Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
الحواشي
(١) وفي رواية ابن السكن، بفتح القاف، وسكون الدال، وهو خطأ قاله الحافظ وصدر المصنف بأنه بالفاء الساكنة والرفع فاعل يقدم أي جماعة وعز الثانية لأبي الوقت، وتكلف توجيهها بأن ضمير أنه للنبي ﷺ أي: يقدم والحال أنه قد "وهنتهم" أي الصحابة.
قال الحافظ: بتخفيف الهاء وتشديدها، أي: أضعفتهم قال المصنف: ولابن عساكر وهنهم بحذف الفوقية "حمى" فعلى غير منصرف لألف التأنيث كما في المصباح "يثرب" اسم المدينة النبوية في الجاهلية، ونهى ﷺ عن تسميتها بذلك وإنما ذكر ابن عباس ذلك حكاية لكلام المشركين.
وروى أحمد عن ابن عباس لما نزل ﷺ مر الظهران في عمرته بلغ أصحابه أن قريشا يصفونهم بالضعف، فقالوا: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة وهو بفتح الجيم أي راحة، فقال ﷺ : "لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم". فجمعوا وبسطوا الأنطاع فأكلوا حتى تركوا وحشا كل واحد منهم في جرابه.
وفي رواية الإسماعيلي فأطلعه الله على ما قالوا "فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا" بضم الميم مضارع رمل بفتح الراء، والميم وهو الإسراع، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيته.
قال الحافظ: وهو في موضع مفعول أمرهم تقول: أمرته كذا، وبكذا. "الأشواط" بفتح الهمزة بعدها معجمة، جمع شوط بفتح الشين وهو الجري إلى الغاية. والمراد الطواف حول الكعبة وفيه جواز تسمية الطوافة شوطا، ونقل عن مجاهد والشافعي كراهته. انتهى.
"الثلاثة" ليرى المشركون قوتهم بهذا الفعل؛ لأنه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم، ولذا قالوا كما في مسلم: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم لهؤلاء أجلد من كذا، وكذا. قال الحافظ: وفيه جواز المعاريض بالفعل، كما تجوز بالقول وربما كانت بالفعل أقوى، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم. وأمرهم "أن يمشوا ما بين الركنين" اليمانيين حيث لا تراهم قريش إذ كانوا من قبل قعيقعان وهو لا يشرف عليهما إنما شرف على الركنين الشاميين.
وعند أبي داود فكانوا إذا تواروا عن قريش بين الركنين مشوا وإذا اطلعوا عليهم رملوا "ولم يمنعه" بالإفراد، وفي نسخ ولم يمنعهم بالجمع والأولى هي الصحيحة للعز، وللبخاري فإن روايته بالإفراد وأما بالجمع فرواية مسلم "أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" بكسر الهمزة وسكون الموحدة، بعدها قاف.стр. 1402
وفي رواية، قال: "ارملوا" ليرى المشركون قوتهم, والمشركون من قبل قعيقعان.
ومعنى قوله: "إلا الإبقاء عليهم" أي لم يمنعه من أمرهم بالرمل في جميع الطوفات إلا الرفق بهم، والإشفاق عليهم.
ثم طاف رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه -وقد وقف الهدي عن المروة- قال: "هذا المنحر، وكل فجاج
الحواشي
(١) قال: القرطبي رويناه بالرفع على أنه فاعل يمنعهم وبالنصب على أنه مفعول من أجله. وفي يمنعهم ضمير عائد على رسول الله وهو فاعله ذكره الحافظ واقتصر المصنف هنا على الرفع.
وقال: في كتاب الحج أن العيني تبع ابن حجر وسبقهما الزركشي، وتعقبه الدماميني، بأن تجويز النصب مبني على أن لفظ البخاري لم يمنعهم وليس كذلك إنما فيه لم يمنعه فرفع الإبقاء متعين لأنه الفاعل، وكلام القرطبي إنما هو ظاهر في حديث مسلم لم يمنعهم فنقله إلى ما في البخاري غير متأت.
"وفي رواية" للبخاري أيضا عن ابن عباس لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن "قال" لأصحابه: "ارملوا". "ليرى المشركون قوتهم" وفي رواية ابن إسحاق: أنه ﵊ قال: "رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة". "والمشركون من قبل" بكسر ففتح جهة "قعيقعان" بضم القاف الأولى وكسر الثانية فعين في هذه الرواية مكانهم.
وزاد الإسماعيلي فلما رملوا قال المشركون: ما وهنتهم. "ومعنى قوله: إلا الإبقاء عليهم أي لم يمنعه" ﵊ "من أمرهم بالرمل في جميع الطوافات إلا الرفق بهم والإشفاق" الخوف "عليهم" من النصب هكذا قاله الحافظ، والمحوج لهذا التأويل أن الإبقاء لا يناسب أن يكون هو الذي منعه من ذلك إذ الإبقاء معناه الرفق كما في الصحاح فلا بد من تأويله بالإرادة ونحوها.
قاله المصنف في الحج: "ثم" كما روى الواقدي عن ابن عباس "طاف" سعى "رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة على راحلته" وسماه: طوافا اقتداء بقوله تعالى: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وفيه الإشعار بأن السعي وإن لم يكن صورة عبادة لكنها مقصودة منه فليس الغرض منه مجرد الذهاب والعود وإن وقع مثله في سعي الناس، ثم إلى حوائجهم، "فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدي عند المروة" بعد أمره ﵊ بإحضاره كما مر، أنه حبس بذي طوى. قال: "هذا المنحر" المستحب، "وكل فجاج" بكسر الفاء جمع فج بفتحهاстр. 1403
مكة منحر".
فنحر عند المروة. وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون.
وأمر رسول الله ﷺ ناسا منهم أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج، فيقيمون على السلاح، ويأتي الآخرون يقضوا نسكهم ففعلوا.
وأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثا.
وفي البخاري من حديث البراء. فلما دخلها -يعني مكة- ومضى الأجل، أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل.
الحواشي
(١) وهو في الأصل الطريق الواسع فتجوز به عن بقاع "مكة منحر" كما تجوز بها عن جميع الحرم، "فنحر عند المروة وحلق هناك" ذكر صاحب الامتاع أنه حلقه معمر بن عبد الله العدوي "وكذلك فعل المسلمون".
قال الواقدي وكان قد اعتمر معه قوم لم يشهدوا الحديبية فلم ينحروا فأما من شهدها وخرج في القضية فاشتركوا في الهدي، وقال: "وأمر رسول الله ﷺ ناسا منهم،" أي: مائتين من أصحابه حين طافوا بالبيت وسعوا كما قال الواقدي: "أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج فيقيمون على السلاح ويأتي الآخرون يقضوا نسكهم،" أي يفعلوه وإن لم يكن قضاه. يقال: قضى الدين أداه لصاحبه. "ففعلوا وأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثا" كما اشترطه مع قريش في الهدنة، ولا ينافي هذا ما رواه الواقدي من مرسل عمر بن علي بن أبي طالب, وأبو الأسود عن عروة لما كان اليوم الرابع. لفظ عروة: وقال عمر لما كان عند الظهر يوم الرابع جاءه سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، فقالا: ننشدك الله والعهد إلا ما خرجت من أرضنا فرد عليه سعد بن عبادة فأسكته ﷺ وأذن بالرحيل لقول الحافظ في الفتح: كأنه دخل في أوائل النهار فلم يكمل الثلاث إلا في مثل ذلك الوقت من النهار الرابع الذي دخل فيه بالتلفيق وكان مجيئهما قرب مجيء ذلك الوقت. انتهى. وكأنه لم يصح عنده مرسل الواقدي، فلم يذكره ولم يعول عليه في جمعه.
"وفي البخاري من حديث البراء" بن عازب الذي قدم المصنف صدره في الحديبية "فلما دخلها يعني مكة ومضى الأجل" أي الأيام الثلاثة، قال الكرماني: أي قرب مضيه ويتعين الحمل عليه لئلا يلزم الخلف. "أتوا" كفار قريش "عليا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل".
وفي رواية للبخاري، أيضا فقالوا: قل لصاحبك فليرتح فذكر ذلك علي له، فقال: نعمстр. 1404
فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم, فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فحملتها.
الحواشي
(١) فارتحل "فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة", أمامة أو عمارة، أو سلمى، أو فاطمة، أو أمة الله، أو عائشة، أو يعلى؛ أقوال سبعة. قال الحافظ: وأمامة هو المشهور وترجم به في الإصابة وعزاه لأبي جعفر بن حبيب وابن الكلبي، والخطيب في المبهمات. قال: وصرح به في شعر لحسان، وسماها الواقدي: عمارة، وابن السكن: فاطمة فهذا كله صريح في أن المشهور أمامة كما في الفتح ومقدمته، وقول المصنف: عمارة أشهر فيه نظر.
وقد قال الخطيب: انفرد الواقدي بهذا القول وإنما عمارة ابن حمزة لابنته، وكذا القول بأن اسمها: يعلى وهم فإنه ابنه ولم يعقب حمزة إلا منه أعقب خمس بنين ثم ماتوا بلا عقب كما ذكره الزبير بن بكار، ولابن عساكر، بنت حمزة "تنادي: يا عم يا عم" مرتين، قال الحافظ: كأنها خاطبته بذلك إجلالا له، وإلا فهو ابن عمها، أو بالنسبة إلى أن حمزة وإن كان عمه من النسب فهو أخوه من الرضاعة "فتناولها علي فأخذ بيدها، وقال لفاطمة" زوجه: "دونك" أي خذي.
قال الحافظ: دون من أسماء الأفعال تدل على الأمر بأخذ الشيء المشار إليه "ابنة" ولابن عساكر بنت "عمك". وعند الحاكم من مرسل الحسن: فقال علي لفاطمة وهي في هودجها: أمسكيها عندك، وعند ابن سعد من مرسل محمد الباقر بإسناد صحيح بينما بنت حمزة تطوف في الرجال إذ أخذ علي بيدها فألقاها إلى فاطمة في هودجها.
وفي رواية أبي سعيد السكري أن فاطمة قالت لعلي: إنه ﷺ شرط أن لا يصيب منهم أحدا إلا رده عليهم. فقال لها علي: إنها ليست منهم إنما هي منا "فحملتها" كذا في نسخ المصنف، والذي في البخاري: حملتها.
قال الحافظ: كذا للأكثر بصيغة الفعل الماضي، وكأن الفاء سقطت وقد ثبتت في رواية النسائي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري، وكذا لأبي داود من طريق آخر، وكذا لأحمد من حديث علي ولأبي ذر عن السرخسي، والكشميهني: حمِّليها بتشديد الميم المكسورة، وبالتحتانية بصيغة الأمر، وللكشميهني في الصلح: احمليها بألف بدل التشديد. انتهى.
ونسبها المصنف للأصيلي هنا، ثم ظاهر حديث الصحيح أنها خرجت بنفسها، وفي مغازي سليمان التيمي أنه ﷺ لما رجع إلى رحله وجد بنت حمزة، فقال لها: ما أخرجك؟ قالت: رجل من أهلك ولم يكن ﷺ أمر بإخراجها، وفي حديث علي عند أبي داود أن زيد بن حارثة أخرجها من مكة، وفي حديث ابن عباس عند الواقدي أن بنت حمزة وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة، فلما قدمها ﷺ كلمه علي، فقال: علام تترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهرانيстр. 1405
فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم". الحديث.
الحواشي
(١) المشركين، فلم ينهه فخرج بها فيحتمل في طريق الجمع, والله أعلم, أنه ﷺ لما لم ينهه خرج بها من البيت الذي كانت فيه بمكة، ثم دفعها إلى زيد، خوفا من أذى الكفار لمزيد قربه من المصطفى ومنها أو منهم ولذا جاءوه في طلب خروج النبي عنهم، فأتى بها زيد من مكة إلى الرحال فطافت فيها فأبصرت النبي ﷺ فنادته: يا عم يا عم! فألقاها علي في هودج فاطمة، وهذا لم أره لغيري لكنه مقتضى الأحاديث "فاختصم فيها" بنت حمزة "علي، وزيد، وجعفر" ﵃ أي في أيهم تكون عنده، وكان ذلك بعد أن قدموا المدينة كما في حديث علي عند أحمد، والحاكم وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فلما دنوا من المدينة كلمه فيها زيد وكان وصي حمزة وأخاه، وهذا لا ينفي أن المخاصمة وقعت بالمدينة فلعل زيدا سأله ﷺ في ذلك ووقفت المنازعة بعد.
