Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
وإن شئت أخبرتك". قال: أخبرني فأخبره خبرهم فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره.
وعند الطبراني من حديث أبي اليسر الأنصاري: أن أبا عامر الأشعري هو الذي أخبر النبي ﷺ بمصابهم.
الحواشي
(١) وإن شئت أخبرتك". قال: أخبرني" لأزداد يقينا "فأخبره خبرهم" كله ووصف له، "فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره" وإن أمرهم لكما ذكرت، فقال ﷺ : "إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم". هذا بقية ما ذكره ابن عقبة.
"وعند الطبراني من حديث أبي اليسر" بفتح التحتية والمهملة كعب بن عمرو "الأنصاري" السلمي بفتحتين البدري المتوفى بالمدينة سنة خمس وخمسين وقد زاد على المائة.
روى له مسلم والأربعة "أن أبا عامر" عبد الله وقيل: عبيد الله بن هانئ أو ابن وهب "الأشعري" صحابي عاش إلى خلافة عبد الملك. روى له الترمذي وهو غير أبي عامر الأشعري عم أبي موسى المستشهد بخيبر واسمه عبيد "هو الذي أخبر النبي ﷺ بمصابهم" ولا مانع من أن كل منهم أخبره وأخبار الثاني لأنه لم يبلغه أن أحدًا أخبره بذلك ولم يمنعه ﷺ لئلا يخجله وليرى أعنده زيادة على خبر الأول أم لا؟ وإن كان هو عالما بالواقعة وشاهدها ﵇ ليطلع على حفظ الناقل، وهذا كله إن كان أبو عامر أخبره، وإن كان قال له كما قال ليعلى فلا وكما أخبر به ﵇ من جاءه بالخبر أخبر أصحابه قبل ذلك يوم الواقعة.
روى ابن إسحاق عن أسماء بنت عميس. قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل عليّ ﷺ وقد دبغت أربعين منا وعجنت عجيني وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم فقال لي ﷺ : "ائتيني ببني جعفر". فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: بأبي أنت وأمي ما يبكيك أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: "نعم، أصيبوا هذا اليوم". فقمت أصيح واجتمع إليّ النساء وخرج ﷺ إلى أهله، فقال: "لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم".
وعند الزبير بن بكار عن عبد الله بن جعفر فعمدت سلمى مولاة النبي ﷺ إلى شعير فطحنته ثم آدمته بزيت وجعلت عليه فلفلا, قال عبد الله: فأكلت منه وحبسني ﷺ مع إخوتي في بيته ثلاثة أيام. قال ابن إسحاق: فلما انصرف خالد بالناس أقبل بهم قافلا، فحدثني محمد بن جعفر عن عروة قال: لما دنوا من المدينة تلقاهم ﷺ على دابة والمسلمون والصبيان يشتدون، فقال: "خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر". فأتي بعبد الله فحمله بين يديه، وقال حسان يبكيهم:
تأوبني ليل بيثرب أعسر ... وهم إذا ما نوم الناس مسهرстр. 1437
.........................................
الحواشي
(١) لذكرى حبيب هيجت لي لوعة ... سفوحا وأسباب البكاء التذكر
بلى إن فقدان الحبيب بلية ... وكم من كريم يبتلى ثم يصبر
رأيت خيار المسلمين تواردوا ... شعوب وخلفا بعدهم يتأخر
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبد الله حين تتابعوا ... جميعا وأسباب المنية تخطر
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغر كضوء البدر من آل هاشم ... أبي إذا سيم الظلامة يجسر
فطاعن حتى مال غير موسد ... بمعترك فيه فتى متكسر
فصار مع المستشهدين ثوابه ... جنان وملتف الحدائق أخضر
وكنا نرى في جعفر من محمد ... وفاء وأمرا حازما حين يأمر
وقد زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عزلا يزلن ومفخر
فهم جبل الإسلام والناس حولهم ... رضام إلى طود يروق ويقهر
بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير
وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج اللأواء في كل مارق ... عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر
هم أولياء الله أنزل حكمه ... عليهم وفيهم ذا الكتاب امطهرстр. 1438
" ذات السلاسل ":
ثم سرية عمرو بن العاصي ﵁ إلى ذات السلاسل.
الحواشي
(١) ذات السلاسل:
"ثم سرية عمرو بن العاصي" بالياء على الصحيح الذي عليه الجمهور كما مر أول الكتاب "﵁ إلى ذات السلاسل" بمهملتين الأولى مفتوحة على المشهور، وبه جزم البكري على لفظ جمع السلسلة قيل سمي المكان بذلك، لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، وضبطها ابن الأثير بالضم.
قال: وهو بمعنى السلسال أي السهل، قاله: في الفتح في المناقب، ولذا قال ابن القيم بضم السين وفتحها لغتان، وتبرأ الشامي منه وقوله وصاحب القاموس مع سعة اطلاعه لم يحك إلا الفتح غير قادح فمن حفظ حجة، كيف وقد صرح البرهان بأن غير ذكر اللغتين الضم والفتح وهو المشهور والمجد، وإن اتسع اطلاعه فلم يحط باللغة ولم يستوعبها، وقدمت عنстр. 1439
وسميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا. وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل، وراء ذات القرى، من المدينة على عشرة أيام.
وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان، وقيل: كانت سنة سبع، وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب صحيح التاريخ. ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة، إلا ابن إسحاق فقال: قبلها.
وسببها: أنه بلغه ﷺ أن جمعا من قضاعة.
الحواشي
(١) الفتح وجه تسميتها بذلك في المناقب وهو صريح في قدم التسمية قبل السرية.
"و" قال هنا ما حكاه المصنف إلا أنه أسقط منه قوله أوله: قيل: "سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا", وهذا ظاهر في حدوثه بعدها.
ولعل المراد انضموا والتصقوا أخذا من تعبيره بإلى دون الباء لا أنهم ارتبطوا بالفعل؛ لأنه يكون سببا في الظفر بهم، ولعل هذا وجه قول الشامي أغرب من قال هذا القول أو لمنافاته لما في القصة من أنه أتاهم على غفلة وهربوا وتفرقوا إلا أن يقال: تجمعوا أولا خوف الفرار. ثم لما قرب المسلمون منهم ألقي الرعب في قلوبهم فهربوا.
"وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل" وبه جزم ابن إسحاق وغيره.
وفي القاموس السلسل كجعفر وخلخال الماء العذب أو البارد كالسلاسل بالضم "وراء ذات القرى" مر له نظيره مرتين وتقدم تأويله والذي عند ابن سعد، كما في الفتح: وراء وادي القرى "من المدينة على عشرة" أي بينها وبين المدينة عشرة "أيام وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان" كما قاله ابن سعد والجمهور فيكون تأمير عمرو عقب إسلامه بنحو أربعة أشهر على ما صدر به المصنف فيما مر أنه كان في صفر سنة ثمان.
وفي الشامية أن بعثه كان بعد سنة من إسلامه وهو إنما يأتي على قول الحاكم أسلم سنة سبع، وقيل كانت سنة سبع" حكاهما ابن سعد، "وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب صحيح التاريخ، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة إلا ابن إسحاق فقال: قبلها", وهو قضية ما ذكر عن ابن سعد، وابن أبي خالد قاله الحافظ وتعقبه الشامي بأنه غير واضح إن ابن سعد قال: كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان وإن مؤتة في جمادى الأولى منها، وأما ابن إسحاق فالذي في رواية البكائي عنه تأخيرها عن مؤتة بعد غزوات وسرايا ولم يذكر أنها قبلها فيحتمل أنه نص على ما ذكره ابن عساكر في رواية غير زياد البكائي، "وسببها" كما قال ابن سعد: "أنه بلغه ﷺ أن جمعا من قضاعة" هم كما قال ابن إسحاق عن يزيد عن عروة، هي أي ذاتстр. 1440
قد تجمعوا للإغارة فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار. ومعهم ثلاثون فرسا.
فسار الليل وكمن النهار، فلما قرب منهم بلغه أن لهم جمعا كثيرا، فبعث رافع بن مكيث -بفتح الميم- الجهني إلى رسول الله ﷺ يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح، وعقد له لواء.
الحواشي
(١) السلاسل بلاد بلى وعذرة وبني القين نقله عنه البخاري.
قال الحافظ: الثلاثة بطون من قضاعة وبلى بفتح الموحدة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء النسب قبيلة كبيرة ينسبون إلى بلى بن عمرو بن الحارث بن قضاعة، وعذرة بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة قبيلة كبيرة ينسبون إلى عذرة بن سعد ونسبه إلى قضاعة وبنو القين بفتح القاف وسكون التحتية قبيلة كبيرة ينسبون إلى القين ونسبه إلى قضاعة، قال: ووهم ابن التين. فقال: بنو القين قبيلة من تميم "قد تجمعوا للإغارة" وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة، كما هو المنقول عن ابن سعد، وذكر ابن إسحاق أن أم أبيه العاصي بن وائل كانت من بلى فبعث ﷺ عمرا يستفز العرب إلى الشام ويستألفهم.
قال في الروض: واسمها سلمى فيما ذكر الزبير، وأما أم عمرو فهي ليلى تلقب بالنابغة.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بين السببين. انتهى.
وروى أحمد والبخاري في الأدب صححه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم عن عمرو بن العاصي. قال بعث إليّ النبي ﷺ يأمرني أن آخذ ثيابي، وسلاحي، فقال: "يا عمرو إني أريد أن أبعثك على جيش فيغنمك الله ويسلمك". قلت: إني لم أسلم رغبة في المال، قال: "نعم المال الصالح للمرء الصالح". "فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والنصار" بفتح المهملة، وقد تضم جمع سري بفتح فكسر وهو النفيس الشرف وقيل السخي ذو مروءة، قاله ابن الأثير.
قال الجوهري: وهو جمع عزيز أن يجمع فعيل على فعلة ولا يعرف غيره، وفي القاموس أنه اسم جمع "ومعهم ثلاثون فرسا" قال ابن سعد وأمره أن يستعين بمن مر به من بلى وعذرة وبلقين "فسار الليل وكمن النهار فلما قرب منهم" بأن وصل إلى الماء المسمى بالسلاسل "بلغه أن لهم جمعا كثيرا فبعث رافع" براء وفاء "ابن مكيث بفتح الميم" وكسر الكاف وسكون التحتية وبمثلثة "الجهني" بضم الجيم وفتح الهاء والنون صحابي شهد الحديبية والفتح ومعه لواء جهينة "إلى رسول الله ﷺ يستمده"، أي: يطلب منه مددا أي جيشا يعينونه "فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح" القرشي أمين هذه الأمة، "وعقد له لواء" لم نر من عين لونه إلا قوله في بعضстр. 1441
وبعث معه مائتين من سراة المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر ﵄، وأمره أن يلحق بعمرو، وأن يكونا جميعا ولا يختلفا.
فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو: إنما قدمت عليّ مددا، وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس.
وسار حتى وصل إلى العدو: بلى وعذرة، فحمل عليهم المسلمون غافلين، فهربوا في البلاد وتفرقوا.
الحواشي
(١) النسخ أبيض ولا أخال صحتها، "وبعث معه مائتين من سراة المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر، وعمر ﵄ وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا" الظاهر أنها ناقصة خبرها "جميعا" أي مجتمعين، ويجوز أنها تامة وجميعا حال وهو قيد في عاملها لكن الأول أتم فائدة لجعله جزء الكلام "ولا يختلفا" بيان للمراد من الاجتماع، كأنه قال: كونا متفقين غير مختلفين "فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو: إنما قدمت عليّ مددا" معينا ومقويا "وأنا الأمير" ولا إمارة لك حتى تؤم.
وعند ابن إسحاق: قال أبو عبيدة: لا ولكني على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا هينا عليه أمر الدنيا. فقال له عمرو: بل أنت مدد لي، فقال أبو عبيدة: يا عمرو إن رسول الله ﷺ قال لي: "لا تختلفا". وإنك إن عصيتني أطعتك. قال: فإني الأمير عليك وأنت مدد لي. قال: فدونك "فأطاع له بذلك أبو عبيدة فكان عمرو يصلي بالناس وسار حتى وصل إلى العدو بلى" بالجر بدل قبيلة كبيرة من قضاعة "وعذرة" قبيلة كبيرة أيضا تنسب إلى عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بضم اللام ابن الحارث بن قضاعة، "فحمل عليهم المسلمون غافلين، فهربوا في البلاد وتفرقوا".
والمصنف اختصر كلام ابن سعد وما وفى به فأوهم أنه لم يقع بينهم حرب ولفظه بعد قوله يصلي بالناس وسار حتى وجأ بلاد بلى ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين ولقي في آخر ذلك جمعا، فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا، وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريدا إلى النبي ﷺ فأخبره بقفولهم وسلامتهم، وما كان في غزاتهم.
وذكر موسى بن عقبة نحو هذه القصة وبلقين أي بني القين كقولهم بلحارث في بني الحارث ودوخها بفتح المهملة وشد الواو وخاء معجمة استولى عليها وقهرها وعند الواقدي أنهم لما لقوا ذلك الجمع وليسوا بالكثير اقتتلوا ساعة وحمل المسلمون عليهم، فهزموهم وتفرقوا وأقام هناك أياما، وكان يبعث الخيل فيأتون بالشاء والنعم فينحرون ويأكلون، ولم يكن في ذلكстр. 1442
...............................
