أي هي جهاد النفس "وصابر جنود الهوى" بالقصر، أي: هوى النفس، أي: ميلها إلى مشتهياتها "بالجد" بالكسر ضد الهزل، "والاجتهاد" بذل الوسع فهو مغاير للجد مفهومًا مقاربة ما صدق على مقتضى المختار والمصباح يقتضي تساويهما. "وكأنك بالعيش الماضي" أي: نعيم الجنة الذي فارقته، "وقد عاد" إليك بانتقالك للدار الآخرة والنعيم المقيم، وفيه إشارة إلى أن الدنيا وإن طالت لا تعد شيئًا بالنسبة لنعيم الآخرة؛ لبقائها وفناء الدنيا، والفاني كالعدم بالنسبة للباقي. "علي" حال "أكمل من ذلك" الحال "المعتاد" لك أولا في الجنة. "ولما أظهر" عطف على لما ظهرت "إبليس عليه اللعنة" كذا في كثير من النسخ بالواو، ووقع في نسخة شيخنا بدونها، فقال: ينبغي تقديرها "الحسد" لآدم "سعى في الأذى" له "حتى كان سببًا في إخراج السيد آدم من الجنة" في حديث رواه اليافعي في نفحات الأزهار عن علي رفعه: "هبط علي جبريل، فقال: إن لكل شيء سيدًا فسيد البشر آدم، وسيد ولد آدم أنت" فإن صح ففي الفتح السيادة لا تقتضي الأفضلية، فقد قال عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، وقال ابن عمر: ما رأيت أسود من معاوية، مع أنه رأى العمرين.
"وما فهم الأبله" بفتح الهمزة، عديم المعرفة الأحمق الخالي من التمييز، ووصفه بذلكстр. 114
أن آدم إذا خرج من الجنة كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من الحال الأول.
قالوا: وفيه إشارة، كأنه تعالى يقول: لو غفرت في الجنة لما تبين كرمي، بأني أغفر لنفس واحدة، بل أؤخره إلى الدنيا، وآتي بألوف من العصاة حتى أغفر لهم وله ليتبين جودي وكرمي. وأيضًا: علم الله تعالى أن في صلبه الأولاد، والجنة ليست دار توالد.................
الحواشي
(١) مشعر بأنه سلب العلم عند كفره، قال القرطبي: لا خلاف أنه كان عالمًا بالله قبل كفره، فمن قال: كفر جهلا، قال: سلب العلم عند كفره، ومن قال عنادًا، قال: كفر ومعه علمه. قال ابن عطية: والكفر مع بقاء العلم مستبعدًا؛ إلا أنه جائز عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء، قال: واختلف هل كان قبله كافر؟ فقيل: لا، وهو أول من كفر، وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض، وهل كفر جهلا أو عنادًا، قولان لأهل السنة.
"إن آدم إذا أخرج من الجنة كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من الحال الأول" ولو فهم ذلك ما سعى فيه، قال القرطبي: لم يقصد إبليس إخراجه منها وإنما أراد إسقاطه عن مرتبته وإبعاده كما أبعده هو، فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده بل ازداد غبنًا وغيظ نفس وخيبة ظن، قال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه: ١٢٢] ، فتاب عليه وهدي فصار خليفة الله في أرضه بعد أن كان جاره في داره. ا. هـ.
"قالوا" أي الصوفية ونسبة للكل كأنه لظهوره صدر عن الجميع، فليس المراد التبرى، "وفيه" أي: إخراج آدم من الجنة، "إشارة" هي شيء يدل على النطق فهي مرادفة له؛ "كأنه تعالى يقول: لو غفرت في الجنة لما تبين كرمي بأني أغفر" الباء سببية علة للنفي، أي: لانتفى تبين كرمي؛ لأني إنما غفرت "لنفس واحدة" والغفر لها لا يستدعي سعة الكرم، وفي نسخة: بأن أغفر، أي: بسبب المغفرة، "ب أؤخره" بهمزتين أولاهما مضمومة "إلى الدنيا، وآتي بألوف من العصاة حتى أغفر لهم وله" يوم القيامة "ليتبين" له ولغيره، "جودي وكرمي" وكان هؤلاء الذين جعلوا هذا إشارة واستنبطوه لم يقفوا عليه منصوصًا, وفي الخميس: كغيره؛ كما مر قول الله تعالى لجبريل: إن رحمته لا ينقص من رحمتي شيء، وإن يذهب لا يعاب عليه شيء، فخل عنه حتى يذهب ثم يرجع غدًا في مائة ألوف من أولاده عصاة حتى يشاهد فضلنا على أولاده ويعلم سعة رحمتنا.
"وأيضًا علم الله تعالى أن في صلبه الأولاد والجنة ليست دار توالد" أي: تكثر فيه الأولاد، فلا ينافي ما حكاه ابن إسحاق عن بعض أهل الكتاب إن صح أن آدم كان يغشي حواء في الجنة قبل أن يأكل من الشجرة فحملت بقابيل وتوأمته فلم تجد عليهما وجعًا ولا طلقًا حينстр. 115
وأيضًا: ليخرج من ظهره في الدنيا من لا نصيب له في الجنة.
يا هذا، الجنة إن شاء الله إقطاعنا. وقد وصل منشور الإقطاع مع جبريل ﵊ إلى نبينا ﷺ ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] ، إنما يخرج الإقطاع عمن خرج عن الطاعة، نسأل الله التوفيق.
وقد اختلف في الجنة التي سكنها........................
الحواشي
(١) ولدتهما ولم تر معهما دمًا. "وأيضًا ليخرج" الله "من ظهره في الدنيا من لا نصيب له في الجنة" وهم الكفار لما سبق منه : أن فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير. وقال الأستاذ التاج في التنوير: فكأن مراد الحق من آدم الأكل من الشجرة لينزله إلى الأرض ويستخلفه فيها، فكان هبوطًا في الصورة رقيًا في المعنى، ولذا قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: والله ما أنزل الله آدم إلى الأرض لينقصه، إنما أنزله إلى الأرض ليكمله ثم قال: فما أنزل إلى الأرض إلا ليكمل له وجود التعريف ويقيمه بوظائف التكليف، فتكاملت في آدم العبد عبودية التعريف وعبودية التكليف، فعظمت منه الله عليه وتوافر إحسانه إليه. ا. هـ.
"يا هذا الجنة إن شاء الله إقطاعنا" أي: معطاة لنا لنرتفق بها ونتنعم فيها بأنواع النعم أطلق الإقطاع عليها استعارة أو تشبيهًا، والمعنى: أنها لنا كالإقطاع وهو ما يعطيه الإمام من أرض الخراج، "وقد وصل منشور الإقطع" أي: وصل خبرها إلينا، "مع جبريل ﵇ إلى نبينا ﷺ " والدليل على وصوله قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، صدقوا بالله " ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ " من الفروض والنوافل، "أن" أي: بأن "لهم جنات" حدائق ذات شجر ومساكن "تجري من تحتها" أي: تحت أشجارها وقصورها، "الأنهار" [البقرة: ٢٥] أي: المياه فيها والنهر الموضع الذي يجري فيه الماء؛ لأن الماء ينهره، أي: يحفره وإسناد الجري إليه مجاز، "إنما يخرج الإقطاع" بتحتية نظرًا للفظ الإقطاع فإنه مذكر وفوقية نظرًا لمعناه، وهي الأرض إذ هي مؤنثة إن أرضي واسعة، "عمن خرج عن الطاعة نسأل الله التوفيق" وأتى بهذا تأكيدًا لاستحقاق المؤمنين نعيم الجنة بمقتضى الوعد وتنبيهًا على استحقاقهم لذلك مشروط ببقائهم على الطاعة وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وأنهم إذا خالفوا ذلك استحقوا العذاب بمقتضى الوعيد، وقرب ذلك بما هو مشاهد من معاملة السلطان لرعاياه فيما لو أنعم على بعضهم بسبب نصحه في الخدمة، فإنه إذا خرج عنها عاقبه ومنعه ما أولاه من أرض ونحوها.
"وقد اختلف في الجنة" بالفتح واحدة الجنات، قال القرطبي: وهي البساتين سميت جنات؛ لأنها تجن من فيها، أي: يستره شجرها، ومنه المجن والجنين والجنة،"التي سكنهاстр. 116
آدم.
فقيل: هي جنة الخلد.
وقيل: غيرها، جعلها الله دار ابتلاء، لأن جنة الخلد إنما يدخل إليها يوم القيامة، ولأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهي، ودار سلامة لا دار ابتلاء وامتحان، ودار قرار لا دار انتقال.
واحتج القائلون بأنها جنة الخلد...............................
الحواشي
(١) آدم" حين قيل له: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ، "فقيل: هي جنة الخلد" وهو قول جمهور الأشاعرة، بل حكى ابن بطال عن بعض المشايخ إجمال أهل السنة عليه؛ لأن اللام للعهد ولا معهود غيرها، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ ، وذلك صفة جنة الخلد؛ ولقوله: اهبطوا منها، والهبوط يكون من علو إلى سفل ولا يستقيم ذلك في بستان مخلوق على الأرض، ولأن موسى لما لقى آدم ﵉ وقال له: أنت أتعبت ذريتك وأخرجتهم من الجنة لم ينكر ذلك آدم، وإنما قال: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق. الحديث الصحيح، ولو كانت غيرها لرد على موسى. "وقيل" هي "غيرها" حكاه منذر بن سعيد زاعمًا كثرة الأدلة عليه، وحكاه الماوردي والرازي وابن عقيل والقرطبي والرماني وغيرهم، واختلف القائلون به، فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصبهاني، وحكاه الثعلبي عن القدرية هي بستان بالأرض، أي: بأرض عدن؛ كما في القرطبي، أو بأرض فلسطين، أو بين فارس وكرمان؛ كما في البيضاوي. قال الرازي وابن عقيل: ويحمل هؤلاء الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في: اهبطوا مصرا، وقيل: هي جنة أخرى كانت فوق السماء السابعة، وهو قول أبي هاشم، ورواية عن الجبائي. قال ابن عقيل: وهي دعوى بلا دليل فلم يثبت أن في السماء غير بساتين جنة الخلد. ا. هـ.
"جعلها الله دار ابتلاء" لآدم وواء؛ "لأن جنة الخلد إنما يدخل إليها يوم القيامة" وهذه قد دخلت قبله، "ولأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهي" فلو كانت هي ما وجدوا فيها، "ودار سلامة" من الآفات وكل خوف وحزن، "لا دار ابتلاء وامتحان" وقد وجدا فيها "ودار قرار" لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] ، "لا دار انتقال" وقد انتقلوا منها، فدل ذلك كله على أنها غيرها. "واحتج القائلون بأنها جنة الخلد" قيل: هي واحدة لها أسماء، وقيل: سبع، ورجح جماعة أنها أربع؛ لما في سورة الرحمن وتحتها أفراد كثيرة لحديث الصحيح: "إنها جنان كثيرة" وعليهما فإطلاق المصنف مجاز من تسمية الكل باسم الجزء، أي:стр. 117
بأن الدخول العارض قد يقع قبل يوم القيامة، وقد دخلها نبينا ﷺ ليلة الإسراء، وبأن ما ذكره من أن الجنة لا يوجد فيها ما وجده آدم من الحزن والنصب فإنما هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإن نفي ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها، والله أعلم.
وروي أنه لما خرج آدم من الجنة رأى مكتوبًا على ساق العرش وعلى كل موضع في الجنة............
الحواشي
(١) أجابوا عن تلك الشبه التي احتج بها القائلون بأنها غيرها، وإلا فلم يظهر مما ذكره المصنف دليل على أنها جنة الخلد، فأجابوا عن الشبهة الأولى: "بأن الدخول العارض قد يقع قبل يوم القيامة و" دليل ذلك أنه "قد دخلها نبيًا ﷺ ليلة الإسراء" ثم خرج منها، وأخبر بما فيها وأنها جنة الخلد حقًا، "وبأن ما ذكره" القائلون بأنها غيرها، "من أن الجنة لا يوجد فيها ما وجده آدم من الحزن" بنحو تساقط اللباس "والنصب" التعب، بنحو طلب ورق الجنة يستر به سوأته، "فإنما" الأولى حذف الفاء لأنه خبر أن، أو هي تعليلية لمحذوف، أي: ما ذكروه من كذا لا يصح، فإنما "هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة؛ كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإن نفي ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها" يوم القيامة، وسكت عن جواب الأخير لعلمه من هذا وهو أن كونها دار قرار، إنما هو يوم القيامة، "والله أعلم. ا. هـ".