ولأبي سعيد السكري في ديوان حسان أن مخاصمتهم إلى النبي ﷺ كانت بعد أن وصلوا مر الظهران ذكره الحافظ، فإن صح فلعلهم اختصموا عنده مرتين وفي رواية أبي سعيد السكري اختصموا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فأيقظوا النبي ﷺ من نومه "قال" ولابن عساكر: فقال "علي: أنا أخذتها" وفي رواية: أنا أخرجتها من بين أظهر المشركين "وهي ابنة عمي" زاد أبو داود: وعندي ابنة رسول الله ﷺ وهي أحق به، "وقال جعفر": هي "ابنة" ولأبي ذر: بنت "عمي وخالتها" أسماء بنت عميس كما في حديث علي عند أحمد "تحتي" أي زوجتي.
وفي رواية الحاكم: عندي "وقال" بالواو ولأبي ذر: فقال "زيد: ابنة" ولأبي ذر، وابن عساكر: بنت "أخي" وكان ﷺ آخى بينه وبين حمزة حين آخى بين المهاجرين، كما ذكره الحاكم في الإكليل وأبو سعد في شرف المصطفى.
وزاد في حديث علي عند أبي داود: أنا خرجت إليها. قال الحافظ: وكان لهؤلاء الثلاثة فيها شبهة أما زيد فللأخوة التي ذكرها ولكونه بدأ بإخراجها من مكة، وأما علي فلأنه ابن عمها وحملها مع زوجته، وأما جعفر فلكونه ابن عمها وخالتها عنده فترجح جانبه باجتماع قرابة الرجل والمرأة منها دونهما، "فقضى بها النبي ﷺ لخالتها".
وفي حديث ابن عباس: فقال: "جعفر أولى بها". ولأبي داود، وأحمد: "أما الجارية فأقضي بها لجعفر". ولأبي سعيد السكري: "ادفعاها إلى جعفر فإنه أوسعكم". قال الحافظ: وهذا سبب ثالث، وقال: "الخالة بمنزلة الأم". أي: تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولدстр. 1406
وإنما أقرهم النبي ﷺ على أخذه مع اشتراط المشركين أن لا يخرج بأحد من أهلها أراد الخروج، لأنهم لم يطلبوها.
وقوله: "الخالة بمنزلة الأم". أي في هذا الحكم الخاص؛ لأنها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد. ويؤخذ منه أن الخالة في الحضانة مقدمة على العمة؛ لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذ، وإذا قدمت على العمة، مع كونها أقرب العصبات من النساء، فهي مقدمة على غيرها، ويؤخذ منه تقديم أقارب.
الحواشي
(١) "الحديث" بقيته، وقال لعلي: "أنت مني، وأنا منك". وقال لجعفر: "أشبهت خَلقي وخُلقي". وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا". وقال علي: ألا تتزوج بنت حمزة؟ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة".
قال الحافظ: فطيب خواطر الجميع وإن كان قضى لجعفر، فقد بين وجهه وحاصله أن المقضي له في الحقيقة الخالة وجعفر تبع لأنه كان القائم في الطلب، وفي حديث علي عند أحمد، وكذا في مرسل الباقر، فقام جعفر فحجل حول النبي ﷺ دار عليه، فقال صلى عليه وسلم: "ما هذا"؟. قال: شيء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم، وفي حديث ابن عباس فقال: إن النجاشي كان إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله. وهو بفتح المهملة وكسر الجيم، أي: وقف على رجل واحدة، وهو الرقص بهيئة مخصوصة.
وفي حديث علي المذكور: أن الثلاثة فعلوا ذلك. "وإنما أقرهم النبي ﷺ على أخذها مع اشتراط المشركين أن لا يخرج بأحد من أهلها أراد الخروج لأنهم لم يطلبوها". قاله الحافظ، وزاد أيضا فالنساء المؤمنات لم يدخلن في ذلك, لكن إنما نزل القرآن في ذلك بعد رجوعهم إلى المدينة. انتهى.
وهو أظهر لاقتضاء الأول أنهم لو طلبوها ردها وهو ممتنع حيث لم يدخلن في الشرط، وقوله: "الخالة بمنزلة الأم". "أي: في هذا الحكم الخاص", وهو الحضانة "لأنها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد" كما دل عليه السياق, فلا حجة فيه لمن زعم أن الخالة ترث؛ لأن الأم ترث في حديث علي وفي مرسل الباقر، الخالة والدة، وإنما الخالة أم، وهي بمعنى قوله بمنزلة الأم لا أنها أم حقيقة "يؤخذ منه أن الخالة في الحضانة مقدمة على العمة؛ لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذ، وإذا قدمت على العمة مع كونها أقرب العصبات من النساء فهي" الخالة، "مقدمة على غيرها" العمة بالأولى "ويؤخذ منه تقديم أقاربстр. 1407
الأم على أقارب الأب. انتهى.
قال ابن عباس: وتزوج ﷺ ميمونة وهو محرم
الحواشي
(١) الأم على أقارب الأب. انتهى".
ما نقله من الفتح وزاد وعن أحمد رواية أن العمة مقدمة في الحضانة على الخالة، وأجيب له عن هذه القصة بأن العمة لم تطلب فإن قيل: والخالة لم تطلب. قيل: قد طلب لها زوجها، فكما أن لقريب المحضون أن يمنع الحاضنة إذا تزوجت فللزوج أيضا، أن يمنعها من أخذه فإذا وقع الرضا سقط الحرج، وفيه من الفوائد أيضا تعظيم صلة الرحم بحيث تقع المخاصمة بين الكبار في التوصل، إليها وأن الحاكم يبين دليل الحكم للخصم، وأن الخصم يدلي بحجته، وأن الحاضنة إذا تزوجت بقريب المحضون لا تسقط حضانتها إذا كانت المحضونة أنثى أخذا بظاهر هذا الحديث، قاله أحمد وعنه: لا فرق بين الأنثى والذكر ولا يشترط كونه محرما لكن مأمونا وأن الصغير لا يشتهى، ولا تسقط إلا إذا تزوجت بأجنبي وكل من طلبت حضانتها لها كانت متزوجة فرجح جانب جعفر بكونه زوج الخالة. انتهى.
لكن الحق في هذه الصورة عند مالك كان للعمة لأن من شرط عدم سقوط الحضانة بالتزويج أن لا يكون هناك حاضنة خلية من الزوج، عن هذه القصة بأنها لما لم تطلب، لم يكلفها النبي ﷺ ذلك خصوصا وقد علمت بقدومها إذ الاختصام كان بالمدينة كما مر فلا يقال: لو كان الحق لها لأرسل لها، وإن لم تطلب.
وفي رواية أبي سعيد السكري فدفعناها إلى جعفر فلم تزل عنده حتى قتل فأوصى بها جعفر إلى علي فمكثت عنده، حتى بلغت فعرضها علي على رسول الله ﷺ ، فقال: "هي ابنة أخي من الرضاعة". وذكر الخطيب في المهمات أنه ﷺ ، زوجها من سلمة ابن أم سلمة، وقال حين زوجها منه: "هل جزيت سلمة"؟. وذلك أنه هو الذي كان زوج أمه أم سلمة منه ﷺ ، وذكر أبو جعفر بن حبيب في كتاب المخبر أنها لما قدمت المدينة طفقت تسأل عن قبر أبيها، فبلغ حسان فقال:
تسائل عن قرم هجان سميذع ... لدى الناس مغوار الصباح جسور
فقلت لها إن الشهادة راحة ... ورضوان رب يا أمام غفور
دعاه إله الحق ذو العرش دعوة ... إلى جنة فيها رضا وسرور
"قال ابن عباس": عند البخاري في مواضع "وتزوج ﷺ ميمونة" ولابن حبان، والنسائي والطبراني عن ابن عباس: تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك يعني عمرة القضاء، وكان الذي زوجها العباس "وهو محرم".стр. 1408
وبنى بها وهو حلال.
وقد استدرك ذلك على ابن عباس وعد من وهمه، قال سعيد بن المسيب: وَهِلَ ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها ﷺ إلا بعد ما حل. ذكره البخاري "وهل" بكسر الهاء أي: غلط.
الحواشي
(١) ولأبي الأسود عن عروة بعث ﷺ جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة ليخطبها له فجعلت أمرها إلى العباس وكانت أختها أم الفضل تحته فزوجه إياها.
زاد ابن هشام وأصدقها العباس عن رسول الله ﷺ أربعمائة درهم "وبنى" دخل "بها وهو حلال".
قال ابن إسحاق: وكانت قريش وكلت حويطبا بإخراجه ﷺ من مكة، فقالوا: اخرج عنا، فقال ﷺ : "وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه". فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا.
وعند الواقدي: وكان ﷺ لم ينزل بيتا إنما ضربت له قبة من أديم بالأبطح فكان فيها حتى خرج من مكة ولم يدخل تحت سقف بيت من بيوتها، فغضب سعد بن عبادة لما رأى من غلظ كلامهم، وقال سهيل بن عمرو: كذبت لا أم لك ليست بأرضك ولا أرض أبيك والله لا يبرح منها إلا طائعا راضيا، فتبسم ﷺ وقال: "يا سعد، لا تؤذ قومنا، زارونا في رحالنا". وخرج وخلف أبا رافع على ميمونة، فأقام حتى أمسى فخرج بها ومن معها ولقيت من سفهاء مكة عناء فأتاه بها بسرف، ثم بقية حديث ابن عباس هذا عند البخاري وماتت بسرف أي بعد ذلك سنة إحدى وخمسين على الصحيح، وقيل: سنة ثلاث وستين وقيل: ست وستين. "وقد استدرك ذلك" أي تزوجها وهو محرم "على ابن عباس وعد من وهمه", وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه.
"قال سعيد بن المسيب" أحد كبار التابعين المشهور: "وهل ابن عباس وإن كانت خالته ما تزوجها ﷺ إلا بعدما حل، ذكره" أي رواه يعني قول ابن عباس وسعيد "البخاري ووهل بكسر الهاء، أي غلط" لمخالفته المروي عنها نفسها، وعن أبي رافع وكان الرسول بينهما وعن سليمان بن يسار، وهو مولاها فقد اتفقوا كلهم على أنه كان حلالا فتترجح روايتهم على رواية واحد، وأيضا فرواية من باشر الوقعة أرجح ممن لم يباشرها، ثم هذا المشهور عن ابن عباس.
وعند البزار عن عائشة نحوه وكذا للدارقطني بسند ضعيف عن أبي هريرة.
وأخرج الدارقطني من طريق أبي الأسود ومطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس أنه ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال قال السهيلي، وهي غريبة جدا قلت: إن ثبت ذلك عنه، فكأنه رجع وإلا فالثابت عنه في الموطأ والصحيحين والسنن أنه تزوجها وهو محرم.стр. 1409
وقال يزيد بن الأصم عن ميمونة: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف. رواه مسلم.
وسيأتي في.
الحواشي
(١) قال السهيلي: وتأول بعض شيوخنا قوله: وهو محرم بمعنى في الشهر الحرام والبلد الحرام وذلك أن ابن عباس عربي فصيح يتكلم بكلام العرب ولم يرد الإحرام بالحج، وقد قال الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... فدعا فلم أر مثله مجدولا
فالله أعلم أراد ذلك ابن عباس أم لا؟ انتهى.
"وقال يزيد بن الأصم" واسمه عروة بن عبيد بن معاوية البكائي بفتح الموحدة والتشديد، أبو عون الكوفي, نزيل الرقة, ثقة، يقال له رؤية.
قال الحافظ: ولم تثبت مات سنة ثلاث ومائة، روى له مسلم والأربعة وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين "عن" خالته "ميمونة: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف" بفتح السين المهملة وكسر الراء وبالفاء، ما بين التنعيم وبطن مرو وهو إلى التنعيم أقرب.
"رواه مسلم" وزاد عن يزيد: وكانت خالتي، وخالة ابن عباس، وأخرج الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان عن أبي رافع أنه ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال. وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول بينهما.
وروى مالك في الموطأ عن ربيعة عن سليمان بن يسار أنه ﷺ بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة وهو بالمدينة قبل أن يخرج.
قال البيهقي في المعرفة: وبهذا رد الشافعي رواية ابن عباس التي احتج بها الحنفية وأهل العراق على جواز نكاح المحرم وإنكاحه، وخالفهم الجمهور وأهل الحجاز محتجين بحديث مسلم عن عثمان رفعه: " المحرم لا يَنكِح ولا يُنكِح". وأما خبر ابن عباس وإن صح إسناده إليه فوهم كما قال سعيد.
قال الشافعي: لأن ابن أختها يزيد يقول: نكحها حلالا ومعه سليمان بن يسار عتيقها أو ابن عتيقها وخبر اثنين أكثر من خبر واحد مع رواية عثمان التي هي أثبت من هذا كله، قال: ولئن سلمنا أن الخبرين تكافآ نظرنا فيما فعل الصحابة بعد وقد رأينا عمر، وزيد بن ثابت يردان نكاح المحرم، ولا أعلم من الصحابة مخالفا لذلك وقد روينا عن الحسن أن عليا قال: من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته ولم نجز نكاحه. انتهى.