الحواشي
(١) غنائم تقسم وقال البلاذري: فلقي العدو من قضاعة وغيرهم وكانوا مجتمعين ففضهم أي فرقهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وغنم وهذا يعضده قوله ﷺ : "فيغنمك الله ويسلمك". كما مر.
وروى ابن راهويه والحاكم عن بريدة أن عمرو بن العاصي أمرهم في تلك الغزوة أن لا يوقدوا نارا فأنكر عمر ذلك، فقال له أبو بكر: دعه فإن رسول الله ﷺ يبعثه إلا لعلمه بالحرب، فسكت عنه.
وروى ابن حبان عن عمرو بن العاصي أنهم سألوه أن يوقدوا نارا فمنعهم، فكلموا أبا بكر فكلمه في ذلك، فقال: لا يوقد أحد نارا إلا قذفته فيها. قال: فلقوا العدو فهزموهم فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم فلما انصرفوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فسأله، فقال: كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارا فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فحمد أمره، فقال: يا رسول الله! من أحب الناس إليك.
قال الحافظ: فاشتمل هذا السياق على فوائد زوائد ويجمع بينه وبين حديث بريدة بأن أبا بكر سأله فلم يجبه فسلم له أمره أو ألحوا على أبي بكر حتى سأله فلم يجبه.
أخرج الشيخان والترمذي، والنسائي وغيرهم دخل حديث بعضهم في بعض عن عمرو أنه قال: قدمت من جيش ذات السلاسل فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على قوم فيهم أبو بكر، وعمر إلا لمنزلة لي عنده، فأتيته حتى قعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة". فقلت: إني لست أعني النساء إنما أعني الرجال. فقال: "أبوها". فقلت: ثم من؟ قال. "ثم عمر بن الخطاب". فعد رجالا فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم وقلت في نفسي لا أعود أسأله عن هذا، وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل، إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية وفضل أبي بكر على الرجال وبنته على النساء ومنقبة لعمرو بن العاصي لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر, وإن لم يقتض ذلك أفضليته عليهم لكن يقتضي أن له فضلا في الجملة، وقد قال رافع الطائي: هذه الغزوة هي التي يفتخر بها أهل الشام.стр. 1443
" سرية الخبط ":
ثم سرية أبي عبيدة بن الجراح.
الحواشي
(١) سرية الخبط:
"ثم سرية أبي عبيدة" عامر بن عبد الله "بن الجراح" بن هلال القرشي الفهري أحد العشرة البدري من السابقين مات شهيدا بطاون عمواس سنة ثمان عشرة، أميرا على الشام من قبل عمر، ثم كونه أميرها هو الذي في الكتب الستة عن جابر.стр. 1444
وسماها البخاري: غزوة سيف البحر، وتعرف بسرية الخبط.
وبعث معه ﷺ ثلاثمائة، كما في الصحيحين وغيرهما وهو المشهور، لكن في رواية للنسائي: بضع عشرة وثلاثمائة، فإن صحت هذه الرواية فلعله اقتصر في الرواية المشهورة على الثلاثمائة استسهالا لأمر الكسر، والأخذ بالزيادة مع صحتها واجب.
وكان فيهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم.
ليلقى عيرا لقريش. رواه مسلم، وعنده أيضا: إلى أرض جهينة.
ولا منافاة بينهما: فالجهة.
الحواشي
(١) وعند ابن أبي عاصم عن جابر أن أميرها قيس بن سعد. قال الحافظ والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات الصحيحين أنه أبو عبيدة وكأن أحد رواته ظن من صنع قيس ما صنع من نحر الإبل التي اشتراها أنه أمير السرية وليس كذلك. انتهى.
"وسماها البخاري غزوة سيف" قال الحافظ وغيره: بكسر المهملة وسكون التحتية ففاء أي ساحل "البحر" وكذا ترجمها ابن إسحاق، فقال: غزوة أبي عبيدة إلى سيف البحر وهو جري على غير الغالب من اصطلاح أهل السير أن ما لم يحضره المصطفى يسمى سرية أو بعثا وما حضره غزوة لكن الأقدمين لا يراعون ذلك غالبا "وتعرف بسرية الخبط" وبه ترجمها اليعمري لأكلهم فيها الخبط ولاشتهارها بذلك. قال: تعرف دون تسمي "وبعث معه ﷺ ثلاثمائة، كما في الصحيحين وغيرهما"، كأصحاب السنن الأربعة بطرق عن جابر "وهو المشهور" الذي جزم به أهل السير كابن سعد قائلا من المهاجرين والأنصار.
"وفي رواية النسائي" أيضا "بضع عشرة وثلاثمائة" وأشعر تنكيره رواية، ووصفها بما ذكر بأن المعروف رواية النسائي الأولى التي وافق فيها بقية الأئمة الستة وما في ذلك ريب. ولذا أتى بأن التي للشك إشارة لتوقفه في صحتها بقوله "فإن صحت هذه الرواية، فلعله اقتصر في الرواية المشهورة على الثلاثمائة استسهالا لأمر الكسر" لقلته، "و" لكن "الأخذ بالزيادة مع صحتها واجب،" لأنها زيادة من الثقة غير منافية "وكان فيهم عمر بن الخطاب ﵃" أجمعين خصه بالذكر لعظمته "ليلقى عيرا لقريش، رواه" أي جملة المذكور من قوله وكان فيهم ... إلخ.
"مسلم" فلا ينافي أن قوله: ليلقى في البخاري أيضا بلفظ: نرصد عيرا لقريش ولقوله: "وعنده أيضا" عن جابر قال: بعث صلى الله ليه وسلم بعثا "إلى أرض جهينة ولا منافاة بينهما فالجهة" التي أمرهمстр. 1445
أرض جهينة، والقصد تلقي عير قريش -وهي الإبل المحملة طعاما وغيره.
لكن في كتب السير: أن البعث إلى حي من جهينة بالقبلية -بفتح القاف والمحدة- مما يلي ساحل البحر، وبينه وبين المدينة خمس ليال.
ولعل البعث لمقصدين: رصد عير قريش، ومحاربة حي من جهينة.
قال ابن سعد: وكانت في رجب سنة ثمان.
وفيه نظر، فإن تلقي عير قريش ما يتصور أن يكون في هذه المدة، لأنهم حينئذ كانوا في الهدنة، فالصحيح أن تكون هذه السرية سنة ست أو قبلها، قبل هدنة الحديبية.
نعم يحتمل أن يكون تلقيهم العير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحدا. بل فيه أنهم أقاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد. والله أعلم.
الحواشي
(١) بانتظار العير فيها "أرض جهينة والقصد" بالبعث "تلقى عير قريش وهي" أي العير بكسر العين "الإبل المحملة طعاما وغيره" من التجارات وهو تفسير لها باعتبار الاستعمال المشتهر، فلا ينافي أنها في الأصل التي تحمل الميرة بالكسر، أي الطعام وحمل لجهة على ما ذكر ليفارق استدراكه عليه بقوله.
"لكن في كتب السير أن البعث لحي من جهينة، بالقبلية بفتح القاف والموحدة" وكسر اللام وشد التحتية "مما يلي ساحل البحر وبينها وبين المدينة خمس ليال ولعل البعث للمقصدين رصد عير قريش ومحاربة حي من جهينة" فلا منافاة والحي الواحد من أحياء العرب يقع على بني أب واحد كثروا أم قلوا وعلى شعب يجمع القبائل.
من ذلك "قال ابن سعد: وكانت في رجب سنة ثمان وفيه نظر فإن تلقي عير قريش ما يتصور أن يكون في هذه المدة لأنهم كانوا حينئذ في الهدنة" بضم الهاء وسكون المهملة وبضمهما الصلح، "والصحيح" لفظ الحافظ بل مقتضى ما في الصحيح، "أن تكون هذه السرية سنة ست أو قبلها هدنة الحديبية".
"نعم يحتمل أن تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم، بل لحفظهم" أي العير ومن معها "من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحدًا فيه أنهم أقاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد والله أعلم".стр. 1446
قاله الحافظ ابن حجر.
لكن قال شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب، قالوا: وكانت هذه السرية في شهر رجب سنة ثمان من الهجرة وذلك بعد نكث قريش العهد وقبل الفتح، فإنه كان في رمضان من السنة المذكورة. انتهى.
قالوا: وزودهم رسول الله ﷺ جرابا من التمر، فلما فني أكلوا الخبط -وهو بفتح المعجمة والموحدة بعدها مهملة- ورق السلم. وفي رواية أبي الزبير:.
الحواشي
(١) "قاله الحافظ ابن حجر" في الفتح "لكن قال شيخ الإسلام" العلامة أحمد ولي الدين "ابن" عبد الرحيم "العراقي" الحافظ ابن الحافظ صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة "في شرح التقريب" أي تقريب الأسانيد لوالده، "قالوا: وكانت هذه السرية في شهر رجب سنة ثمان من الهجرة، وذلك بعد نكث" نقض "قريش العهد وقبل الفتح، فإنه" أي الفتح "كان في رمضان من السنة المذكورة. انتهى".
وبه يسقط النظر ولم يعتبر قول ابن القيم في الهدى كون السرية في رجب وهم غير محفوظ إذ لم يحفظ عنه ﷺ أنه غزا في الشهر الحرام، ولا أغار فيه ولا بعث فيه سرية. انتهى.
لقول البرهان في النورانة كلام حسن مليح لكنه على مختاره من عدم نسخ القتال في الشهر الحرام كشيخه ابن تيمية تبعا لأهل الظاهر وعطاء، وهو خلاف ما عليه المعظم. انتهى.
وعلى تسليم ظاهره أنه لم يتفق ذلك لا قبل نسخ القتال في الأشهر الحرم ولا بعده يحتمل أن يكون البعث في أواخر رجب بحيث لا يصلون إلى جهينة ويلقون العير إلا في شعبان، "قالوا" أي: أصحاب المغازي: "وزودهم" أي أعطاهم "رسول الله ﷺ جرابا" بكسر الجيم، وقد تفتح كما مر مرارا عن عياض وغيره "من التمر" يأكلونه في السفر، وفي المصباح: زودته: أعطيته زادا. انتهى.
فليس من الزيادة كما توهم إذ لو كان كذلك لقيل: زادهم ثم ليس مراد المصنف التبري فقد صح في مسلم عن جابر، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره "فلما فني" بكسر النون، أي: فرغ "أكلوا الخبط وهو بفتح" الخاء "المعجمة" وفتح "الموحدة بعدها" طاء "مهملة ورق السلم", كما قاله الفتح وهو بفتحتين شجر عظيم له شوك كالعوسج والطلع، قيل: وهو الذي أكلوه فهذا بيان للشجر الذي أخذ ورقه وإلا فالخبط لغة ما سقط من ورق الشجر إذا خبط بالعصى.
"وفي رواية" مسلم عن "أبي الزبير" محمد بن مسلم المكي صدوق من رجال الجميع التابعي عن جابر.стр. 1447
وكنا نضرب بعصينا الخبط ونبله بالماء فنأكله، وهذا يدل على أنه كان يابسا، خلافا لمن زعم أنه كان أخضر رطبا.
وقد كان معهم تمر غير الجراب النبوي، ويدل عليه حديث البخاري في الجهاد: خرجنا ونحن ثلاثمائة نحمل زادنا على رقابنا ففني زادنا، حتى كان الرجل منا يأكل تمرة تمرة.
الحواشي
(١) قال: "وكنا نضرب بعصينا الخبط" بضم العين وكسر الصاد المهملتين جمع عصا بالقصر والتأنيث كذا ضبطه الشامي وغيره وهو مخالف لقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤] فقد اتفق القراء على أنه بكسر العين.
قال شيخنا: إلا أن يقال أصله بضمها فتصرف فيه، فالأصل عصوو بواوين قلبت الأخيرة ياء لوقوعها رابعة ثم قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء لأن الواو والياء متى اجتمعتا، وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت، فلما فعل ذلك قلبت الضمة كسرة لتسلم الياء "ونبله" بفتح النون وضم الموحدة ننديه "بالماء فنأكله".
"وهذا" كما قال الحافظ "يدل على أنه يابسا خلافا لمن زعم"، وهو الداودي شارح البخاري "أنه كان أخضر رطبا، وقد كان معهم تمر غير الجراب النبوي" خلافا لقول عياض: يحتمل أنه لم يكن في أزوادهم تمر غير الجراب المذكور، "ويدل عليه حديث البخاري في الجهاد" في باب حمل الزاد على الرقاب عن جابر "خرجنا ونحن ثلاثمائة نحمل زادنا على رقابنا ففني زادنا" جوز العيني أن معناه أشرف على الفناء "حتى كان الرجل منا يأكل،" زاد الكشميهني: في كل يوم "تمرة تمرة". بقية هذا الحديث:
قال رجل أي لجابر: وأين كانت التمرة تقع من الرجل؟ قال: لقد وجدنا فقدها حين فقدناها. وفي رواية مسلم عن أبي الزبير، فقلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: نمصها كما يمص الصبي الثدي، ثم نضرب عليها من الماء فيكفينا يومنا إلى الليل، وفي البخاري حدثنا إسماعيل حدثنا مالك عن وهب بن كيسان عن جابر: بعث ﷺ بعثا قبل الساحل وأمر عليهم أبا عبيدة وهم ثلاثمائة فخرجنا فكنا ببعض الطريق، فني الاد فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع فكان مزود تمر فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة، فقلت: ما تغني عنكم تمرة؟ قال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت أي مؤثرا وصريحه أن قائل ما تغني وهب، ولا مانع من أن كلا من وهب وأبي الزبير سأل جابرا عن ذلك حين حدثه استغرابا.