وظاهر المصنف بل صريحة تساوي القولين وليس كذلك، فقد قال القرطبي: هي جنة الخلد، ولا التفات إلى ما ذهب إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن فيها وإنما كان في جنة بعدن، وذكر أدلتهم وردها بما يطول, ورجح أبو القاسم الرماني في تفسيره أنها جنة الخلد أيضًا، وقال: هو قول الحسن وعمر ووصل، وعليه أهل التفسير.
"وروي أنه لما خرج آدم من الجنة" أي: لما أراد الخروج لما في الخميس إن الله لما قال له: اخرج لا يجاورني من عصاني رفع آدم طرفه إلى العرش فإذا هو مكتوب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقال: يا رب بحق محمد اغفر لي، فقال: قد غفرت لك بحقه، ولكن لا يجاورني من عصاني، ويأتي للمصنف في المقصد الثاني ما يصرح بأن آدم رأى كتابة اسمه على العرش قبل تمام خلقه، ومر الخلاف في قدر مكثه في الجنة.
"رأى مكتوبًا على ساق العرش" وكانت الكتابة قبل خلق السماوات والأرض بألفي سنة، كما روي عن أنس. "وعلى كل موضع في الجنة" من قصر وغرفة ونحور حور عين، وورق شجرة طوبى وورق سدرة المنتهى وأطراف الحجب وبين أعين الملائكة، رواه ابن عساكر عنстр. 118
اسم محمد ﷺ مقرونًا باسم الله تعالى، فقال يا رب هذا محمد من هو؟ فقال تعالى: هذا ولدك الذي لولاه ما خلقتك. فقال: يا رب بحرمة هذا الولد ارحم هذا الوالد، فنودي: يا آدم، لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت علي قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك
الحواشي
(١) كعب الأحبار نقله المصنف في المقصد الثاني.
"اسم محمد" إضافة بيانية فلا يرد أن لفظ محمد، وضع له اسم دال عليه، فالمرئي ذلك الاسم لا لفظ محمد ﷺ حال كونه "مقرونًا باسم الله تعالى" وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله، "فقال" آدم: "يا رب، هذا" الاسم الذي هو "محمد من هو؟ " من الذات المسماة به، "فقال الله تعالى: هذا ولدك والذي لولاه ما خلقتك، فقال" آدم: "يا رب، بحرمة هذا الولد، ارحم هذا الوالد، فنودي" على لسان ملك أمره الله بالنداء، "يا آدم" قد قبلنا دعاءك و"لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك" قبلنا شفاعتك "وعن عمر بن الخطاب" القرشي العدوي أمير المؤمنين ثاني الخلفاء ضجيع المصطفى مناقبه شهيرة كثيرة "﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما اقترف" بقاف وآخره فاء أتى وفعل "آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي" وفي نسخة لما بفتح اللام وشد الميم بمعنى إلا الاستثنائية؛ كقوله تعالى: ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] ، في قراءة شد الميم، "فقال الله تعالى: يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه" أي: جسده فلا ينافي أنه خلق نوره قبل جميع الكائنات، وفيه إظهار فضيلة آدم حيث تنبه وسأل عن صاحب الاس بعد رؤيته مكتوبًا، "قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك" أي: من غير واسطة كأم وأب، "ونفخت" أجريت "في من روحك" فصيرتني حيًا، وإضافة الروح إلى الله تشريف لآدم.
"رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك" وهذا من وفور عقل آدم وبديع استنباطه،стр. 119
فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليّ، وإذا سألتني بحقه قد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك" رواه البيهقي من دلائله من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال تفرد به عبد الرحمن ورواه الحاكم وصححه، وذكره الطبراني وزاد فيه: وهو آخر الأنبياء من ذريتك.
وفي حديث سلمان عند ابن عساكر قال: هبط جبريل على النبي ﷺ فقال: إن ربك يقول: إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا، فقد اتخذتك حبيبًا........
الحواشي
(١) "فقال الله تعالى: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليّ، وإذا سألتني" تعليلية، أي: ولسؤالك إياي "بحقه قد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك، رواه البيهقي" ونقلته "من دلائله"، أي: كتابه دلائل النبوة الذي قال فيه الحافظ الذهبي: عليك به فإنه كله هدى ونور، "من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم" المدني عن أبيه وابن المنكدر، وعنه أصبغ وقتيبة وهشام ضعفوه له تفسير توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة. "وقال" البيهقي: "تفرد به عبد الرحمن" أي: لم يتابعه عليه غيره فهو غريب مع ضعف روايه، "ورواه الحاكم وصححه وذكره" أي: رواه "الطبراني" الإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي مسند الدنيا الحافظ المكثر صاحب التصانيف الكثيرة أخذ عن أكثر من ألف شيخ؛ كأبي زرعة الرازي وطبقته، وعنه أبو نعيم وغيره.
قال الذهبي: ثقة صدوق واسع الحفظ بصير بالعلل والرجال والأبواب إليه المنتهى في الحديث وعلومه، مات بمصر سنة ستين وثلاثمائة عن مائة سنة وعشرة أشهر. "وزاد فيه" أي: في آخره "وهو آخر الأنبياء من ذريتك. وفي حديث سلمان" الفارسي الذي تشتاق له الجنة شهد الخندق وما بعدها، وعاش دهرًا طويلا حتى قيل: إنه أدرك حواري عيسى، ويأتي إن شاء الله تحقيق ذلك في خدمه ﷺ .
"عند ابن عساكر" الحافظ أبي القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الدمشقي الشافعي صاحب تاريخ دمشق وغيره من المصنفات الثقة الثبت الحجة المتقن غزير العلم كثير الفضل دين خير، ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة ورحل إلى بغداد وغيرها وسمع من نحو ألف وثلاثمائة شيخ ونيف، وثمانين امرأة، وروى عنه من لا يحصى ثناء الناس عليه كثير مات سنة إحدى وسبعين وخمسمائة "قال: هبط جبريل على النبي ﷺ " أرسله سلمان فيحمل على أنه حمله على المصطفى أو عمن سمعه منه.
"فقال" له: "إن ربك يقول" لك "إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا" كما علمته تحقيقًا، "فـ" علم وتحقق إني "قد اتخذت حبيبًا" فأبشر وطب نفسًا، فإني بصورة الشك تطمينًا له أوстр. 120
وما خلقت خلقًا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا وما أحسن قول سيدي علي وفى في قصيدته الدالية التي أولها:
سكن الفؤاد فعش هنيئًا يا جسد ... هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد
روح الوجود حياة من هو واجد ... لولاه ما تم الوجود لمن وجد
عيسى وآدم والصدور جميعهم ... ............................
الحواشي
(١) إن بمعنى إذ، فلا يرد أن استعمال إن إنما هو في المشكوك فيه، ولا شك هنا.
"وما خلقت خلقًا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا وما أحسن قول" وفي نسخة: ولله در، "سيدي علي وفي" الشاذلي العارف الكبير أبي الحسن ابن العارف الكبير، ولد بالقاهرة سنة تسع وخمسين وسبعمائة، وكان يقظًا حاد الذهن، ومالكي المذهب وله نظم كثير، وكان أبوه معجبًا به، وأذن له في الكلام على الناس وهو دون العشرين، مات في ذي الحجة سنة سبع وثمانمائة، كذا ترجمه الحافظ ابن حجر، وتبعه السخاوي والسيوطي، ولا يشكل بأن أباه مات وهو ابن سنة، وقيل: ابن ست سنين، كما ادعى النجم ابن فهد؛ لجواز أن أباه أذن له حال الطفولية في ذلك إذا بلغ هذا السن لما اطل عليه فيه من الأسرار الربانية "في قصيدته الدالية" نسبة إلى الدال؛ لوقوعها آخر كل بيت، كما هو اصطلاح العروضين "التي أولها":
"سكن الفؤاد فعش هنيئًا يا جسد ... هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد"
وبعد هذا البيت:
أصبحت في كنف الحبيب ومن يكن ... جار الكريم فعيشه العيش الرغد
عش في أمان الله تحت لوائه ... لا خوف في هذا الجناب ولا نكد
لا تختشي فقرًا وعندك بيت من ... كل المنى لك من أياديه مدد
رب الجمال ومرسل الجدوى ومن ... هو في المحاسن كلها فرد أحد
قطب النهى غوث العالم كلها ... أعلى على سار أحمد من حمد
ومقول قوله: ما أحسن قول هو قوله: "روح الوجود حياة من هو واجد" بالجيم، أي: هو ﷺ سبب لحياة من وجدهم من الخلق، أي: علمهم موجودين منهم؛ لأنه "لولاه ما تم الوجود لمن وجد" فهو كالعلة لما قبله "عيسى وآدم" خصهما؛ لأن عيسى آخر الرسل قبله وآدم أولهم "والصدور جميعهم" أي: العظماء الذين يصدرون ويعظمون في المجالس من صدره فيстр. 121
....................... ... هم أعين هو نورها لما ورد
لو أبصر الشيطان طلعة نوره ... في وجه آدم كان أول من سجد
أو لو رأى النمرود نور جماله ... عبد الجليل مع الخليل ولا عند
لكن جمال الله جل فلا يرى ... إلا بتخصيص من الله الصمد
ولما خلق الله تعالى حواء لتسكن إلى آدم ويسكن إليها، فحين وصل إليها فاضت بركاته عليها، فولدت له في تلك الأعوام الحسناء...........................
الحواشي
(١) المجلس فتصدر "هم أعين" و"هو" ﷺ "نورها، لما ورد" أتى "لو أبصر الشيطان" نظر بعين البصيرة، لما روي عن ابن عباس أنه لما نفخ في آدم الروح صار نور محمد ﷺ يلمع من جبهته؛ كالشمس المشرقة، ويحتمل الحقيقة بأن يكون حجب الله بصره مع شدة ظهوره عن أن يرى "طلعة نوره، في وجه آدم كان أول من سجد" له، لكنه لم يبصر ذلك لخذلان الله له، "أو لو رأى النمرود" بضم النون آخره دال مهملة، كما في القاموس وبالمعجمة نقله ثعلب عن أهل البصرة وهو الموافق للضابط الذي نظمه الفارابي فرقًا بينهما في لغة الفرس، حيث قال:
احفظ الفرق بين دال وذال ... فهو ركن في الفارسية معظم
كل ما قبله سكون بلا وا ... ي فدال وما سواه فمعجم
واختصره القائل:
إن تلت الدال صحيحًا ساكنًا ... أهملها الفرس وإلا أعجموا
"نور جماله" في وجه إبراهيم ﵉، "عبد الجليل" بالجيم "مع الخليل" إبراهيم "ولا عند" بفتح العين والنون، أي: خالف ورد الحق مع معرفته به. وأما عند الطريق بمعنى عدل عنها فمثلث النون، كما في الراموز. "لكن جمال الله" كماله ونوره الحامل على الطاعة، "جل" عن الأبصار والبصائر "فلا يرى" بالبصائر "إلا بتخصيص" بإعطاء "من الله الصمد" لمن شاء فلذا لم يره إبليس، وبقي من القصيدة ثلاثة أبيات:
فأبشر بمن سكن الجوانح منك يا ... أنا قد ملأت من المنى عينا وبد
عين الوفا معنى الصفا سر الندى ... نور الهدى روح النهى جسد الرشد
هو للصلاة من السلام المرتضى ... الجامع المخصوص ما دام الأبد
"ولما خلق الله تعالى حواء لتسكن إلى آدم ويسكن إليها، فحين وصل" وفي نسخة صار "إليها" أي: واقعًا وكان ذلك بعد هبوطهما بمائة سنة، وقيل: مائة وعشرين حكاهما الخميس، "فاضت بركاته عليها فولدت له في تلك الأعوام الحسناء" قد بينا لك عدة الأعوام فإنه عاش ألف سنة، فأسقط منها مقدار مكثه في الجنة الذي تقدم الخلاف فيه، وهذه المائة أوстр. 122
أربعين ولدا في عشرين بطنًا، ووضعت شيثا وحده، كرامة لمن أطلع الله بالنبوة سعده.
ولما توفي آدم..................................
الحواشي
(١) وعشرين بعد الهبوط تعرف عدة هذه الأعوام.
