Полный текст (5 943 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ابن كعب، وهو أول من جمع العروبة، وكانت تجتمع إليه قريش في هذا اليوم، فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ ويعلمهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه والإيمان به، وينشد في ذلك أبياتًا منها قوله:
يا ليتني شاهد فحواء دعوته
.........................
الحواشي
(١) الشيء، إذا اشتد مرارته أو من القوة، وعليهما فالظاهر: أن الهاء للمبالغة فمرجعهما والأول واحد، وله ثلاثة أولاد كلاب وتيم ومن نسله الصديق وطلحة ويقظة، وبه يكنى.
"ابن كعب" قال السهيلي: سمي بذلك لستره على قومه ولين جانبه لهم، منقول من كعب القدم، وقال ابن دريد وغيره: من كعب القناة سمي بذلك لارتفاعه وشرفه فيهم، فكانوا يخضعون له حتى أرخوا بموته، قال الفتح، أي: إلى عام الفيل فأرخوا به، ثم بموت عبد المطلب، وقيل: من الكعب الذي هو قطعة السمن الجامد. "وهو" أي: كعب "أو من جمع" الناس لمجرد الوعظ، "العروبة" بفتح المهملة وضم الراء وبالموحدة، ولم يكن ثم صلاة يجمعهم إليها من الإعراب التحسين لتزين الناس فيه، قال النحاس: لا يعرفه أهل اللغة بالألف واللام، وإلا شاذًا، قال: ومعناه المبين المعظم من أعرب إذا بين، ولم يزل يوم الجمعة معظمًا عند أهل كل ملة. ا. هـ.
وقال أبو موسى في ذيل الغريبين: الأفصح أن لا تدخله أل وكأنه ليس بعربي. ا. هـ. وهو اسم يوم الجمعة في الجاهلية اتفاقًا اختلف في أن كعبًا سماه الجمعة لاجتماع الناس إليه فيه، وبه جزم الفراء وثعلب وغيرهما وصحح، أو إنما سمي بعد الإسلام، وصححه ابن حزم، وقيل: أول من سماه به أهل المدينة لصلاتهم الجمعة قبل قدومه ﷺ مع أسعد بن زرارة أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين، وقيل غير ذلك.
"وكانت تجتمع إليه قريش في هذا اليوم فيخطبهم" يعظمهم، وكان فصيحًا خطيبًا وكان يأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم سيبعث فيهم نبي، أخرجه الزبير بن بكار عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مقطوعًا، وفي أمالي ثعلب: أنه قصيًا كان يجمعهم؛ كما مر ولا خلاف. "ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ ويعلمهم بأنه من ولده" وعلمه هو به من الوصية المستمرة من آدم أن من كان فيه ذلك النور لا يضعه إلا في المطهرات؛ لأن ختام الأنبياء منه، وقد علمه ظاهرًا فيه قائمًا به أو من الكتب القديمة: أن من كان بصفة كذا كان محمد من ولده، ووجد تلك الصفة فيه، والأول أظهر. "ويأمرهم باتباعه" إن أدركوه "والإيمان به" عطف تفسير، فاتباعه الإيمان به، "وينشد في ذلك" أي معه "أبياتًا منها قوله: يا ليتني شاهد" حاضر "فحواء" بفاء فحاء مهملة ممدود فقط للوزن وفيه القصر أيضًا، أي: معنى "دعوته" الناس إلى الإيمان، وفي نسخة: نجواء بنون وجيم والمد للضرورة من إضافة الصفة للموصوف، أي: دعوته السر إشارة إلى ما وجد في ابتداءстр. 142
....................... ... إذا قريش تبغي الحق خذلانا
ابن لؤي، تصغير اللأي بوزن عصا، وهو الثور, ابن غالب, بن فهر، واسمه قريش، وإليه تنسب قريش، فما كان فوقه فكناني لا قرشي
الحواشي
(١) الدعوة من الخفاء قبل الأمر بالصدع، وفي نسخة: فحواء؛ كالأولى طلعته بطاء ولام وعين. "إذا قريش تبغي" بضم الفوقية. وفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة من بغاه الشيء بالتخفيف طلبة شدد مبالغة، وفي نسخة: حين العشيرة تبغي بفتح فسكون فكسر مخففًا من بغاه الشيء، طلبه له.
"الحق خذلانا" والمراد: أنه يتمنى إدراك زمن دعوته ﷺ للناس، وقريش يعارضونه ويطلبون خذلان دينه، لينصره ويظهر دينه وهذا الذي أورده المؤلف في كعب, رواه أبو نعيم في الدلائل عن كعب الأحبار مطولا، وفي آخره: وكان بين موت كعب ومبعث النبي ﷺ خمسمائة سنة وستون سنة. "ابن لؤي" بضم اللام والهمزة ويسهل بإبدال همزته واوًا، وفي النور والإرشاد: الهمز أكثر عند الأكثرين. "تصغير اللأي" قال ابن الأنباري: تصغير لأي "بوزن عصا" واللأي الثور، قال: ويحتمل أنه تصغير لأي بوزن عبد وهو البطء بالهمز ضد العجلة، ويؤيده قوله:
فدونكمو بني لأي أخاكم ... ودونك مالكًا يا أم عمرو
انتهى. واختار السهيلي الثاني، وقد قال الأصمعي: هو تصغير لوا الجيش زيدت فيه الهمزة، وقيل: منقول من لوى الرمل مقصورًا، وفي القاموس: ولأي اسم تصغير لؤي ومنه لؤي بن غالب. قال شيخنا: اقتصر عليه؛ لأن النقل عن الاسم أولى من اسم الجنس وإلا فكل تلك الألفاظ صالح للتصغير. "وهو" كما قال ابن الأنباري وجماعة "الثور" الوحشي، وقال أبو حنيفة: اللأي البقرة وكنيته أبو كعب، وكان له سبعة ذكور. "ابن غالب" بالمعجمة وكسر اللام منقول من اسم فاعل مشتق من الغلب بفتحات أو فتح فسكون، ويقال: غلبة بهاء وله تيم وبه يكنى، ولؤي "ابن فهر" بكسر الفاء وسكون الهاء فراء، منقول من الفهر الحجر الطويل، قال السهيلي: وقال الخشني: الفهر حجر ملء الكف يذكر ويؤنث وخطأ الأصمعي من أنثه، وفي الفتح: الفهر الحجر الصغير، وفي الإرشاد: الطويل والأملس. "واسمه قريش" وفي الفتح والإرشاد: قيل اسمه قريش، ونقل عن الزهري: أن أمه سمته به وأبوه سماه فهرًا، وقيل: فهر لقبه، وقيل: بالعكس. "وإليه تنسب قريش" فيما قاله جماعة ونسب للأكثر، قال الزهري: وهو الذي أدركت عليه من أدركت من نساب العرب: إن من جاوز فهرًا فليس من قريش. "فما كان فوقه فكناني" نسبة إلى كنانة بن مدركة، "لا قرشي" نسبة إلى قريش، ويقال: قريش أيضًا علىстр. 143
على الصحيح.
الحواشي
(١) القياس. "على الصحيح" صححه الدمياطي والعراقي وغيرهما، والحجة لهم حديث مسلم والترمذي مرفوعًا: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة" الحديث، وذهب آخرون إلى أن أصل قريش النضر، وبه قال الشافعي وعزاه العراقي للأكثرين، فقال:
أما قريش فالأصح فهر ... جماعها والأكثرون النضر
قال النووي: وهو الصحيح المشهور، وأيضًا صححه الحافظ العلائي وعزاه للمحققين، واحتجوا بحديث الأشعث بن قيس: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة، فقلت: ألستم منا يا رسول الله؟ قال: "لا نحن بنو النضر بن كنانة" رواه ابن ماجه وابن عبد البر وأبو نعيم في الرياضة، وزاد: قال أشعث: والله لا أسمع أحدًا نفى قريشًا من النضر بن كنانة إلا جلدته، والاحتجاج بهذا ظاهر لا خفاء فيه. قال الحافظ في سيرته: وعندي أنه لا خلاف في ذلك؛ لأن فهو إجماع قريش ثم إن أباه مالكًا ما أعقب غيره، فقريش ينتهي نسبها كلها إلى مالك بن النضر، وكذلك النضر ليس له عقب إلا من مالك، فاتفق القولان بحمد الله تعالى. ا. هـ. ومن خطه نقلت: وقيل: إن قريشا هو الياس، وقيل: مضر، وحكى الماوردي وغيره: إنه قصي، قال البرهان: وهو قول باطل وكأنه قول رافضي؛ لاقتضائه أن أبا بكر وعمر ليسا من قريش فإمامتهما باطلة، وهو خلاف إجماع المسلمين. ا. هـ. ونقله عنه الشامي بلفظه وكثيرًا ما سمعت شيخنا حافظ العصر أبا عبد الله محمد البابلي يجزم بأنه قول الرافضة اخترعوه للطعن في الشيخين، ولم أر الجزم به الآن لكنه كان واسع الاطلاع واختلف في سبب تسميتها بقريش، فقيل: منقول من تصغير قرش، وهو دابة في البحر عظيمة من أقوى دوابه سميت به لقوتها؛ لأنها تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، وكذلك قريش. أخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس: أنه دخل على معاوية وعنده عمرو بن العاصي، فقال عمرو: إن قريشًا تزعم أنك أعلمها فلم سميت قريش قريشًا؟ فقال: بأمر بين، فقال: ففسره لنا، ففسره قال: هل قال فيه أحد شعرًا؟ قال: نعم، سميت قريشًا بدابة في البحر، وقد قال الشمرخ بن عمرو الحميري:
وقريش هي التي تسكن البحـ ... ـر بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا تتـ ... ـرك فيه لدى الجناحين ريشا
هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا
ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهمو والخموشا
يملأ الأرض خيله ورجال ... يحشرون المطي حشرًا كشيشاстр. 144
ابن مالك.
ابن النضر، واسمه قيس.
الحواشي
(١) وأخرجه ابن عساكر إلا أنه ذكر أن السائل معاوية، ووصف ابن عباس الدابة بأنها أعظم دواب البحر، وعزا هذه الأبيات للجمحي. ا. هـ.
وأكلا كميشًا، أي: سريعًا. والخموش: الخدوش، كما في القاموس وغيره. وقيل: من التقريش وهو التفتيش؛ لأنهم كانوا يفتشون عن خلة الناس وحاجاتهم فيسدونها بمالهم، وقيل: بقريش بن بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، وقيل: لأنهم كانوا يتجرون ويأخذون ويعطون من قرش الرجل يقرش كيضرب إذا اتجر، وقيل: من الأقراش، وهو وقوع الرايات والرماح بعضها على بعض، وقيل: من التقريش وهو التحريش. قال الزجاجي: وهو بعيد؛ لأن المعروف لغة أن التحريش هو الترقيش بتقديم الراء، وقيل غير ذلك. وقد حكى ابن دحية في سبب تسمية قريش، ومن أول من سمي بها عشرين قولا, هذا وقريش فرقتان بطاح وظواهر، فالبطاح من دخل مكة مع قصي، والظواهر من أقام بظاهر مكة ولم يدخل الأبطح.
"ابن مالك" اسم فاعل من ملك يملك، فهو مالك والجمع ملاك، ويكنى أبا الحارث، قال الخميس: سمي مالكًا لأنه كان ملك العرب، ويقع في نسخ ابن مالك قريش وإليه تنسب قريش، فما فوقه فكناني لا قريش على الصحيح، وكأنه كان بهامش مسودة المصنف فتحرف على الناسخ فخرجه في غير موضعه، وعلى تقدير صحته، فقوله: قريش، صفة لفهر بعد صفة، لا صفة لمالك "ابن النضر" بفتح النون وإسكان الضاد المعجمة فراء "واسمه قيس" ولقب بالنضر لنضارة وجهه وإشراقه وجماله، منقول من النضر اسم الذهب الأحمر، وله من الذكور مالك والصلت ويخلد بفتح التحتية وسكون المعجمة وضم اللام فدال مهملة، وبه يكنى أبوه ولكن لم يعقب إلا من مالك، كما مر.
وأم النضر برة بنت أد بن طابخة تزوجها كنانة بعد أبيه خزيمة، فولدت له النضر على ما كانت الجاهلية تفعله إذا مات الرجل خلف على زوجته أكبر بنيه من غيرها، كذا قاله الزبير بن بكار، وتبعه السهيلي وزاد: ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] ، أي: من تحليل ذلك قبل الإسلام، قال: وفائدة الاستثناء هنا لئلا يعاب نسب النبي ﷺ ، وليعلم أنه لم يكن في أجداده سفاح، ألا ترى أنه لم يقل في شيء نهى عنه في القرآن إلا ما قد سلف إلا في هذه الآية، وفي الجمع بين الأختين، فإن الجمع بينهما كان مباحًا في شرع من قبلنا، وقد جمع يعقوب بين أختين وهما أجيل، أي: بجيم، كما في السبل، أو حاء مهملة كما في القاموس، وليا، فقوله: إلا ما قد سلف، التفات إلى هذا المعنى، وهذهстр. 145
ابن كنانة.
ابن خزيمة، تصغير خزمة.
الحواشي
(١) النكتة من الإمام أبي بكر بن العربي، إلى هنا كلامه. وتعقبه الحافظ القطب عبد الكريم الحلبي ثم المصري في شرح السيرة لعبد الغني بما حاصله: أن هذا غلط نشأ من اشتباه، وذلك أن أبا عثمان الجاحظ قال: إن كنانة خلف على زوجة أبيه فماتت ولم تلد له ذكرا ولا أنثى، فنكح ابنة أخيها وهي برة بنت مرة بن أد بن طابخة فولدت لها النضر، قال الجاحظ: وإنما غلط كثيرًا لما سمعوا أن كنانة خلف على زوجة أبيه؛ لاتفاق اسمهما وتقارب نسبهما، قال: وهذا الذي عليه مشايخنا من أهل العلم والنسب، ومعاذ الله أن يكون أصاب نسبه ﷺ نكاح مقت، وقد قال: "ما زلت أخرج من نكاح كنكاح الإسلام" ومن قال غير هذا فقد أخطأ وشك في هذا الخبر، والحمد لله الذي طهره من كل وصم تطهيرًا. ا. هـ.
قال الدميري: وهذا أرجو به الفوز للجاحظ في منقلبه، وأن يتجاوز عنه فيما سطره في جميع كتبه. ا. هـ. وقد صوب مغلطاي كلام الجاحظ وأن خلافه غلط ظاهر، قال: وهذا الذي يثلج به الصدر ويذهب وحره ويزيل الشك ويطفئ شرره، قال الشامي: وهو من النفائس التي يرحل إليها والسهيلي تبع الزبير بن بكار، والزبير كأنه تبع الكبي -وهو متروك- بل لو نقله ثقة لم يقبل لعبد الزمان، ومخالفة الأحاديث الناطقة بخلافه. ا. هـ. وكذا ما قيل: إن هاشمًا خلف على واقدة زوجة أبيه بفرض صحته، فليست جدة للنبي ﷺ ، فإن أم عبد المطلب أنصارية؛ ولذا كانت الأنصار أخوال المصطفى.