"و" على تقدير أن يكون حديث ابن عباس محفوظا، فلا حجة فيه لما "سيأتي فيстр. 1410
الخصائص من مقصد معجزاته إن شاء الله تعالى: أن له -النبي ﷺ النكاح في حال الإحرام على أصح الوجهين عن الشافعية.
الحواشي
(١) الخصائص من مقصد معجزاته إن شاء الله تعالى أن له ﷺ النكاح في حال الإحرام على أصح الوجهين عند الشافعية" وهو المعتمد وقول الجمهور من غيرهم، فلا حجة فيه للكوفيين، وقولهم أنه عقد معاوضة لا يمنع المحرم منه كشراء الجارية للتسري قياس في معرض النص فلا يعتبر به، وتأويلهم لا ينكح المحرم بلا يطأ تخصيص للعام بلا دليل, والله أعلم.стр. 1411
" ذكر خمس سرايا قبل مؤتة ":
ثم سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم، في ذي الحجة سنة سبع، في خمسين رجلا، فأحدق بهم الكفار من كل ناحية، وقاتل القوم قتالا شديدا، حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى.
الحواشي
(١) ذكر خمس سرايا قبل مؤتة:
"ثم سرية" الأخرم بخاء معجمة وراء مفتوحة وميم "ابن أبي العوجاء السلمي", هكذا قال الزهري: وتلميذه ابن إسحاق، وابن سعد بإثبات لفظ ابن، وهو الذي عزاه في الإصابة والتجريد للزهري. قال الشامي: وأغرب الذهبي في الكنى فقال أبو العوجاء: ونقله عن الزهري. انتهى.
قال في الإصابة ويحتمل أن يكون هو أي الأخرم محرز بن نضلة، فارس المصطفى. انتهى.
وفيه نظر لأن محرز قتل في غزوة ذي قرد كما في مسلم، وهي قبل هذه قطعا لأن أقصى ما قيل: إن ذي قرد قبل خيبر بثلاثة أيام "إلى بني سليم" بضم السين المهملة وفتح اللام "في ذي الحجة سنة سبع"، كما عند ابن سعد "في خمسين رجلا".
قال ابن سعد فخرج إليهم وتقدمه عين لهم كان معهم فحذرهم فجمعوا له جمعا كثيرا فأتاهم ابن أبي العوجاء وهم معدون له فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا إليه فتراموا بالنبل ساعة وأتتهم الأمداد، "فأحدق" أحاط "بهم الكفار من كل ناحية وقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم" هذا لفظ ابن سعد، وأما الزهري فقال: بعث ﷺ سرية عليها ابن أبي العوجاء السلمي فقتلوا جميعا وأما ابن إسحاق، فقال: غزوة ابن أبي العوجاء السلمي أرض بني سليم أصيب بها هو وأصحابه جميعا، فهذا نص في أن الأمير قتل معهم هو ظاهر قول ابن شهاب. وأما ابن سعد فيخالف ذلك فهذا الذي منعنا من تأويل قول عامتهم بجميعهم ولأن الأمير عند ابن سعد لم يقتل لقوله: "وأصيب" أي وجد "ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى" فظنوه قتلстр. 1412
ثم تحامل حتى بلغ رسول الله ﷺ في أول صفر سنة ثمان.
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح -بالحاء المهملة- بالكديد -بفتح الكاف- قال في القاموس: الكديد بفتح الكاف ما بين الحرمين شرفهما الله. والبطن الواسع من الأرض, والأرض الغليظة، كالكدة بالكسر، ويوم الكديد معروف.
في صفر سنة ثمان من مهاجره، فغنم.
الحواشي
(١) فتركوه "ثم تحامل حتى بلغ رسول الله ﷺ " فقدموا المدينة "في أول" يوم من "صفر سنة ثمان", وقول ابن سعد فقدموا بالجمع يوهم أنه نجا منهم غير الأمير، فإما أنه اطلع على ذلك، وإما أن القادم معه اثنان أو أكثر رأوه جريحا، فعاونوه في الذهاب للمدينة والله أعلم.
"ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي" الكناني، الكلبي كلب عوف بن ليث تقدم بعض ترجمته وأنه ولي إمرة خراسان زمن معاوية سنة ثمان وأربعين، واسم جده مسعر على الصحيح، ولغالب حديث أخرجه البخاري في تاريخه والبغوي عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ عام الفتح بين يديه لأسهل له الطريق ولأكون له عينا، فلقيني على الطريق لقاح بني كنانة وكانت نحوا من ستة آلاف لقحة، وأن النبي ﷺ نزل فحلبت له فجعل يدعو الناس إلى الشراب فمن قال: إني صائم؟ قال: هؤلاء العاصون "إلى بني الملوح" بضم الميم وفتح اللام وكسر الواو المشددة و"بالحاء المهملة" آخره.
قال ابن سعد وهم من بني ليث "بالكديد بفتح الكاف" وكسر الدال المهملة وسكون التحتية آخره دال مهملة.
"قال في القاموس: الكديد بفتح الكاف ما بين الحرمين شرفهما الله" لكنه أقرب إلى مكة فإنه على اثنين وأربعين ميلا منها, وفي الصحيح هو ماء بين عسفان وقديد، "والبطن الواسع من الأرض، والأرض الغليظة كالكدة بالكسر ويوم الكديد معروف" إلى هنا كلام القاموس. ولم يثبت في جميع النسخ "في صفر سنة ثمان", كما أرخها ابن سعد "من مهاجره" بضم الميم، وفتح الجيم، مصدر ميمي بمعنى الهجرة أو اسم زمان الهجرة، لأن اسم المفعول من المزيد يستعمل بمعنى المصدر, واسم الزمان، واسم المكان. "فغنم" غالب بن عبد الله نعما.
روى الواقدي عن حمزة بن عمر الأسلمي قال: كنت معهم وكنا بضعة عشر رجلا وكان شعارنا: أمت أمت. ونقل ابن كثير عن الواقدي، أنهم كانوا مائة وثلاثين.
رده الشامي بأن ذاك في سرية لغالب غير هذه يعني التي تقدمت قبل عمرة القضاء.стр. 1413
...............................................
الحواشي
(١) روى ابن إسحاق ومن طريقه أحمد، وأبو داود، وابن سعد كلهم عن جندب بن مكيث الجهني، قال: بعث ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي على سرية كنت فيها وأمره بشن الغارة على بني الملوح بالكديد، فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن مالك الليثي فأخذناه، فقال: إني جئت أريد الإسلام وما خرجت إلا إلى رسول الله ﷺ ، قلنا له: إن تك مسلما فلن يضرك رباط يوم وليلة وإن تك على غير ذلك كنا قد استوثقنا منك فشددناه وثاقا. ثم خلفنا عليه رجلا من أصحابنا أسود، فقلنا له: إن غارك فاحتز رأسه. ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس، فكنا في ناحية الوادي وبعثني أصحابي ربيئة لهم، فخرجت حتى آتي تلا مشرفا على الحاضر، فاستندت فيه فعلوت على رأسه فنظرت إلى الحاضر، فوالله إني لمنبطح على التل إذ خرج رجل من خبائه، فقال لامرأته: إني لأرى على التل سوادا ما رأيته في أول يومي، فانظري إلى أوعيتك هل تفقدين شيئا لا تكون الكلاب جرت بعضها، قال: فنظرت، فقالت: لا والله لا أفقد شيئا، قال: فناوليني قوسي وسهمين فناولته فأرسل سهما فما أخطأ جنبي. لفظ ابن إسحاق: وقال ابن سعد: عنه فوالله ما أخطأ بين عيني فأنزعه وثبت مكاني، فأرسل الآخر فوضعه في منكبي فأنزعه فأضعه وثبت مكاني، فقال لامرأته: لو كنا ربيئة لقوم لقد تحرك لقد خالطه سهماي لا أبا لك إذا أصبحت فابتغيهما فخذيهما لا تمضغهما الكلاب، ثم دخل وأمهلناهم حتى إذا اطمأنوا وناموا وكان في وجه السحر شننا عليهم الغارة فقتلنا منهم واستقنا النعم وخرج صريخ القوم وجاءنا دهم لا قبل لنا به ومضينا بالنعم ومررنا بابن البرصاء وصحبه فاحتملناهما معنا وأدركنا القوم حتى قربوا منا فما بيننا وبينهم إلا وادي قديد، فأرسل الله الوادي بالسيل من حيث شاء ﵎ من غير سحابة نراها ولا مطر فجاء بشيء ليس لأحد به قوة، ولا يقدر أحد أن يجاوزه فوقفوا ينظرون إلينا وإن لنسوق نعمهم ما يستطيع رجل منهم أن يجيز إلينا ونحن نحدوها سراعا حتى فتناهم فلم يقدروا على طلبنا، فقدمنا على رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من أسلم عن رجل منهم أن شعار الصحابة تلك الليلة: أمت أمت. فقال راجز من المسلمين يحدوها:
أبى أبو القاسم أن تعربي ... في خضل نباتة مغلولب
صفر أعاليه كلون المذهب
انتهى. وربيئة بفتح الراء وكسر الموحدة بعدها تحتية فهمزة أي طليعة، والحارث بن مالك هو المعروف بابن البرصاء وهي أمه وقيل: أم أبيه, صحابي سكن مكة، ثم المدينة وله حديث واحد وهو قوله: سمعت رسول الله ﷺ يوم الفتح يقول: "لا تغزى مكة بعد اليوم، إلى يوم القيامة".стр. 1414
وفي هذا الشهر قدم خالد بن الوليد وعثمان بن أبي طلحة وعمرو بن العاصي المدينة, فأسلموا.
الحواشي
(١) رواه الترمذي، وابن حبان، وصححاه والدارقطني، وعاش إلى أواخر خلافة معاوية "وفي هذا الشهر" صفر سنة ثمان "قدم خالد بن الوليد" بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي أحد الأشراف كانت إليه أعنة الخيل في الجاهلية، وشهد مع قريش الحروب إلى عمرة الحديبية، كما في الصحيح أنه كان على خيل قريش طليعة، ثم صار سيف الله.
روى أبو يعلى مرفوعا: "لا تؤذوا خالدا فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار". وأخرج الترمذي برجال ثقات، مرفوعا: "نعم عبد الله هذا سيف من سيوف الله". وروى أبو زرعة الدمشقي رفعه: "نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكفار". وروى سعيد بن منصور عن خالد قال: اعتمر ﷺ فحلق رأسه فابتدر الناس شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة, فلم أشهد قتالا وهي معي إلا تبين لي النصر. ورواه أبو يعلى بلفظ: فما وجهت في وجه إلا فتح. والأكثر أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين, وقيل: توفي بالمدينة النبوية.
روى ابن المبارك عنه أنه قال لما حضرته الوفاة: لقد طلبت القتل مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. "وعثمان بن أبي طلحة" واسمه عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار العبدري حاجب البيت، ووقع في تفسير الثعلبي، بلا سند أنه أسلم يوم الفتح، بعد أن دفع له المفتاح.
قال في الإصابة: وهو منكر والمعروف أنه أسلم وهاجر مع عمرو وخالد وبه جزم غير واحد، ثم سكن المدينة وبها مات سنة ثنتين وأربعين.
قال الواقدي، وابن البرقي: وقيل: استشهد بأجنادين.
قال العسكري: وهو باطل. "وعمرو بن العاصي" بن وائل بن هاشم بن سعيد بالتصغير ابن سهم القرشي، السهمي أمير مصر أحد دهاة العرب في الإسلام الأربعة.
ذكر الزبير بن بكار أن رجا قال له: ما أبطأ بك عن الإسلام وأنت أنت في عقلك؟ قال: كنا مع قوم لهم علينا تقدم وكانوا ممن يوازي حلومهم الجبال فلذنا بهم، فلما ذهبوا صار الأمر إلينا، نظرنا وتدبرنا فإذا حق بين, فوقع في قلبي الإسلام. مات سنة ثلاث وأربعين على الصحيح عن نحو تسعين سنة.
وروى الخطيب مرفوعا: "يقدم عليكم الليلة رجل حكيم". فقدم عمرو مهاجرا "المدينة"، فأسلموا". ذكر الزبير بن بكار أنهم لما قدموا عليه صلى الله عليه وسلمстр. 1415
وقال ابن أبي خيثمة: كان ذلك سنة خمس، وقال الحاكم: سنة سبع.
الحواشي
(١) قال عمرو: كنت أسن منهما فأردت أن أكيدهما فقدمتهما قبلي للبيعة فبايعا واشترطا أن يغفر لهما ما تقدم من ذنبهما فأضمرت في نفسي أن أبايع على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، فلما بايعت ذكرت ما تقدم من ذنبي وأنسيت أن أقول وما تأخر.