قال الحافظ: ظاهر هذا السياق أنهم كان لهم زاد بطريق العموم وأزواد بطريق الخصوص،стр. 1448
وابتاع قيس بن سعد جزورا ونحرها لهم.
الحواشي
(١) فلما فني الذي بطريق العموم اقتضى رأي أبي عبيدة أن يجمع الذي بطريق الخصوص لقصد المساواة بينهم في ذلك ففعل، فكان جميعه مزودا بكسر الميم وسكون الزاي ما يجعل فيه الزاد.
وعند مسلم عن أبي الزبير عن جابر بعثنا ﷺ وأمر علينا أبا عبيدة نلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة وظاهره مخالف لرواية وهب ويمكن الجمع بأن الزاد العام كان قدر جراب، فلما نفذ وجمع أبو عبيدة الزاد الخاص اتفق أنه أيضا قدر جراب ويكون كل من الراويين ذكر ما لم يذكر الآخر، وأما تفرقته تمرة تمرة فكان في ثاني الحال، وقول عياض يحتمل أنه لم يكن في أزوادهم تمر غير الجراب المذكور مردود بأن حديث وهب صريح في المجتمع من أزوادهم مزود تمر رواية، ورواية أبي الزبير صريحة في أنه ﷺ زودهم جرابا من تمر فصح أن التمر كان معهم من غير الجراب، وقول غيره يحتمل أن تفرقته عليهن تمرة تمرة كان من الجراب النبوي قصدا لبركته، وكان يفرق عليهم من الأزواد التي جمعت أكثر من ذلك بعيد من ظاهر السياق، بل في رواية هشام بن عروة عند ابن عبد البر، فقلت: أزوادنا حتى ما يصيب الرجل منا إلا تمرة. انتهى.
"وابتاع قيس بن سعد" بن عبادة الصحابي ابن الصحابي الجواد ابن الجواد "جزورا ونحرها لهم"، كذا في النسخ لأفراد، أما على أن المراد به الجنس أو أن الواو زادت من الكاتب وأصله جزرا بضم الجيم والزاي جمع جزور كقوله:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر
ويجمع أيضا على جزائر وهو البعير ذكرا كان أو أنثى فلا ينافي ما رواه الواقدي بأسانيده أنهم أصابهم جوع شديد، فقال قيس: من يشتري مني تمرا بالمدينة بجزر هنا؟ فقال له رجل من جهينة من أنت؟ فانتسب. فقال: عرفت نسبك. فابتاع منه خمس جزائر بخمسة أوسق وأشهد له نفرا من الصحابة، وامتنع عمر لكون قيس لا مال له، فقال الأعرابي: ما كان سعد ليخنى بابنه في أوسق تمر بفتح التحتية وسكون الخاء وبالنون يقصر.
قال: وأرى وجها حسنا، وفعلا شريفا فأخذ قيس الجزر فنحر لهم ثلاثة كل يوم جزورا، فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره، فقال: عزمت عليك أن لا تنحر أتريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك؟ قال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت يقضي ديون الناس ويحمل الكل ويطعم في المجاعة لا يقضي عني تمر القوم مجاهدين في سبيل الله؟ فكاد أبو عبيدة يلين وجعل عمر يقول: اعزم فعزم عليه فبقيت جزوران، فقدم بهما قيس المدينة ظهرا يتعاقبون عليهما. وبلغ سعدا مجاعة القوم، فقال: إن يك قيس كما أعرف فسينحر لهم. فلما لقيه قال: ما صنعت في مجاعة القوم؟стр. 1449
وأخرج الله لهم من البحر دابة تسمى العنبر فأكلوا منها، وتزودوا ورجعوا ولم يلقوا كيدا.
وفي رواية جابر عند الأئمة الستة: بعثنا رسول الله ﷺ ثلاثمائة راكب، أميرنا
الحواشي
(١) قال: نحرت، قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نحرت، قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نحرت، قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نهيت. قال: ومن نهاك؟ قال: أبو عبيدة أميري، قال: ولم؟ قال: زعم أنه لا مال لي وإنما المال لأبيك؟ فقال: لك أربع حوائط أدناها تجد منه خمسين وسقا وقدم البدوي مع قيس فأوفاه أوسقه وحمله وكساه فبلغ النبي ﷺ فعل قيس، فقال: "إنه في قلب جود".
وفي رواية ابن خزيمة، فقال ﷺ : "إن الجود من سمة أهل ذلك البيت". قال في الفتح: اختلف في سبب نهي أبي عبيدة قيسا أن يستمر على إطعام الجيش، فقيل: خيفة أن تفنى حمولتهم, وفيه نظر؛ لأن القصة أنه اشترى من غير العسكر، وقيل: لأنه كان يستدين على ذمته ولا مال له فأريد الرفق به، وهذا أظهر. انتهى.
بقي أن البخاري روى هنا عن جابر قال: كان رجل من القوم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر بالتكرار ثلاث مرات كما قال المصنف.
قال في المقدمة: هو قيس بن سعد كما عند المصنف. انتهى. ولم يتكلم الفتح ولا المصنف هنا على الجمع بينه وبين رواية أنه اشترى خمسا نحر منها ثلاثا، ثم منع مع ذكرهما لها في شرح هذا الحديث، ويمكن الجمع بأنه نحر أولا ستا مما معه من الظهر، ثم اشترى خمسا نحر منها ثلاثا، ثم نهي، فاقتصر من قال: ثلاثا على ما نحره مما اشتراه، ومن قال: تسعا ذكر جملة ما نحره، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح, والله أعلم.
"وأخرج الله لهم من البحر دابة" بمهملة وشد الموحدة حيوان الأرض الذكر، والأنثى "تسمى العنبر" قال أهل اللغة: العنبر سمكة كبيرة يتخذ من جلدها الترسة، ويقال: إن العنبر المشموم رجيعها.
وقال ابن سينا بل المشموم يخرج من الشجر وإنما يوجد في أجواف السمك الذي يبتلعه, ونقل الماوردي عن الشافعي قال: سمعت من يقول رأيت العنبر نابتا في البحر ملتويا مثل عنق الشاة وفي البحر دابة تأكله، وهو سم لها فيقتلها فيقذفها البحر فيخرج العنبر من بطنها، وقال الأزهري العنبر سمكة بالبحر الأعظم يبلغ طولها خمسين ذراعا يقال لها: بالة وليست بعربية. انتهى.
من الفتح "فأكلوا منها وتزودوا ورجعوا ولم يلقوا كيدا" أي حربا.
"وفي رواية جابر عند الأئمة الستة": البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه "بعثنا رسول الله ﷺ ثلاثمائة راكب أميرنا" جملة حالية بلا واو، ولأبي ذر: وأميرناстр. 1450
أبو عبيدة بن الجراح، فأقمنا على الساحل حتى فني زادنا، حتى أكلنا الخبط ثم إن البحر ألقى لنا دابة يقال لها: العنبر، فأكلنا منها نصف شهر، حتى صحت أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعها فنصبه ونظر إلى أطول بعير فجاز تحته. الحديث.
الحواشي
(١) بالواو "أبو عبيدة بن الجراح".
وفي رواية البخاري: نرصد عيرا لقريش "فأقمنا على الساحل حتى فني زادنا"، زاد في رواية البخاري فأصابنا جوع شديد "حتى أكلنا الخبط، ثم إن البحر ألقى لنا دابة" من السمك.
وفي رواية للبخاري فإذا حوت مثل الظرب والحوت اسم جنس لجميع السمك وقيل: مخصوص بما عظم منها، والظرب بفتح المعجمة المشالة وفي بعض النسخ المعجمة الساقطة حكاها ابن التين، والأول أصوب وبكسر الراء بعدها موحدة الجبل الصغير.
وقال القزاز: هو بسكون الراء إذا كان منبسطا ليس بالعالي، وفي رواية أبي الزبير عند مسلم فوقع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة "يقال لها: العنبر", وفي رواية للبخاري: فألقى لنا البحر حوتا ميتا لم نر مثله.
وفي رواية ابن أبي عاصم: فإذا نحن بأعظم حوت ففي هذا جواز أكل الحوت الطافي "فأكلنا منها نصف شهر".
وفي رواية وهب عند البخاري: ثمان عشرة ليلة.
وفي رواية أبي الزبير عند مسلم: فأقمنا عليه شهرا قال الحافظ: ويجمع بأن قائل ثمان عشرة ضبط ما لم يضبطه غيره وقائل نصف شهر ألغى الكسر الزائد وهو ثلاثة أيام، ومن قال: شهرا جبر الكسر أو ضم بقية المدة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها.
ورجح النووي رواية أبي الزبير لما فيها من الزيادة وقال ابن التين: إحدى الروايتين وهم، ووقع في رواية الحاكم: اثني عشر يوما وهي شاذة منها شذوذا رواية الخولاني عن جابر عند ابن أبي عاصم، فأقمنا قبلها ثلاثا، ولعل الجمع الذي ذكرته أولى. انتهى.
"حتى صحت أجسامنا" وفي رواية البخاري: وادهنا من ودكه حتى ثابت إلينا أجسامنا بمثلثة، أي رجعت وفيه إشارة إلى أنهم أصابهم هزال من الجوع "فأخذ أبو عبيدة ضلعا" بكسر الضاد وفتح اللام "من أضلاعه فنصبه".
قال الحافظ واستشكل بأن الضلع مؤنثة، ويجاب بأنه غير حقيقي فيجوز تذكيره، وفي رواية وهب عند البخاري، ثم أمر عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا "ونظر إلى أطول بعير فجاز تحته" براكبه، وفي رواية وهب عند البخاري ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتهما فلم تصبهما، وفي رواية له أيضا فعمد إلى أطول رجل معه وفي حديث عبادة عند ابن إسحاق ثم أمرстр. 1451
زاد الشيخان في رواية: فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شيء من لحمه فتطعمونا"؟. قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكل.
الحواشي
(١) بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا فخرج من تحتها وما مست رأسه.
وجزم الحافظ في المقدمة بأن الرجل قيس بن سعد فتبعه المصنف في الشرح، وقال في الفتح لم أقف على اسمه وأظنه قيسا فإنه كان مشهورا بالطول، وقصته مع معاوية معروفة لما أرسل إليه ملك الروم أطول رجل منهم ونزع له قيس سراويله، فكانت طول قامة الرومي بحيث كان طرفها على أنفه وطرفها بالأرض، وعوتب قيس في نزع سراويله فأنشد:
أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوجوه شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادي فمنه ثمود
وفي رواية مسلم عن جابر: فلقد رأيتنا، نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ونقطتع منه الفدر كالثور، فأخذ أبو عبيدة، ثلاثة عشر رجلا، فأقعدهم في وقب عينه بفتح الواو وسكون القاف، وموحدة: النقرة التي فيها الحدقة، والفدر بكسر الفاء وفتح الدال، جمع فدرة بفتح، فسكون القطعة من اللحم وغيره، ولمسم عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال جابر: فدخلت أنا وفلان، قعد خمسة في فجاج عينها، ما يرانا أحد حتى خرجنا، وأخذنا ضلعا من أضلاعها، فقومناه وعدونا بأعظم رجل في الركب، وأعظم جمل، وأعظم كفل، فدخل تحته ما يطأطئ رأسه. انتهى، فسبحان القوي القادر، وكفل بكسر الكاف، وإسكان الفاء، وباللام، أي الكساء الذي يجعله راكب البعير على سنامه لئلا يسقط، "الحديث" ذكر في بقيته نحر التسع جزائر، ثم النهي، "زاد الشيخان في رواية" عن أبي الزبير عن جابر، "فلما قدما المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له"، فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شيء من لحمه فتطعمونا"؟ زاد في رواية أحمد، فكان معنا منه شيء "قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكل" هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري فقال: "كلوا رزقا أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم". فأتاه بعضهم، فأكله.
ولابن السكن، فأتاه بعضهم بعضو منه، فأكله، قال عياض: وهو الوجه، وفي رواية أبي حمزة الخولاني، عن جابر عند ابن أبي عاصم، فلما قدموا ذكروا له ﷺ فقال: "لو نعلم أنا ندركه، لم يروح لأحببنا لو كان عندنا منه". قال الحافظ: وهذا لا يخالف رواية أبي الزبير، لأنه يحمل على أنه قال ذلك، ازديادا منه بعد أن أحضروا له منه ما ذكر، أو قال ذلك قبل أن يحضروا له منه، وكان الذي أحضروه معهم، لم يروح فأكل منه, والله أعلم. انتهى.стр. 1452
" سرية أبي قتادة إلى نجد ":
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة، وهي أرض محارب بنجد، في شعبان سنة ثمان، وبعث معه خمسة عشر رجلا إلى غطفان، فقتل من أشرف منهم، وسبى سبيا كثيرا، واستاق النعم، فكانت الإبل مائتي بعير، والغنم ألفي شاة.
