Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
وكان معه ﵊ ثلاثون ألفًا: وعند أبي زرعة سبعون ألفًا، وفي رواية عنه أيضًا أربعون ألفًا. وكانت الخيل عشرة آلاف فرس.
الحواشي
(١) لا تقتل معي فتدخل النار، ونادى مناديه ﷺ لا يخرج معنا إلا مقو، فخرج رجل على بكر صعب، فصرعه بالسويداء مصغر سوداء موضع على ليلتين من المدينة، فقال الناس: الشهيد الشهيد، فبعث ﷺ مناديًا لا يدخل الجنة عاص، قال: وكان دليله إلى تبوك علقمة بن الفغواء الخزاعي وأبوه بفتح الفاء، وسكون الغين المعجمة وبالواو.
وروى عبد الرزاق وابن سعد عن كعب بن مالك: خرج ﷺ إلى تبوك يوم الخميس، وعسكر عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب فأقام مدة إقامته، فلما سار ﵇ نحو تبوك تخلف ابن أبي راجعًا إلى المدينة فيمن تخلف من المنافقين، وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد إلى ما لا طاقة له به يحسب أن قتالهم معه اللعب، والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين بالحبال إرجافا به وبأصحابه.
قال ابن إسحاق والواقدي وابن سعد: وكان عسكر ابن أبي فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين.
قال ابن حزم هذا باطل لم يتخلف عنه إلا ما بين السبعين إلى الثمانين فقط، "وكان معه ﵊ ثلاثون ألفًا" الذي جزم به ابن إسحاق والواقدي، وابن سعد ورواه الحاكم في الإكليل عن معاذ بن جبل والواقدي عن زيد بن ثابت، قالا: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا، فكأن المصنف ألغى الزائد في حكاية هذا القول.
"وعند أبي زرعة" عبيد الله بن عبد الكريم الحافظ، الثقة، الرازي، الإمام، المهور أنه كان معه "سبعون ألفًا" نقله الحاكم عنه في الإكليل قال الشامي: وجمع بين الكلامين بأن من قال ثلاثين ألفًا لم يعد التابع، ومن قال سبعين عند التابع والمتبوع.
"وفي رواية عنه أيضًا أربعون ألفًا" وهي التي نقلها عنه في الفتح قائلًا، ولا تخالف حديث معاذ أكثر من ثلاثين لاحتمال أن من قال أربعين ألفًا جبر الكسر، انتهى.
لكن تعقبه تلميذه السخاوي بأن المروي عن أبي زرعة أنهم كانوا سبعين، نعم الحصر بالأربعين في حجة الوداع فكأنه سبق قلم، أو انتقال نظر، نقله عنه تلميذه المصنف في شرح البخاري، وأقره، وهو عجيب مع جزمه هنا بأنهما روايتان عن أبي زرعة، وتأليفه للشرح متأخر عن المواهب لإحالته فيه كثيرا عليها وعلى تسليم النقل، فقد جمع شيخنا على قياس السابق بينهما وبين من قال أربعين بأنه عند المتبوعين ومن يقرب منهم من التابعين.
"وكانت الخيل عشرة آلاف فرس" رواه الواقدي من حديث زيد، وقيل: زيادة ألفين،стр. 1717
ولما مر ﷺ بالحجر -بكسر الحاء وسكون الجيم- بديار ثمود قال: "لا تشربوا من مائها شيئا،
الحواشي
(١) وعليه حمل في الفتح ما وقع في بعض طرق حديث كعب عند مسلم، والمسلمون يزيدون على عشرة آلاف قال: تحمل على إرادة عدد الفرسان، "ولما مر ﷺ بالحجر بكسر الحاء وسكون الجيم بديار ثمود" بدل من الحجر بإعادة الجار، وفي الفتح، وهو منزل ثمود، وفي الأنوار هو واد بين المدينة والشام، كانوا يسكنونه بمنع الصرف على إرادة القبيلة للعلمية والتأنيث المعنوي وبالصرف على إرادة اسم الأب وكلاهما في القرءآن وإلى ثمود وعاد، أو ثمودًا "قال: "لا تشربوا" ظاهر سياقه أنه لم ينزل به، وعند ابن إسحاق أنه لما نزل وقال: "لا تشربوا"، وترجم البخاري نزول النبي ﷺ الحجر.
قال الحافظ: وزعم بعضهم أنه مر ولم ينزل، ويرده تصريح ابن عمر بأنه، لما نزل الحجر أمرهم أن لا يشربوا "من مائها شيئا"؛ خوفا أن يورثهم شربه قسوة في قلوبهم، أو ضررا في أبدانهم.
