Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
فكتب حاطب كتابا وأرسله إلى مكة يخبر بذلك. فأطلع الله نبيه على ذلك.
الحواشي
(١) رجال خزاعة:
عناني ولم أشهد ببطحاء مكة ... رحال بني كعب تحز رقابها
بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم ... وقتلى كثير لم تجس ثيابها
ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي ... سهيل بن عمرو حرها وعقابها
فلا تأمننا يابن أم مجالد ... إذا احتلبت صرفا واعضل نابها
فلا تجزعوا منها فإن سيوفنا ... لها وقعة بالموت يفتح بابها
قال ابن إسحاق: بأيدي رجال يعني، قريشا وابن أم مجالد: عكرمة بن أبي جهل وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي مالك الأشجعي قال: خرج ﷺ من بعض حجره، فجلس عند بابها، وكان إذا جلس وحده لم يأته أحد، حتى يدعوه، فقال: "ادع لي أبا بكر". فجاء، فجلس بين يديه فناجاه طويلا ثم أمره فجلس عن يمينه، ثم قال: "ادع لي عمر". فجلس فناجاه طويلا فرفع عمر صوته، فقال: يا رسول الله هم رأس الكفر هم الذين زعموا أنك ساحر وأنك كاهن وأنك كذاب وأنك مفتر، ولم يدع شيئا مما كانوا يقولونه إلا ذكره فأمره فجلس، عن شماله ثم دعا الناس، فقال: "ألا أحدثكم بمثل صاحبيكم هذين". قالوا: نعم يا رسول الله فأقبل بوجهه الكريم عل أبي بكر، فقال: "إن إبراهيم كان ألين في الله تعال من الدهن بالليل، ثم أقبل على عمر، فقال: إن نوحا كان أشد في الله تعالى من الحجر وإن الأمر أمر عمر فتجهزوا وتعاونوا". فتبعوا أبا بكر فقالوا: إنا كرهنا أن نسأل عمر عما ناجاك به رسول الله ﷺ . قال: قال لي: "كيف تأمرني في غزو مكة". قلت: يا رسول الله هم قومك، حتى رأيت أنه سيطيعني، ثم دعا عمر، فقال عمر: هم رأس الكفر حتى ذكر له كل شيء كانوا يقولونه وايم الله لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة, وقد أمركم بالجهاز لتغزوا مكة، "فكتب حاطب" بن أبي بلتعة بموحدة مفتوحة ولام ساكنة، ففوقية فعين مهملة مفتوحتين عمرو بن عمير اللخمي حليف بني أسد اتفقوا على شهوده بدرا مات في سنة ثلاثين، وله خمس وستون سنة.
قال ابن عبد البر: لا أعلم له غير حديث واحد: "من رآني بعد موتي" ... الحديث. ورده في الإصابة بأن له خمسة أحاديث به وذكرها "كتابا وأرسله إلى مكة يخبر بذلك" مع امرأة استأجرها بدينار وقيل: بعشرة دنانير، وقال لها: أخفيه ما استطعتي، ولا تمري على الطريق، فإن عليه حرسا ذكره الواقدي، "فأطلع الله نبيه على ذلك" وعند ابن إسحاق من مرسل عروة، وغيره وأتاه الخبرстр. 1472
فقال ﵊ لعلي بن أبي طالب والزبير والمقداد: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها". قال: فانطلقنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب.
الحواشي
(١) من السماء "فقال ﵊ لعلي بن أبي طالب، والزبير، والمقداد" كما أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال: بعثني ﷺ أنا والزبير، والمقداد فقال: "انطلقوا".
وللبخاري في غزوة بدر من رواية عبد الرحمن السلمي عن علي بعثني وأبا مرثد الغنوي، والزبير وكلنا فارس، قال الحافظ: فيحتمل أن الثلاثة كانوا معه، فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكر الآخر ولم يذكر ابن إسحاق مع علي والزبير أحدا وساق الخبر بالتثنية. قال: انطلقا فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها. فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعا له. انتهى.
ووقع في البيضاوي زيادة عمار وطلحة، والله أعلم بصحته "حتى تأتوا روضة خاخ" بخاءين معجمتين بينهما ألف على بريد من المدينة.
قال السهيلي: وصحفه أبو عوانة، وهشيم بحاء وجيم "فإن بها ظعينة" بفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة فتحتية فنون مفتوحة امرأة في هودج سماها ابن إسحاق سارة، والواقدي، كنود، وفي رواية: أم سارة، وقيل: كانت مولاة العباس ذكره الحافظ وذكر المصنف في الجهاد أن اسمها سارة على المشهور، وتكنى أم سارة. انتهى.
وفي الإصابة سارة مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب كان معها كتاب أمر النبي ﷺ يوم الفتح، كذا في التجريد، "معها كتاب" وزاد في غزوة بدر من حاطب بن أبي بلتعة إلى المركين "فخذوه منها". "قال: فانطلقنا" تعادي بنا خيلنا كما في الرواية، بحذف إحدى التاءين تجري "حتى أتينا الروضة" المذكورة "فإذا نحن بالظعينة".
وعند ابن إسحاق من مرسل عروة، فخرجا حتى أدركاها بالخليقة خليقة بني أبي أحمد، بقاف وخاء معجمة كسفينة، منزل على اثني عشر ميلا من المدينة، وعند ابن عقبة، أدركاها ببطن ريم بكسر الراء وسكون التحتية والهمز وتركه واد بالمدينة، فيحتمل أن روضة اسم لمكان يشتمل على بطن رئم والخليقة، وإلا فما في الصحيح أصح.
وللبخاري في غزوة بدر فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ "فقلنا" لها: "أخرجي" بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء "الكتاب. قالت: ما معي كتاب".
زاد البخاري في بدر: فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا فقلنا: ما كذب رسول الله ﷺ قال:стр. 1473
قلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قالت: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ . فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر.
الحواشي
(١) المصنف بفتحتين وللأصيلي بضم الكاف، وكسر المعجمة مخففة "قلنا: لتخرجن" بضم الفوقية وكسر الراء والجيم "الكتاب أو لنلقين" بضم النون، وكسر القاف، وفتح التحتية ونون التأكيد الثقيلة نحن "الثياب".
وللأصيلي وأبي الوقت بضم الفوقية وحذف التحتية، وفي بعض الأصول أو لنلقي بتحتية مكسورة أو مفتوحة، بعد القاف والصواب في العربية أو لتلقن بدون باء لأن النون الثقيلة إذا اجتمعت مع الياء الساكنة حذفت الياء لالتقاء الساكنين، لكن أجاب الكرماني وتبعه البرماوي، وغيره بأن الرواية إذا صحت تؤول الكسرة بأنها لمشاكلة لتخرجن، وباب المشاكلة واسع والفتح بالحمل على المؤنث الغائب على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة قاله المصنف في الجهاد، وفي رواية ابن إسحاق، فقال لها علي: إني أحلف بالله ما كذب ﷺ ولا كذبنا لتخرجن لنا هذا الكتاب، أو لنكشفنك "قالت": كذا بالتأنيث في الفرع وفي غيره. قال: أفاده المصنف ويوجه التأنيث بأن فيه حذفا، ففي رواية ابن إسحاق فلما رأت الجد منه قالت: أعرض فأعرض فحلت قرونها "فأخرجته من عقاصها" بكسر المهملة وبالقاف والصاد المهملة الخيط الذي تعتقص به أطراف الذوائب أو الشعر المضفور.
وقال المنذري: هو لي الشعر بعضه على بعض على الرأس وتدخل أطرافه في أصوله. وقيل: هو السير الذي تجمع به شعرها على رأسها.
وللبخاري في بدر فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته الحجزة بضم المهملة وسكون الجيم وفتح الزاي معقد الإزار، قال في النور: والظاهر أن الكتاب كان ف ضفائرها وجعلت الضفائر في حجزتها. انتهى.
وذكر في الفتح هنا أنه قدم في الجهاد وجه الجمع بين كونه في عقاصها أو في حجزتها وراجعته فلم أجده فيه ولا في بدر، "فأتينا به" بالكتاب "رسول الله ﷺ " وللمستملي في الجهاد فأتينا بها، وللبخاري في بدر فانطلقنا بها، قال المصنف: أي بالصحيفة المكتوب فيها قول الكرماني أو بالمرأة معارض بما رواه الواقدي بلفظ: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى المشركين فخذوه وخلوا سبيلها فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها". انتهى.
"فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة" وهي التظرف في اللغة واسمه عمر، وقاله السهيلي: "إلى ناس من المشركين بمكة": سهيل, وصفوان، وعكرمة كما يأتي "يخبرهم ببعض أمرстр. 1474
رسول الله ﷺ فقال: "يا حاطب، ما هذا"؟. قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ، إني كنت امرأ ملصقا في قريش -يقول: كنت حليف ولم أكن من أنفسها- وكان من معكم من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه قد صدقكم". فقال عمر ﵁ يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ " وفي مرسل عروة يخبرهم بالذي أجمع عليه ﷺ من الأمر في السير إليهم فقال: "يا حاطب ما هذا"؟. وفي مرسل عروة، فدعاه. فقال: "ما حملك على هذا؟ " وللبخاري في بدر: "ما حملك على ما صنعت"؟، "قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ" بالمؤاخذة على ما صنعت. ولابن إسحاق: أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت ولا بدلت، "إني كنت امرأ ملصقا" بضم الميم وفتح الصاد، "في قريش" أي مضافا لهم من إلصاق الشيء بغيره وليس منه وقد فسره بقوله: "يقول: كنت حليفا" لها "ولم أكن من أنفسها" بضم الفاء، قال في الإصابة: يقال: إنه حالف الزبير وقيل: كان مولى عبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى فكاتبه، فأدى كتابته وفي مرسل عروة عند ابن إسحاق: ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه، "وكان من معك من المهاجرين" ممن له أهل أو مال بمكة "لهم قرابات" بالجمع "يحمون بها أهليهم وأموالهم" فليس المراد جميع المهاجرين لأن كثيرا منهم ليس له بمكة مال ولا أهل، "فأحببت إذ" أي حين "فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخد"، مصدرية في محل نصب مفعول أحببت "عندهم يدا" أي نعمة ومنة عليهم "يحمون بها قرابتي"، وروى ابن شاهين، والطبراني وغيرهما، فقال حاطب: والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت ولكنني، كنت امرأ غريبا ولي بمكة بنون وأخوة وعند ابن مردويه، من حديث ابن عباس، عن عمر، فكتبت كتابا لا يضر الله ولا رسوله "ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام"، فقال رسول الله ﷺ : "أما" بفتح الهمزة، وخفة الميم "إنه قد صدقكم" بتخفيف الدال، أي قال الصدق، فيما أخبركم به زاد البخاري في بدر: "ولا تقولوا له إلا خيرا". "فقال عمر ﵁ يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال: "إنه قد شهد بدر" وكأنه قال: وهل شهودها يسقط عنه هذا الذنب الكبير، فقال: "وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا".
وللبخاري في الجهاد: "وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر".
قال المصنف: استعمل لعل استعمال عسى، فأتى, فإن قال النووي: الترجي هذا راجع إلىстр. 1475
فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] رواه البخاري.
قال في فتح الباري: وإنما قال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق مع تصديق.
الحواشي
(١) عمر لأن وقوع هذا الأمر محقق عند الرسول. انتهى.
وفي الفتح هي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم. وقد قال العلماء: الترجي في كلام الله وكلام الرسول للوقوع وعند أحمد، وأبي داود، وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة، بالجزم، ولفظه: "إن الله اطلع على أهل بدر". "فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" , زاد البخاري في بدر: فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.
قال الحافظ اتفقوا على أن هذه البشارة فيما يتعلق، بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها. "فأنزل الله تعالى" السورة كما في لفظ البخاري: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ أي كفار مكة ﴿أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ﴾ حال من ضمير لا تتخذوا أي لا تتخذوهم أولياء ملقين ﴿إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي تبذلونها لهم ودخول الباء وعدمه سواء عند الفراء، وقال سيبويه: لا تزاد في الواجب فمفعول تلقون عند طائفة من البصريين محذوف أي النصيحة.
وقال النحاس: أي تخبرونهم بما يخبر به الرجل أهل مودته وهذا التقدير إن نفع هنا لم ينفع في مثل قول العرب: ألقى إليه بوسادة أو ثوب، فيقال: إن ألقى قسمان وضع الشيء بالأرض وفي الآية إنما هو إلقاء بكتاب وإرسال به فعبر عنه بالمودة؛ لأنه من أفعال أهلها فمن ثم حسنت الباء؛ لأنه إرسال بشيء، كذا في الروض "إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ " أخطأ طريق الهدى والصواب، والسواء في الأصل السوط ودل هذا الأغياء على أن قوله فأنزل الله السورة مجاز من تسمية الجزء باسم الكل، أو من مجاز الحذف أي بعض السورة التي أولها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
وفي مرسل عروة، عند ابن إسحاق: فأنزل الله في حاطب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ "رواه البخاري"، هنا وقبله في بدر وفي الجهاد وبعده في التفسير "قال في فتح الباري" دفعا لإشكال مشهور علم من قوله: "وإنما قال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق" زاد البخاري في بدر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين "مع تصديقстр. 1476
رسول الله ﷺ لحاطب فيما اعتذر به، لما كان عند عمر من القوة في الدين وبغض المنافقين، فظن أن من خالف ما أمر به النبي ﷺ استحق القتل. لكنه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن في قتله. وأطلق عليه منافقا لكونه أبطن خلاف ما أظهر. وعذر حاطب ما ذكره، فإنه فعل ذلك متأولا أن لا ضرر فيه. وعند الطبراني من طريق الحارث عن علي في هذه القصة فقال: "أليس قد شهد بدرا -أو: ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". فأرشد إلى علة ترك قتله.
وعند الطبراني أيضا عن عروة: "فإني غافر لكم".
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ لحاطب فيما اعتذر به", ونهيه أن يقال له إلا خيرا.
