Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وعند ابن سعد أيضا: أن الذي كان سباها خالد بن الوليد ﵁.
ثم سرية عكاشة بن محصن إلى الجباب -موضع بالحجاز- أرض عذرة وبلي، وقيل: أرض فزارة وكلب ولعذرة فيها شركة.
قصة كعب بن زهير
الحواشي
(١) عليك، قال: قد فعلت فلا تعجلي حتى تجدي ثقة يبلغك بلادك ثم آذنيني، فقدم رهط من طيء، فأخبرته أن لي فيهم ثقة، وبلاغا فكساني وحملني وأعطاني نفقة، فخرجت حتى قدمت الشام على أخي، فقال: ما ترين في هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يك نبيا فللسابق إليه فضيلة، وإن يك ملكا فلن تزال في عز اليمن وأنت أنت، فقلت: والله إن هذا هو الرأي، وقدم فأسلم والقصة طويلة، وروى ابن المبارك في الزهد عندما دخل وقت صلاة قط: ألا وأنا أشتاق إليها، وفي رواية ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء وكان جوادا.
وقد روى أحمد أن رجلا سأله مائة درهم، فقال: تسألني مائة درهم وأنا ابن حاتم والله لا أعطيك.
"وعند ابن سعد أيضا أن الذي كان سباها خالد بن الوليد ﵁" لا علي كرم الله وجهه، ولا يمكن الجمع بأنه كان في جيش علي؛ لأن جيشه كانوا كلهم من الأنصار فالله أعلم، "ثم سرية عكاشة" بضم العين، وشد الكاف وتخفيفها، وشين معجمة "ابن محصن" بكسر فسكون الأسدي من السابقين الأولين البدري ممن يدخل الجنة بغير حساب، كما في الصحيحين، استشهد في قتال الردة.
"إلى الحجاب" بكسر الجيم وموحدتين، بينهما ألف "أرض عذرة" بضم العين المهملة، وسكون الذال المعجمة "وبلى" بفتح الموحدة، وكسر اللام، وشد التحتية "وهي اسم قبيلتين" كلاهما من قضاعة بضم القاف ومعجمة فألف فمهملة، "وقيل: أرض فزارة وكلب ولعذرة فيها شركة".
قال ابن سعد: كانت هذه السرية في شهر ربيع الآخر سنة تسع، كذا ذكره ولم يزد وتبعه اليعمري وغيره ولم يبينوا سببها، ولا عدد من ذهب فيها، ولا ما جرى والله أعلم.
"قصة كعب بن زهير" بن أبي سلمى بضم أوله، واسمه ربيعة بن رياح بكسر الراء، وتحتانية المزني الشاعر ابن الشاعر، أخو الشاعر، وكان ولدا كعب عقبة، والعوام شاعرين قال الحطيئة، لكعب: أنتم أهل بيت ينظر إليكم في الشعر، فاذكرني في شعرك ففعل، وروى ابن أبي الدنيا عن الشعبي قال: أنشد النابغة الذبياني النعمان بن المنذر:
تزال الأرض أما مت خفا ... وتحيا ما حييت بها ثقيلا
فقال النعمان: إن لم تأت ببيت بعده يوضح معناه، وإلا كان إلى الهجاء أقرب، فتعسرстр. 1682
مع النبي ﷺ ، وكانت فيما بين رجوعه ﵊ من الطائف وغزوة تبوك.
وكان من خبر كعب وأخيه بجير ما ذكره ابن إسحاق، وعبد الملك بن هشام وأبو بكر محمد بن القسم بن يسار الأنباري، دخل حديث بعضهم في بعض:
أن بجيرا قال لكعب: اثبت حتى آتي هذه الرجل -يعني النبي ﷺ فأسمع كلامه وأعرف ما عنده،
الحواشي
(١) عليه، فأجله ثلاثا، فإن قال: فله مائة من الإبل وإلا ضربه بالسيف، فخرج النابغة وجلا، فلقي زهيرا، فذكر له ذلك، وخرجا إلى البرية فتبعهما، كعب فرده، زهير، فقال النابغة: دعه يخرج وأردفه، فلم يحضرهما شيء، فقال كعب للنابغة يا عم ما يمنعك أن تقول:
وذلك إن ثللت الغي عنها ... فتمنع جانبيها أن تميلا
فأعجب النابغة، وغدا على النعمان، فأنشده فأعطاه المائة، فوهبها لكعب، فأبى أن يقبلها، ورويت هذه القصة على غير هذا الوجه "مع النبي ﷺ " لم يقل وأخيه بجير وإن ذكر في القصة؛ لأن كعبا هو المقصود؛ لأنه الذي هرب، وأهدر دمه، وإنما ذكر أخوه لكونه سببا في مجيئه وإيمانه، "وكانت فيما بين رجوعه ﵊ من الطائف وغزوة تبوك" تبع اليعمري لفظا ووضعا، ومقتضى التزامهما الترتيب على السنين أن تكون في التاسعة في آخر ربيع الثاني، أو في الجماديين.
وجزم الشامي في الحوادث بأنها في السنة الثامنة، وهو مقتضى ما يأتي عن ابن إسحاق، "وكان من خبر كعب وأخيه بجير"، بضم الموحدة، وفتح الجيم، وإسكان التحتية، ثم راء صحابي شهير أسلم قبل أخيه، ثم كان سببا في إسلامه، "ما ذكره ابن إسحاق" محمد في المغازي بلا إسناد "وعبد الملك بن هشام" الحميري المغافري أبو محمد البصري، ثم المصري المتوفى بها سنة ثلاث عشرة ومائتين كان مشهورا بحمل العلم مقدما في علم النسب والنحو.
روى سيرة ابن إسحاق عن زياد البكائي عنه وهذبها، وزاد فيها بعض أشياء بينها، وهو المراد بكونه ذكر هذا الخبر، "وأبو بكر" العلامة الحافظ الصدوق الدين "محمد بن القاسم بن يسار" ضد يمين "الأنباري" بفتح الهمزة والموحدة، بينهما نون ساكنة بلدة قديمة على الفرات، "دخل حديث بعضهم في بعض" يعني أن اللفظ لمجموعهم، فعند كل ما انفرد به عن الآخر "أن بجيرا" بفتح الهمزة، بدل من قوله ما ذكره، "قال لكعب: اثبت" روى ابن أبي عاصم عن كعب أنه لما فتحت مكة خرج وهو وبجير حتى أتيا أبرق العزاف، فقال بجير لكعب: اثبت في غنمنا هنا "حتى آتي هذا الرجل، يعني النبي ﷺ ، فأسمع كلامه، وأعرف ما عنده" هل هو مماстр. 1683
فأقام كعب ومضى بجير، فأتى رسول الله ﷺ فسمع كلامه وآمن به.
وذلك أن زهيرا فيما زعموا كان يجالس أهل الكتاب فسمع منهم أنه قد آن مبعثه ﵊، ورأى زهير في منامه أنه قد مد سبب من السماء، وأنه قد مد يده ليتناوله ففاته، فأوله بالنبي الذي يبعث في آخر الزمان، وأنه لا يدركه، وأخبر بنيه بذلك وأمرهم، وأوصاهم إن أدركوه أن يسلموا.
قال ابن إسحاق: ولما قدم ﷺ من الطائف، كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب: إن رسول الله ﷺ قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه، وإن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعري
الحواشي
(١) يستحسن، ويلوح صدقه فاتبعه أم لا فأتركه "فأقام كعب" بابرق العزاف بفتح المهملة، والزاي المشددة آخر فاء ماء لبني أسد بين المدينة، والربذة؛ لأنه كان يسمع بن عزيف الجن، أي صوتهم، كما قال الشريف، "ومضى بجير فأتى رسول الله ﷺ فسمع كلامه وآمن به و" سبب "ذلك" أي قول بجير لأخيه ما سبق، وإتيانه للمصطفى "أن زهيرا" أباهما "فيما زعموا" عبر به لعدم صحته عنده كالأحاديث الصحيحة والحسنة.
"كان يجالس أهل الكتاب، فسمع منهم أنه قد آن" قرب "مبعثه ﵊، ورأي زهير في منامه أنه قد مد سبب،" حبل "من السماء وأنه قد مد يده ليتناوله ففاته فأوله،" أي الحبل الذي مد "بالنبي الذي يبعث في آخر الزمان، وأنه" أي وأول فوته بأنه "لا يدركه، وأخبر بنيه بذلك" المذكور من المنام، وما سمعه من أهل الكتاب "وأمرهم" أي بنيه كعبا وبجيرا وأختهما الخنساء شاعرة أيضًا، ذكرها ابن ماكولا غير الخنساء أخت صخر الشاعرة الصحابية المشهورة، ولم يذكر بنت زهير في الإصابة، فلا صحبة لها، ويحتمل أنه أراد ببنيه ما يشملهم وأولادهم، "وأوصاهم إن أدركوه أن يسلموا".
قال العسكري: ومات زهير قبل المبعث قال خلف الأحمر: ولولا قصائد له ما فضلته على ابنه كعب، أي في الشعر، ثم ما ساقه المصنف هو مما انفرد به ابن الأنباري عن المذكورين معه.
"قال ابن إسحاق:" عقب غزوة الطائف، "ولما قدم ﷺ من الطائف كتب بجر بن زهير إلى أخيه كعب أن رسول الله ﷺ قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه" ويؤذيه، "وأن من بقي من شعراء قريش" عبد الله بن "الزبعري"، بزاي فموحدة مسكورتين، وسكون المهملة بعدها راء مقصورة، كما في الإصابة والصحاح.стр. 1684
وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله ﷺ ، فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك، وكان كعب قد قال:
ألا بلغا
الحواشي
(١) وقال الأسنوي في شرح منهاج البيضاوي، والمجد بفتح الباء، وبعضهم حكى الوجهين، ولك ترجيح الأول لجزم الجوهري به.
وصحاحه في كتب اللغة نظير البخاري في الحديث، كما في المزهر، وجزم الإصابة الكسر، يرجحه أيضا فأهل كل فن أدرى به.
ابن قيس بن عدي بن سعيد بالتصغير ابن سهم القرشي السهمي.
قال المرزباني يكنى أبا سعيد: كان شاعر قريش، ثم أسلم ومدحه ﷺ ، فأمر له بحلة "وهبيرة" بضم الهاء وفتح الموحدة.
"ابن أبي وهب" المخزومي زوج أم هانئ، "قد هربوا في كل وجه" لما فتحت مكة، فهرب إلى نجران فأما هبيرة فهلك على كفره، وأما ابن الزبعري فروى ابن إسحاق أن حسان رماه ببيت واحد لم يرد عليه.
لا تعد من رجلا أحلك بغضه ... نجران في عيش أجد لئيم
فخرج إليه ﷺ ، فقال حين أسلم:
يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذا بارى الشيطان في سنن الغي ... ومن مال ميله مثبور
آمن اللحم والعظام لربي ... ثم قلبي الشهيد أنت النذير
إنني عنك زاجر ثم حيا ... من لؤي وكلهم مغرور
"فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر،" أي أقبل مسرعا "إلى رسول الله ﷺ "، فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا".
وعند ابن عاصم فإنه لا يأتيه أح مسلما إلا قبل منه، وأسقط ما كان قبل ذلك، "وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك،" من الأرض، كما عند ابن إسحاق، أي إلى محل ينجيك منه بزعمك ونجائك، بالهمز أو هو نجاتك بفوقية بعد الألف، وكلاهما مصدر نجا كما في القاموس، "وكان كعب قد قال" لما بلغه إسلام أخيه "ألا بلغا" بألف لفظا، وخطا على أنه مؤكد وصل بنية الوقف أو خطاب للاثنين والواحد وكثيرا ما يخاطب الواحد بخطابهما، أو بنون توكيدстр. 1685
عني بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا
فبين لنا إن كنت لست بفاعل ... على أي شيء غير ذلك دلكا
على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه ولا تلقي عليه أخا لكا
فإن كنت لم تفعل فلست بآسف ... ولا قائل إما عثرت لعالكا
سقاك بها المأمون كأسا روية ... فأنهلك المأمون منها وعلكا
الحواشي
(١) خفيفة لفظا وألف خطا للوقف "عنى بجيرا رسالة، فهل لك" الفاء عاطفة والمعطوف محذوف، أي فقولا له هل لا زائدة؛ لأنه خلاف الأصل؛ ولأن في زيادة الفاء خلافًا "فيما قلت" رأي أو إرادة أو قلته بلا قصد، ويحك" وقعت في هلكة بما قلته لا تستحقها "هل لكا" توكيد وتكميل، "فبين لنا إن كنت لست بفاعل" مرادنا من بقائك على دينك جملة معترضة، ومفعول بين "على أي شيء غير ذلك دلكا"، أي الطريق الذي دلك عليه المالف لدين آبائك، كما أشار إليه بقوله: دلك على خلق بضمتين سجية
أي أفعال ناشئة عن طبيعة "لم تلف" عليها "أما ولا أبا، عليه" قال في الروض: إنما قال ذلك؛ لأن أمهما واحدة، وهي كبشة بنت عمار الشحيمية، كما ذكره ابن الكلبي، "و" كما لم تجد فيما مضى أحدا من إسلافك عليه كذلك "لا تلفي عليه أخا لك" يواتيك عليه في المستقبل، فلذا عبر بلا وفيما قبله بلم، وفي
رواية ولم تدرك، والظاهر أن المراد بالأخ الصديق، أو ما يشمله وفي رواية:
على خلق لم تلف يوما أخا له ... عليه وما تلفي عليه أبا لكا
"فإن كنت" بفتح التاء خطابا، وفي رواية فإن أنت "لم تفعل فلست" بضمها أنا "بآسف" بمد الهمزة، وكسر السين، حزين عليك لخلافك لي، "ولا قائل إما" بكسر الهمزة وشد الميم "عثرت لعالكا" بفتح اللام، والعين منونة "سقاك بها" بالمقالة المفهومة من قلت: أو من ما قلت بجعل ما مصدرية، أو هو عائد على نفس ما بجعلها موصولا اسميا حذف عائده، أي في التي قلتها، أو على كلمة الشهادة، فالباء زائدة أو بمعنى من التبعيضية، أو على الكأس "المأمون" يعني النبي ﷺ كانت قريش تسميه به وبالأمين قبل النبوة.