"وقال" أحمد "ابن أبي خيثمة" زهير بن حرب الحافظ ابن الحافظ، أبو بكر النسائي، ثم البغدادي. قال الخطيب: ثقة, عالم, متقن, بصير بأيام الناس, راوية للأدب, لا أعرف أغزر من فوائد تاريخه, بلغ أربعا وتسعين سنة ومات سنة تسع وثمانين ومائتين: "كان ذلك سنة خمس" قال الحافظ: هو وهم، ففي الصحيح أن خالدا كان على خيل قريش بالحديبية.
"وقال الحاكم: سنة سبع" بعد خيبر، أخرج ابن إسحاق عن عمرو بن العاصي قال: لما انصرفنا عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله إن أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا, وقد رأيت أن تلحق بالنجاشي، فإن ظهر محمد فكوننا تحت يده أحب إلينا من يد محمد وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلا يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي قلت: فاجمعوا ما يهدى وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية رسوله ﷺ في شأن جعفر وأصحابه فدخل عليه، ثم خرج، فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، لو دخلت على النجاشي فأعطانيه فضربت عنقه لرأت قريش أني أجمأت عنها بقتل رسول محمد فدخلت فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي أهديت إليَّ من بلادك يئا قلت له: نعم أدما كثيرا وقربته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: إني رأيت رسول عدونا خرج من عندك فأعطنيه لأقتله فإنه أصاب من أشرافنا وخيارنا، فغضب ثم ضرب أنفه بيده ضربة ظننت أنه كسره فتمنيت أن لو انشقت بي الأرض لدخلت فيها فرقا منه، ثم قلت: أيها الملك! والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألته قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟ قلت: أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرج إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت أصحابي إسلامي، ثم خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان! فقال: والله لقد استقام الميسم, وإن الرجل لنبي, أذهب والله أسلم فحتى متى؟ فقلت: والله لقد جئت لأسلم, فقدمنا المدينة فتقدم خالدстр. 1416
ثم سرية غالب أيضا إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان، ومعه مائتا رجل، فأغاروا عليهم مع الصبح.
الحواشي
(١) فأسلم، وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله! إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، فقال ﷺ : "يا عمرو! بايع فإن الإسلام يجب ما قبله وإن الهجرة تجب ما قبلها".
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما أسلم حين أسلما.
قال في الروض: من رواه الميسم بالياء فهو العلامة أي قد تبين الأمر ومن رواه المنسم بفتح الميم وبالنون فمعناه استقام الطريق ووجبت الهجرة والمنسم مقدم خف البعير كنى به عن الطريق للتوجه به فيه. انتهى.
وفي إسلام عمرو على يد النجاشي لطيفة هي صحابي أسلم على يد تابعي ولا يعرف مثله, والله أعلم.
"ثم سرية غالب أيضا" لما رجع مؤيدا منصورا "إلى" موضع "مصاب أصحاب بشير" كأمير "ابن سعد" وكانوا ثلاثين "بفدك في صفر سنة ثمان".
وروى ابن سعد أنه ﷺ هيأ الزبير، وقال له: "سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم". وهيأ معه مائتي رجل وعقد له لواء, فقدم غالب من سرية الكديد قد ظفره الله عليهم، فقال ﷺ للزبير: "اجلس". وبعث غالبا "ومعه مائتا رجل", سمى الواقدي، وابن سعد منهم علبة بن زيد الحارثي وأبا مسعود وكعب بن عجرة وأسامة وحويصة، وأبا سعيد الخدري "فأغاروا عليهم مع الصبح" وذلك أنه لما دنا منهم بعث الطلائع ومنهم علبة بضم المهملة وسكون اللام وفتح الموحدة في عشرة ينظرون إلى محالهم فأشرف على جماعة منهم، ثم رجع وأخبره الخبر.
وروى ابن سعد: عن حويصة: بعثني ﷺ في سرية مع غالب إلى بني مرة فأغرنا عليهم مع الصبح وقد أوعز إلينا أميرنا أن لا نفترق وآخى بيننا وقال: لا تعصوني فإنه صلى الل عليه وسلم قال: "من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني، وإنكم متى ما تعصوني فإنكم تعصون نبيكم". فآخى بيني وبين أبي سعيد الخدري فأصبنا القوم.
وروي أنه لما دنا من القوم حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وأن تطيعوني ولا تعصوني ولا تخالفوا لي أمرا فإنه لا رأي لمن لا يطاع ثم ألف بين كل اثنين، وقال لهم: لا يفارق أحد منكم زميله، وإذا كبرت فكبروا فلما أحاطوا بالقوم كبر غالب فكبروا معه وجردوا السيوف، فخرج الرجال فقاتلوا ساعة ووضعстр. 1417
وقتلوا منهم قتلى وأصابوا نعما.
ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر، بالسيء، ماء من ذات عرق إلى وجرة على ثلاثة مراحل من مكة إلى البصرة، وخمس من المدينة.
في شهر ربيع الأول سنة ثمان، ومعه أربعة وعشرون رجلا إلى جمع من هوازن، وأمره أن يغير عليهم فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم، فأصابوا نعما وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة، واقتسموا الغنيمة وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا وعدلوا البعير بعشر من الغنم.
ثم سرية كعب بن عمير الغفاري.
الحواشي
(١) المسلمون فيهم السيف وكان شعارهم: أمت أمت. "وقتلوا منهم قتلى وأصابوا نعما" وشاء وذرية فساقوها وكانت سهامهم عشرة أبعرة لكل رجل أو عدلها من الغنم لكل بعير عشرة.
"ثم سرية شجاع" بمعجمة مضمومة وجيم "ابن وهب" بن ربيعة بن أسد "الأسدي" أبو وهب البدري من السابقين الأولين، وهاجر إلى الحبشة واستشهد باليمامة "إلى بني عامر بالسيء" بكسر السين المهملة ثم همزة ممدودة، كذا ضبطه البرهان، وتبعه الشامي والذي في الصحاح القاموس والمراصد أنه بالكسر وتشديد الياء وكذا ضبطه أبو عبيد البكري، وقال: هو "ماء" بالرفع أو الجر بدل مما قبله "من ذات عرق إلى وجره" بفتح الواو وسكون الجيم وبالراء فهاء تأنيث موضع بين مكة والبصرة أربعون ميلا، كما في القاموس "على ثلاثة مراحل من مكة إلى البصرة وخمس من المدينة".
قال البكري: وزعم أن وجرة ماء لبني سليم على ثلاثة مراحل من مكة "في شهر ربيع الأول سنة ثمان ومعه أربعة وعشرون رجلا إلى جمع من هوازن" يقال لهم: بنو عامر "وأمره أن يغير عليهم فكان يسير الليل ويكمن" بضم الميم وفتحها "النهار حتى صبحهم" وهم غافلون، ونهى أصحابه أن يمنعوا في الطلب "فأصابوا نعما" كثيرا كما في الرواية "وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة، واقتسموا الغنيمة وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا وعدلوا البعير بعشر من الغنم".
رواه كله ابن سعد من مرسل عمرو بن الحكم.
"ثم سرية كعب بن عمير" بضم المهملة وفتح الميم وسكون التحتية فراء "الغفاري" بكسر المعجمة وخفة الفاء.стр. 1418
إلى ذات أطلاح، وراء ذات القرى، في ربيع الأول سنة ثمان في خمسة عشر رجلا، فساروا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح، فوجدوا جمعا كثيرا فقاتلهم الصحابة أشد القتال حتى قتلوا، وأفلت رجل جريح في القتلى. قال مغلطاي: قيل: هو الأمير. فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فشق ذلك عليه، وهم بالبعث إليهم فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر فتركهم.
الحواشي
(١) قال أبو عمر من كبار الصحابة "إلى ذات أطلاح" بفتح الهمزة وسكون الطاء، وبالحاء المهملتين من أرض الشام "وراء ذات القرى" الذي عند غيره: وراء وادي القرى، وقد مر له نظير ذلك في سرية حسمي والانتقاد عليه بأنه ليس ثم محل يقال له: ذات القرى، وأنه يمكن تأويله أنه لم يرد المعنى العلمي بل الإضافي بتقدير مضاف موصوف ذات هو وراء أرض ذات القرى "في ربيع الأول سنة ثمان" كما أرخها ابن سعد.
قال: حدثنا محمد بن عمر حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث ﷺ كعبا "في خمسة عشر رجلا فساروا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح، فوجدوا جمعا كثيرا" وذلك أنه كان يكمن النهار ويسير الليل حتى دنا منهم فرآه عين لهم فأخبرهم بقلة الصحابة فجاءوا على الخيل، وفي حديث الزهري فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل "فقاتلهم الصحابة أشد القتال حتى قتلوا".
قال أبو عمر: قتلوهم ببضاعة "وأفلت" أي تخلص ونجا "منهم رجل جريح في القتلى".
"قال مغلطاي: قيل: هو الأمير" قائله ابن سعد ونسبه الشامي للواقدي وفيه نظر. ففي الإصابة أن ابن سعد ذكر أن أصحابه قتلوا جميعا وتحامل هو حتى بلغ المدينة كذا قال، وقد ساق شيخه الواقدي القصة وأبهم الرجل الذي تحامل، وهكذا ذكره ابن إسحاق عن عبد الله ابن أبي بكر، وأن كعب بن عمير قتل يومئذ، وكذا ذكر ابن عقبة عن الزهري, وأبو الأسود عن عروة، وبه جزم أبو عمر. انتهى.
ولذا مرضه مغلطاي، وقال البرهان: هذا الرجل لا أعرف اسمه "فلما برد" بفتح الراء وضمها "عليه الليل تحامل حتى أتى النبي ﷺ ، فأخبره الخبر فشق ذلك عليه وهم بالبعث إليهم، فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر فتركهم".
قال بعض ولم أقف على سبب هذه السرية والله سبحانه أعلم.стр. 1419
" باب غزوة مؤتة ":
ثم سرية مؤتة -بضم الميم وسكون الواو- بغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم المبرد، وجزم ثعلب والجوهري وابن فارس بالهمز، وحكى غيرهم الوجهين.
وهي من عمل البلقاء بالشام، دون دمشق.
الحواشي
(١) باب غزوة مؤتة:
"ثم سرية مؤتة" ترجمها البخاري وابن إسحاق في طائفة غزوة مؤتة وفي بعض الروايات تسميتها غزوة جيش الأمراء وذلك لكثرة جيش المسلمين فيها وما لاقوه من الحرب الشديد مع الكفار، وسماها المصنف وغيره سرية لأنها طائفة من جيشه ﷺ بعثها ولم يخرج معها، وموتة قال الحافظ: في الفتح "بضم الميم وسكون الواو بغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم" من أهل اللغة "المبرد" أبو العباس محمد بن يزيد عبد الأكبر إمام العربية المشهور. ولد سنة عشر ومائتين ومات سنة اثنتين، وقيل: خمس وثمانين. قال السيرافي: لما صنف المازني كتاب الألف واللام، سأل المبرد عن دقيقه وعويصه فأجابه بأحسن جواب، فقال له: قم فأنت المبرد بكسر الراء المثبت للحق فغيره الكوفيون وفتحوا الراء. انتهى.
ومن الرواة من همزها "وجزم ثعلب" العلامة المحدث شيخ اللغة والعربية أبو العباس أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني مولاهم البغدادي المقدم في نحو الكوفيين ولد سنة مائتين.
قال الخطيب: كان ثقة دينا حجة صالحا مشهورا بالحفظ مات في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين ومائتين المعدود في الحفاظ لقوله سمعت من عبيد الله القواريري مائة ألف حديث "والجوهري" الإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد مات في حدود الأربعمائة "و" أحمد بن زكريا "ابن فارس" أبو الحسين الرازي اللغوي الفقيه المالكي الإمام في علوم شتى صاحب التصانيف، المتوفى سنة تسع وقيل: خمس وسبعين وثلاثمائة "بالهمز".
"وحكى غيرهم" وهو صاحب الوافي كما في الفتح "الوجهين وهي من عمل البلقاء" بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمد مدينة معروفة "بالشام،" هكذا ضبطها البرهان بالمد وهو ظاهر القاموس، وفي الشامي أنها مقصورة "دون دمشق"، وفي الفتح قال ابن إسحاق: هي بالقرب من البلقاء، وقال غيره على مرحلتين من بيت المقدس.
قال: وأما المؤتة التي وردت الاستعاذة منها وفسرت بالجنون فهي بغير همز. انتهى.
وفي الروض مؤتة مهموزة الواو قرية من أرض البلقاء بالشام، وأما الموتة بلا همز فضرب من الجنون وفي الحديث أنه ﷺ كان يقول في صلاته: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزهстр. 1420
في جمادى الأولى سنة ثمان.