"لما كان عند عمر من القوة" الشدة "في الدين وبغض المنافقين، فظن أن من خالف ما أمر به النبي ﷺ " من إخفاء مسيره عن قريش وحرصه على عدم وصول خبره إليهم، وبعثه جماعة على الطريق حتى لا يبلغهم الخبر، كما مر وظهور هذا بين الصحابة، لا يخفى على حاطب ﵃ أجمعين، فلذا ظن أنه "استحق القتل لكنه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن في قتله" ولو جزم به لما استأذن، "وأطلق عليه منافقا لكونه أبطن خلاف ما أظهر", فلم يرد عمر أنه أظهر الإسلام وأخفى الكفر، فلا يشكل بتصديقه له ﵇، بأنه ما فعل ذلك كفرا ولا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فإن هذه الشهادة نافية للنفاق قطعا "وعذر حاطب ما ذكره" من خوفه على أهله بمكة "فإنه فعل ذلك متأولا أن لا ضرر فيه", كما صرح بذلك في قوله: فكتبت كتابا لا يضر الله ولا رسوله، وفي كتابه لقريش: فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله، وقد يكون تأول أن مع سلامة قرابته بذلك يلقي الله الرعب في قلوبهم فيسلموا مكة طائعين بلا قتال، خصوصا وقد وصف الجيش بأنه كالسي، "وعند الطبراني، من طريق الحارث" بن عبد الله الأعور الهمداني، بسكون الميم، الكوفي صاحب علي في حديثه ضعف ورمي بالرفض مات في خلافة ابن الزبير "عن علي في هذه القصة"، فقال: "أليس قد شهد بدرا -أو: ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم". "فأرشد" ﷺ "إلى علة ترك قتله" أي تركه أمر عمر بقتله. وفي نسخة تركه قتله.
قال السهيلي: ففيه دليل على قتل الجاسوس لتعليقه حكم المنع من قتله بشهوده بدرا فدل على أن من فعل مثله، وليس بدريا أنه يقتل.
وعند الطبراني أيضا عن عروة: "فإني غافر لكم" ما سيقع منكم، وفي المغازي، وابن عائذстр. 1477
وهذا يدل على أن المراد: بقوله "غفرت" أغفر، على طريق التعبير عن الآتي بالماضي مبالغة في تحققه.
قال: والذي يظهر أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف، تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة وتأهلوا أن يغفر لهم ما يستأنف من الذنوب اللاحقة. وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنهم لم يزالوا عن أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، ولو قدر صدور شيء من أحدهم لبادر إلى التوبة.
الحواشي
(١) عن عروة: "فسأغفر لكم". "وهذا يدل على أن المراد بقوله: غفرت: أغفر على طريق التعبير عن الآتي" في المستقبل "بالماضي مبالغة في تحققه", كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ ، فقصر من أجاب عن إشكال قوله: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". من أن ظاهره الإباحة، وهو خلاف عقد الشرع بأنه إخبار عن الماضي، أي كل عمل كان لكم فهو مغفور، وأيده بأنه لو كان للمستقبل لم يقع بلفظ الماضي ولقال: فسأغفر لكم، وقد تعقب بأنه لو كان للماضي لما حسن الاستدلال به في قصة حاطب؛ لأنه ﷺ خاطب به عمر منكرا عليه ما قاله في أمر حاطب، فدل على أن المراد ما سيقع، وأورد ماضيا مبالغة في تحققه "قال" الحافظ في الفتح: "والذي يظهر" في الجواب عن الإشكال المذكور "أن هذا الخطاب" والأمر في قوله: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". "خطاب إكرام وتشريف تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة" قبل بدر "وتأهلوا" أي: صاروا أهلا "أن يغفر لهم ما يستأنف من الذنوب اللاحقة" إن وقعت، أي كل ما عملوه بعد هذه الوقعة من أي عمل كان فهو مغفور خصوصية لهم. قاله الحافظ في بدر وما أحسن قوله:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع
قال المصنف: وليس المراد أنه نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل له صلاحية أن يغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء وجود ذلك الشيء، "وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله" الصادق والمصدوق صلوات الله وسلامه عليه "في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، ولو قدر صدور شيء من أحدهم لبادر إلى التوبة", امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية، وهي تمحو آثار الذنب: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ، ومن أولى بها من أهل بدر، ولذا لما شرب قدامة بن مظعون من أهلها أيام عمر وحده رأى عمر في المنامстр. 1478
ولازم الطريقة المثلى، يعلم ذلك من أحوالهم، بالقطع من اطلع على سيرهم. قاله القرطبي.
وذكر بعض أهل المغازي -وهو في تفسير يحيى بن سلام- أن لفظ الكتاب الذي كتبه حاطب: أما بعد: يا معشر قريش، فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش عظيم يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم والسلام. هكذا حكاه السهيلي.
لكن وقد ذكر وروى الواقدي بسند له مرسل: أن حاطبا كتب إلى سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة: أن رسول الله ﷺ أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد.
الحواشي
(١) من يأمره بمصالحة قدامة "ولازم الطريق المثلى يعلم ذلك من أحوالهم بالقطع" وفاعل يعلم "من اطلع على سيرهم، قاله القرطبي".
قال الحافظ: في بدر، وهذا هو الذي فهمه أبو عبد الرحمن السلمي، التابعي الكبير حيث قال لحسان بن عطية: قد علمت الذي جرأ صاحبك على الماء، وذكر له هذا الحديث وقيل في الجواب أيضا: المراد أن ذنوبهم تقع إذ وقعت مغفورة، وقيل: بشارة بعدم وقوع الذنوب منهم وفيه نظر لقصة قدامة. انتهى.
"وذكر بعض أهل المغازي وهو في تفسير يحيى بن سلام أن لفظ الكتاب الذي كتبه حاطب" لأهل مكة "أما بعد يا معشر قريش فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش عظيم يسير كالسيل" وجه الشبه امتلاء الوادي بجيشه وكثرة انتشارهم، "فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله، وأنجز له وعده" بنصره عليكم "فانظروا لأنفسكم والسلام", وفي هذا مزيد إرهاب لهم وكسر لقلوبهم، ولذا قال: لا يضر الله ولا رسوله "كذا حكاه السهيلي، لكن" قوله وهو في تفسير يحيى بن سلام لم يحكه كذلك فلفظ الروض وقد قيل: إن لفظ الكتاب فذكر ما نقل عنا هنا وعقبه بقوله وفي تفسير ابن سلام أنه كان في الكتاب أن محمدًا قد نفر فإما إليكم وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر. انتهى، وقد نقله الشامي بلفظ الروض كما ذكرته وعزاه له.
"وقد ذكر" أي "وروى الواقدي بسند له مرسل أن حاطبا كتب إلى سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة" بن أبي جهل، وأسلم الثلاثة ﵃ "أن رسول الله ﷺ أذن", أعلم "في الناس بالغزو ولا أراه" أظنه أو اعتقده "يريد غيركم" لنقضكم عهد الحديبية، "وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد" نعمة ومنة.стр. 1479
انتهى.
وبعث رسول الله ﷺ إلى من حوله من العرب فجلبهم: أسلم وغفار وأشجع وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق.
فكان المسلمون في غزوة الفتح: عشرة آلاف.
وفي "الإكليل" و"شرف المصطفى" اثني عشر ألفا.
ويجمع بينهما أن العشرة آلاف خرج بها من نفس المدينة، ثم تلاحق به الألفان.
واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وقيل: أبا رهم الغفاري.
الحواشي
(١) "انتهى" كلام فتح الباري، وقد جمع باحتمال أن جميع ما ذكر في الكتاب بأن يكون كتب أولا أنه نفر ... إلخ.
وأنه أذن في الناس ... إلخ. قبل علمه بأن السير إلى مكة، فلما علم ألحق فيه أما بعد ... إلخ.
"وبعث رسول الله ﷺ إلى من حوله، من العرب فجلبهم" طلب حضورهم إليه، "أسلم" سالمها الله "وغفار" غفر الله لها "وأشجع وسليم" مصغر، وعند الواقدي وغيره أنه أرسل يقول لهم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة". وبعث رسلا في كل ناحية فقدموا "فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق، فكان المسلمون في غزوة الفتح" كما في الصحيح عن ابن عباس "عشرة آلاف" قال في الفتح: أي من سائر القبائل، وفي مرسل عروة عند ابن إسحاق، وابن عائذ: خرج ﷺ في اثني عشر ألفا من المهاجرين والأنصار، وأسلم, وغفار، ومزينة، وجهينة، وسليم "و" كذا، وقع "في الإكليل" للحاكم "و" كتاب "شرف المصطفى" للنيسابوري "اثني عشر ألفا ويجمع بينهما"، كما قال الحافظ "بأن العشرة آلاف خرج بها من نفس المدينة، ثم تلاحق به ألفان" ولعل ما عزاه الحافظ لابن إسحاق رواية لغير زياد، وإلا فلفظه: ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة الآف، ثم صرح آخر الغزوة، بأن جميع من شهد الفتح من المسلمين عشرة آلاف. انتهى.
وكذا نسبه له اليعمري، "واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم" قاله ابن سعد، والبلاذري "وقيل: أبا رهم" بضم الراء وسكون الهاء، كلثوم بضم الكاف وسكون اللام، ابن الحصين، بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين "الغفاري" وهو الصحيح، فقد رواه ابن إسحاق: حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس. قال: ثم مضى ﷺ لسفره واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن صين بن عتبة بن خلف الغفاري. وأخرجه أحمدстр. 1480
وخرج ﵊ يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من رمضان، بعد العصر، سنة ثمان من الهجرة، قاله الواقدي.
وعن أحمد بإسناد صحيح عن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان.
فما قاله الواقدي ليس بقوي لمخالفته ما هو أصح منه. وفي تعيين هذا التاريخ أقوال أخر منها عند مسلم: لست عشرة، ولأحمد: لثماني عشرة، وفي أخرى: لثنتي عشرة. والذي في المغازي: لسبع عشرة مضت, وهو.
الحواشي
(١) والطبراني، وسنده حسن فكان اللائق بالمصنف تقديمه كما فعل اليعمري وغيره أو الاقتصار عليه كما فعل صاحب الفتح ويحتمل أنه استخلف أبا رهم على المدينة، وابن أم مكتوم على الصلاة بها كما تقدم نظيره مرارا.
"وخرج ﵊" من المدينة "لعشر ليال خلون من رمضان بعد العصر سنة ثمان من الهجرة، قاله الواقدي" ولم ينفرد به كما يوهمه سياق المصنف تبعا للحافظ ففي بقية حديث ابن عباس المذكور عند ابن إسحاق: وخرج لعشر مضين من رمضان، وإسناده حسن كما علمت وفوق الحسن، وقد أخرجه ابن راهويه بسند صحيح عن ابن عباس.
"وعند أحمد بإسناد صحيح عن أبي سعيد" الخدري "قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان", وهذا يعين يوم الخروج فيدفع تردد الزهري عند البيهقي حيث قال: لا أدري أخرج في شعبان فاستقبل رمضان أو خرج في رمضان بعد ما دخل؟ "فما قال الواقدي" من أنه خرج لعشر "ليس بقوي لمخالفته ما هو أصح منه" كذا قال تبعا للفتح وهو كما علمت واضح لو انفرد به الواقدي, أما حيث رواه ابن راهويه، وإسحاق عن ابن عباس بسند صحيح فهو قوي.
"وفي تعيين هذا التاريخ أقوال أخر" ظاهره أنها في تاريخ الخروج ولا كذلك وإنما هي في تاريخ دخول مكة ففي الفتح أخرج البيهقي عن الزهري: صبح ﷺ مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان قال الحافظ: فهذا يعين يوم الدخول ويعطي أنه أقام في الطريق اثني عشر يوما. وما قاله الواقدي ليس بقوي لمخالفته ما هو أصح منه.
وفي تعيين هذا التاريخ أقوال أخر "منها عند مسلم": أنه دخل مكة "لست عشرة. ولأحمد: لثمان عشرة، وفي أخرى: لثنتي عشرة". قال أعني الحاظ: والجمع بين هاتين بحمل إحداهما على ما مضى والأخرى على ما بقي، "والذي في المغازي: دخل" مكة "لسبع عشرة مضتстр. 1481
محمول على الاختلاف في أول الشهر، ووقع في أخرى: لتسع عشرة أو سبع عشرة على الشك.
ولما بلغ ﷺ الكديد -بفتح الكاف- الماء الذي بين قديد وعسفان أفطر
الحواشي
(١) وهو محمول على الاختلاف في أول الشهر،" فالكلام كله في الاختلاف في دخول مكة، وبه يصح الحمل المذكور من زيادة يوم ونقصه، وأما الخروج من المدينة فإنما فيه روايتان عشر وليلتان, والمصنف أراد تلخيص كلام الفتح فسقط عليه منه ما ذكرته فوهم حتى تحير شيخنا رحمه الله تعالى وبرد مضجعه في صحة هذا الحمل؛ لأنه لم يقف على كلام الفتح وقت التأليف.
"ووقع في" رواية "أخرى" دخل مكة "لتسع عشرة أو سبع عشرة على الشك" وروى يعقوب بن سفيان من طريق إسحاق عن جماعة من مشايخه أن الفتح كان في عشر بقين من رمضان، فإن ثبت حمل على أن مراده أنه وقع في العشر الأوسط قبل أن يدخل العشر الأخير. هذا بقية كلام الحافظ ﵀, ثم اعلم أنه لا خلاف أن هذه الغزوة كانت في رمضان كما في الصحيح وغيره عن ابن عباس.
"ولما بلغ ﷺ الكديد بفتح الكاف" وكسر الدال المهملة الأولى فتحتية فمهملة "الماء الذي بيد قديد" بضم القاف وفتح الدال بلفظ التصغير، قرية جامعة قرب مكة "وعسفان" بضم العين وسكون السين المهملتين وبفاء ونون، قرية جامعة على ثلاثة مراحل من مكة، والكديد أقرب إليها من عسفان، وهو على اثنين وسبعين ميلا من مكة، وهذا تعيين للمسافة.
وقول ابن عباس: ماء. تعيين للمحل فلا تنافي.
وفي رواية ابن إسحاق بين عسفان وأمج بفتح الهمزة، والميم، وجيم خفيفة اسم واد "أفطر" لأنه بلغه أن الناس شق عليهم الصيام، وقيل له: إنما ينظرون فيما فعلت، فلما استوى على راحلته بعد العصر دعا بإناء من ماء، فوضعه على راحلته ليراه الناس فشرب فأفطر فناوله رجلا إلى جنبه فشرب.