وفي رواية غير ابن إسحاق المحمود، وهو من أسمائه ﷺ قال في الروض قال عبد الملك: ويروي المأمور "كأسا" حال موطئة، كما تقول: لقيت زيدا رجلا صالحا، أو بدل من الضمير على الموضع، كمررت به زيدا هذا على زيادة الباء، وعلى أنها بمعنى من أو تمييز على عود الضمير على الكأس، وعود الضمير على تمييزه متفق عليه في نعم ورب نحو بئس للظالمين، بدلا وربه عطبا، ولم يخصه الزمخشري بذلك، بل قال به في: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ ، وما هنا مثله "روية" فعلية بمعنى مفعلة بضم الميم وكسر العين أي مروية "فانهلك" سقاك أولا "المأمون منها، وعلكا".стр. 1686
قال السهيلي: "لعا" كلمة تقال للعاثر دعاء له. ا. هـ.
قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله ﷺ فأنشده إياها، فقال رسول الله ﷺ : "سقاك بها المأمون، صدق وإنه لكذوب، وأنا المأمون".... ولما سمع: على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه، قال: "أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه"، ثم قال ﵊: "من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله"، فكتب إليه أخوه بهذه الأبيات.
من مبلغ كعبا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلا وهي أحزم
الحواشي
(١) سقاك ثانيا، والمعنى سقاك بها مرة بعد أخرى قال عبد الملك عن بعض علماء الشعر بعد هذا:
ففارقت أسباب الهدى واتبعته ... على أي شيء ويب غيرك دلكا
قال الجمال ويب كويج.
"قال السهيلي: "لعا" كلمة تقال للعاثر دعا له" بالإقالة قال الأعشى:
فالنفس أدنى لها من أن يقال لعا
فإذا دعى عليه قيل: لا لعا وأنشد أبو عبيدة:
فلا لعا لبني ثعلان إذ عثروا
". ا. هـ" كلام السهيلي بما زدته.
قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما آت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله ﷺ " أي يخفيها عنه، وكتم يتعدى بنفسه وبمن وعن كما في المصباح، "فأنشده إياها، فقال رسول الله ﷺ " لما سمع "سقاك بها المأمون".
هكذا ثبت لما سمع عند ابن إسحاق، فكأنها سقطت من قلم المؤلف، وحذف المفعول للعلم به، أي قوله وأما مقولة ﵊، فهو "صدق" لمطابقة الواقع، و "إنه لكذوب" في أقواله، بل قوله هذا لكن بزعمه، أي هو يزعم، ويعتقد أنه كذوب فيه لا بحسب الواقع على نحو ما قيل في والله يشهد أن المنافقين لكاذبون "وأنا المأمون ولما سمع على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه، قال: أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه" لهلا كهما قبله، "ثم قال ﵊: من "لقي منكم كعب بن زهير فليقتله"، وهذا مما انفرد به ابن الأنباري عنهما.
وقد ثبت في رواية ابن أبي عاصم من حديث كعب، "فكتب إليه أخوه بهذه الأبيات من مبلغ" بضم فسكون فكسر من أبلغ، وفيه خرم بالراء وأصله فمن مبلغ، أي موصل "كعبا فهل لك" انقياد ودخول "في" الخصلة "التي تلوم" أخاك "عليها" لوما "باطلا، و" الحال أنها "هي أحزم".стр. 1687
إلى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى علي محرم
فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان من حاضره من عدوه، فقال: هو مقتول، فلما لم يجده من شيء بدا، قال قصيدته، التي يمدح بها رسول الله ﷺ ، ويذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه.
ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رحل
الحواشي
(١) أتقن وأصوب، فترجح "إلى الله لا العزى، ولا اللات وحده" حال من الله، أي منفردا لا تشرك معه أحدا "فتنجو" تخلص من العذاب "إذا كان النجاء" الأكبر حاصلا لأهله، "وتسلم" من النار وأهوال يوم الفزع الأكبر، وذلك النجاء "لدى" عند "يوم لا ينجو" فيه، "وليس بمفلت" بفتح اللام المخففة أحسن من كسرها اسم فاعل، كما في النور "من الناس" أحد من العذاب "إلا طاهر القلب مسلم،" أي سليم منقاد للحق خالص من الشك والشرك، لا الذنوب، فإنه لا يسلم منها إلا المعصوم، "فدين زهير وهو لا شيء دينه".
قال السهيلي رواية مستقيمة، ورواه القالي فقال: لا شيء غيره وفسره على التقديم والتأخير، أي دين زهير وهو غيره لا شيء ورواية ابن إسحاق أبعد من الإشكال وأصح، وهذا كما قال الجمال اعتراض حسن بديع بين المبتدأ الذي عطف عليه "ودين أبي سلمى"، وبين الخبر وهو "علي محرم"، ويحتمل أنه إفراد الخبر؛ لأن المعنى فاتباع فحذف المضاف، كحديث أن هذين حرام على ذكور أمتي، أي استعمال الذهب والحرير، أو؛ لأن دينهما واحد، وأعيد المضاف توكيدا كقول قيس بن عاصم:
أيا بنت عبد الله وابنه مالك ... ويا بنت ذي البودين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فأني لست آكله وحدي
"فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت بن الأرض، وأشفق" خاف "على نفسه، وأرجف به" خوفه "من كان في حاضره،" أي حية "من عدوه فقال:" أفرد باعتبار لفظ من لكن في ابن إسحاق، فقالوا: "هو مقتول فلما لم يجد من شيء بد" مخلصا يلتجئ إليه إلا الإسلام، والمجيء إلى خير الأنام، كما في رواية ابن أبي عاصم أنه لما جاءه الكتاب أسلم كعب، وقدم "قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ويذكر" فيها "خوفه وإرجافه الوشاة به" أي المزخرفين للأقوال الكاذبة عليه حالة كونهم "من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل" قال البرهان:стр. 1688
كانت بينه وبين معرفة من جهينة، فغدا به إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا رسول الله فقم إليه واستأمنه، فقام حتى جلس إلى رسول الله ﷺ ، فوضع يده في يده -وكان ﷺ لا يعرف- فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم"، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أنه وثب عليه رجل من الأنصار، وقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال ﷺ : "دعه عنك فقد جاء تائبا نازعا"، قال: فغضب كعب على هذا الحي من
الحواشي
(١) لا أعرفه "كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، فغدا به إلى رسول الله ﷺ " حين صلى الصبح فصلى معه كما في ابن إسحاق، قال: ثم أشار إليه "فقال: هذا رسول الله فقم إليه واستأمنه، فقام حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فوضع يده في يده".
وفي رواية ابن أبي عاصم فأسلم كعب، وقدم المدينة حتى أناخ بباب المسجد قال: فعرفت رسول الله ﷺ بالصفة، فتخطيت حتى جلست إليه فأسلمت، ثم قلت: الأمان يا رسول الله أنا كعب بن زهير، "وكان ﷺ " لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاءك ليستأمنك" حال كونه "تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به،" أي بخبره، وأظهرته لك إذ هو حاضر "فقال رسول الله ﷺ : "نعم"، قال:" إذا "أنا يا رسول الله كعب بن زهير".
وروى ابن قانع عن سعيد بن المسيب أن كعبا لما قدم المدينة سأل عن أرق الصحابة، فدل على أبي بكر، فأخبره بخبره، فمشى أبو بكر وكعب على أثره حتى صار بين يديه ﷺ ، فقال: رجل يبايعك فمد يده فبايعه، والجمع ممكن بأنه لما قدم نزل على الجهني، فأخبره بأن أبا بكر أرق الصحابة، وأتى به إليه فسارا معا معه، فصلوا الصبح، ثم تقدم الصديق وكعب على أثره، فجلس كعب، وقال ما قال فلما آمن عرفه بنفسه، "قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة" بن النعمان الأنصاري الأوسي، أبو عمر المدني التابعي الثقة الذي روى له الستة العلامة بالمغازي، المتوفى بعد العشرين ومائة "أنه وثب عليه رجل،" قال البرهان: لا أعرفه "من الأنصار، فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله" بالنصب "أضرب عنقه" بالجزم جواب دعني، ويجوز رفعه. ا. هـ. "فقال ﷺ "دعه" اتركه "عنك، فقد جاء تائبا نازعا" بالنون، أي مائلا مشتاقا إلى الإسلام، أو كافا عن الشرك تاركا له: "قال" عاصم: "فغضب كعب على الحي منстр. 1689
الأنصار لما صنع صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير.
ثم قال قصيدته اللامية التي أولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول
وفيها:
أنبئت أن رسول الله أوعدني
الحواشي
(١) الأنصار،" الظاهر أنه أراد بالحي جميع الأنصار فمن بيانية "لما" بكسر اللام وخفة الميم "صنع" به "صاحبهم"، هكذا الرواية في ابن إسحاق فنسخة لما فعل بالمعنى، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، ثم قال قصيدته اللامية،" شرحها ابن هشام الجمال النحوي شرحا كبيرا، وقفت عليه أكثر فيه من فئة وكل وعاء "التي أولها بانت" فارقت فراقا بعيدا "سعاد".
قال الروياني: في البحر: هي امرأته وبنت عمه، ذكرها في هذه القصيدة لطول غيبته عنها، لهروبه من النبي ﷺ . ا. هـ. وبه جزم البرهان فقولوا: الجمال علم مرتجل يريد به امرأة يهواها الشاعر حقيقة، أو الدعاء تقصير، ولذا قال الشامي: حقيقة لا ادعاء، "فقلبي" الفاء عاطفة سببية، كقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]
قال الجمال: والقلب الفؤاد أو أخص منه ومثله في القاموس، وتوقف فيه شيخنا في التقرير بأنه لم يرد المادة التي ينفرد فيها الفؤاد حتى يكون أخص، وقد صرح غيرهما بأن الفؤاد غشاء القلب "اليوم" أراد به مطلقا الزمن كيوم حصاده، متبول" أسقمه الحب "متيم" ذليل مستعبد خبر ثان عند مجيز تعدده، أو خبر عن هو محذوفا عند المانع، أو صفة لمتبول عند مجوز وصف الصفة "إثرها" بكسر فسكون فقط للوزن، وإن كان فيه لغة بفتحتين ظرف لمتيم أو حال من ضمير.
ويروي عندها وهي عندية معنوية؛ لأن المراد القلب حال كونه "لم يفد" لم يعط فداءه، ويروى لم يجز ولم يشف "مكبول" مقيد مطلقا أو بقيد ضخم، أو أعظم قيد ومر الناظم في غرضه من الغزل في سعاد، ثم في وصف الإبل الموصلة إليها، وقطعها للأراضي الصعبة في ثلاثة وثلاثين بيتا، ثم ذكر الأرجاف به وبعد أصدقائه عنه في قوله:
تمشي الوشاة بجنبيها وقولهم ... إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول
وقال: كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك أنى عنك مشغول
فقلت: خلوا سبيلي لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول
"وفيها" عقب هذه الأربعة "أنبئت" ويروى نبئت، ومعناهما أخبرت "أن رسول الله أودعني" بشر وهو القتل، وبناؤه للمجهول؛ لأن مقام الاستعطاف يناسبه أن لا يحقق الخبر بالوعيد، بلстр. 1690
........... ... والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ... القرآن فيه مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة و ... لم أذنب وإن كثرت في الأقاويل
إن الرسول لسيف يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول
الحواشي
(١) يمرضه؛ ولأنه لم يتعلق غرضه بالفاعل "والعفو عند رسول الله مأمول" مطموع فيه مرجو حصوله لما تواتر أن العفو من أخلاقه.