"ابن كنانة" بكسر الكاف ونونين مفتوحتين بينهما ألف ثم هاء، منقول من الكنانة التي هي الجعبة بفتح الجيم وسكون العين المهملة، سمي بذلك تفاؤلا بأنه يصير كالكنانة الساترة للسهام، فكان سترًا على قومه، قال في السبل. وفي الخميس: إنما سمي كنانة؛ لأنه لم يزل في كن من قومه. وفي الفتح: هو بلفظ وعاء السهام إذا كانت من جلد. ونقل عن أبي عامر العدواني، أنه قال: رأيت كنانة بن خزيمة شيخنا مسنًا عظيم القدر يحج إليه العرب لعلمه وفضله بينهم.
"ابن خزيمة تصغير خزمة" بمعجمتين مفتوحتين، وهي مرة واحدة من الحزم وهو شد الشيء وإصلاحه، وقال الزجاجي: يجوز أنه من الخزم بفتح فسكون، تقول: خزمته فهو مخزوم إذا أدخلت في أنفه الخزام، قال في الفتح، وقيل: تصغير خزمة بكسر فسكون، فقيل: هي برة في أنف البعير يشد فيها الزمان، وقيل: الحلقة التي تجعل في أنف البعير من شعر ونحوه، قال في الغر: ولم أر من تعرض لوجه المناسبة للنقل مما ذكر، وقد يقال: الانتقال لا يقال فيه ذلك بخلاف الألقاب. وفي الخميس: إنما سمي خزيمة تصغير خزمة؛ لأنه اجتمع فيه نور آبائه وفيه نورстр. 146
ابن مدركة.
ابن إلياس، بكسر الهمزة في قول ابن الأنباري، وبفتحها في قول قاسم بن ثابت، ضد الرجاء، واللام فيه للتعريف والهمزة للوصل، قال السهيلي:................
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ ، وفي القاموس: الخزامة كتابة للبرة، ثم قال: والخزمة محركة خوص المقل، قال شيخنا: فيجوز جعل خزيمة مصغر خزامة وخزمة، قال ابن عباس: مات خزيمة على ملة إبراهيم "ابن مدركة" بضم فسكون فكسر ففتح ثم هاء مبالغة، منقول من اسم فاعل من الإدراك، لقب به لإدراكه كل عز وفخر، كان في آبائه وكان فيه نور المصطفى ظاهرًا بينًا واسمه عمر، وعند الجمهور وهو الصحيح، وقال ابن إسحاق: عامر، وضعف.
"ابن إلياس" بتحتية والمعروف أنه اسمه، وفي سيرة مغلطاي اسمه حبيب، وفي الخميس: إنما سمي إلياس؛ لأن أباه كبر ولم يولد له، فولد على الكبر واليأس فسمي إلياس، وكنيته أبو عمرو وله أخ يقال له الناس بنون، ذكره ابن ماكولا والجوهري، وإلياس "بكسر الهمزة" وهي همزة قطع تثبت في الابتداء والتدرج "في قول" الحافظ أبي بكر محمد بن القاسم "ابن الأنباريط بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الموحدة نسبة إلى الأنبار بلدة قديمة على الفرات على عشرة فراسخ من بغداد، صاحب التصانيف العلامة في النحو واللغة والأدب، المعدود في حفاظ الحديث, كان من أفراد الدهر في سعة الحفظ مع الصدق والدين ومن أهل السنة، مات ببغداد ليلة عيد النحر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وقد وافقه على كسر الهمزة طائفة. قال ابن الأنباري: وهو أفعال من قولهم: أليس للشجاع الذي لا يفر، قال الشاعر:
أليس كالنشوان وهو صاحي
"وبفتحها في قول قسم بن ثابت" جزم العوفي الأندلسي المالكي الفقيه المحدث المشارك لأبيه في رحلته وشيوخه، الورع الناسك مجاب الدعوة المتوفى سنة اثنتين وثلاثمائة، قال: وهو "ضد الرجاء، واللام فيه للتعريف، والهمزة للوصل" وأنشد قسم على ذلك قول قصي:
أمهتي خندف واليأس أبي
وصححه المحققون، كما قال بعض مشايخ البرهان.
"قال" الإمام الحافظ العلامة ذو الفهم الدقيق والمعاني الرائقة، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ "السهيلي" الخثعمي الأندلسي المالقي، أبو القسم، واسع المعرفة، غزير العلم النحوي اللغوي، الإمام في لسان العرب، العالم بالتفسير وصناعة الحديث ورجاله وأنسابه، وبالتاريخ وعلم الكلام وأصوله وأصول الفقه الذكي النبيه، عمي وهو ابن سبع عشرة سنة، ولد سنة ثمان وخمسمائة، وصنف كتبًا منها الروض الآنف، ذكر فيه أنه استخرجه من مائة وعشرينстр. 147
وهذا أصح. وهو أول من أهدى البدن إلى البيت الحرام، ويذكر أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي ﷺ بالحج؟!
الحواشي
(١) مصنفًا، ومات في شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وهو منسوب إلى سهيل قرية قرب مالقة سميت سهيل بالكوكب؛ لأنه لا يرى في جميع بلاد الأندلس، إلا من جبل مطل على هذه القرية، يرتفع نحو درجتين ويغيب.
"وهذا" الذي قاله قسم "أصح" من قول ابن الأنباري وصدق المصنف، فلفظ السهيلي والذي قاله غير ابن الأنباري أصح، وقد سقط لفظ غير من بعض نسخ النور، فأوهم اعتراضًا على المصنف مع أنه خطأ نشأ عن سقط. "وهو أول من أهدى البدن إلى البيت الحرام" جمع بدنة، وهي: البعير ذكرًا كان أو أنثى، والهاء فيها للوحدة لا للتأنيث، وحكى ابن التين عن مالك أنه كان يتعجب ممن يخص البدنة بالأنثى. وقال الأزهري: البدنة لا تكون إلا من الإبل، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم، هذا لفظه في التهذيب. وحكى النووي عنه: أن البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم، وهو خطأ نشأ عن سقط، وفي الصحاح: البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها، قال الحافظ ابن حجر وفي حياة الحيوان، وهو أيضًا أول من وضع مقام إبراهيم للناس بعد غرق البيت وانهدامه زمن نوح، فكان إلياس أول من ظفر به فوضعه في زاوية البيت، كذا قال.
والذي في الاكتفاء: وهو أول من وضع الركن للناس بعد هلاكه حين غرق البيت، ومن الناس من يقول: إنما هلك الركن بعد إبراهيم وإسماعيل وهو الأشبه، ولما مات أسفت عليه زوجته خندف أسفًا شديدًا، ونذرت أن لا تقيم في بلد مات فيه ولا يأويها بيت، فتركت بنيها منه، وساحت حتى هلكت حزنًا، ومات يوم الخميس فنذرت أن تبكيه كلما طلعت شمس يوم الخميس حتى تغيب الشمس، وضربت الأمثال بحزنها عليه. "ويذكر" كما في الروض "أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي ﷺ بالحج" وفي المنتقى: كان يسمع من ظهره أحيانًا دوي تلبية النبي ﷺ بالحج، ولم تزل العرب تعظمه تعظيم أهل الحكمة؛ كلقمان وأشباهه، وكان يدعى كبير قومه وسيد عشيرته، ولا يقطع أمر ولا يقضي بينهم دونه، قال الزبير بن بكار: ولما أدرك إلياس أنكر على بني إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبأن فضله عليهم ولأن جانبه لهم حتى جمعهم رأيه ورضوا به، فردهم إلى سنن آبائهم وسيرهم, قال ابن دحية، وهو وصي أبيه، وكان ذا جمال بارع، قال السهيلي: ويذكر عن النبي ﷺ لا تسبوا إلياس، فإنه كان مؤمنًا، قال البرهان، ولا أدري أنا حال هذا الحديث.стр. 148
ابن مضر. وهو أول من سن الحداء للإبل، وكان من أحسن الناس صوتًا.
ابن نزار -بكسر النون- من النزر، وهو القليل، قيل: إنه لما ولده، ونظر أبوه إلى نور محمد ﷺ بين عينيه فرح فرحًا شديدًا، وأطعم وقال: إن هذا كله نزر، أي قليل لحق هذا المولود، فسمي نزارًا لذلك.
ابن معد.
الحواشي
(١) "ابن مضر" بضم الميم وفتح الضاد المعجمة غير مصروف للعلمية والعدل، قال الحافظ: قيل سمي به لأنه كان يحب شرب اللبن الماضر وهو الحامض، وفيه نظر؛ لأنه يستدعي أنه كان له اسم غيره قبل أن يتصف بهذه الصفة، نعم يمكن أن يكون هذا اشتقاقه، ولا يلزم أن يكون متصفًا بهذه الصفة، وقيل: لبياضه، وقيل: لأنه كان يمضر القلوب لحسنه وجماله، وفي الخميس: لأنه أخذ بالقلوب ولم يكن يراه أحد إلا أحبه، وفي السبل: اسمه عمرو وكنيته أبو إلياس، ومن حكمه من يزرع شرًا يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق، بضم الفاء وتفتح ما بين الحلبتين؛ كما في القاموس.
"وهو أول من سن الحداء للإبل" بضم الحاء والمد: الغناء. قال البلاذري: وذلك أنه سقط عن بعيره وهو شاب فانكسرت يده، فقال: يا يداه يا يداه، فأبت إليه الإبل من المرعى، فلما صح وركب حدا، "وكان من أحسن الناس صوتًا" وقيل: بل كسرت يد مولى له فصاح فاجتمعت إليه الإبل، فوضع الحداء وزاد الناس فيه، انتهى كلام البلاذري وأخرج ابن سعد في الطبقات من مرسل عبد الله بن خالد: قال ﷺ : "لا تسبوا مضر، فإنه كان قد أسلم".
"ابن نزار، بكسر النون" فزاي فألف فراء: مأخوذ "من النزر، وهو القليل، قيل" سبب ذلك "أنه لما ولد ونظر أبوه إلى نور محمد ﷺ بين عينيه" وهو نور النبوة الذي كن ينتقل في الأصلاب "فرح فرحًا شديدًا" ونحر "وأطعم، وقال: إن هذا كله نزر، أي: قليل لحق هذا المولود، فسمي نزارًا لذلك" وبهذا القيل جزم السهيلي وتبعه النور والخميس، وزاد: أنه خرج أجمل أهل زمانه وأكبرهم عقلا، وقال أبو الفرج الأصبهاني: سمي بذلك لأنه كان فريد عصره، وعليه اقتصر الفتح والإرشاد، وقيل: لقب به لنحافته. قال الماوردي: كان اسمه خلدان وكان مقدمًا وانبسطت إليه اليد عند الملوك، وكان مهزول البدن، فقال له ملك الفرس: ما لك يا نزار؟ قال: وتفسيره في لغة الفرس يا مهزول، فغلب عليه هذا الاسم وكنيته أبو إياد، وقيل: أبو ربيعة، وفي الوفاء: يقال إن قبر نزار بذات الجيش قرب المدينة.
"ابن معد" بفتح الميم والمهملة وشد الدال ابن الأنباري، يحتمل أنه مقعل من العد، أوстр. 149
ابن عدنان.
قال ابن دحية: أجمع العلماء -والإجماع حجة- على أن رسول الله ﷺ إنما انتسب إلى عدنان ولم يتجاوزه.
ولله در القائل:
#ونسبة عز هاشم من أصولها ... ومحتدها...................
الحواشي
(١) من معد في الأرض إذا أفسد، وقيل غير ذلك. قال الفتح: وسمي معدًا، قال الخميس: لأنه كان صاحب حروب وغارات على بني إسرائيل ولم يحارب أحدًا إلا يرجع بالنصر والظفر، وكنيته أبو قضاعة، وقيل: أبو نزار.
"ابن عدنان" بزنة فعلان من المعدن، أي: الإقامة، قال الحافظ وغيره. وفي الخميس: سمي به لأن أعين الجن والإنس. كانت إليه وأرادوا قتله، وقالوا: لئن تركنا هذا الغلام حتى يدرك مدرك الرجال ليخرجن من ظهره من يسود الناس، فوكل الله به من يحفظه انتهى.
وروى أبو جعفر بن حبيب في تاريخه عن ابن عباس قال: كان عدنان ومعد وربيعة وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير، وروى الزبير بن بكار مرفوعًا: "لا تسبوا مضر ولا ربيعة، فإنهما كانا مسلمين". وله شاهد عند ابن حبيب من مرسل سعيد بن المسيب، وحكى لزبير أن عدنان أول من وضع أنصاب الحرم، وأول من كسا الكعبة، أو كسيت في زمنه. والبلاذري: أول من كساها الإنطاع عدنان، وفي أول من كساها خلاف ليس هذا موضعه، ولما استشعر المصنف قول سئل: لِمَ لَمْ توصل النسب إلى آدم؟ قال: "قال" الإمام الحافظ المتقن أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي بن محمد المشهور بأنه "ابن دحية" لأنه ﵀ كان يذكر أنه من ولد الصحابي دحية الكلبي، بفتح الدال وكسرها، قال النور: لغتان مشهورتان الكرماني اختلف في الراجحة منهما، والجوهري اقتصر على الكسر، والمجد قدمه الأندلسي السبتي البصير بالحديث المعتنى به ذو الحظ الوافر من اللغة والمشاركة في العربية صاحب التصانيف وطن مصر وأدب الملك الكامل ودرس بدار الحديث الكاملية، مات رابع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستائة عن نيف وثمانين سنة.
"أجمع العلماء، والإجماع حجة" لعصمة الأمة عن الخطأ؛ لقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" "على أن رسول الله ﷺ إنما انتسب إلى عدنان ولم يتجاوزه. ا. هـ. ولله در القائل: ونسبة عز هاشم من أصولها، ومحتدها" بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الفوقية أصلها؛ كما في القاموس.стр. 150
......................... ... ...... المرضي أكرم محتد
سميت رتبة علياء أعظم بقدرها ... ولم تسم إلا بالنبي محمد
ويرحم الله القائل:
وكم أب قد علا بابن ذوي شرف ... كما علا برسول الله عدنان
وعن ابن عباس أنه ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان، ثم يمسك ويقول: كذب النسابون مرتين أو ثلاثًا، رواه في مسند الفردوس. لكن قال السهيلي: الأصح في هذا الحديث أنه من قول ابن مسعود.
الحواشي
(١) "المرضى أكرم محتد" كمجلس "سميت" بفتحتين مخفف الميم ارتفعت "رتبة" تمييز محول عن الفاعل، أي: منزلة، "علياء" أي: مرتفعة، وفي القاموس: العلياء كل ما علا من شيء، فالمعنى ارتفعت منزلة هذه النسبة المرتفعة، فكأنه قال: زادت رفعة، "أعظم بقدرها" فعل تعجب، أي: ما أعظم قدرها، "و" الحال أنها "لم تسم إلا بالنبي محمد" أي: بوجوده فيها، "ويرحم الله القائل" غاير تفننًا وكراهة لتوارد الألفاظ، وهو أبو العباس علي بن الروم:
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمري ولكن منه شيبان
"وكم أب قد علا بابن ذوي شرف ... كما علا برسول الله عدنان"
ذرى بضم الذال المعجمة وخفة الراء المهملة، أي: أعالي شرف الواحدة ذروة بكسر الذال وضمها وأنشده المغني بلفظ: ذرى حسب لكن شرف أنسب، كما لا يخفى. قال ابن عصفور، يريد أن المتقدم قد يأتيه الشرف من جهة المتأخر.