رواه مسلم والترمذي عن جابر، وفي الصحيحين من طريق طاوس عن ابن عباس: ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه. ولأبي داود: إلى فِيهِ فأفطر، وللبخاري وحده من طريق عكرمة عن ابن عباس بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحته أو راحلته بالشك فيهما. قل الداودي: يحتمل أن يكون دعا بهذا مرة، وبهذا مرة. قال الحافظ: ولا دليل على التعدد، فإن الحديث واحد، والقصة واحدة، وإنما وقع الشك من الراوي فيقدم عليه رواية من جزم، وأبعد الداودي فقال: كانتا قصتين: إحداهما في الفتح والأخرى في حنين. انتهى.стр. 1482
فلم يزل مفطرا حتى انسلخ الشهر. رواه البخاري، وفي أخرى له: أفطر وأفطروا. الحديث.
الحواشي
(١) وروى مالك وغيره عن رجل من الصحابة: لما دخل ﷺ العرج وهو صائم صب الماء على رأسه ووجهه من العطش. وللحاكم في الإكليل، بسند صحيح عن أبي هريرة: رأيت رسول الله ﷺ بالعرج يصب الماء على رأسه من الحر وهو صائم، فقد حصلت له المشقة لزيادة رفعة الدرجات, والعرج بفتح العين، وسكون الراء المهملتين, وبالجيم: قرية على نحو ثلاث مراحل من المدينة، فتحمل المشقة لأنه لا يبالي بها في عبادته. ألا ترى إلى قيامه حتى تورمت قدماه، حتى بلغ الكديد، فأفطر "فلم يزل مفطرا" رفقا بالمسلمين "حتى انسلخ الشهر"؛ لأنه وإن قدم مكة قبل تمام العشر الأوسط على ما مر، لكنه كان في أهبة القتال وبعث السرايا ولم ينو الإقامة، بل كان يقصر الصلاة على ما يأتي مفصلا.
"رواه البخاري" هنا وقبله في الجهاد والصوم، ومسلم، والنسائي، في الصوم عن ابن عباس، قال الحافظ أبو الحسن القابسي: وهو من مرسلات الصحابة؛ لأن ابن عباس كان في هذه السفرة مقيما مع أبويه بمكة، فلم يشاهد هذه القصة، فكأنه سمعها من الصحابة.
"وفي" رواية "أخرى له" للبخاري، هنا وفي الصوم من طريق آخر عن ابن عباس: فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون, حتى بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد "أفطر وأفطروا" كلهم بعد حثه لهم على الفطر. ففي حديث جابر عند مسلم، والترمذي: أنه لما أفطر قيل له بعد ذلك: إن بعض الناس صام. فقال: "أولئك العصاة". وعبر بذلك مبالغة في حثهم على الفطر رفقا بهم.
وقد روى الشيخان: أنه ﷺ كان في سفر. وعينه الترمذي، فقال: في غزوة الفتح رأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا"؟. فقالوا: صائم، فقال: "لَيْسَ مِنْ امْبِرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَرِ". وروايته على لغة حمير في مسند أحمد لا في الصحيح، وإلا ففطره لا يوجب فطرهم فقد يكون احتمل عندهم، اختصاصه بمن شق عليه الصوم جدا والذين صاموا لم يكونوا كذلك.
وروى مسلم عن أبي سعيد. قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ ونحن صيام، فقال: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: "إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا". فكانت عزيمة فأفطرنا فهذا ظاهر في فطر الجميع بعد أمره، فإن كان هذا السفر سفر الفتح كما هو ظاهر سوقهم الحديث هنا فلعل هاتين المقالتين كانتا بعد فطر المصطفى، والغرض بهما حث من صام على الفطر بصريح الأمر هذا ولا يعارض ما في "الحديث" أنه أفطر بالكديد.стр. 1483
وكان العباس قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلما مهاجرا، فلقي رسول الله ﷺ بالجحفة، وكان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله ﷺ عنه راض.
وكان ممن لقيه في الطريق أبو سفيان بن الحارث، ابن عمه، عليه الصلاة
الحواشي
(١) رواية جابر أنه أفطر بكراع الغميم ولا رواية بقديد ولا بعسفان لما جمع به المحب الطبري وغيره بجواز أنه أفطر في واحد من الأربعة حقيقة لكن لتقاربها عبر بعض الرواة، باسم ذلك الموضع، والباقي باسم غيره مجاز القربة منه، أو أفطر في واحد منها حقيقة لكن لم يره جميع الناس لكثرتهم فكرره ليتساوى الناس في رؤية الفعل، فأخبر كل عن رؤية عين وبمحل رؤيته والله أعلم.
"وكان العباس" بن عبد المطلب أبو الفضل الهاشمي، أجود قريش كفا وأوصلها، كما قال ﷺ ، أخرجه النسائي "قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلما" أي مظهرا للإسلام، فإنه أسلم قديما وكان يكتمه، قال ابن عبد البر، وذلك بين في حديث الحجاج بن علاظ: أن العباس كان مسلما يسره ما يفتح الله على المسلمين، ثم أظهره يوم الفتح، وقيل: كان إسلامه قبل فتح خيبر وتقدم مزيد لذلك في بدر "مهاجرا فلقي رسول الله ﷺ بالجحفة" فيما قال ابن هشام، وقال غيره: بذي الحليفة فيحتمل أنه انفرد عن أهله وعياله فلقيه بها ثم رجع معه إلى الجحفة فاجتمع معه بأهله وعياله فيها، فسار معه في الفتح وبعث ثقله إلى المدينة.
قال البلاذري: وقال له ﷺ : "هجرتك يا عم آخر هجرة كما أن نبوتي آخر نبوة". وروى أبو يعلى والطبراني بسند ضعيف عن سهل بن سعد قال: استأذن العباس النبي ﷺ في الهجرة فكتب إليه: "يا عم أقم مكانك الذي أنت فيه فإن الله يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوة". "وكان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته ورسول الله ﷺ عنه راض" كما ذكر الزهري، عند ابن هشام لعلمه بإسلامه باطنا وأن إقامته بها لخوفه على ماله وعياله؛ ولأنه كان يكتب بأخبار المشركين إليه ﷺ وكان يثق به، وكان ينفع المستضعفين بمكة وبه يثقون، "وكان ممن لقيه في الطريق أبو سفيان" الهاشمي اسمه كنيته، وقال جماعة المغيرة لكن جزم ابن قتيبة وابن عبد البر بأن المغيرة أخوه "ابن الحارث" بن عبد المطلب الهاشمي، المتوفى سنة خمس عشرة أو عشرين وصلى عليه عمر.
روى أبو أحمد الحاكم عن عروة رفعه: "أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان أهل الجنة". قال فحلقه الحلاق بمنى وفي رأسه ثؤلول فمات فيرون أنه مات شهيدا.
قال الحافظ: مرسل رجاله ثقات، وفي الروض مات من ثؤلول حلقه الحلاق في حجстр. 1484
والسلام وأخوه من رضاع حليمة السعدية، ومعه ولده جعفر بن أبي سفيان. وكان أبو سفيان يألف رسول الله ﷺ ، فلما بعث عاداه وهجاه. وكان لقاؤهما له ﵊ بالأبواء وأسلما قبل دخوله مكة.
وقيل: بل لقيه هو وعبد الله بن أبي أمية، ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب بين السقيا والعرج، فأعرض ﷺ عنهما لما كان يلقى منهما من شدة الأذى والهجو
الحواشي
(١) فقطعه مع الشعر فنزف منه الدم، وقال عند موته: لا تبكن عليّ فإني لم أنطق بخطيئة منذ أسلمت "ابن عمه" بالرفع، بيان لأبي سفيان بعد وصفه بأنه الحارث عمه "﵊" ذكره لبيان قربه منه ليميزه من أبي سفيان بن حرب الذي تقدم ذكره كثيرا، وليعطف عليه قوله "وأخوه من رضاع حليمة السعدية، ومعه ولده جعفر بن أبي سفيان" الصحابي ابن الصحابي، شهد حنينا هو وأبوه وكان غلاما مدركا، كما ذكره ابن شاهين، وابن سعد، وابن حبان، وزاد أنه مات بدمشق سنة خمسين، ولا عقب له كما في الإصابة وكأنه جمع بين ولده وابن ... إلخ.
إشارة إلى أنه اشتهر بين الصحابة بهذا الاسم "وكان أبو سفيان يألف رسول الله ﷺ " ولا يفارقه قبل النبوة "فلما بعث عاداه وهجاه" وأجابه حسان عنه كثيرا، "وكان لقاؤهما" هو وابنه "له ﵊ بالأبواء" بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد، قرية بين مكة والمدينة، "وأسلما قبل دخوله مكة" ﵊ "وقيل: بل لقيه هو" أي أبو سفيان "وعبد الله بن أبي أمية" واسمه حذيفة وقيل: سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي أخو أم سلمة لأبيها.
قال البخاري: له صحبة شهد الفتح وحنينا والطائف وبها استشهد "ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب" وأم سلمة أمها عاتكة بنت عامر بن قيس، وكان عند أبي أمية أربع عواتك.
قال الزبير بن بكار: كان يدعى زاد الراكب، وكان ابنه عبد الله شديد الخلاف على المسلمين. قال: خرج مهاجرا فلقي النبي ﷺ "بين السقيا" بضم السين المهملة وسكون القاف قرية جامعة بطريق مكة "والعرج" بفتح فسكون قرية جامعة على ثلاثة أميال من المدينة بطريق مكة، وبهذا القول جزم ابن إسحاق وعين المحل فقال لقياه بنقب العقاب بين مكة والمدينة، "فأعرض ﷺ عنهما لما كان يلقى منهم من شدة الأذى والهجو", وعند ابن إسحاق فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك، وابن عمتك، وصهرك. قال: "لا حاجة لي بهما؛ أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري، فهو الذيстр. 1485
فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك، وقال علي لأبي سفيان -فيما حكاه أبو عمر وصاحب ذخائر العقبى: ائت رسول الله ﷺ من قبل وجهه فقل له ما قال أخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ
الحواشي
(١) قال لي بمكة ما قال". قال في الروض يعني قوله له: والله لا آمنت بك حتى تتخذ سلما إلى السماء فتعرج فيه وأنا أنظر، ثم تأتي بصك وأربعة من الملائكة يشهدون أن الله أرسلك. "فقالت له أم سلمة" هند أم المؤمنين آخر الزوجات موتا سنة اثنتين وستين, وقيل: إحدى. وقيل: قبلها. والأول أصح تأتي في الزوجات: "لا يكن ابن عمك، وابن عمتك، أشقى الناس بك" نهى لهما ظاهرا وهو في الحقيقة سؤال له ﷺ في الإقبال عليهما حتى لا يكونا أشقى الناس، وتلطفت في التعبير تعظيما لمقامه العظيم وأدبا عن أن تخاطبه بصورة نهي.
لكن في رواية ابن بكار كما في الإصابة: لا تجعل، فيحتمل أنه بالمعنى وعند ابن إسحاق: فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبو سفيان بني له، فقال: والله ليأذن لي، أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ ، رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه وأسلما وأنشده أبو سفيان في إسلامه، واعتذر مما مضى فقال:
لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... لهذا أواني حين أهدى وأهتدي
هداني هاد غير نفسي ونالني ... مع الله من طردته كل مطرد
أصد وأنأى جانبا عن محمد ... وأدعى وإن لم أنتسب من محمد
هم ما هم من لم يقل بهواهم ... وإن كان ذي رأي يلام ويفند
أريد لأرضيهم ولست بلائط ... مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
قال ابن إسحاق: فزعموا أنه لما قال: ونالني مع الله من طردته كل مطرد. ضرب ﷺ صدره، وقال: "أنت طردتني كل مطرد".
قال ابن هشام: ويروى: ودلني على الحق من طردته كل مطرد، "وقال علي لأبي سفيان" مرشدا لابن عمه إلى ما يكون، سببا لإقباله ﷺ عليه بعد إذنه لهما في الدخول عليه، "فيما حكاه أبو عمر" بن عبد البر الحافظ الشهير "وصاحب ذخائر العقبي" في مناقب ذوي القرى، وهو المحب الطبري: "ائت رسول الله ﷺ من قِبَل" جهة "وجهه" الوجيه؛ لأن عادة الكرماء الاستحياء من المواجهة ولا أكرم منه، "فقل له ما قال أخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ﴾ فضلك ﴿اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ﴾стр. 1486
كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا، ففعل ذلك أبو سفيان, فقال له ﷺ : ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ .
ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ منذ أسلم حياء منه.
قالوا: ثم سار ﷺ فلما كان بقديد عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل.
الحواشي
(١) مخففة أي، وإنا ﴿كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ آثمين في أمرك فأذلنا لك، "فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا،" بل أن يكون هو الأحسن على مفاد هذا التركيب عرفا؛ لأن النفي إذا دخل على اسم التفضيل، فالقصد تفضيل من نسب إليه الفعل على غيره، وإن صدق النفي بالمساواة لغة ولا يرد أنه أجابهم بجواب يوسف, لإمكان أن حسن القول بما اقترن به من الإقبال بعد أن بالغوا في الأذى واقتراح الآيات والتصميم على قتله، ومحاربته المرة بع المرة يجعله فائقا على جواب يوسف وإن ساواه لفظا؛ لأن أخوته ما بالغوا في أذاه مبلغهم من النبي ﷺ عليهما وما صمموا على قتله بل لما علموا حياته باعوه، وهذا التعسف أحوج إليه القاعدة ولك أن تقول: ما المانع هنا من جريه على أصل اللغة كما هو الظاهر والقاعدة أغلبية، "ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له ﷺ : ﴿لَا تَثْرِيبَ﴾ عتب ﴿عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ خصه بالذكر لأنه مظنة التثريب فغيره أولى ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فأسلم أبو سفيان فكان -كما في الروض وغيره- من أصح الناس إيمانا، وألزمهم لرسول الله ﷺ وثبت معه في حنين، "ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ منذ أسلم حياء منه", وكان ﷺ يحبه، ويشهد له بالجنة ويقول: "أرجو أن يكون خلفا من حمزة"، كما في العيون وقال له: "كل الصيد في جوف الفراء". وقيل: بل قالها لابن حرب، قال السهيلي: والأول أصح، ووقع عند البغوي أنه أول من بايع تحت الشجرة، قال في الإصابة ولم يصب في ذلك فقد أخرجه غيره من الوجه الذي أخرجه هو منه، فقال أبو سنان بن وهب وهو الصواب والمستفيض عند أهل المغازي كلهم وأسند أبو سفيان بن الحارث حديثا عن النبي ﷺ : "لا يقدس الله أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه من القوي". أخرجه الدارقطني, وابن نافع، وسنده صحيح، لكن فيه راو لم يسم. انتهى.