وذكر أنه ﷺ لما سمع هذا البيت قال: "إن العفو عند الله"، "مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن" الكتاب المنزل عليك لا القراءة من إضافة الصفة للموصوف، أو ظرفية بتقدير مضاف، أي نافلة فوائد القرآن، أي نافلة هي الفوائد المشتمل عليها، أو نافلة مقحم، أو القرآن منصوب وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، كقوله: ولا ذاكر الله إلا قليلا "فيه مواعيظ" مرفوع منون للضرورة؛ لأنه لا ينصرف، "وتفصيل" تبيين ما يحتاج إليه من أمر المعاش والمعاد، وهذا البيت ومن بعده تتميم للاستعطاف؛ لأنه اشتمل على طلب الرفق به والأناة في أمره، ولما في قوله: نافلة القرآن من الإشارة إلى أنعام الله على رسوله بعلوم عظيمة، وزاده عليها القرءان والإقرار بالتنزيل، والتذير بما جاء به: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ "لا تأخذني" سؤال وتضرع وإظهار للذل، أي لا تقتلني "بأقوال الوشاة" الذين يزوقون الكلام للإفساد، "و" الحال أني "لم أذنب" أي لا تأخذني غير مذنب لا عاطفة؛ لأنه خلاف قصده؛ ولأن الخبر لا يعطف على الإنشاء عند قوم، "وإن كثرت في الأقاويل" جمع أقوال جمع قول فهو جمع الجمع، وكأن المعنى أنك عرفت بالصفح ومن جاءك تائبا لا تعده مذنبا، وإن أذنب قبل الإسلام، فالإسلام يجب ما قبله وبعده هذا البيت تسعة أبيات في خوفه منه ﵇، وأنه أخوف عنده من ضيغم يفترس وتنفر منه الوحوش، وحاصلها الاعتذار، فأسقطها المصنف؛ لأن غرضه إنما تعلق بمدحه ﷺ صريحا "أن الرسول لسيف".
وفي رواية ابن إسحاق وغيره لنور، وهو أنسب بقوله: "يستضاء به" والأخرى مناسبة، فالمعنى كيف يطلب ضياؤه في ظلمات الحروب، فيكشفها.
وقال التبريزي: جعله سيفا استعارة على قول جماعة لا يشترطون فيها طي المشبه ومنهم من قال: أصله قاطع كسيف، فحذف المشبه وأداة التشبيه، واستعمل سيف بدل قاطع، فانطبق على حد الاستعارة من أنها ذكر المشبه به، وإرادة المشبه "مهند" بفتح النون المشددة، صفة أو خبر محذوف، أي مطبوع من حديد الهند، أي أنه مبيد للكفار أقوى من السيوف الهندية "من سيوف الله مسلول" على أعدائه.стр. 1691
في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل
الحواشي
(١) قال في الروض: يروي أنه لما قال هذا البيت نظر ﷺ إلى أصحابه كالمعجب لهم من حسن القول وجودة الشعر. ا. هـ.
وروى الحاكم: أن كعبا أنشده من سيوف الهند، فقال ﷺ من سيوف الله. ا. هـ. أي أنه معدود من سيوف الهند لنفاسته، كما يقال: زيد من الرجال، فليس تكرار مع قوله: مهند "في عصبة" خبر آخر؛ لأن أو متعلق بمسلول، أي جماعة.
وهذه رواية ابن إسحاق، ويروى في فتية "من قريش قال قائلهم" عمر ﵁ "ببطن مكة لما أسلموا زولوا" انتقلوا من مكة إلى المدينة، أي هاجروا، وبعد هذا البيت عند ابن إسحاق بيت هو:
زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل
وتلوه قوله: "يمشون" صفة لعصبة أو فتية، "مشي الجمال" فوصفهم بامتداد القامة وعظم الخلق، بفتح فسكون، والبياض حيث قال: "الزهر" بضم وسكون جمع أزهر، وهو الأبيض والرفق في المشي؛ لأنه حال الجمال دون غيرها كالخيل، وذلك دليل على الوقار والتؤدة، "يعصمهم" يمنعهم، أي يحميهم من أعدائهم ويكفهم عنهم، وفاعه "ضرب إذا عرد" بمهملة، وشد الراء فمهملة فر وأعرض "السود" "التنابيل" بفتح الفوقية، والنون فألف فموحدة مكسورة فتحتية فلام جمع تنبال، أي القصار.
قال التبريزي ومن روى: غرد بغين معجمة أراد طرب. ا. هـ.
لا معنى لها هنا؛ لأن المراد فر وبقي فيها أربعة أبيات في وصفهم تركها المصنف؛ لأنها ليست مدحا ﵊ صريحا، وإن لزم منها تعظيمه، فإن تعظيم صحبه تعظيم له وهي هذه:
شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل
بيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل
لطيفة" قال السيوطي: ذكر الزبيدي في طبقات النحاة أن بندار الأصفهاني كان يحفظ تسعمائة قصيدة أول كل منها بانت سعاد على قوله: ما اطلعت عليه من ذلك.
قال زهير والد كعب:стр. 1692
وفي رواية أبي بكر بن الأنباري أنه لما وصل إلى قوله:
إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول
رمى ﵊ إليه بردة كانت عليه..............................
الحواشي
(١) بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا ... وليت وصلا لنا من حبلها رجعا
وقال ربيعة بن معرور الضبي:
بانت سعاد فأمسى القلب معمودا ... وأخلفتك ابنة الحر المواعيدا
وقال قعنب بن ضمرة:
بانت سعاد وأمسى دونها عدن ... وغلقت عندها من قلبك الرهن
وقال النابغة الذبياني:
بانت سعاد وأمسى حبلها انخرما ... واحتلت الفرع والأجداع من أضما
وقال الأعشى ميمون:
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا ... واحتلت العرفا لجدين فالفرعا
وقال أيضا:
بانت سعاد وأمسى حبلها رابا ... وأحدث النأي لي شوقا وأوصابا
وقال الأخطل:
بانت سعاد ففي العينين مهلول ... من حبها وصحيح الجسم مخبول
وقال أيضا:
بانت سعاد ففي العينين تسهيد ... وأسخفت لبه فالقلب معمود
وقال عدي بن الرقاع:
بانت سعاد وأخلفت ميعادها ... وتباعدت عنا لتمنع زادها
وقال قيس بن الحرادية:
بانت سعاد فأمسى القلب إعلالا ... وأسلبتها بي الأرباع إقلالا
ا. هـ.
"وفي رواية أبي بكر بن الأنباري" وابن قانع من مرسل ابن المسيب "أنه لما وصل إلى قوله: إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول، رمى ﵊ إليه بردة كانت عليه".
نقل المصنف في المقصد الثالث عن محمد بن هلال قال: رأيت على هشام بن عبد الملك برد النبي ﷺ من حبرة له حاشيتنا رواه الدمياطي. ا. هـ. وهشام هذا من سلاطين بنيстр. 1693
وأن معوية بذل فيها عشرة آلاف فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله ﷺ أحدا، فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم، قال: وهي البردة التي عند السلاطين إلى اليوم.
وقال ابن إسحاق: قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: "إذا عرد السود التنابيل" وإنما عني معشر الأنصار، لما كان صاحبهم صنع به، وخص المهاجرين بمدحته غضب عليه الأنصار، فقال بعد أن أسلم -يمدح الأنصار.
الحواشي
(١) أمية، ففيه تعيين البردة التي دفعت لكعب؛ لأنها آلت للملوك كما قال: "وأن معاوية بذل فيها عشرة آلاف" درهم، كما في الرواية، "فقال: ما كنت لأوثر" أفضل وأميز على نفسي "بثوب رسول الله ﷺ " الذي أعطانيه، وهو البردة واسم الثوب يشملها "أحدا"؛ لأن الإيثار المحمود إنما هو في أمور الدنيا، كما في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ ، وما مس جسده الشريف من أجل القرب، فهو من الأمور الأخروية وما إيثار الغير فيها بمحمود، "فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم".
قال" ابن الأنباري: "وهي البردة التي عند السلاطين إلى اليوم،" وعند ابن قانع عن ابن المسيب فهي التي يلبسها الخلفاء في الأعياد.
قال الشامي: ولا وجود لها الآن والظاهر أنها فقدت في وقعة التتار "وقال ابن إسحاق:" بعد ذكر القصيدة كلها "قال عاصم بن عمر" بضم العين "ابن قتادة" بن النعمان التابعي حفيد الصحابي الأنصاري، "فلما قال كعب: إذا عرد السود التنابيل وإنما عني معشر الأنصار،" قال في الروض، جعلهم سودا لما خالط أهل اليمن من السودان عند غلبة الحبشة على بلادهم، ولذا قال حسان في آل جفنة:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... بيض الوجوه من الطراز الأول
يعني أنهم كانوا من اليمن، ثم استوطنوا الشام، فلم تخالطهم السودان، كما خالطوا من باليمن فهم من الطراز الأول الذي كانوا عليه من ألوانهم، وأخلاقهم. ا. هـ.
"لما كان أصحابهم صنع به" حيث وثب، وقال: دعني وعدو الله أضرب عنقه، "وخص المهاجرين بمدحته"؛ لأنهم لم يتمكنوا فيه إلا بخير، "غضبت عليه الأنصار" قال عبد الملك بن هشام: ويقال أنه ﷺ لما أنشده بانت سعاد، قال له: "لولا ذكرت الأنصار بخير فإن الأنصار لذلك أهل"، "فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار" لغضبهم عليه، وتحضيضه ﵊ له على ذلك إذ هم عصابة الإسلام، وأول ما رفع لمناره من الأعلام، فذكر بلاءهم معه صلى الله عليه وسلمстр. 1694
من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار
ورثوا المكارم كابرا عن كابر ... إن الخيار هم بنو الأخيار
المكرهين السمهري بأدرع ... كسوالف الهندي غير قصار
والناظرين بأعين محمرة ... كالجمر غير كليلة الأبصار
والبائعين نفوسهم لنبيهم ... للموت يوم تعانق وكرار
يتطهرون يرونه نسكا لهم ... بدماء من علقوا من الكفار
الحواشي
(١) وموضعهم من اليمن، فقال: "من سره كرم الحياة فلا يزال، في مقنب" بكسر الميم، وإسكان القاف، وفتح النون ثم موحدة جماعة الخيل والفرسان، قيل: هي دون المائة وفي القاموس ومن الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين، أو زهاء ثلاثمائة.
ذكره في النور "من صالحي الأنصار ورثوا المكارم كابرا عن كابر،" أي عن آبائهم وأجدادهم كبيرا عن كبير في العز والشرف، "إن الخيار همو بنو الأخيار المكرهين" اسم فاعل مفعوه "السمهري" القناة الصلبة يقال: نسبة إلى سمهر اسم رجل كان يقوم الرماح، أي ردوها عنهم ومنعوها من التأثير فيهم "بأدرع" لبسوها، فكأنهم أكرهوها على عدم الوصول إليهم، وهكذا الرواية عند ابن إسحاق المكرهين بالهاء، ويقع في نسخة المكرمين بالميم، فإن صحت فمعناه أنهم ضموا أدرعهم لرماحهم، فأكرموا بذلك الضم، "كسوالف الهندي غير قصار"، قال أبو ذر في الإملاء: السوالف السيوف، وقد يراد بها الرماح أيضا؛ لأنها قد تنسب إلى الهند، "والناظرين بأعين محمرة" صفة مدح؛ لأن الشجاع إذا غضب احمرت عيناه "كالجمر غير كليلة الأبصار، والبائعين نفوسهم" بالنصب مفعول اسم الفاعل "لنبيهم" أي لأجله، "للموت" صلة البائعين "يوم تعانق وكرار،" أي التحام الحرب وكر بعضهم على بعض "يتطهرون يرونه" يعتقدونه "نسكا" بضم النون، وإسكان السين المضمومة للوزن عبادة "لهم بدماء" متعلق بيتطهرون أي يسيلون دماء "من علقوا" به "من الكفار" على أبدانهم كإسالة المغتسل الماء على بدنه، ويرونه عبادة، وسماه طهارة؛ لأنه سبب لإزالة الذنوب عنهم ورفع الدرجات، فأشبه الطهارة الحسية المزيلة للأقذار المحسنة للبدن، وبعد هذا البيت عند ابن إسحاق.
دربوا كما دربت ببطن خفية ... علب الرقاب من الأسود ضواري
وإذا حللت ليمنعوك إليهم ... أصبحت عند معاقل الأغفار
ضربوا عليا يوم بدر ضربة ... دانت لوقتها جميع تزار
لو يعلم الأقوام علمي كله ... فيهم لصدقني الذين أماري
ومراده علي بن أمية بن خلف، كما مر في بدر "قوم إذا خوت النجوم" بفتح الخاءстр. 1695
قوم إذا خوت النجوم فإنهم ... للطارقين النازلين مقاري
وقد كان كعب بن زهير من فحول الشعراء، وأبوه.
الحواشي
(١) المعجمة والواو فتاء تأنيث.
قال الجوهري: أي سقطت ولم تمطر في نوئها وأخوت مثله. ا. هـ. أي على زعمهم، وكان ذلك في بدء إسلام كعب قيل أن يتفقه في الدين، "فإنهم للطارقين النازلين مقاري" بفتح الميم، والقاف جمع مقراة، وهي الحفنة التي يوضع فيها الطعام للأضياف قاله أبو ذر، وقال الجوهري: إناء يقري فيه الضيف وبعد هذا البيت.