"أربعين ولدًا في عشرين بطنًا" كما اقتصر عليه البغوي، قائلا: وكان أولهم قابيل وتوأمته إقليميا، ونقل ابن إسحاق عن بعض أهل الكتاب أنهما ولدا في الجنة وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمة الغيث. ا. هـ. وفي النسفي: أولهم الحارث "ووضعت شيثا" بكسر المعجمة فتحتية ساكنة فمثلثة مصروف، وفي سيرة مغلطاي ويقال: شاث، ومعناه هبة الله، ويقال: عطية الله، وقال السهيلي: وهو بالسريانية: شاث، وبالعبرانية: شيث، وقال ابن كثير وغيره: سماه هبة الله؛ لأنهما رزقاه بعد قتل هابيل بخمس سنين ووضعته على شكل هابين لا يغادر منه شيئًا، وقيل: ولد بعده بأربعين سنة، وقيل غير ذلك هذا ووقع في الشامية يقال: شاث، بإمالة الشين ورده شيخنا: بأن الشين مكسورة فلا تمال، وقيل: لا يصرف بناء على أن الثلاثي الأعجمي الساكن الوسط يجوز صرفه وعدمه، قال في الهمع وهو فساد إذ لم يحفظ. "وحده" ولا أخت معه على المشهور، وقيل: كان معه أخته؛ كما في الخميس.
وفي بحر النسفي: أول ولد آدم الحارث ولا أخت معه، ثم قابيل وأخته، ثم هابيل وأخته، ثم أسوت وأخته، ثم شيث وحده، ثم أثنى بعده في بطن فزوجها منه، ثم كذا وكذا إلى تمام الأربعين بطنًا عند ابن إسحاق. وقال وهب بن منبه: مائة وعشرين بطنًا، وقيل: خمسمائة بطن لتمام ألف ولد. ا. هـ.
"كرامة لمن أطلع الله بالنبوة سعده" وهو المصطفى فكان في وجه شيث نور نبينا ﷺ وجاءت الملائكة مبشرة لآدم به، "ولما توفي آدم" ﵊ وسنه ألف سنة؛ كما في حديث أبي هريرة وابن عباس مرفوعًا، وقيل: إلا سبعين، وقيل: إلا ستين، وقيل: إلا أربعين بمكة يوم الجمعة، وصلى عليه جبريل، واقتدى به الملائكة وبنو آدم. وفي رواية صلى عليه شيث بأمر جبريل ودفن بمكة في قبر بغار أبي قبيس، ذكرهما الثعلبي وغيره. وعن ابن عباس: لما فرغ آدم من الحج رجع إلى الهند، فمات.
وعن ثابت البناني حفروا لآدم ودفنوه بسرنديب في الموضع الذي أهبط فيه وصححه الحافظ ابن كثير، وقيل: دفن بين بيت المقدس ومسجد إبراهيم، رأسه عند الصخرة ورجلاه عند مسجد الخليل، وقيل: دفن عند مسجد الخيف.
وقال ابن إسحاق وغيره: دفنته الملائكة وشيث وأخوته في مشارق الفردوس عند قرية هيстр. 123
كان شيث ﵊ وصيًا لآدم على ولده، ثم أوصى شيث ولده بوصية آدم: أن لا يضع هذا النور إلا في المطهرات من النساء، ولم تزل هذه الوصية جارية، تنتقل من قرن إلى قرن.......................
الحواشي
(١) أول قرية كانت في الأرض وكسفت الشمس والقمر عليه أسبوعًا وعاشت حواء بعده سنة, وقيل: ثلاثة أيام ودفنت بجنبه. "كان شيث ﵊ وصيًا لآدم على ولده" أي: أولاده ومر أن يكون واحدًا وجمعًا، وأطاعه أولاد أبيه، وروي عن ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ أولاده وأحفاده أربعين ألفًا الصلبية منهم أربعون.
وفي مسند الفردوس عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن آدم ﵊ قام خطيبًا في أربعين ألفًا من ولده وولد ولده، وقال: إن ربي عهد إلي، فقال: يا آدم أقلل كلامك ترجع إلى جواري، وكان شيث أجمل أولاده وأشبههم به وأحبهم إليه وأفضلهم، وعلمه الله الساعات والعبادة في كل ساعة منها، وأنزل عليه خمسين صحيفة، وزوجه الله أخته التي ولدت بعده وكانت جميلة كأمها حواء، وخطب جبريل وشهدت الملائكة، وكان آدم وليها ورزقه الله أولادًا في حياة أبيه وعمر تسعمائة واثنتي عشرة سنة، وقيل: عشرين ومات لمضي ألف واثنتين وأربعين سنة من هبوط آدم، ودفن في غار أبي قيس"، "ثم" بعد ما أوحى الله إلى شيث أن اتخذ ابنك أنوش صفيًا وصيًا علم أنه نعيت إليه نفسه، "أوصى شيث" واستخلف "ولده" هو أنوش بفتح الهمزة فنون مضمومة آخره شين معجمة، ويقال: يانش بتحتية فنون مفتوحة فمعجمة، وقيل: أنش.
قال السهيلي: ومعنى أنوش الصادق وهو بالعربية أنش. وقال مغلطاي: يانش ومعناه الصادق، ذكره النور وانتقلت إليه رئاسة الخلق بعد أبيه وقام مقامه، وكان على طوله وبياضه وجماله وعاش تسعمائة وخمسين أو عشرين أو خمسًا وستين سنة.
"بوصية آدم" وهي "أن لا يضع هذا النور" الذي كان في وجه آدم كالشمس "إلا في المطهرات من النساء، ولم تزل هذه الوصية جارية تنتقل من قرن إلى قرن" أي: من طائفة إلى أخرى، فإن النور إذا كان في شيث مثلا كان موجودًا في مجموع من عاصره، فإذا مات وانتقل لولده انتقل النور من مجموع تلك الطائفة إلى مجموع طائفة ابنه وهكذا، أو المراد من واحد إلى واحد وسماه قرنًا تجوزًا، قال الحافظ: والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال: ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، قال: ويطلق القرن على مدة من الزمان اختلف في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرح بالتسعين ولا بمائة وعشرة وما عدا ذلك فقد قال بهстр. 124
إلى أن أدى الله النور إلى عبد المطلب وولده عبد الله، فطهر الله تعالى هذا النسب الشريف من سفاح الجاهلية، كما ورد عنه ﷺ في الأحاديث المرضية.
قال ابن عباس -فيما رواه البيهقي في سننه- قال رسول الله ﷺ : "ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء، ما ولدني
الحواشي
(١) قائل. وفي حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهور، وفي المحكم: هو القدر المتوسط من أعمال أهل كل زمن وهذا أعدل الأقوال، وبه صرح ابن الأعرابي، وقال: إنه مأخوذ من الأقران، ويمكن حمل المختلف عليه من الأقوال ممن قال: القرن أربعون فصاعدًا. أما من قال: إنه دون ذلك، فلا يلتئم على هذا القول. ا. هـ.
"إلى أن أدى" أوصل "الله النور إلى عبد المطلب وولده عبد الله" أي: ثم وعبر بالواو لظهوره إذ الاشتراك في وقت واحد لم يقع، أي: ثم أسعد الله آمنة بذلك النور ولم يوص عبد المطلب ولده بذلك لتعاطيه تزويجه من آمنة مع علمه بمكانها من النسب، وإن نكاحه لها لا أثر فيه من الجاهلية فكفاه ذلك عن الوصية هذا، وزعم أن هذا ظاهر فيمن ظهر فيه النور، أما من لم يظهر فيه فمن أين وصلت إليه الوصية؟ فيه نظر، ففي الخميس كغيره: وذلك النور كان ينتقل من جبهة إلى جبهة، وكان يؤخذ في كل مرتبة عهد وميثاق، أنه لا يوضع إلا في المطهرات، فأول من أخذه آدم من شيث وهو من ابنه وهكذا. ا. هـ. فلو لم يظهر في الجميع لما قالوا: كان ينتقل من جبهة إلى جبهة، ويفرض تسليمه فقد أجاب عنه شيخنا: بأن ذلك إما بعلم ضروري أودعه الله في الموصي أو بأن عدم ظهوره فيمن كان من أصوله ليس نفيًا للنور من أصله بل يجوز تفاوته فيهم في ذاته، فمنهم من يظهر فيه تامًا بحيث يدركه من رآه بلا مزيد تأمل، ومنهم من يوجد فيه أصل النور فلا يدرك إلا بمزيد تأمل. "فطهر الله تعالى هذا النسب الشريف من سفاح الجاهلية" هي ما قبل البعثة سموا بذلك لكثرة جهالاتهم، ويقال: هي ما قبل الفتح وهو الظاهر، فقد خطب ﷺ بهدم أمر الجاهلية، وما كانت عليه في الفتح. وقد قال ابن عباس: سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسًا دهاقًا، وابن عباس ولد في الشعب بعد المبعث، قاله في النور.
"كما ورد عنه ﷺ في الأحاديث المرضية" عند العلماء وهي الصحيحة والحسنة، كالضعيفة المعتضدة، وفيه إشعار بوجه اقتصاره على ما ذكر من الأحاديث والإعراض عن غيرها مع كثرته، فكأنه قال: اقتصرت عليها لثبوتها على غيرها.
"قال ابن عباس فيما رواه البيهقي في سننه" قال السبكي: لم يصنف أحد مثله تهذيبًا وجوده، "قال رسول الله ﷺ : "ما ولدني" " أي: مسني، "من سفاح الجاهلية، شيء ما ولدنيстр. 125
إلا نكاح الإسلام".
والسفاح -بكسر السين المهملة- الزنا، والمراد به هنا: أن المرأة تسافح رجلا مدة، ثم يتزوجها بعد ذلك.
وروى ابن سعد وابن عساكر، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه محمد قال: كتبت للنبي ﷺ خمسمائة أم........................
الحواشي
(١) إلا نكاح الإسلام" أي: نكاح كنكاحه في كونه بعقد صحيح يبيح الوطء، وإن لم يجمع شرائط الإسلام الآن فلا يرد أن نكاح الأخت كما وقع لشيث ليس من نكاح الإسلام الآن إذ المقصود نفي الفجور، فشمل الزواج وغيره، ودخل فيه أم إسماعيل، فإنها كانت ملكًا لإبراهيم بإتفاق المؤرخين وهبتها لها سارة، "والسفاح، بكسر السين المهملة" والفاء فألف فحاء مهملة، "الزنا" من سفحت الماء إذا صببته، فكأنه أراق ماءه وأضاعه وسواء كان جهرًا أو سرًا، كما هو ظاهر إطلاقه؛ كالقاموس والنور والمصباح. وفي الأنوار تفسيره بالمجاهرات.
"والمراد به هنا" في الحديث: "أن المرأة تسافح رجلا مدة، ثم" إذا أعجبته وأعجبها "يتزوجها بعد ذلك" والأولى كما قال شيخنا: أن يراد به ما هو أعم من الزنا، فإن جملة الأحاديث دلت على نفي جميع نكاح الجاهلية عن نسبه من نكاح زوجة الأب لأكبر بنيه، والجمع بين الأختين، ونكاح البغايا وهو أن يطأ البغي جماعة متفرقون فإذا ولدت ألحق بمن غلب عليه شبهه منهم. ونكاح الاستبضاع وهو أن المرأة إذا طهرت من الحيض قال لها زوجها: أرسلي لفلان استبضعي منه ويعتزلها زوجها حتى يبين حملها منه، فإن بان أصابها زوجها إن أحب. ومن نكاح الجمع وهو أن يجتمع رجال دون عشرة ويدخلوا على بغي ذات راية كلهم يطؤها، فإذا وضعت ومر لها ليال بعده أرسلت لهم فلا يتخلف رجل منهم، فتقول: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمي من أحبت فيلحق به لا يستطيع نفيه وإن لم يشبهه. ا. هـ. ملخصًا.
"وروى ابن سعد وابن عساكر، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي" أبي المنذر المتوفى سنة أربع وثمانين ومائة؛ كما قال المسعودي. قال الدارقطني: هشام رافضي ليس بثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. "عن أبيه محمد" بن السائب بن بشر الكلبي، أبي النضر الكوفي المفسر النسابة الأخباري، روى عن الشعبي وعنه ابنه وأبو معاوية متروك متهم بالكذب، مات سنة ست وأربعين ومائة، "قال: كتبت للنبي ﷺ خمسمائة أم" استشكل بأن أمهاته لا تبلغ هذا العدد، فقال الشامي: يريد الجدات وجدات الجدات من قبل أبيه وأمه. ا. هـ. وفي نسيم الرياض ما محصله: إذا تأملت قولهم لم يكن قبيلة من العرب إلا ولها على رسول الله ﷺ ولادة أو قرابةстр. 126
فما وجدت فيهن سفاحًا ولا شيئًا مما كان في أمر الجاهلية.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من نكاح أهل الجاهلية شيء". رواه الطبراني في الأوسط, وأبو نعيم وابن عساكر.