قاله المصنف: زاد ابن إسحاق "ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه، فاعلفوا الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا"، وكأن من زعم أنه لم ينزل به تمسك بما أخرجه البخاري عقب الترجمة عن ابن عمر لما مر ﷺ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاز الوادي، وغفل عما أخرجه في أحاديث الأنبياء عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء، وأخرج الشيخان عن ابن عمر أن الناس نزلوا معه ﷺ أرض ثمود الحجر، فاستقوا من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة، وروى أحمد والحاكم بإسناد جيد عن جابر قال: لما مر ﷺ بالحجر قال: " لا تسالوا الآيات فقد سالها قوم صالح" وكانت الناقة ترد هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، وكانت تشرب يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله، وهو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه، قال الحافظ: سئل شيخنا البلقيني من أين علمت بئر الناقة، فقال: بالتواتر إذ لا يشترط فيه الإسلام، انتهى. والذي يظهر أنه ﷺ علمها بالوحي، ويحمل كلام الشيخ على من سيجيء بعده، وفيه كراهة الاستقاء من آبار ثمود، ويلحق بها نظائرها من الآبار والعيون التي كانت لمن هلك بعذاب الله علىстр. 1718
ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له"، ففعل الناس، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فخنق على مذهبه وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء. فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: "ألم أنهكم"؟ ثم دعا للذي خنق على مذهبه فشفي، وأما الآخر فأهدته طيء لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة.
الحواشي
(١) كفره واختلف هل الكراهة للتنزيه، أو للتحريم، وعليه هل يمنع صحة التطهر من ذلك الماء أم لا، انتهى. "ولا يخرجن أحد منكم" الليلة، كما عند ابن إسحاق "إلا ومعه صاحب له" لحكمة علمها ﷺ لعلمها أن الجن لا تقدم على اثنين.
وقد روى الإمام في الموطأ مرفوعا: "أن الشيطان بهم بالواحد"، قال الباجي: يحتمل أن يريد، أنه يهم باغتياله والتسلط عليه وأنه يهم بغيه وصرفه عن الحق وإغرائه بالباطل، انتهى.
وأخرج أصحاب السنن بإسناد حسن، وصححه ابن خزيمة والحاكم مرفوعا، "الراكب شيطان والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب"، "ففعل الناس" ما أمرهم به ﷺ "إلا رجلين من بني ساعدة من الأنصار.
قال البرهان: لا أعرفهما، "خرج أحدهما لحاجته" التغوط، "والآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فخنق، بنون ومعجمة مبني للمفعول، أي صرع "على مذهبه" بفتح الميم، والهاء بينهما معجمة ساكنة، وهو الموضع الذي يتغوط فيه.
"وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء".
قال في الروض وتبعه في النور: هما أجا وسلمى عرف أجا بفتح الهمزة والجيم آخره همزة مقصورة بأجا بن عبد الجن بجيم ونون، كما سيأتي كان صلب وفيه سلمى بفتح المهملة وإسكان اللام والقصر بسلمى بنت حام صلبت فيه فيما ذكر "فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "ألم أنهكم" أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحبه، "ثم دعا للذي" وفي نسخة دعا الذي، أي طلبه فحضر فدعا له، والأولى أظهر، وهي التي عند ابن إسحاق للذي بلام الجر "خنق على مذهب فشفي، وأما الآخر فأهدته طيء لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة، كذا وروى ابن إسحاق حديث الرجلين عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عباس بن سهل الساعدي، قال: وقد حدثني عبد الله أن العباس سماهما له، ولكنه استودعه إياهما، فأبى أن يسميهما لي، وعارضه البرهان بأن الذي في مسلم أن ذلك كان بتبوك لا الحجر، وهو متعقب بأنهما قصتان إحداهما بالحجر، وهي التي ذكرها ابن إسحاق وتبعه اليعمري، والثانية بتبوك ويؤيد التعدد أن فيстр. 1719
وفي صحيح مسلم من حديث أبي حميد: انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله: "ستهب عليكم الليلة ريح شديدة" فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله، فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء.
وروى الزهري: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: "لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون؛ خوفا أن يصيبكم ما أصابهم".
الحواشي
(١) الأولى رجلين، وفي الثانية رجل، ولوح لذلك المصنف، فقال "وفي صحيح مسلم" والبخاري بنحوه، فالأولى عزوه لهما كلاهما "من حديث أبي حميد" الساعدي اسمه المنذر، أو عبد الرحمن، أو عمر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك شهد أحدا وما بعدها وعاش إلى سنة ستين "انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ﷺ : "ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم فمن كان له بعير فليشد عقاله".