في الغر من غسان في جرثومة ... أعيت بحافرها على النقار
وقد كان كعب بن زهير من فحول الشعراء بحيث قال خلف الأحمر: لولا قصائد لأبيه ما فضلته عليه، وقال له الحطيئة، اذكرني في شعرك وقد مر أنه أتم للنابغة ما لولاه لهلك وقد رواها ابن جني بسند له عن عاصم بن الحدثان قال: دخل النابغة على النعمان فقال:
تخف الأرض أن تفقدك يوما ... وتبقى ما بقيت بها ثقيلا
فنظر إليه النعمان نظر غضبان، وكان كعب بن زهير حاضرا فقال: أصلح الله الملك أن مع هذا بيتا ضل عنه وهو:
لأنك موضع القسطاس منها ... فتمنع جانبيها أن تميلا
فضحك وأمر لهما بجائزتين، ورويت على وجه ثالث أيضا.
قال ابن عبد البر من جيد شعر كعب:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واجدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
قال السهيلي: ومن جيده قوله يمدحه ﷺ :
تخدي به الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلي ليلة الظلم
ففي عطافيه أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم
"وأبوه" زهير من فحول الشعراء، بحيث قال يونس بن حبيب النحوي: أهل الحجاز لا يعدلون بزهير أحدا، وقد روى أبو عبيد القسم بن سلام عن ابن عباس قال لي عمر بن الخطاب: أنشدني لأشعر شعرائكم، قلت: ومن قال زهير، قلت: وكان كذلك، قال: كان يعاطل بين الكلام، ولا يتبع حوشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه.
قال ابن سلام: قال أهل النظر: كان زهير أحسنهم شعرا، وأبعدهم من سخفه، وأجمعهمстр. 1696
وابنه عقبة وابن ابنه العوام بن عقبة.
الحواشي
(١) لكثير من المعاني في قليل من المنطق "وابنه عقبة" المعروف بالظرب، كما في الروض، "وابن ابنه العوام بن عقبة،" وهو الذي يقول:
ألا ليت شعري هل تغير بعدنا ... ملاحة عيني أم عمرو وجيدها
وهل بليت أثوابها بعد جدة ... ألا حبذا أخلاقها وجديدها
ذكره في الروض، كجميع ما ساقه المصنف من أول قوله، وقد كان كعب إلى هنا، وكان لكعب ابن أيضا اسمه العوام، كما نقله في الإصابة، فسمي ابن ابنه باسم عمه، ولم يقف عليه البرهان، فأبداه احتمالا بعد توقفه في كون العوام ابن ابنه، وهو من مثله عجيب، والروض في يده والله أعلم.стр. 1697
[ثم غزوة تبوك] :
مكان معروف وهي نصف طريق المدينة إلى دمشق.
الحواشي
(١) ثم غزوة تبوك:
بفتح الفوقية وضم الموحدة مخففة لا ينصرف على المشهور.
قال النووي: وتبعه الحافظ: للتأنيث والعلمية ورد بأن علة منعه كونه على مثال الفعل، كتفول والمذكور والمؤنث في ذلك سواء.
وتصرف على إرادة الموضع في حديث كعب، ولم يذكرني ﷺ حتى بلغ تبوك.
قال الحافظ: بغير صرف للأكثر، وفي رواية تبوكا على إرادة المكان. ا. هـ. وبه يرد قول البرهان أنه بالصرف في جميع نسخ البخاري، وأكثر نسخ مسلم "مكان معروف" قال الحافظ: بينه وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة، وبينه وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، وكذا قال غيره، وتوقف فيه البرهان بأنه سارها مع الحجيج في اثنتي عشرة مرحلة ولا وقفة؛ لأنهم جدوا في السير "وهو نصف طريق المدينة إلى دمشق" كما في الفتح ومراده على التقريب بدليل ما تراه من ضبطه ما بينهما بالمراحل، وصريحه قدم تسمية المكان بذلك، ويوافقه قول الفتح وقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة منها في مسلم أنكم ستأتون غدا عين تبوك، وكذا أخرجه أحمد والبزار من حديث حذيفة، وقيل: سميت بذلك لقوله ﷺ للرجلين اللذين سبقاه إلى العين ما زلتما تبوكانها منذ اليوم.
قال ابن قتيبة: فبذلك سميت العين تبوك والبوك كالنقش، والحفر والحديث المذكور رواه مالك ومسلم بغير هذا اللفظ عن معاذ أنهم خرجوا معه ﷺ ، فقال: "إنكم ستأتون غدا إنстр. 1698
وهي غزوة العسرة، وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها.
وكانت يوم الخميس في رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف، وذكر البخاري لها بعد حجة الوداع لعله خطأ من النساخ.
الحواشي
(١) شاء الله تعالى عن تبوك فمن جارها فلا يمس من مائها، فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، فذكر الحديث في غسل رسول الله ﷺ وجهه ويديه بشيء من مائها، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس انتهى كلام الفتح.
قال الشامي: دل صريح هذا الحديث على أن تبوك اسم لذلك الموضع الذي فيه العين المذكورة النبي ﷺ قال هذا القول قبل أن يصلها بيوم "وهي غزوة العسرة" كما قاله البخاري وغيره.
قال الحافظ: بمهملتين الأولى مضمومة، بعدها سكون مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] وفي حديث الشيخين قول أبي موسى في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك.
عن ابن خزيمة عن ابن عباس قيل لعمر حدثنا عن شأن ساعة العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فأصابنا عطش الحديث، "وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها، بما نزل فيهم من الآيات الدالة على كذبهم، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة: ٤٩] ، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] .
وتفصيل ذلك بطول "وكانت يوم الخمسين، " كما رواه البخاري والنسائي عن كعب بن مالك أنه ﷺ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.
وفي رواية للبخاري أيضا عنه قلما كان يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس، زاد النسائي جهاد أو غيره في رجب سنة تسع مع الهجرة، قبل حجة الوداع بلا خلاف، زاد الحافظ وعند ابن عائذ عن ابن عباس: أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفا لقول من قال في رجب إذا حذفنا الكسور؛ لأنه ﷺ دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة.
"وذكر البخاري لها" وضعا "بعد حجة الوداع" قال الحافظ: خطأ "لعله خطأ من النساخ، وهي آخر مغازيه ﷺ ، كما رواه أحمد في حديث كعب ويونس في زيادات المغازي من مرسل الحسن، وابن عقبة من مرسل الزهري، فلعل البخاري تعمد تأخيرها إشارة إلى ذلك، ولم يفصح به لكونه ليس على شرطه، كما هو دأبه فيما هو كذلك، فختم بها كتاب المغازي الذي ترجم به أولا.стр. 1699
وكان حرا شديدا، وجدبا كثيرا فلذلك لم يور عنها كعادته في سائر الغزوات.
وفي تفسير عبد الرزاق عن معمر عن ابن عقيل قال: خرجوا في قلة من الظهر وفي حر شديد، حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه، من الماء، فكان ذلك عسرة في الماء وفي الظهر وفي النفقة، فسميت غزوة العسرة.
وسببها أنه بلغة عليه الصلاة.
الحواشي
(١) وذكر غير المغازي إنما هو تتميم، فاتكل على المعلوم من أنها قبلها، مع أنه لم يلتزم ترتيبا هذا ما ظهر لي، فإن انقدح وإلا فما البخاري بأولى بالخطأ مني، "وكان" زمن خروجه حرا شديدا، وعند ابن عقبة عن الزهري جدبا قيظا شديدا في ليالي الخريف "وجدبا" بفتح الجيم، وإسكان المهملة وموحدة قحطا "كثيرا، فلذلك لم يور" بشد الراء لم يستر ويكن "عنها"، والتورية ذكر لفظ يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الآخر، فيتوهم إرادة القريب، وهو يريد البعيد، والمتكلم صادق، لكن الخلل وقع من فهم السامع، خاصة وأصله من ورى الإنسان، كأنه ألقى البيان وراء ظهره "كعادته في سائر" باقي "الغزوات" التي قبل هذه لئلا يتفطن العدو، فيستعد للدفع كما رواه البخاري ومسلم في حديث كعب بن مالك قال: لم يكن ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، غزاها في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا، وغزا عدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوتهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، وللبخاري في الجهاد عنه: كان ﷺ قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها، ولا خلف بينهما بحمل القلة على النفي المطلق، المنتهى، إلى العدم للرواية الأولى خصوصا، والمخرج متحد وجلي بشد اللام، كما قال الزركشي، والحافظ والدماميني أي أظهر، وجوز الأخيران تخفيفها.
وزعم العيني أنه خطأ، وفي تفسير عبد الرزاق" ابن همام الحافظ الثقة، الصنعاني المشهور "عند شيخه معمر" بن راشد الأزدي مولاهم البصري، نيل اليمن الحافظ، الثقة الثبت، كلاهما من رجال الكتب الستة، "عن" عبد الله بن محمد "بن عقيل" بتفح العين وكسر القاف، فنسبه لجده ابن أبي طالب الهاشمي أبي محمد المدني أمه زينب بنت على صدوق، مات بعد الأربعين ومائة "قال: خرجوا في قلة من الظهر" مع كثرتهم "وفي حر شديد حتى كانوا ينحرون البعير، فيشربون ما في كرشه من الماء" حتى أغاثهم الله ببركته ﷺ ، كما يأتي، "فكان ذلك عسرة" شدة "في الماء، وفي الظهر وفي النفقة، فسميت غزوة العسرة" أي الشدة والضيق.
"و" اختلف في سببها فقال ابن سعد وشيخه الواقدي وغيرهما: "سببها أنه بلغه عليه الصلاةстр. 1700
والسلام من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل. فندب ﷺ الناس إلى الخروج وأعلمهم بالمكان الذي يريد؛ ليتأهبوا لذلك.
وروى الطبراني من حديث عمران بن الحصين قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك، وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلا من عظمائهم وجهز معه أربعين ألفا. فبلغ ذلك النبي ﷺ ولم يكن للناس قوة.
وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام فقال: يا رسول الله، هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها،
الحواشي
(١) والسلام من الأنباط" قال الحافظ: نسبة إلى استنباط الماء واستخراجه ويقال: إن النبط ينسبون إلى نبيط بن هانب بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح، "الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة، أن الروم" جمع رومي، نسبة إلى جدهم روم بن عيص بن إسحاق، وغلب عليهم اسم أبيهم، فصار كاسم القبيلة، كما في النور، "تجمعت بالشام مع هرقل" بكسر الهاء، وفتح الراء، وسكون القاف على المشهور، ويقال: بكسر الهاء، والقاف وسكون الراء علم على قيصر أعجمي، لا ينصرف للعلمية والعجمة، وبقية هذا القول، وأن هرقل رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معهم لخم وجذام وعاملة وغسان وغيرهم من منتصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء، ولم يكن لذلك حقيقة، "فندب ﷺ " لما بلغه ذلك "الناس إلى الخروج، وأعلمهم بالمكان الذي يريد؛ ليتأهبوا لذلك" أي يكونوا على أهبة وإعداد لما يحتاجونه في السفر والحرب.
"وروى الطبراني" بسند ضعيف في سببها "من حديث عمران بن حصين" الخزاعي الصحابي ابن الصحابي "قال كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل أن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون" جمع سنة بالفتح قحط "فهلكت أموالهم" أسقط كالفتح من رواية الطبراني، فإن كنت تريد أن تلحق دينك فالآن، "فبعث" هرقل "رجلا من عظمائهم" يقال له قباذ، كما في نفس رواية الطبراني، كما في الفتح "وجهز معه أربعين ألفا، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، ولم يكن للناس قوة" قدرة على الذهاب لتلك الأرض، لفقد الظهر والنفقة، لا الضعف كما هو ظاهر.
"وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام، فقال:" لما علم بذلك, وبحثه ﷺ على النفقة والحملان "يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها" جمع حلس بكسر فسكون كساءстр. 1701
ومائتا أوقية -يعني من ذهب- قال: فسمعته يقول: يقول: "لا يضر عثمان ما عمل بعدها" وروى عن قتادة أنه قال: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا.
الحواشي
(١) تحت البرذعة "ومائتا أوقية، قال" عمران: "فسمعته" ﷺ "يقول: "ولا يضر عثمان ما عمل بعدها".
يحتمل أن نفي الضرر لعدم وقوع زلة فهو إشارة إلى أن الله منعه منها ببركة إنفاقه في سبيل الله وأنه صلح أن يغفر له ما عساه يكون ذنبا إن وقع ولا يلزم من الصلاحية وجوده وقد أظهر الله صدق رسوله، فإن لم يزل على أعمال أهل الجنة حتى فارق الدنيا.
قال الحافظ وحديث عمران أخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن خباب بنحوه، وقيل سببها ما رواه أبو سعد في الشرف والبيهقي في الدلائل وابن أبي حاتم ويونس في زيادات المغازي من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بني غنم أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٧٦] .
قال الحافظ: إسناده حسن مع أنه مرسل انتهى.
وقيل سببها أن لله تعالى لما منع المشركين من قرب المسجد الحرام في الحج وغيره، قالت قريش: لتقطعن عنا المتاجر والأسواق وليذهبن ما كنا نصيب منها، فعوضهم الله بالأمر بقتال أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُون﴾ [التوبة: ٢٩] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] فعزم ﷺ على قتال الروم؛ لأنهم أقرب الناس إليه وأولاهم بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام.