وذلك أن رسول الله ﷺ كان أرسل الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى ملك بصرى، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله، ولم يقتل لرسول ﷺ رسول غيره.
فأمر رسول الله ﷺ زيد بن حارثة.
الحواشي
(١) ونفخه ونفثه". وفسره الراوي، فقال: نفثه: الشعر, ونفخه: الكبر, وهمزه: الموتة. انتهى.
"في جمادى الأولى سنة ثمان" كما في مغازي أبي الأسود عن عروة، وكذا قال ابن إسحاق، وموسى بن عقبة وأهل المغازي لا يختلفون في ذلك إلا ما ذكر خليفة في تاريخه أنها كانت سنة سبع.
قاله الحافظ: ووقع في جامع الترمذي أنها كانت قبل عمرة القضاء.
قال البرهان وهو غلط بلا شك "و" سبب "ذلك" كما جزم به اليعمري ومرضه الحافظ، فقال: يقال: سببها "أن رسول الله ﷺ كان أرسل الحارث بن عمير الأزدي"، ثم اللهبي بكسر اللام وسكون الهاء الصحابي "بكتاب إلى ملك بصرى،" أي أميرها من جهة هرقل وهو الحارث بن أبي شمر الغساني وعلى هذا اقتصر الفتح، وصدر العيون بأنه أرسله بالكتاب إلى ملك الروم، "فلما نزل موتة عرض" تصدى "له" ومنعه من الذهاب "شرحبيل" بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء وكسر الموحدة اسم أعجمي لا ينصرف "ابن عمرو الغساني" بفتح المعجمة ومهملة مشددة كافر معروف من أمراء قيصر على الشام.
قال البرهان: والظاهر هلاكه على شركه، "فقتله" صبرا وذلك أنه قال أين تريد؟ فقال: الشام. قال: فلعلك من رسل محمد؟ قال: نعم. فأمر به فأوثق رباطه ثم قدمه فضرب عنقه "ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره فأمَّر" بشد الميم "رسول الله ﷺ زيد بن حارثة" بمهملة ومثلثة مولاه وحبه أبا أسامة البدري.
قال سلمة بن الأكوع: غزوت مع النبي ﷺ سبع غزوات وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا.
أخرجه أبو مسلم الكجي، والإسماعيلي، وأبو نعيم والطبراني بهذا اللفظ وهو في الصحيح بإبهام عدد غزوه مع زيد.
قال الحافظ: وقد تتبعت ما ذكره أهل المغازي من سرايا زيد فبلغت سبعا كما قال سلمة: أولها في جمادى الآخرة سنة خمس، قبل نجد في مائة راكب، والثانية في ربيع الآخر سنة ستстр. 1421
على ثلاثة آلاف وقال: "إن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه عليهم".
وفي حديث عبد الله بن جعفر عند أحمد والنسائي بإسناد صحيح: "إن قتل زيد فأميركم جعفر". الحديث.
الحواشي
(١) إلى بني سليم، والثالثة في جمادى الأولى منها في مائة وسبعين يلقى عيرا لقريش، والرابعة في جمادى الآخرة منها إلى بني ثعلبة, والخامسة إلى حسمى بكسر الحاء وسكون السين المهملتين مقصور في خمسمائة إلى جذام بطريق الشام كانوا قطعوا الطريق على دحية وهو راجع من عند هرقل، والسادسة إلى وادي القرى، والسابعة إلى ناس من بني فزارة وكان خرج قبلها في تجارة فخرج عليه ناس منهم فضربوه وأخذوا ما معه فجهزه إليهم فأوقع بهم. انتهى.
وهذه الثامنة التي استشهد فيها أميراه كما رواه ابن إسحاق عن عروة "على ثلاثة آلاف" وذلك لأنه لما بلغه قتل رسوله اشتد عليه الأمر وندب الناس، "وقال" كما في الصحيح عن ابن عمر: "إن قتل فجعفر بن أبي طالب" أميرهم، كما ثبت بهذا اللفظ عند ابن عقبة عن الزهري، "فإن قتل فعبد الله بن رواحة" الأمير، "فإن قتل فليرض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه عليهم" أميرا، وفي نسخة: يجعلوه بحذف النون للتخفيف إذ ليس ثم ناصب ولا جازم.
وروى الواقدي أنه كان ثم يهودي اسمه النعمان، قال: يا أبا القاسم إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا لأن أنبياء بني إسرائيل، كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم، ثم قالوا: إن أصيب فلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعا، ثم جعل يقول لزيد: اعهد فإنك لا ترجع إلى محمد إن كان نبيا، قال زيد: فأشهد أنه رسول صادق بار، "وفي حديث عبد الله بن جعفر" بن أبي طالب الهاشمي أحد الأجواد ولد بأرض الحبشة ومات سنة ثمانين وهو ابن ثمانين.
روى له الستة صحابي ابن صحابي ﵄ "عند أحمد والنسائي بإسناد صحيح: "إن قتل زيد فأميركم جعفر". الحديث. والغرض منه بيان المحذوف في الرواية الأولى، فأفاد هذا أن قوله فيها: فجعفر خبر مبتدأ محذوف للعمل به, وأفادت رواية الزهري التي أسلفناها أنه مبتدأ حذف خبره فأفادت الروايتان جواز الأمرين.
وروى أحمد، والنسائي وصححه ابن حبان من حديث أبي قتادة، قال: بعث ﷺ جيش الأمراء، وقال: "عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد، فجعفر". الحديث، وفيه: فوثب جعفر وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل عليّ زيدا، قال: "امض فإنك لا تدري أي ذلك خير".стр. 1422
قالوا: وعقد لهم ﷺ لواء أبيض، ودفعه إلى زيد، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعينوا عليهم بالله وقاتلوهم.
وخرج مشيعا لهم، حتى بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم.
الحواشي
(١) قال الحافظ: وفيه جواز تعليق الإمارة بشرط وتولية عدة أمراء بالترتيب، واختلف هل تنعقد ولاية الثاني في الحال أم لا والذي يظهر انعقادها في الحال لكن بشرط الترتيب وقيل: تنعقد لواحد لا بعينه وتتعين لمن عينه الإمام على الترتيب وقيل تنعقد للأول فقط، وأما الثاني فبطريق الاختيار واختيار الإمام يقدم على غيره لأنه أعرف بالمصلحة العامة وفيه جواز التآمر في الحرب بغير تأمير الإمام.
قال الطحاوي: وهذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين تقديم رجل إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر وجواز الاجتهاد في حياة النبي ﷺ وعلم ظاهر من أعلام النبوة. انتهى.
"قالوا: وعقد لهم ﷺ لواء أبيض ودفعه إلى زيد وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير" وهو مؤتة كما مر، وروي أنه ﷺ نهاهم أن يأتوا مؤتة فركبتهم ضبابة فلم يبصروا حتى أصبحوا عليها، فإن صح احتمل أن المراد بمقتل الحارث الأرض التي قتل فيها لا خصوص المكان الذي قتل به، فلا ينافي النهي أوان موضع قتله ليس في خصوص مؤتة بل في جهتها "وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا" فأقول لكم "استعينوا" بصيغة الأمر فلا يرد وجوب الفاء في جواب الشرط الطلبي، وفي لفظ استعانوا "عليهم بالله وقاتلوهم" فأسرع الناس بالخروج وعسكروا بالجرف بضم الجيم والراء، وسكونها.
وروي بمعجمتين على ثلاثة أميال من المدينة لجهة الشام "وخرج" ﷺ "مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع" بفتح الواو. سميت بذلك لتوديع المصطفى هذه السرية عندها، أو لأن المسافر كان يودع عندها قديما، وصححه عياض "فوقف وودعهم" وهذا أصل في الخروج مع المسافر إلى خارج البلد.
وروى الواقدي عن زيد بن أرقم رفعه: "أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا اغزوا بسم الله في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا كبيرا فانيا ولا منعزلا بصومعة ولا تقربوا نخلا ولا تقطعوا شجرا ولا تهدموا بناء".
وعند ابن إسحاق من مرسل عروة، ودع الناس الأمراء فلما ودع ابن رواحة بكى، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية:стр. 1423
فلما ساروا نادى المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم، وقام شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف، وقدم الطلائع أمامه.
وقد نزل المسلمون معان.
الحواشي
(١) ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود، قال: "فلما ساروا نادى المسلمون دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة":
"لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا"
أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنقذ الحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
وذات فرغ بفتح الفاء وسكون الراء وغين معجمة، أي واسعة يسيل دمها كما في العيون، والزبد فتح الزاي والموحدة وبمهملة رغوة الدم.
قال ابن إسحاق وأتى ابن رواحة رسول الله فودعه، ثم قال:
فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصر كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة ... فراسة خالفت فيك الذي نظروا
أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر
وروى غيره أنه ﷺ قال له: قل شعرا تقتضبه اقتضابا وأنا أنظر إليك من غير روية، فقال: إني تفرست الأبيات حتى انتهى إلى قوله: فثبت الله. قال ﷺ : "وأنت فثبتك الله يابن رواحة".
وعند أحمد، والترمذي عن ابن عباس أن ابن رواحة تخلف حتى صلى الجمعة معه ﷺ فلما صلى رآه، فقال: "ما منعك أن تغدو مع أصحابك". قال: أردت أن أصلي معك الجمعة، ثم ألحقهم. فقال ﷺ : "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم".
وفي رواية: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها". "فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف وقدم الطلائع أمامه" فلما نزل المسلمون وادي القرى بعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين من المشركين، فاقتتلوا وانكشف أصحاب سدوس وقد قتل، "وقد نزل المسلمون معان" لما ساروا من وادي القرى نزلوا بغار فبلغهم كثرة العدو فأقاموا على معان ليلتين "بفتح الميم" على ماстр. 1424
بفتح الميم موضع من أرض الشام، وبلغ الناس كثرة العدو وتجمعهم، وأن هرقل نزل بأرض البلقاء في مائة ألف من المشركين, فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضي، فمضوا إلى مؤتة.
ووافاهم المشركون فجاء منهم من لا قبل لأحد به من العَدد والعُدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب.
الحواشي
(١) صوبه الوقشي وغيره، وقال البكري: بضمها نقله عنه الروض وغيره ونقل عنه مغلطاي فتحها.
قال الشامي: فكان نسخ معجمة مختلفة والعين مهملة فألف فنون "موضع من أرض الشام" وفي الروض، قال البكري: هو اسم جبل والمعان أيضا حيث تحبس الخيل والركاب، ويجوز أنه من أمعنت النظر أو من الماء المعين فوزنه فعال أو من أمعنت النظر فوزنه مفعل، وقد جنس المعري به فقال:
معان من أحبثنا معان
تجيب الصاهلات بها القيان
"وبلغ الناس" الصحابة كثرة العدو وتجمعهم وأن هرقل نزل بأرض البلقاء في مائة ألف من المشركين" أي الروم كما عبر به ابن إسحاق، وزادوا تضم إليهم من لخم وجذم والقيس وبهراء وبلى مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى، يقال له مالك بن رافلة. انتهى.
ولعل هؤلاء الذين جمعهم شرحبيل، "فأقاموا ليلتين" على معان "لينظروا في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره الخبر".
زاد ابن إسحاق: فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له "فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضي" قال ابن إسحاق: وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم إياها تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، "فمضوا إلى مؤتة ووافاهم" أتاهم "المشركون فجاء منهم من لا قبل" طاقة "لأحد به من العَدد" الكثير الزائد على مائتي ألف "والعُدد" بضم العين "والسلاح والكراع" بضم الكاف جماعة الخيل خاصة "والديباج، والحرير، والذهب" إظهارا للشدة والقوة بكثرة أموالهم وآلات حروبهم، وفي هذا فرط شجاعة الصحابة وقوة قلوبهم وتوكلهم على ربهم وعدم مبالاتهم بأنفسهم، لأنهم باعوها لله سبحانه إذا قدم ثلاثة آلاف على أكثر من مائتي ألف أصحاب حروب وشدة إنما هو لما وقر في قلوبهم واطمأنت عليه نفوسهم.стр. 1425
والتقى المسلمون والمشركون. فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل المسلمون معه على صفوفهم حتى قتل طعنا بالرماح.
ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فنزل عن فرس له شقراء وقاتل حتى قتل، ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين، فوجد في أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحا وفيما أقبل من بدنه اثنتان وسبعون ضربة بسيف وطعنة برمح.
قال في رواية البخاري: ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية.
الحواشي
(١) إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا وإن جندنا لهم الغالبون، وكان حقا علينا نصر المؤمنين، "والتقى المسلمون والمشركون فقاتل الأمراء" الثلاثة "يومئذ على أرجلهم" قد يشعر تخصيصهم إن من عداهم قاتلوا على حالهم التي كانوا عليها من كونهم مشاة أو ركبانا، "فأخذ اللواء زيد بن حارثة" أي حمله على العادة من أن الحامل له أمير الجيش كما مر، وقد يدفعه لمقدم العسكر وإلا فهو معه من حين دفعه له ﷺ ، "فقاتل وقاتل المسلمون معه على صفوفهم".