وفي رواية البخاري فليعقله، "فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء، ولم يبين ما حصل لذلك الرجل بعد على تعدد القصة ويحتمل الاتحاد، وأن قصة الذي خرج لحاجته كانت بالحجر، والذي ألقته الريح كانت بتبوك فجمع بينهما في الذكر في مرسل ابن إسحاق، ولم يتنزل في الفتح للجمع مع ذكره رواية ابن إسحاق في شرح الحديث.
"وروى الزهري" محمد بن مسلم عن سالم عن أبيه قال: "لما مر رسول الله ﷺ بالحجر سجى" غطى "ثوبه" وضمنه معنى وضع فقال: "على وجهه واستحث راحلته" أي حضها على السير "ثم قال: "لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم".
قال الحافظ: شامل لثمود وغيرهم ممن هو كصفتهم، وإن كان السبب ورد فيهم، قال: ليس المراد الاقتصار في ذلك على ابتداء الدخول، بل دائما عند كل جزء من الدخول، وأولى في حال الاستقرار "إلا وأنتم باكون" بأن تستحضروا ما أصابهم بذنوبهم، فترق قلوبهم، فتبكوا "خوفا أن يصيبكم" بفتح الهمزة مثل "ما أصابهم".
قال المصنف: لا ينافيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] الآية، لحمل الآية على عذاب يوم القيامة، انتهى.
وثبوت خوفا في هذه الرواية يؤيد البصريين في رواية "إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم" بالفتح مفعول له، أي كراهة الإصابة حيث قدروا كراهة، أو خشية الإصابة، وقدر الكوفيون لئلا يصيبكم.
قال الحافظ: ويؤيد الأول أن في رواية لأحمد "إلا أن تكونوا باكين، وإن لم تكونوا باكين،стр. 1720
رواه الشيخان.
الحواشي
(١) فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم"، ووجه الخوف أن البكاء يبعث على التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله على أولئك بالكفر، مع تمكنهم من الإتيان بالإيمان، وتمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك، والتفكر أيضا في مقابلة أولئك نعمة الله بالكفر وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان والطاعة، فمن مر عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارا بأحوالهم، فقد شابههم في الإهمال ودل على قساوة قلبه وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم، وفيه الحث على المراقبة، والزجر على السكني في ديار المعذبين، انتهى.
من الفتح في موضعين "رواه الشيخان" في مواضع قال ابن إسحاق فلما أصبح الناس ولا ماء معهم، شكوا ذلك له ﷺ ، فدعا، فأرسل الله سحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، وحملوا حاجتهم من الماء.
حدثني عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد عن رجال من قومه قال: كان رجل معروف نفاقه يسير معه ﷺ حيثما سار، فلما كان من أمر الحجر ما كان، ودعا ﷺ فأرسل الله السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، أقبلنا عليه نقول: ويحك هل بعد هذا شيء قال: سحابة مارة.
وروى الإمام أحمد وابنا خزيمة وحبان والحاكم عن عمر: خرجنا إلى تبوك في يوم قيظ شديد فنزلنا منزلا، وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى إن كان الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله لنا قال: "أتحب ذلك" قال: نعم، فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
فعند ابن إسحاق أن هذه القصة كان بالحجر، كما ترى.
لكن روى ابن أبي حاتم عن أبي حرزة قال: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، ونزلوا الحجر، فأمرهم ﷺ أن لا يحملوا من مائها شيئا، ثم ارتحل ونزل منزلا آخر وليس معهم ماء، فشكوا إليه ﷺ فقام فصلى ركعتين ثم دعا فأرسل الله سحابة فأمطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال أنصارى لآخر من قومه يتهم بالنفاق: ويحك قد ترى ما دعا ﷺ ، فأمطر الله علينا السماء، فقال: إنما مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] .стр. 1721
ولما كان ﵊ ببعض الطريق ضلت ناقته، فقال زيد بن اللصيت -وكان منافقا- أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن رجلا يقول كذا" وذكر مقالته، "وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها". فانطلقوا فجاءوا بها. رواه البيهقي وأبو نعيم.
الحواشي
(١) ويحتمل الجمع بأن قول ابن إسحاق فلما أصبح، أي بعد أن سار ونزل منزلا بعد الحجر، وأنه لما طلب منه أبو بكر الدعاء صلى، ثم مد يديه ودعا والله أعلم.