ابن مردويه عن ابن عباس وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد وابن جرير عن سعيد بن جبير ويحتمل أن السبب جملة الأربعة، فليس بينها تناف.
ذكر الواقدي أنه ﷺ حض على النفقة والحملان في سبيل الله، فجاءوا بصدقات كثيرة، فكان أول من جاء أبو بكر الصديق بماله كله أربعة آلاف درهم، فقال ﷺ : "هل أبقيت لأهلك شيئا" قال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر بنصف ماله فسأله: "هل أبقيت لهم شيئا" قال: نعم، نصف مالي، وحمل العباس وطلحة وسعد بن عبادة، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية إليه ﷺ ، وتصدق عاصم بن عدي بسبعين وسقا من تمر، وجهز عثمان ثلث الجيش حتى كان يقال: ما بقيت لهم حاجة حتى كفاهم شنق أسقيتهم انتهى. وأقل ما قيل أنه ثلاثون ألفا فيكون جهز عشرة آلاف، وقال ابن إسحاق أنفق عثمان في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها.
"وروى عن قتادة أنه قال: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا.стр. 1702
وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عفان بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة في حجرة ﷺ ، فرأيت رسول الله ﷺ يقلبها في حجره ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم". خرجه الترمذي وقال: حسن غريب.
وعند الفضائلي والملاء في سيرته، كما ذكره الطبري في الرياض النضرة من حديث حذيفة: بعث عثمان -يعني في جيش العسرة- بعشرة آلاف دينار إلى رسول الله ﷺ
الحواشي
(١) وعن عبد الرحمن بن سمرة" بن حبيب بن عبد شمس القرشي العبشمي أبي سعيد صحابي من مسلمة الفتح، يقال: كان اسمه عبد كلال، افتتح سجستان، ثم سكن البصرة وبها مات سنة خمسين، أو بعدها، روى له الستة "قال جاء عثمان بن عفان ﵁ بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة" بالبناء للمفعول.
وفي رواية أحمد حين جهز رسول الله ﷺ جيش العسرة "فنثرها" وفي رواية فصبها "في حجرة ﷺ ".
قال عبد الرحمن "فرأيت رسول الله ﷺ يقلبها في حجره ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم".
"أخرجه الترمذي: وقال حسن غريب" ورواه الإمام أحمد والبيهقي أيضا، "وعند الفضائلي والملاء"، قال الشامي في جماع فضائل أهل البيت بفتح الميم وشد اللام: عمر الموصلي كان يملأ من بئر في جامع الموصل احتسابا وكان إماما عظيما، ناسكا، زاهدا، وكان السلطان نور الدين الشهيد يشهر قوله ويقبل شفاعته، انتهى.
فوهم من ظنه الملائي فزاده ياء تعلقا بأن في اللب وغيره الملائي، بضم الميم وخفة اللام والمد، نسبة إلى بيع الملاءة التي يلتحف بها النساء، فإن هذا من الرواة لا سيرة له، وقد قال المصنف "في سيرته، كما ذكره الطبري في الرياض النضرة" في فضائل العشرة: وقد أبعد النجعة بالعز، ولغير المشاهير فقد أخرجه ابن عدي أيضا كلهم "من حديث حذيفة" بن اليمان قال: "بعث عثمان" ولفظ ابن عدي جاء عثمان "يعني في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار إلى رسول الله ﷺ ".
قال الحافظ في المناقب بعد عزوه لابن عدي: سنده واه، ولعلها كانت بعشرة آلاف درهم، فتوافق رواية ألف دينار انتهى. ولو صح أمكن أن الألف جاء بها والعشرة بعث بها لكنстр. 1703
فصبت بين يديه، فجعل ﷺ يقول بيده ويقلبها ظهرا لبطن ويقول: "غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي ما عمل بعدها".
ولما تأهب رسول الله ﷺ للخروج قال قوم من المنافقين: لا تنفروا في الحر، فنزل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ
الحواشي
(١) يمنع ذلك رواية ابن عدي بلفظ جاء المفيدة أن بعث من تعبير الرواة لاتحاد المخرج، "فصبت بين يديه، فجعل ﷺ يقول بيده" أي يفعل بها، فقوله "ويقلبها" بيان للقول المذكور، والضمير عائد للدنانير بدليل قوله في الرواية التي فوقها يقلبها في حجره والحديث يفسر بعضه بعضا ظهرا لبطن، أي ما ظهر منها لما بطن تعجبا من كثرتها وسماحته بها في سبيل الله.
هذا هو المتبادر، وقال شيخنا: أي يجعل بطن يده تارة إلى السماء، وظهرها إليها أخرى، ولعله كان تارة يدعو برفع البلاء، فيجعل ظهرها إلى السماء، وتارة بطلب النصر، ونحوه فيجعل بطنها ولك الترجيح، "ويقول: "غفر الله لك يا عثمان ما أسررت، وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة ما يبالي ما عمل بعدها"، بشارة عظيمة بأن الله غفر له الذنوب، أي سترها عنه، فمنعه منها ببركة دعائه له، ونفقته في سبيل الله، فليس يبالي بما عمل إذ لا يقع منه إلا الخير.
وقال ابن هشام: حدثني من أثق به أن عثمان أنفق ألف دينار غير الإبل، والزاد وما يتعلق بذلك، فقال ﷺ : "اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض" ومعلوم أن الألف دينار غير الإبل والزاد وما يتعلق بذلك.
وقد روى الطيالسي، وأحمد والنسائي عن الأحنف بن قيس: سمعت عثمان يقول لسعد بن أبي وقاص، وعلى، والزبير وطلحة: أنشدكم الله تعالى هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من جهز العسرة غفر الله له فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا". قالوا: اللهم نعم.
وروى عبد الله في زوائد المسند والترمذي والبيهقي عن عبد الرحمن بن خباب بمعجمة وموحدتين الأولى ثقيلة. قال: خطب ﷺ فحث على جيش العسرة فقال عثمان: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم نزل مرقاة أخرى من المنبر ثم حث فقال عثمان: عليَّ مائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتابها ثم نزل مرقاة أخرى من المنبر ثم حث فقال عثمان: عليَّ مائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتبابها ثم نزل مرقاة أخرى فحث فقال عثمان: عليَّ مائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتباها قال: فرأيت رسول الله ﷺ يقول بيده، هكذا يحركها كالمتعجب "ما على عثمان بعد هذا اليوم" أو قال "بعدها " ولما تأهب ﷺ للخروج قال" كما رواه ابن إسحاق عن شيوخه "قوم من المنافقين" بعضهم لبعض "لا تنفروا" تخرجوا إلى الجهاد "في الحر" زهادة في الجهاد وشكا في الحق وإرجافا بالرسول، "فنزل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمстр. 1704
أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُون﴾ [التوبة: ٨١] .
وأرسل ﵊ إلى مكة وقبائل العرب يستفزهم.
وجاء البكاءون يستحملونه، فقال ﵊: "لا أجد ما أحملكم عليه". وهم
الحواشي
(١) أَشَدُّ حَرًّا﴾ من تبوك فالأولى أن تتقوها بترك التخلف ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُون﴾ ، يعلمون ذلك ما تخلفوا، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون، فأخبر عن حالهم بالضحك القليل في الدنيا، ومقابله في الآخرة بصيغة الأمر.
وعند ابن عقبة والواقدي وغيرهما: أن قائل ذلك الجد، بفتح الجيم، وشد المهملة ابن قيس لمن معه من بني سلمة وأنه القائل ائذن لي ولا تفتني.
وقد روى الطبراني، وأبو نعيم، وابن مردويه، عن ابن عباس، وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر: لما أراد ﷺ أن يخرج إلى تبوك قال لجد بن قيس: "ما تقول في مجاهدة بني الأصفر"، فقال: إني امرؤ صاحب نساء ومتى أرى نساءهم، أفتتن فائذن لي، ولا تفتني، فأعرض عنه، وقال: "قد أذنا لك" فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة: ٤٩] .
قال ابن إسحاق: أي إن كان إنما خشي منهن، وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة أكبر بتخلفه عن رسول الله، والرغبة بنفسه عن نفسه يقول وإن جهنم لمن ورائه، زاد الواقدي عن شيوخه فجاءه ابنه عبد الله وكان بدريا فلامه فقال: ما لي وللخروج في الريح والحر الشديد والعسرة إلى بني الأصفر وأنا أخالفهم في منزلي، أفأغزوهم وإني عالم بالدوائر، فألظ له ابنه وقال: لا والله ولكنه النفاق والله لينزلن فيك قرآن، فضرب بنعله وجه ولده فانصرف ابنه ولم يكلمه فنزلت الآية.
وروى ابن هشام عن عبد الله بن حارثة عن أبيه قال: بلغ رسول الله ﷺ أن ناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن تبوك، فبعث ﷺ طلحة بن عبيد الله في نفر وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ففعل، واقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا، "وأرسل ﵊ إلى مكة وقبائل العرب يستفزهم، وجاء البكاءون يستحملونه" يطلبون منه ما يركبون عليه، ويحملهم وكلهم معسر ذو حاجة لا يحب التخلف عن الغزو معه "فقال ﵊: "لا أجد ما أحملكم عليه" وهم" كما قال ابن عباس عند ابن جرير، وابن مردويه، وأبي نعيم، وابن إسحاق، عن شيوخه الزهري، وعاصم، ويزيد، وغيرهم، وابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي وعند كل ما ليس عند الآخر.стр. 1705
سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب المازني، والعرباض بن سارية، وهرم بن عبد الله، وعمرو بن عنمة، وعبد الله بن مغفل، وعبد الله بن عمرو المزني، وعمرو بن الحمام،
الحواشي
(١) وصرح ابن إسحاق وطائفة بأنهم سبعة والمتحصل من الجميع ما سرده المصنف تبعا لمغلطاي وحسن منه تقديم خمسة اتفق عليهم من ذكر وهم: "سالم بن عمير" ويقال: ابن عمرو ويقال: ابن عبد الله، ويقال: ابن ثابت بن النعمان الأوسي، يقال في نسبه العمري؛ لأنه من بني عمرو بن عوف، شهد العقبة وبدرا وما بعدهما ومات في خلافة معاوية.
ووقع عند ابن جرير، عن محمد بن كعب، وغيره في تسمية البكائين سالم بن عمير من بني واقف، قال في الإصابة: فيحتمل أن يكون غير الأول انتهى.
"وعلبة"، بضم المهملة، وسكون اللام، وفتح الموحدة وتاء تأنيث. "ابن زيد" بن عمرو بن عوف الأنصاري، "وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب" بن عمرو بن عوف الأنصاري، الأوسي، "المازني" من بني مازن بن الهنجار، شهد أحدا وما بعدها، ومات في خلافة عمر. "والعرباض" بكسر المهملة، وسكون الراء وموحدة فألف، فمعجمة.
"ابن سارية" السلمي قديم الإسلام ومن أهل الصفة، مات بعد السبعين، وهو من البكائين باتفاق من ذكرت، وعليه الواقدي وابن سعد، وحزم، وأبو عمرو "وهرم" بفتح الهاء، وكسر الراء وميم آخره، ويقال: هرمي بياء بعد الميم وقدمه جماعة "ابن عبد الله" بن رفاعة الأنصاري الواقفي، بقاف مكسورة، ثم فاء المدني، "وعمرو بن عنمة" بفتح المهملة والنون والميم وتاء تأنيث ابن عدي الأنصاري، ذكره ابن عقبة وغيره في البكائين وأهل بدر وقول الإصابة، وكذا ذكره ابن إسحاق، أي في رواية عن زياد، فلا يخالف نقله في الفتح عنه من عدم عده في البكائين، "وعبد الله بن مغفل"، بضم الميم وفتح المعجمة والفاء المشددة ابن عبد نهم، بفتح النون، وسكون الهاء وميم.
المزني من مشاهير الصحابة شهد بيعة الرضوان، مات سنة تسع وخمسين، أو ستين، أو إحدى وستين بالبصر، عده في البكائين ابن عباس وابن عقبة وابن إسحاق والقرظي.
وروى ابن سعد وغيره عنه قال: إني لأحد الرهط الذين ذكر الله ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْك﴾ [التوبة: ٩٢] .
"وعبد الله بن عمرو" بن هلال "المزني" حكاه ابن إسحاق قولا بدل ابن مغفل.
ورواه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي، وابن مردويه عن مجمع بن جارية.
"وعمرو" بفتح العين "ابن الحمام"، بضم الحاء المهملة، والتخفيف ابن الجموحстр. 1706
ومعقل المزني، وحرمي بن مازن، والنعمان وسويد ومعقل وعقيل وسنان وعبد الرحمن وهند.
الحواشي
(١) الأنصاري من بني سلمة، ذكره فيهم ابن إسحاق والطبري والدولابي.
"ومعقل بفتح الميم، وسكون المهملة، وكسر القاف، ولام، ابن يسار "المزني" بايع تحت الشجرة، وهو الذي ينسب إليه نهر معقل بالبصرة حكى كونه منهم ابن سعد عن بعض الروايات.