ذكر ابن إسحاق أنهم جعلوا على الميمنة قطبة بن قتادة العذري وعلى ميسرتهم عباية بن مالك الأنصاري "حتى قتل طعنا بالرماح، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب".
قال ابن إسحاق: وأتباعه فقاتل به على فرس فألحمه القتال أي أحاط به ولم يجد له مخلصا "فنزل عن فرس له شقراء وقاتل حتى قتل" قال بن هشام وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
قال اليعمري: أو أربع وثلاثين وفي الإصابة كان أسن من علي بعشر سنين، فاستوفى أربعين سنة وزاد عليها على الصحيح، وجزم ابن عبد البر بأن سنه كان إحدى وأربعين سنة "ضربه رجل من الروم" ضربة "فقطعه نصفين فوجد في أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحا وفيما أقبل من بدنه اثنتان وسبعون" ليس فيه أنها زائدة على ما في أحد نصفيه فيجوز أنها من جملة ما كان فيه "ضربة بسيف وطعنة برمح" تمييز للعدد أي بعض جراحه بسيف وبعضها برمح.
"قال في رواية البخاري" من طريق عبد الله بن سعد عن نافع عن ابن عمر.
قال: كنت في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى "ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة" برمح "ورمية" بسهم، وكذا أخرجه ابن سعد من طريق اليعمري عن نافع عنه.стр. 1426
وفي رواية: أن ابن عمر قال وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل قال: فعددت به خمسين بين ضربة وطعنة ليس منها شيء في دبره.
وذكر ابن إسحاق بإسناد حسن، وهو عند أبي داود من طريقه عن رجل من بني مرة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب، حتى اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها.
الحواشي
(١) "وفي رواية" للبخاري أيضا من طريق سعيد بن هلال عن نافع "أن ابن عمر" أخبره "قال: وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل، قال: فعددت به خمسين بين ضربة" بسيف "وطعنة" برمح "ليس منها" وللكشميهني فيها "شيء في دبره" بضم الموحدة بيان لفرط شجاعته وإقدامه.
زاد بعض الرواة في البخاري يعني في ظهره، أي لم يكن منها شيء في حال الإدبار، بل كلها في حال الإقبال لمزيد شجاعته.
وكذا رواه سعيد بن منصور عن أبي معشر عن نافع مثله خمسين.
قال الحافظ: وظاهرهما التخالف ويجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، فإن ذلك لم يذكر في الرواية الأخرى أو الخمسين مقيدة بأنها ليس فيها شيء في دبره، أي ظهره وقد يكون الباقي في بقية جسده ولا يستلزم ذلك أنه ولى دبره وإنما هو محمول على أن الرمي جاءه من جهة قفاه أو طنبه لكن يؤيد الأول أن في رواية اليعمري عن نافع فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده بعد أن ذكر أن العدد بضع وتسعون.
ووقع للبيهقي في الدلائل بضع وسبعون أي بسين فموحدة وأشار إلى أن بضعا وتسعين أي فوقية فسين أثبت, وللإسماعيلي عن الهيثم بن خلف عن البخاري بضعا وتسعين أو بضعا وسبعين بالشك ولم أر ذلك في شيء من نسخ البخاري. انتهى.
"وذكر" أي روى "ابن إسحاق بإسناد حسن" قال حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد. قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف "وهو عند أبي داود من طريقه", فقال: حدثنا النفيلي قال: حدثنا محمد بن مسلمة عن محمد بن إسحاق، فذكره "عن رجل من بني مرة" وإبهام الصحابي لا يضر لعدالة جميعهم "قال والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب حين اقتحم" أي رمى بنفسه في هذا الأمر العظيم "عن فرس له شقراء فعقرها".
هكذا الرواية في السيرة وسنن أبي داود بفتح المهملة والقاف، وبالراء أي ضرب قوائمها وهي قائمة بالسيف وفي رواية لابن عقبة، والواقدي، وابن إسحاق أيضا فعرقبها أي قطع عرقوبها وهو الوتر الذي بين مفصل الساق والقدم.стр. 1427
ثم قاتل حتى قتل.
قالوا: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل.
فأخذ اللواء ابن أقرم.
الحواشي
(١) قال ابن إسحاق: فكان جعفر أول مسلم عقر في الإسلام.
قال في الروض: ولم يعب ذلك عليه أحد فدل على جوازه إذا خيف أن يأخذها العدو فيقاتل عليها المسلمين، فلم يدخل هذا في النهي عن تعذيب البهائم وقتلها عبثا غير أن أبا داود قال: ليس هذا الحديث بالقوي، وقد جاء فيه نهي كثير عن الصحابة. انتهى, وكأنه يريد ليس بصحيح وإلا فهو حسن كما جزم به الحافظ وتبعه المصنف، "ثم قاتل حتى قتل" وهو يقول كما في بقية ذا الحديث الحسن:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها
"قالوا: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل" قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد عن أبيه قال: حدثني أبي الذي أرضعني أحد بني مرة بن عوف، فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية, ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد. ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه
أن أجلب الناس وشدوا الرنه ... ما لي أراك تكرهين الجنه
قد طالما قد كنت مطمئنه ... هل أنت إلا نطفة في شنه
وقال:
يا نفس ألا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت قد أعطيتي ... أن تفعلي فعلهما هديت
يريد صاحبيه زيدا وجعفرا، فلما نزل أتاه ابن عمه بعرق من لحم، فقال: شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت أيامك هذه، ما لقيت فأخذه من يده ثم انتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في الناس، فقال: وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل.
وروى سعيد بن منصور عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغني أنهم دفنوا يومئذ زيدا, وابن رواحة، وجعفرا في حفرة واحدة، وفي الصحيح وما يسرهم أنهم عندنا أي لما رأوا من فضل الشهادة "فأخذ اللواء" ثابت "بن أقرم" بفتح أوله وسكون القاف وبالراء، والميمстр. 1428
العجلاني، إلى أن اصطلح الناس على خالد بن الوليد، فأخذ اللواء، وانكشف الناس فكانت الهزيمة فتبعهم المشركون فقتل من قتل من المسلمين.
وقال الحاكم: قاتلهم خالد بن الوليد فقتل منهم مقتلة عظيمة وأصاب غنيمة.
الحواشي
(١) ابن ثعلبة بن عدي بن العجلان "العجلاني" بفتح المهملة وسكون الجيم بطن من الأنصار.
قال في الإصابة البلوى حليف الأنصار.
ذكره ابن عقبة في أهل بدر.
قال في رواية ابن إسحاق: فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلحوا على خالد وعند بن سعد أن ثابتا مشى باللواء إلى خالد، فقال: لا آخذه منك أنت أحق به، فقال الأنصاري: والله ما أخذته إلا لك.
وروى الطبراني عن أبي اليسر قال: أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لما أصيب ابن رواحة، فدفعها إلى خالد وقال: أنت أعلم بالقتال مني فحاصل هذه الروايات أن أبا اليسر أخذها ودفعها إلى ثابت فذهب بها لخالد فلم يقبلها فنادى يا معشر المسلمين فجاءوا "إلى أن اصطلح" اجتمع "الناس على خالد بن الوليد" وسلموها له "فأخذ اللواء".
وفي الصحيح حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم، وفي رواية ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء وهو أمير نفسه. ثم قال: قال ﷺ : اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره فمن يومئذ سمي سيف الله، وفي رواية فأخذها خالد من غير إمرة، والمراد نفي كونه منصوصا عليه وإلا، فقد ثبت أنهم اتفقوا عليه "وانكشف الناس، فكانت الهزيمة فتبعهم المشركون، فقتل من قتل من المسلمين" وهم اثنا عشر رجلا جعفر, وزيد، ومسعود بن أوس، ووهب بن سعد، وعبد الله بن رواحة، وعباد بن قيس، والحارث بن النعمان، وسراقة بن عمر ذكرهم ابن إسحاق.
زاد ابن هشام عن الزهري أبا كليب، وجابر بن عمر بن زيد، وعمرا وعامرا ابني سعد بن الحارث وزاد ابن الكلبي، والبلاذري، هو بجة بفتح الهاء وسكون الواو، وفتح الموحدة والجيم وتاء تأنيث الضبي، وأنه لما قتل فقد جده وفي هذا عناية من الله بالإسلام وأهله ومزيد إعزاز ونصر لهم إذ جيش عدته ثلاثة آلاف يلقون أكثر من مائتي ألف فلا يقتل منهم إلا ثلاثة عشر مع أنهم اقتتلوا مع المشركين سبعة أيام، كما رواه القراب في تاريخه عن بردع بن زيد.
كذا ذكر ابن سعد وغيره أن الهزيمة كانت على المسلمين، "وقال الحاكم: قاتلهم خالد بن الوليد، فقتل منهم مقتلة عظيمة وأصاب غنيمة"، فإنما كانت الهزيمة على المشركين،стр. 1429
وقال ابن سعد: إنما انهزم المسلمون.
وقال ابن إسحاق: انحازت كل طائفة من غير هزيمة.
الحواشي
(١) وهذا ظاهر حديث الصحيح كما أسلفته قريبا وفيه أيضا عن خالد لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية بتخفيف الياء وحكي شدها، وهذا يقتضي أن المسلمين قتلوا من المشركين كثيرا.
وقد روى أحمد ومسلم وأبو داود عن عوف بن مالك أن رجلا من أهل اليمن رافقه فقتل روميا وأخذ سلبه فاستكثره خالد فشكاه إلى رسول الله ﷺ فدل ذلك على أن ذلك كان بعد قيام خالد بالإمرة، وهو يرجح أنه لم يقتصر على حوز المسلمين والنجاة بهم بل باشر القتال.
"وقال ابن سعد إنما انهزم المسلمون" هو الذي قدمه قبل قول الحاكم. فلو قال عقب قوله من المسلمين. قاله ابن سعد لكفى.
"وقال ابن إسحاق انحازت كل طائفة" عن الأخرى "من غير هزيمة". قال: أعني ابن إسحاق وقد وقع كذلك في شعر القيس بن المسحر فذكره، ثم قال فبين ما اختلل فيه الناس أن القوم تحاجزوا وكرهوا الموت وحقق انحياز خالد بمن معه، قال اليعمري: وهو المختار.
لكن قال الشامي وافق ابن إسحاق شرذمة فسمي فتحا ونصرا باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو وتكاثرهم عليهم وكان مقتضى العادة أن يقتلوا بالكلية وهو محتمل لكنه خلاف ظاهر قوله ﷺ : "يفتح على يديه". والأكثرون على أن خالدا والمسلمين قاتلوا المشركين حتى هزموهم، ففي حديث أبي عامر عند ابن سعد أن خالدا لما حمل اللواء حمل على القوم فهزمهم أسوأ هزيمة ما رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا ونحوه عن الزهري وعروة، وابن عقبة، وعطاف بن خالد، وابن عائذ وغيرهم، وهو ظاهر الحديث. انتهى ملخصا، وقال في فتح الباري: اختلف أهل النقل في المراد بقوله ﷺ : "حتى فتح الله عليهم". هل كان هناك قتلا فيه هزيمة للمشركين، أو المراد بالفتح انحيازه بالمسلمين حتى رجعوا سالمين.
ففي رواية ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عروة: فجاش خالد الناس ودافع وانحاز وانحيز عنه، ثم انصرف بالناس، وهذا يدل على الثاني ويؤيده ما عند سعيد بن منصور عن سعيد ابن أبي هلال بلاغا، قال: فأخذ خالد الراية فرجع بالمسلمين على جهة، ورمى واقد بن عبد الله التميمي المشركين حتى ردهم الله.
وذكر ابن سعد عن أبي عامر أن المسلمين انهزموا لما قتل ابن رواحة حتى لم أر اثنين جميعا، ثم اجتمعوا على خالد وعند الواقدي من طريق عبيد الله بن الحارث بن فضيل عن أبيه،стр. 1430
ورفعت الأرض لرسول الله ﷺ حتى نظر إلى معترك القوم.
وعن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني أبي الذي أرضعني, وكان أحد بني مرة قال: شهدت مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فرأيت جعفرا حين التحم القتال اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها وقاتل القوم حتى قتل، أخرجه البغوي في معجمه.