وروى أبو نعيم، عن ابن عباس، مرفوعًا: "لم يلتق أبواي قط على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة، مصفى مهذبًا، لا تتشعب شعبتان
الحواشي
(١) عرفت المراد، فإنك إذا نظرت لقبيلة، فجميع ذكورهم آباء له، وجميع نسائهم جدات أو عمات أو خالات، فعمد قرابتهم ولادة له، والمراد أن نسبه بحواشيه وأطرافه جميل لم يمسه دنس.
"فما وجدت فيهن سفاحًا" زنا، "ولا شيئًا مما كان في أمر الجاهلية" عطف خاص على عام لا عكسه، كما زعم فإنهم كانت لهم أنكحه لا يعونها سفاحًا فحرمها الشارع؛ كنكاح المصافحة ونكاح المقت هو نكاح زوجة الأب، وانتقد بأن النضر خلف على زوج أبيه ورد بأن هذا على تسليمه لم يكن محرمًا في شرع من قبلنا، كما سيأتي إيضاحه في النسب الشريف.
"و" ورد "عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح" " وذلك "من لدن آدم" أي: من عند أول وَلَد وُلِد له هو في أصوله ﵇، واستمر ذلك ممتدًا "إلى أن ولدني أبي وأمي" فهو متعلق بمحذوف، "لم يصبني من نكاح أهل الجاهلية" أي: ما كانوا عليه من زنا وغيره "شيء"، رواه الطبراني.
قال الهيثمي الحافظ: بسند رجاله ثقات إلا محمد بن جعفر تكلم فيه وصحح له الحاكم "في" معجمه "الأوسط" الذي ألفه في غرائب شيوخه، يقل: ضمنه ثلاثين ألف حديث، وفي تاريخ ابن عساكر وغيره: أن الطبراني كان يقول: هذا الكتاب روحي؛ لأنه تعب عليه. "وابن عساكر" وكذا ابن عدي. "وروى أبو نعيم" أحمد بن عبد الله الحافظ "عن ابن عباس مرفوعًا" له ﷺ أنه قال: "لم يلتق أبواي قط على سفاح" " أي: أحد من آبائي مع واحدة من أمهاتي، لا خصوص أبيه وأمه الدال عليهما لفظ التثنية، بدليل أنه رتب على ذلك قوله: "لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة" حال كونه "مصفى مهذبًا" صفة لازمة لتقارب التصفية والتهذيب.
ففي القاموس: هذبه يهذبه هذبًا، قطعه ونقاه وأصلحه وأخلصه؛ كهذبه والهذب محركة الصفاء والخلوص. وفي نسخة: مصطفى مهذبًا بزيادة طاء من الاصطفاء، "لا تتشعب شعبتان"،стр. 127
إلا كنت في خيرهما".
وعنه، في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] . من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيًا. رواه البزار.
وعنه أيضًا في الآية قال: ما زال النبي ﷺ يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه. رواه أبو نعيم.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه، في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، قال: وقال النبي ﷺ : "خرجت من نكاح غير سفاح".
وعن أنس قال: قرأ النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ -بفتح الفاء- وقال: "أنا أنفسكم نسبًا وصهرًا".
الحواشي
(١) أي: لا تتفرع، أي: لا يولد من أصل طائفتان، "إلا كنت في خيرهما" ورد "عنه" أي: عن ابن عباس "في" تفسير "قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾ تفعل، أي: انتقالك ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] أن المراد بهم "من" صلب "نبي إلى نبي" ولو مع الوسائط وفعلت ذلك معك، "حتى أخرجتك نبيًا" فلا يرد أن المطابق للآية حتى أخرجك، وهذا أحد تفاسير في الآية يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في ذكر الأبوين حيث تعرض المصنف لذلك.
"رواه البزار" الحافظ العلامة الشهير أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، صاحب المسند الكبير المعلل، مات بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وكذا رواه ابن سعد وأبو نعيم في الدلائل بسند صحيح، والطبراني ورجاله ثقات. "و" ورد "عنه" أي: عن اب عباس "أيضًا في" تفسير "الآية، قال: ما زال النبي ﷺ يتقلب" ينتقل "في أصلاب الأنبياء حتى" إلى أن "ولدته أمه" آمنة "رواه أبو نعيم," ورد "عن جعفر" الصادق "بن محمد عن أبيه" محمد الباقر "في" تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ، "قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، قال" محمد "وقال النبي ﷺ : "خرجت من نكاح غير سفاح" " وهذا مرسل؛ لأن محمدًا تابعي.
"و" ورد "عن أنس" بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي الصحابي الشهير خادم المصطفى مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، "قال: قرأ النبي ﷺ " قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ، بفتح الفاء، وقال: "أنا أنفسكم نسبًا" " مصدر مطلق الوصلة بالقرابة، "وصهرًا" أي من جهة الآباء والأمهات قال ابن السكيت: كل من كان من قبلстр. 128
وحسبا -بفتحتين- ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا نكاح". رواه ابن مردويه.
وفي الدلائل لأبي نعيم، عن عائشة عنه ﷺ عن جبريل قال:........
الحواشي
(١) الزوج من أبيه أو أخيه أو عمه فهو أحماء، ومن قبل المرأة ويجمع الصنفين الأصهار، وفي الأنوار في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] ، أي: قسمه قسمين ذوي نسب، أي: ذكورًا ينسب إليه وذوات صهر، أي: إناثًا يصاهر بهن؛ كقوله: وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. "وحسبا -بفتحتين" أي: شرفًا ثابتًا لي ولآبائي؛ كما قال الأزهري.
وقال ابن السكيت: الحسب يكون في الإنسان وإن لم يكن في آبائه. ا. هـ. والواقع هنا أنه فيه وفي آبائه، وفي الصحاح: الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آباه، أي: أنا أنفسكم آباء وأمهات ومفاخر آباء" "ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا" أي: أنا وآبائي "نكاح"، إسناده إليهم بتأويل، أي: ذوو نكاح، أو على التجوز في الإسناد كأنهم تجسموا من النكاح؛ كقوله:
فإنما هي إقبال وإدبار
وفي رواية: كلها نكاح بالتأنيث باعتبار الجماعة، أي: كل جماعة آبائي نكاح فلا يرد أنهم عقلاء، فكان يقال كلهم، أو الضمير للوطآت، وقضية ذا الحديث أنه: لا سفاح في آبائه مطلقًا، واستظهر محقق أن المراد طهارة سلسلته فقط، واستشهد بالخبر المار: "لم يلتق أبواي قط على سفاح" وعندي أن الصواب: خلاف هذا التحقيق العقلي؛ لظهور إطلاق نفي السفاح عنهم في هذا الحديث، ويؤيده استقراء الكلبي المحمول على الحواشي؛ كما مر، فإذا انتفى عن حواشيه فكيف يحتمل وقوعه في نفس الآباء والأمهات في غير السلسلة الشريفة، وأما الاستشهاد بالخبر فضعيف، كما لا يخفى.
"رواه" أبو بكر الحافظ أحمد بن موسى "بن مردويه" الأصبهاني اللبيب العلامة، ولد سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وصنف التاريخ والتفسير المسند والمستخرج على البخاري، وكان فهمًا بهذا الشأن بصيرًا بالرجال طويل الباع مليح التصنيف، مات لست بقين من رمضان سنة عشر وأربعمائة، قال الحافظ ابن ناصر في مشتبه النسبة: مردويه بفتح الميم، وحكى ابن نقطة كسرها عن بعض الأصبهانيين، والراء ساكنة، والدال المهملة مضمومة، والواو ساكنة، والمثناة تحت مفتوحة تليها هاء. ا. هـ.
"وفي الدلائل لأبي نعيم" أحمد بن عبد الله الحافظ "عن عائشة" الصديقة بنت الصديق المكثرة ذات المناقب الجمة، يأتي ذكرها في الزوجات إن شاء الله تعالى. قال المصنف: وعائشة بالهمزة وعوام المحدثين يبدلونها ياء، "عنه ﷺ ، عن جبريل" بلفظ: "قال" لي جبريلстр. 129
قلبت مشارق الأرض ومغاربها، فلم أر رجلا أفضل من محمد ﵊، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم. وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط. قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن.
وفي البخاري عن أبي هريرة، عنه ﷺ : "بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه".
وفي مسلم عن واثلة بن الأسقع............................
الحواشي
(١) "قلبت مشارق الأرض ومغاربها"، أي: فتشتهم وبحثت عن أحوالهم، سماه تقليبًا تشبيهًا له بتحريك الشيء ظهر البطن وعكسه، وفي القاموس: قلب الشيء حوله ظهر البطن؛ كقلبه والتحريك يلزمه الإحاطة بالشيء ومعرفة أحواله عرفًا، فأطلق التقليب وأراد لازمه. "فلم أر رجلا أفضل من محمد ﵊، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم".
قال الحكيم الترمذي: إنما طاف الأرض ليطلب النفوس الطاهرة الصافية المتزكية بمحاسن الأخلاق، ولم ينظر للأعمال؛ لأنهم كانوا أهل جاهلية، إنما نظر إلى أخلاقهم فوجد الخير في هؤلاء، وجواهر النفوس متفاوتة بعيدة التفاوت. ا. هـ. "وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط" والإمام أحمد والبيهقي والديلمي وابن لال وغيرهم. "قال الحافظ" أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي "بن حجر" الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي، ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وعانى أولا الأدب وتعلم الشعر فبلغ الغاية, ثم طلب الحديث فسمع الكثير ورحل وبرع فيه وتقدم في جميع فنونه وانتهت إليه الرحلة والرئاسة في الحديث في الدنيا بأسرها، فلم يكن في عصرها حافظ سواه وألف كتبًا كثيرة، وأملى أكثر من ألف مجلس، وتوفي في ذي القعدة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، قال السيوطي: وختم به الفن "لوائح الصحة لائحة" ظاهرة "على صفحات هذا المتن" الحديث والصفحة لغة من كل شيء: جانبه، ففيه استعارة بالكناية شبه المتن بمكان له جوانب وأثبت له الصفحات تخييلا.
"وفي" صحيح "البخاري" في صفة النبي ﷺ "عن أبي هريرة، عنه ﷺ : "بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا" ". حال تفصيل والفاء للترتيب في الوجود أو الفضل نحو الأكمل فالأكمل، ومنه: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ١, ٢] ، "حتى كنت من القرن الذي كنت" أي: وجدت "منه". وفي مسلم عن واثلة" بمثلثة "ابن الأسقع" بالقاف ابن عبد العزى الكناني الليثي من أهل الصفة غزا تبوكًا، وعنه مكحول ويونس بن ميسرة عاش ثمانيًاстр. 130
قال ﷺ : "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". رواه الترمذي.
وعن العباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق الخلق، فجعلني في خير فرقهم، وخير الفريقين
الحواشي
(١) وتسعين سنة، ومات سنة خمس وثمانين وأبوه صحابي أيضًا؛ كما في الإصابة.
"قال ﷺ : "إن الله اصطفى" اختار "كنانة" عدة قبائل أبوهم كنانة ابن خزيمة "من ولد إسماعيل" وفي رواية الترمذي: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة" فكان في رواية مسلم اختصارًا. "واصطفى قريشًا من كنانة" ورواية الترمذي: "واصطفى من بني كنانة قريشًا" وهو قريب وفيه إبطال للقول بأن جماع قريش مضر وللآخر أنه الياس، "واصطفى من قريش بني هاشم" غاير أسلوب ما قبله للتعظيم. "واصطفاني من بني هاشم" زاد ابن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار ابن عبد المطلب من بني هاشم، قال الحليمي: أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم؛ كرجل يقول: كان أبي فقيهًا، لا يريد الفخر؛ بل تعريف حاله دون ما عداه، وقد يكون أراد به الإشارة بنعمة الله عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر، وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شيء. ا. هـ. ونقله عنه البيهقي في الشعب وأقره، وقال الحافظ: ذكره لإفادة الكفاءة والقيام بشكر النعم والنهي عن التفاخر بالآباء، موضعه مفاخرة تفضي إلى تكبر أو احتقار مسلم.