"وحرمي" بفتح المهملة، فراء، فميم اسم بلفظ النسب "ابن" عمر، ومن بني "مازن" انفرد بعده في البكائين محمد بن كعب القرظي، كما انفرد بذكر عبد الرحمن بن زيد أبي عبلة. رواه عنه ابن جرير، قال ابن سعد: وبعضهم يقول البكاءون بنو مقرن السبعة، وهم من مزينة، فسردهم المصنف، فقال: "والنعمان" بن مقرن بن عائذ، صحابي مشهور روى له الستة، استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين، وهم من زعم أنه النعمان بن عمرو بن مقرن، فذاك تابعي وهو ابن أخي هذا.
"وسويد" مقرن صحابي مشهور نزل الكوفة روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ويقع في النسخ والنعمان بن سويد، وهو خطأ، فالذي في نفس مغلطاي الذي هو ناقل عنه بواو العطف.
"ومعقل" بن مقرن المزني قال ابن حبان: له صحبة وقال البغوي: سكن الكوفة: وروى عنه ﷺ أحاديث.
"وعقيل بفتح أوله ابن مقرن المزني ذكره البخاري في الصحابة، والواقدي فيمن نزل الكوفة منهم.
"وسنان" بن مقرن أحد الأخوة، وقال ابن سعد له صحبة وذكره غير واحد في الصحابة.
"وعبد الرحمن" بن مقرن بن عائذ المزني قال ابن سعد: له صحبة، ويقال: كان اسمه عبد عمرو، فغيره ﷺ ، وهذا سقط من الشامي لما عذبني مقرن سهوا، أو من الناسخ.
"وهند" لم أر له ذكرا في الصحابة نعم فيها عبد الله بن مقرن المزني أحد الأخوة.
روى عنه مجد بن سيرين وعبد الملك بن عمير، كذا قال ابن منده: ولم يخرج له شيئا، وله ذكر في الفتوح.
قال سيف في كتاب الردة: خرج أبو بكر يمشي وعلى ميمنته النعمان بن مقرن، وميسرته عبد الله بن مقرن، وعلى الساقة سويد بن مقرن، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد، فذكر قصة قتال أهل الردة انتهى.
وقد صرح في الشامية بأن السابع لم يسم فقيل: اسمه عبد الله، وقيل النعمان، وقيلстр. 1707
بنو مقرن، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] قال مغلطاي.
وفي البخاري، عن أبي موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله الحملان لهم، فقلت يا نبي الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: "والله لا أحملكم على شيء" فرجعت.
الحواشي
(١) ضرار "بنو مقرن" بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء الثقيلة.
قال الواقدي وابن نمير: كان بنو مقرن سبعة كلهم صحب النبي ﷺ قال أبو عمر: ليس ذلك لأحد من العرب غيرهم.
قال الحافظ: وقد ذكر هو في ترجمة هند بن حارثة الأسلمي ما ينقض ذلك، وأخرج الطبري من طريق عبد الرحمن بن معقل بن مقرن أن ولد مقرن كانوا عشرة، نزل فيهم: ﴿مِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ "وهم الذين قال الله تعالى فيهم": ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢] ، قلت: $"لا أجد ما أحملكم عليه"، " ﴿تَوَلَّوْا﴾ " انصرفوا جواب إذا، " ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيض﴾ " تسيل: " ﴿مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ " لأجل " ﴿أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُون﴾ " في الجهاد، "قاله مغلطاي" جامعا ما تفرق في الأخبار، قال الشامي: وذكر الحاكم أن فيهم حرمي بن المبارك بن النجار، وابن عائذ مهدي بن عبد الرحمن ولم أر لهما ذكرا في كتب الصحابة.
قال ابن إسحاق والواقدي: لما خرج البكاءون من عنده ﷺ ، وقد أعلمهم أنه لا يجد ما يحملهم عليه لقي يامين بن عمر، والنضري أبا ليلى وعبد الله بن مغفل، وهما يبكيان فقال: ما يبكيكما قالا: جئناه ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج، ونكره أن تفوتنا غزوة معه، فأعطاهما ناضحا له، وزود كل واحد منهما صاعين من تمر.
زاد الواقدي: وحمل العباس منهم رجلين وعثمان ثلاثة بعدما جهز من الجيش.
"وفي البخاري" ومسلم، "عن أبي موسى" عبد الله بن قيس الأشعري "قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله الحملان لهم" بضم الحاء المهملة وسكون الميم، أي الشيء الذي يركبون عليه ويحملهم، قاله الحافظ وغيره، "فقلت: يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: "والله لا أحملكم على شيء".
زاد مسلم والبخاري في رواية: "وما عندي ما أحملكم عليه"، وأسقط من البخاري ومسلم ما لفظه ووافقتهه وهو غضبان، ولا أشعر من شيء آخر قبل مجيئه لقوله: وافقته وقوله: لا أشعر فكأن غضبه حمله على القسم، وفيه انعقاد اليمين في الغضب، "فرجعت" إلى أصحابي" حالстр. 1708
حزينا من منع النبي ﷺ ومن مخافة أن يكون النبي ﷺ وجد في نفسه على فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي ﷺ . فلم ألبث إلا سويعة إذا سمعت بلالا ينادي: أين عبد الله بن قيس، فأجبته، فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك. فلما أتيته قال: "خذ هاتين القرينتين وهاتين القرينتين" لستة أبعرة أبتاعهن حينئذ من سعد
الحواشي
(١) كوني "حزينا من منع النبي ﷺ " أن يحملنا "ومن مخافة أن يكون النبي ﷺ " غضب "في نفسه علي، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال النبي ﷺ ، فلم ألبث" بفتح الهمزة والموحدة، بينها لام ساكنة آخره مثلثة "إلا سويعة" بضم السين المهملة، وفتح الواو مصغر ساعة، وهي جزء من الزمان، أو من أربعة وعشرين جزأ من اليوم والليلة.
قال المصنف وجزم الشام بالأول "إذ سمعت بلالا ينادي أين عبد الله" رواية أبي ذر ولغيره، أي عبد الله "بن قيس، فأجبته فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك" خبر رسول، أو حال، فرسول منصوب بأجب، "فلما أتيته قال: "خذ هذين القرينين" تثنية قرين. قال الحافظ: أي الحملين المشدودين أحدهما إلى الآخر وقيل: النظيرين المتساويين "وهذين القرينين"، ولأبي ذر عن غير المستملي وهاتين القرينتين أي الناقتين فذكر، ثم أنث، فالأولى على أرادة البعير والثانية على إرادة الاختصاص لا الوصفية انتهى.
وقال المصنف والشامي: ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هاتين القرينتين، وهاتين القرينتين أي الناقتين.
قال الحافظ: وهو إما اختصار من الراوي، أو كانت الأولى اثنين والثانية أربعة؛ لأن القرين بصدق على الواحد وعلى الأكثر فلا يخالف قوله "لستة أبعرة".
وتقدم، أي في البخاري في قدوم الأشعريين أنه ﷺ أمر لهم بخمس ذود، فأما تعددت القصة، أو زادهم على الخمس واحدا انتهى.
وللبخاري أيضا بثلاثة ذود وجمع بأنها باعتبار ثلاثة أزواج والأبعرة جمع بعير يقع على الذكر والأنثى، فهو جار على كل من رواية التذكير والتأنيث "ابتاعهن".
قال الحافظ في رواية الكشميهني: ابتاعهم، وكذا انطلق بهن في روايته بهم، والصواب ما عند الجماعة؛ لأنه جمع ما لا يعقل "حينئذ من سعد" لم يتعين لي من هو سعد إلى الآن، إلا أنه يهجس في خاطري أنه سعد بن عبادة انتهى.
ففي قول المصنف قيل: هو ابن عبادة وقفة، وفي قدوم الأشعريين، فحلف أن لا يحملنا، ثم لم يلبث ﷺ أن أتى بنهب إبل، فأمر لنا بخمس ذود، ولم ينبه الحافظ على الجمع بين الروايتين.стр. 1709
"فانطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء فاركبوهن" الحديث.
وقام علبة بن زيد، فصلى من الليل وبكى وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها، مال أو جسد أو عرض. ثم أصبح مع الناس. فقال ﷺ : "أين المتصدق بهذه الليلة"؟ فلم يقم أحد،
الحواشي
(١) قال الشامي: فيحتمل أن يكون ما جاء من النهب أعطاه لسعد، ثم اشتراه منه لأجل الأشعريين، أو يحمل على التعدد "فانطلق" بكسر اللام، والجزم على الأمر، قاله المصنف بناء على قول الكوفيين الأمر مجزوم، أو مسامحة، ومراده على صورة المجزوم بناء على قول البصرة مبني "بهن".
وللكشميهني بهم بالميم والصواب الأولى، كما علم "إلى أصحابك، فقل إن الله، أو إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء" الأبعرة "فاركبوهن" الحديث". بقيته فانطلقت إليهم بهن، فقلت إن النبي ﷺ يحملكم على هؤلاء الأبعرة، ولكني والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ ، لا تظنوا أني أحدثتكم شيئا لم يقله رسول الله ﷺ فقالوا: إنك عندنا بالمصدق، ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله ﷺ ومنعه إياهم، ثم أعطاهم بعد، فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى، "وقام علبة بن زيد" أحد البكائيين المذكورين، "فصلى من الليل" ما شاء الله "وبكى" لفظ الرواية ثم بكى "وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني" المسلم "فيها" في المظلمة "مال" بالجر بدل من مظلمة، ولفظ الروض أصابني بها في مال، "أو جسد، أو عرض" بأن أعفو عنه والغالب أن لا يخلو أحد من ظلم غيره له في شيء ما وبفرض أن لا ظلامة فهو مثاب على قصده الرأفة بالمسلمين.
وفي حديث أبي عيس: ولكني أتصدق بعرضي من آذاني، أو شتمني، أو لمزين فهو له حل "ثم أصبح مع الناس فقال ﷺ " وفي حديث عمرو بن عوف فأمر ﷺ مناديا فنادى "أين المتصدق بهذه الليلة"؟ فلم يقم أحد ثم قال: "أين المتصدق" فلم يقم أحد" وكأنه لو علم بالوحي لم يبين له خصوصه، كأنه قيل له: إن رجلا من أصحابك تصدق الليلة بكذا، أوстр. 1710
ثم قال: "أين المتصدق بهذه الليلة"؟ فلم يقم أحد، ثم قال: "أين المتصدق فليقم"، فقام إليه فأخبره، فقال ﷺ : "أبشر فوالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المقبلة". رواه يونس كما ذكره السهيلي في الروض له، والبيهقي في الدلائل.
وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم في التخلف، فأذن لهم، وهم اثنان وثمانون رجلا.
وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة،
الحواشي
(١) علم وأراد إذاعة فضله، ثم قال: "أين المتصدق فليقم" زاد في الروض ولا يتزاهد ما صنع هذه الليلة انتهى.
وكان علبة أراد خفاء عمله، فلم يقم في المرتين حتى أمره فلم يسمعه إلا امتثاله "فقام إليه، فأخبره فقال ﷺ : "أبشر فوالذي نفس محمد بيده"، أقسم له ليزيد مسرته، ويدع كربته "لقد كتبت" بالبناء للمفعول، أي صدقتك "في" عداد "الزكاة المتقبلة" فثوابها كثوابها.
"رواه يونس" عن ابن إسحاق "كما ذكره السهيلي في الروض" بلا سند، "والبيهقي في الدلائل له" قال في الإصابة: وقد ورد موصولا من حديث مجمع بن جارية، ومن حديث عمرو بن عوف عند ابن أبي الدنيا وابن شاهين.
ومن حديث علبة نفسه عند البزار قال: حث ﷺ على الصدقة، فذكره قال البزار: علبة هذا مشهور من الأنصار ولم نعلم له غير هذا الحديث.
ومن حديث أبي عبس، بفتح فسكون ابن جبير عند الخطيب انتهى ملخصا.
"وجاء المعذرون" جمع معذر بشد الذال.
قال البيضاوي: أما من عذر في الأمر إذا اقصر فيه موهما أن له عذرا ولا عذر له، أو من اعتذر إذا شهد العذر بإدغام في الذال ونقل حركتها إلى العين ويجوز كسر العين لالتقاء الساكنين، وضمها للإتباع لكن لم يقرأ بهما، وقرأ يعقوب المعذرون من أعذر إذا اجتهد في العذر "من الأعراب" إلى النبي ﷺ "ليؤذن لهم في التخلف" وتعللوا بالجهد وكثرة العيال، "فأذن لهم" في التخلف، ولكن لم يعذرهم كما قال ابن إسحاق وغيره، أي لم يقبل عذرهم لكذبهم فيه "وهم" كما قال ابن سعد وشيخه: "اثنان وثمانون رجلا"، من بني غفار، وفي البيضاوي يعني أسد وغطفان، وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معك اغارت طيء على أهالينا ومواشينا.
"وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر" في نفس الأمر، "و" بغير "إظهار علة" للنبي ﷺ ،стр. 1711
جرأة على الله ورسوله وهو قوله تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٩٠] . واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة. قال الدمياطي: وهو عندنا أثبت ممن قال استخلف غيره. انتهى.