الحواشي
(١) قال: لما أصبح خالد بن الوليد جعل مقدمته ساقة وميمنته ميسرة فأنكر العدو حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين وعنده من حديث جابر قال: أصيب بمؤتة ناس من المشركين وغنم المسلمون بعض أمتعتهم، وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فحمل خالد على الروم فهزمهم، وهذا يدل على الأول وهو وإن كان ضعيفا من جهة الواقدي وابن لهيعة الراوي عن أبي الأسود، ففي مغازي موسى بن عقبة وهي أصح المغازي ما نصه: ثم اصطلح المسلمون على خالد فهزم الله العدو وأظهر المسلمين ويمكن الجمع بأنهم هزموا جانبا من المشركين، وخشي خالد أن تتكاثر الكفار عليهم فانحاز بهم عنهم حتى رجع بهم إلى المدينة.
وقال العماد بن كثير يمكن أن خالدا لما حاز المسلمين وبات، ثم أصبح وقد غير تعبية العسكر، كما تقدم وتوهم العدو أنهم جاءهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ فولوا ولم يتبعهم ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى، ثم وجدت في مغازي ابن عائذ بسند منقطع أن خالدا لما أخذ الراية قاتلهم قتالا شديدا حتى انحاز الفريقان عن غير هزيمة، وقفل المسلمون فمروا على طريقهم بقرية بها حصن كانوا في ذهابهم قتلوا من المسلمين رجلا، فحاصروهم حتى فتحه الله عليهم عنوة وقتل خالد مقاتلتهم، فسمي ذلك المكان نقع الدم إلى الآن، انتهى.
"ورفعت الأرض لرسول الله ﷺ حتى نظر إلى معترك القوم" كما في مغازي ابن عقبة، "وعن عباد" بفتح المهملة وشد الموحدة "ابن عبد الله بن الزبير" بن العوام كان قاضي مكة زمن أبيه وخليفته إذا حج, ثقة أخرج له الستة، "قال: حدثني أبي الذي أرضعني" يعني أنه أبوه من الرضاعة "وكان أحد بني مرة" بن عوف، "قال: شهدت مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه فرأيت جعفرا حين التحم القتال اقتحم" نزل "عن فرس له شقراء" قيل هذا يفعله الفارس من العرب إذا أرهق أي غشيه العدو وعرف أنه مقتول فينزل ويجادل العدو راجلا، "ثم عقرها وقاتل القوم حتى قتل".
"أخرجه البغوي" الحافظ الكبير الثقة مسند العالم أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغدادي طال عمره، وتفرد في الدنيا حتى توفي ليلة عيد الفطر سنة سبع عشرة وثلاثمائة عن مائة وثلاث سنين "في معجمه" في الصحابة وهو متقدم على محيي السنة صاحب المصابيح،стр. 1431
وقطعت في تلك الوقعة يداه جميعا ثم قتل، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء". خرجه أبو عمر.
وفي البخاري عن عائشة ﵂: لما قتل ابن رواحة وابن حارثة وجعفر بن أبي طالب جلس رسول الله ﷺ يعرف فيه الحزن ... الحديث.
الحواشي
(١) وكان المصنف أعاد الحديث مع أنه قدمه قريبا عن ابن إسحاق, وأبو داود لأجل عزوه له لقول ابن أبي حاتم: أبو القاسم يدخل في الصحيح ومراده بذلك دفع قول أبي داود: إسناده ليس بالقوي ويقع في نسخ، وعن عبد الله بإسقاط عباد وهو خطأ، فالحديث في الروايتين إنما هو له عن رجل من بني مرة لا لأبيه عن الرجل، "وقطعت في تلك الواقعة يداه جميعا"، وذلك أنه أخذ اللواء بيمينه، فقطعت, فأخذه بشماله, فقطعت, فاحتضنه بعضديه.
رواه ابن هشام عمن يثق به من أهل العلم، "ثم قتل"، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله أبدله بيديه" أي أعطاه بدلهما "جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء" والمقصود أن الله أكرمه بذلك في مقابلة قطعهما فلا يستلزم عدم رد يديه بل بعد ردهما أعطاه الجناحين. "أخرجه أبو عمر" بن عبد البر.
"وفي البخاري عن عائشة ﵂ لما قتل ابن رواحة، وابن حارثة، وجعفر بن أبي طالب" هذه رواية أبي ذر وابن عساكر ولغيرهما لما جاء قتل ابن حارثة، وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة.
قال الحافظ: يحتمل أن المراد مجيء الخبر على لسان القاصد الذي حضر من عند الجيش، ويحتمل أن المراد مجيئه على لسان جبريل كما يدل عليه حديث أنس الذي قبله يعني في البخاري وهو أنه ﷺ ، نعاهم للناس قبل أن يأتيهم خبرهم.
"جلس رسول الله ﷺ " زاد البيهقي في المسجد "يعرف فيه الحزن" بضم الحاء وسكون الزاي وضبطه أبو ذر بفتحهما.
قال الحافظ: أي لما جعل الله فيه من الرحمة ولا ينافي ذلك الرضا بالقضاء ويؤخذ منه أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة لا تخرجه عن كونه صابرا راضيا، إذا كان قلبه مطمئنا، بل قد يقال: إن من كان ينزعج بالمصيبة ويعالج نفسه على الصبر والرضا أرفع رتبة ممن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلا.
أشار إلى ذلك الطبري وأطال في تقريره "الحديث" بقيته فجاء رجل فقال: إن نساء جعفرстр. 1432
وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن جعفر قال: قال لي رسول الله ﷺ : "هنيئا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء".
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة". أخرجه الترمذي والحاكم، وفي إسناده ضعف، لكن له شاهد من حديث علي عند ابن سعد.
وعن أبي هريرة أيضا عن النبي ﷺ قال: "مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم".
الحواشي
(١) فذكر بكاءهن فأمره أن ينهاهن. فذهب ثم أتى فقال: قد نهيتهن وذكر أنهن لم يطعنه فأمر أيضا فذهب، ثم أتى، فقال: الله ولقد غلبنا قال: فأحث في أفواههن من التراب.
قالت: عائشة فقلت: أرغم الله أنفك فوالله ما أنت تفعل وما تركت رسول الله من العناء.
وعند ابن إسحاق: قالت عائشة: وعرفت أنه لا يقدر أن يحثي في أفواههن التراب قالت: ربما ضر التكلف أهله. "وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن جعفر" الشبيه خَلقا وخُلقا كأبيه روى أحمد، والنسائي بسند صحيح عنه، ثم أمهل ﷺ آل جعفر ثلاثا، ثم أتاهم، فقال لهم: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم". ثم قال: "ائتوني ببني أخي". فجيء بنا كأنا أفرخ، فدعا الحلاق فحلق رءوسنا، ثم قال: "أما محدم فشبيه عمنا أبي طالب وأما عبد الله فشبيه خَلقي وخُلقي". ثم دعا لهم "قال: قال لي رسول الله ﷺ " تسلية لي وإعلاما بمقام أبيه: "هنيئا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء". وما وصل إليه الأب فهو من مناقب الابن. ألم تر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ولذا قال: "هنيئا لك". ولم يقل: لأبيك، ولذا كان ابن عمر إذا سلم على عبد الله قال: السلام عليك يابن ذي الجناحين. كما في الصحيح.
"وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة". يحتمل أنها منامية ويحتمل يقظة ويؤيده ما رواه الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر: كنا مع رسول الله ﷺ فرفع رأسه إلى السماء، فقال: وعليكم السلام ورحمة الله، فقال الناسك يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ قال: مر بي جعفر بن أبي طالب في ملأ من الملائكة فسلم علي "أخرج الترمذي، والحاكم، وفي إسناده ضعف لكن له شاهد من حديث علي" أمير المؤمنين "عند ابن سعد" محمد الحافظ المشهور، "وعن أبي هريرة أيضا عن النبي ﷺ قال: "مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم".стр. 1433
أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد على شرط مسلم.
وأخرج أيضا هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعا: "دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة".
وفي طريق أخرى عنه: "إن جعفرا يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان، عوضه الله من يديه". وإسناد هذا جيد.
فقد عوضه الله تعالى عن قطع يديه في هذه الوقعة، حيث أخذ اللواء بيمينه فقطعت ثم أخذه بشماله فقطعت ثم احتضنه فقتل.
الحواشي
(١) وفي الطبراني عن سالم بن أبي الجعد قال: رأى ﷺ جعفرا ملكا ذا جناحين مضرجين بالدماء وذلك أنه قاتل حتى قطعت يداه "أخرجه الترمذي، والحاكم بإسناد على شرط مسلم" فهو من السادسة من مراتب الصحيح.
"وأخرج" أي الحاكم كما في الفتح وكان المصنف اعتمد على عود الضمير لأقرب مذكور في أخرج "أيضا هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعا" لفظة يستعملها المحدثون بدل قال ﷺ : "دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة" وفي شعر علي كرم الله وجهه:
وجعفر الذي يضحي ويمسي ... يطير مع الملائكة ابن أمي
"وفي طريق أخرى" عن المذكورين عن ابه عباس: "أن جعفرا يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه" أي بدلهما، وفي فوائد أبي سهل بن زياد القطان عن سعد بينما النبي ﷺ جالس وأسماء بنت عميس قريب منه إذ قال: "يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب قد مر مع جبريل وميكائيل". فرد ﵇ ... الحديث. وفيه: فعوضه الله من يديه جناحين يطير بهما حيث شاء، "وإسناد هذا" أي حديث ابن عباس "جيد" أي مقبول وهذه منقبة عظيمة له، وقد كان أبو هريرة يقول: إنه أفضل الناس بعد المصطفى.
روى الترمذي، والنسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب وفي البخاري عنه قال: كان جعفر خير الناس للمساكين "فقد عوضه الله تعالى عن قطع يديه في هذه الواقعة حيث أخذ اللواء بيمينه فقطعت، ثم أخذه بشماله فقطعت، ثم احتضنه فقتل"، كما رواه ابن هشام قال: أخبرني من أثق به من أهل العلم، فذكره, واختلف في أن الجناحين حقيقيان, وهو المختار.стр. 1434
قال السهيلي: له جناحان، ليسا كما يسبق إلى الوهم كجناحي الطائر وريشه؛ لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها، فالمراد بالجناحين صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر. وقد عبر القرآن عن العضد بالجناح توسعا في قوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢] وقال العلماء في أجنحة الملائكة إنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة، فقد ثبت أن لجبريل ستمائة جناح، ولا يعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلا عن أكثر من ذلك، وإذا لم يثبت خبر في بيان كيفيتها فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي جزم به في مقام المنع، والذي حكاه عن العلماء ليس صريحا في الدلالة لما ادعاه.
ولا مانع من الحمل على الظاهر، إلا من.
الحواشي
(١) وروى النسفي عن البخاري أنه قال: يقال لكل ذي ناحيتين جناحان.
قال الحافظ: لعله أراد بهذا حمل الجناحين على المعنوي دون الحسي. وجرى عليه في الروض حيث "قال السهيلي: له جناحان ليسا كما يسبق إلى الوهم كجناحي الطائر وريشه؛ لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها" قال: وفي قوله ﷺ إن الله خلق آدم على صورته تشريف لها عظيم، وحاشا لله من التشبيه والتمثيل يعني فلو كانا حقيقيين كانت صورته ناقصة عن صورة البشر.
"فالمراد بالجناحين صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر، وقد عبر القرآن عن العضد بالجناح توسعا في قوله واضمم يدك" اليمنى بمعنى الكف "إلى جناحك" أي جنبك الأيسر تحت العضد فعبر عنه بالجناح لأنه للإنسان كالجناح للطائر.
قال أعني السهيلي: وليس ثم طيران فكيف بمن أعطي القوة عليه مع الملائكة أخلق به إذن أن يوصف بالجناح مع كمال الصورة الآدمية وتمام الجوارح البشرية، "و" "قال العلماء في أجنحة الملائكة إنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة، فقد ثبت أن لجبريل ﵇ ستمائة جناح ولا يعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلا عن أكثر من ذلك".
قال: فدل على أنها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر ولا ورد في بيانها أيضا خبر فيجب علينا الإيمان به "وإذا لم يثبت خبر في بيان كيفيتها فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها. انتهى" قول السهيلي ملخصا.
"قال الحافظ ابن حجر" في الفتح: "وهذا الذي جزم به في مقام المنع والذي حكاه عن العلماء ليس صريحا في الدلالة لما ادعاه ولا مانع من الحمل على الظاهر" الحقيقة "إلا منстр. 1435
جهة ما ذكره من المعهود، وهو من قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف.
وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره، لأن الصورة باقية. وقد روى البيهقي في الدلائل من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة: أن جناحي جعفر من ياقوت. وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ. أخرجه ابن منده في ترجمة ورقة.
وذكر موسى بن عقبة في المغازي، أن يعلى بن أمية قدم بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله ﷺ : "إن شئت فأخبرني.