الحواشي
(١) سرية أبي قتادة إلى نجد:
"ثم سرية أبي قتادة" الحارث، ويقال عمرو أو النعمان "ابن ربعي" بكسر الراء، وسكون الموحدة، بعدها مهملة "الأنصاري" السلمي، بفتحتين، المدني شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرا مات سنة أربع وخمسين على الأصح الأشهر، "إلى خضرة" ضبطه الشامي، بفتح الخاء، وكسر الضاد، المعجمتين مخالفا قول البرهان، بضم الخاء، وإسكان المعجمة، هذا الظاهر، ثم راء، ثم تاء تأنيث، "وهي أرض محارب بنجد" أشار إلى أنه لا تنافي بين من ترجمها كالبخاري، بقوله السرية التي قبل نجد، وبين من قال سرية محارب؛ لأن الأرض نجد، والمقصودين بالسرية من أهلها محارب، "في شعبان سنة ثمان" عند ابن سعد، وذكر غيره: أنها قبل مؤتة، وهي في جمادى كما مر، وقيل: كانت في رمضان، ذكره الحافظ، "وبعث معه خمسة عشر رجلا إلى غطفان" بأرض محارب.
قال ابن سعد: وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، فهجم على حاضر منهم عظيم، فأحاط به، فصرخ رجل منهم يا خضرة، وقاتل منهم رجال، "فقتل من أشرف" ظهر "منهم وسبى سبيا كثيرا واستاق النعم، فكانت الإبل مائتي بعير والغنم ألفي شاة" زاد ابن سعد وشيخه، وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخمس فعزلوه، فأصاب كل رجل اثنا عشر بعيرا فعدل البعير بعشر من الغنم، ونفلنا أميرنا بعيرا بعيرا ثم قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم علينا غنيمتنا، وروى الشيخان وغيرهما، عن ابن عمر بعث ﷺ سرية قبل نجد، فكنت فيها فغنموا إبلا كثيرة وغنما، فكانت سهامنا اثني عشر بعيرا، ونفلنا بعيرا بعيرا، فرجعنا بثلاثة عشر بعيرا، قال في الفتح: اختلف الرواة في القسم والتنفيل هل كانا جميعا من أمير ذلك الجيش، أو من النبي ﷺ ، أو أحدهما من أحدهما؟ فرواية أبي داود صريحة، أن التنفيل من الأمير والقسم منه، ﷺ ولفظه فخرجت فيها فأصبنا نعما كثيرا وأعطانا أميرنا بعيرا لكل إنسان ثم قدمنا على النبي ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل اثني عشر بعيرا بعد الخمس، وظاهر رواية مسلم، أن ذلك صدر من الأمير، وأنه ﷺ كان مقررا له، ومجيزا لأنه قال فيه ولم يغيره النبي ﷺ ، ولمسلم أيضا،стр. 1453
وكان غيبته خمس عشرة ليلة.
الحواشي
(١) في رواية ونفل ﷺ بعيرا بعيرا وهذا يمكن حمله على التقرير، فتجتمع الروايات، قال النووي: معناه أن أمير السرية نفلهم فأجازه، ﷺ , فجازت نسبته لكل منهما، والنفل زيادة يزادها الغازي على نصيبه من الغنيمة، ومنه نفل الصلاة، وهو ما عدا الفريضة. انتهى.
"وكانت غيبته خمس عشرة ليلة"، قال ابن سعد وشيخه: وكان في السبي، وهو أربع نسوة، وأطفال وجوار جارية وضيئة كأنها ظبي، وقعت في سهم أبي قتادة، فجاء محمية بن جزء الزبيدي، فقال: يا رسول الله! إن أبا قتادة قد أصاب في وجهه هذا جارية وضيئة وقد كنت وعدتني جارية، فأرسل ﷺ إلى أبي قتادة، فقال: هب لي الجارية فوهبها له، فدفعها إلى محمية، بفتح الميم وسكون المهملة، وكسر الميم الثانية، وتخفيف التحتية المفتوحة ابن جزء بفتح الجيم، وسكون الزاي، بعدها همزة الزبيدي، بضم الزاي. انتهى.стр. 1454
" سريته أيضا إلى إضم ":
ثم سرية أبي قتادة أيضا إلى بطن إضم -فيما بين ذي خشب وذي المروة- على ثلاثة برد من المدينة، في أول شهر رمضان سنة ثمان.
وذلك أنه ﷺ لما هم أن يغزو أهل مكة، بعث أبا قتادة في ثمانية نفر، سرية إلى بطن إضم، ليظن ظان أنه ﷺ توجه إلى تلك الناحية.
الحواشي
(١) سريته أيضا إلى إضم:
"ثم سرية أبي قتادة أيضا إلى بطن إضم", بكسر الهمزة وفتح الضاد المعجمة، وبالميم واد، "فيما بين ذي خشب" بضم المعجمتين وبموحدة، واد على ليلة من المدينة له ذكر كثير في الحديث، والمغازي كما في النهاية، "وذي المروة" بلفظ أخت الصفا من أعمال المدينة، على ثمانية برد منها، وأضم المذكور أنه بين هذين، "على ثلاثة برد من المدينة في أول شهر رمضان سنة ثمان" أي في أول يوم منه على المتبادر، ويحتمل ما يصدق بغير الأول، لإطلاقه على نحو النصف، "وذلك أنه ﷺ لما هم أن يغزو أهل مكة, بعث أبا قتادة في ثمانية نفر سرية" على قول القاموس السرية، خمسة إلى ثلاثمائة أو أربعمائة، ومر نقل المصنف عن الحافظ أن مبدأها مائة، "إلى بطن إضم" وتعبيره ببطن تبعا لابن سعد وغيره ظاهر في أنه واد لأنهم يضيفون بطن، إلى الوادي دون الجبل، وفي السبل أن إضما واد أو جبل، لكن في القاموس إضم كعنب، وجبل الوادي الذي به المدينة. انتهى.
فلا يفسر ما هنا بالجبل، "ليظن ظان أنه ﷺ توجه إلى تلك الناحية" التي هي بطنстр. 1455
ولأن تذهب بذلك الأخبار.
فلقوا عامر بن الأضبط، فسلم عليهم بتحية الإسلام، فقتله محلم بن جثامة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] إلى آخر الآية, رواه أحمد.
الحواشي
(١) إضم، "ولأن تذهب بذلك" أي بتوجهه إليها، "الأخبار" فلا تستعد قريش لحربه، ويدخل عليهم على حين غفلة، وكيف توهم أن اسم الإشارة يعود على مكة، ويتعسف توجيهه بتجويز العقل المخالف للنقل، وهو ﷺ ، تجهز إلى مكة كما يأتي سرا، وأطلعه الله على كتاب حاطب، فبعث من أتاه به، وقال كما عند ابن إسحاق: "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش، حتى نبغتها في بلادها". واستجيب له، فعميت الأخبار عنهم، فلم يأتهم خبر عنه، ولا علموا بذلك إلا ليلة دخوله ﷺ ، "لقوا عامر بن الأضبط" بفتح الهمزة وسكون الضاد المعجمة، وفتح الموحدة، ثم طاء مهملة, الأشجعي المعدود في الصحابة، والذي ينبغي كما قال البرهان: عده في التابعين؛ لأنه أسلم ولم يلق النبي مسلما.
وقد ذكره صاحب الإصابة في القسم الأول تسليما لمن قبله، ثم أورده في القسم الثالث، وهو أدرك النبي ولم يرده لهذ المعنى "فسلم عليه بتحية الإسلام" بأن قال: السلام عليكم، قال ابن هشام: ولذا قرأ أبو عمر والسلام، أو المعنى عظمهم بالانقياد، كلمة الشهادة التي هي أمارة على السلامة، "فقتله محلم" بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر اللام المشددة، ثم ميم "ابن جثامة" بفتح الجيم وشد المثلثة، فألف، فميم، فتاء تأنيث، واسمه زيد بن قيس بن ربيعة صحابي أخو الصعب بن جثامة، قال ابن عبد البر: قيل: إن محلما غير الذي قتل، وأنه نزل حمص ومات بها أيام ابن الزبير، ويقال: إنه هو ومات في حياته ﷺ ، فلفظته الأرض مرة بعد أخرى.
قال في الإصابة: وبالأول جزم ابن السكن، "فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ بألف ودونها أي التحية، أو الانقياد بكلمة الشهادة، ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ ", وإنما قلت هذا تقية لنفسك ومالك، "إلى آخر الآية, رواه أحمد", والطبراني وابن إسحاق وغيرهم عن عبد الله بن أبي حدرد، قال: بعثنا ﷺ إلى إضم في نفر من المسلمين فيهم: أبو قتادة ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، ومعه متيع له ووطب من لبن، فسلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم، فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ، وأخبرناه الخبر نزل فينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٤] إلى آخر الآية,стр. 1456
وهو عند ابن حرير من حديث ابن عمر بنحوه وزاد: فجاء محلم بن جثامة في بردين فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له، فقال ﷺ : "لا غفر الله لك". فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات فلفظته الأرض. وعند غيره: ثم عادوا به فلفظته الأرض، فلما غلب قومه عمدوا إلى صدين فسطحوه ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه.
الحواشي
(١) ولا ينافي قوله لشيء كان بينه وبينه. قوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور: ٣٣] ؛ لأن الحقد من عرضها المبتغى، مع أنه أخذ متاعه وبعيره أيضا "وهو عند ابن جرير، من حديث ابن عمر بنحوه", وقد مر في سرية غالب الليثي: أن الآية نزلت في قتل أسامة بن زيد مرداس بن نهيك، وأنه يحتمل تعدد القصة، وتكرير نزول الآية، "وزاد" ابن عمر في حديث: "فجاء ملحم بن جثامة في بردين" معهم حين رجعوا ولم يلقوا جمعا، فلما وصلوا إلى ذي خشب بلغهم أنه ﷺ توجه إلى مكة، فلحقوه بالسقيا، كما عند ابن سعد وغيره، فأخبروه الخبر، فقال لمحلم: "أقتلته بعدما قال: آمنت بالله". "فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ، ليستغفر له"، فقال ﷺ : "قتلته بعدما قال: إني مسلم"؟. قال: إنما قالها متعوذا. قال: "أفلا شققت عن قلبه لتعلم أصادق هو أم كاذب"؟. قال: وهل قلبه إلا مضغة من لحم. قال ﷺ : "إنما كان ينبئ عنه لسانه هذا". من جملة حديث ابن عمر عند ابن جرير، وفي رواية: فقال ﷺ : "لا ما في قلبه تعلم، ولا لسانه صدقت". فقال: استغفر لي يا رسول الله، قال: "لا غفر الله لك". زجرا وتهويلا، "فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة" من الليالي يؤرخون بها ويريدون الأيام، "حتى مات، فلفظته" طرحته "الأرض وعند غيره" كابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن الحسن البصري: قال ﷺ حين جلس بين يديه: "أمنته بالله ثم قتلته".
فما مكث إلا سبعا حتى مات فلفظته الأرض، "ثم عادوا به، فلفظته الأرض،" ثم عادوا به، فلفظته الأرض، "فلما غلب قومه عمدوا إلى صدين" بضم الصاد وفتحها، ودال مهملتين تثنية صد أي: جبلين، "فسطحوه" بينهما "ثم رضموا" بفتح الراء، والضاد المعجمة، أي جعلوا "عليه الحجارة" بعضها فوق بعض، "حتى واروه" وظاهره أن ذلك كله يوم الدفن، وفي رواية: أنهم حفروا له فأصبح، وقد لفظته الأرض، ثم عادوا، فحفروا له فأصبح, وقد لفظته الأرض إلى جنب قبره، قال الحسن: لا أدري كم قال أصحاب رسول الله، مرتين أو ثلاثا؟
وفي حديث جندب عند الطبراني وقتادة عن ابن جرير أن ذلك وقع ثلاث مرات، فإن صح، فيحتمل أنه لفظ يوم الدفن مرتين أو ثلاثا، ثم استقر به حتى أصبح، وقد لفظ أيضا حتى واروه بعد ثلاث أيضا بين الجبلين، فحفظ كل من الرواة ما لم يحفظ الآخر، ولا يخفى بعده، والله أعلم.стр. 1457
وفي رواية ابن جرير: فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن يريد الله أن يعظكم".
ونسب ابن إسحاق هذه السرية لابن أبي حدرد.
الحواشي
(١) "وفي رواية ابن جرير" عن ابن عمر وكذا في مرسل الحسن عند ابن إسحاق، "فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ " فقال: "إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم". إذ هي تقبل من ادعوا الألوهية، وجميع الكفار، "ولكن يريد الله أن يعظكم" وفي مرسل الحسن: ولكن الله أراد أن يعظمكم، فيحرم ما بينكم بما أراكم منه، وظاهر هذا أنهم ألقوا عليه الحجارة، قبل إخبارهم له ﵇، بلفظ الأرض.