"وعن ابن عباس: أنه ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز" من انتسابه "معد بن عدنان، ثم يمسك" توطئة لقوله: "ويقول: كذب النسابون" بقولها: "مرتين أو ثلاثًا" شك من الراوي، "رواه في مسند الفردوس" بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب والفردوس للإمام عماد الإسلام أبي شجاع الديلمي ألفه محذوف الأسانيد مرتبًا على الحرف ليسهل حفظه، وعلم بإزائها بالحروف للمخرقين ومسنده لولده الحافظ أبي منصور شهردار بن شهرويه المتوفى سنة تسع وخمسمائة، خرج سند كل حديث تحته، وكذا رواه ابن سعد في الطبقات.
"لكن قال السهيلي: الأصح في هذا الحديث" المروي مرفوعًا "أنه من قول" عبد الله "بن مسعود" بن غافل بمعجمة وفاء قديم الإسلام أحد القراء هاجر الهجرتين وصلى للقبلتين وشهد بدرًا والحديبية وجمع القرآن على العهد النووي، وشهد له المصطفى بالجنة مات سنة اثنتينстр. 151
وقال غيره: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] قال: كذب النسابون، يعني أنهم يدعون علم الأنساب ونفى الله علمها عن العباد.
وروي عن عمر أنه قال: إنما ينسب إلى عدنان وما فوق ذلك لا يدرى ما هو.
وعن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون.
الحواشي
(١) وثلاثين، وقد جاوز الستين وصلى عليه عثمان ودفن بالبقيع، "وقال غيره: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ﴾ خبر ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ﴾ قوم هود ﴿وَثَمُودَ﴾ قوم صالح ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] لكثرتهم "قال" احتجاجًا "كذب النسابون يعني" ابن مسعود بذلك "أنهم يدعون علم الأنساب، ونفى الله علمها عن العباد" بقوله: ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] ، "وروي عن عمر" بن الخطاب القرشي العدوي أمير المؤمنين، وعند ابن إسحاق أنه ﷺ كناه أبا حفص، وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، عن عمرو بن سعد، عن عائشة أن النبي ﷺ لقبه بالفاروق، وقال الزهري: لقبه به أهل الكتاب، رواه ابن سعد، وقيل: جبريل، ورواه البغوي.
وفي البخاري عن ابن مسعود: "ما زلنا أعزة"، أي في الدين "منذ أسلم عمر". "أنه قال: إنما ينسب" بتحتية فنون النب ﷺ أو بنونين، أي: معاشر قريش، "إلى عدنان وما فوق ذلك" من عدنان إلى إسماعيل، ومن إبراهيم إلى آدم "لا يدرى" بباء ونون "ما هو" أي: ما عدته، أو ما اسمه، وكلام الحافظين اليعمري والعسقلاني والمصنف وغيرهم صريح في ثبوت الخلاف فيمن بين إبراهيم وآدم، فلا عبرة بمن نفاه، وقال: إنه ثابت بلا خلاف ولفظ سيرة العسقلاني اختلف فيما بين عدنان وإسماعيل اختلافا كثيرًا، ومن إسماعيل إلى آدم متفق على أكثره وفيه خلف يسير في عدد الآباء، وفيه خلف أيضًا من ضبط بعض الأسماء، انتهى. ومن خطه نقلت، وقد التزم فيها الاقتصار على الأصح فلا يصح زعم أن الخلاف ضعيف جدًا لم يعتد به من نفاه، بمجرد تجويز عقلي.
"وعن ابن عباس بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبًا لا يعرفون" بأسمائهم، فلا ينافي قوله: ثلاثون، وقيل: بينهما أربعة أو سبعة أو ثمانية أو تسعة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرون أو ثمانية وثلاثون أو تسعة وثلاثون أو أربعون أو واحد وأربعون أو غير ذلك أقوال.стр. 152
وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدًا يعرف بعد معد بن عدنان.
وسئل مالك عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم، فكره ذلك، وقال من أخبره بذلك؟ وكذا روي عنه في رفع نسب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فالذي ينبغي لنا، الإعراض عما فوق عدنان، لما فيه من التخليط والتغيير للألفاظ، وعواصة تلك الأسماء، مع قلة الفائدة.
وقد ذكر الحافظ أبو سعيد النيسابوري..................................
الحواشي
(١) "وقال عروة بن الزبير" بن العوام القرشي الأسدي المدني التابعي الكبير أحد فقهاء المدينة السبعة الحافظ، المتوفى سنة أربع وسبعين وقيل غير ذلك. "وما وجدنا أحدًا يعرف بعد معد بن عدنان" هذا لا ينافي وجدان غيره من يعرف ذلك، "وسئل مالك" بن أنس بن مالك أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد الله المدني عالم المدينة نجم الأثر العابد الزاهد الورع إمام المتقين وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر، روى الترمذي وحسنه واللفظ له، والحاكم وصححه والنسائي عن أبي هريرة رفعه: "يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم، فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة"، قال النووي: قال سفيان ابن عيينة: هو مالك بن أنس. وفي الحلية: عن مالك: ما بت ليلة إلا رأيت فيها رسول الله ﷺ ، توفي سنة تسع وسبعين ومائة.
أفرد مناقبه بالتأليف جمع من العلماء؛ كالدينوري وعياض والذهبي وغيرهم. "عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم، فكره ذلك" قيل له: فإلى إسماعيل، فكره ذلك أيضًا، "وقال" على سبيل الإنكار، "من أخبره بذلك" حتى يعتمد عليه، "وكذا روي عنه" أنه كره ذلك "في رفع نسب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" إلى آدم، قال السهيلي: وقع هذا الكلام لمالك في الكتاب الكبير المنسوب إلى المعيطي وإنما أصله لعبد الله بن محمد بن جبير وتممه المعيطي فنسب إليه، وإذا كان كذلك، "فالذي ينبغي لنا الإعراض عما فوق عدنان لما فيه من التخلي والتغيير للألفاظ، وعواصة" بعين وصاد مهملتين، أي: صعوبة؛ كما في القاموس.
"تلك الأسماء مع قلة الفائدة" في ذكرها "وقد ذكر الحافظ أبو سعيد" عبد الرحمن بن الحسن الأصبهاني الأصل "النيسابوري" بفتح النون نسبة إلى نيسابور أشهر مدن خراسان صاحب المسند وكتاب شرف المصطفى الثقة المتوفى سنة سبع وثلاثمائة، وقلد المصنف في قوله أبو سعيد بالياء السهيلي، وقد تعقبه مغلطاي بأنه: إنما هو سعد بسكون العين، انتهى، وكذا قال صاحب رونق الألفاظ، وقال: إن الذهبي ذكره، أي: بوصف الحافظ في تاريخه وأغفله من طبقات الحافظ.стр. 153
عن أبي بكر بن أبي مريم عن سعد بن عمرو الأنصاري عن أبيه عن كعب الأحبار: أن نور النبي ﷺ لما صار إلى عبد المطلب وأدرك، نام يومًا في الحجر فانتبه مكحولًا مدهونًا، قد كسي حلة البهاء والجمال، فبقي متحيرًا لا يدري من فعل به ذلك، فأخذه أبوه بيده ثم انطلق به إلى كهنة قريش فأخبرهم بذلك، فقالوا له: اعلم أن إله السماوات قد أذن لهذا الغلام أن يتزوج، فزوجه قيلة فولدت له الحارث ثم ماتت، فزوجه بعدها هند بنت عمرو...........................
الحواشي
(١) "عن أبي بكر" اسمه بكير، وقيل: عبد السلام، "بن أبي مريم" نسبة لجده للشهرة، واسم أبيه عبد الله الغساني عن خالد بن معدان ومكحول وعنه ابن المبارك وأبو اليمان، قال الذهبي: ضعفوه له علم وديانة، توفي سنة ست وخمسين ومائة، وقال العراقي: ضعفه غير واحد، وسرق له حلي فأنكر عقله ولم يتهمه أحد بكذب.
"عن سعد بن عمرو" ابن شرحبيل "الأنصاري" السعدي من ذرية سعد بن عبادة ثقة، روى عنه مالك والدراوري "عن أبيه" عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي مقبول، روى عنه ابنه "عن كعب الأحبار" أي: ملجأ العلماء الحميري، "أن نور النبي ﷺ لما صار" أي: انتقل، "إلى عبد المطلب وأدرك" أي: بلغ "نام يومًا" أي: في يوم "في الحجر، فانتبه" حال كونه: "مكحولا مدهونًا قد كسي حلة البهاء والجمال، فبقي متحيرًا لا يدري من فعل به ذلك، فأخذه أبوه بيده" أي: عمه المطلب إذ العرب تسمي العم أبا حقيقة أو على التشبيه لقيامه مقامه في تربيته فلا يرد ما مر عن الفتح وغيره من موت أبيه بغزة وهو حمل، أو بمكة على أثر ولادته على ما حكى المصنف، "ثم انطلق به إلى كهنة قريش" قال عياض: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب أحدها أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترق من السمع عن السماء، وهذا بطل حين البعثة الثاني أن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما، ولا استحالة ولا بعد في وجودهما الثالث المنجمون وهذا الضرب يخلق الله فيه لبعض الناس قوة ما، لكن الكذب فيه أغلب ومنه العرافة وصاحبها عراف، وقد نهى الشارع عن تصديقهم كلهم والإتيان لهم، "فأخبرهم بذلك، فقالوا له: اعلم أن إله السماوات قد أذن لهذا الغلام أن يتزوج، فزوجه قيلة" بفتح القاف وسكون التحتية فلام فهاء، "فولدت له الحارث" لا ينافي هذا ما في المقصد الثاني للمصنف كالسبل، والخميس من أن أم الحارث صفية بنت جندب لجواز أنه اسمها، وقيلة لقبها "ثم ماتت، فزوجه بعدها هند بنت عمرو" الظاهر: أن هند تحريف صوابه فاطمة، فقد نقل الخميس أن زوجات عبد المطلب خمس: صفيةстр. 154
وكان عبد المطلب يفوح منه رائحة المسك الأذفر، ونور رسول الله ﷺ يضيء في غرته، وكانت قريش إذا أصابها قحط شديد تأخذ بيد عبد المطلب فتخرج به إلى جبل ثبير فيتقربون به إلى الله، ويسألونه أن يسقيهم الغيث، فكان يغيثهم ويسقيهم ببركة نور رسول الله ﷺ غيثًا عظيمًا.
الحواشي
(١) بنت جندب من بني عامر بن صعصعة، ونثيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر، وهالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وآمنة بنت هاجر الخزاعي، وفاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمرو ابن مخزوم أمهرها مائة ناقة كومًا وعشرة أواق من ذهب، فولدت له أولادًا منهم عبد الله والده ﷺ فهي مخزومية وجدة أولى للمصطفى، ذكره ابن قتيبة في المعارف ونحوه في المقصد الثاني.
"وكان عبد المطلب يفوح منه رائحة المسك" بكسر الميم والمشهور أنه دم يتجمد في خارج سرة ظباء معينة في أماكن مخصوصة وينقلب بحكمة الحكيم أطيب الطيب، "الأذفر" بذال معجمة، أي: المذكى ويطلق على النتن وليس مرادًا هنا، وبالمهملة خاص بالنتن؛ كما في المختار. "وكان نور رسول الله ﷺ يضيء في غرته" أي: جبهته بينًا واضحًا، "وكانت قريش إذا أصابها قحط شديد تأخذ بيد عبد المطلب فتخرج به إلى جبل ثبير" بمثلثة فموحدة، كأمير "فيتقربون به إلى الله" لما جربوه من قضاء الحوائج على يده ببركة نوره ﷺ ، ولما جعله الله فيه من مخالفة ما كان عليه الجاهلية بإلهام من الله، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات الأمور، ويؤثر عنه سنن جاء بها القرآن والسنة كالوفاء بالنذر، والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموءودة وتحريم الخمر والزنا، وأن لا يطوف بالبيت عريان، حكاه سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان.
"ويسألونه أن يسقيهم الغيث" المطر، "فكان" الله "يغيثهم ويسقيهم ببركة نور رسول الله" الكائن في غرة جده " ﷺ غيثًا عظيمًا" أو ببركة وجوده نفسه بعد ولادته، فإن عبد المطلب كان يخرج به. روى البلاذري وابن سعد عن مخرمة بن نوفل الزهري الصحابي، قال: سمعت أمي رقيقة بنت أبي صفي بن هاشم بن عبد مناف، تقول: تتابعت عن قريش سنون ذهبن بالأموال وأشقين على الأنفس، قالت: فسمعت قائلا يقول في المنام: يا معشر قريش، إن هذا النبي المبعوث منكم، وهذا أبان خروجه وبه يأتيكم الحيا والخصب، فانظروا رجلا من أوسطكم نسبًا، طوالا عظامًا، أبيض مقرون الحاجبين، أهدب الأشفار، جعد، أسيل الخدين، رقيق العرنين، فليخرج هو وجميع ولده، وليخرج منكم من كل بطن رجل فتطهروا وتطيبوا، ثم استلموا الركن، ثم ارقوا إلى رأس أبي قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستقي وتؤمنون فإنكم ستسقون، فأصبحتстр. 155
" عام الفيل وقصة أبرهة ":
الحواشي
(١) فقصت رؤياها عليهم فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب، فاجتمعوا إليه وأخرجوا من كل بطن منهم رجلا وفعلوا ما أمرتهم به، ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي ﷺ وهو غلام فتقدم عبد المطلب، وقال لهم: هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك وإماؤك وبنو إمائك، وقد نزل بنا ما ترى وتتابعت علينا هذه السنون، فذهبت بالظلف والخف وأشقت على الأنفس، فاذهب عنا الجدب، وائتنا بالحيا والخصب، فما برحوا حتى سالت الأودية، وبرسول الله ﷺ سقوا، فقالت رقيقة:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر
فجاد بالماء جوني له سبل ... دان فعاشت به الأنعام والشجر
منا من الله بالميمون طائره ... وخير من بشرت يومًا به مضر
مبارك الأمر يستسقى الغمام به ... ما في الأنام عدل ولا خطر
اجلوذ بجيم ساكنة فلام مفتوحة فواو مشددة فذال معجمة: امتدت وقت تأخره وانقطاعه. وجوني بفتح الجيم وسكون الواو فنون فتحتية مشددة: مطر هاطل، وسبل بفتح السين والموحدة وباللام: المطر. وبشرت بالبناء للفاعل.