"قالوا: ثم سار ﷺ " والترتيب ذكرى، فإن قديدا قبل الماء الذي أفطر به فعقد الألوية قبله، "فلما كان بقديد" ولقيته سليم هناك "عقد الأولية والرايات، ودفعها إلى القبائل" لبني سليم لواء وراية، وبني غفار راية وأسلم لواءين وبني كعب راية، ومزينة ثلاثة ألوية، وجهينة أربعة ألوية، وبني بكر لواء، وأشجع لواءين، كذا ذكره الواقدي.
هذا وادعى الشارح أن أبا بكر رأى مناما قبل عقد الألوية، ولا أدري من أين أخذه فإنстр. 1487
ثم نزل مر الظهران، فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، ولم يبلغ قريشا مسيره وهم مغتمون خائفون من غزوه إياهم، فبعثوا أبا سفيان بن حرب وقالوا: إن لقيت محمدا فخذ لنا منه أمانا، فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء حتى أتوا مر الظهران، فلما رأوا العسكر أفزعهم.
وفي البخاري.
الحواشي
(١) الشامي إنما ذكره بعد نزوله ﵇ مر الظهران، فقال: روى البيهقي عن ابن شهاب أن أبا بكر قال: يا رسول الله أراني في المنام وأراك دنونا من مكة فخرجت إلينا كلبة تهر، فلما دنونا منها، استلقت على ظهرها فإذا هي تشخب لبنا، فقال ﷺ : "ذهب كلبهم وأقبل درهم وهم سيأوون بأرحامهم وأنكم لاقون بعضهم، فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه". تشخب: تدر وتسيل. كلبهم بفتح الكاف واللام: شدتهم. درهم بفتح المهملة: لبنهم, والمراد هنا خيرهم وهو انقيادهم، وإسلامهم. "ثم نزل مر الظهران" قال الحافظ: بفتح الميم وتشديد الراء، مكان معروف, والعامة تقوله بسكون الراء وزيادة واو. الظهران، بفتح المعجمة وسكون الهاء، بلفظ تثنية ظهر. "فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نارا" لتراها قريش فترعب من كثرتها، ولم يأمر باقي من معه وهم ألفان بالإيقاد تخفيفا، فليس في أمره بذلك أن الذين معه عشرة آلاف فقط, واستجاب الله لرسوله فغم على أهل مكة الأمر, "ولم يبلغ قريشا مسيره وهم مغتمون" محزونون، متحيرون "خائفون".
وفي نسخة لما يخافون بما المصدرية أي: لخوفهم "من غزوه إياهم فبعثوا أبا سفيان" صخر "بن حرب" الأموي "وقالوا: إن لقيت محمدا فخذ لنا منه أمانا فخرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام" بالزاي, الأسدي, ابن أخي خديجة أم المؤمنين, قيل: ولد في جوف الكعبة، قبل الفتح بأربع وسبعين سنة، ثم عمر إلى سنة أربع وخمسين أو بعدها "وبديل" بموحدة ومهملة مصغر "ابن ورقاء" الخزاعي، أسلموا في الفتح رضوان الله عليهم أجمعين.
وعند ابن أبي شيبة من مرسل أبي سلمة أنه ﷺ أمر بالطرق فحبست ثم خرج فغم على أهل مكة الأمر، فقال أبو سفيان لحكيم: هل لك أن نركب إلى مر لعلنا أن نلقى خبرا, فقال بديل: وأنا معكم. قالا: وأنت إن شئت, فركبوا "حتى أتوا مر الظهران فلما رأوا العسكر أفزعهم", وعند ابن أبي شيبة: حتى إذا دنوا من ثنية مر أظلموا أي دخلوا في الليل فأشرفوا فإذا النيران قد أخذت الوادي كله.
"وفي البخاري" من مرسل عروة ابن الزبير، قال الحافظ: ولم أره في شيء من الطرق، عن عروة موصولا، قال: لما سافر ﷺ عام الفتح فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان، وحكيم وبديلстр. 1488
فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه النيران؟ لكأنها نيران عرفة، فقال له بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك. فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم.
الحواشي
(١) يلتمسون الخبر، قال الحافظ: ظاهر أنه بلغهم مسيره قبل خروج الثلاثة، والذي عند ابن إسحاق، وابن عائذ، من مغازي عروة: ثم خرجوا وقادوا الخيول حتى نزلوا بمر الظهران، ولم تعلم بهم قريش، وكذا في رواية أبي سلمة عند ابن أبي شيبة، فيحتمل أن قوله بلغ قريشا، أي: غلب على ظنهم ذلك لا أن مبلغا بلغهم ذلك حقيقة. انتهى.
قال: فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران "فإذا هم بنيران" جمع نار ويجمع أيضا على نور، مثل ساحة وسوح كما في المصباح وغيره فهو مشترك بينها وبين الضوء، ويميز بالقرائن اللفظية ونحوها، "كأنها نيران عرفة" التي كانوا يوقدونها فيها، ويكثرون منها، "فقال أبو سفيان، ما هذه النيران؟ " والله "لكأنها نيران عرفة" قال الحافظ: جواب قسم محذوف أشار إلى ما جرت به عادتهم من إيقاد النيران الكثيرة ليلة عرفة، "فقال له بديل بن ورقاء،" هذه "نيران بني عمرو" بفتح العين، وفي رواية نيران بني كعب، ويعني بهما خزاعة، وعمرو وهو ابن لحي، كما في الفتح وغيره، "فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك" وفي نسخة: بنو عمرو.
لكن الذي في البخاري، هو الأولى فإن صحت فهي بيان المراد، وأنه بتقدير مضاف، قال الحافظ: ومثل هذا في مرسل أبي سلمة وفي مغازي عروة عند ابن عائذ، عكس ذلك وأنهم لما رأوا الفساطيط، وسمعوا صهيل الخيل، راعهم ذلك، فقالوا: هؤلاء بنو كعب يعني خزاعة وكعب، أكبر بطون خزاعة جاشت بهم العرب، فقال بديل: هؤلا أكثر من بني كعب ما بلغ تألبها هذا. قالوا: فانتجعت هوازن أرضنا والله ما نعرف هذا إن هذا المثل حاج الناس "فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم".
وعند ابن عقبة: فأخذوا بخطم أبعرتهم، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: هذا رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم؟ وروى الطبراني عن أبي ليلى: كنا مع رسول الله ﷺ بمر الظهران، فقال: إن أبا سفيان بالأراك، فخذوه فدخلنا فأخذناه, وفي رواية ابن عائذ: وكان ﷺ بعث بين يديه خيلا تقنص العيون، وخزاعة على الطريق لا يتركون أحدًا يمضي فلما دخل أبو سفيان، وأصحابه عسكر المسلمين أخذتهم الخيل، تحت الليل وفي مرسل أبي سلمة: وكان حرس رسول الله ﷺ نفر من الأنصار، وكان عمر بن الخطاب عليهم تلك الليلة فجاءوا بهم إليه، فقالوا: جئناك بنفر أخذناهم من أهل مكة.стр. 1489
فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان بن حرب.
فلما سار قال للعباس: "احبس أبا سفيان عند خطم الجبل". فحبسه العباس،
الحواشي
(١) فقال عمر: وهو يضحك إليهم والله لو جئتموني بأبي سفيان ما زدتم. قالوا والله قد أتيناك بأبي سفيان، فقال: احبسوه فحبسوه، حتى أصبح فغدا به على رسول الله ﷺ وعند ابن إسحاق أن العباس خرج ليلا فلقيهم فحمل أبا سفيان معه على البغلة ورجع صاحباه، وجمع الحافظ بإمكان أن الحرس، لما أخذوهم استنقذ العباس أبا سفيان ويأتي ما فيه "فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان بن حرب" أي انقاد وأظهر الذل له ﵊ فلا ينافي ما يأتي عن ابن إسحاق وغيره أنه لم يسلم حتى أصبح.
وفي مغازي ابن عقبة فلقيهم العباس فأجارهم وأدخلهم على رسول الله ﷺ فأسلم بديل وحكيم، وتأخر أبو سفيان بإسلامه حتى أصبح. "فلما سار" أبو سفيان "قال" ﷺ للعباس: "احبس أبا سفيان" وعند موسى ابن عقبة، أن العباس قال له ﷺ : لا آمن أن يرجع أبو سفيان فيكفر فأحبسه حتى يرى جنود الله ففعل. فقال أبو سفيان: أغدر يا بني هاشم قال: لا ولكن لي إليك حاجة فتصبح فتنظر جنود الله وما أعد الله للمشركين.
وعند الواقدي، فقال: إن أهل النبوة، لا يغدرون.
وروى ابن أبي شيبة من مرسل أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن أن أبا بكر لما ولي أبو سفيان، قال: لو أمرت بأبي سفيان فحبس على الطريق ولا منافاة لجواز أنه بعد سؤال الصديق والعباس ذلك قال العباس احبسه "عند خطم الجبل" قال الحافظ: بفتح الخاء المعجمة وسكون المهملة وبالجيم والموحدة، أي أنفع، كذا في رواية النسفي، والقابسي، وهي رواية ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي.
وفي رواية الأكثر بفتح المهملة، من اللفظة الأولى، وبالخاء المعجمة، وسكون التحتية، أي ازدحامها "فحبسه العباس" هناك لكونه مضيقا ليرى الجميع ولا تفوته رؤية أحد منهم، وفي رواية ابن عقبة فحبسه بالمضيق دون الأراك حتى أصبحوا فلما أذن الصبح أذن العسكر كلهم أي أجابوا المؤذن ففزع أبو سفيان، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قال العباس: الصلاة.
وعند ابن أبي شيبة ثار المسلمون إلى ظهورهم فقال: يا أبا الفضل ما للناس أمروا بشيء، قال: لا ولكنهم قاموا إلى الصلاة فذهب العباس به فلما رأى اقتداءهم به في الصلاة، قال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم طاعة قوم جمعهم من ههنا، وههنا، ولا فارس الأكارم ولا الروم ذات القرون بأطوع منهم له يا أبا الفضل. أصبح ابن أخيك والله عظيم الملك، فقال العباس: إنه ليس بملك ولكنها النبوة، قال: أو ذاك.стр. 1490
فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ : تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان: فمرت كتيبة فقال: يا عباس من هذه؟ قال: هذه غفار؟ قال: ما لي ولغفار؟ ثم مرت جهينة فقال مثل ذلك.
الحواشي
(١) وعند ابن عقبة وأمر ﷺ مناديا ينادي: لتصبح كل قبيلة عند راية صاحبها وتظهر ما معها من الأداة والعدة. فأصبح الناس على ظهر وقدم، بين يديه الكتائب، ومرت القبائل على قاداتها والكتائب على راياتها "فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ كتيبة كتيبة" بمثناة ووزن عظيمة، وهي القطعة من الجيش فعيلة من الكتب بفتح فسكون، وهو الجمع "على أبي سفيان" قال الواقدي: وأول من قدم ﷺ خالد في بني سليم، وهو ألف، ويقال تسعمائة معهم لواءان يحملهما العباس بن مرداس وخفاف، بضم المعجمة ابن ندبة، بضم النون، وراية مع الحجاج ابن علاط فمروا بأبي سفيان فكبروا ثلاثا فقال: من هؤلاء؟ فقال خالد بن الوليد. قال: الغلام. قال: نعم. قال: ومن معه، قال: بنو سليم، قال: ما لي وبني سليم، ثم مر على أثره الزبير بن العوام في خمسمائة من المهاجرين، وأفتاء العرب فكبروا ثلاثا، فقال: من هؤلاء؟ قال: الزبير بن العوام. قال: ابن أختك. قال: نعم "فمرت" بعدهما "كتيبة" في ثلاثمائة يحمل رايتهم أبو ذر ويقال: غيره. فلما حاذوه كبروا ثلاثا، "فقال: يا عباس من هذه؟ قال: هذه غفار" بكسر الغين المعجمة "قال: ما لي ولغفار" قال المصنف بغير صرف ولأبي ذر بالتنوين مصروفا، أي: ما كان بيني وبينهم حرب.
وعند الواقدي: ثم مرت أسلم في أربعمائة فيها لواءان يحملهما بريدة بن لحصيب وناجية بن الأعجم فلما حاذوه كبروا ثلاثا، فقال: من هؤلاء؟ قال: أسلم. قال: ما لي ولأسلم، قال: مرت بنو كعب بن عمرو في خمسمائة يحمل رايتهم بسر بن سفيان فلما حاذوه كبروا ثلاثا، قال: من هؤلاء، قال: بنو كعب أخوة أسلم، قال: هؤلاء حلفاء محمد، ثم مرت مزينة فيها مائة فرس وثلاثة ألوية يحمله النعمان، وعبد بن عمرو بن عوف وبلال بن الحارث، فلما حاذوه كبروا ثلاثا، قال: من هؤلاء؟ قال: مزينة. قال: ما لي ولمزينة، قد جاءتني تقعقع من شواهقها.
"ثم مرت جهينة" بضم الجيم، وفتح الهاء، وسكون التحتية وبالنون، في ثمانمائة فيها أربعة ألوية يحملها معبد بن خالد، وسويد بن صخر ورافع بن مكيث، وعبد الله بن بدر فلما حاذوه كبروا ثلاثا، قال: من هؤلاء؟ قال: جهينة، قال: ما لي ولجهينة، وعند ابن أبي شيبة والله ما كان بيني وبينهم حرب قط "فقال" كل من أبي سفيان والعباس "مثل ذلك" لقول الأول ففيه تجوز إذ الحاصل من أبي سفيان السؤال، والعباس الجواب، ثم من أبي سفيان الإخبار بأنه لا حرب بينه وبينها.
وأسقط المصنف من رواية عروة هذه التي في البخاري قوله: ثم مرت سعد بن هذيم،стр. 1491
حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان! اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل.
الحواشي
(١) فقال: مثل ذلك، ومرت سليم، فقال: مثل ذلك. قال في الفتح: ذكر عروة من القبائل أربعا، وفي مرسل أبي سلمة زيادة أسلم ومزينة، والواقدي: أشجع، وتميم, وفزارة، ولم يذكرا سعد بن هذيم وهم من قضاعة، وقد ذكر قضاعة موسى بن عقبة، والمعروف فيها سعد بن هذيم بالإضافة، ويصح الآخر على المجاز وهو سعد بن زيد بن ليث بن سود بضم المهملة ابن أسلم بضم اللام ابن الحاف بمهملة وفاء بن قضاعة. انتهى.