"ولما كان ﵊ ببعض الطريق" بعد ما سار من الحجر، كما عند الواقدي، وابن إسحاق "ضلت ناقته"، غابت وخفيت فلم يهتد إليها، قال الواقدي: وهي القصواء، "فقال زيد بن اللصيت" قال في الإصابة: بلام ومهملة، وتحتية مصغر، وقيل: بنون أوله وآخره موحدة القينقاعي، انتهى.
وفي النور آخره فوقية، تصغير لصت، بفتح اللام في الكثير وهو اللص بغلة طيء.
وحكى شيخنا في القاموس تثليث اللام في المكبر والجمع لصوت، انتهى. وهو في القاموس في باب الفوقية، فقول الإصابة وآخره موحدة، يعني على أن أوله نون "وكان منافقا".
قال الواقدي: كان يهوديًّا من بني قينقاع فأسلم فنافق، وكان فيه خبث اليهود وغشهم، وكان مظاهرا لأهل النفاق، "أليس يزعم محمد أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته"، وعند ابن إسحاق وكان زيد ي رحل عمارة بن حزم العقبي البدري، وكان عنده ﵇ "فقال رسول الله ﷺ " وعمارة عنده "أن رجلا" وعند الواقدي أن منافقا "يقول كذا" , وذكر مقالته" التي أعلمها الله له بالوحي إلهاما، أو غيره "وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله"، فإخباري بأمر السماء إنما هو بتعليم الله والنبي لا يعلم كل غيب.
قال ذلك رد الزعم المنافق، أنه لو كان نبيًّا لعلم مكان ناقته "وقد دلني الله عليها وهي في الوادي في شعب كذا وكذا"، لشعب عينه وأشار لهم إليه "قد حسبتها"، منعتها "شجرة بزمامها فانطلقوا" فعل أمر "حتى تأتوني بها" فانطلقوا" ماض "فجاءوا بها".
قال الواقدي: الذي جاء بها الحارث بن خزمة الأشهلي لكن الجمع كما قال البرهان يدل على أنه كان معه غيره وخزمة بفتح المعجمة، وإسكان الرازي وفتحها، وقيل: خزيمة بالتصغير بدري أحدي له حديث "رواه البيهقي وأبو نعيم" وابن إسحاق والواقدي، وزاد فرجع عمارة إلى رحله، فقال: والله لعجب لشيء حدثناه رسول الله ﷺ آنفا عن مقالة قائل أخبره اللهстр. 1722
وفي مسلم من حديث معاذ بن جبل: أنهم وردوا عين تبوك، وهي تبض بشيء من ماء، وأنهم غرفوا منها قليلا قليلا حتى اجتمع في شن ثم غسل ﷺ به وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت بماء كثير، فاستقى الناس، الحديث، ويأتي إن شاء الله في مقصد المعجزات.
ولما انتهى ﷺ إلى تبوك أتاه صاحب أيلة.
الحواشي
(١) بكذا وكذا للذي قال زيد، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة.
قال الواقدي: هو أخوه عمرو بن حزم زيد والله قائل هذه المقالة قبل أن تطلع علينا، فأقبل عمارة على زيد يطعنه، في عنقه، ويقول: يا عباد الله إن في رحلي لداهية، وما أشعر فأخرج يا عدو الله من رحلي، ولا تصحبني، قال ابن إسحاق: فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك، وقال بعض الناس: لم يزل متهما بشر حتى هلك وقد ذكره في الإصابة في القسم الأول، وأورد فيه القصة المذكورة عازا لابن إسحاق، ونقل الاختلاف في توبته، ولم يزد عليه شيئا، فكأنه اعتمد قول من زعم توبته، أو كتبه على الاحتمال.
"وفي مسلم" والموطأ "من حديث معاذ بن جبل، أنهم وردوا عين تبوك، وهي تبض" بفتح الفوقية، وكسر الموحدة وضاد معجمة، أي تقطر وتسيل هكذا رواه ابن مسلمة وابن القاسم في الموطأ بالمعجمة، ورواه يحيى وطائفة بالمهملة، أي تبرق، قاله الباجي "بشيء من ماء" يشير إلى تقليله، "وأنهم غرفوا منها قليلا قليلا" لفظ مالك ومسلم أنه ﷺ قال: "إنكم ستأتون غدا عين تبوك وأنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فما جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي".
فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما ﷺ : "هل مسستما من مائها شيئا" قال: نعم، فسبهما وقال لهما: "ما شاء الله أن يقول"، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا "حتى اجتمع في شن" بفتح المعجمة، ونون قربة خلقة فصريحة أن ماءها كان يخرج بنفسه وأن الذي جمعوه كان بعد سبه للرجلين اللذين مساها أي بسهمين ليكثر ماؤها، كما في الروض عن رواية ابن قتيبة "ثم غسل ﷺ به وجهه ويديه" ومضمض "ثم أعاده فيها، فجرت بماء كثير، فاستقي الناس الحديث" بقيته، ثم قال ﵇: "يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا مليء" جنانا، "ويأتي إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات" بتمامه" وإنما ذكرت لفظه هنا؛ لأن من الناس من توهم من ذكره المصنف بمعناه: أن الرجلين السابقين للعين رواية أخرى فجعلها معارضة، وجوز لها جمعا، "ولما انتهى ﷺ إلى تبوك أتاه صاحب أيلة" بفتح الهمزة، وسكون التحتية مدينة بين مصر ومكة على ساحل البحر من بلادстр. 1723
فصالحه وأعطاه الجزية وأتاه أهل جرباء بالجيم -واذرح- بالذال المعجمة والراء والحاء المهملتين بلدين بالشام بينهما ثلاثة أميال، فأعطوه الجزية، وكتب لهم ﷺ كتابا.
الحواشي
(١) الشام، قاله أبو عبيدة، وهو يحنة بضم التحتية، وفتح المهملة، والنون المشددة، ثم تاء تأنيث ابن رؤبة بضم الراء فهمزة ساكنة، فموحدة، النصراني قال البرهان: لا أعرف له ترجمة والظاهر هلاكه على دينه.
وذكر الواقدي: أن سبب إتيانه أنه لما بعث ﷺ خالدا إلى أكيدر، أشفق أن يبعث إليه، فقدم "فصالحه وأعطاه الجزية"، أي التزمها وإنقاد لإعطائها قالوا: وقطع ﷺ الجزية جزية معلومة ثلاثمائة دينار كل سنة، وكانوا ثلاثمائة رجل.
روى ابن أبي شيبة والبخاري عن أبي حميد الساعدي: قدم ملك أيلة على رسول الله ﷺ ، فأهدى إليه بلغة بيضاء، فكساه ﷺ بردا، وكتب إليه بيحرهم وأسند الواقدي عن جابر رأيت يحنة بن رؤبة يوم أتى رسول الله ﷺ ، صليب من ذهب، وهو معقود فلما رأى رسول الله ﷺ ، كفى وأومأ برأسه، فأومأ إليه ﷺ بيده أن ارفع رأسك وصالحه، يومئذ وكساه بردا بمنية، وأمر له بمنزل عند بلال.
وذكر أن أبا العباس عبد الله بن محمد السفاح اشترى ذلك البرد بعد ذلك بثلاثمائة دينار، "وأتاه أهل جربا، بالجيم" المفتوحة، فالراء الساكنة فموحدة تقصر وتمد، "و" أهل "أذرج" بالهمزة المفتوحة، "وبالذال المعجمة" الساكنة، "والراء المهملة" المضمومة "والحاء المهملة"، قيل هي فلسطين "بلدين بالشام بينهما ثلاثة أميال" جمع ميل، قال في القاموس: وغلط من قال بينهما ثلاثة أيام، وإنما الوهم من رواة الحديث من إسقاط زيادة، ذكرها الدارقطني، وهي ما بين ناحيتي حوض، كما بين المدينة وجربا وأذرح، انتهى.
"فأعطوه الجزية" قال الواقدي: أتوه مع صاحب أيلة بجزيتهم، فأخذها "وكتب لهم ﷺ " أي أمركما هو معلوم، وقد عين الواقدي أن الكاتب لصاحب أيلة جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة "كتابا" أراد جنس الكتاب؛ لأنه كتب لصاحب أيلة كتابا ولأهل جربا وأذرح معا كتابا، كما أفاده في المقصد الثاني، مع ذكر لفظ الكتابين، وما أفاده المصنف من أنه وقت انتهائه إلى تبوك أتوه تبع فيه لفظ ابن إسحاق فإنه كله لفظه، كما تبعه اليعمري، وكأنه لم يثبت عندهم السبب الذي ذكره الواقدي في مجيء يحنة، لا سيما وابن إسحاق بعد أن ذكر ذلك، قال: ثم بعث خالدا إلى أكيدر إلا أن تكون، ثم للترتيب الذكري والعلم عند الله.стр. 1724
ووجد هرقل بحمص، فأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك النصراني، وكان ملكا عظيما بدومة الجندل، في أربعمائة وعشرين فارسا في رجب سرية، وقال له ﵊ لخالد: "إنك ستجده ليلا يصيد البقر"،
الحواشي
(١) "ووجد هرقل بحمص" دار ملكه لم يتحرك ولم يرجف فكان الذي أخبر به ﷺ من تعبية أصحابه ودنوه إلى الشام باطلا لم يرد ذلك، ولا هم به.