قصة الفيل:
أورد المصنف منها طرفًا تنبيهًا على أن دفعهم من أجل النعم على قريش ببركته ﷺ على يد جده، وحاصلها: أنه لما كان المحرم والنبي ﷺ حمل في بطن أمه على الصحيح، حضر أبرهة بن الصباح الأشرم يريد هدم الكعبة؛ لأنه لما غلب على اليمن وملكها من قبل النجاشي، رأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج، فقال: أين يذهبون؟ فقيل: يحجون بيت الله بمكة، قال: وما هو؟ قيل: من الحجارة، قال: وما كسوته؟ قيل: ما يأتي من هنا من الوصائل، فقال: والمسيح لأبنين لكم خيرًا منه، فبنى لهم كنيسة بصنعاء بالرخام الأبيض والأصفر والأحمر والأسود، وحلاها بالذهب والفضة وأنواع الجواهر، وأذل أهل اليمن على بنائها وكلفهم فيها أنواعًا من الشجر ونقل لها الرخام المجزع والحجارة المنقشة بالذهب والفضة من قصر بلقيس، وكان على فرسخ من موضعها ونصب فيها صلبانًا من ذهب وفضة ومنابر من عاج وأبنوس وغيره، وكان يشرف منها على عدن لارتفاع بنائها وعلوها، ولذا سماها القليس -بضم القاف- وفتح اللام مشددة ومخففة فتحتية ساكنة فسين مهملة، أو بفتح القاف وكسر اللام؛ لأن الناظر لها تسقط قلنسوته عن رأسه، وقيل: إنما سماها بذلك العرب فيحتمل أنهم تبعوه، واحتمال عكسهстр. 156
...............................................................................
الحواشي
(١) بعيد إذا لا تطيب نفسه بتبعيتهم في تسمية ما بناه افتخارًا عليهم، فلما أراد صرف الحج إليها كتب للنجاشي: إني بنيت كنسية باسم الملك لم يكن مثلها قبلها، أريد صرف حج العرب إليها وأمنع الناس من الذهاب لمكة، فلما اشتهر الخبر عند العرب خرج رجل من كنانة مغضبًا فتغوط فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأغضبه ذلك؛ هذا قول ابن عباس.
وقيل: أججت فتية من العرب نارًا وكان في عمارة القليس خشب مموه فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمن الكعبة، وهو قول مقاتل. وقيل: كان نفيل الخثعمي يتعرض لأبرهة بالمكروه فأمهله حتى إذا كانت ليلة من الليالي لم ير أحدًا يتحرك فجاء بعذرة فلطخ بها قبلتها، وجمع جيفًا فألقاها فيها فأخبر بذلك فغضب غضبًا شديدًا وحلف لينقضن الكعبة حجرًا حجرًا، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك وسأله أن يبعث إليه فيله محمودًا، فلما قدم الفيل إليه خرج في ستين ألفًا.
وفي سيرة ابن هشام: فلما سمعت العرب بخروجه قطعوه ورأوا جهاده حقًا عليهم، فخرج إليه رجل من ملوك اليمن يقال له: ذو نفر وهو بنون ففاء فراء، فقاتله فهزم هو وأصحابه وأتي به أسيرًا فأراد قتله ثم تركه وحبسه عنده في وثاق ثم مضى، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلته ومن تبعه من العرب فقاتله، فهزم وأخذ نفيل أسيرًا فهم بقتله، فقال: لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، فتركه وخرج به يدله حتى إذا مر على الطائف خرج مسعود بن معتب الثقفي في رجال ثقيف، فقالوا: أيها لملك، إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ولست تريد هذا البيت -يعنون بيت اللات- إنما تريد الذي بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبا رغال فخرج حتى إذا بلغ المغمس بطريق الطائف مات أبو رغال فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم إلى اليوم، ثم أرسل أبرهة خيلا له إلى مكة فأخذت إبلا لعبد المطلب فذهب له فردها عليه، ثم انصرف إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة إلى الجبال والشعاب، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، ومعه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب:
لا هم أن المرء يمـ ... ـنع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدًا محالك
وزاد بعضهم، بعد البيت الثاني:
جروا جميع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالكстр. 157
ولما قدم أبرهة ملك اليمن من قِبَل أصحمة النجاشي..................
الحواشي
(١) عمدوا حماك بكيدهم ... جهلًا وما رقبوا جلالك
وأنشد ابن هشام البيت الأول والثالث فقط، وقال: هذا ما صح عندي له منها، ثم أرسل حلقة الباب وانطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال ينظرون ما أبرهة فاعل بمكة، فمنعه الله من دخولها؛ كما يجيء. وقيل: لم يخرج عبد المطلب من مكة بل أقام بها، وقال: لا أبرح حتى يقضي الله قضاءه، ثم صعد هو وأبو مسعود الثقفي على مكان عال لينظر ما يقع، وأبو رغال بكسر الراء وخفة المعجمة واللام وحكمة تقبيح حاله وإظهار شناعة أمره حتى صار يرجم بعد موته دون نفيل أنه إنما جعل نفسه دليله وقاية من القتل؛ فكان كالمكره على ذلك بخلاف أبي رغال، فإن قومه تلقوا أبرهة بالسلم واختاروه دليلا، وقول الشارح دون ذي نفر ونفيله سبق قلم، فما كان ذو نفر دليلا إنما كان أسيرًا معه في الوثاق، كما تلي عليك.
"ولما قدم أبرهة" بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الهاء، "ملك اليمن" بكسر اللام بدل من أبرهة "من قبل" بكسر القاف وفتح الموحدة جهة، "أصحمة" بوزن أربعة وحاؤه مهملة، وقيل معجمة، وقيل: بموحدة بدل الميم، وقيل: صحمة بغير ألف، وقيل كذلك لكن بتقديم الميم على الصاد، وقيل: بميم في أوله بدل الألف عن ابن إسحاق في المستدرك للحاكم، والمعروف عن ابن إسحاق الأل ويتحصل من هذا الخلاف في اسمه ستة ألفاظ، لم أرها مجموعة.
"النجاشي" بفتح النون على المشهور، وقيل: تكسر عن ثعلب وتخفيف الجيم، وأخطأ من شددها وتشديد آخره. وحكى المطرزي التخفيف، ورجحه الصغاني، قاله في الإصابة. وفي قوله: على المشهور رد للثاني من قول القاموس تكسر نونه أو هو الأفصح، قيل: أصحمة هذا ومعناه بالعربية، عطية، كما قاله ابن قتيبة وغيره: جد النجاشي الذي كان في حياة النبي ﷺ ، وسبب ولايته اليمن أن بعض أهلها من أصحاب الأخدود لما أكثر القتل فيهم ملكهم وهو ذو نواس آخر ملوك اليمن من حمير فر إلى قيصر ملك الشام يستغيث به، فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة ليغيثه، فأرسل معه أميرين أرياط وأبرهة بجيش عظيم فدخلوا اليمن وقتلوا ملكه واستولوا عليه، ثم اختلفا وتقاتلا فقتل أرياط بعد أن شرم أنف أبرهة وحاجبه وعينه وشفته، فبذلك سمي الأشرم فداوى جراحه فبرئ، واستقل بالملك فبلغ النجاشي فغضب وأراد البطش به فترفق له أبرهة وتحيل بإرسال تحف حتى رضي عنه، وأقره في قصة طويلة عند ابن إسحاق هذا، حاصلها: وفي حواشي البيضاوي للسيوطي: قال الطيبي: سمي الأشرم؛ لأن أباه ضربه بحربة فشرم أنفه وجبينه، انتهى. وكذا جزم به الأنصاري، دون عز وللطيبي، لكن معلوم أن ابن إسحاق مقدم على الطيبي في مثل هذا.стр. 158
لهدم بيت الله الحرام، وبلغ عبد المطلب ذلك، فقال: يا معشر قريش، لا يصل إلى هدم البيت، لأن لهذا البيت ربًا يحميه ويحفظه.
ثم جاء أبرهة فاستاق إبل قريش وغنمها، وكان لعبد المطلب فيها أربعمائة ناقة.
فركب عبد المطلب في قريش حتى طلع جبل ثبير، فاستدارت دارة غرة رسول الله ﷺ ........................
الحواشي
(١) "لهدم بيت الله الحرام" غضبًا من تغوط الكناني بكنيسته وتلطيخ الخثعمي قبلتها بالعذرة وإلقاء الجيف فيها واحتراقها بنار أججها بعض العرب، فحلف ليهدمن الكعبة، فهدمه الله وملكه. "وبلغ عبد المطلب ذلك، فقال: يا معشر قريش" لا تفزعوا؛ لأنه "لا يصل إلى هدم البيت، لأن لهذا البيت ربًا يحميه" بفتح أوله يدفع عنه من يريد فسادًا كأبرهة، "ويحفظه" بفعل ما هو سبب في بقائه؛ كعمارته، وهذا أولى من جعل يحفظه عطف تفسير. "ثم جاء أبرهة" أي: رسوله؛ كبني الأمير المدينة، فعند ابن إسحاق فلما نزل أبرهة المغمس أمر رجلا من الحبشة، يقال له الأسود بن مفصود بفاء وصاد مهملة على خيل له وأمره بالغارة فمضى حتى انتهى إلى مكة، فساق أموال تهامة وغيرها من قريش وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، "فاستاق" أبرهة، أي: رسوله، "إبل قريش وغنمها".
قال ابن إسحاق: فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوه، "وكان لعبد المطلب فيها أربعمائة ناقة" ظاهره: أن الكل إناث، والظاهر: أن فيها ذكورًا فغلبت الإناث لكثرتها، ثم هو مخالف لما عند ابن إسحاق وتبعه ابن هشام، وجزم به البغوي واليعمري والدميري والشامي من قولهم: فأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب، فيجوز أن الخاص به مائتان وباقيها لبعض خواصه، فنسبت إليه والبعير يقع على الذكر والأنثى فلا مخالفة، ولم يذكر المصنف كغيره الغنم، فيجوز أن عبد المطلب لم يكن له غنم أوله، ولم تذكر لخستها بالنسبة للإبل، "فركب عبد المطلب في قريش، حتى طلع بل ثبير" بمثلثة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية، جبل بمكة، "فاستدارت دارة غرة" بضم الغين المعجمة، أي: بياض، أي: نور "رسول الله ﷺ " وفي المختار: الغرة بالضم: بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، وفي المصباح: الدارة دارة القمر وغيره، سميت بذلك لاستدارتها، فالمعنى، هنا: فحصلت دارة غرة المصطفى على سبيل التجريد، وإلا فالدارة هي المحيطة بالغرة فلا يصح إسناد الفعل لها؛ لاقتضائه تعلق الاستدارة بالدارة، ولا يصح.стр. 159
على جبهته كالهلال واشتد شعاعها على البيت الحرام مثل السراج، فلما نظر عبد المطلب إلى ذلك قال: يا معشر قريش: ارجعوا فقد كفيتم هذا الأمر، فوالله ما استدار هذا النور مني إلا أن يكون الظفر لنا، فرجعوا متفرقين.
ثم إن أبرهة أرسل رجلا من قومه ليهزم الجيش، فلما دخل مكة ونظر إلى وجه عبد المطلب خضع وتلجلج لسانه وخر مغشيًا عليه، فكان يخور كما يخور الثور عند ذبحه، فلما أفاق خر ساجدًا لعبد المطلب، وقال: أشهد أنك سيد قريش حقًا.
الحواشي
(١) "على جبهته" متعلق باستدارت، وفي نسخة: على جبينه "كالهلال" وجعلت على جبينه؛ لأن الغرة في الجبهة والدائرة حولها إذا وجدت تكون نازلة عن الغر بالجنبين المحيطين بالجبهة، "واشتد شعاعها" حتى صار "على البيت الحرام مثل السراج" أي: الشمس مجازًا على مقتضى البيضاوي وحقيقة على مقتضى قول القاموس: السراج معروف والشمس، "فلما نظر" أي: أبصر "عبد المطلب إلى ذلك" أي: استدارة النور في جبهته، وكونه على البيت مثل السراج ولا يشكل بأن الشخص لا يبصر جبهته؛ لأنه لما استدار كالهلال أبصر شعاعه وعلم استدارته من أحواله السابقة، ويحتمل قصر اسم الإشارة على الشعاع وأخبر عنه بالاستدارة لعله من الحاضرين، أو من سابق أحواله أنه متى وجد مستديرًا، "قال: يا معشر قريش، ارجعوا" فرحين مستبشرين "فقد كفيتم هذا الأمر، فوالله ما استدار هذا النور مني إلا" كان سببًا وعلامة على "أن يكون الظفر لنا" وأقسم عليه لوثوقه به بناء على ما اعتاده قبل، أو لرؤيته على هذه الصورة الزائدة الإشراق غلب على ظنه، فحلف "فرجعوا متفرقين، ثم إن أبرهة أرسل" إلى مكة "رجلا من قومه" هو حناطة -بحاء مهملة مضمومة ونون وطاء مهملة- الحميري، "ليهزم الجيش" أي: يكون سببًا في هزمه بإدخال الرعب على قريش، أو سماهم جيشًا وإن لم ينصبوا القتال، ومر أنه لما جاء رسوله وساق الإبل همت طائفة بقتاله ثم تركوا لعدم طاقتهم له، فيجوز أن من نقل أن عبد المطلب جهز جيشًا لحرب أبرهة أراد هذا، "فلما دخل مكة ونظر إلى وجه عبد المطلب خضع" أي: ذل "وتلجلج" بلامين وجيمين: تردد "لسانه" في الكلام لعجزه "وخر مغشيًا عليه، فكان" أي: صار "يخور" يصوت؛ "كما يخور الثور عند ذبحه" تشبيه لبيان صفة فعله من الصياح واحترز به عن صوت غيره، ففي القاموس: الخوار بالضم: صوت البقر والغنم والظباء والبهائم، "فلما أفاق خر ساجدًا لعبد المطلب" أي: وضع جبهته على الأرض؛ كدأبهم في التعظيم وتجويز غير هذا في ذا المقام عجيب، "وقال: أشهد أنك سيد قريش حقًا" وعند ابن إسحاق:стр. 160
وروي: أنه لما حضر عبد المطلب عند أبرهة أمر سائس فيله الأكبر الأبيض العظيم الذي كان لا يسجد للملك أبرهة كما تسجد سائر الفيلة..................
الحواشي
(١) بعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وقال له: اسأل عن سيد أهل البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول: لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربًا فائتني به، فدخل فسأل، فقيل له: عبد المطلب، فقال ما أمره به أبرهة، فقال عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه، قال حناطة: فانطلق إليه، فإنه أمرني أن آتيه بك، فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه فتكلم أنيس سائس فيل أبرهة، فقال: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عزة مكة ويطعم الناس في السهل والوحوش والطير في رؤوس الجبال، فأذن له أبرهة وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم فعظم في عين أبرهة فأجله وأكرمه عن أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، فنزل عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فقال له: حاجتي أن يرد الملك علي مائتي بعير أصابها، فقال لترجمانه: قل له: كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك أتكلمني في مائتي بعير وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه، فقال عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًا سيمنعه، قال ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك، فرد عليه إبله، زاد ابن الكلبي: فقلدها وأشعرها وجللها وجعلها هديًا للبيت وبثها في الحرم، انتهى. وانصرف إلى قريش وأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفًا عليهم من معرة الحبشة، انتهى.