وفي رواية: أنها لما لفظته جاءوا، فذكروا ذلك له، فقال: "إن الأرض" ... إلخ، ثم ألقوها عليه هذا وبين ما ذكر من موته بعد سابعة من لقي المصطفى، بالسقيا وبين ما رواه ابن إسحاق، عن عروة بن الزبير عن أبيه وجده, شهدا حنينا، قالا: صلى بنا ﷺ الظهر وهو بحنين.
ثم جلس تحت ظل شجرة، فقام عيينة يطلب بدم عامر بن الأضبط وهو يومئذ رئيس غطفان، والأقرع بن حابس يدفع عن محلم لمكانه من خندف فتداولا الخصومة عنده، ﷺ ، ونحن نسمع ثم قبلوا الدية.
ثم قالوا: أين صاحبكم هذا يستغفر له ﷺ ، فقام رجل آدم ضرب طويل عليه حلة قد كان تهيأ للقتل فيها حتى جلس بين يديه، فقال: "ما اسمك". قال: محلم بن جثامة، فرفع ﷺ يده، ثم قال: "اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة". ثلاثا، فقام وهو يتلقى دموعه بفضل ردائه، فأما نحن، فنقول فيما بيننا: نرجو أنه ﷺ استغفر له، وأما اظهر منه ﵇، فهذا انتهى بون بعيد لكن يحتمل الجمع، بأنه اجتمع به بالسقيا حين عادوا من السرية.
ثم سارو معه في الفتح حتى غزاها وغزا حنينا، ثم اختصم عنده عيينة والأقرع. فلما قبلوا الدية جاءوا به ليستغفر له، فقال: "اللهم" ... إلخ. فمات بعد سبع، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر ويؤيد ذلك أنه لم يقع في حديث ابن أبي حدرد ولا ابن عمر تعيين المحل الذي أتوا به فيه، ووقع ذلك في حديث عروة عن أبويه، فوجب قبوله لأنه زيادة ثقة, والله أعلم.
ونسب ابن إسحاق هذه السرية" التي نسبها ابن سعد وغيره لأبي قتادة "لابن أبي حدرد"، بمهملات بوزن جعفر, عبد الله بن سلامة بن عمير الأسلمي، الصحابي ابن الصحابي، المتوفى سنة إحدى وسبعين، وله إحدى وثمانون سنة، قال الحافظ: ووهم من أرخ موت أبيه فيها، فقال أعني ابن إسحاق: غزوة ابن أبي حدرد ببطن إضم وساق فيها حديثه، في قتل عامرстр. 1458
ومعه رجلان إلى الغابة، لما بلغه ﷺ أن رفاعة بن قيس يجمع لحربه، فقتلوا رفاعة وهزموا عسكره، وغنموا غنيمة عظيمة، حكاه مغلطاي, والله أعلم.
الحواشي
(١) ونزول الآية، ثم حديث عروة الذي ذكرته مطولا، ثم حديث الحسن، ثم حديثا آخر بين الأقرع وعيينة، ثم ترجم عقبها غزوة ابن أبي حدرد الأسلمي الغابة فوهم المصنف في قوله، "ومعه رجلان", لم يسميا، "إلى الغابة لما بلغه ﷺ ، أن رفاعة بن قيس يجمع لحربه" قيسا قومه بالغابة "فقتلوا رفاعة وهزموا عسكره، وغنموا غنيمة عظيمة" من إبل وغنم، "حكاه مغلطاي،" لإدخاله قصة في أخرى، وأيضا فلم يقل أحد أنهم في سريتهم إلى إضم حاربوا أحدًا ولا غنموا بل صرح ابن سعد وشيخه كما مر بأنهم رجعوا ولم يلقوا جمعا.
وأما سرية الغابة فقال ابن إسحاق: كان من حديثها فيما بلغني، عمن لا أتهم عن ابن أبي حدرد، قال: تزوجت امرأة من قومي، وأصدقتها مائتي درهم، فجئت رسول الله ﷺ ، أستعينه فقال: "وكم أصدقت". قلت: مائتي درهم، قال: "سبحان الله لو كنتم تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم، والله ما عندي ما أعينك به". فلبثت أياما. وأقبل رفاعة بن قيس، أو قيس بن رفاعة، في بطن عظيم من بني جشم، فنزل بمن معه بالغابة، يريد جمع قيس على حربه ﷺ ، فدعاني ﷺ ، ورجلين، فقال: "اخرجوا إلى هذا الرجل، حتى تأتونا منه بخبر وعلم". فخرجنا ومنا النبل، والسيوف حتى جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس.
فكمنت في ناحية، وأمرت صاحبي، فكمن في ناحية، وقلت لهما إذا سمعتماني قد كبرت، وشددت على العسكر، فكبرا وشدا معي فوالله إنا لننتظر غرة القوم وأن نصيب منهم شيئا، وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء، وقد كان لهم راع، قد سرح فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه، فقام رفاعة بن قيس، فجعل سيفه في عنقه، ثم قال: لأتبعن أثر راعينا هذا، لقد أصابه شر، فقال له نفر ممن معه: نحن نكفيك، قال: والله لا يذهب إلا أنا، قالوا فنحن معك، قال: والله لا يتبعني أحد منكم، فخرج حتى يمر بي فرميته بسهمي، فوضعته في فؤاده فوالله ما تكلم، ووثبت إليه فاحترزت رأسه وشددت في ناحية العسكر، وكبرت وشد صاحباي، وكبرا فوالله ما كان إلا النجاء ممن فيه عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم، وما خف من أموالهم واستقنا إبلا عظيمة، وغنما كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله ﷺ ، وجئت برأسه أحمله معي، فأعانني ﷺ ، من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرا فجمع إلى أهلي، وأما الواقدي وهو محمد بن عمر، فجعل هذه القصة مع قصة أبي قتادة إلى خضرة التي قبل هذه واحدة، وساق بسند له عن ابن أبي حدرد، قال: تزوجت ابنة سراقة بن حارثة النجاري، وقد قتل ببدر، فلم أصب شيئا من الدنيا كان أحب إليَّстр. 1459
.................................
الحواشي
(١) من نكاحها، وأصدقتها مائتي درهم، فلم أجد شيئا أسوقه إليها، فقلت على الله ورسوله المعول، فجئت رسول الله، فأخبرته، فقال: كم سقت إليها، فقلت: مائتي درهم، فقال: "سبحان الله لو كنتم تغترفون من ناحية بطحان ما زدتم". فقلت: يا رسول الله! أعني على صداقها. فقال: "ما وافقت عندنا ما أعينك به، ولكن قد أجمعت أن أبعث أبا قتادة في أربعة عشر رجلا في سرية، فهل لك في أن تخرج فيها؟ فإني أرجو أن يغنمك الله مهر زوجتك". فقلت: نعم، فخرجنا حتى جئنا الحاضر، فذكر القصة، وأن أبا قتادة ألف بين كل رجلين، وقاتل رجالا من القوم.
فإذا فيهم رجل من طويل أقبل على ابن حدرد، وقال: يا مسلم هلم إلى الجنة يتهكم به، قال: فملت عليه، فقتلته وأخذت سيفه، فلما أصبحنا رأيت في السبي امرأة كأنها ظبي، تكثر الالتفات خلفها وتبكي، فقلت: أي شيء تنظرين، قالت: أنظر والله إلى رجل إن كان حيا استنقذنا منكم، فقلت: لها، قد قتلته وهذا سيفه معلق بالقتب، قالت: فألق إليّ غمده، فلما رأته بكت ولبثت، ولا يخفى أن سياق كل من القصتين يبعد أو يمنع كونهما واحدة والله تعالى أعلم.стр. 1460
" باب غزوة الفتح الأعظم ":
ثم فتح مكة زادها الله شرفا. وهو كما قال في زاد المعاد: "الفتح الأعظم، الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين.
الحواشي
(١) باب غزوة الفتح الأعظم:
"ثم فتح مكة زادها الله شرفا", يحتمل أنه دعاء من المصنف، وأنه إخبار بأن الفتح النبوي زادها الله به شرفا على شرفها السابق، "وهو كما قال" العلامة ابن القيم، "في زاد المعاد" في هدي خير العباد: "الفتح الأعظم" من بقية الفتوحات قبله، كخيبر وفدك والحديبية، وعد فتحا لأمور تقدمت منها أن مقدمة الظهور ظهور، وهو قد كان مقدمة لهذا الفتح الأعظم، "الذي أعز الله به دينه", قواه وأظهره على جميع الأديان، إذ ما من أهل دين إلا وقد قهرهم المسلمون، "ورسوله وجنده" أنصاره المسلمون الذين بذلوا نفوسهم في نصرة دينه، وجعلوا أنصارا وجندا، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ لإخلاصهم في إعلاء كلمة الله وإظهار دينه، "وحرمه الأمين" الآمن فيه من دخله، "واستنقذ" خلص "به بلده وبيته"، والإضافة للتشريف ولتمييزه لهما على غيرهما من البقاع، "الذي جعله الله هدى للعالمين" هاديا لهم لأنه قبلتهم ومتعبدهم، كما قال تعالى: ﴿مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ "من أيدي الكفار والمشركين" عبدة الأوثان، فهو عطف أخص على أعم، بعدстр. 1461
وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجا".
خرج له ﷺ بكتائب الإسلام وجنود الرحمن لنقض قريش العهد الذي وقع بالحديبية فإنه كان قد وقع الشرط: أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فعل. فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ وعهده.
الحواشي
(١) طول استيلائهم عليه، وعبادتهم لغير الله فيه، فجعله مثابة لعامة من قصده من المسلمين.
"وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء وضربت أطناب" جمع طنب بضمتين وهو حبل الخباء الخمية، "عزه" استعارة بالكناية شبه العز بخباء متين، وأثبت الإطناب تخييلا، "على مناكب الجوزاء" بفتح الجيم وسكون الواو، وبالزاي والمد، يقال: إنها تعرض في جوز السماء، أي وسطها ولا استعارة فيها، ولا في مناكب أيضا لأنها اسم لنجوم متصلة بها، "ودخل الناس في دين الله أفواجا" جماعات جمع فوج، جاءوا بعد الفتح من أقطار الأرض طائعين، "وأشرق به وجه الأرض" وفي نسخة الدهر، "ضياء وابتهاجا" سرورا "خرج له ﷺ بكتائب" بالفوقية جمع كتيبة، وهي القطعة من الجيش، "الإسلام وجنود الرحمن" أي الملائكة لما ورد أنها تحضر مواضع قتال المسلمين، مع الكفار وإن لم تقاتل، فالعطف مباين أو عام على خاص، إن أريد بجنوده ما يشمل الملائكة وغيرهم، وهذا أحسن من أنه مساو، "لنقض قريش العهد الذي وقع بالحديبية" في شعبان سنة ثمان على رأس اثنين وعشرين شهرا، من صلح الحديبية.
روى الواقدي أنه ﷺ ال لعائشة صبيحة وقعة خزاعة: "لقد حدث يا عائشة في خزاعة أمر". فقالت: أترى قريشا تجترئ على نقض العهد الذي بينك وبينهم وقد أفناهم السيف؟ فقال: "ينقضون العهد لأمر يريده الله". قالت: يا رسول الله خير. قال: "خير". "فإنه كان قد وقع الشرط". كما رواه ابن إسحاق. حدثني الزهري عن المسور ومروان: "أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فعل، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ وعهده", وكانت حلفاء عبد المطلب، وكان ﵊ بذلك عارفا، ولقد جاءته خزاعة يومئذ بكتاب عبد المطلب، فقرأه عليه أبي بن كعب وهو: باسمك اللهم هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة إذا قدم عليه سراتهم وأهل الرأي غائبهم يقر بما قاضى عليه شاهدهم أن بيننا وبينكمстр. 1462
وكان بين بني بكر وخزاعة حروب وقتلى في الجاهلية، فتشاغلوا عن ذلك لما ظهر الإسلام، فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية الديلي من بني بكر في بني الديل.
الحواشي
(١) عهود الله وعقوده وما لا ينسى أبدا.
اليد واحدة والنصر واحد ما أشرف ثبير وثبت حراء وما بل بحر صوفة ولا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا تجددا أبد الدهر سرمدا، فقال ﷺ : "ما أعرفني بحلفكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من الحلف، وكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في الإسلام". انتهى.
من الشامية والحلف المنهي عنه ما كان على الفتن والقتال والغارات والذي قواه الإسلام ما كان على نصر المظلوم وصلة الأرحام والخير ونصرة الحق، كما في النهاية.
قال ابن إسحاق: "وكان بيني بني بكر" بن عبد مناة بن كنانة "وخزاعة حروب وقتلى في الجاهلية" وذلك أن مالك بن عباد من بني الحضرمي خرج تاجرا فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه وقتلوه وأخذوا ماله وكان حليفا للأسود بن رزن بفتح الراء وكسرها، كما في الروض والمحكم فزاي ساكنة وتفتح كما في الإملاء فنون فعدت بنو بكر على خزاعي فقتلوه حمية للأسود فعدت خزاعة على بني الأسود وهم ذؤيب تصغير ذئب وسلمى بفتح السين وكلثوم فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم وكان قوم الأسود يؤدون ديتين لفضلهم في بني بكر وباقيهم دية دية، فبينما هم كذلك بعث ﷺ "فتشاغلوا عن ذلك لما ظهر الإسلام" وإن لم يسلموا، "فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية" بن عروة بن يعمر بن نفاثة بضم الون وخفة الفاء فألف فمثلثة ابن عدي بن الديل "الديلمي" بكسر المهملة وسكون التحتية كما ضبطه الحافظ وغيره أبو معاوية صحابي من مسلمة الفتح وعاش إلى أول إمارة يزيد وعمر مائة وعشرين سنة.