وقال الحافظ زين الدين العراقي، في ترجمة علي بن أبي طالب من شرح التقريب، لم يتخلف عن المشاهد إلا تبوك، فإن النبي ﷺ خلفه على المدينة، وعلى عياله، وقال يومئذ: "أنت منى بمنزلة هارون من موسى
الحواشي
(١) "جراءة" بفتح الجيم والراء، كضخامة "على الله ورسوله" لعدم مبالاتهم بهما لكفرهم" وهو قوله تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٩٠] في إدعاء الإيمان من منافقي الأعراب عن المجيء للاعتذار.
"واستخلف على المدينة" فيما قال ابن هشام "محمد بن مسلمة" الأنصاري.
"قال الدمياطي" تبعا للواقدي، "وهو عندنا أثبت ممن" أي من قول من قال: أو قائل استخلافه أثبت ممن قال استخلف غيره" عليًّا، أو سباعًا، أو ابن أم مكتوم "انتهى" كلام الدمياطي وهو في هذا الترجيح تابع لقول الواقدي الثبت عندنا محمد بن مسلمة، "و" لكن قال الحافظ زين الدين العراقي في ترجمة علي بن أبي طالب من شرح التقريب، لم يتخلف" علي "عن المشاهد" كلها، بل حضرها معه ﷺ وخيبر، وإن تخلف في ابتدائها العذرة فقد حضر معظمها بحيث كان الفتح على يديه "إلا تبوك، فإن النبي ﷺ خلفه على المدينة"، كما رواه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، ولفظه أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى تبوك استخلف على المدينة علي بن أبي طالب "و" خلفه أيضا على عياله" فقال: "يا علي اخلفني في أهلي وأضرب وخذ وعظ"، ثم دعا نساءه فقال: "اسمعن لعلي وأطعن".
رواه الحاكم في الأكليل من مرسل عطاء بن أبي رباح، وأخرج ابن إسحاق عن سعد ابن أبي وقاص خلف ﷺ عليًّا على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالًا له وتخففًا فأخذ علي سلاحه، ثم أتى رسول الله ﷺ ، وهو نازل بالجرف، فقال: يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني؛ لأنك استثقلتني وتخففت مني، فقال: "كذبوا ولكن خلفتك لما تركت ورائي فأرجع في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" فرجع إلى المدينة ومضى ﷺ على سفره، "وقال يومئذ"، أي زمن استخلافه لما تراه أن قوله له لما لحقه بالجرف، فأراد باليوم القطعة من الزمن "أنت مني" وفي رواية لهما أيضا، "أما ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى".стр. 1712
إلا أنه لا نبي بعدي". وهو في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص. انتهى. ورجحه ابن عبد البر.
الحواشي
(١) قال الطيب: "مني" خبر المبتدأ ومن اتصالية ومتعلق الخبر خاص والباء زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] ، أي فإن آمنوا إيمانا مثل إيمانكم يعني أنت متصل ونازل مني منزلة هارون من موسى وفيه تشبيه، ووجه الشبه مبهم بينه بقوله، "إلا أنه لا نبي بعدي" فعرف أن الاتصال المذكور بينهما ليس من جهة النبوة، بل من جهة ما دونها وهي الخلافة، ولما كان هارون المشبه به إنما كان خليفة في حياة موسى، دل ذلك على تخصيص خلافة علي له ﷺ بحياته انتهى. يعني فلا حجة فيه للشيعة في أن الخلافة لعلي، وأنه أوصى له بها، وكفرت الروافض جميع الصحابة، بتقديم غيره، وزاد بعضهم فكفر عليًّا لكونه لم يقم بطلب حقه، ولا حجة لهم في الحديث، ولا متمسك لهم به؛ لأنه إنما قال هذا حين استخلفه بالمدينة في هذه الغزوة.
قال المصنف وغيره: ويؤيده أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى، لوفاته قبله بنحو أربعين سنة انتهى. ومر في أحد قولي البيضاوي: الأكثر أن موسى مات قبله بسنة، وقول النور: بنحو خمسة أشهر، "وهو" أي كونه خلفه على المدينة وعلى عياله معا ظاهر ما في الصحيحين البخاري هنا، وفي المناقب ومسلم في الفضائل، والنسائي وابن ماجه كلهم "من حديث سعد بن أبي وقاص" ولفظه أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا فقال: اتخلفني في الصبيان والنساء قال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي".
زاد أحمد فقال علي: رَضيت ثم رضيت، فقوله: استخلف عليًّا ظاهر في أنه على المدينة، وتأيد هذا الظاهر بورود هذه اللفظة في نفس حديث سعد في مصنف عبد الرزاق، والروايات يفسر بعضها بعضا، لا سيما والمخرج متحد، ومن ثم جزم الحافظ العراقي الذي "انتهى".
كلامه بعزوه لهما استخلافه على المدينة، "ورجحه" الإمام الحافظ "ابن عبد البر" وتبعه الحافظ ابن دحية، وقطع به المصنف في شرح البخاري؛ لأن ما في أرفع الصحيح لا معدل عنه، وأما الدمياطي فقد مر عنه أنه كان لما ألف السيرة سيريًا محضًا، يتبعهم ولو خالف الأحاديث الصحيحة، فتبع هنا الواقدي في ترجيحه، ثم العجب من الشارح أخذ ترجمة الشامي من استخلفه على أهله، ومن استخلفه على المدينة، وأتى بصدر كلامه فقط، وزعم أنه ظاهر حديث البخاري. وقضى على المصنف بالتسمح، فإنه خلفه على أهله لكن لقربه منه وعظم أمرهстр. 1713
وقيل: استخلف سباع بن عرفطة.
وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب منهم، كعب بن مالك.
الحواشي
(١) إذا عرض للمدينة شيء عاون ابن مسلمة في دفعه، ولو استكمل عبارة الشامي لعلم أن الحق مع المصنف، وأنه لا تسمح في كلامه فإنه لما حكى عن الواقدي القول بأنه علي قال ما نصه. قال أبو عمرو تبعه ابن دية، وهو الأثبت قلت ورواه عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، ولفظه أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى تبوك، استخلف على المدينة علي بن أبي طالب انتهى.
فهذا صريح في ترجيحه، وأن ترجمته إنما هي توفية بتأدية كلام أهل المغازي ويهجس في خاطري أنه لم يقرأ له بقية كلامه أو سقط من النسخة التي كانت عنده؛ لأنه كان يشكو كثرة تحريفها وسقطها "وقيل: استخلف سباع" بكسر المهملة وخفة الموحدة "ابن عرفطة" بضم المهملة، وسكون الراء وضم الفاء فطاء مهملة حكى هذا القول ابن هشام عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، ويقال: إنه استخلف ابن أم مكتوم.
حكى الأقوال الأربعة الواقدين وقد علمت أن أرجحها علي لصحة الحديث به وترجيح جهابذة الحفاظ له، فناهيك بابن عبد البر، وابن دحية، والعراقي ويليه محمد بن مسلمة لترجيح الواقدي والدمياطي، وأما الأخيران فلم يرجحا وقال شيخنا يجمع بتقدير صحة جميعها، بأن عليًّا على أهله، وابن مسلمة على المدينة، وابن أم مكتوم على الصلاة وسباع أولا، ثم عرض ما منعه، فاستخلف ابن مسلمة انتهى. وملحظه فيه ما أصله، كما علمت من ترجيح أنه ابن مسلمة، "وتخلف نفر من المسلمين من غير شك" في أمره ﷺ ، "ولا أرتياب" بل كانوا جازمين متيقنين أنه خاتم النبيين.
"منهم كعب بن مالك" الأنصاري السلمي، بالفتح المدني، الصحابي المشهور، مات في خلافة علي.
روى له الجميع قال في حديث تخلفه عند الشيخين: تجهز ﷺ والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقص شيئًا فأقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجند، فأصبح ﷺ والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا فقلت: أتجهز بعده بيوم، أو يومين، ثم ألحقهم فرجعت ولم أقض شيئًا ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئًا لم يزل حتى أسرعوا وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك.стр. 1714
ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وفيهم نزل ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] وأبو ذر، وأبو خثيمة، ثم لحقاه بعد ذلك.
ولما رأى عليه.
الحواشي
(١) "ومرارة" قال في الفتح بضم الميم وراءين الأولى خفيفة.
"ابن الربيع" الأنصاري العمري، بفتح المهملة، وسكون الميم، نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، ووقع لبعضهم العامري، وهو خطأ، وكونه ابن الربيع هو المشهور، ووقع في مسلم ابن ربيعة وعند ابن مردويه من حديث مجمع بن جارية مرارة بن ربعي، وهو خطأ، وكذا ما عند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن من تسميته ربيع بن مرارة وهو مقلوب، وذكر في هذا المرسل: أن سبب تخلفه أنه كان له حائط حين زها، فقال في نفسه، قد غزوت قبلها، فلو أقمت عامي هذا، فلما تذكر ذنبه قال: اللهم أني أشهدك أن قد تصدقت به في سبيلك.
"وهلال بن أمية" الأنصاري الواقفي بقاف، ثم فاء نسبة إلى بني واقف بن امرئ القيس بن ملك بن الأوس. ذكر في مرسل الحسن: أن سبب تخلفه، أنه كان له أهل تفرقوا، ثم اجتمعوا، فقال: لو أقمت هذا العام عندهم، فلما تذكر قال: اللهم لك على أن لا أرجع إلى أهل ولا مال، وفيهم نزل ﴿عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] على التوبة عليهم بقرينة بقية الآية، ويأتي له مزيد "وأبو ذر".
ذكر الواقدي: أن سبب إبطائه عن السير أن بعيره كان أعجف، فقال: أعلفه أياما، ثم ألحقه ﵊، فعلفه أياما، ثم خرج فلم ير به حركة، فحمل متاعه على ظهره وسار.
"وأبو خيثمة" قال في الفتح اسمه سعد بن خيثمة، كذا أخرجه الطبراني من حديثه ولفظه تخلفت عن رسول الله ﷺ ، فدخلت حائطا، فرأيت عريشا قد رش بالماء، ورأيت زوجتي، فقلت: ما هذا بإنصاف رسول الله ﷺ في السموم والحر وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح لي وتمرات وخرجت فلما طلعت على العسكر فرآني الناس قال ﷺ : "كن أبا خيثمة"، فجئت فدعا لي. وذكره ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم مرسلًا، وذكر الواقدي: أن اسمه عبد الله بن خيثمة وقال ابن هشام: اسمه مالك بن قيس انتهى. "ثم لحقاه بعد ذلك" روى ابن إسحاق عن ابن مسعود لما سار ﷺ إلى تبوك جعلوا يقولون تخلف فلان، فيقول: "دعوه فإن يكن فيه خير، فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه"، وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه على ظهره، ثم خرج يتبع أثره ﷺ ماشيا، "ولما رأى عليهстр. 1715
الصلاة والسلام أبا ذر الغفاري -وكان ﷺ نزل في بعض الطريق- فقال: "يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده"، فكان كذلك.
وأمر ﷺ لكن بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية.
الحواشي
(١) الصلاة والسلام أبا ذر الغفاري وكان ﵊ نزل في بعض الطريق" قال أبو ذر: فطلعت عليه نصف النهار وقد أخذ مني العطش.
رواه الواقدي قال في حديث ابن إسحاق: فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال ﷺ : "كن أبا ذر" فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر "فقال" "رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده ويبعث وحده".
هكذا الرواية عن ابن مسعود عند ابن إسحاق وأتباعه فما يقع في نسخ يعيش بدل يبعث تحريف من النساخ، وعند الواقدي، فلما قدم على النبي ﷺ وأخبره خبره قال: "لقد غفر الله لك يا أبا ذر بكل خطوة ذنبا إلى أن لقيتني"، ووضع متاعه عن ظهره، ثم استسقى فأتي بإناء من ماء فشربه، وقوله: "كن أبا ذر"، "كن أبا خيثمة" بلفظ الأمر قيل: معناه الدعاء، كما تقول أسلم، أي سلمك الله، أي اللهم اجعله أبا ذر، وقيل: معناه أنت أبو ذر، ثم إنه يقع في نسخ حذف، "ويبعث وحده"؛ لأنه لم يتقيد بالرواية، بل اقتطف منها ما يدل على الآية الباهرة التي شوهدت والبعث لم يشاهد بعد، فهي أنسب بقوله "فكان كذلك".
روى ابن إسحاق عن ابن مسعود: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة وأصابه بها قدره لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما أن غسلان وكفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمر بكم، فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه، فلما مات فعلا ذلك به، وأقبل ابن مسعود في رهط من أهل العراق عمار، فلم يرعهم إلا والجنازة على ظهر الطريق، وقد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه، فاستهل عبد الله بن مسعود يبكي، ويقول: صدق رسول الله ﷺ تمشي وحدك، وتموت وحدك وتبعث وحدك، ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثهم ابن مسعود بالحديث، وعسكر ﵇ بثنية الوداع، كما قال ابن إسحاق.
زاد الواقدي: ولما رحل منها، عقد الألوية والرايات، "وأمر ﷺ لكل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية".