"رواه" أي: حديث واثلة "الترمذي" أتم منه، كما علم، وقال: حديث حسن صحيح غريب. ا. هـ. وفيه فضل إسماعيل على جميع ولد إبراهيم حتى إسحاق، وفضل العرب على العجم. قال ابن تيمية: وليس فضل العرب فقريش فبني هاشم، بمجرد كون النبي ﷺ منهم وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، أي: باعتبار الأخلاق الكرام والخصال الحميدة واللسان العربي، قال: وبذلك يثبت للنبي ﷺ أنه أفضل نفسًا ونسبًا، وإلا لزم الدور.
"و" روى الترمذي "عن العباس" بن عبد المطلب عم المصطفى وصنو أبيه، كان يجله ويعظمه ويأتي إن شاء الله تعالى في الأعمام، "قال" قلت يا رسول الله! إن قريشًا تذاكروا أحسابهم، فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة، أي: كناسة، فـ"قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق الخلق" " أي: المخلوقات وأل للاستغراق فتدخل الملائكة فهو نص في أفضلية جنس البشر على جنس الملك، أو المراد الثقلان، أو المراد بنو آدم فرقًا، "فجعلني" صيرني "في خير فرقهم" جمع فرقة، أي: أشرفها.
وفي نسخة: فرقتهم، أي: فرقة منهم. "و" جعلني "خير الفريقين" فهو بالنصب عطف علىстр. 131
ثم تخير القبائل فجعلني في خير القبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا، وخيرهم بيتا أي أصلا".
وفي حديث رواه الطبراني عن ابن عمر قال: إن الله اختار خلقه...........
الحواشي
(١) محل في خير، كذا أعربه الواعظ، فإن كان رواية وإلا فيجوز جره عطفًا على مجرور في عطف تفسير، واقتصر عليه شيخنا. والمراد بالفرق الذين هو خيرهم العرب. "ثم تخير القبائل" من العرب، أي: اختار خيارهم فضلا، "فجعلني في خير القبيلة" منهم وهي قريش، أي: قدر إيجادي في خير قبيلة، "ثم تخير البيوت" أي: اختارهم شرفًا، "فجعلني في خير بيوتهم" أي: أشرفها وهم بنو هاشم وإذا كان كذلك، "فأنا خيرهم نفسًا" أي: روحًا وذاتًا، "وخيرهم بيتًا" وفسره بقوله: "أي أصلا". إذ جئت من طيب إلى طيب إلى صلب أبي بفضل الله علي ولطفه في سابق علمه، ولم يقل: ولا فخر، كما في خبر: "أنا سيد ولد آدم"؛ لأن هذا بحسب حال المخاطبين في صفاء قلوبهم بما يعلمه من حالهم أو هذا بعد ذاك.
وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله حين خلق الخلق بعث جبريل، فقسم الناس قسمين، فقسم العرب قسمًا، وقسم مضر قسمًا، وقريشًا قسمًا، وكانت خيرة الله في قريش، ثم أخرجني من خير من أنا منهم"، رواه الطبراني وحسن العراقي إسناده، وهو شاهد الخبر المصنف وكالشرح له الجنة قال بعض العلماء: والتفاضل في الأنساب والقبائل والبيوت باعتبار حسن خلقه الذات، والتفاضل فيما قام بها من الصفات حتى في الأقوات والله فضل بعضكم على بعض في الرزق، وهذا جار في سائر المخلوقات فضل الله يؤتيه من يشاء، فلا اتجاه لما عساه يقال: الإنسان كله نوع، فما معنى التفاضل في الأنساب. ا. هـ.
"و" قال ﷺ "في حديث رواه الطبراني" في الأوسط، "عن" عبد الله "بن عمر" الخطاب أبي عبد الرحمن العالم المجتهد العابد: "لزوم السنة الفرور من البدعة الناصح للأمة", روى ابن وهب عن مالك: بلغ ابن عمر ستًا وثمانين سنة وأفتى ستين سنة، وقال نافع: ما مات حتى أعتق أكثر من ألف وشهد الخندق وما بعدها، قال الحافظ ولد في السنة الثانية أو الثالثة من المبعث؛ لأنه ثبت أن كان يوم بدر ابن ثلاث عشرة سنة، وهي بعد المبعث بخمس عشرة، ومات في أوائل سنة ثلاث وسبعين.
"قال" أي: المصطفى كما علم لا ابن عمر؛ لأنه مرفوع عند الطبراني لا موقوف. "إن الله اختار" أي: اصطفى "خلقه" مميزًا لهم على غيرهم ممن لو تعلقت بهم الإرادة ووجدواстр. 132
فاختار منهم بني آدم، ثم اختار من بني آدم العرب، ثم اختارني من العرب، فلم أزل خيارًا من خيار، ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم.
ثم أعلم أنه ﵊ لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت، لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه، ليكون مختصًا بنسب جعله الله تعالى للنبوة غاية................
الحواشي
(١) كانوا دونهم في الفضل لكونهم لم يختاروا، فلا يرد أن الاختيار إنما يكون فيما يختار من شيء، ولا يقال اختار شيئًا، إذ لا بد من مختار ومختار منه، ومحصل الجواب اختيارهم ممن يقدر وجودهم، "فاختار منهم بني آدم، ثم اختار من بني آدم العرب" كذا في نسخ وهي ظاهرة، وفي أخرى:"ثم اختار بني آدم، فاختار منهم العرب"، والمراد: نظر إليهم فاختار ... إلخ. فلا يقال لا حاجة له بل لا يصح؛ لأنه عين ما قبله. "ثم اختارني من العرب، فلم أزل خيارًا من خيار، ألا من أحب العرب، فبحبي" أي: فبسبب حبه لي "أحبهم، ومن أبغض العرب" أظهر للتعليم "فببغضي" بسبب بغضه لي "أبغضهم" وقد روى الترمذي، وقال: حسن غريب عن سلمان رفعه: "يا سلمان لا تبغضني، فتفارق دينك"، قلت: يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله؟ قال: "تبغض العرب فتبغضني"، وروى الطبراني عن علي رفعه: "لا يبغض العرب إلا منافق".
"ثم اعلم أنه ﵊ لم يشركه" بفتح الياء والراء بينهما شين ساكنة، "في ولادته من أبويه أخ ولا أخت" المراد أنهما لم يلدا غيره؛ كما قال الواقدي: أنه المعروف عند العلماء. قال سبط ابن الجوزي: لم يتزوج عبد الله قط غير آمنة ولم تتزوج آمنة غيره. قال: وأجمع العلماء على أن آمنة لم تحمل بغيره ﷺ ، قال: وقولها: لم أحمل حملا أخف منه، المفيد حملها بغيره خرج على وجه المبالغة.
وقال الحافظ ابن حجر: جازف سبط ابن الجوزي كعادته في نقل الإجماع ولا يمتنع أن تكون أسقطت من عبد الله سقطًا، فأشارت بقولها المذكور إليه. ا. هـ. وما رده بنقل كما ترى، بل بتجويز إنما يصح على ضعيف، وهو تأخر موت والده بعد ولادته؛ لأنها حملت بالمصطفى عقب التزوج؛ كما هو صريح في الأخبار الآتية. ولم تسقط قبله شيئًا ولم يتفوه به متفوه، فأين المجازفة؟ وإنما لم يلدا غيره.
"لانتهاء صفوتهما" أي: خالصهما "إليه وقصور نسبهما عليه" أي: عدم مجاوزته إلى غيره تكريمًا، "ليكون مختصًا بنسب جعله الله للنبوة غاية" أي: خاتمًا للنبوة بحيث لا يولد بعدهстр. 133
ولتمام الشرف نهاية، وأنت إذا اختبرت حال نسبه، وعلمت طهارة مولده تيقنت أنها سلالة آباء كرام.
فهو ﷺ النبي العربي الأبطحي الحرمي الهاشمي القرشي، نخبة بني هاشم، المختار المنتخب من خير بطون العرب وأشرفها في الحسب وأعرقها في النسب، وأنضرها عودًا، وأطولها عمودًا، وأطيبها أرومة، وأعزها جرثومة، وأفصحها لسانًا، وأوضحها بيانًا، وأرجحها..............
الحواشي
(١) نبي، "ولتمام الشرف نهاية" لا غاية بعدها "وأنت إذا اختبرت حال نسبه وعلمت طهارة مولده تيقنت أنها" أي: ذاته الشريفة "سلالة آباء كرام، فهو ﷺ النبي" بالهمز وتركه وهو لغته ﷺ .
وفي المستدرك: عن أبي ذر أن رجلا قال: يا نبي الله، بالهمز، فقال ﷺ : "لست نبي الله"، قال الزركشي: أنكر الهمز لأنه لم يكن لغته. وقال الجوهري والصغاني: إنما أنكره لأن الرجل أراد يا من خرج من مكة إلى المدينة، يقال: نبأت من أرض إلى أرض إذا خرجت منها إلى أخرى. ا. هـ. وهذا هو الأحسن؛ لأن المصطفى يخاطب كل إنسان بلغته، ألا ترى إلى خبر: "ليس من امبر امصيام في امسفر".
"العربي" نسبة إلى العرب خلاف العجم، وهم عاربة وهم الخلص وهم سبع قبائل ومتعربة، وهم بنو قحطان وليسوا بخلص ومستعربة وليسوا بخلص أيضًا، قال ابن دحية: وهم بنو إسماعيل، قال الشامي ملخصًا. "الأبطحي" نسبة إلى أبطح مكة وهو مسيل واديها، وهو ما بين مكة ومنى ومبتدؤه لمحصب، قال الشامي. وفي المختار البطحاء كالأبطح ومنه بطحاء مكة وعليه فهو نسبة إلى بطحاء مكة، ولكن القياس الأول.
"الحرمي" إلى الحرمين "الهاشمي القرشي" عام بعد خاص، "نخبة" بالرفع نعت النبي "بني هاشم" وفي القاموس: النخبة بالضم وكهمزة المختار وانتخبه اختاره، فقوله: "المختار المنتخب" لعل مراده من جميع الخلق، وفي الكلام حذف هو ومعلوم أنهم خير العرب، فهو المختار من جمع الناس، "من خير بطون العرب، وأشرفها في الحسب" أي: المفاخر، "وأعرقها" بالقاف: أثبتها وأقواها "في النسب، وأنضرها" أحسنها "عودًا" أي: طيبًا وأصلا، كأنه مأخوذ من عهود البخور شبه أصله من ظهوره بالعود واستعار له اسمه، "وأطولها عمودًا" أعظمها أصلا يستند إليه ويتقوى به، "وأطيبها أرومة" بفتح الهمزة وتضم، أي: أصلا؛ كما في القاموس.
"وأعزها جرثومة" بضم الجيم أصلا؛ كما في القاموس، فالجمع بين هذا وما قبله للإطناب إذا المراد منهما واحد، "وأفصحها لسانًا" لغة، "وأوضحها بيانًا" تبيينًا وإظهارًا للمراد، "وأرجحهاстр. 134
ميزانًا وأصحها إيمانًا، وأعزها نفرًا، وأكرمها معشرًا، من قبل أبيه وأمه، ومن أكرم بلاد الله على الله وعباده.
فهو محمد بن عبد الله، الذبيح, ابن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد، في قول محمد بن إسحاق، وهو الصحيح، وقيل..............................
الحواشي
(١) ميزانًا" عملا يفتخر به عبر عنه بميزان؛ لأنه آلة يميز بها الوافي من غيره، "وأصحها إيمانًا" تصديقًا بما يوافق الحق في كل زمن، "وأعزها نفرًا" بفتحتين حشمًا وأعوانًا تمييز محول عن المضاف، والأصل نفره أعز، فحذف المضاف وأضيف أعز إلى الضمير فحصل الإبهام، فبين بذلك المضاف، "وأكرمها معشرًا" طائفة وجماعة ينسب إليهم "و" أكرمها "من قبل" جهة "أبيه وأمه" أكرمها من قبل كونه "من أكرم بلاد الله على الله" يعني مكة، "و" من أكرم "عباده" عليه وهم العرب، "فهو محمد" اسم مفعول على الصفة للتفاؤل بأنه يكثر حمده، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق به في المقصد الثاني. قال في الفتح: المحمد الذي حمد مرة بعد أخرى أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة، قال الأعشى:
إليك أبيت اللعن كان وجيفها ... إلى الماجد القرم الجواد المحمد
"ابن عبد الله" قال الحافظ: لم يختلف في اسمه. ا. هـ. قال ابن الأثير: وكنيته أبو قثم بقاف فمثلثة، وهو من أسمائه ﷺ مأخوذ من القثم وهو الإعطاء، أو من الجمع، يقال للرجل الجموع للخير قثوم وقثم، وقيل أبو محمد، وقيل: أبو أحمد. ا. هـ. فإن قلنا بالمشهور من وفاته والمصطفى حمل فلعله كني بالإلهام، وإن قلنا بعد ولادته، فظاهر.