الحواشي
(١) جهة ما ذكره من المعهود، وهو من قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف" لعدم الجامع "وكون الصورة البشرية أشرف الصور" الذي استدل به "لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره لأن الصورة باقية" كما هي، وإعطاء الجناحين له إكراما لتألمه من قطعهما حتى يطير بهما حيث شاء من الجنة والسماء كما في الأحاديث المارة مضموما إلى عود يديه وكمال خلقته يصيره في المنظر أتم من حال بقية نوع الإنسان. فالأجنحة له كالزينة والحلي لمن تحلى وتزين.
"وقد روى البيهقي في الدلائل" النبوية "من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة" الأنصاري الثقة العالم بالمغازي من رجال الستة مات بعد العشرين ومائة "أن جناحي جعفر من ياقوت" فهو صريح في ثبوتهما له حقيقة، وأنه ليس من نوع أجنحة الطير التي هي من ريش، فهذا يرد قوله إنها صفة ملكية وقوة روحانية.
"وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ أخرجه ابن مندة في ترجمة ورقة" بن نوفل من كتاب المعرفة له. فهذا يرد دعواه أن الملائكة لا أجنحة لهم التي لم يستدل عليها إلا بكون المعهود للطير جناحين فقط وذلك بمجرده لا يمنع الزيادة لهم فكمال صورهم الأصلية مخالفة لصور غيرهم، كذلك زيادة الأجنحة من جملة المخالفة، وقد قال بعض العلماء هذا التأويل لا يليق مثله بالإمام السهيلي بل هو أشبه بكلام الفلاسفة والحشوية، ولا ينكر الحقيقة إلا من ينكر وجود الملائكة.
وقال تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ . [فاطر: ١] .
"وذكر موسى بن عقبة في المغازي أن يعلى بن أمية" بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث، التميمي الحنظلي حليف قريش صحابي روى له الستة. مات سنة بضع وأربعين وأمه منية بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية الخفيفة وبها اشتهر وبأبيه معا، وقيل: هي أم أبي جزم به الدارقطني، ونسبها منية بنت الحارث بن جابر وأنها أيضا أم العوام والد الزبير، فهي جدة الزبير، ويعلى كما في الإصابة وغيرها "قدم بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله ﷺ : "إن شئت فأخبرنيстр. 1436
وإن شئت أخبرتك". قال: أخبرني فأخبره خبرهم فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره.
وعند الطبراني من حديث أبي اليسر الأنصاري: أن أبا عامر الأشعري هو الذي أخبر النبي ﷺ بمصابهم.
الحواشي
(١) وإن شئت أخبرتك". قال: أخبرني" لأزداد يقينا "فأخبره خبرهم" كله ووصف له، "فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره" وإن أمرهم لكما ذكرت، فقال ﷺ : "إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم". هذا بقية ما ذكره ابن عقبة.
"وعند الطبراني من حديث أبي اليسر" بفتح التحتية والمهملة كعب بن عمرو "الأنصاري" السلمي بفتحتين البدري المتوفى بالمدينة سنة خمس وخمسين وقد زاد على المائة.
روى له مسلم والأربعة "أن أبا عامر" عبد الله وقيل: عبيد الله بن هانئ أو ابن وهب "الأشعري" صحابي عاش إلى خلافة عبد الملك. روى له الترمذي وهو غير أبي عامر الأشعري عم أبي موسى المستشهد بخيبر واسمه عبيد "هو الذي أخبر النبي ﷺ بمصابهم" ولا مانع من أن كل منهم أخبره وأخبار الثاني لأنه لم يبلغه أن أحدًا أخبره بذلك ولم يمنعه ﷺ لئلا يخجله وليرى أعنده زيادة على خبر الأول أم لا؟ وإن كان هو عالما بالواقعة وشاهدها ﵇ ليطلع على حفظ الناقل، وهذا كله إن كان أبو عامر أخبره، وإن كان قال له كما قال ليعلى فلا وكما أخبر به ﵇ من جاءه بالخبر أخبر أصحابه قبل ذلك يوم الواقعة.
روى ابن إسحاق عن أسماء بنت عميس. قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل عليّ ﷺ وقد دبغت أربعين منا وعجنت عجيني وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم فقال لي ﷺ : "ائتيني ببني جعفر". فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: بأبي أنت وأمي ما يبكيك أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: "نعم، أصيبوا هذا اليوم". فقمت أصيح واجتمع إليّ النساء وخرج ﷺ إلى أهله، فقال: "لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم".
وعند الزبير بن بكار عن عبد الله بن جعفر فعمدت سلمى مولاة النبي ﷺ إلى شعير فطحنته ثم آدمته بزيت وجعلت عليه فلفلا, قال عبد الله: فأكلت منه وحبسني ﷺ مع إخوتي في بيته ثلاثة أيام. قال ابن إسحاق: فلما انصرف خالد بالناس أقبل بهم قافلا، فحدثني محمد بن جعفر عن عروة قال: لما دنوا من المدينة تلقاهم ﷺ على دابة والمسلمون والصبيان يشتدون، فقال: "خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر". فأتي بعبد الله فحمله بين يديه، وقال حسان يبكيهم:
تأوبني ليل بيثرب أعسر ... وهم إذا ما نوم الناس مسهرстр. 1437
.........................................
الحواشي
(١) لذكرى حبيب هيجت لي لوعة ... سفوحا وأسباب البكاء التذكر
بلى إن فقدان الحبيب بلية ... وكم من كريم يبتلى ثم يصبر
رأيت خيار المسلمين تواردوا ... شعوب وخلفا بعدهم يتأخر
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبد الله حين تتابعوا ... جميعا وأسباب المنية تخطر
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغر كضوء البدر من آل هاشم ... أبي إذا سيم الظلامة يجسر
فطاعن حتى مال غير موسد ... بمعترك فيه فتى متكسر
فصار مع المستشهدين ثوابه ... جنان وملتف الحدائق أخضر
وكنا نرى في جعفر من محمد ... وفاء وأمرا حازما حين يأمر
وقد زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عزلا يزلن ومفخر
فهم جبل الإسلام والناس حولهم ... رضام إلى طود يروق ويقهر
بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير
وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج اللأواء في كل مارق ... عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر
هم أولياء الله أنزل حكمه ... عليهم وفيهم ذا الكتاب امطهرстр. 1438
" ذات السلاسل ":
ثم سرية عمرو بن العاصي ﵁ إلى ذات السلاسل.
الحواشي
(١) ذات السلاسل:
"ثم سرية عمرو بن العاصي" بالياء على الصحيح الذي عليه الجمهور كما مر أول الكتاب "﵁ إلى ذات السلاسل" بمهملتين الأولى مفتوحة على المشهور، وبه جزم البكري على لفظ جمع السلسلة قيل سمي المكان بذلك، لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، وضبطها ابن الأثير بالضم.
قال: وهو بمعنى السلسال أي السهل، قاله: في الفتح في المناقب، ولذا قال ابن القيم بضم السين وفتحها لغتان، وتبرأ الشامي منه وقوله وصاحب القاموس مع سعة اطلاعه لم يحك إلا الفتح غير قادح فمن حفظ حجة، كيف وقد صرح البرهان بأن غير ذكر اللغتين الضم والفتح وهو المشهور والمجد، وإن اتسع اطلاعه فلم يحط باللغة ولم يستوعبها، وقدمت عنстр. 1439
وسميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا. وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل، وراء ذات القرى، من المدينة على عشرة أيام.
وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان، وقيل: كانت سنة سبع، وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب صحيح التاريخ. ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة، إلا ابن إسحاق فقال: قبلها.
وسببها: أنه بلغه ﷺ أن جمعا من قضاعة.
الحواشي
(١) الفتح وجه تسميتها بذلك في المناقب وهو صريح في قدم التسمية قبل السرية.
"و" قال هنا ما حكاه المصنف إلا أنه أسقط منه قوله أوله: قيل: "سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا", وهذا ظاهر في حدوثه بعدها.
ولعل المراد انضموا والتصقوا أخذا من تعبيره بإلى دون الباء لا أنهم ارتبطوا بالفعل؛ لأنه يكون سببا في الظفر بهم، ولعل هذا وجه قول الشامي أغرب من قال هذا القول أو لمنافاته لما في القصة من أنه أتاهم على غفلة وهربوا وتفرقوا إلا أن يقال: تجمعوا أولا خوف الفرار. ثم لما قرب المسلمون منهم ألقي الرعب في قلوبهم فهربوا.
"وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل" وبه جزم ابن إسحاق وغيره.
وفي القاموس السلسل كجعفر وخلخال الماء العذب أو البارد كالسلاسل بالضم "وراء ذات القرى" مر له نظيره مرتين وتقدم تأويله والذي عند ابن سعد، كما في الفتح: وراء وادي القرى "من المدينة على عشرة" أي بينها وبين المدينة عشرة "أيام وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان" كما قاله ابن سعد والجمهور فيكون تأمير عمرو عقب إسلامه بنحو أربعة أشهر على ما صدر به المصنف فيما مر أنه كان في صفر سنة ثمان.
وفي الشامية أن بعثه كان بعد سنة من إسلامه وهو إنما يأتي على قول الحاكم أسلم سنة سبع، وقيل كانت سنة سبع" حكاهما ابن سعد، "وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب صحيح التاريخ، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة إلا ابن إسحاق فقال: قبلها", وهو قضية ما ذكر عن ابن سعد، وابن أبي خالد قاله الحافظ وتعقبه الشامي بأنه غير واضح إن ابن سعد قال: كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان وإن مؤتة في جمادى الأولى منها، وأما ابن إسحاق فالذي في رواية البكائي عنه تأخيرها عن مؤتة بعد غزوات وسرايا ولم يذكر أنها قبلها فيحتمل أنه نص على ما ذكره ابن عساكر في رواية غير زياد البكائي، "وسببها" كما قال ابن سعد: "أنه بلغه ﷺ أن جمعا من قضاعة" هم كما قال ابن إسحاق عن يزيد عن عروة، هي أي ذاتстр. 1440
قد تجمعوا للإغارة فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار. ومعهم ثلاثون فرسا.
فسار الليل وكمن النهار، فلما قرب منهم بلغه أن لهم جمعا كثيرا، فبعث رافع بن مكيث -بفتح الميم- الجهني إلى رسول الله ﷺ يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح، وعقد له لواء.
الحواشي
(١) السلاسل بلاد بلى وعذرة وبني القين نقله عنه البخاري.
قال الحافظ: الثلاثة بطون من قضاعة وبلى بفتح الموحدة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء النسب قبيلة كبيرة ينسبون إلى بلى بن عمرو بن الحارث بن قضاعة، وعذرة بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة قبيلة كبيرة ينسبون إلى عذرة بن سعد ونسبه إلى قضاعة وبنو القين بفتح القاف وسكون التحتية قبيلة كبيرة ينسبون إلى القين ونسبه إلى قضاعة، قال: ووهم ابن التين. فقال: بنو القين قبيلة من تميم "قد تجمعوا للإغارة" وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة، كما هو المنقول عن ابن سعد، وذكر ابن إسحاق أن أم أبيه العاصي بن وائل كانت من بلى فبعث ﷺ عمرا يستفز العرب إلى الشام ويستألفهم.
قال في الروض: واسمها سلمى فيما ذكر الزبير، وأما أم عمرو فهي ليلى تلقب بالنابغة.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بين السببين. انتهى.
وروى أحمد والبخاري في الأدب صححه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم عن عمرو بن العاصي. قال بعث إليّ النبي ﷺ يأمرني أن آخذ ثيابي، وسلاحي، فقال: "يا عمرو إني أريد أن أبعثك على جيش فيغنمك الله ويسلمك". قلت: إني لم أسلم رغبة في المال، قال: "نعم المال الصالح للمرء الصالح". "فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والنصار" بفتح المهملة، وقد تضم جمع سري بفتح فكسر وهو النفيس الشرف وقيل السخي ذو مروءة، قاله ابن الأثير.
قال الجوهري: وهو جمع عزيز أن يجمع فعيل على فعلة ولا يعرف غيره، وفي القاموس أنه اسم جمع "ومعهم ثلاثون فرسا" قال ابن سعد وأمره أن يستعين بمن مر به من بلى وعذرة وبلقين "فسار الليل وكمن النهار فلما قرب منهم" بأن وصل إلى الماء المسمى بالسلاسل "بلغه أن لهم جمعا كثيرا فبعث رافع" براء وفاء "ابن مكيث بفتح الميم" وكسر الكاف وسكون التحتية وبمثلثة "الجهني" بضم الجيم وفتح الهاء والنون صحابي شهد الحديبية والفتح ومعه لواء جهينة "إلى رسول الله ﷺ يستمده"، أي: يطلب منه مددا أي جيشا يعينونه "فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح" القرشي أمين هذه الأمة، "وعقد له لواء" لم نر من عين لونه إلا قوله في بعضследующие страницы →