روى له البخاري ومسلم والنسائي "من بني بكر في بني الديل" بكسر الدال المهملة وسكون الياء كما قاله الكسائي وأبو عبيد وغيرهما، وقال الأصمعي وسيبويه وأبو حاتم وغيرهم هو بضم الدال وكسر الهمزة وإنما فتحت في النس كما فتحت ميم النمر في النمري، ولام سلمة في السلمي فرارا من توالي الكسرات وكان عيسى بن عمر ويونس وغيرهما يكسرانها في النسب تبقية على الأصل.
قال الأصمعي: وهو شاذ في القياس وهو الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة كما في مقدمة الفتح ونحوه في التبصير له، ففي قول الشامي بكسر الدال وسكون الهمزة وتسهل نظرстр. 1463
حتى بين خزاعة وهم على ماء لهم يقال له: الوتير, فأصاب منهم رجلا يقال له: منبه، واستيقظت لهم خزاعة فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم ولم يتركوا القتال.
وأمدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل بعضهم معهم ليلا في خفية.
الحواشي
(١) لأن الذين قالوا بكسر الدال، إنما قالوا بعدها تحتية لا همزة، والذين قالوا همزة إنما قالوا بكسرها والدال مضمومة قال ابن إسحاق ونوفل يومئذ قائدهم وليس كل بني بكر تابعه "حتى بيت خزاعة وهم على ماء لهم" بأسفل مكة "يقال له: الوتير" بفتح الواو وكسر الفوقية وسكون التحتية آخره راء.
قال السهيلي: وهو في كلام العرب الورد الأبيض سمي به الماء "فأصاب منهم رجلا" أبهمه ابن إسحاق في أول عبارته ثم بعد قليل قال: "يقال له: منبه" بضم الميم وفتح النون وكسر الموحدة.
قال ابن إسحاق وكان رجلا مفئودا أي ضعيف الفؤاد، خرج هو ورجل من قومه يقال له: تميم فقال له منبه: يا تميم انج بنفسك فوالله إني لميت قتلوني أو تركوني لقد أنبت فؤادي فأفلت تميم وأدركوا منبها فقتلوه فليسا برجلين كما اقتضاه قول البرهان قوله رجلا لا أعرف اسمه ثم ضبط منبها بلفظ اسم الفاعل، قال ولا أعلم ترجمته إلا أنه كافر إلا أن يقال مراده لا أعرف له اسما عند من ذكر أسماء الرجال، وإنما وقفت عليه في السيرة فيحتمل أنه اسم كما هو الظاهر المتبادر وأنه صفة وله اسم آخر، وهذا مع ما فيه من التعسف أحوج إليه التماس المخرج لمثل هذا الحافظ حتى لا يتناقض في أسطر يسيرة، "واستيقظت" تنبهت "لهم خزاعة" لما علموا بهم "فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم ولم يتركوا القتال" فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل: إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة لا إله له يا بني بكور أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبوا ثأركم فيه؟ "وأمدت قريش" حلفاءهم "بني بكر بالسلاح وقاتل بعضهم معهم ليلا في خفية" منهم: صفوان بن أمية وشيبة بن عثمان وسهيل بن عمرو قاله موسى بن عقبة. وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص قاله ابن سعد.
فلما دخلوا مكة لجأت خزاعة إلى دار بجديل بن ورقاء الخزاعي، ودار مولى لهم، يقال له: رافع فانتهوا بهم في عماية الصبح ودخلت رؤساء قريش منازلهم وهم يظنون أنهم لا يعرفون، وأن هذا لا يبلغه ﵊ وأصبحت خزاعة مقتولين على باب بديل ورافع فقال سهيل لنوفل: قد رأيت الذي صنعنا بك وبأصحابك وبمن قتلت من القوم وأنت قد حصرتهم تريد قتل من بقي وهذا ما لا نطاوعك عليه فاتركهم فتركهم فخرجوا وندمت قريش على ما صنعوا وعرفوا أنه نقض للذمة والعهد الذي بينهم وبين المصطفى وجاء الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة إلى صفوان, ومن سمي، فلاماهم بما صنعوا، وقالا: إن بينكم وبين محمد مدة، وهذا نقض لها أخرج مسدد في مسنده، والواقدي أن قريشا ندمت، فقالت: إن محمدا غازينا، فقال ابنстр. 1464
ولما خرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة، فقدموا على رسول الله ﷺ يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه. فقام ﷺ وهو يجر رداءه وهو يقول: "لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر منه نفسي".
وفي المعجم الصغير، من حديث ميمونة أنها سمعته ﷺ يقول في متوضئه
الحواشي
(١) أبي سرح: لا يغزوكم حتى يخيركم في خصال كلها أهون من غزوه، يرسل إليكم أن دوا قتلى خزاعة وهم ثلاثة وعشرون قتيلا أو تبرءوا من حلف بني نفاثة أو ننبذ إليكم على سواء، فقال سهيل: نبرأ من حلفهم أسهل وقال شيبة: ندي القتلى أهون.
وقال قرطة بن عبد عمرو: لا ندي ولا نبرأ لكنا ننبذ إليه على سواء. وقال أبو سفيان ليس هذا بشيء وما الرأي الأصوب إلا جحد هذا الأمر أن تكون قريش دخلت في نقض عهد أو قطع مدة وأنه قطع قوم بغير رضا منا ولا مشورة فما علينا. قالوا: هذا الرأي لا رأي غيره، "ولما" انقضى القتال "خرج" كما رواه ابن إسحاق وغيره "عمرو" بفتح العين وقيل بضمها وصححه الذهبي "ابن سالم" بن كلثوم "الخزاعي" أحد بني كعب الصحابي.
ذكر ابن الكلبي، وأبو عبيد، والطبري أنه أحد من عمل ألوية خزاعة يوم الفتح.
زاد ابن سعد وشيخه "في أربعين راكبا من خزاعة" ترجى اليعمري أن يكونوا هم النفر الذين قدموا مع بديل وفيه أن الأربعين لا يقال لهم: نفر، "فقدموا على رسول الله ﷺ يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه فقام ﷺ وهو يجر رداءه", وهو يقول: "لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر" ضمن معنى أمنع فعدي بمن في قوله "منه" وفي نسخة به "نفسي" فلا تضمين.
وروى عبد الرزاق وغيره عن ابن عباس، مرفوعا: "والذي نفسي بيده لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي وأهل بيتي".
وروى أبو يعلى بسند جيد عن عائشة: لقد رأيت رسول الله ﷺ غضب ما كان من شأن بني كعب غضبا لم أره غضبه منذ زمان، وقال: "لا نصرني الله تعالى إن لم أنصر بني كعب". "وفي المعجم الصغير" قيد به، لأنه ساق الحديث بتمامه إلى آخر الشعر.
وروى في الكبير بعض الحديث، وأما من عزاه لهما كالشامي فلذكره عنه ما اتفقت عليه روايته في الكبير والصغير "من حديث ميمونة" بنت الحارث، أم المؤمنين "أنها" قالت: بات عندي رسول الله ﷺ ليلة فقام ليتوضأ إلى الصلاة "سمعته" لفظها فسمعته " ﷺ يقول في متوضئه" بميم مضمومة ففوقية مفتوحة فواو فضاد معجمة مشددة مفتوحتين فهمزة مكسورة أي مكان وضوئه، كما قال الشامي؛ لأنه أنسب من زمانه ومن نفسه وإن أطلق عليهما أيضا، فإن مزيد الثلاثيстр. 1465
ليلا: "لبيك لبيك لبيك -ثلاثا- نصرت نصرت نصرت -ثلاثا". فلما خرج قلت: يا رسول الله سمعتك تقول في متوضئك: "لبيك لبيك لبيك -ثلاثا- نصرت نصرت نصرت -ثلاثا". كأنك تكلم إنسانا فهل كان معك أحد؟ فقال ﷺ : "هذا راجز بني كعب يستصرخني ويزعم أن قريشا أعانت عليهم بني بكر". ثم خرج ﵊ فأمر عائشة أن تجهزه ولا تعلم أحدا. قالت: فدخل عليها أبو بكر فقال: يا بنية، ما هذا الجهاز؟ فقالت: والله ما أدري، فقال: والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر.
الحواشي
(١) يستوي فيه اسم الفاعل، واسم المفعول، واسم الزمان، والمكان، والمصدر في لفظ واحد، ليلا: "لبيك لبيك لبيك -ثلاثا- نصرت نصرت نصرت". بفتح التاء، فيها خطابا للذي سمعه "ثلاثا، فلما خرج قلت: يا رسول الله سمعتك تقول في متوضئك: "لبيك لبيك لبيك -ثلاثا- نصرت نصرت نصرت -ثلاثا". كأنك تكلم إنسانا فهل كان معك أحد؟ " فقال ﷺ : "هذا راجز" بجيم وزاي، قائل الرجز نوع من الشعر معروف وصحف من قال، راجل "بني كعب" بطن من خزاعة "يستصرخني" يستغيث بي "ويزعم أن قريشا أعانت عليهم بني بكر" ففي إخباره به قبل قدومه علم من أعلام النبوة باهر، فأما أنه أعلم بذلك بالوحي وعلم ما يصوره الراجز في نفسه، أو يكلمه به أصحابه فأجابه بذلك، وأنه كان يرتجز في سفره، وأسمعه الله كلامه قبل قدومه بثلاث، ولا يعد في ذلك، فقد روى أبو نعيم مرفوعا: "إني لأسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط". الحديث.
قال ميمونة: "ثم خرج ﵊" بعد قدوم الوفد، وبديل ثم أبي سفيان كما عند أصحاب المغازي لا قبل مجيئهم كما يوهمه السياق ففيه اختصار، "فأمر عائشة أن تجهزه" بالتثقيل أي: تهيئ له أهبة السفر وما يحتاج إليه في قطع المسافة "ولا تعلم أحدا" وعند ابن إسحاق وابن عقبة، والواقدي، أنه قال: "جهزينا وأخفي أمرك". وقال: "اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة، ولا يسمعون بنا إلا فلتة" وأمر جماعة أن تقيم بالأنقاب وكان عمر يطوف على الأنقاب فيقول لا تدعوا أحدا يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه وكانت، الأنقاب مسلمة إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ منه ويسأل عنه.
"قالت" ميمونة، راوية الحديث: "فدخل عليها" أي على عائشة "أبو بكر، فقال: يا بنية ما هذا الجهاز" بفتح الجيم والكسر لغة قليلة كما في المصباح "فقالت: والله ما أدري، فقال" أبو بكر: "والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر", وهم الروم؛ لأن جدهم روم بن عيص بكسر العين ابن إسحاق بن إبراهيم تزوج بنت ملك الحبشة فجاء ولده بين البياض والسواد فقيل له الأصفر أو لأن جدته سارة، حلته بالذهب، وقيل غير ذلك وكأنه خصهم لتوقعهم الغزو إليهم لما فعلوا، معстр. 1466
فأين يريد رسول الله ﷺ ؟ قالت: والله لا علم لي. قالت فأقمنا ثلاثا ثم صلى الصبح في الناس فسمعت الراجز ينشده:
يا رب إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وزعموا أن لست تدعو أحدا ... .........................
الحواشي
(١) أهل مؤتة "فأين يريد رسول الله ﷺ قالت" عائشة: "والله لا علم لي" وعند ابن أبي شيبة من مرسل أبي سلمة أنها أعلمته، فقال: والله ما انتقضت الهدنة بيننا، فذكر ذلك للنبي ﷺ فذكر له أنهم أول من غدر ثم أمر بالطرق فحبست فعمي على أهل مكة لا يأتيهم خبر ويحتمل الجمع بأنه دخل عليها مرتين الأولى قالت له: لا علم لي، حتى أخبرته ﷺ وأذن لها في إخبار أبيها لكونه غيبة سره فدخل عليها ثانيا فأخبرته وكأنه لم يبلغه نقضهم العهد أو تأول أنه غير ناقض لكونه لم يصدر من جميعهم، فقال: ما انتقضت الهدنة، وأخبر النبي والله أعلم. "قالت" ميمونة: كما هو رواية الطبراني "فأقمنا ثلاثا" لفظ الطبراني بالناس، صبح اليوم الثالث، "فسمعت الراجز ينشده" وعند الواقدي، وغيره فلما فرغوا من قصتهم قام عمرو بن سالم، فقال وهو جالس بالمسجد: ظهري الناس "يا رب إني ناشد" طاب ومذكر "محمدا".