وقول عروة ومرت سليم لا يقتضي أنها مرت بعد سعد بن هذيم؛ لأنه لما عدل عن حرف الترتيب علم أنه لم يضبط مرورها، فلا ينافي أنها أول من مر مع خالد، كما مر عن أن ثم في ثم مرت سعد للترتيب الذكرى، فإنهم كما علمت من قضاعة، وقد قال ابن عقبة: بعث خالدا في قبائل قضاعة وسليم، وغيرهم كما يأتي في المتن، وقد كان خالد أول من مر وعند الواقدي، بعد جهينة ثم مرت كنانة بكسر الكاف بنو ليث وضمرة وسعد بن بكر في مائتين يحمل لواءهم أبو واقد بالقاف الليثي فلما حاذوه كبروا ثلاثا، قال: من هؤلاء؟ قال: بنو بكر، قال: نعم أهل شؤم والله هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم، ثم مرت أشجع وهم آخر من مر, وهم ثلاثمائة معهم لواءان يحملهما معقل بن سنان ونعيم بن مسعود، فكبروا ثلاثا قال: من هؤلاء؟ قال: أشجع. قال: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد. قال: أدخل الله تعالى الإسلام في قلوبهم فهذا فضل الله. ثم قال أبو سفيان: أبعد ما مضى محمد، فقال العباس: لا لو أتت الكتيبة التي هو فيها رأيت الخيل، والحديد، والرجال وما ليس لأحد به طاقة، قال: ومن له بهؤلاء طاقة؟ وجعل الناس يمرون, كل ذلك يقول: ما مر محمد؟ فيقول العباس: لا "حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها" إذ في كل بطن منها لواء وراية وهم في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق "قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية" أي: راية الأنصار وراية المهاجرين مع الزبير، كما يأتي، ومر "فقال سعد بن عبادة" لما مر بالراية النبوية: "يا أبا سفيان! اليوم يوم الملحمة" قال الحافظ: بالحاء المهملة، أي يوم حرب، لا يوجد منه مخلص أو يوم القتل. يقال: لحم فلانا إذا قتله.
قال الشامي: برفعهما أو نصب الأول ورفع الثاني. انتهى.
ولا يرد على الثاني من ظرفية الزمان لنفسه إذ يوم الملحمة مظروف في اليوم لأنه من ظرفية الكل لجزئه إذ المراد به وقت الحرب.
"اليوم" قال المصنف: نصب على الظرفية "تستحل" بضم الفوقية الأولى وفتح الثانيةстр. 1492
الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذمار بالمعجمة المكسورة: أي الهلاك.
قال الخطابي: تمنى أبو سفيان أن يكون له يد فيحمي قومه ويدفع عنهم. وقيل: هذا يوم الغضب للحريم والأهل والانتصار لهم لمن قدر عليه، وقيل: هذا يوم يلزمك فيه حفظي وحمايتي من أن ينالني مكروه.
وقال ابن إسحاق: زعم بعض أهل العلم أن سعدا قال: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، فسمعها رجل من المهاجرين فقال: يا رسول الله! ما نأمن أن يكون لسعد في قريش صولة. فقال لعلي: "أدركه فخذ الراية منه فكن أنت تدخل بها".
الحواشي
(١) والحاء المهملة مبنيا للمفعول "الكعبة" بقتل من أهدر دمه ولو تعلق بأستارها، وقتال من عارض من أهل مكة وإباحة خضراء قريش وبإزالة ما يزعمون أنه تعظيم لها من نحو أصنام وصور وهو باطل وقد وقع جميع ذلك، كما يأتي "فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا" بفتح الحاء والموحدة، فعل ماض، وذا فاعل على مذهب سيبويه، وجزم به في الخاصة وفيه أقوال أخر محلها كتب النحو "يوم الذمار" وفصل المصنف حديث البخاري بشيء من الفتح فقال: "بالمعجمة المكسورة" وتخفيف الميم، "أي: الهلاك, قال الخطابي: تمنى أبو سفيان أن يكون له يد" قوة في هذا اليوم "فيحمي قومه ويدفع عنهم" قاله عجزا "وقيل": معناه "هذا يوم الغضب للحريم والأهل، والانتصار لهم، لمن قدر عليه" قاله غلبة وعجزا ومخالفته للأول.
وبالمفهوم فإن كلا من الهلاك والغضب صالح لتمنيه لشرفه وعزه في قومه فإن غضبه لهم يستلزم تمنيه قدرة لتحميهم "وقيل" معناه "هذا يوم يلزمك فيه حفظي وحمايتي" لقربك، للمصطفى، وحبه لك وإقباله عليك "من أن ينالني مكروه، وقال ابن إسحاق: زعم بعض أهل العلم: أن سعدا قال: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة" أي حرمة الكعبة "فسمعها رجل من المهاجرين" قال ابن هشام: هو عمر، قال الحافظ: وفيه بعد؛ لأن عمر كان معروفا بشدة البأس عليهم. انتهى.
وفي مغازي الواقدي والأموي أن عثمان وعبد الرحمن قالا ذلك جميعا، فالأولى أن يفسر المبهم بأحدهما أو بهما على إرادة الجنس، "فقال: يا رسول الله ما نأمن أن يكون لسعد في قريش صولة" بفتح المهملة وسكون الواو: حملة. فقال لعلي: "أدركه فخذ الراية منه فكن أنت تدخل بها".стр. 1493
وقد روى الأموي في المغازي: أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ لما حاذاه: أمرت بقتل قومك؟ قال: "لا". فذكر له ما قاله سعد بن عبادة ثم ناشده الله والرحم، فقال: "يا أبا سفيان! اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز الله تعالى قريشا". وأرسل إلى سعد فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه قيس.
وعند ابن عساكر من طريق أبي الزبير عن جابر قال: لما قال سعد بن عبادة ذلك عارضت امرأة رسول الله ﷺ فقالت:
يا نبي الهدى إليك لجا ... حي قريش ولات حين لجائي
حين ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهم إله السماء
الحواشي
(١) "وقد روى الأموي" يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي أبو أيوب الكوفي نزيل بغداد لقبه الجمل بجيم صدوق روى له الستة مات سنة أربع وتسعين ومائتين "في المغازي أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ لما حاذاه" وهو مار في جنود الله: "أمرت" بحذف همزة الاستفهام "بقتل قومك، قال: "لا". فذكر له ما قال سعد بن عبادة، ثم ناشده الله تعالى والرحم" نقل بالمعنى ولفظ مغازي الأموي: أنشدك الله في قومك فإنك أبر الناس وأرحمهم وأوصلهم "فقال: "يا أبا سفيان! اليوم يوم المرحمة" بالراء الرأفة والشفقة على الخلق "اليوم يع الله تعالى قريشا" بالإسلام والدين وإنقاذهم من الضلال المبين بهذا الرسول الرءوف الرحيم الذي من أنفسهم وأنفسهم فعزه عزهم وكم تحمل أذاهم ولم يدع عليهم، بل دعا لهم بالهدى وحجزهم من الوقوع في مهالك الردى "وأرسل إلى سعد فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه قيس" ورأى ﷺ أن اللواء لم يخرج عنه إذ صار إلى ابنه هذا بقية رواية الأموي.
"وعند ابن عساكر من طريق أبي الزبير" محمد بن مسلم المكي "عن جابر قال: لما قال سعد بن عبادة ذلك" القول "عارضت" تعرضت له، كأن وقفت في طريقه. "امرأة رسول الله ﷺ " وعند الواقدي، والأموي، أن هذا الشعر لضرار بن الخطاب الفهري، قال أبو الربيع وهو من أجود شعر قاله. قال الحافظ: فكأن ضرار أرسل به المرأة ليكون أبلغ في انعطافه ﷺ على قريش "فقال: يا نبي الهدى إليك لجا" بالهمز وتركه للوزن "حي قريش ولا حين" أي ليس الوقت وقت "لجاء" بإثبات الألف للضرورة وإلا فلجاء مهموز من بأبي نفع وتعب كما في المصباح، قال البرهان وأنشده في الاستيعاب في ترجمة ضرار، وأنت خير لجاء وفي ترجمة سعد كما هنا. انتهى.
فكأنهما روايتان "حين ضاقت" ظرف لجا "عليهم سعة الأرض" بفتح السين كناية عن شدة كربهم حتى كأن الأرض لم تسعهم "وعاداهم إله السماء" أي فعل معهم فعل المعادي،стр. 1494
إن سعدا يريد قاصمة الظهـ ... ـر بأهل الحجون والبطحاء
الحواشي
(١) فسلط عليهم من لا طاقة لهم به لكفرهم وبعد هذا في مغازي الأموي والواقدي:
والتقت حلقتا البطان عل القو ... م ونودوا بالصيلم الصلعاء
تثنية حلقة البطان بكسر الموحدة حزام يجعل تحت بطن البعير، يقال ذلك إذا اشتد الأمر.
الصيلم بفتح المهملة وسكون التحتية، وفتح اللام وميم الداهية الصلعاء بفتح المهملة، وسكون اللام فعين مهملة مد، كأنه عطفها على الصيلم وحذف حرف العطف للنظم وهو جائز في غيره أيضا كما في النور:
"إن سعدا يريد قاصمة الظهـ ... ـر بأهل الحجون والبطحاء"
قاصمة الظهر، كأسرته، يعني أنه يريد الخصلة لمانعة لهم من كل الأمور حتى كأنها كسرت ظهورهم بحيث صار وإلا حركة لهم وبقية ضرار، كما في رواية الأموي والواقدي:
خزرجي لو يستطيع من ... الغيظ رمانا بالنسر والعوا
وغر الصدر لا يهم بشيء ... غير سفك الدما وسبي النساء
قد تلظى على البطاح وجاءت ... عنه هند بالسوأة السوآء
إذ ينادي بذل حي قريش ... وأين حرب بذا من الشهداء
فلئن أقحم اللواء ونادى ... يا حماة الأدبار أهل اللواء
ثم ثابت إليه من بهم الخز ... رج والأوس انجم الهيجاء
لتكونن بالبطاح قريش ... فقعة القاع في أكف الإماء
أنهينه فإنه أسد الأسد ... لدى الغاب والغ في الدماء
إنه مطرق يريد لنا الأمر ... سكوتا كالحية الصماء
النسر بفتح النون نجم. والعواء بفتح العين المهملة، وشد الواو، والمد وقصره لغة، وهي خمسة أنجم، قال القالي: من مدها فهي، فعال من عويت الشيء إذ لويت طرفه.
وقال السهيلي الأصح أن العواء من العوة وهي الدبر، كأنها سميت بذلك لأنها دبر الأسد من البروج والوغر بفتح الواو وكسر المعجمة وبالراء، اسم فاعل، والوغرة شدة توقد الحريهم بفتح فضم تلظى تلهب هند بنت عتبة بالسوأة السوآء بالخلة القبيحة. أقحم اللواء أرسله في عجلة. الأدبار جمع دبر والمراد الظهر ثابت بمثلثة فألف فموحدة بفوقية رجعت بهم بضم الموحدة، وفتح الهاء جمع بهمة بالضم الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدة بأسه.
ويقال: أيضا للجيش بهم، قال أبو عبيدة الهيجاء، بالمد وفيها القصر، إيضاء الحرب. الفقعةстр. 1495
فلما سمع هذا الشعر دخلته رأفة لهم ورحمة. فأمر بالراية فأخذت من سعد ودفعت إلى ابنه قيس.
وعند أبي يعلى من حديث الزبير أن النبي ﷺ دفعها إليه فدخل مكة بلواءين، وإسناد ضعيف جدا. لكن جزم موسى بن عقبة في المغازي عن الزهري أنه دفعها إلى الزبير بن العوام.
فهذه ثلاثة أقوال فيمن دفعت إليه الراية التي نزعت من سعد.
والذي يظهر في الجمع أن عليا أرسل لينزعها ويدخل بها، ثم خشي تغير خاطر سعد فأمر بدفعها إلى ابنه قيس، ثم إن سعدا خشي أن يقع من ابنه شيء ينكره النبي ﷺ فسلم النبي ﷺ أن يأخذها منه فحينئذ أخذها الزبير.
قال في رواية البخاري: ثم جاءت كتيبة فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه،
الحواشي
(١) بكسر الفاء، فقاف فعين مفتوحة جمع فقع بكسر، الفاء وفتحها، وسكون القاف، ضرب من الكمالة، وهي البيضاء الرخوة، يشبه به الرجل الذليل لأن الدواب تنحله بأرجلها. القاع المكان المستوي الواسع الأسد بضم فسكون. الغاب أجم الأسد والغ بغين معجمة، "فلما سمع هذا الشعر دخلته رأفة ورحمة فأمر بالراية فأخذت من سعد ودفعت إلى ابنه قيس" وعند الواقدي، فأبى أن يسلمها إلا بإنارة منه ﷺ فأرسل إليه بعمامته.
"وعند أبي يعلى من حديث الزبير" بن العوام "أن النبي ﷺ دفعها إليه فدخل" الزبير "مكة بلواءين" لواء المهاجرين الذي كان معه أولا وهذا "وإسناده ضعيف جدا لكن حزم موسى بن عقبة في المعازي، عن الزهري، أنه دفعها إلى الزبير بن العوام" فاعتضد به وإن كان مرسلا ضعف حديث الزبير المسند، "فهذه ثلاثة أقوال فيمن دفعت إليه الراية التي نزعت من سعد، والذي يظهر في الجمع", كما قال الحافظ، "أن عليا أرسل لينزعها ويدخل بها ثم خشي، تغير خاطر في الجمع" كما قال الحافظ: "أن عليا أرسل لينزعها ويدخل بها ثم خشي، تغير خاطر سعد فأمر بدفعها إلى ابنه قيس, ثم إن سعدا خشى أن يقع من ابنه شيء ينكره النبي ﷺ فسأل النبي ﷺ أن يأخذها منه فحينئذ أخذها الزبير".
ويؤيد ذلك ما رواه البزار، بسند على شرط البخاري عن أنس قال: كان قيس في مقدمة النبي ﷺ لما قدم مكة فكلم سعد النبي ﷺ أن يصرفه عن الموضع الذي هو فيه مخافة أن يقدم على شيء فصرفه عن ذلك انتهى. ملام فتح الباري بجميع ما ساقه المصنف.
"قال في رواية البخاري" المذكورة من مرسل عروة تلو قوله حبذا يوم الذمار، "ثم جاءت كتيبة" خضراء يقال فيها ألف دارع، "فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه" المهاجرون والأنصارстр. 1496
وراية النبي ﷺ مع الزبير، فلما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: "ما قال"؟ قال: قال كذا وكذا. فقال: "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة. قال: وأمر رسول الله ﷺ أن تركز رايته بالحجون".