ذكره الواقدي: فكتب له كتابا، كما سيذكره ولو ذكره هنا كان أنسب إذ لا يتفرع عليه قوله، "فأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر" بضم الهمزة وفتح الكاف، وسكون التحتية، وفتح المهملة آخره راء، لا يصرف للعلمية، ووزن الفعل "ابن عبد الملك" بن عبد الجن، بجيم ونون، كما في الفتح "النصراني" المختلف في إسلامه والأكثر على أنه قتل كافرا، وقد ذكره ابن منده وأبو نعيم الصحابة.
ورده ابن الأثير بأنه خطأ ظاهر، فأنه إنما أهدى للنبي وصالحه، ولم يسلم باتفاق أهل السير، أسره خالد في زمن أبي بكر، فقتله كفرا، وقال أخوه أبو السعادات من الناس من يقول: إنه أسلم وليس بصحيح، وممن وقع في كلامه ما يدل على ذلك الواقدي، فإنه قال في المغازي حدثني شيخ من دومة، أنه ﷺ كتب لأكيدر هذا الكتاب "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله لأكيدر" حين جاء إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام إلى أن قال: "فيه تقيمون الصلاة، وتؤدون الزكاة عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، ولكم الصدق والوفاء".
قال في الإصابة: فالذي يظهر أنه صالح على الجزية، كما قال ابن إسحاق ويحتمل أنه أسلم بعد ذلك، كما قال الواقدي، ثم ارتد بعده ﷺ ومنع ما عليه فقتله خالد، كما قال البلاذري، انتهى.
وسيذكر المصنف لفظ الكتاب في المقصد الثاني، وما استظهره الحافظ، لا محيد عنه إذ هو جمع بين كلامهم وعلى كل حال فعده صحابيا غلط؛ لأن آخر أمره قتله كافرا، ولذا ذكره في القسم الرابع من الإصابة فيمن ذكر في الصحابة غلطا. "وكان ملكا عظيما" من قبل هرقل "بدومة" بضم الدال وفتحها والواو ساكنة.
"الجندل" بفتح فسكون حصن وقرى من طرف الشام بينها وبين دمشق خمس ليال، يقال: عرفت بدومة بن إسماعيل "في أربعمائة وعشرين فارسا في رجب سرية، وقال ﵊ لخالد" وقد، قال له: كيف لي به، وهو وسط بلاد كلب، وإنما أنا في أناس يسيرين "إنك ستجده ليلا يصيد البقر" "فتأخذه فيفتح الله لك دومة فإن ظفرت به، فلا تقتله وائت به إلى فإن أبى فاقتله".стр. 1725
فانتهى إليه خالد، وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها، هو وأخوه حسان، فشدت عليه خيل خالد، فاستأسر أكيدر وقتل أخاه حسانا، وهرب من كان معهما فدخل الحصن، ثم أجار خالد.
الحواشي
(١) وروى يونس في زيادات المغازي عن بلال بن يحيى، قال: بعث ﷺ أبا بكر على المهاجرين، وبعث خالدا على الأعراب معه، وقال: "انطلقوا أنكم ستجدون أكيدر دومة يقتنص الوحش فخذوه أخذا فابعثوا به إلي، ولا تقتلونه" ومن طريقه أخرجه البيهقي، ورواه ابن منده عن بلال بن يحيى، عن حذيفة موصولا، قال الشامي: وذكر أبي بكر في هذه السرية غريب جدا لم يتعرض أحدا من أئمة المغازي التي وقفت عليها، انتهى.
فمضوا "فانتهى إليه خالد وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها" أي يريد ذلك فعند ابن إسحاق وابن سعد، فخرج خالد حتى كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته الرباب بكسر الراء وموحدتين وقينة تقنيه، وقد شرب فباتت البقر تحك بقرونها باب الحصن، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط، قال: لا والله. قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، وعند ابن عائذ: والله ما رأيتها قط جاءتنا إلا البارحة، ولقد كنت أضمر لها الخيل اليومين والثلاثة، وفي لفظ شهر ولكن قدر الله ونزل، فأسرج له فرسه، وخرج "هو وأخوه حسان" في نفر من أهل بيته ومملوكين له، فتلقتهم الخيل "فشدت عليه خيل خالد فاستأسر أكيدر" ولم يقتله، كما أمره ﷺ أعطى بيده ولم يقاتل، "وقتل أخاه حسانا" لأنه قاتل.