فظاهر هذا السياق: أن حناطة لم يأت لهزم جيش؛ كما ساق المصنف، بل مخبرًا بمراد أبرهة وطريق الجمع حمله على التسبب، كما مر. وأنه لما شاهد شيبة الحمد حصل له ما ذكر المؤلف، ثم لما أفاق أخبره بمراد أبرهة، قال ابن هشام: وكان فيما يزعم بعض أهل العلم قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة حناطة بن عمرو بن نباتة بن عدي بن الديل بن بكر بن كنانة، وهو يومئذ سيد بني بكر وخويلد بن واثلة الهزلي وهو يومئذ سيد هزيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى؛ فالله أعلم كان ذلك أم لا.
"وروي أنه لما حضر عبد المطلب عند أبرهة أمر سائس فيله" هو أنيس بضم الهمزة وفتح النون وسكون المثناة التحتية، "الأكبر الأبيض العظيم" بالجر صفات فيله، "الذي كان لا يسجد للملك أبرهة، كما تسجد سائر" أي: باقي "الفيلة" جمع فيل، ويجمع أيضًا على أفيالстр. 161
أن يحضره بين يديه، فلما نظر الفيل إلى وجه عبد المطلب، برك كما يبرك البعير، وخر ساجدًا، وأنطق الله تعالى الفيل، فقال: السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب، كذا في النطق المفهوم.
ولما دخل جيش أبرهة.................................
الحواشي
(١) وفيول؛ كما في القاموس. "أن يحضره بين يديه" ليرهب به شيبة الحمد أو لعلمه من أخبارهم أو كهانهم أن الفيل يهابه، وينطق له، فأحضره، "فلما نظر الفيل إلى وجه عبد المطلب برك، كما يبرك البعير" قال السهيلي: فيه نظر؛ لأن الفيل لا يبرك، فيحتمل أن بروكه سقوطه إلى الأرض، ويحتمل أنه فَعَل فِعْل البارك الذي يلزم موضعه ولا يبرح، فعبر بالبارك عن ذلك، وسمعت من يقول في الفيل صنف يبرك، كما يبرك الجمل، فإن صح وإلا فتأويله ما قدمناه، انتهى.
"وخر ساجدًا" وفي الدر المنظم: فتعجب أبرهة من ذلك، ودعا بالسحرة والكهان فسألهم عن ذلك، فقالوا: إنه لم يسجد له وإنما سجد للنور الذي بين عينيه، "وأنطق الله تعالى الفيل فقال: السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب" ألهم الفيل أن أصله في ظهره فلم يقل بين عينيك؛ لأنه فاض مما في ظهره، فنوره ﷺ حين صار إلى جده فاض حتى ظهر في جبهته مع بقائه في ظهره. وأما السحرة والكهان فنظروا للمشاهد إذ لم يلهموا، وهذا والله أعلم إنما يأتي على القول المردود الموهون: أن ولادته ﷺ بعد الفيل بأربعين أو بخمسين سنة، ولذا ساقه المصنف بصيغة التمريض وتبرأ منه، بقوله: "كذا في" كتاب "النطق المفهوم" لابن طغربك.
وقول الخميس: كان عبد الله موجودًا؛ فالنور منتقل إليه مبني على أن ولادة المصطفى بعد الفيل بسنتين، فأما على المشهور من أنه كان حملا في بطن أمه فشكل؛ لأن النور انتقل إلى آمنة وأجيب بأن الله أحدث في عبد المطلب نورًا يحاكي ذلك النور المستقر في آمنة مع زيادة حتى صار في جبهته؛ كالشمس، وبنور آخر وجده في صلبه وأطلع عليه الفيل فسجد إكرامًا له؛ كما يدل عليه سياق القصة حين احتاج إلى كرامة تخلصه وماله من الجبابرة، وبأن النور لم ينتقل كله بل انتقل ما هو مادة المصطفى وبقي أثره في صلب أصوله تشريفًا لهم، وما رآه أبرهة والفيل منه غايته أن زاد إشراقه علامة على ظفرهم وذلك من إرهاصته ﷺ إعزازًا لقومه.
قلت: الأول أظهر، فإن ظاهر كلامهم أن النور ينتقل كله، ألا ترى قصة التي عرضت نفسها على الأب الشريف.
"ولما دخل جيش أبرهة" المغمس بضم الميم وفتح الغين المعجمة وفتح الميم الثانية مشددة وبكسرها، قال في الروض عن ابن دريد وغيره، وهو أصح، وهو على ثلثي فرسخ من مكة، انتهى. وفي القاموس: المغمس كمعظم ومحدث: موضع بطريق الطائف، فظاهره تساويстр. 162
ومعهم الفيل لهدم الكعبة الشريفة برك الفيل: فضربوه في رأسه ضربًا شديدًا ليقوم فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام.
الحواشي
(١) اللغتين، فاقتصار الشامي على الثاني مراعاة لمن صححه، "ومعهم الفيل" محمود وكنيته أبو العباس، حكاه السمرقندي، وقيل: أبو الحجاج، وقدمه الدميري في منظومته؛ فقال:
وفيلهم محمود دليل داجي ... وكان يكنى بأبي الحجاج
وقال قوم بأبي العباس ... وكان معروفًا بعظم الباس
وظاهره: أنهم لم يكن معهم سواه، وهو ما نقله الماوردي عن الأكثر، ويقال: كان معهم ثلاثة عشر فيلا هلكت كلها، حكاه ابن جرير، وجزم به في الروض. وعن الضحاك: ثمانية أفيلة حكاهما البغوي وقال: إنما وجد في الآية؛ لأنه نسبهم إلى الفيل الأعظم، وقيل: لو فاق رؤوس الآي ونقل، أعني البغوي عن الواقدي أن محمودًا نجا لكونه ربض ولم يتجرأ على الحرم، انتهى. فقول ابن جرير: هلكت كلها يريد إلا محمودًا، وقيل: كان معهم ألف فيل، حكاهما الخميس.
"لهدم الكعبة الشريفة" قال بعضهم: بأن تجعل السلاسل في أركان البيت وتوضع في عنق الفيل ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة، وقال مقاتل: كان القصد أن يجعل الفيل مكان الكعبة ليعبد ويعظم كتعظيمها، وهو بعيد من السياق. "برك" بفتح الراء "الفيل" وعند ابن إسحاق فأصبح أبرهة متهيئًا لدخول مكة وهيأ فيله محمودًا وعبأ جيشه وأجمع على هدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب، كذا عند ابن هشام.
وقال السهيلي: عن البرقي كيونس عن ابن إسحاق: نفيل بن عبد الله بن جزي بن عامر بن مالك حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه، فقال له: ابرك محمودًا وارجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه فبرك الفيل فضربوه ليقوم، فأبى "فضربوه في رأسه ضربًا شديدًا ليقوم، فأبى" نحوه قول ابن إسحاق: فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم، فأبى الطبرزين، بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وسكونها: آلة عوجاء من حديد, والمحاجن جمع محجن: عصا معوجة وقد يجعل في طرفها حديد. والمراق: أسفل البطن. وبزغوه، بفتح الموحدة وزاي مشددة فغين معجمة: شرطوه بحديد المحاجن "فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام" قال ابن إسحاق: يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، قال أمية بن أبي الصلت:
إن آيات ربنا بينات ... ما يماري بهن إلا الكفورстр. 163
ثم أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل من البحر، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، حجر في منقره وحجران في رجليه كأمثال العدس، لا تصيب أحدًا منهم إلا أهلكته، فخرجوا هاربين........................
الحواشي
(١) جلس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور
وفي معاني القرآن للزجاج: لم تسر دوابهم نحو البيت، فإذا عطفوها راجعين سارت, وفي رواية يونس عن ابن إسحاق، كما في الروض: أن الفيل ربض، فجعلوا يقسمون بالله أنهم رادوه إلى اليمن فيحرك لهم أذنيه، كأنه يأخذ عليهم عهدًا، فإذا أقسموا له قام يهرول فيردونه إلى مكة فيربض فيحلفون له فيحرك أذنيه كالمؤكد عليهم القسم، ففعلوا ذلك مرارًا. "ثم" بعد بروك الفيل "أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل".
قال الشامي: أي: جماعات أمام كل جماعة طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، قيل لا واحد له، وقيل: واحدة أبول كعجول بكسر العين والتشديد مع الفتح أو إبال؛ كمفتاح أو أبيل كسكين البيضاوي، جمع إبالة وهي الحزمة الكبيرة شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها. "من البحر" قال ابن إسحاق: أمثال الخطاطيف والميلسان، وعن عبد المطلب: أمثال اليعاسيب. ابن عباس: لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب. عكرمة: لها رؤوس السباع، واختلفوا في ألوانها، فقال عكرمة وسعيد بن جبير: كانت خضراء، وقال عبيد بن عمير: سوداء، وقال قتادة: بيضاء، حكاه ابن الجوزي في زاد المسير.
وروى سعيد بن منصور عن عبيد بن عمير: أنها بلق، والجمع بينها إنها كانت مختلفة فأخبر كل بحسب ما رأى أو سمع، في الشرح جمع آخر فيه تكلف. "مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، حجر في منقره، وحجران في رجليه" وعلى كل حجر اسم من يقع عليه واسم أبيه، كما جاء عن أم هانئ. "كأمثال العدس" تقريبًا، فلا ينافي قول الشامي: أكثر الأحاديث تدل على أنها أكبر من العدسة ودون الحمصة، وفي بعضها: كانت أكبر وكأنها كان فيها الكبير والصغير، فحدث كل بما رأى أو سمع.
وعن ابن عباس: أنه رأى منها عند أم هانئ نحو قفيز حمر مخططة كالجزع الظفاري، بفتح الجيم وتكسر وسكون الزاي، خرز يمان فيه سواد وبياض؛ كما في القاموس، فأراد بالتشبيه أن حمرتها غير صافية، أو في المقدار والشكل فلا يشكل التشبيه مع قوله: حمر والظفاري، قال في الفتح: نسبة إلى ظفار مدينة بسواحل اليمن، وحكى ابن التين في ضبط ظفار: كسر أوله وصرفه أو فتحه، والبناء بوزن قطام، انتهى. "لا تصيب أحدًا منهم إلا أهلكته" وكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، فإن كان راكبًا خرج من أسفل مركبه، "فخرجوا هاربينстр. 164
يتساقطون بكل طريق.
وأصيب أبرهة في جسده بداء، وتساقطت أنامله أنملة أنملة، وسال منه الصديد والقيح والدم، وما مات حتى انصدع قلبه.
الحواشي
(١) يتساقطون بكل طريق" ويهلكون على كل منهل وليس كلهم أصيب، ووجهوا هاربين يبتدرون الطريق الذي جاءوا منه يسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل:
أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب
قاله ابن إسحاق: وروى أبو نعيم عن عطاء بن يسار، قال: حدثني من كلم قائد الفيل وسائسه، أنه قال لهما: هل نجا أحد غيركما، قالا: نعم، ليس كلهم أصابه العذاب، وقالت عائشة: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان الناس بمكة، رواه ابن إسحاق مسندًا، وإنما بقي منهم بقية على حالة غير مرضية تذكيرًا لمن رأى، وإعلامًا لمن لم ير فيزداد البيت تعظيمًا ويكون سببًا في تصديقه ﷺ ، والعلم بمنزلته عند الله.
وفي زاد المسير: بعث عبد المطلب ابنه عبد الله على فرس ينظر إلى القوم فجعل يركض ويقول: هلك القوم، فخرج عبد المطلب وأصحابه فغنموا أموالهم. وفي الروض عن تفسير النقاش: أن السيل احتمل جثثهم وألقاها في البحر. "وأصيب أبرهة في جسده بداء" هو الجدري، وهو أول جدري ظهر، قاله عكرمة، أي: بأرض العرب، فلا ينافي ما قيل أول من عذب بالجدري قوم فرعون، وقال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث: أن أول ما رؤيت الحصباء والجدري بأرض العرب ذلك العام، انتهى. وبهذا القيد لا يرد قوم فرعون؛ لأنهم لم يكونوا بها.
"وتساقطت أنامله أنملة أنملة" أي: انتثر جسمه، والأنملة طرف الإصبع لكن قد يعبر بها عن طرف غيره ون الجزء الصغير، ففي مسند الحارث بن أبي أسامة مرفوعًا: "أن في الشجر شجرة هي مثل المؤمن لا يسقط لها أنملة"، ثم قال: "هي النخلة، وكذلك المؤمن لا يسقط له دعوة" قال السهيلي. "وسال منه الصديد" القيح وهو المدة الرقيقة، "والقيح" يعني به المدة الغليظة، "والدم" وعند ابن إسحاق كلما سقطت منه أنملة تبعها مدة تمصي قيحًا ودمًا، وظاهر المصنف كغيره أنه لم يصب بحجر، والظاهر: أن الداء الذي أصابه بعد وقوع حجر عليه ولم يعجل هلاكه به زيادة في عقوبته والمثلة به ويؤيده أن الذين أصيبوا بالحجارة لم يموتوا كلهم سريعًا بل تأخر موت جمع منهم.
"وما مات حتى انصدع" أي: انشق "قلبه" وفي ابن إسحاق وغيره: حتى انصدع صدره فرقتين عن قلبه بصنعاء، وفي رواية: كلما دخل أرضًا وقع منه عضو حتى انتهى إلى بلاد خثعمстр. 165
إلى هذه القصة أشار بقوله لنبيه ﷺ : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] السورة إلى آخرها.
فإن قلت: لم قال تعالى له ﵊: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ مع أن هذه القصة كانت قبل البعث بزمان طويل؟
فالجواب أن المراد من الرؤية هنا: العلم والتذكر، وهو إشارة إلى أن الخبر به متواتر، فكأن العلم الحاصل به ضروري، مساوٍ في القوة للرؤية.
الحواشي
(١) وليس عليه غير رأسه فمات فيجوز أنه مات بها وحمل إلى صنعاء ميتًا، أو عبر بذلك مجاز القربة منه أو لظن المخبر موته لرؤيته وصل لهذه الحالة لا سيما وهم مشغولون بأنفسهم وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائره يحلق فوق رأسه، وهو لا يشعر به حتى بلغ النجاشي فأخبره بما أصابهم، فلما أتم كلام رماه الطائر فوقع عليه الحجر ميتًا، فرأى النجاشي كيف كان هلاك أصحابه.
"وإلى هذه القصة أشار بقوله لنبيه ﷺ " مما عد على قريش من نعمة عليهم وفضله لبقاء أمرهم ومدتهم، قال ابن إسحاق. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [الفيل: ١] ، استفهام تقرير، أي: ألم تعلم قرره على وجود علمه بما ذكر، وبه جزم في النهر، وقيل: تعجب لنقله نقل المتواتر، وبه جزم الجلال؛ أي: قد علمت أو تعجب ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] ، عبر بكيف دون ما؛ لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه للدلالة على كمال علم الله وقدرته وعزة بيته وشرف رسوله، اقرأ "السورة إلى آخرها" وقد تلاها والتي بعدها معًا ابن إسحاق وجعلها متعلقة بها، كما هو أحد الأوجه. وفي الكشاف وحياة الحيوان: وإلى هذه القصة أشار ﷺ في الصحيح، بقوله: "إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين". انتهى. وهو بيان لحالهم إذا خالفوا الله ورسوله والسورة أنسب في تعظيم جد المصطفى وقومه لأجله ﷺ ، فلذا اقتصر عليها المصنف.