الحواشي
(١) وفيها الرايات والألوية مع كل بطن من بطون الأنصار لواء وراية وهم في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، ولعمر فيها زجل بصوت عال وهو يقول رويدا يلحق أولكم آخركم كذا عند الواقدي.
وأسقط المصنف من البخاري قبل قوله فيهم ما لفظه وهي أقل الكتائب قال الحافظ: أي أقلها عددا، قال عياض، وقع للجميع بالقاف ووقع في الجمع للحميدي، أجل بالجيم، وهي أظهر، ولا يبعد، صحة الأولى؛ لأن عدد المهاجرين كان أقل من عدد غيرهم، من القبائل. انتهى.
وقال البدر في مصابيحه كل منهما ظاهر لا خفاء فيه، ولا ريب أن المراد قلة العدد، لا الاحتقار هذا ما لا يظن بمسلم اعتقاده ولا توهمه، فهو وجه لا محيد عنه ولا ضير فيه بهذا الاعتبار، والتصريح بأن النبي ﷺ فيها قاض بجلالة قدرها وعظم شأنها ورجحانها على كل شيء سواها، ولو كان ملء الأرض، بل وأضعاف ذلك فما هذا الذي يشم من نفس القاضي، في هذا المحل، قد تجر أعلى، القاضي، بما لم يحط بعلمه وفهم منه غير مراده، فإن الكتيبة النبوية موصوفة في السير بالكثرة، وأن فيها ألفي دارع فضلا ن غيرهم وليس في الكتائب ما وصل إلى هذا العدد، ولذا احتاج الحافظ لتأويل قلتها باعتبار المهاجرين الذين كانوا فيها لا مطلقا، وقد قال عروة في كتيبة الأنصار: لم ير مثلها وهي من جملة كتيبة النبي ﷺ على أن القاضي قال: أظهر فأفاد أن رواية أقل ظاهرة، فلم هذا التشدق عليه من ذا النحوي الغافل عن أفعل التفضيل "وراية النبي ﷺ مع الزبير" بن العوام "فلما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان، قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة" لم يكتف، بما دار بينه وبين العباس حتى شكا للنبي ﷺ , قال: "ما قال" سعد؟ "قال" أبو سفيان: "قال: كذا، وكذا" أي: اليوم يوم الملحمة، "فقال" ﵇: "كذب سعد".
قال الحافظ: فيه إطلاق الكذب على الأخبار بغير ما سيقع لو بناه قائله على لبة ظنه وقوة القرينة "ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة" بإظهار الإسلام، وأذان بلال على ظهرها وإزالة ما كان فيه من الأصنام، ومحو ما فيها من الصور وغير ذلك، "ويوم تكسى فيه الكعبة" قيل: إن قريشا كانت تكسوها في رمضان فصادف ذلك اليوم أو المراد باليوم الزمان كما قال يوم الفتح، فأشار ﷺ إلى أنه هو الذي يكسوها في ذلك العام، ووقع. ذلك "قال" عروة: "وأمرстр. 1497
قال: وقال عروة: أخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: يا أبا عبد الله، ههنا أمرك رسول الله ﷺ أن تركز الراية؟ قال: نعم.
قال وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء -بالفتح والمد- ودخل النبي ﷺ من كدى -بالضم والقصر- فقتل من خيل خالد يومئذ رجلان: حبيش بن الأشعر وكرز بن جابر الفهري.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ أن تركز" بضم أوله وفتح الكاف مبني للمفعول "رايته بالحجون" بفتح المهملة وضم الجيم الخفيفة، مكان معروف بالقرب من مقبرة مكة "قال: وقال عروة" بن الزبير، راوي الحديث المذكور: "وأخبرني" بالإفراد "نافع بن جبير بن مطعم" القرشي النوفلي أبو محمد وأبو عبد الله المدني الثقة الفاضل روى له الستة مات سنة تسع وتسعين.
"قال سمعت العباس يقول: الزبير بن العوام" قال الحافظ: أي في حجة اجتمعوا فيها في خلافة عمر أو عثمان لا أن نافعا حضر المقالة، كما يوهمه السياق، فإنه لا صحبة له أو التقدير سمعت العباس يقول: قلت للزبير فحذف قلت: "يا أبا عبد الله ههنا أمرك رسول الله ﷺ أن تركز" بفتح التاء وضم الكاف "الراية قال: نعم، قال" عروة: وهو ظاهر الإرسال في الجميع إلا ما صرح بسماعه من نافع وأما باقيه فيحتمل أن عروة تلقاه عن أبيه أو عن العباس، فإنه أدركه وهو صغير أو جمعه من نقل جماعة له بأسانيد مختلفة وهو الراجح.
ذكره الحافظ "وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل" مكة "من أعلى مكة، من كداء".
قال المصنف "بالفتح والمد ودخل النبي ﷺ من كدى" أي "بالضم والقصر فقتل من خيل خالد يومئذ رجلان حبيش" بمهملة ثم موحدة، ثم تحتية، ثم معجمة كما رواه الأكثر ع ابن إسحاق.
وروى عنه إبراهيم بن سعد وسلمة بن الفضل أنه بمعجمة ونون، ثم مهملة والصواب الأول كما في الإصابة مصغر على الضبطين "ابن الأشعر" بشين معجمة، وعين مهملة وهو لقب واسمه خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة الخزاعي أخو أم معبد التي مر بها ﷺ مهاجرا.
وروى أحمد، عن حزام بن هشام ابن حبيش قال: شهد جدي الفتح مع رسول الله ﷺ "وكرز" بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي، "ابن جابر" بن حسل بمهملتين بكسر ثم سكون ابن الأحب بمهملة مفتوحة وموحدة، مشددة ابن حبيب "الفهري" وكان من رؤساء المشركين، وهو الذي أغار على سرح النبي ﷺ في غزة بدر الأولى، ثم أسلم قديما، وبعثه ﷺ في طلبстр. 1498
قال الحافظ ابن حجر: وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة في البخاري أن خالدا دخل من أسفل مكة والنبي ﷺ من أعلاها.
يعني حديث ابن عمر: أنه ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفا أسامة بن زيد، وحديث عائشة أن النبي ﷺ دخل يوم الفتح من كداء التي بأعلى مكة وغيرهما.
الحواشي
(١) العرنيين ووقع عند الواقدي أنهما من خيل الزبير بن العوام وكأنه وهم، ولذا لم يعرج عليه صاحب الفتح، لأن عروة لم ينفرد به، بل وافقه عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عند ابن إسحاق فقالا: إنهما من خيل خالد شذا فسلكا طريقا غير طريقه فقتلا جميعا حبيش أولا فجعله كرز بين رجليه ثم قاتل عنه حتى قتل "قال الحافظ ابن حجر وهذا" أي مرسل عروة "مخالف للأحاديث الصحيحة" المسندة "في البخاري أن خالدا دخل من أسفل مكة" الذي هو كدى بالقصر "والنبي ﷺ " دخل "من أعلاها" الذي هو بالمد وبه جزم ابن إسحاق، وموسى بن عقبة وغيرهما فلا شك في رجحانه على المرسل لكونه موصولا وإخبارا من صحابي شاهد القصة واعتضد بموافقة أصحاب المغازي الذين هم أهل الخبرة بذلك، فيجب تقديمه على مرسل عروة، ويحتمل الجمع بتأويل قول عروة دخل هم بالدخول من السفلى وأمر خالدا بالدخول من العليا، ثم بدا له خلاف ذلك لما ظهر له أن بالسفلى مقاتلين ليبعد عن محل القتال، ما أمكن رعاية للرحم ناشدوه بها وحرمة الحرم فدخل هو من العليا، وخالد من السفلى، والله أعلم.
"يعني" الحافظ بالأحاديث الصحيحة "حديث ابن عم" الذي رواه البخاري، في مواضع منها هنا وترجم عليه في باب دخول النبي ﷺ من أعلى مكة "أنه ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته" حال كونه، "مردفا أسامة بن زيد" وفي هذا مزيد تواضعه وكريم أخلاقه حيث أردف في هذا الموكب العظيم خادمه وابن خادمه ﵄، والمتكبر يعد إرداف ابنه إذا ركب في السوق عارا عليه ما ذاك إلا تكبر برأ ﷺ منه ونزه من خلقه على خلق عظيم. "وحديث عائشة" المروي عنده من رواية عروة نفسه أن عائشة أخبرته "أن النبي ﷺ دخل يوم الفتح من كداء التي بأعلى مكة" فما وصله عروة نفسه مقدم على ما أرسله قال في الروض: وبكداء وقف إبراهيم حين دعا لذريته، فقال: واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، كما روي عن ابن عباس فمن ثم، استحب ﷺ الدخول منها لأنها المواضع الذي دعا فيه إبراهيم. انتهى.
وعند البيهقي بإسناد حسن عن ابن عمر، قال: لما دخل ﷺ عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم إلى أبي بكر، وقال: " يا أبا بكر! كيف قال حسان"؟ فأنشده قوله:стр. 1499
وغيرها قال: وقد ساق ذلك موسى بن عقبة سياقا واضحا فقال:
وبعث رسول الله ﷺ الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كداء بأعلى مكة، وأمره أن يركز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه.
وبعث خالد بن الوليد في قبائل قضاعة وسليم وغيرهم وأمره أن يدخل من أسفل مكة وأن يغرز رايته عنه أدنى البيوت.
وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله ﷺ وأمرهم أن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتهلم.
الحواشي
(١) عدمت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأعنة مسرحات ... يلطمهن بالخمر النساء
فقال ﷺ : "أدخلوها من حيث قال حسان"، "و" يعني حديث "غيرها" كالعباس، فقد روى الطبراني، عن العباس لما بعث ﷺ قلت لأبي سفيان بن حرب: أسلم بنا قال: لا والله حتى أرى الخيل تطلع من كداء، قال العباس: قلت: ما هذا قال: شيء طلع بقلبي، لأن الله لا يطلع هناك خيلا أبدا، قال العباس فلما طلع ﷺ من هناك ذكرت أبا سفيان به، فذكره.
"قال" الحافظ ابن حجر "وقد ساق ذلك" أي دخول خالد والزبير "موسى بن عقبة سياقا واضحا" موافقا للأحاديث الصحيحة، "فقال: وبعث رسول الله ﷺ الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كداء" بالفتح والمد "بأعلى مكة وأمره أن يركز" بفتح الياء وضم الكاف "رايته بالحجون" وأن يمكث عند الراية "ولا يبرح حتى يأتيه، وبعث خالد بن الوليد في قبائل" أبدل منها "قضاعة وسليم" بالتصغير "وغيرهم" جمع باعتبار أفراد القبائل فلم يقل وغيرهما كأسلم وغفار ومزينة وجهينة، "وأمره أن يدخل من أسفل مكة وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت" أقربها إلى الثنية التي دخل منها، وهو أول بيوت مكة من الجهة التي دخل منها.
روى أصحاب السنن الأربعة عن جابر كان لواء رسول الله ﷺ يوم دخل مكة أبيض.
وروى ابن إسحاق عن عائشة: كان لواء رسول الله ﷺ يوم الفتح أبيض، ورايته سوداء تسمى العقاب، وكانت قطعة مرط مرجل "وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار" ومعه الراية، حتى نزعت منه لابنه أو غيره، واستمر هو بلا راية "في مقدمة رسول الله ﷺ وأمرهم أن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم".
وروى ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر أن أصحاب خالد لقوا ناسا من قريش منهم صفوان وعكرمة وسهيل تجمعوا بالخندمة بخاء معجمة ونون مكانстр. 1500
واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة، وقد تجمع بها بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناف، وناس من هذيل ومن الأحابيش الذين استنصرت بهم قريش، فقاتلوا خالدا فانهزموا، وقتل من بني بكر نحو من عشرين رجلا، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، حتى انتهى بهم القتل إلى الحزورة حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال.
الحواشي
(١) أسفل مكة ليقاتلوا المسلمين، فناوشوهم شيئا من القتال، فقتل من خيل خالد مسلمة بن الميلاء الجهني، قتل من المشركين اثنا عشر أو ثلاثة عشر، ثم انهزموا وفي ذلك يقول جماش بن قيس بجيم مكسورة وميم مخففة ومعجمة يخاطب امرأته حين لامته على الفرار، وقد كان يصلح سلاحه ويعدها أن يخدمها بعض المسلمين:
إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه
وأبو يزيد قائم كالموتمه ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمه
يقطعن كل ساعد وجمجمه ... ضربا فلا تسمع إلا غمغمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
قال ابن هشام: ويروى هذا الشعر للمرعاش الهذلي وكان شاعر المهاجرين يوم الفتح وحنين، والطائف يا بني عبد الرحمن وشاعر الخزرج يا بني عبد الله والأوس يا بني عبيد الله "واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة وقد تجمع بها بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناف وناس من هذيل ومن الأحابيش الذين استنصرت بهم قريش" وظاهر كلام ابن عقبة هذا أن بني بكر اجتمعوا كلهم.
وعند لواقدي، ناس من بني بكر فيحتمل كثرة بني بكر فأطلق عليهم اسم القبيلة وقلة هذيل بالنسبة لهم فعبر عنهم بناس "فقاتلوا خالدا".
وعند الواقدي، فمنعوه الدخول، وشهروا له بالسلاح، ورموه بالنبل وقالوا: لا تدخلها عنوة فصاح خالد في أصحابه "فقاتلهم فانهزموا" أقبح الانهزام، "وقتل من بني بكر نحوا من عشرين رجلا ومن هذيل ثلاثة أو أربعة" وعند ابن سعد، وشيخه الواقدي، فقتل أربعة وعشرين رجلا من قريش وأربعة من هذيل، ويحتمل الجمع بأنه من مجاز الحذف أي، من حزب قريش لأن بني بكر دخلوا في عقدهم عام الهدنة ونحو العشرين شامل للأربعة والعشرين، فيفسر بها وأما رواية، ابن إسحاق، اثنا عشر وثلاثة عشر، فالأقل لا ينفي الأكثر بل هو داخل فيه "حتى انتهى بهم القتل إلى الحزورة" بفتح المهملة والواو بينهما زاي ساكنة، ثم راء، وهاء تأنيث كانت سوقا بمكة ثم أدخلت في المسجد "حتى دخلوا الدور وارتفعت طائفة منهم على الجبال" هربا وتبعهمстр. 1501
وصاح أبو سفيان: من أغلق بابه وكف يده فهو آمن.