قال إبن إسحاق: وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله ﷺ قبل قدومه فحدثني عاصم بن عمر، عن أنس رأيت قباء أكيدر دومة حين قدم به، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم يتعجبون منه، فقال ﷺ : "أتعجبون من هذا، فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا" وحديثه الذي رواه، لا يدل لمدعاه إلا بتقدير مضاف، أي قباء أخي أكيدر.
لكن، قد روى حديث أنس في البخاري في الهبة بلفظ أهدى أكيدر دومة الحديث والهداية غير السلب، فإن كان ما قاله محفوظا، وقد وافقه الواقدي، وذكر أن المرسل به عمرو بن أميلا الضمري حين أرسله بشيرا، فيكون هذا غير الذي أهداه بعد؛ لأن هذا سلب أخيه المقتول، وهو مأسور، فلا ينسب إليه أنه أهداه، ويكون التعجب وقع من كليهما، وقال المصطفى: ذلك في كل منهما والعلم عند الله.
"وهرب من كان معهما" وهم النفر والملوكان، "فدخل الحصن" وأغلقوه، "ثم أجار خالدстр. 1726
أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول الله ﷺ على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة فرس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح.
وفي هذه الغزوة كتب ﷺ كتابا في تبوك إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب
الحواشي
(١) أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول الله ﷺ على "صلة أجار "أن يفتح له" لخالد دومة الجندل ففعل"
ذكر ابن سعد وشيخه أن خالدا قال له، لما أسره هل لك أن أجير من القتل حتى آتي بك رسول الله ﷺ على أن تفتح لي دومة الجندل قال: نعم فانطلق به خالد حتى أدناه من الحصن، فنادى أكيدر أهله أن افتحوا باب الحصن، فأرادوا ذلك فأبى عليهم مضاد أخو أكيدر، فقال أكيد لخالد: تعلم والله أنهم لا يفتحون ما رأوني في وثاقك فحل عني فلك الله والأمانة أن أفتحه لك إن أنت صالحتني على أهلي، قال خالد: فأنى أصالحك، فقال: إن شئت حكمتك، وإن شئت حكمتني، قال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت "صالحه على ألفي بعير وثمانمائة فرس"، كذا في النسخ، والذي لابن سعد وشيخه، وهو المنقول في العيون رأس "وأربعمائة درع وأربعمائة رمح" على أن ينطلق به وبأخيه إلى رسول الله فيحكم فيهما حكمه، فلما قاضاه على ذلك خلى سبيله، ففتح الحصن، فدخله خالد، وأوثق مضادا وأخذ ما صالح عليه من الإبل والرقيق والسلاح، فعزل خالد صفية له ﷺ قبل أن يقسم، ثم خمسها، ثم قسم ما بقي في أصحابه، فصار لكل واحد منهم خمس قلائص، ثم قدم خالد بأكيدر عليه ﷺ فحقن له دمه وصالحه على الجزية، وخلى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال بجير الطائي:
تبارك سائق البقرات أني ... رأيت الله يهدي كل هاد
فمن يك حائدا عن ذي تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد
وعند ابن منده وأبي نعيم وابن السكن، فقال ﷺ لبجير: "لا يف الله فاك فاتت عليه تسعون سنة، وما تحركت له سن".
"وفي هذه الغزوة كتب ﷺ كتابا في تبوك إلى هرقل" غير الكتاب الذي كان أرسله مع دحية في مدة الهدنة المذكورة في الصحيح، فإنه بعثه في آخر سنة ست ووصل في المحرم سنة سبع، قاله الواقدي، واعتمده في الفتح، وكان المبعوث بهذا أيضا دحية، كما في رواية أحمد "يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب" خوفا على ملكه.
ذكر في الروض أنه أمر مناديا إلا أن هرقل، قد آمن بمحمد واتبعه فدخلت الأجناد فيстр. 1727
رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أنس.
وفي مسند أحمد أن هرقل كتب من تبوك إلى النبي ﷺ أني مسلم فقال النبي ﷺ : "كذب هو على نصرانيته".