"فإن قلت: لم قال تعالى له ﵊: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ مع أن هذه القصة كانت قبل البعث بزمان طويل" إذ هي عام ولادته على أصح الأقوال وهو قول الأكثر، وقال مقاتل: قبل مولده بأربعين سنة، وقال الكلبي؛ بثلاث وعشرين سنة، وقيل: بثلاثين، وقيل: بخمسين، وقيل: بسبعين، وقيل غير ذلك.
"فالجواب: أن المراد من الرؤية هنا العلم والتذكر" أي: قد علمت فهو تقريري. "وهو إشارة إلى أن الخبر به" أي: بالواقع لأصحاب الفيل؛ "متواتر، فكان العلم الحاصل به ضروري مساوٍ في القوة للرؤية" كما هو شأن المتواتر.стр. 166
وقد كانت هذه القصة دالة على شرف سيدنا محمد ﷺ وتأسيسًا لنبوته وإرهاصًا لها، وإعزازًا لقومه بما ظهر عليهم من الاعتناء حتى دانت لهم العرب، واعتقدت شرفهم وفضلهم على سائر الناس، بحماية الله لهم، ودفعه عنهم مكر أبرهة، الذي لم يكن لسائر العرب بقتاله قدرة، وكان ذلك كله إرهاصًا لنبوته ﵊.
قال الرازي: ومذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيسًا، قال: ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله ﵊، يعني قبل بعثته.
الحواشي
(١) "وقد كانت هذه القصة دالة على شرف سيدنا محمد ﷺ وتأسيسًا لنبوته وإرهاصًا لها" هما متساويان، والمراد: أنها توطئة وتقوية لنبوته، "وإعزازًا لقومه" أي: تقوية لهم بعد الذل بما أصابهم من أبرهة واستعمال العز فيمن لم يسبق له ذل مجاز؛ كقوله: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥] ، "بما ظهر عليهم من الاعتناء" أي: اعتناء الناس "حتى دانت" أي: خضعت وذلك "لهم العرب واعتقدت شرفهم وفضلهم على سائر الناس" بقيتهم، "بحماية الله لهم ودفعه عنهم" عطف تفسير، فالحماية الدفع فقالت العرب، كما في ابن إسحاق: أهل الله قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم، وقالوا في ذلك أشعارًا كثيرة.
"مكر أبرهة" أي: إرادته السوء بهم سماه مكرًا مع أنه الاحتيال من حيث لا يعلم الممكور به، وأبرهة جاء مجاهرًا لحربهم نظرًا لعزمه على تخريب الكعبة وهم لا يشعرون، "الذي لم يكن للعرب جميعًا" وفي نسخة لسائر العرب، وهي أيضًا بمعنى الجميع عند الجوهري في جماعة، وإن خطّئوه فيها؛ لأنها لغة قليلة حكاها القاموس وغيره، وقد مر بسطه في الديباجة.
"بقتاله" أي: عليه متعلق بقوله: "قدرته" قدم عليه لأنه ظرف، "وكان ذلك كله إرهاصًا لنبوته ﵊" وهو فائدة ذكر القصة هنا، لا لتعظيم ما كانت عليه قريش، فإن أصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم حينئذ أقرب حالا مما كان عليه أهل مكة؛ لأنهم كانوا عباد أوثان فنصرهم الله نصرًا لا صنع لبشر فيه، فكأنه يقول: لم أنصركم لخير بكم ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سيشرفه خير الأنبياء ﷺ .
"قال" الإمام العلامة فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين البكري الطبرستاني الأصل "الرازي" المولد المعروف بابن الخطيب، فاق أهل زمانه في علم الكلام والأوائل، وتوفي سنة ست وستمائة بمدينة هراة، "ومذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيسًا" تقوية لها، قال: "ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله ﵊، يعني قبل بعثته" وأنت خبيرстр. 167
وخالفه العلامة السيد في شرح المواقف -تبعًا لغيره- فاشترط في المعجزات أن لا تتقدم على الدعوة بل تكون مقارنة لها. كما سيأتي إن شاء الله في المقصد الرابع.
فإن قلت: إن الحجاج خرب الكعبة ولم يحدث شيء من ذلك!!
فالجواب: أن ذلك وقع إرهاصًا لأمر نبينا ﷺ والإرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه، فلما ظهر عليه.....................
الحواشي
(١) بأن قولهم ذلك لا يلزم منه أنهم سموها معجزة الذي هو محل النزاع. "وخالفه العلامة السيد" المحقق على الجرجاني، "في شرح المواقف تبعًا لغيره", وهو الجمهور "فاشترط في المعجزات أن لا تتقدم على الدعوة" إلى كلمة الإسلام؛ "بل تكون مقارنة لها" فالخوارق الواقعة قبل الرسالة إنما هي كرامات، والأنبياء قبل النبوة لا يقصرون عن درجة الأولياء، فيجوز ظهورها عليهم أيضًا، فتسمى إرهاصًا، صرح به السيد وهو مذهب جمهور أئمة الأصول وغيرهم، "كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الرابع".
"فإن قلت" إهلاك الله أصحاب الفيل إعزازًا لنبيه وحرمه، "وإن الحجاج" بن يوسف الثقفي الظلوم المختلف في كفره، واختار الإمام أبو عبد الله بن عرفة أنه كافر، قال الأبي ﵀: فأوردت عليه صلاة الحسن البصري، فأجاب بأنها تتوقف على صحة الإسناد إليه، انتهى.
وفي الكامل للمبرد: مما كفر به الفقهاء الحجاج أنه رأى الناس يطوفون حول حجرته ﷺ ، فقال: إنما يطوفون بأعواد برمة، قال الدميري: كفروه بهذه لأنه تكذيب لقوله ﷺ : "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، رواه أبو داود.
"خرب الكعبة" لما أرسله عبد الملك بن مروان إلى قتال عبد الله بن الزبير ﵄ لينزع منه الخلافة فتحصن عبد الله منه في البيت، فرمى الكعبة بالمنجنيق ثم ظفر به فقتله سنة ثلاث وسبعين، ووقع قبله في زمن يزيد بن معاوية حين أرسل الحصين بن نمير السكوني لقتال ابن الزبير لامتناعه من مبايعة يزيد فنصب المنجنيق على أبي قبيس وغيره من جبال مكة، ورمى الكعبة وكس الحجر الأسود واحترقت الكعبة حتى انهدم جدارها وسقط سقفها، ثم ورد لهم الخبر بموت يزيد عامله الله بعدله، فرجعوا إلى الشام. "ولم يحدث شيء من ذلك" الذي وقع لأصحاب الفيل، فما الفرق؟ "فالجواب: أن ذلك وقع إرهاصًا" أي: تأسيسًا "لأمر نبينا ﷺ ، إرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه" أي: ظهوره وثبوت نبوته، "فلما" أي: حيث "ظهر عليهстр. 168
الصلاة والسلام، وتأكدت نبوته بالدلائل القطعية فلا حاجة إلى شيء من ذلك، ذكر حفر زمزم والذبيحين ولما فرج الله عن عبد المطلب، ورجع أبرهة خائبًا، فبينما هو نائم يومًا في الحجر، إذ رأى منامًا عظيمًا......................
الحواشي
(١) الصلاة والسلام وتأكدت نبوته بالدلائل القطعية، فلا حاجة إلى شيء من ذلك" جواب لما, ودخلته الفاء على قبله، وإيضاح هذا جواب الشامي بأنه إنما لم يمنعوا؛ لأن الدعوة قد تمت والكلمة قد بلغت والحجة قد ثبتت، فأخر الله أمرهم إلى الدار الآخرة، وقد أخبر ﷺ بوقوع الفتن وأن الكعبة ستهدم. ا. هـ. أي: فكان عدم منعهم مظهرًا لمعجزته من الإخبار بالغيب.
وأجاب النجم: بأن أبرهة قصد التخريب بالكلية وعدم عودها، فلذا عوجل بالعقوبة، والحجاج إنما قصد بالتخريب إذهاب صورة بناء ابن الزبير وإعادتها على حالتها الأولى، فلم يحدث له شيء وفيه نظر، فإنه حين قتاله لابن الزبير لم يكن قصده إذهاب صورة بنائه وإنما أراد ذلك بعد قتله، فكتب إلى عبد الملك مستشيره، كما قالوه في بناء الكبة، ولك أن تقول: لا يرد الإشكال من أصله؛ لأن جيش يزيد والحجاج إنما قاتلوا على الملك، ولم يقصدوا هدم الكعبة ولم يسيروا إليه كأبرهة، وما وقع من التخريب أدى إليه القتال، ثم أعاده ابن الزبير بعد ذهاب جيش يزيد واستقراره في الخلافة بمكة وبعض البلاد على قواعد إبراهيم على ما حدثته به خالته عائشة، ثم لما غزاه الحجاج وتهدم البيت أعاده الحجاج بأمر عبد الملك على ما كان عليه في الجاهلية وهو صفته اليوم.
"ذكر حفر زمزم والذبيحين، ولما فرج الله تعالى عن عبد المطلب ورجع أبرهة خائبًا، فبينما هو نائم يومًا" أراد به مطلق الزمان، فلا ينافي قول عبد المطلب: رأيت الليلة؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] , ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] , ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٣٠] ، لا مقابل الليلة، نحو: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧] ، ولا مدة القتال، نحو: ﴿يَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥] ، ولا الدولة، كقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ، "في الحجر إذا رأى منامًا عظيمًا"، هو كما رواه أبو نعيم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي الخيثم، عن أبيه عن جده، قال: سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب، قال: بينما أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعًا شديدًا، فأتيت كاهنة قريش، فقلت لها: إني رأيت الليلة كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورًا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفًا، ورأيت العرب والعجم لها ساجدين، وهي تزداد كل ساعة عظمًا ونورًا وارتفاعًا ساعة تخفى وساعة تظهر، ورأيت رهطًا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، ورأيت قومًا من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منهاстр. 169
فانتبه فزعًا مرعوبًا، وأتى كهنة قريش، وقص عليهم رؤياه، فقالت له الكهنة: إن صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك من يؤمن به أهل السماوات والأرض وليكونن في الناس علمًا مبينًا. فتزوج فاطمة، وحملت في ذلك الوقت بعبد الله الذبيح
الحواشي
(١) أخذهم شاب لم أر قط أحسن منه وجهًا ولا أطيب ريحًا، فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم فرفعت يدي لأتناول منها نصيبًا، فلم أنل؛ فقلت: لمن النصيب؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها وسبقوك، فانتبهت مذعورًا فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب وتدين له الناس، فقال عبد المطلب لأبي طالب: لعلك أن تكون هو المولود، فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث والنبي ﷺ قد خرج، أي: بعث، ويقول: كانت الشجرة والله أبا القاسم الأمين، فيقال له: ألا تؤمن به؟ فيقول: السبة والعار، أي: أخشى أو يمنعني فهما منصوبان أو مرفوعان، أو المراد بالمنام ما في الروض في سبب تسميته محمدًا عن علي القيرواني العابر في كتابه البستان، قال: زعموا أن عبد المطلب رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء، وطرف في الأرض وطرف في المشرق، وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها، فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء وأهل الأرض.
"فانتبه" حال كونه "فزعًا مرعوبًا" والمراد بهما واحد، فالفزع والرعب، الخوف، "وأتى كهنة قريش وقص عليهم رؤياه" وهذا مخالف لقوله في رواية أبي نعيم: فأتيت كاهنة قريش فقلت لها، إلا أن يقال اللام في الكهنة للجنس، والمعنى: أنه لما خرج قصد جملة الكهنة، فاتفق أنه اختار هذه للسؤل.
"فقالت له الكهنة" اللام للجنس، أو اشتهر قولها وبلغهم وأقروه فنسب لهم "إن صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك من يؤمن به أهل السماوات والأرض، وليكونن في الناس علمًا مبينًا" أي: كالراية الظاهرة، فالعلم بفتحتين، الراية؛ كما في المختار. "فتزوج فاطمة" بنت عمرو بن عائذ بن عمرو بن مخزوم، "وحملت في ذلك الوقت بعبد الله الذبيح" فيه نظر؛ لأن عبد الله أصغر أولاد فاطمة، وقد ذكر اليعمري وغيره أن أبا طالب والزبير وعبد الكعبة أشقاء لعبد الله، اللهم إلا أن يكون تجوز في قوله في ذلك الوقت مبالغة في قرب حملها به، ثم هذا الذي ذكره المصنف من أن الرؤيا وحفر زمزم كانا بعد الفيل، إنما يأتي على أنه قبل المولد النبوي بأربعين أو سبعين سنة.
أما على المشهور أنها كانت عامة فلا يتصور إلا أن يكون مراده مجرد الإخبارстр. 170
وقصته في ذلك مشهورة مخرجة عند الرواة مسطورة.
وكان سببها حفر أبيه عبد المطلب زمزم، لأن الجرهمي.................
الحواشي
(١) بقصة بعد أخرى، والمعنى: بعدما ذكرنا أن الله فرج عن عبد المطلب، نقول: بينما هو نائم والتزامه الترتيب على السنين إنما هو من حين نشأة المصطفى؛ كما قال في الديباجة، فلا يرد هذا عليه لكن هذا في غاية التعسف بل لا يصح مع قوله: لما خرج وخاب أبرهة نام فرأى فتزوج، فجعله جواب لما. "وقصته" أي: وصفه بالذبيح "في ذلك مشهورة مخرجة عند الرواة مسطورة، وكان سببها حفر أبيه عبد المطلب زمزم" أي: إظهارها وتجديدها، كما يعلم من قوله بعد وبالغ في طمها.
وذكر البرقي عن ابن عباس: سميت زمزم؛ لأنها زمت بالتراب لئلا تأخذ يمينًا وشمالا، ولو تركت لساحت على الأرض حتى تملأ كل شيء، وقال الحربي: لزمزمة الماء، وهي صوته. وقال أبو عبيد: لكثرة مائها، وقيل غير ذلك، وليس بخلاف حقيقي فقد تكون التسمية لجميع ذلك، وحكى المطرزي أن اسمها زمازم وزمزم. قال السهيلي: وتسمى أيضًا همزة جبريل بتقديم الميم على الزاي، ويقال أيضًا: هزمة جبريل، أي: بتقديم الزاي، لأنها هزمته في الأرض، وتسمى أيضًا: طعام طعم وشفاء سقم. ا. هـ.