"الذبيح" بالجر نعت لعبد الله "ابن" شيخ البطحاء، "عبد المطلب" مجاب الدعوة محرم الخمر على نفسه، قال ابن الأثير: وهو أول من تحنث بحراء كان إذا دخل شهر رمضان صعده وأطعم المساكين، وقال ابن قتيبة: كان يرفع من مائدته للطير، والوحوش في رءوس الجبال، فكان يقال له الفياض لجوده ومطعم طير السماء؛ لأنه كان يرفع من مائدته للطير "واسمه شيبة الحمد" مركب إضافي، قال:
على شيبة الحمد الذي كان وجهه ... يضيء ظلام الليل كالقمر البدري
"في قول محمد بن إسحاق" بن يسار المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، الحافظ إمام المغازي صدوق، لكنه يدلس ورمي بالتشيع والقدر توفي سنة خمسين ومائة، "وهو" كما قال السهيلي "الصحيح" وعزاه في النور والفتح للجمهور، "وقيل" في سبب تسميته بشيبة الحمد،стр. 135
سمي به لأنه ولد في رأسه شيبة.
وقيل: اسمه عامر، وهو قول ابن قتيبة، وتابعه على ذلك المجد الشيرازي، وكنيته أبو الحارث، بابن له أكبر ولده.
قيل: إنما قيل له عبد المطلب، لأن أباه هاشمًا قال لأخيه المطلب، وهو بمكة، حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك بيثرب، فمن ثم سمي عبد المطلب..................
الحواشي
(١) "سمي به لأنه ولد في رأسه شيبة" واحدة الشيب، وأقل ما تصدق به شعرة؛ لأنها أقل ما يتحقق فيه البياض.
وفي رواية: وكانت ظاهرة في ذوائبه وأخرى وكان وسط رأسه أبيض، وقيل: لأن أباه أوصى أمه بذلك، وبالأول جزم المصنف في شرح البخاري وسوى بينهما الشامي، ولعل وجه إضافته إلى الحمد رجاء أنه يكبر ويشيخ ويكثر حمد الناس له وقد حقق الله ذلك فكثر حمدهم له؛ لأنه كان مفزع قريش في النوائب، وملجأهم في الأمور، وشريفهم وسيدهم كمالا وفعالا.
"وقيل: اسمه عامر وهو قول" أبي محمد عبد الله بن مسلم "بن قتيبة" بقاف مصغر الدينوري بفتح الدال وتكسر النحوي اللغوي مؤلف أدب الكتاب وغيره، ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة سبع وستين، وهذا حكاه في الفتح بلفظ زعم ابن قتيبة، وقد قال أبو عمر: إنه لا يصح، "وتابعه" أي: تبعه "على ذلك المجد" مجد الدين محمد بن يعقوب "الشيرازي" بكسر الشين المعجمة وفتح الراء وزاي نسبة إلى شيراز قرية بنواحي سرخس، مؤلف القاموس وغيره، مجدد اللغة على رأس المائة الثامنة ومهر فيها وهو شاب وتفقه وطلب الحديث وجال في البلدان، وكان له فيها الحظوة التامة، حتى عند الملوك وفي شيوخه كثرة وأخذ عنه الحافظ وغيره، ومات سنة سبع عشرة وثمانمائة وقد جاوز التسعين ممتعًا بحواسه.
"وكنيته" أي: عبد المطلب "أبو الحارث بابن" لفظ مختص بالذكر إجماعًا حكاه الفكهاني في شرح العمدة، "له أكبر ولده" أي: أولاده وهو يكون واحد وجمعًا، وقيل: أبو البطحاء، "قيل: وإنما قيل له عبد المطلب؛ لأنه أباه هاشمًا قال لأخيه المطلب" بن عبد مناف "وهو بمكة حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك" استعطافًا أو على عادة العرب في قولهم لليتيم المربى في حجر شخص عبده فسماه عبدًا باعتبار الأول؛ لأنه رأى نفسه مختصرًا وأنه لا يقوم على ابنه غيره، "بيثرب" اسم المدينة المنورة قبل الإسلام، وقد غيره النبي ﷺ إلى طيبة وسماها لأنها طابة، رواه مسلم في آخر الحج. "فمن ثم" أي: من هنا، أي: من أجل قول هاشم لأخيه أدرك عبدك "سمي عبد المطلب" ولا شك أن هذا قول غير القول بأنه مات بغزة، فلا وجهстр. 136
وقيل: إن عمه المطلب جاء به إلى مكة رديفه -وهو بهيئة بذة- فكان يسأل عنه فيقول: هو عبدي، حياء أن يقول: ابن أخي، فلما أدخله وأحسن من حاله، أظهر أنه ابن أخيه، فلذلك قيل له: عبد المطلب.
وهو أول من خضب بالسواد من العرب، وعاش مائة وأربعين سنة.
الحواشي
(١) لإيراده عليه، "وقيل: إن عمه المطلب جاء به إلى مكة رديفه وهو بهيئة بذة" بفتح الموحدة والذال المعجمة المشددة، أي: رثة، وفي المنتقى: كان عليه أخلاف ثياب وأثرت فيه الشمس، "فكان يسأل عنه فيقول: هو عبدي" يقول ذلك "حياء من أن يقول ابن أخي" فيعترض عليه بكونه على تلك الهيئة، وكان بها مع أنه كان عند أمه بالمدينة؛ لأنه أخذه بغير علمها وهو يلعب، وقيل: إنما أخذه بعلمها فلعله استعجل لئلا تمنعه أمه بعد، "فلما أدخله" مكة "وأحسن من حاله أظهر أنه ابن أخيه، فلذلك" أي: قول المطلب هو عبدي، "قيل له" لشيبة الحمد "عبد المطلب، وبهذا القول جزم في شرح البخاري وجزم الحافظ بما نصبه: سمي عبد المطلب واشتهر بها لأن أباه لما مات بغزة، وكان خرج إليها تاجرًا، ترك أمه بالمدينة، فأقامت عند أهلها من الخزرج فكبر عبد المطلب فجاء عمه المطلب فأخذه ودخل به مكة، فرآه الناس مردفه، فقالوا: هذا عبد المطلب؛ فغلبت عليه في قصة طويلة ذكرها ابن إسحاق وغيره. ا. هـ.
وقيل: سمي به على عادة العرب في قولهم لليتيم المربى في حجر إنسان عبده، وأتى بقوله: "وهو" كما قال السهيلي "أول من خضب" بابه ضرب "بالسواد من العرب" للإشعار باستمراره على إظهار الصفات الدالة على قوته وشجاعته إلى وفاته. روى ابن سعد عن المسور بن مخرمة، قال: أول من خضب بالوسمة ن قريش بمكة عبد المطلب، كان إذا ورد اليمن ورد على عظيم من حمير، فقال: هل لك من تغيير هذا البياض فتعود شابًا، فقال: ذلك إليك، فأمره به فخضب بحناء ثم علا بالوسمة، فقال له عبد المطلب: زودنا من هذا، فزوده فأكثر فدخل مكة بليل ثم خرج عليهم بالغد، كان شعره حلك الغراب، فقالت له نثيلة: لو دام لك هذا لكان حسنًا، فقال عبد المطلب:
لو دام لي هذا السواد حمدته ... وكان بديلا من شباب قد انصرم
تمتعت منه والحياة قصيرة ... ولا بد من موت نثيلة أو هرم
وماذا الذي يجدي علي بحفظه ... ونعمته يومًا إذا عرشه انهدم
فموت جهير عاجلا لا سوى له ... أحب إلي من مقالهم حكم
قال: فخضب أهل مكة بالسواد، "وعاش مائة وأربعين سنة" فيما قاله عالم النسب الزبير بن بكار، كما حكاه سيد الناس عن أبي الربيع بن سالم عنه، قائلا: إنها أعلى ما قيل في سنه،стр. 137
ابن هاشم، واسمه عمرو، وإنما قيل له هاشم لأنه كان يهشم الثريد لقومه في الجدب.
الحواشي
(١) وحكاه مغلطاي، وجزم به السهيلي، وتبعه المصنف في شرح البخاري؛ فالتوقف فيه بأن الشامي لم يذكره عجيب، فلا يلزم من ترك مكثر الأنفال لشيء عدم وجود ما لم يحكه في غيره، فمن حفظ حجة بل أخشى أن زيادة أربعة في قول الشامي، يقال: بلغ مائة وأربعة وأربعين من تحريف النساخ لقولهم أعلى ما قيل مائة وأربعين، وقيل: عاش مائة وعشرين سنة، صدر به مغلطاي والمصنف فيما يأتي في وفاة عبد المطلب، ويأتي له مزيد ثم "ابن هاشم واسمه عمرو" قاله مالك والشافعي: منقول من العمر الذي هو العمر، أو العمر الذي هو من عمور الأسنان، أو العمر الذي هو طرف الكم، يقال: سجد على عمريه، أي: كميه، أو العمر الذي هو القرط؛ كما قال:
وعمر هند كان الله صوره ... عمرو بن هند يسوم الناس تعنيتا
وزاد أبو حنيفة وجهًا خامسًا، فقال: من العمر الذي هو اسم لنحل السكر، ويقال فيه عمر أيضًا، انتهى من الروض.
"وإنما قيل له" لعمرو "هاشم؛ لأنه كان يهشم الثريد" بمثلثة: ما اتخذ من لحم وخبز، قال:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد
"لقومه في الجدب" بجيم مفتوحة ودال مهملة ساكنة خلاف الخصب، وفي فتح الباري؛ لأنه أول من هشم الثريد بمكة لأهل الموسم ولقومه أولا في سنة المجاعة، وفيه يقول الشاعر:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
وأشعر إتيان المصنف بحرف المضارعة مع كان المفيد للتكرار بتكرر ذلك منه، وهو كذلك. ففي السبل: لما أصاب أهل مكة جهد وشدة، رحل إلى فلسطين، فاشترى منها دقيقًا كثيرًا وكعكًا، وقدم به مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزورًا، وجعلها ثريدًا عم به أهل مكة ولا يزال يفعل ذلك بهم، حتى استقلوا. ا. هـ.
وفي المنتقى كان هاشم أفخر قومه وأعلاهم وكانت مائدته منصوبة لا ترفع لا في السراء ولا في الضراء، وكان يحمل ابن السبيل ويؤدي الحقائق، وكان نور رسول الله ﷺ في وجهه يتوقد شعاعه ويتلألأ ضياؤه، ولا يراه حبر إلا قبل يده، ولا يمر بشيء إلا سجد إليه، تغدو إليه قبائل العرب ووفود الأحبار، يحملون بناتهم يعرضون عليه أن يتزوج بهن، حتى بعث إليه هرقل ملك الروم، وقال: إن لي ابنة لم تلد النساء أجمل منها، ولا أبهى وجهًا، فأقدم علي حتى أزوجكها، فقد بلغني جودك وكرمك، وإنما أراد بذلك نور المصطفى الموصوف عندهم في الإنجيل، فأبى هاشم. قال ابن إسحاق: وهو أول من مات من بني عبد مناف. واختلف في سنه،стр. 138
ابن عبد مناف، واسمه المغيرة.
ابن قصي تصغير قصي، أي بعيد، لأنه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة، حين احتملته أمه فاطمة، واسمه مجمع، قال الشاعر:
أبوكم قصي كان يدعي مجمعًا ... به جمع الله القبائل من فهر
وقيل زيد......................................
الحواشي
(١) فقيل: عشرون، وقيل: خمس وعشرون سنة.