"حلف" بكسر المهملة وإسكان اللام مناصرة "أبينا وأبيه" عبد المطلب إشارة إلى ما مر "الأتلدا" بفتح أوله وسكون والفوقية وفتح اللام، وبالدال المهملة، أي الأقدم مما بيننا وبينه ﷺ وقول الشامي أي القديم لا يناسب، أفعل التفضيل إنما هو تفسير للتليد وزاد في رواية ابن إسحاق وغيره:
قد كنتم ولدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا فلم نزغ سدى
ولد بضم الواو وسكون اللام، لغة في ولد، وذلك أن ولد بني عبد مناف أمهم من خزاعة وكذا أم قصي فاطمة الخزاعية، كما في الروض وثمت حرف عطف أدخل عليه تاء التأنيث، "إن" بكسر الهمزة، وتقديره أقول: "قريشا أخلفوك" أو هو التفات وإلا فمقتضى الظاهر أخلفوه، "الموعدا".
"ونقضوا" عطف تفسير لأخلفوك "ميثاقك" عهدك "المؤكدا" بالكتب والإشهاد "وزعموا أن لست" بفتح التاء على الخطاب "تدعو أحدًا" لنصرتنا، وبضم التاء على رواية إسحاق، وجماعة بعد قوله، المؤكد أقوله جماعة:
وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحداстр. 1467
.......................... ... فانصر هداك الله نصرا أبدا
وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجردا
إن سيم خسفا وجهه تربدا
قال في القاموس: وتربد -يعني بالراء- تغير. انتهى. وزاد ابن إسحاق:
هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا
وزعموا أن لست أدعوا أحدا ... وهم أذل وأقل عددا
فقال له رسول الله ﷺ : "نصرت يا عمرو بن سالم".
الحواشي
(١) "فانصر هداك الله نصرا أبدا" مستمرا لا ينقطع أثره من التأبيد وهذه رواية الطبراني، ورواه ابن إسحاق، وطائفة نصرا اعتدا بفتح العين المهملة وكسر الفوقية، بعدها مهملة، أي حاضرا مهيئا أو قويا.
"وادع عباد الله يأتوا مددا" بفتحتين جيوشا ينصرونا، ويقوونا "فيهم رسول الله" أتى به لدفع توهم أنه يبعث سرية وإنما القصد أنه فيهم حالة كونه "قد تجردا" روي بحاء مهملة أي غضب وبجيم أي شمر وتهيأ لحربهم "إن سيم" بكسر المهملة وسكون التحتية، وبالميم، مبني للمفعول، "خسفا" بفتح المعجمة وضمها وسكون المهملة وبالفاء، أي أولى ذلا "وجهه تربدا،" بفتح لفوقية فراء فموحدة فمهملة "قال في القاموس وتربد يعني بالراء تغير. انتهى".
والمعنى هنا أنه ﷺ إن قصد بذل له أو لأحد من أهل عهده تغير وجهه حتى ينتقم ممن أراد ذلك لله وهذه رواية الطبراني في الصغير، "وزاد ابن إسحاق" عليه في الرجز "هم بيتونا" أي قصدونا ليلا من غير علم "بالوتير هجدا" بضم الهاء، وفتح الجيم مشددة جمع هاجد، وهو النائم "وقتلونا ركعا وسجدا" هذا يدل على أنه كان فيهم من صلى لله فقتل.
قال السهيلي متعقبا قول نفسه، في قوله: ثمت أسلمنا من السلم لأنهم لم يكونوا آمنوا بعد، قال في الإصابة وتأوله بعضهم، بأنهم حلفاء الذين يركعون ويسجدون ولا يخفى بعده، قال: وقد رواه ابن إسحاق أي: في رواية، غير زياد هم قتلونا بصعيد هجدا، نتلو القرآن ركعا وسجدا. انتهى.
يعني فهذا يبطل التأويل "وزعموا أن لست"، بضم التاء، أنا "أدعو أحدا، وهم أذل وأقل، عددا، فقال له رسول الله ﷺ : "نصرت يا عمرو بن سالم" جوز البرهان، ضم عمرو، وفتح ابن وفتحهما وضمهما، قال: وذكر الثالث في التسهيل. انتهى.
في شرح التسهيل للدماميني رواه الأخفش عن بعض العرب، وكان قائله، راعى أن التابع ينبغي أن يتأخر عن المتبوع ولم يراع أن الأصل الحامل على الاتباع قصد التخفيف. انتهى.стр. 1468
فكان ذلك ما هاج فتح مكة. وقد ذكر البزار من حديث أبي هريرة بعض الأبيات المذكورة.
الحواشي
(١) "فكان ذلك ما" الذي "هاج" حرك "فتح مكة" زاد ابن إسحاق ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء، فقال: "إن هذه السحاب، لتستهل بنصر بني كعب". والعنان بفتح المهملة، ونونين بينهما ألف السحاب، "وقد ذكر"، أي روى "البزار من حديث أبي هريرة، بعض الأبيات المذكورة" بإسناد حسن، موصول.
ورواه ابن أبي شيبة عن أبي سلمة، وعكرمة، مرسلا كما في الفتح، قال في الإصابة: ورويت هذه الأبيات لعمر بن كلثوم، أخرجه ابن منده، ويحتمل أن يكون هو عمرو بن سالم ونسب في هذه الرواية إلى جد جده. انتهى.
وعند الواقدي، أنه ﷺ قال لعمرو بن سالم وأصحابه: "ارجعوا وتفرقوا في الأودية". فرجعوا وتفرقوا وذهبت فرقة إلى الساحل بعرض الطريق وعند ابن إسحاق وغيره، ثم قدم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه فأخبروه ﷺ الخبر، ورجعوا، قال ابن عقبة: ولزم بديل الطريق في نفر من قومه وروى الواقدي عن محجن بن وهب أن بديلا لم يفارق مكة من الحديبية حتى لقيه في الفتح بمر الظهران قال الواقدي: وهذا أثبت. انتهى.
وليس بشيء والمثبت مقدم على النافي.
وروى ابن عائذ، عن ابن عمران، ركب خزاعة لما قدموا وأخبروه خبرهم، قال ﷺ : "فمن تهمتكم وظنتكم"؟ قالوا بني بكر: قال: "أكلها"؟ قالوا: لا ولكن بنو نفاثة ورأسهم نوفل، قال: "هذا بطن من بني بكر، وأنا باعث إلى أهل مكة، فسائلهم عن هذا الأمر ومخيرهم في خصال ثلاث"، فبعث إليهم ضمرة يخبرهم بين أن يدوا قتلى خزاعة، أو يبرءوا من حلف بني نفاثة أو ينبذ إليهم على سواء، فأتاهم ضمرة، فأخبرهم، فقال قرطة بن عمرو: لا ندي ولا نبرأ لكنا ننبذ إليه على سواء، فرجع بذلك فندمت قريش على ما ردوا وبعثت أبا سفيان، قال: في الفتح، وكذا، أخرجه مسدد من مرسل محمد بن عباد بن جعفر، وأنكره الواقدي وزعم أن أبا سفيان إنما توجه مبادرا قبل أن يبلغ المسلمين الخبر, والله أعلم. انتهى.
وروى الواقدي أنه ﷺ قال: "كأنكم بأبي سفيان، قد جاء يقول جدد العهد، وزد في المدة وهو راجع بسخطة". ومشى الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة إلى أبي سفيان، فقالا: لئن لم يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد في أصحابه، فقال أبو سفيان: قد رأت هند بنت عتبة رؤيا كرهتها وخفت من شرها، قالوا: وما هي؟ قال: رأت دما أقبل من الحجون يسيل، حتى وقف بالخندمة مليا، ثم كان ذلك الدم كأن لم يكن فكرهوا الرؤيا، وقال أبو سفيان: هذا أمر لم أشهدهстр. 1469
وقدم أبو سفيان بن حرب على رسول الله ﷺ المدينة يسأله أن يجدد العهد ويزيد في المدة. فأبى عليه.
الحواشي
(١) ولم أغب عنه لا يحمل إلا علي ولا والله ما شوورت فيه ولا هويته، حين بلغني ليغزوننا محمد إن صدقني ظني وهو صادقي، وما بد في أن آتي محمدا فأكلمه، فقالت قريش: أصبت فخرج ومعن مولى له على راحلتين، "وقدم" كما رواه ابن إسحاق، وابن عائذ عن عروة "أبو سفيان بن حرب على رسول الله ﷺ المدينة" فدخل على بنته أم حبيبة، فذهب ليجلس على فراشه ﷺ فطوته عنه، فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني. قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك، نجس ولم أحب أن تجلس على فراشه ﷺ . قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر, فقالت: بل هداني الله تعالى للإسلام، فأنت يا أبت سيد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإسلام وأنت تعبد حجرا لا يسمع، ولا يبصر فقام؟ من عندها فأتى رسول الله ﷺ في المسجد، "يسأله أن يجدد العهد ويزيد في المدة فأبى عليه" قال ابن إسحاق: فكلمه فلم يرد عليه شيء, وعند الواقدي: فقال: يا محمد إني كنت غائبا في صلح الحديبية، أجدد العهد وزدنا في المدة، فقال ﷺ : "فلذلك جئت". قال: نعم. فقال: "هل كان من حدث"؟. فقال: معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا لا نغير ولا نبدل، فقال ﷺ : "فنحن على ذلك". فأعاد أبو سفيان القول فلم يرد عليه شيئا، فذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ ، فقال: ما أنا بفاعل، وعند الواقدي، فقال: تكلم محمدًا وتجير أنت بين الناس، فقال: جواري في جوار رسول الله ﷺ فأتى عمر. فقال: أنا أشفع لكم والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به.
زاد الواقدي ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه الله وما كان منه متينا فقطعه الله، وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله فقال: أبو سفيان جوزيت من ذي رحم شر إثم. دخل عليٌّ عليَّ، وعنده فاطمة وحسن غلام يدب بين يديه، فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما وإني جئت في حاجة فلا أرجع كما جئت خائبا فاشفع لي، فقال عليٌّ: ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه فالتفت إلى فاطمة وقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر، قالت: والله ما بلغ بني أن يجير بين الناس، وما كان يجير أحد على رسول الله ﷺ وعند الواقدي، أنه أتى عثمان قبل، علي، فقال: جواري في جوار رسول الله ﷺ ، ثم أتى عليا، ثم سعد بن عبادة، فقال: يا أبا ثابت إنك سيد هذه البحيرة، فأجر بين الناس وزد في المدة، فقال سعد: جواري في جوار رسول الله ﷺ ما يجير أحد عليه ﷺ ، فأتى أشراف قريش والأنصار فكلهم يقول: جواري في جوار رسول اللهстр. 1470
وانصرف إلى مكة.
فتجهز رسول الله ﷺ من غير إعلام أحد بذلك.
الحواشي
(١) ما يجير أحد عليه، فلما أيس منهم دخل على فاطمة، فقال: هل لك أن تجيري بين الناس، فقالت: إنما أنا امرأة وأبت عليه فقال: مري ابنك، فقالت: ما بلغ أن يجير، فقال لعلي: يا أبا حسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني، قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك قال: أوترى ذلك مغنيا عني شيئا، قال: لا والله ما أظنه ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ثم دخل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إني قد أجرت بين الناس، فقال ﷺ : "أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة"؟. ثم ركب بعيره "وانصرف إلى مكة".
وعند الواقدي: وطالت غيبته واتهمته قريش أشد التهمة وقالوا: قد صبأ واتبع محمدًا سرا وكتم إسلامه، فلما دخل على هند امرأته ليلا، قالت: لقد غبت حتى اتهمك قومك، فإن كنت مع طول الإقامة جئتهم بنجح، فأنت الرجل، ثم جلس منها مجلس الرجل من امرأته فقالت: ما صنعت؟ فأخبرها الخبر وقال: لم أجد إلا ما قال لي علي فضربت برجلها في صدره، وقالت: قبحت من رسول قوم فما جئت بخير فلما أصبح حلق رأسه عند إساف ونائلة وذبح لهما ومسح بالدم رأسيهما وقال: لا أفارق عبادتكما حتى أموت إبراء لقريش مما اتهموه به، فقالوا له: ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو زيادة في مدة ما نأمن به أن يغزونا فقال: والله لقد أبى عليّ. ولابن إسحاق كلمته فوالله ما رد عليّ شيئا ثم جئت أبا بكر، فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو وفي لفظ أعدى العدو وكلمت عليه أصحابه فما قدرت على شيء منهم إلا أنهم يرمونني بكلمة واحدة وما رأيت قوما يوما، أطوع لملك عليهم منهم له. إلا أن عليا، لما ضاقت بي الأمور، قال: أنت سيد بني كنانة، فأجر بين الناس فناديت بالجوار. قالوا: هل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: رضيت بغير رضا وجئتنا بما لا يغني عنا ولا عنك شيئا ولعمر الله ما جوارك بجائز وإن إخفارك عليهم لهين والله إن زاد على عليٍّ أن لعب بك تلعبا، فقال: والله ما وجدت غير ذلك.
وفي مرسل عكرمة عند ابن أبي شيبة، فقالوا: ما جئتنا بحرب فنحذر ولا بصلح فنأمن "فتجهز رسول الله ﷺ ، من غير إعلام أحد بذلك" لعامة الناس أولا فلا ينافي عند ابن إسحاق وغيره ثم إنه ﷺ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها". فتجهز الناس، وقال حسان يحرضهم ويذكر مصابстр. 1471
فكتب حاطب كتابا وأرسله إلى مكة يخبر بذلك. فأطلع الله نبيه على ذلك.