والأخير لفظ حديث مرفوع عند الطيالسي عن أبي ذر وأصله في مسلم، كما ذكره السخاوي. وروى الدارقطني والحاكم عن ابن عباس رفعه: "ماء زمزم لما شرب له، إن شربته لتستشفي شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، هي هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل". وفي سيرة ابن هشام: "هي بين صنمي قريش، إساف ونائلة عند منحر قريش، كان جرهم دفنها حين ظعن من مكة، وهي بئر إسماعيل التي سقاه حين ظمئ، وهو صغير، فالتمست له أمه فلم تجده فقامت على الصفا تدعو الله وتستسقيه لإسماعيل، ثم أتت المروة ففعلت مثل ذلك فبعث الله جبريل فهمزها بعقبه في الأرض، وظهر الماء وسمعت أمه أصوات السباع فخافت عليه، فأقبلت نحوه فوجدته يفحص بيده عن الماء تحت خده ويشرب".
قال السهيلي: حكمة همز جبريل بعقبه دون يده أو غيرها الإشارة إلى أنها لعقبه، أي: إسماعيل ووارثه وهو محمد ﷺ وأمته؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] . ا. هـ. وإنما حفرها عبد المطلب؛ "لأن الجرهمي" بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء نسبة إلى جرهم حي من اليمن سموا باسم جرهم بن قحطان ابن نبي الله هود؛ كما في التيجان.стр. 171
عمرو بن الحارث لما أحدث قومه بحرم الله الحوادث، وقيض الله لهم من أخرجهم من مكة، فعمد عمرو إلى نفائس فجعلها في زمزم وبالغ في طمها، وفر إلى اليمن بقومه، فلم تزل زمزم من ذلك العهد مجهولة.........................
الحواشي
(١) "عمرو بن الحارث" بن مضماض بكسر الميم وضمها، "لما أحدث قومه" جرهم وكانوا ولاة البيت والحاكم بمكة لا ينازعهم بنو إسماعيل لخولتهم وقرابتهم وإكرامًا لمكة، أي: يكون بها بغي أو قتال، "يحرم الله الحوادث" فبغوا بمكة وظلموا من دخلها من غير أهلها وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها فساءت حالهم، "وقيض الله لهم من أخرجهم من مكة".
قال القاضي تقي الدين الفاسي في شفاء الغرام: اختلف أهل الأخبار فيمن أخرج جرهمًا من مكة اختلافًا يعسر معه التوفيق، فقيل: بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة، وغيشان بن خزاعة لمنعهم بني عمرو بن عامر الإقامة بمكة حتى يصل إليهم رواؤهم، وقيل: عمرو بن ربيعة بن حارثة لطلبهم حجابة البيت.
وقيل: بنو إسماعيل بعد أن سلط الله على جرهم آفات من رعاف ونمل حتى فني به من أصابهم بمكة، وقيل: سلط على ولاة البيت منهم دواب، فهلك منهم في ليلة واحدة ثمانون كهلا سوى الشبان حتى رحلوا من مكة، والقول الأول ذكره ابن إسحاق، فقال: إن بني بكر وغبشان لما رأوا بغيهم، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة فأذنوا بالحرب، فاقتتلوا فغلبهم بنو بكر وغبشان. فنفوهم من مكة، وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها بغيًا ولا ظلمًا لا يبغي فيها أحد إلا أخرجته فكانت تسمى الناشة ولا يريدها ملك يستحل حرمتها، إلا هلك مكانه، فيقال: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة.
"فعمد" بفتح الميم ومضارعه بكسرها، كذا المنقول، ورأيت في بعض الحواشي أن في بعض شروح الفصيح وأظنه عزاه للسبكي أنه يجوز فيه العكس، قاله في النور، أي: قصد "عمرو إلى نفائس" هي غزالان من ذهب وسيوف وأدراع وحجر الركن كما عند ابن هشام وغيره، "فجعلها في زمزم" بمنع الصرف للتأنيث والعلمية، قاله المصباح. "وبالغ في طمها" بفتح الطاء المهملة وكسر الميم المشددة بعدها هاء، قال القاموس: طم الركية دفنها وسواها، وفيه أيضًا الركية البئر. "وفر إلى اليمن بقومه" فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنًا شديدًا، وقال عمرو:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
الأبيات بتمامها في ابن إسحاق، قيل: كانت ولاية جرهم مكة ثلاثمائة سنة وقيل: خمسمائة، وقيل: ستمائة سنة. "فلم تزل زمزم من ذلك العهد مجهولة" وفي رواية: بقيتстр. 172
إلى أن رفعت عنها الحجب برؤيا منام رآها عبد المطلب، دلته على حفرها بأمارات عليها.
فمنعته قريش من ذلك.................................
الحواشي
(١) مطمومة بعد جرهم زهاء خمسمائة سنة لا يعرف مكانها، "إلى أن رفعت" أزيلت "عنها الحجب" الموانع التي منعت من معرفتها، "برؤيا منام رآها عبد المطلب دلته على حفرها بأمارات عليها" روى ابن إسحاق بسنده عن علي، قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت، فقال: احفر طيبة، قلت: وما طيبة؟ فذهب عني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني، فقال: احفر برة، فقلت: وما برة؟ فذهب عني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني، فقال: احفر المضنونة، فقلت: وما المضنونة؟ فذهب عني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني وقال: احفر زمزم، قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدًا ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل.
برة بفتح الموحدة وشد المهملة سميت بذلك لكثرة منافعها وسعة مائها، قال في الروض، هو اسم صادق عليها؛ لأنها فاضت للأبرار وغاضت عن الفجار. والمضنونة بضاد معجمة ونونين: لأنها ضن بها على غير المؤمن فلا يتضلع منها منافق، قاله وهب ابن منبه. وروى الدارقطني مرفوعًا: "من شرب زمزم فليتضلع، فإنه فرق ما بيننا وبين المنافقين لا يستطيعون أن يتضلعوا منها" وفي رواية الزبير بن بكار: أن عبد المطلب قيل له: احفر المضنونة ضننت بها على الناس إلا عليك. ولا ينزف، بكسر الزاي: لا يفرغ ماؤها ولا يلحق قعرها. ولا تذم بمعجمة لا توجد قليلة الماء من قول العرب: بئر ذمة، أي: قليل ماؤها وهذا لأنه نفي مطلق وخبر صادق أولى من الحمل على نفي ضد المدح؛ لأنها مذمومة عند المنافقين، قاله السهيلي. قل: والغراب الأعصم فسره ﷺ : "بأنه الذي إحدى رجليه بيضاء"، رواه ابن شيبة وأطال في الروض في وجه تأويل هذه الرؤيا بما يحسن كتبه بالعسجد، لكن الرهبة من التطويل تمنع من جلبه.
"فمنعته قريش من ذلك" ظاهره: أنها منعته من أصل الحفر ونازعته ابتداء، والذي رواه ابن إسحاق عن علي عقب ما مر: فلما بين له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه صدق، غدا بمعوله ومعه ولده الحارث ليس له يومئذ ولد غيره فجعل يحفر ثلاثة أيام، فلما بدا له الطي كبر، وقال: هذا طي إسماعيل، فقاموا إليه فقالوا: إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقًا، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم، قالوا له: فأنصفنا، فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا:стр. 173
ثم آذاه من السفهاء من آذاه، واشتد بذلك بلواه، ومعه ولده الحارث ولم يكن له ولد سواه، فنذر لئن جاءه عشرة بنين وصاروا له أعوانًا ليذبحن أحدهم لله قربانًا. ثم احتفر عبد المطلب زمزم........................
الحواشي
(١) كاهنة سعد بن هذيم، قال: نعم، وكانت بأشراف الشام بالفاء، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر فخرجوا حتى إذا كانوا بمفازة بين الحجاز والشام ظمئ عبد المطلب وأصحابه، وغيره حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا، وقالوا: إنا بمفازة نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت، فأمرهم فحفروا قبورهم، وقال: من مات واراه أصحابه حتى يكون الآخر فضيعته أيسر من ركب؛ وقعدوا ينتظرون الموت عطشًا، ثم قال: والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت عجز، لنضربن في الأرض عسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، وركب راحلته فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب وأصحابه ثم نزل فشربوا واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم، ثم دعا قبائل قريش، فقال لهم: هلم إلى الماء فقد سقانا الله، فاستقوا وشربوا، ثم قالوا: قد والله قضي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدًا إن الذي أسقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو أسقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا، فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبينها.
"ثم آذاه من السفهاء من آذاه" هو عدي بن نوفل بن عبد مناف قال له: يا عبد المطلب تستطيل علينا وأنت فذ، لا ولذلك! فقال: أبا القلة تعيرني، فوالله لئن آتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرن أحدهم عند الكعبة، رواه ابن سعد والبلاذري. وفي الخميس: سفه عليه وعلى ابنه ناس من قريش ونازعوهما وقاتلوهما، "واشتد بذلك بلواه، وكان معه ولده الحارث ولم يكن له ولد سواه، فنذر" مر أنه حلف، فيحتمل أنه المراد بالنذر، أو أن صورة الالتزام تكررت مرة بالنذر، وأخرى بالحلف. "لئن جاء له عشر بنين وصاروا له أعوانًا" أي: بلغوا أن يمنعوه، وبه عبر ابن إسحاق وأتباعه "ليذبحن أحدهم قربانًا" لله عند الكعبة، واحتفر عبد المطلب زمزم" في عامه ذلك هو وابنه الحارث فقط، فعند ابن إسحاق، فإذا عبد المطلب ومعه الحارث فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها بين إساف ونائلة الذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها، فجاء بالمعول وقام يحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش، فقالوا: والله ما نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما، فقال لابنه: رد عني حتى أحفر، فوالله لأمضين لما أمرت به؛ فلما عرفوا أنه غير تارك خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرًا حتى بدا له الطين، فكبر وعرف أنه قد صدق، فلما تمادى به الحفر وجد الغزالين والأسياف والأدراع التي دفنتها جرهم، فقالت قريش:стр. 174
فكانت له فخرًا وعزًا.
فلما تكامل بنوه عشرة وهم: الحارث والزبير وحجل وضرار والمقوم..................
الحواشي
(١) إنا معك في هذا شرك، قال: لا، ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم نضرب عليها القداح، قالوا: كيف نصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين ولي قدحين ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له, ومن تخلف قدحاه فلا شيء له، قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وأسودين له وأبيضين لقريش، فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، والأسودين على الأسياف والأدراع له، وتخلف قدحًا قريش فضرب الأسياف بابًا للكعبة وضرب بالباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته الكعبة فيما يزعمون، ثم أتم حفر زمزم وأقام سقايتها للحاج، "فكانت له فخرًا وعزًا" على قريش وعلى سائر العرب، ذكر الزهري في سيرته: أنه اتخذ عليها حوضًا يستقي منه، فكان يخرب بالليل حسدًا له، فلما أهمه ذلك قيل له في النوم قل: لا أحلها لمغتسل، وهي للشارب حل وبل، فلما أصبح قالها فكان من أرادها بمكروه رمي بداء في جسده، حتى انتهوا عنه.
حل بكسر الحاء، أي: من الحرام. وبل، بكسر الموحدة: مباح، وقيل: شفاء. وعند ابن إسحاق: فعفت زمزم على آبار كانت قبلها وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام وفضلها على ما سواها؛ ولأنها بئر إسماعيل وافتخر بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب، وعند غيره: فكان منها شرب الحاج، وكان لعبد المطلب إبل كثيرة يجمعها في الموسم ويسقي لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم، ويشتري الزبيب فينبذه بماء زمزم ويسقيه الحاج ليكسر غلظها وكانت إذ ذاك غليظة، فلما توفي قام بالسقاية العباس وان له كرم بالطائف؛ فكان يحمل زبيبه إليها ويسقيه الحاج أيام الموسم، فلما دخل ﷺ مكة يوم الفتح قبض السقاية منه، ثم ردها إليه.
"فلما تكامل بنوه عشرة" بعد حفره زمزم بثلاثين سنة، كما عند ابن سعد والبلاذري، زاد في نسخ "وهم الحارث" وأمه صفية بنت جندب "والزبير" بفتح الزاي عند البلاذري، وأبي القسم الوزير وضمها عند غيرهما, وهو مفاد التبصير وأمه فاطمة بنت عمرو، "وحجل" بفتح المهملة فجيم ساكنة عند الدارقطني، وتبعه النووي والذهبي والعسقلاني، وهو في الأصل القيد والخلخال، وضبطه اليعمري تبعًا لابن إسحاق بتقديم الجيم على الحاء الساكنة، وصدر به المصنف فيما يأتي وهو السقاء الضخم، وذكر المصنف: ثم إن اسمه المغيرة وتبع فيه الذهبي، ووهمه الحافظ، وقال: الذي اسمه مغيرة ابن أخيه حجل بن الزبير بن عبد المطلب، انتهى. وأمه هالة بنت وهيب. "وضرار" بضاد معجمة وراءين بينهما ألف، وهو شقيق العباس، "والمقوم" بفتح الواو مشددة اسم مفعول وكسرها مشددة اسم فاعل، كذا يخطي ولا أدري الآن من أينстр. 175
وأبو لهب والعباس وحمزة وأبو طالب وعبد الله، وقر الله عينه بهم، نام ليلة عند الكعبة المطهرة فرأى في المنام قائلا يقول: يا عبد المطلب: أوف بنذرك لرب هذا البيت، فاستيقظ فزعًا مرعوبًا، وأمر بذبح كبش وأطعمه للفقراء والمساكين. ثم نام فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فاستيقظ من نومه وقرب ثورًا، ثم نام فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فانتبه وقرب جملا، وأطعمه للمساكين، ثم نام فنودي: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فقال: ما أكبر من ذلك وقال: قرب أحد أولادك الذي نذرته.
فاغتم غمًا شديدًا، وجمع أولاده، وأخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء، فقالوا: إنا نطيعك، فمن تذبح منا؟ قال: ليأخذ.............................
الحواشي
(١) هو، قاله في النور، وأمه هالة. "وأبو لهب" عبد العزى وأمه آمنة بنت هاجر، "والعباس" ﵁، وأمه نتلة بفتح النون وسكون الفوقية، ويقال: نتيلة بضم النون وفتح الفوقية مصغرًا، واقتصر عليه التبصير. "وحمزة" سيد الشهداء ﵁، وأمه هالة بنت وهيب. "وأبو طالب وعبد الله" والده ﷺ وأمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمر بن مخزوم، قال شيخنا: وهذه النسخة لا تناسب ما يأتي أن حمزة والعباس إنما ولدا بعد الوفاء بالنذر، فلعلها غير صحيحة، انتهى. أما الأول: فواضح، وأما ترجي عدم صحتها فلا إذ من المعلوم القول بأن أولاده عشرة فقط فيحتمل أن المراد بحمزة والعباس هنا اثنان من ولد ولده موافقًا اسم ابنيه. "وقر الله عينه بهم" كذا في نسخ وسقطت الجلالة من أخرى، وهي التي عند شيخنا، فقال: العين حاسة الرؤية مؤنثة ذكر الفعل؛ لأن تأنيثها غير حقيقي.