"ابن عبد مناف" بفتح الميم وخفة النون من أناف ينيف إنافة إذا ارتفع، وقيل: الإنافة الأشراف والزيادة لقب بذلك؛ لأن أمه حبى بضم الحاء المهملة وموحدة مشددة ممالة أخدمته صنمًا عظيمًا لهم يسمى مناة، ثم نظر أبوه فرآه يوافق عبد مناة بن كنانة فحواه عبد مناف، "واسمه" كما قال الشافعي "المغيرة" منقول من الوصف والهاء للمبالغة سمي به تفاؤلا أنه يغير على الأعداء وساد في حياة أبيه، وكان مطاعًا في قريش ويدعى القمر لجماله، قال الواقدي: وكان فيه نور رسول الله ﷺ وفي يده لواء نزار وقوس إسماعيل. وذكر الزبير عن موسى بن عقبة أنه وجد كتابة في حجر: أنا المغيرة بن قصي آمر بتقوى الله وصلة الرحم، وإياه عنى القائل:
كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصه لعبد مناف
قال ابن هشام: ومات بغزة. "ابن قصي" بضم القاف، "تصغير قصي" بفتح فكسر فياء ساكنة من قصا يقصو إذا بعد، قال المصنف تبعًا للسهيلي: وصغر على فعيل؛ لأنهم كرهوا اجتماع ثلاث ياءات فحذفوا لثالثة التي تكون في فعيل، فبقي على وزن فعيل مثل فليس. ا. هـ. وفسر المصغر بقوله: "أي: بعيد؛ لأنه بعد عن عشيرته" أي: قبيلته. وفي القاموس: عشيرة الرجل بنو أبيه الأدنون، أو قبيلة جمعه عشائر. "في بلاد قضاعة" بضم ففتح "حين احتملته أمه فاطمة" بنت سعد العذري في قصة طويلة ذكرها ابن إسحاق. "واسمه مجمع" اسم فاعل من جمع "قال الشاعر:
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا
ذكر ثعلب في أماليه أنه كان يجمع قومه يوم العروبة، فذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم أنه سيبعث فيهم نبي، "به جمع" بالتثقيل للمبالغة، "الله القبائل من" بني "فهر" في مكة بعد تفرقهم في البلدان، فجمعهم وأدخلهم مكة في قصة طويلة عند ابن إسحاق، "وقيل" اسمه "زيد" وجزم به في السبل والتوشيح والعيون والعراقي، واقتصر عليه في الفتح، فقال: روى السراج في تاريخه من طريق أحمد بن حنبل: سمعت الشافعي يقول: اسم المطلب شيبة الحمد، واسم هشام عمرو، واسم عبد مناف المغيرة، واسم قصي زيد.стр. 139
وقال الشافعي، كما حكاه عنه الحاكم أبو أحمد يزيد.
ابن كلاب، وهو إما منقول من المصدر الذي في معنى المكالبة، نحو: كالبت العدو مكالبة، وإما من الكلاب: جمع كلب، كأنهم يريدون الكثرة، كما يسمون بسباع.
الحواشي
(١) "وقال" الإمام "الشافعي" محمد بن إدريس المطلبي المكي، نزيل مصر، عالم قريش، مجدد الدين على رأس المائتين، حفظ القرآن ابن سبع، والموطأ ابن عشر، وأفتى وهو ابن خمس عشرة، وكان يحيى الليل إلى أن مات في رجب سنة أربع ومائتين عن أربع وخمسين سنة، مناقبه جمة أفردها العلماء بالتصانيف.
"كما حكاه عنه الحاكم" الكبير "أبو أحمد" كنية الحاكم محمد بن محمد بن إسحاق النيسابوري الإمام الحافظ الجهبذ محدث خراسان، سمع ابن خزيمة والباغندي والسراج، وسمع منه السلمي والحاكم أبو عبد الله، والمشهور الموافق له في الاسم واللقب والنسبة، وإنما افترقا في الكنية ووصفه بأنه إمام عصره في الحديث، كثير التصانيف، مقدم في معرفة شروط الصحيح والأسامي والكنى، وكان صالحًا ماشيًا على سنن السلف، مات في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة عن ثلاث وتسعين سنة.
"يزيد" بزيادة ياء أوله، وهذا مقول قول الشافعي، قول ثان له، لكنه لا يساوي ما حكاه أحمد عنه؛ لأنه أجل تلامذته، ثم اقتصار المذكورين عليه يفيد أنه الأصح، فكان حق المصنف تقديمه وفي الخميس قصي هو الذي جمع الله به قريشًا، وكان اسمه زيد فسمي مجمعًا لما جمع من أمرها، وأنشد بيت المصنف فعليه مؤاخذة في مقابلته بزيد؛ لأن مجمعًا ليس اسمه الأصلي ولا هو مقابل لكونه زيدًا، كيف وبعد هذا البيت كما حكاه الماوردي وغيره:
وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم ... به زيدت البطحاء فخرًا على فخر
وكان مصي أول بني كعب أصاب ملكًا طاعله به قومه، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، وحاز شرف مكة جميعًا وكان رجلًا جلدًا وعالم قريش وأقومها بالحق.
"ابن كلاب" بكسر الكاف وتخفيف الام، "وهو" كما قال السهيلي "إما منقول من المصدر الذي في معنى المكالبة، نحو: كالبت العدو مكالبة" وكلابًا القاموس المكالبة المشاورة والمضايقة والتكالب التواثب، "إما من الكلاب، جمع كلب" الحيوان المعروف، "كأنهم" أي: العرب "يريدون الكثرة كما يسمون بسباع" وأنمار وغير ذلك.стр. 140
وسئل أعرابي: لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء، نحو كلب وذئب، وعبيدكم بأحسن الأسماء، نحو رزق ومرزوق ورباح؟ فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا, يريدون أن الأبناء عدة للأعداء، وسهام في نحورهم، فاختاروا لهم هذه الأسماء.
واسم كلاب: حكيم، وقيل: عروة.
ابن مرة.
الحواشي
(١) "وسئل أعرابي" هو كما في الروض: أبو الدقيش، وفي الصحاح: قال يونس لأبي الدقيش الشاعر: ما الدقيش؟ قال: لا أدري، هو أسماء نسمعها نتسمى بها, وفي حياة الحيوان: الدقش -بضم الدال المهملة وفتح القاف-: طائر صغير، "لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء نحو كلب وذئب، وعبيدكم بأحسن الأسماء، نحو: رزق ومرزوق ورباح" بموحدة "فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعداءنا وعبيدنا لأنفسنا، يريد" الأعرابي "أن الأبناء عدة للأعداء" بضم العين: ما أعد لحوادث الدهر من مال وسلاح؛ كما في المختار. "وسهام في نحورهم" جمع نحر: موضع القلادة من الصدر، ويطلق على الصدر أيضًا عطف خاص على عام على أن معنى العدة ما صدق عليه مفهوم ما أعددته ... إلخ. أو عطف جزء على كل إن أريد بالعدة مجموع ما يدخر من مال وسلاح، وعلى كل هو تشبيه بليغ، أي: كعدة أو استعارة على نحو زيد أسد. "فاختاروا لهم هذه الأسماء" دون عبيدهم؛ لأنهم لا يقصد منهم قتال غالبًا بل كان عارًا عند العرب، "واسم كلاب حكيم" بفتح الحاء وكسر الكاف وقدمه مغلطاي في الإشارة، وصححه المحب بن الشهاب بن الهائم، ويقال: الحكيم بزيادة أل، "وقيل: عروة" حكاه مغلطاي وغيره الفتح.
ذكر ابن سعد: أن اسمه المهذب، وزعم محمد بن أسعد: أن اسمه حكيم، وقيل: عروة، فحكى ما قدمه المصنف بلفظ زعم وصدر بغيره، فكأنه اعتمد تصحيح ابن الهائم وتقديم مغلطاي، قال الحافظ: ولقب بكلاب لمحبته كلاب الصيد، وكان يجمعها فمن مرت به فسأل عنها، قيل هذه كلاب ابن مرة، وقال المصنف: لمحبته الصيد، وكان أكثر صيده بالكلاب، قاله المهلب وغيره: "ابن مرة" بضم الميم منقول من وصف الرجل بالمرارة، وقواه السهيلي فالتاء للمبالغة أو من وصف الحنظلة والعلقمة فالتاء للتأنيث، كذا في السبل. وفي المختار: العلقم شجر مر، ويقال للحنظل ولكل مر علقم.
قال شيخنا: فالمناسب أن يقول من وصف الحنظل والعلقم بغير تاء أو بالتاء فلا يكون للتأنيث بل للوحدة، أو من اسم نبات مخصوص وهو بقلة تقطع فتؤكل بالخل أو من قولهم: مرстр. 141
ابن كعب، وهو أول من جمع العروبة، وكانت تجتمع إليه قريش في هذا اليوم، فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ ويعلمهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه والإيمان به، وينشد في ذلك أبياتًا منها قوله:
يا ليتني شاهد فحواء دعوته
.........................
الحواشي
(١) الشيء، إذا اشتد مرارته أو من القوة، وعليهما فالظاهر: أن الهاء للمبالغة فمرجعهما والأول واحد، وله ثلاثة أولاد كلاب وتيم ومن نسله الصديق وطلحة ويقظة، وبه يكنى.
"ابن كعب" قال السهيلي: سمي بذلك لستره على قومه ولين جانبه لهم، منقول من كعب القدم، وقال ابن دريد وغيره: من كعب القناة سمي بذلك لارتفاعه وشرفه فيهم، فكانوا يخضعون له حتى أرخوا بموته، قال الفتح، أي: إلى عام الفيل فأرخوا به، ثم بموت عبد المطلب، وقيل: من الكعب الذي هو قطعة السمن الجامد. "وهو" أي: كعب "أو من جمع" الناس لمجرد الوعظ، "العروبة" بفتح المهملة وضم الراء وبالموحدة، ولم يكن ثم صلاة يجمعهم إليها من الإعراب التحسين لتزين الناس فيه، قال النحاس: لا يعرفه أهل اللغة بالألف واللام، وإلا شاذًا، قال: ومعناه المبين المعظم من أعرب إذا بين، ولم يزل يوم الجمعة معظمًا عند أهل كل ملة. ا. هـ.
وقال أبو موسى في ذيل الغريبين: الأفصح أن لا تدخله أل وكأنه ليس بعربي. ا. هـ. وهو اسم يوم الجمعة في الجاهلية اتفاقًا اختلف في أن كعبًا سماه الجمعة لاجتماع الناس إليه فيه، وبه جزم الفراء وثعلب وغيرهما وصحح، أو إنما سمي بعد الإسلام، وصححه ابن حزم، وقيل: أول من سماه به أهل المدينة لصلاتهم الجمعة قبل قدومه ﷺ مع أسعد بن زرارة أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين، وقيل غير ذلك.
"وكانت تجتمع إليه قريش في هذا اليوم فيخطبهم" يعظمهم، وكان فصيحًا خطيبًا وكان يأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم سيبعث فيهم نبي، أخرجه الزبير بن بكار عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مقطوعًا، وفي أمالي ثعلب: أنه قصيًا كان يجمعهم؛ كما مر ولا خلاف. "ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ ويعلمهم بأنه من ولده" وعلمه هو به من الوصية المستمرة من آدم أن من كان فيه ذلك النور لا يضعه إلا في المطهرات؛ لأن ختام الأنبياء منه، وقد علمه ظاهرًا فيه قائمًا به أو من الكتب القديمة: أن من كان بصفة كذا كان محمد من ولده، ووجد تلك الصفة فيه، والأول أظهر. "ويأمرهم باتباعه" إن أدركوه "والإيمان به" عطف تفسير، فاتباعه الإيمان به، "وينشد في ذلك" أي معه "أبياتًا منها قوله: يا ليتني شاهد" حاضر "فحواء" بفاء فحاء مهملة ممدود فقط للوزن وفيه القصر أيضًا، أي: معنى "دعوته" الناس إلى الإيمان، وفي نسخة: نجواء بنون وجيم والمد للضرورة من إضافة الصفة للموصوف، أي: دعوته السر إشارة إلى ما وجد في ابتداءстр. 142
....................... ... إذا قريش تبغي الحق خذلانا
ابن لؤي، تصغير اللأي بوزن عصا، وهو الثور, ابن غالب, بن فهر، واسمه قريش، وإليه تنسب قريش، فما كان فوقه فكناني لا قرشي
الحواشي
(١) الدعوة من الخفاء قبل الأمر بالصدع، وفي نسخة: فحواء؛ كالأولى طلعته بطاء ولام وعين. "إذا قريش تبغي" بضم الفوقية. وفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة من بغاه الشيء بالتخفيف طلبة شدد مبالغة، وفي نسخة: حين العشيرة تبغي بفتح فسكون فكسر مخففًا من بغاه الشيء، طلبه له.