قال الواقدي: فدفع لواءه الأعظم إلى الصديق ورايته العظمى إلى الزبير، ودفع راية الأوس إلى أسيد بن حضير، وراية الخزرج إلى أبي دجانة، ويقال إلى الحباب بن منذر.
قال: ورأى براس الثنية عبدًا لامرأة متسلحًا فقال: أقاتل معك، فقال: ارجع إلى سيدتك،стр. 1716
وكان معه ﵊ ثلاثون ألفًا: وعند أبي زرعة سبعون ألفًا، وفي رواية عنه أيضًا أربعون ألفًا. وكانت الخيل عشرة آلاف فرس.
الحواشي
(١) لا تقتل معي فتدخل النار، ونادى مناديه ﷺ لا يخرج معنا إلا مقو، فخرج رجل على بكر صعب، فصرعه بالسويداء مصغر سوداء موضع على ليلتين من المدينة، فقال الناس: الشهيد الشهيد، فبعث ﷺ مناديًا لا يدخل الجنة عاص، قال: وكان دليله إلى تبوك علقمة بن الفغواء الخزاعي وأبوه بفتح الفاء، وسكون الغين المعجمة وبالواو.
وروى عبد الرزاق وابن سعد عن كعب بن مالك: خرج ﷺ إلى تبوك يوم الخميس، وعسكر عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب فأقام مدة إقامته، فلما سار ﵇ نحو تبوك تخلف ابن أبي راجعًا إلى المدينة فيمن تخلف من المنافقين، وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد إلى ما لا طاقة له به يحسب أن قتالهم معه اللعب، والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين بالحبال إرجافا به وبأصحابه.
قال ابن إسحاق والواقدي وابن سعد: وكان عسكر ابن أبي فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين.
قال ابن حزم هذا باطل لم يتخلف عنه إلا ما بين السبعين إلى الثمانين فقط، "وكان معه ﵊ ثلاثون ألفًا" الذي جزم به ابن إسحاق والواقدي، وابن سعد ورواه الحاكم في الإكليل عن معاذ بن جبل والواقدي عن زيد بن ثابت، قالا: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا، فكأن المصنف ألغى الزائد في حكاية هذا القول.
"وعند أبي زرعة" عبيد الله بن عبد الكريم الحافظ، الثقة، الرازي، الإمام، المهور أنه كان معه "سبعون ألفًا" نقله الحاكم عنه في الإكليل قال الشامي: وجمع بين الكلامين بأن من قال ثلاثين ألفًا لم يعد التابع، ومن قال سبعين عند التابع والمتبوع.
"وفي رواية عنه أيضًا أربعون ألفًا" وهي التي نقلها عنه في الفتح قائلًا، ولا تخالف حديث معاذ أكثر من ثلاثين لاحتمال أن من قال أربعين ألفًا جبر الكسر، انتهى.
لكن تعقبه تلميذه السخاوي بأن المروي عن أبي زرعة أنهم كانوا سبعين، نعم الحصر بالأربعين في حجة الوداع فكأنه سبق قلم، أو انتقال نظر، نقله عنه تلميذه المصنف في شرح البخاري، وأقره، وهو عجيب مع جزمه هنا بأنهما روايتان عن أبي زرعة، وتأليفه للشرح متأخر عن المواهب لإحالته فيه كثيرا عليها وعلى تسليم النقل، فقد جمع شيخنا على قياس السابق بينهما وبين من قال أربعين بأنه عند المتبوعين ومن يقرب منهم من التابعين.
"وكانت الخيل عشرة آلاف فرس" رواه الواقدي من حديث زيد، وقيل: زيادة ألفين،стр. 1717
ولما مر ﷺ بالحجر -بكسر الحاء وسكون الجيم- بديار ثمود قال: "لا تشربوا من مائها شيئا،
الحواشي
(١) وعليه حمل في الفتح ما وقع في بعض طرق حديث كعب عند مسلم، والمسلمون يزيدون على عشرة آلاف قال: تحمل على إرادة عدد الفرسان، "ولما مر ﷺ بالحجر بكسر الحاء وسكون الجيم بديار ثمود" بدل من الحجر بإعادة الجار، وفي الفتح، وهو منزل ثمود، وفي الأنوار هو واد بين المدينة والشام، كانوا يسكنونه بمنع الصرف على إرادة القبيلة للعلمية والتأنيث المعنوي وبالصرف على إرادة اسم الأب وكلاهما في القرءآن وإلى ثمود وعاد، أو ثمودًا "قال: "لا تشربوا" ظاهر سياقه أنه لم ينزل به، وعند ابن إسحاق أنه لما نزل وقال: "لا تشربوا"، وترجم البخاري نزول النبي ﷺ الحجر.
قال الحافظ: وزعم بعضهم أنه مر ولم ينزل، ويرده تصريح ابن عمر بأنه، لما نزل الحجر أمرهم أن لا يشربوا "من مائها شيئا"؛ خوفا أن يورثهم شربه قسوة في قلوبهم، أو ضررا في أبدانهم.
قاله المصنف: زاد ابن إسحاق "ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه، فاعلفوا الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا"، وكأن من زعم أنه لم ينزل به تمسك بما أخرجه البخاري عقب الترجمة عن ابن عمر لما مر ﷺ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاز الوادي، وغفل عما أخرجه في أحاديث الأنبياء عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء، وأخرج الشيخان عن ابن عمر أن الناس نزلوا معه ﷺ أرض ثمود الحجر، فاستقوا من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة، وروى أحمد والحاكم بإسناد جيد عن جابر قال: لما مر ﷺ بالحجر قال: " لا تسالوا الآيات فقد سالها قوم صالح" وكانت الناقة ترد هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، وكانت تشرب يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله، وهو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه، قال الحافظ: سئل شيخنا البلقيني من أين علمت بئر الناقة، فقال: بالتواتر إذ لا يشترط فيه الإسلام، انتهى. والذي يظهر أنه ﷺ علمها بالوحي، ويحمل كلام الشيخ على من سيجيء بعده، وفيه كراهة الاستقاء من آبار ثمود، ويلحق بها نظائرها من الآبار والعيون التي كانت لمن هلك بعذاب الله علىстр. 1718
ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له"، ففعل الناس، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فخنق على مذهبه وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء. فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: "ألم أنهكم"؟ ثم دعا للذي خنق على مذهبه فشفي، وأما الآخر فأهدته طيء لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة.
الحواشي
(١) كفره واختلف هل الكراهة للتنزيه، أو للتحريم، وعليه هل يمنع صحة التطهر من ذلك الماء أم لا، انتهى. "ولا يخرجن أحد منكم" الليلة، كما عند ابن إسحاق "إلا ومعه صاحب له" لحكمة علمها ﷺ لعلمها أن الجن لا تقدم على اثنين.
وقد روى الإمام في الموطأ مرفوعا: "أن الشيطان بهم بالواحد"، قال الباجي: يحتمل أن يريد، أنه يهم باغتياله والتسلط عليه وأنه يهم بغيه وصرفه عن الحق وإغرائه بالباطل، انتهى.
وأخرج أصحاب السنن بإسناد حسن، وصححه ابن خزيمة والحاكم مرفوعا، "الراكب شيطان والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب"، "ففعل الناس" ما أمرهم به ﷺ "إلا رجلين من بني ساعدة من الأنصار.
قال البرهان: لا أعرفهما، "خرج أحدهما لحاجته" التغوط، "والآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فخنق، بنون ومعجمة مبني للمفعول، أي صرع "على مذهبه" بفتح الميم، والهاء بينهما معجمة ساكنة، وهو الموضع الذي يتغوط فيه.
"وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء".
قال في الروض وتبعه في النور: هما أجا وسلمى عرف أجا بفتح الهمزة والجيم آخره همزة مقصورة بأجا بن عبد الجن بجيم ونون، كما سيأتي كان صلب وفيه سلمى بفتح المهملة وإسكان اللام والقصر بسلمى بنت حام صلبت فيه فيما ذكر "فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "ألم أنهكم" أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحبه، "ثم دعا للذي" وفي نسخة دعا الذي، أي طلبه فحضر فدعا له، والأولى أظهر، وهي التي عند ابن إسحاق للذي بلام الجر "خنق على مذهب فشفي، وأما الآخر فأهدته طيء لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة، كذا وروى ابن إسحاق حديث الرجلين عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عباس بن سهل الساعدي، قال: وقد حدثني عبد الله أن العباس سماهما له، ولكنه استودعه إياهما، فأبى أن يسميهما لي، وعارضه البرهان بأن الذي في مسلم أن ذلك كان بتبوك لا الحجر، وهو متعقب بأنهما قصتان إحداهما بالحجر، وهي التي ذكرها ابن إسحاق وتبعه اليعمري، والثانية بتبوك ويؤيد التعدد أن فيстр. 1719
وفي صحيح مسلم من حديث أبي حميد: انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله: "ستهب عليكم الليلة ريح شديدة" فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله، فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء.
وروى الزهري: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: "لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون؛ خوفا أن يصيبكم ما أصابهم".
الحواشي
(١) الأولى رجلين، وفي الثانية رجل، ولوح لذلك المصنف، فقال "وفي صحيح مسلم" والبخاري بنحوه، فالأولى عزوه لهما كلاهما "من حديث أبي حميد" الساعدي اسمه المنذر، أو عبد الرحمن، أو عمر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك شهد أحدا وما بعدها وعاش إلى سنة ستين "انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ﷺ : "ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم فمن كان له بعير فليشد عقاله".
وفي رواية البخاري فليعقله، "فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء، ولم يبين ما حصل لذلك الرجل بعد على تعدد القصة ويحتمل الاتحاد، وأن قصة الذي خرج لحاجته كانت بالحجر، والذي ألقته الريح كانت بتبوك فجمع بينهما في الذكر في مرسل ابن إسحاق، ولم يتنزل في الفتح للجمع مع ذكره رواية ابن إسحاق في شرح الحديث.
"وروى الزهري" محمد بن مسلم عن سالم عن أبيه قال: "لما مر رسول الله ﷺ بالحجر سجى" غطى "ثوبه" وضمنه معنى وضع فقال: "على وجهه واستحث راحلته" أي حضها على السير "ثم قال: "لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم".
قال الحافظ: شامل لثمود وغيرهم ممن هو كصفتهم، وإن كان السبب ورد فيهم، قال: ليس المراد الاقتصار في ذلك على ابتداء الدخول، بل دائما عند كل جزء من الدخول، وأولى في حال الاستقرار "إلا وأنتم باكون" بأن تستحضروا ما أصابهم بذنوبهم، فترق قلوبهم، فتبكوا "خوفا أن يصيبكم" بفتح الهمزة مثل "ما أصابهم".
قال المصنف: لا ينافيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] الآية، لحمل الآية على عذاب يوم القيامة، انتهى.
وثبوت خوفا في هذه الرواية يؤيد البصريين في رواية "إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم" بالفتح مفعول له، أي كراهة الإصابة حيث قدروا كراهة، أو خشية الإصابة، وقدر الكوفيون لئلا يصيبكم.
قال الحافظ: ويؤيد الأول أن في رواية لأحمد "إلا أن تكونوا باكين، وإن لم تكونوا باكين،стр. 1720
رواه الشيخان.
الحواشي
(١) فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم"، ووجه الخوف أن البكاء يبعث على التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله على أولئك بالكفر، مع تمكنهم من الإتيان بالإيمان، وتمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك، والتفكر أيضا في مقابلة أولئك نعمة الله بالكفر وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان والطاعة، فمن مر عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارا بأحوالهم، فقد شابههم في الإهمال ودل على قساوة قلبه وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم، وفيه الحث على المراقبة، والزجر على السكني في ديار المعذبين، انتهى.
من الفتح في موضعين "رواه الشيخان" في مواضع قال ابن إسحاق فلما أصبح الناس ولا ماء معهم، شكوا ذلك له ﷺ ، فدعا، فأرسل الله سحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، وحملوا حاجتهم من الماء.
حدثني عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد عن رجال من قومه قال: كان رجل معروف نفاقه يسير معه ﷺ حيثما سار، فلما كان من أمر الحجر ما كان، ودعا ﷺ فأرسل الله السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، أقبلنا عليه نقول: ويحك هل بعد هذا شيء قال: سحابة مارة.
وروى الإمام أحمد وابنا خزيمة وحبان والحاكم عن عمر: خرجنا إلى تبوك في يوم قيظ شديد فنزلنا منزلا، وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى إن كان الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله لنا قال: "أتحب ذلك" قال: نعم، فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
فعند ابن إسحاق أن هذه القصة كان بالحجر، كما ترى.
لكن روى ابن أبي حاتم عن أبي حرزة قال: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، ونزلوا الحجر، فأمرهم ﷺ أن لا يحملوا من مائها شيئا، ثم ارتحل ونزل منزلا آخر وليس معهم ماء، فشكوا إليه ﷺ فقام فصلى ركعتين ثم دعا فأرسل الله سحابة فأمطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال أنصارى لآخر من قومه يتهم بالنفاق: ويحك قد ترى ما دعا ﷺ ، فأمطر الله علينا السماء، فقال: إنما مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] .следующие страницы →