"نام ليلة عند الكعبة المطهرة فرأى في المنام قائلا يقول" له: "يا عبد المطلب، أوف" بهمزة قطع "بنذرك لرب هذا البيت، فاستيقظ" حال كونه "فزعًا مرعوبًا" أي: خائفًا وهما بمعنى كما مر، "وأمر ببح كبش وأطعمه للفقراء والمساكين، ثم نام فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فاستيقظ من نومه وقرب ثورًا" ذكر البقر سمي ثورًا؛ لأنه يثير الأرض، كما سميت البقرة بقرة؛ لأنها تبقرها، "ثم نام، فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فانتبه وقرب جملا" نحره، "وأطعمه للمساكين" والفقراء؛ لأنهما إذا افترقا اجتمعا، "ثم نام، فنودي: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فقال: وما هو أكبر من ذلك؟ وقال: قرب أحد أولادك الذي نذرته" أي: نذرت ذبحه، "فاغتم غمًا شديدًا" أي: أصابه كرب وحزن، "وجمع أولاده وأخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء" بالنذر "فقالوا: إنا نطيعك، فمن تذبح منا؟ " أي: فأي واحد تريد ذبحه لنعينك عليه، "قال: ليأخذстр. 176
كل واحد منكم قدحًا -والقدح: سهم بغير نصل- ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوا به، ففعلوا، وأخذوا قداحهم ودخلوا على هبل -اسم صنم عظيم- وكان في جوف الكعبة، وكانوا يعظمونه، ويضربون بالقداح عنه، ويستقسمون بها، أي يرتضون بما يقسم لهم، ثم يضرب بها القيم الذي لها قال: فدفع عبد المطلب إلى ذلك القيم القداح وقام يدعو الله تعالى، فخرج على عبد الله، وكان أحب ولده إليه.
فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد الله.......................................
الحواشي
(١) كل واحد منكم قدحًا" قال المصنف: "والقدح" بكسر القاف وسكون الدال وحاء مهملة، "سهم بغير نصل" ولفظ القاموس القدح بالكسر: السهم قبل أن يراش وينصل، "ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوا به، ففعلوا وأخذوا قداحهم" بكسر القاف جمع قدح ويجمع أيضًا على أقداح أقاديح؛ كما في القاموس.
"ودخلوا على هبل" بضم الهاء وفتح الموحدة فلام، "اسم صنم عظيم" من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدًا من ذهب كذا ذكر ابن الكلبي في كتاب الأصنام: أنه بلغه "وكان في جوف الكعبة" وكان تحته بئر يجمع فيها ما يهدى للكعبة، قاله ابن إسحاق وغيره. "وكانوا يعظمونه ويضربون بالقداح عنده" قال ابن إسحاق: كان عنده قداح سبعة كل قدح فيه كتاب قدح العقل، إذا اختلفوا من يحمله، وقدح فيه نعم للأمر إذا أرادوه، وقدح فيه لا، وقدح فيه منكم، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا حفرها، فكانوا إذا أرادوا الختان أو النكاح أو دفن ميت أو شكوا في نسب، ذهبوا إلى هبل بمائة درهم وجزور فأعطوها الذي يضرب بها ثم ما خرج عملوا به، انتهى، ملخصًا، ففسرها كلها وأقره عبد الملك بن هشام.
وأما ابن الكلبي، فقال: مكتوب في أولها صريح والآخر ملصق، وإذا شكوا في مولود أدوا له هدية ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج صريح الحقوه وإن كان ملصقًا دفعوه، وقدح على الميتة، وقدح على النكاح، وثلاثة لم تفسر لي على ما كانت، فإذا اختصموا في أمر أو أرادوا سفرًا أو عملا، أتوه، فاستقسموا بالقداح عنده، فما خرج عملوا به، وانتهوا إليه. وفسر ضرب القداح بقوله: "ويستقسمون بها، أي: يرتضون بما يقسم لهم، ثم يضرب بها القيم الذي لها" والمعنى: كانوا يتفقون عند القيم بالرضا بما خرج، فكل من خرج اسمه على شيء رضي به، "قال: فدفع عبد المطلب إلى ذلك القيم القداح، وقام" عبد المطلب "يدعو الله تعالى" ويقول: اللهم إني نذرت لك نحر أحدهم وإني أقرع بينهم، فأصب بذلك من شئت، ثم ضرب السادن القدح "فخرج على عبد الله، وكان أحب ولده إليه، فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد اللهстр. 177
وأخذ الشفرة ثم أقبل إلى إساف ونائلة -صنمين عند الكعبة تذبح وتنحر عندهما النسائك- فقام إليه سادة قريش فقالوا: ما تريد أن تصنع؟ فقال: أوفي بنذري، فقالوا: لا ندعك أن تذبحه حتى تعذر فيه إلى ربك، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه وتكون سنة. وقالوا: له: انطلق إلى فلانة الكاهنة. قلت:
الحواشي
(١) وأخذ الشفرة" بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء، وهي السكين العظيم؛ كما في القاموس. أو العريض؛ كما في المصباح. ولا خلف "ثم أقبل إلى إساف" بكسر الهمزة وفتح المهملة مخففة، "ونائلة" بنون فألف فتحتية، "صنمين عند الكعبة" قال هشام الكلبي في كتاب الأصنام: إساف رجل من جرهم، يقال له: إساف بن يعلى ونائلة بنت زيد من جرهم، وكان يتعشقها في أرض اليمن فحجا فدخلا الكعبة فوجدا غفلة من الناس وخلوة من البيت ففجر بها فيه فمسخا فأصبحوا فوجدوهما ممسوخين فوضعوهما ليتعظ بهما الناس، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها، "تذبح وتنحر عندهما النسائك، فقام إليه سادة قريش" وعند ابن إسحاق وغيره: فقامت إليه قريش في أنديتها، "فقالوا: ما تريد أن تصنع؟ " فلعل السادة هم الذين بدءوا بالقيام والقول فتبعوهم، وفي ابن إسحاق، فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر، ولا يشكل بقوله قبله: فأطاعوه؛ كقول المصنف: إنا نطيعك فمن تذبح منا؛ لأنهم وافقوه أولا ثم وافقوا قريشًا في طلب الأعذار، ووقع في الشامية أن العباس جذب عبد الله من تحت رجل أبيه حين وضعها عليه ليذبحه، فيقال: إنه شبح وجهه شبحة لم تزل فيه حتى مات. ا. هـ. ولا يصح؛ لأن العباس إنما ولد بعد هذه القصة، إلا أن يقال على بعد شاركه في اسمه غيره من بني إخوته.
"فقال: أوفي بنذري" بضم الهمزة وسكون الواو ففاء خفيفة، أو بفتح الواو وشدة الفاء، يقال: أوفى ووفى بمعنى، "فقالوا: لا ندعك تذبحه حتى تعذر" بضم فسكون من الإعذار، يقال: أعذر إذا أبدى العذر، والمراد حتى تطلب عذرًا "فيه" في ذبحه "إلى ربك" بأن تسأل الكاهنة، فإنها إن ذكرت أنه يذبح كان عذرًا عندهم، "ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه" فما بقاء الناس على هذا، وقال المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم: وكان عبد الله بن أخت القوم، والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، هكذا في ابن إسحاق. "وتكون سنة" أي: طريقة مستمرة في قومك؛ لأنك رئيسهم فيقتدون بك "وقالوا له: انطلق إلى فلانة الكاهنة" وعند ابن إسحاق وأتباعه: وانطلق إلى الحجاز فإن به عرافة لها تابع من الجن وهو بتقدير مضاف، أي: أحد أرض الحجاز، فلا يخالفه قول القاموس الحجاز مكة والمدينة والطائف.стр. 178
قيل اسمها: قطبة، كما ذكره الحافظ عبد الغني في كتاب المبهمات، وذكر ابن إسحاق أن اسمها: سبجاج -فلعلها أن تأمرك فيه فرج لك.
فانطلقوا حتى أتوها بخيبر، فقص عليها عبد المطلب القصة، فقالت: كم الدية عندكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: ارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم ثم قربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليها القداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا في الإبل ثم اضربوا أيضًا، هكذا حتى يرضي ربكم. ويخلص صاحبكم فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.
فرجع القوم إلى مكة، وقربوا عبد الله، وقربوا عشرة................
الحواشي
(١) "قيل: كان اسمها قطبة، كما ذكره الحافظ عبد الغني" بن سعيد بن علي الأزدي الإمام المتقن النسابة إمام زمانه في علم الحديث وحفظه، قال البرقاني: ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ منه له مؤلفات منها المبهمات، ولد سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ومات في سابع صفر سنة تسع وأربعمائة، "في كتاب" الغوامض و"المبهمات، وذكر ابن إسحاق" في رواية يونس عنه "أن اسمها سبجاج".
كذا في النسخ، والذي في الروض: سجساج، "فلعلها أن تأمرك بأمر فيه فرج لك" لفظ رواية ابن إسحاق: إن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته، "فانطلقوا حتى" قدموا المدينة فوجدوها بخيبر، فركبوا حتى "أتوها بخيبر، فقص عليها عبد المطلب القصة" فقالت لهم، كما في ابن إسحاق: ارجعوا عني حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا من عندها؛ فلما خرجوا عنها قام عبد المطلب يدعو الله، ثم غدوا عليها "فقالت" لهم: قد جاءني الخبر "كم الدية عندكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: ارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم" أي: أحضروه إلى موضع ضرب القداح "ثم قربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها القداح، فإن خرجت القداح على صابحكم فزيدوا في الإبل" عشرة أخرى، وهكذا على ما يظهر من أن الزيادة بإشارتها أو أطلقت.
وزاد عبد المطلب اجتهادًا نظرًا لأن الدية عشرة فأريد تضعيفها، "ثم اضربوا أيضًا هكذا حتى يرضى ربكم ويخلص صاحبكم، فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم" وكأنه غلب على ظنها أن القداح لا محالة تخرج على الإب مرة، فسكتت عن حكم ما لو لم تخرج عليها لعلمه عندهم، "فرجع القوم إلى مكة وقربوا عبد الله وقربوا عشرةстр. 179
من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو، فخرجت القداح على ولده، فلم يزل يزيد عشرًا عشرًا حتى بلغت مائة فخرجت القداح على الإبل. فنحرت وتركت، لا يصد عنها إنسان ولا طائر ولا سبع.
ولهذا روي -على ما عند الزمخشري في الكشاف- أنه ﷺ قال: "أنا ابن الذبيحين".
وعند الحاكم في المستدرك، عن معاوية بن أبي سفيان قال: كنا عند رسول الله ﷺ ........................
الحواشي
(١) من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو" الله تعالى "فخرجت القداح" أي: جنسها إذ الخارج في كل مرة قدح أحد "على ولده، فلم يزل يزيد عشرًا عشرًا حتى بلغت الإبل مائة، فخرجت القداح على الإبل" زاد ابن إسحاق: فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب، فزعموا أنه قال: لا والله حتى أضرب عليها بالقداح ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل فقام عبد المطلب يدعو فخرجت على الإبل، ثم عادوا الثانية وهو قائم يدعو فضربوا فخرجت على الإبل، ثم الثالثة وهو قائم يدعو فخرجت على الإبل،"فنحرت وتركت لا يصد عنها إنسان" ذكر أو أنثى، قال لمجد المرأة إنسان وبالهاء عامية، وسمع في شعر كأنه مولد:
لقد كستني في الهوى ... ملابس الصب الغزل
إنسانة فتانة ... بدر الدجى منها خجل
إذا زنت بها عيني ... من الدموع تغتسل
"ولا طائر ولا سبع" بضم الموحدة وفتحها وسكونها: المفترس من الحيوان، قاله القاموس. وعند مغلطاي: أول من سن الدية مائة عبد المطلب، وقيل: العلمس أو سيارة. ا. هـ.
"ولهذا" الواقع في قصة عبد الله "روى على ما عند الزمخشري في الكشاف" في سورة: ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ [الصافات: ١] ، استدلالا على أن الذبيح إسماعيل، "أنه ﷺ ، قال: "أنا ابن الذبيحين" قال الزيلعي في تخريج أحاديثه: غريب، ثم ساق حديث الأعرابي المذكور في المتن ونحوه للحافظ، فحاصل كلامهما أنهما لم يجداه بهذا اللفظ؛ كما عزاه لهما الشامي.
"وعند الحاكم في المستدرك" وابن جرير وابن مردويه والثعلبي في تفاسيرهم، "عن معاوية بن أبي سفيان" صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أمير المؤمنين أسلم هو وأبواه وأخوه يزيد في فتح مكة وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامهما ومعاوية من الموصوفين بالحلم توفي بدمشق سنة ستين، "قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلمстр. 180
فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله، خلفت البلاد يابسة، والماء يابسًا وخلفت المال عابسًا، هلك المال وضاع العيال، فعد علي ما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين. قال: فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه. الحديث. وتأتي تتمته إن شاء الله تعالى قريبًا.
ويعني بالذبيحين: عبد الله وإسماعيل بن إبراهيم.
وإن كان قد ذهب بعض العلماء إلى أن الذبيح إسحاق.
فإن صح هذا.................................
الحواشي
(١) فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله! خلفت البلاد يابسة" مجدبة لا خصب فيها، "والماء" أي: محلاته التي يصيبها "يابسًا" لعدم الماء, وفي نسخة: خلفت الكلأ يابسًا، أي: العشب وصفه باليبس لبيان صفته التي تركه عليها، فالكلأ العشب رطبًا كان أو يابسًا؛ كما في المختار، وزعم أن هذه النسخة هي التي في غيره والأولى تصحيف عجيب باطل، فالأولى هي الثابتة في المقاصد عن المستدرك، "وخلفت المال عابسًا" أي: كالحًا، أي: متغيرًا مهزولا؛ وكأنه أراد بالمال الماشية، "هلك المال وضاع العيال فعد علي" أعطني شيئًا أستعين به "مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، قال" معاوية "فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه" فأفاد أنه إسماعيل، وهذا احتج به معاوية على من قال: إنه إسحاق، فإن أول الحديث عند الحاكم عن الصنابحي: حضرنا مجلس معاوية فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، فقال بعضهم: إسماعيل الذبيح، وقال بعضهم: بل إسحاق، فقال معاوية، سقطتم على الخبير، وذكره "الحديث، وتأتي تتمته إن شاء الله تعالى قريبًا" جدًا، "ويعني بالذبيحين: عبد الله وإسماعيل بن إبراهيم" كما قاله جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم ورجحه جماعة، وقال أبو حاتم: إنه الصحيح، والبيضاوي: إنه الأظهر.
"وإن كان قد ذهب بعض العلماء إلى أن الذبيح إسحاق" بل عزاه ابن عطية والمحب الطبري والقرطبي للأكثرين، وأجمع عليه أهل الكتابين وقال به من الصحابة، كما قال البغوي وغيره العباس وابنه، وعمر وابنه، وعلي وجابر وهو الصحيح عن ابن مسعود، ومن التابعين: علقمة، والشعبي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وكعب الأخبار، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقاسم بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، وعبد الرحمن بن سابط، والزهري، والسدي، وعبد الله بن أبي الهذيل، والقاسم بن زيد، ومكحول، والحسن. وذهب إليه مالك واختاره ابن جرير، وجزم به عياض والسهيلي، ومال إليه السيوطي في علم التفسير.
"فإن صح هذا" في نفس الأمر وإلا فكيف لا يصح، وقد قال به من ذكر والحجة لهمследующие страницы →