"الحق خذلانا" والمراد: أنه يتمنى إدراك زمن دعوته ﷺ للناس، وقريش يعارضونه ويطلبون خذلان دينه، لينصره ويظهر دينه وهذا الذي أورده المؤلف في كعب, رواه أبو نعيم في الدلائل عن كعب الأحبار مطولا، وفي آخره: وكان بين موت كعب ومبعث النبي ﷺ خمسمائة سنة وستون سنة. "ابن لؤي" بضم اللام والهمزة ويسهل بإبدال همزته واوًا، وفي النور والإرشاد: الهمز أكثر عند الأكثرين. "تصغير اللأي" قال ابن الأنباري: تصغير لأي "بوزن عصا" واللأي الثور، قال: ويحتمل أنه تصغير لأي بوزن عبد وهو البطء بالهمز ضد العجلة، ويؤيده قوله:
فدونكمو بني لأي أخاكم ... ودونك مالكًا يا أم عمرو
انتهى. واختار السهيلي الثاني، وقد قال الأصمعي: هو تصغير لوا الجيش زيدت فيه الهمزة، وقيل: منقول من لوى الرمل مقصورًا، وفي القاموس: ولأي اسم تصغير لؤي ومنه لؤي بن غالب. قال شيخنا: اقتصر عليه؛ لأن النقل عن الاسم أولى من اسم الجنس وإلا فكل تلك الألفاظ صالح للتصغير. "وهو" كما قال ابن الأنباري وجماعة "الثور" الوحشي، وقال أبو حنيفة: اللأي البقرة وكنيته أبو كعب، وكان له سبعة ذكور. "ابن غالب" بالمعجمة وكسر اللام منقول من اسم فاعل مشتق من الغلب بفتحات أو فتح فسكون، ويقال: غلبة بهاء وله تيم وبه يكنى، ولؤي "ابن فهر" بكسر الفاء وسكون الهاء فراء، منقول من الفهر الحجر الطويل، قال السهيلي: وقال الخشني: الفهر حجر ملء الكف يذكر ويؤنث وخطأ الأصمعي من أنثه، وفي الفتح: الفهر الحجر الصغير، وفي الإرشاد: الطويل والأملس. "واسمه قريش" وفي الفتح والإرشاد: قيل اسمه قريش، ونقل عن الزهري: أن أمه سمته به وأبوه سماه فهرًا، وقيل: فهر لقبه، وقيل: بالعكس. "وإليه تنسب قريش" فيما قاله جماعة ونسب للأكثر، قال الزهري: وهو الذي أدركت عليه من أدركت من نساب العرب: إن من جاوز فهرًا فليس من قريش. "فما كان فوقه فكناني" نسبة إلى كنانة بن مدركة، "لا قرشي" نسبة إلى قريش، ويقال: قريش أيضًا علىстр. 143
على الصحيح.
الحواشي
(١) القياس. "على الصحيح" صححه الدمياطي والعراقي وغيرهما، والحجة لهم حديث مسلم والترمذي مرفوعًا: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة" الحديث، وذهب آخرون إلى أن أصل قريش النضر، وبه قال الشافعي وعزاه العراقي للأكثرين، فقال:
أما قريش فالأصح فهر ... جماعها والأكثرون النضر
قال النووي: وهو الصحيح المشهور، وأيضًا صححه الحافظ العلائي وعزاه للمحققين، واحتجوا بحديث الأشعث بن قيس: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة، فقلت: ألستم منا يا رسول الله؟ قال: "لا نحن بنو النضر بن كنانة" رواه ابن ماجه وابن عبد البر وأبو نعيم في الرياضة، وزاد: قال أشعث: والله لا أسمع أحدًا نفى قريشًا من النضر بن كنانة إلا جلدته، والاحتجاج بهذا ظاهر لا خفاء فيه. قال الحافظ في سيرته: وعندي أنه لا خلاف في ذلك؛ لأن فهو إجماع قريش ثم إن أباه مالكًا ما أعقب غيره، فقريش ينتهي نسبها كلها إلى مالك بن النضر، وكذلك النضر ليس له عقب إلا من مالك، فاتفق القولان بحمد الله تعالى. ا. هـ. ومن خطه نقلت: وقيل: إن قريشا هو الياس، وقيل: مضر، وحكى الماوردي وغيره: إنه قصي، قال البرهان: وهو قول باطل وكأنه قول رافضي؛ لاقتضائه أن أبا بكر وعمر ليسا من قريش فإمامتهما باطلة، وهو خلاف إجماع المسلمين. ا. هـ. ونقله عنه الشامي بلفظه وكثيرًا ما سمعت شيخنا حافظ العصر أبا عبد الله محمد البابلي يجزم بأنه قول الرافضة اخترعوه للطعن في الشيخين، ولم أر الجزم به الآن لكنه كان واسع الاطلاع واختلف في سبب تسميتها بقريش، فقيل: منقول من تصغير قرش، وهو دابة في البحر عظيمة من أقوى دوابه سميت به لقوتها؛ لأنها تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، وكذلك قريش. أخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس: أنه دخل على معاوية وعنده عمرو بن العاصي، فقال عمرو: إن قريشًا تزعم أنك أعلمها فلم سميت قريش قريشًا؟ فقال: بأمر بين، فقال: ففسره لنا، ففسره قال: هل قال فيه أحد شعرًا؟ قال: نعم، سميت قريشًا بدابة في البحر، وقد قال الشمرخ بن عمرو الحميري:
وقريش هي التي تسكن البحـ ... ـر بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا تتـ ... ـرك فيه لدى الجناحين ريشا
هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا
ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهمو والخموشا
يملأ الأرض خيله ورجال ... يحشرون المطي حشرًا كشيشاстр. 144
ابن مالك.
ابن النضر، واسمه قيس.
الحواشي
(١) وأخرجه ابن عساكر إلا أنه ذكر أن السائل معاوية، ووصف ابن عباس الدابة بأنها أعظم دواب البحر، وعزا هذه الأبيات للجمحي. ا. هـ.
وأكلا كميشًا، أي: سريعًا. والخموش: الخدوش، كما في القاموس وغيره. وقيل: من التقريش وهو التفتيش؛ لأنهم كانوا يفتشون عن خلة الناس وحاجاتهم فيسدونها بمالهم، وقيل: بقريش بن بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، وقيل: لأنهم كانوا يتجرون ويأخذون ويعطون من قرش الرجل يقرش كيضرب إذا اتجر، وقيل: من الأقراش، وهو وقوع الرايات والرماح بعضها على بعض، وقيل: من التقريش وهو التحريش. قال الزجاجي: وهو بعيد؛ لأن المعروف لغة أن التحريش هو الترقيش بتقديم الراء، وقيل غير ذلك. وقد حكى ابن دحية في سبب تسمية قريش، ومن أول من سمي بها عشرين قولا, هذا وقريش فرقتان بطاح وظواهر، فالبطاح من دخل مكة مع قصي، والظواهر من أقام بظاهر مكة ولم يدخل الأبطح.
"ابن مالك" اسم فاعل من ملك يملك، فهو مالك والجمع ملاك، ويكنى أبا الحارث، قال الخميس: سمي مالكًا لأنه كان ملك العرب، ويقع في نسخ ابن مالك قريش وإليه تنسب قريش، فما فوقه فكناني لا قريش على الصحيح، وكأنه كان بهامش مسودة المصنف فتحرف على الناسخ فخرجه في غير موضعه، وعلى تقدير صحته، فقوله: قريش، صفة لفهر بعد صفة، لا صفة لمالك "ابن النضر" بفتح النون وإسكان الضاد المعجمة فراء "واسمه قيس" ولقب بالنضر لنضارة وجهه وإشراقه وجماله، منقول من النضر اسم الذهب الأحمر، وله من الذكور مالك والصلت ويخلد بفتح التحتية وسكون المعجمة وضم اللام فدال مهملة، وبه يكنى أبوه ولكن لم يعقب إلا من مالك، كما مر.
وأم النضر برة بنت أد بن طابخة تزوجها كنانة بعد أبيه خزيمة، فولدت له النضر على ما كانت الجاهلية تفعله إذا مات الرجل خلف على زوجته أكبر بنيه من غيرها، كذا قاله الزبير بن بكار، وتبعه السهيلي وزاد: ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] ، أي: من تحليل ذلك قبل الإسلام، قال: وفائدة الاستثناء هنا لئلا يعاب نسب النبي ﷺ ، وليعلم أنه لم يكن في أجداده سفاح، ألا ترى أنه لم يقل في شيء نهى عنه في القرآن إلا ما قد سلف إلا في هذه الآية، وفي الجمع بين الأختين، فإن الجمع بينهما كان مباحًا في شرع من قبلنا، وقد جمع يعقوب بين أختين وهما أجيل، أي: بجيم، كما في السبل، أو حاء مهملة كما في القاموس، وليا، فقوله: إلا ما قد سلف، التفات إلى هذا المعنى، وهذهстр. 145
ابن كنانة.
ابن خزيمة، تصغير خزمة.
الحواشي
(١) النكتة من الإمام أبي بكر بن العربي، إلى هنا كلامه. وتعقبه الحافظ القطب عبد الكريم الحلبي ثم المصري في شرح السيرة لعبد الغني بما حاصله: أن هذا غلط نشأ من اشتباه، وذلك أن أبا عثمان الجاحظ قال: إن كنانة خلف على زوجة أبيه فماتت ولم تلد له ذكرا ولا أنثى، فنكح ابنة أخيها وهي برة بنت مرة بن أد بن طابخة فولدت لها النضر، قال الجاحظ: وإنما غلط كثيرًا لما سمعوا أن كنانة خلف على زوجة أبيه؛ لاتفاق اسمهما وتقارب نسبهما، قال: وهذا الذي عليه مشايخنا من أهل العلم والنسب، ومعاذ الله أن يكون أصاب نسبه ﷺ نكاح مقت، وقد قال: "ما زلت أخرج من نكاح كنكاح الإسلام" ومن قال غير هذا فقد أخطأ وشك في هذا الخبر، والحمد لله الذي طهره من كل وصم تطهيرًا. ا. هـ.
قال الدميري: وهذا أرجو به الفوز للجاحظ في منقلبه، وأن يتجاوز عنه فيما سطره في جميع كتبه. ا. هـ. وقد صوب مغلطاي كلام الجاحظ وأن خلافه غلط ظاهر، قال: وهذا الذي يثلج به الصدر ويذهب وحره ويزيل الشك ويطفئ شرره، قال الشامي: وهو من النفائس التي يرحل إليها والسهيلي تبع الزبير بن بكار، والزبير كأنه تبع الكبي -وهو متروك- بل لو نقله ثقة لم يقبل لعبد الزمان، ومخالفة الأحاديث الناطقة بخلافه. ا. هـ. وكذا ما قيل: إن هاشمًا خلف على واقدة زوجة أبيه بفرض صحته، فليست جدة للنبي ﷺ ، فإن أم عبد المطلب أنصارية؛ ولذا كانت الأنصار أخوال المصطفى.
"ابن كنانة" بكسر الكاف ونونين مفتوحتين بينهما ألف ثم هاء، منقول من الكنانة التي هي الجعبة بفتح الجيم وسكون العين المهملة، سمي بذلك تفاؤلا بأنه يصير كالكنانة الساترة للسهام، فكان سترًا على قومه، قال في السبل. وفي الخميس: إنما سمي كنانة؛ لأنه لم يزل في كن من قومه. وفي الفتح: هو بلفظ وعاء السهام إذا كانت من جلد. ونقل عن أبي عامر العدواني، أنه قال: رأيت كنانة بن خزيمة شيخنا مسنًا عظيم القدر يحج إليه العرب لعلمه وفضله بينهم.
"ابن خزيمة تصغير خزمة" بمعجمتين مفتوحتين، وهي مرة واحدة من الحزم وهو شد الشيء وإصلاحه، وقال الزجاجي: يجوز أنه من الخزم بفتح فسكون، تقول: خزمته فهو مخزوم إذا أدخلت في أنفه الخزام، قال في الفتح، وقيل: تصغير خزمة بكسر فسكون، فقيل: هي برة في أنف البعير يشد فيها الزمان، وقيل: الحلقة التي تجعل في أنف البعير من شعر ونحوه، قال في الغر: ولم أر من تعرض لوجه المناسبة للنقل مما ذكر، وقد يقال: الانتقال لا يقال فيه ذلك بخلاف الألقاب. وفي الخميس: إنما سمي خزيمة تصغير خزمة؛ لأنه اجتمع فيه نور آبائه وفيه نورследующие страницы →