قال: ونظر رسول الله ﷺ إلى البارقة فقال: "ما هذه؟ وقد نهيت عن القتال". فقالوا: نظن أن خالدا قوتل وبدئ بالقتال فلم يكن له بد من أن يقاتلهم.
قال: وقال رسول الله ﷺ -بعد أن اطمأن- لخالد بن الوليد: "لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال"؟. فقال: هم بدؤنا بالقتال، وقد كففت يدي ما استطعت. قال: "قضاء الله خير".
الحواشي
(١) المسلمون "وصاح أبو سفيان، من أغلق بابه وكف يده" عن القتال، "فهو آمن".
وعند الواقدي، وصاح حكيم، وأبو سفيان، يا معشر قريش، علام تقتلون أنفسكم من دخل داره فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، فجعلوا يقتحمون الدور، ويغلقون أبوابها، ويطرحون السلاح في الطرق فيأخذه المسلمون "قال: ونظر رسول الله ﷺ إلى البارقة" اللامعة صفة لمحذوف أي السيوف بثنية قرب مكة، يقال لها: أذاخر بفتح الهمزة، وذال معجمة فألف فمعجمة مكسورة، فراء وفي السبل البارقة لمعان السيوف وفيه أن اللمعان مصدر فلا يفسر به اسم الفاعل إلا نحو العافية والعاقبة ولا أحفظ الآن أن البارقة منها. شيخنا فقال: "ما هذه"؟ البارقة "وقد نهيت عن القتال"، "فقالوا: نظن أن خالدا قوتل وبدئ بالقتال، فلم يكن له بد من أن يقاتلهم".
"قال" ابن عقبة: "وقال رسول الله ﷺ بعد أن اطمأن لخالد بن الوليد: "لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال"؟، فقال: هم بدؤنا بالقتال، وقد كففت يدي ما استطعت. فقال ﷺ : "قضاء الله خير". زاد في الفتح.
وروى الطبراني عن ابن عباس قال: خطب ﷺ ، فقال: "إن الله حرم مكة" ... الحديث. فقيل له هذا خالد بن الوليد يقتل، فقال: "قم يا فلان فقل له فليرفع يديه من القتل". فأتاه الرجل، فقال له: إن نبي الله يقول لك اقتل من قدرت عليه فقتل سبعين فأتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فأرسل إلى خالد: "ألم أنهك عن القتل". فقال: جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه, فأرسل إليه: "آمرك أن تنذر خالدا"، قال: أردت أمرا فأراد الله أمرا، فكان أمر الله فوق أمرك وما استطعت إلا الذي كان، فسكت ﷺ وما رد عليه. انتهى.
قيل: وهذا الرجل أنصاري فيحتمل أنه تأول، ويحتمل أنه سبق إلى سمعه ما أمر به خالدا، كما قد يرشد إلى كل من الاحتمالين قوله وأراد الله أمر ... إلخ.
ثم في قوله فقل سبعين مباينة زائدة لما قبله بكثير إذ غاية الأول ثمانية وعشرون لكنстр. 1502
وعند ابن إسحاق: فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران، رقت نفس العباس لأهل مكة، فخرج ليلا راكبا بغلة رسول الله ﷺ لكي يجد أحدًا فيعلم أهل مكة بمجيء النبي ﷺ ليستأمنوه، فسمع صوت أبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء فأردف أبا سفيان خلفه وأتى به إلى النبي ﷺ فأسلم وانصرف الآخران ليعلما أهل مكة.
الحواشي
(١) زيادة الثقات، مقبولة والأقل داخل فيها.
"وعند ابن إسحاق" بمعناه وأخرجه ابن راهويه بسند صحيح من حديث ابن عباس بلفظ "فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران رقت نفس العباس لأهل مكة", فقال: واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله ﷺ عنوة قبل، أن يأتوه فيستأمنوه أنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، "فخرج ليلا راكبا بغلة رسول الله ﷺ "الشهباء، كما في رواية ابن راهويه وهو بمعنى رواية ابن إسحاق البيضاء "لكي يجد أحدًا فيعلم أهل مكة بمجيء النبي ﷺ ليستأمنوه", ولفظ ابن إسحاق عقب قوله إلى آخر الدهر، فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك فقتل لعلي أجد بعض الخطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، "فسمع صوت أبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء فأردف أبا سفيان خلقه وأتي بي إلى النبي ﷺ فأسلم" نقل بالمعنى أيضا ولفظ ابن إسحاق قال: فوالله إني لأسير ليها ألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل وهما يتراجعان فذكر مراجعتهما في النيران لمن هي؟ قال: فعرفت صوته فقتل: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل، قلت: نعم. قال مالك: فداك أبي وأمي. قلت: ويحكم هذا رسول الله في الناس واصباح قريش والله قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي، قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة فركب خلفي "وانصرف الآخران ليعلم أهل مكة " كذا في رواية ابن إسحاق بلا سند وابن راهويه، والواقدي، عن ابن عباس أنهما رجعا وعند ابن عقبة، وابن عائذ، والواقدي في موضع آخر أنهما لم يرجعا. وأن العباس قدم بهم عليه ﷺ فأسلم بديل وحكيم.
قال الحافظ: فيحمل قوله ورجع صاحباه أي، بعد أن أسلما، واستمر أبو سفيان عند العباس لأمره ﷺ بحبسه حتى يرى العساكر ويحتلم أنهما رجعا لما التقى العباس بأبي سفيان فأخذهما العسكر أيضا.
وفي مغازي ابن عقبة، ما يؤيد ذلك ففيه فلقيهم العباس فأجارهم وأدخلهم عليه ﷺ فأسلم بديل وحكيم، وتأخر أبو سفيان بإسلامه حتى أصبح. انتهى.стр. 1503
ويمكن الجمع: بأن الحرس لما أخذوه استنقذه العباس.
وروي أن عمر ﵁ لما رأى أبا سفيان رديف العباس دخل على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! هذا أبو سفيان، دعني أضرب عنقه، فقال العباس: يا رسول الله! إني قد أجرته. فقال رسول الله ﷺ : "اذهب يا عباس به إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به".
الحواشي
(١) "ويمكن الجمع" كما قال في الفتح بين هذا وبين ما مر عن البخاري من مرسل عروة أن الحرس أخذوا الثلاثة فأتوا بهم رسول الله ﷺ ونحوه في مرسل أبي سلمة عند ابن أبي شيبة "بأن الحرس لما أخذوه" أي أبا سفيان" استنقذه العباس" وأردفه خلفه وأتى به المصطفى، ويؤيده ما رأيته عن ابن عقبة قريبا، وقد روى ابن أبي شيبة عن عكرمة أن أبا سفيان لما أخذه الحرس، قال دلوني على العباس فأتى العباس وأخبره الخبر وذهب به إلى رسول الله ﷺ فكان العباس سمع صوت أبي سفيان وهو مع الحرس فأجاره مع صاحبيه وأتى بهم المصطفى، فمن نسب إليه أنه أتى بهم فلإجارته لهم وتخليصه إياهم من الحرس، واستئذانه لهم في الدخول على المصطفى، ومن نسبه للحرس فلكنهم السبب فيه إذ وقفوا به حتى أدركه العباس واستنقذ منهم غير أنه يعكر على ذا الجمع قول عمر احبسوا أبا سفيان فحبسوه حتى أصبح فغدا به على رسول الله ﷺ كما مر من مرسل أبي سلمة، وقد لا يعكر بحمله على ضرب من المجاز أي كان مرادهم ذلك حتى أجازه العباس وأخذه وذهب به وبالجملة فحقيقة الجمع بين هذا التباين لم تنقدح.
"وروي" عن ابن إسحاق وغيره "أن عمر ﵁ لما رأى سفيان رديف العباس" قال: عدو الله الحمد له الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ , قال العباس: وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله ﷺ ، "ودخل" عمر "على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان دعني أضرب عنقه، فقال العباس: يا رسول الله إني قد أجرته", ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فقلت: لا يناجيه الليلة دوني رجل, فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلا يا عمر فوالله لو كان من رجال بني عدي ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم, فقال رسول الله ﷺ : "اذهب يا عباس به إلى رحلك فإذا أصبحت فائتني به". كذا في رواية ابن إسحاق وغيره.стр. 1504
فذهب فلما أصبح غدا به على رسول الله ﷺ فلما رآه ﷺ قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله"؟. فقال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لما أغنى عني شيئا. ثم قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله"؟.
الحواشي
(١) وذكر ابن عقبة وغيره قال العباس: فقلت: يا رسول الله أبو سفيان وحكيم وبديل قد أجرتهم وهم يدخلون عليك، قال: أدخلهم فدخلوا عليه، فمكثوا عنده عامة الليل يستخبرهم، فدعاهم إلى الإسلام، فشهدوا أن لا إله إلا الله. فقال: "واشهدوا أني رسول الله". فشهد بديل وحكيم، وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك والله إن في النفس من هذا شيئا بعد فأرجئها.
وفي رواية ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة قال ﵊: "يا أبا سفيان أسلم، تسلم". قال: كيف أصنع باللات والعزى؟ فسمعه عمر وهو خارج القبة، فقال: اخرأ عليهما أما والله لو كنت خارج القبة ما قلتها, وفي رواية عبد بن حميد، فقال: يا أبا سفيان، ويحكم يا عمر إنك رجل فاحش دعني مع ابن عمي، فإياه أكلم، فقال ﷺ : "اذهب به يا عباس"، "فذهب فلما أصبح غدا" أي أتى "به" أول النهار قبل الشمس كما أفاده تعبيره بغدا "على رسول الله ﷺ ".
وروى عبد بن حميد وغيره أنه لما أصبح رأى الناس بادروا إلى الوضوء، فقال: ما للناس أأمروا فيَّ بشيء قال: لا ولكنهم قاموا إلى الصلاة فأمره العباس فتوضأ وانطلق به، فلما كبر ﷺ كبر الناس، ثم ركع فركعوا، ثم رفع فرفعوا، ثم سجد فسجدوا، فقال: ما رأيت كاليوم طاعة قوم جمعهم من ههنا، وههنا ولا فارس الأكارم ولا الروم ذات القرون بأطوع منهم لا يا أبا الفضل أصبح ابن أخيك والله عظيم الملك، فقال العباس: إنه ليس بملك ولكنها النبوة فقال: أو ذاك "فلما رآه ﷺ قال" بعد فراغه من الصلاة: "ويحك يا أبا سفيان! توقع نفسك في الهلاك مع مزيد عقلك؟ فإنك لو نظرت بعين البصيرة لبادرت إلى الإسلام".
وفي هذا التعبير مزيد رفق في الدعاء للإسلام "ألم يأن" يحن "لك أن تعلم أن لا إله إلا الله". "فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك" حيث خاطبتني بهذا الخطاب اللين العذب وأغضيت، وضرب صفحا عما جرى مني في عداوتك ومحاربتك. "لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لما أغنى" ما زائدة ولفظ ابن إسحاق لقد أغنى "عني شيئا" بعد, زاد في رواية الواقدي: لقد استنصرت إلهي واستنصرت إلهك فوالله ما لقيتك من مرة إلا نصرت عليّ، فلو كان إلهي محقا وإلهك مبطلا لقد غلبتك، ثم قال: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله". ولم يختصر ويقل له أن تسلم لأنه ليلا شهد أن لا إله إلا الله وتوقف فيстр. 1505
فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه ففي النفس منها شيء.
فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن تضرب عنقك. فأسلم وشهد شهادة الحق. فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا، قال: "نعم".
الحواشي
(١) الشهادة له، "فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه ففي النفس منها شيء" لفظ ابن إسحاق: والله إن في النفس منها شيئا حتى الآن، "فقال له العباس:" خوفا عليه لئلا يبادر أحد بقتله فإنه ليس وقت مجادلة في الكلام لا سيما مع شدة حنق المسلمين عليه "ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة الحق" ﵁، وعند بن عقبة والواقدي، قال أبو سفيان، وحكيم: يا رسول الله جئت بأوباش الناس من يعرف ومن لا يعرف إلى أهلك وعشيرتك فقال ﷺ : "أنتم أظلم وأفجر، فقد غدرتم بعد الحديبية وظاهرتم على بني كعب بالإثم والعدوان في حرم الله وأمنه". فقالا: صدقت يا رسول الله، ثم قالا: لو كنت جعلت جدك ومكيدتك لهوازن فهم أبعد رحما وأشد عداوة لك، فقال ﷺ : "إني لأرجو من ربي أن يجمع لي ذلك كله فتح مكة وإعزاز الإسلام بها وهزيمة هوازن وغنيمة أموالهم وذراريهم فإني أرغب إلى الله تعالى في ذلك". انتهى.
ثم أراد العباس تثبيت إسلام أبي سفيان لئلا يدخل عليه الشيطان أنه كان متبوعا فأصبح تابعا ليس له من الأمر شيء "فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا" قال: "نعم" وعند ابن أبي شيبة، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب السماع يعني الشرف، فقال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، فقال: وما تسع داري؟ زاد ابن عقبة: "ومن دخل دار حكيم فهو آمن". وهي من أسفل مكة ودار أبي سفيان بأعلاها, "ومن دخل المسجد فهو آمن". قال: وما يسع المسجد؟ قال: " ومن أغلق بابه فهو آمن".
قال أبو سفيان: هذه واسعة، ثم لما أراد الانصراف أمر بحبسه حتى مرت عليه جنود الله، كما مر، ثم قال له العباس النجاء إلى قومك حتى إذ جاءهم صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به.
زاد الواقدي: أسلموا تسلموا من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، فقامت إليه هند زوجته فأخذت بشاربه وقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم. فقال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فقد جاءكم بما لا قبل لكم به، فتفرقوا إلى دوركم وإلى المسجدстр. 1506
وأمر رسول الله ﷺ فنادى مناديه: من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن إلا المستثنين.
وهم كما قال مغلطاي وغيره:
عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
الحواشي
(١) كما أورده ابن إسحاق وغيره مفصلا فلخصه المصنف بقوله: "وأمر رسول الله فنادى مناديه" هو أبو سفيان كما علم: "من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن, ومن أغلق عليه بابه فهو آمن", فليس المراد أنه أمر المنادي بذلك حين سأله العباس والصديق كما قد يوهمه السياق، والحميت بفتح المهملة وكسر الميم وسكون التحتية وبالفوقية، قال: في الروض الزق نسبته إلى الضخم والسمن والدسم، بدال فسين مكسورة مهملتين الكثير الودك، والأحمس بحاء وسين مهملتين، قال في الروض: أي الذي لا خير عنده من قولهم عام أحمس إذا لم يكن فيه مطر. انتهى.