الحواشي
(١) رجال خزاعة:
عناني ولم أشهد ببطحاء مكة ... رحال بني كعب تحز رقابها
بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم ... وقتلى كثير لم تجس ثيابها
ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي ... سهيل بن عمرو حرها وعقابها
فلا تأمننا يابن أم مجالد ... إذا احتلبت صرفا واعضل نابها
فلا تجزعوا منها فإن سيوفنا ... لها وقعة بالموت يفتح بابها
قال ابن إسحاق: بأيدي رجال يعني، قريشا وابن أم مجالد: عكرمة بن أبي جهل وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي مالك الأشجعي قال: خرج ﷺ من بعض حجره، فجلس عند بابها، وكان إذا جلس وحده لم يأته أحد، حتى يدعوه، فقال: "ادع لي أبا بكر". فجاء، فجلس بين يديه فناجاه طويلا ثم أمره فجلس عن يمينه، ثم قال: "ادع لي عمر". فجلس فناجاه طويلا فرفع عمر صوته، فقال: يا رسول الله هم رأس الكفر هم الذين زعموا أنك ساحر وأنك كاهن وأنك كذاب وأنك مفتر، ولم يدع شيئا مما كانوا يقولونه إلا ذكره فأمره فجلس، عن شماله ثم دعا الناس، فقال: "ألا أحدثكم بمثل صاحبيكم هذين". قالوا: نعم يا رسول الله فأقبل بوجهه الكريم عل أبي بكر، فقال: "إن إبراهيم كان ألين في الله تعال من الدهن بالليل، ثم أقبل على عمر، فقال: إن نوحا كان أشد في الله تعالى من الحجر وإن الأمر أمر عمر فتجهزوا وتعاونوا". فتبعوا أبا بكر فقالوا: إنا كرهنا أن نسأل عمر عما ناجاك به رسول الله ﷺ . قال: قال لي: "كيف تأمرني في غزو مكة". قلت: يا رسول الله هم قومك، حتى رأيت أنه سيطيعني، ثم دعا عمر، فقال عمر: هم رأس الكفر حتى ذكر له كل شيء كانوا يقولونه وايم الله لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة, وقد أمركم بالجهاز لتغزوا مكة، "فكتب حاطب" بن أبي بلتعة بموحدة مفتوحة ولام ساكنة، ففوقية فعين مهملة مفتوحتين عمرو بن عمير اللخمي حليف بني أسد اتفقوا على شهوده بدرا مات في سنة ثلاثين، وله خمس وستون سنة.
قال ابن عبد البر: لا أعلم له غير حديث واحد: "من رآني بعد موتي" ... الحديث. ورده في الإصابة بأن له خمسة أحاديث به وذكرها "كتابا وأرسله إلى مكة يخبر بذلك" مع امرأة استأجرها بدينار وقيل: بعشرة دنانير، وقال لها: أخفيه ما استطعتي، ولا تمري على الطريق، فإن عليه حرسا ذكره الواقدي، "فأطلع الله نبيه على ذلك" وعند ابن إسحاق من مرسل عروة، وغيره وأتاه الخبرстр. 1472
فقال ﵊ لعلي بن أبي طالب والزبير والمقداد: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها". قال: فانطلقنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب.
الحواشي
(١) من السماء "فقال ﵊ لعلي بن أبي طالب، والزبير، والمقداد" كما أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال: بعثني ﷺ أنا والزبير، والمقداد فقال: "انطلقوا".
وللبخاري في غزوة بدر من رواية عبد الرحمن السلمي عن علي بعثني وأبا مرثد الغنوي، والزبير وكلنا فارس، قال الحافظ: فيحتمل أن الثلاثة كانوا معه، فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكر الآخر ولم يذكر ابن إسحاق مع علي والزبير أحدا وساق الخبر بالتثنية. قال: انطلقا فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها. فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعا له. انتهى.
ووقع في البيضاوي زيادة عمار وطلحة، والله أعلم بصحته "حتى تأتوا روضة خاخ" بخاءين معجمتين بينهما ألف على بريد من المدينة.
قال السهيلي: وصحفه أبو عوانة، وهشيم بحاء وجيم "فإن بها ظعينة" بفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة فتحتية فنون مفتوحة امرأة في هودج سماها ابن إسحاق سارة، والواقدي، كنود، وفي رواية: أم سارة، وقيل: كانت مولاة العباس ذكره الحافظ وذكر المصنف في الجهاد أن اسمها سارة على المشهور، وتكنى أم سارة. انتهى.
وفي الإصابة سارة مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب كان معها كتاب أمر النبي ﷺ يوم الفتح، كذا في التجريد، "معها كتاب" وزاد في غزوة بدر من حاطب بن أبي بلتعة إلى المركين "فخذوه منها". "قال: فانطلقنا" تعادي بنا خيلنا كما في الرواية، بحذف إحدى التاءين تجري "حتى أتينا الروضة" المذكورة "فإذا نحن بالظعينة".
وعند ابن إسحاق من مرسل عروة، فخرجا حتى أدركاها بالخليقة خليقة بني أبي أحمد، بقاف وخاء معجمة كسفينة، منزل على اثني عشر ميلا من المدينة، وعند ابن عقبة، أدركاها ببطن ريم بكسر الراء وسكون التحتية والهمز وتركه واد بالمدينة، فيحتمل أن روضة اسم لمكان يشتمل على بطن رئم والخليقة، وإلا فما في الصحيح أصح.
وللبخاري في غزوة بدر فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ "فقلنا" لها: "أخرجي" بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء "الكتاب. قالت: ما معي كتاب".
زاد البخاري في بدر: فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا فقلنا: ما كذب رسول الله ﷺ قال:стр. 1473
قلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قالت: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ . فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر.
الحواشي
(١) المصنف بفتحتين وللأصيلي بضم الكاف، وكسر المعجمة مخففة "قلنا: لتخرجن" بضم الفوقية وكسر الراء والجيم "الكتاب أو لنلقين" بضم النون، وكسر القاف، وفتح التحتية ونون التأكيد الثقيلة نحن "الثياب".
وللأصيلي وأبي الوقت بضم الفوقية وحذف التحتية، وفي بعض الأصول أو لنلقي بتحتية مكسورة أو مفتوحة، بعد القاف والصواب في العربية أو لتلقن بدون باء لأن النون الثقيلة إذا اجتمعت مع الياء الساكنة حذفت الياء لالتقاء الساكنين، لكن أجاب الكرماني وتبعه البرماوي، وغيره بأن الرواية إذا صحت تؤول الكسرة بأنها لمشاكلة لتخرجن، وباب المشاكلة واسع والفتح بالحمل على المؤنث الغائب على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة قاله المصنف في الجهاد، وفي رواية ابن إسحاق، فقال لها علي: إني أحلف بالله ما كذب ﷺ ولا كذبنا لتخرجن لنا هذا الكتاب، أو لنكشفنك "قالت": كذا بالتأنيث في الفرع وفي غيره. قال: أفاده المصنف ويوجه التأنيث بأن فيه حذفا، ففي رواية ابن إسحاق فلما رأت الجد منه قالت: أعرض فأعرض فحلت قرونها "فأخرجته من عقاصها" بكسر المهملة وبالقاف والصاد المهملة الخيط الذي تعتقص به أطراف الذوائب أو الشعر المضفور.
وقال المنذري: هو لي الشعر بعضه على بعض على الرأس وتدخل أطرافه في أصوله. وقيل: هو السير الذي تجمع به شعرها على رأسها.
وللبخاري في بدر فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته الحجزة بضم المهملة وسكون الجيم وفتح الزاي معقد الإزار، قال في النور: والظاهر أن الكتاب كان ف ضفائرها وجعلت الضفائر في حجزتها. انتهى.
وذكر في الفتح هنا أنه قدم في الجهاد وجه الجمع بين كونه في عقاصها أو في حجزتها وراجعته فلم أجده فيه ولا في بدر، "فأتينا به" بالكتاب "رسول الله ﷺ " وللمستملي في الجهاد فأتينا بها، وللبخاري في بدر فانطلقنا بها، قال المصنف: أي بالصحيفة المكتوب فيها قول الكرماني أو بالمرأة معارض بما رواه الواقدي بلفظ: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى المشركين فخذوه وخلوا سبيلها فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها". انتهى.
"فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة" وهي التظرف في اللغة واسمه عمر، وقاله السهيلي: "إلى ناس من المشركين بمكة": سهيل, وصفوان، وعكرمة كما يأتي "يخبرهم ببعض أمرстр. 1474
رسول الله ﷺ فقال: "يا حاطب، ما هذا"؟. قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ، إني كنت امرأ ملصقا في قريش -يقول: كنت حليف ولم أكن من أنفسها- وكان من معكم من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه قد صدقكم". فقال عمر ﵁ يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ " وفي مرسل عروة يخبرهم بالذي أجمع عليه ﷺ من الأمر في السير إليهم فقال: "يا حاطب ما هذا"؟. وفي مرسل عروة، فدعاه. فقال: "ما حملك على هذا؟ " وللبخاري في بدر: "ما حملك على ما صنعت"؟، "قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ" بالمؤاخذة على ما صنعت. ولابن إسحاق: أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت ولا بدلت، "إني كنت امرأ ملصقا" بضم الميم وفتح الصاد، "في قريش" أي مضافا لهم من إلصاق الشيء بغيره وليس منه وقد فسره بقوله: "يقول: كنت حليفا" لها "ولم أكن من أنفسها" بضم الفاء، قال في الإصابة: يقال: إنه حالف الزبير وقيل: كان مولى عبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى فكاتبه، فأدى كتابته وفي مرسل عروة عند ابن إسحاق: ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه، "وكان من معك من المهاجرين" ممن له أهل أو مال بمكة "لهم قرابات" بالجمع "يحمون بها أهليهم وأموالهم" فليس المراد جميع المهاجرين لأن كثيرا منهم ليس له بمكة مال ولا أهل، "فأحببت إذ" أي حين "فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخد"، مصدرية في محل نصب مفعول أحببت "عندهم يدا" أي نعمة ومنة عليهم "يحمون بها قرابتي"، وروى ابن شاهين، والطبراني وغيرهما، فقال حاطب: والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت ولكنني، كنت امرأ غريبا ولي بمكة بنون وأخوة وعند ابن مردويه، من حديث ابن عباس، عن عمر، فكتبت كتابا لا يضر الله ولا رسوله "ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام"، فقال رسول الله ﷺ : "أما" بفتح الهمزة، وخفة الميم "إنه قد صدقكم" بتخفيف الدال، أي قال الصدق، فيما أخبركم به زاد البخاري في بدر: "ولا تقولوا له إلا خيرا". "فقال عمر ﵁ يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال: "إنه قد شهد بدر" وكأنه قال: وهل شهودها يسقط عنه هذا الذنب الكبير، فقال: "وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا".
وللبخاري في الجهاد: "وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر".
قال المصنف: استعمل لعل استعمال عسى، فأتى, فإن قال النووي: الترجي هذا راجع إلىстр. 1475
فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] رواه البخاري.
قال في فتح الباري: وإنما قال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق مع تصديق.
الحواشي
(١) عمر لأن وقوع هذا الأمر محقق عند الرسول. انتهى.
وفي الفتح هي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم. وقد قال العلماء: الترجي في كلام الله وكلام الرسول للوقوع وعند أحمد، وأبي داود، وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة، بالجزم، ولفظه: "إن الله اطلع على أهل بدر". "فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" , زاد البخاري في بدر: فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.
قال الحافظ اتفقوا على أن هذه البشارة فيما يتعلق، بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها. "فأنزل الله تعالى" السورة كما في لفظ البخاري: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ أي كفار مكة ﴿أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ﴾ حال من ضمير لا تتخذوا أي لا تتخذوهم أولياء ملقين ﴿إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي تبذلونها لهم ودخول الباء وعدمه سواء عند الفراء، وقال سيبويه: لا تزاد في الواجب فمفعول تلقون عند طائفة من البصريين محذوف أي النصيحة.
وقال النحاس: أي تخبرونهم بما يخبر به الرجل أهل مودته وهذا التقدير إن نفع هنا لم ينفع في مثل قول العرب: ألقى إليه بوسادة أو ثوب، فيقال: إن ألقى قسمان وضع الشيء بالأرض وفي الآية إنما هو إلقاء بكتاب وإرسال به فعبر عنه بالمودة؛ لأنه من أفعال أهلها فمن ثم حسنت الباء؛ لأنه إرسال بشيء، كذا في الروض "إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ " أخطأ طريق الهدى والصواب، والسواء في الأصل السوط ودل هذا الأغياء على أن قوله فأنزل الله السورة مجاز من تسمية الجزء باسم الكل، أو من مجاز الحذف أي بعض السورة التي أولها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
وفي مرسل عروة، عند ابن إسحاق: فأنزل الله في حاطب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ "رواه البخاري"، هنا وقبله في بدر وفي الجهاد وبعده في التفسير "قال في فتح الباري" دفعا لإشكال مشهور علم من قوله: "وإنما قال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق" زاد البخاري في بدر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين "مع تصديقследующие страницы →