وفي النهاية الدسم الأحمس أي الأسود الدنيء، وفي حديث عبد بن حميد، أنها قالت: يا آل غالب اقتلوا الأحمس فقال لها أبو سفيان: والله لتسلمن أو لأضربن عنقك "إلا المستثنين" بوزن المصطفين فاصله متثنيين بياءين تحركت الأولى وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، "وهم كما قاله مغلطاي وغيره" كالحافظ قال في الفتح: قد جمعت أسماءهم من متفرقات الأخبار "عبد الله بن سعد بن أبي سرح" بفتح السين وسكون الراء، وبالحاء المهملات. ابن الحارث القرشي العامري، أول من كتب بمكة له ﷺ روى أبو داود، والحاكم عن ابن عباس، قال: كان عبد الله بن سعد يكتب للنبي ﷺ فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر ﷺ بقتله يعني يوم الفتح فاستجار له عثمان فأجاره أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ، إنها أنزلت فيها، كان يكتب للنبي فيملي عليه عزيز حكيم فيكتب غفور رحيم، ثم يقرأ عليه فيقول نعم سواء فرجع عن الإسلام ولحق بقريش.
ورواه عن السدي بزيادة، وقال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إليّ وإن كان الله ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله قال محمد: سميعا عليما فقلت أنا: عليما حكيما.
وروى الحاكم عن سعد بن أبي وقاص أنه اختبأ عند عثمان فجاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ وهو يبايع الناس، فقال: يا رسول الله بايع عبد الله فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن مبايعته فيقتله"؟، فقال رجل: هلا أومأت إليّ، فقال: "إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين"، وأفاد سبطстр. 1507
أسلم.
وابن خطل قتله أبو برزة, وقينتاه وهما: فرتنى بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والتاء المثناة الفوقية والنون. وقريبة بالقاف والراء والموحدة مصغرا, أسلمت إحداهما وقتلت الأخرى. وذكر غير ابن إسحاق أن التي أسلمت فرتنى وأن قريبة قتلت.
وسارة مولاة لبني المطلب.
الحواشي
(١) ابن الجوزي في مرآة الزمان أن الرجل عباد بن بشر الأنصاري وقيل: عمر. انتهى.
ثم أدركته العناية الأزلية وأتته السعادة الأبدية حتى "أسلم" وحسن إسلامه وعرف فضله وجهاده، وكان على ميمنة عمرو بن العاصي في فتح مصر، وكان له المواقف المحمودة في الفتوح، وهو الذي افتتح إفريقية زمن عثمان سنة ثمان أو سبع وعشرين وكان من أعظم الفتوح، بلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، وغزا الأساود من النوبة سنة إحدى وثلاثين وهادن باقي النوبة الهدنة الباقية بعد وغزا ذات الصواري سنة أربع وثلاثين وولاه عمر صعيد مصر ثم ضم إليه عثمان مصر كلها، وكان محمودا في ولايته واعتزل الفتنة حتى مات سنة سبع أو تسع وخمسين.
روى البغوي بإسناد صحيح عن يزيد بن أبي حبيب، قال: لما كان عند الصبح، قال ابن أبي سرح: اللهم اجعل آخر عملي الصبح فتوضأ، ثم صلى فسلم عن يمينه، ثم ذهب يسلم عن يساره، فقبض الله روحه ﵁.
"وابن خطل" بفتح المعجمة والمهملة كما يأتي قريبا, ثم بعد قليل يأتي الخلاف في اسمه وقاتله، وأن الأرجح أنه "قتله أبو برزة" بفتح الموحدة وسكون الراء وفتح الزاي، آخره هاء، اسمه نضلة بن عبيد على الأصح بنون مفتوحة ومعجمة ساكنة. الأسلمي أسلم قبل الفتح وغزا سبع غزوات ثم نزل البصرة وغزا خراسان وبها مات سنة خمس وستين على الصحيح "وقينتاه" بفتح القاف وسكون التحتية فنون ففوقية تثنية قينة الأمة غنت أم لم تغن كثيرا ما يطلق على المغنية، وقد كانتا تغنيانه بهجوه ﷺ ، "وهما فرتنى بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والتاء المثناة الفوقية" وتليها "النون" والقصر "وقريبة بالقاف والراء والموحدة، مصغرا" وضبطه الصغاني بفت القاف وكسر الراء، وأيده البرهان بقول الذهبي في المشتبه لم أجد أحدا بالضم لكن، قال في التقصير فيه نظر "أسلمت إحداهما" بعد أن هربت حتى استؤمن لها ﷺ . "وقتلت الأخرى" كذا وقع مبهما عند ابن إسحاق "وذكر غير ابن إسحاق أن التي أسلمت فرتنى" فلم تقتل "وأن قريبة قتلت وسارة مولاة لبعض بني المطلب" بن هاشم بن عبد مناف كذاстр. 1508
أسلمت، ويقال: كانت مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم.
وأرنب -علم امرأة- وقريبة قتلت, وعكرمة بن أبي جهل: أسلم.
الحواشي
(١) وقع بإبهام البعض عند ابن إسحاق، "ويقال" في تعيين هذا البعض "كانت مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم" بن المطلب بن عبد مناف وهي التي وجد معها كتاب حاطب ومر عند الفتح قيل: كانت مولاة العباس.
وفي السبل كانت نواحة مغنية بمكة فقدمت قبل الفتح وطلبت الصلة وشكت الحاجة، فقال ﷺ لها $"ما كان في غنائك ما يغنيك"، فقالت: إن قريشا منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا الغناء فوصلها وأوقر لها بعيرا طعاما فرجعت إلى قريش وكان ابن خطل يلقي عليها هجاء رسول الله فتغني به، فأسلمت قال ابن إسحاق، ثم تعبت حتى أوطأها رجل فرسا بالأبطح فقتلها في زمن عمر "وأرنب علم امرأة" ذكرها الحاكم، وأنها مولاة ابن خطل أيضا، قتلت، وأم سعد قتلت فيما ذكره ابن إسحاق ويحتمل أن تكون أرنب وأم سعد هما القينتان، اختلف في اسمهما باعتبار الكنية واللقب، قاله في الفتح. "وقريبة قتلت" كما تراه قريبا.
وتكلف شيخنا دفع التكرار فترجى أنه ذكره لضرورة أنه في ضمن من نقل عنه بقوله ويقال: وفيه وقفة "وعكرمة بن أبي جهل" بن هشام المخزومي، "أسلم" وحسن إسلامه واستشهد بالشام في خلافة أبي بكر على الصحيح.
روى الواقدي: أنه هرب ليلقي نفسه في البحر أو يموت تائها في البلاد وكانت امرأته أم حكيم، بنت عمه الحارث أسلمت قبله، فاستأمنت له رسول الله ﷺ .
وروى أبو داود، والنسائي، أنه ركب البحر فأصابتهم ريح عاصف فنادى عكرمة: اللات، والعزى، فقال أهل السفينة، أخلصوا فآلهتكم لا تغني عنكم شيئا ههنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره اللهم لك عهد إن أنت عافيتي مما أنا فيه أن أتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا غفورا كريما فجاء فأسلم.
وروى البيهقي، عن الزهري، والواقدي، عن شيوخه أن امرأته، قالت: يا رسول الله قد ذهب عكرمة عنك إلى اليمن وخاف أن تقتله فأمنه فقال: هو آمن فخرجت في طلبه فأدركته وقد ركب سفينة ونؤتى بقول له أخلص أخلص قال: ما أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله قال: ما هربت إلا من هذا وإن هذا أمر تعرفه العرب والعجم حتى النواتي ما الدين إلا ما جاء به محمد، وغير الله قلبي وجاءت أم حكيم تقول ابن عم جئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس وخير الناس لا تهلك نفسك إني قد استأمنت لك رسول الله فرجع وجعل يطلب جماعها فتأبى وتقول أنت كافر وأنا مسلمة، فقال: إن أمرًا منعك مني لأمر كبير فلما وافى مكة، قال ﷺ لأصحابه:стр. 1509
والحويرث بن نقيد: قتله علي.
ومقيس بن صبابة -بمهملة وموحدتين الأولى خفيفة- قتله نميلة الليثي.
وهبار بن الأسود وهو الذي عرض لزينب بنت رسول الله ﷺ حين هاجرت فنخس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها.
الحواشي
(١) "يأتيكم عكرمة مؤمنا، فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي". قال الزهري: وابن عقبة فلما رآه ﷺ وثب إليه فرحا به فوقف بين يديه ومعه زوجته متنقبة فقال: إن هذه أخبرتني إنك أمنتني فقال ﷺ : "صدقت فأنت آمن"، قال: إلام تدعو قال: "أدعو إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة"، وكذا حتى عد خصال الإسلام، قال: ما دعوت إلا إلى خير وأمر حسن جميل, قد كنت فينا يا رسول الله قبل أن تدعونا، وأنت أصدقنا حديثا وأبرنا. ثم قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم قال: يا رسول الله علمني خير شيء أقول. قال: "تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله"، قال: ثم ماذا؟ قال: "تقول أشهد الله وأشهد من حضرني أني مسلم مجاهد مهاجر"، فقال عكرمة ذلك.
رواه البيهقي "والحويرث" بالتصغير "ابن نقيد" بنون وقاف مصغر بن وهب بن عبد بن قصي، قال البلاذري: كان يعظم القول فيه ﷺ وينشد الهجاء فيه ويكثر أذاه وهو بمكة، وقال ابن هشام وكان العباس حمل فاطمة وأم كلثوم، بنتي رسول الله ﷺ من مكة يريد بهما المدينة، فنخس الحويرث بهما الجمل فرمى بهما الأرض, وشارك هبارا في نخس جمل زينب لما هاجرت فأهدر دمه "قتله علي" وذلك أنه سأل عنه، وهو في بيته، قد أغلق عليه بابه فقيل: هو في البادية فتنحى علي عن بابه فخرج يريد أن يهرب من بيت إلى آخر فتلقاه علي فضرب عنقه، "ومقيس" بميم فقاف فسين مهملة "ابن صبابة بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة" كان أسلم، ثم أتى على أنصاري فقتله، وكان الأنصاري قتل أخاه هشاما خطأ في غزوة ذي قرد ظنه من العدو, فجاء مقيس فأخذ الدية، ثم قتل الأنصاري، ثم ارتد ورجع إلى قريش فأهدر دمه "قتله نميلة" تصغير نملة ابن عبد الله "الليثي" ويقال له: الكلبي نسبة لجده الأعلى كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث وحيث يطلق الكلبي فإنما يراد به من كان من بني كلب بن وبرة كما في الإصابة. "وهبار" بفتح الهاء وشد الموحدة "ابن الأسود" بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي، الأسدي "أسلم" ﵁ بالجعرانة بعد الفتح وكان شديد الأذى للمسلمين، "وهو الذي عرض لزينب بنت رسول الله ﷺ حين هاجرت، فنخس بها حتى سقطت على صخرة، وأسقطت جنينها", ولم تزل مريضة حتى ماتت فأهدر دمه.стр. 1510
وكعب بن زهير أسلم, وهند بنت عتبة أسلمت, ووحشي بن حرب, أسلم
الحواشي
(١) أخرج الواقدي عن جبير بن مطعم، قال: كنت جالسا مع رسول الله ﷺ منصرفه من الجعرانة فطلع هبار, فقالوا: يا رسول الله هبار بن الأسود، قال: قد رأيته فأراد رجل القيام إليه فأشار إليه أن اجلس فوقف هبار، وقال: السلام عليك يا نبي الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله, وقد هربت منك في البلاد، وأردت اللحاق بالأعاجم، ثم ذكرت عائدتك وصلتك وصفحك عمن جهل عليك وكنا يا رسول الله أهل شرك، فهدانا الله بك وأنقذنا من الهلكة فاصفح عن جهلي، وعما كان يبلغك عني فإني مقر بسوء فعلي معترف بذنبي، فقال ﷺ : "قد عفوت عنك وقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام، والإسلام يجب ما قبله".
وروى ابن شاهين من مرسل الزهري، أن هبارا لما قدم المدينة جعلوا يسبونه فشكا ذلك له ﷺ فقال: "سب من سبك". فكفوا عنه.
"وكعب بن زهير" ذكره الحاكم "أسلم" بعد ذلك ومدح وتأتي قصته، "وهند بنت عتبة" بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية زوجة أبي سفيان، ذكره الحاكم فيمن أهدر دمه. "أسلمت" فأتته ﷺ بالأبطح، وقالت: الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه لتمسني رحمتك يا محمد. إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة به ثم كشفت نقابها، فقالت: أنا هند بنت عتبة، فقال ﷺ : مرحبا بك ثم أرسلت إليه بهدية جديين مشويين، وقديد مع جارية لها فقالت: إنها تعتذر إليك وتقول لك: إن غنمنا اليوم قليلة الوالدة، فقال ﷺ : "بارك الله لكم في غنمكم وأكثر والدته". فلقد رأينا من كثرتها ما لم نره قبل ولا قريبا فتقول هند: هذا بدعائه ﷺ ثم تقول: لقد كنت أرى في النوم أني في الشمس أبدا قائمة، والظل قريب مني لا أقدر عليه، فلما دنا ﷺ رأيت كأني دخلت الظل. أورده الواقدي بأسانيده.
وروى الشيخان عن عائشة: قالت هند بن عتبة: يا رسول الله ما كان لي على ظهر الأرض من أهل خباء أريد أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على وجه الأرض أحب إليّ من أن يعزوا من أهل خبائك.
"ووحشي بن حرب أسلم" قاتل حمزة ﵄ صح عنه أنه لما قتله بأحد قال: أقمت بمكة حتى فتحت فهربت إلى الطائف، فكنت به فلما خرج وفد الطائف ليسلموا، ضاقت عليّ المذاهب فقلت: ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد, فوالله إني لفي ذلك من همي، إذ قال لي رجل: ويحك والله إنه ما يقتل أحدا دخل في دينه، فخرجت حتى قدمت عليه فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أشهد شهادة الحق. فلما رآني قال: "وحشي". قلت: نعم يا رسول الله. قال: "اقعد فحدثني كيف حمزة". فحدثته فلما فرغت, قال: "ويحك غيب وجهك عني"، فكنتследующие страницы →