الحواشي
(١) سلاحها وأطافت بقصره تريد قتله فأرسل إليهم إني أردت أن اختبر صلابتكم في دينكم قد رضيت عنكم، فرضوا عنه، ثم كتب كتابا، وأرسله مع دحية يقول: إني مسلم ولكني مغلوب على أمري، وأرسل إليه هدية، فلما قرأ ﷺ كتابه، قال: "كذب عدو الله ليس بمسلم هو على نصرانيته"، وقبل هديته وقسمها بين المسلمين وكان لا يقبل هدية مشرك محارب، فقبل هذا؛ لأنها فيء، ولذا قسمها عليهم، ولو أتته في بيته كانت له خاصة، انتهى.
"رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أنس" وروى الحارث بن أبي أسامة عن بكر بن عبد الله، قال ﷺ : "من يذهب بهذا الكتاب إلى قيصر وله الجنة" فقال رجل: وإن لم يقبل، قال: "وإن لم يقبل" فانطلق الرجل، فأتاه بالكتاب فقرأه، فقال: اذهب إلى نبيكم فأخبروه أني متبعه، ولكن، لا أريد أن أدع ملكي، وبعث معه بدنانير إلى رسول الله ﷺ فرجع فأخبره، فقال ﷺ : "كذب" وقسم الدنانير.
"وفي مسند أحمد" من طريق سعيد بن أبي راشد، عن التنوخي رسول هرقل إليه ﷺ قال: قدم رسول الله ﷺ تبوك، فبعث دحية إلى هرقل بكتاب، فدعا قسيسي الروم وبطارقتها، ثم أغلق عليه وعليهم الدار، فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم وأرسل يدعوني إلا ثلاث خصال أن أتبعه على دينه، أو الجزية، أو الحرب، وقد عرفتم فيما تقرءون من الكتب ليأخذن أرضنا، فهلم فلنتبعه، أو نعطه مالا، فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم، وقالوا: تدعون إلى أن نذر النصرانية، أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز فلما رأى ذلك قال: إنما أردت أن أعلم صلابتكم على دينكم، ثم دفع إليَّ كتابا، فقال: اذهب إليه، فاحفظ من حديثه ثلاثا هل يذكر كتابه الذي كتب إليَّ، وإذا قرأ كتابي هل يذكر الليل وهل في ظهره شيء؟ قال: فناولته الكتاب فدعاني إلى الإسلام، فأبيت فضحك، وقال: إنك لا تهدي من أحببت، إني كتبت إلى كسرى، فمزقه والله ممزقه، وإلى صاحبك صحيفة، فأمسكها لن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير، فقلت هذا إحدى الثلاث فكتبتها في جفن سيفي، ثم ناول الكتاب إلى معاوية فقرأ فيه: تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ فقال ﷺ : "سبحان الله أين النهار إذا جاء الليل" فكتبته في جفن سيفي، فذكر الحديث بطوله، وفيها "أن هرقل كتب من تبوك إلى النبي ﷺ أني مسلم، فقال النبي ﷺ : "كذب هو على نصرانيته" وأنه ود أن يعطيه جائزة، فأتاه عثمان بحلة، وأمر أنصاريًّا بإنزاله، فقام معه فناداه ﵇،стр. 1728
وفي كتاب الأموال لأبي عبيد، بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله نحو، ولفظه: فقال: "كذب عدو الله ليس بمسلم".
ثم انصرف ﷺ من تبوك، بعد أن أقام بها بضع عشرة ليلة. وقال الدمياطي -ومن قبله ابن سعد- عشرين ليلة، يصلي ركعتين ولم يلق كيدا،
الحواشي
(١) فكشف له ظهره فرأى خاتم النبوة.
"وفي كتاب الأموال لأبي عبيد" القاسم بن سلام بالتشديد البغداوي الإمام المشهور، الثقة الفاضل المصنف، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين "بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله، المزني، البصري الثقة الثبت من رجال الستة مات سنة ست ومائة "نحوه ولفظه، فقال: "كذب عدو الله ليس بمسلم".
قال في الفتح فعلى هذا إطلاق صاحب الاستيعاب أنه آمن أي أظهر التصديق لكنه لم يستمر عليه ويعمل بمقتضاه بل شح بملكه، وآثر القانية، على الباقة، "ثم انصرف ﷺ من تبوك بعد أن أقام بها بضع عشرة ليلة" قال ابن عقبة وابن إسحاق، واقتصر عليه اليعمري، "وقال الدمياطي ومن قبله ابن سعد، والواقد، ابن حزم: عشرين ليلة يصلي بها ركعتين" وأخرجه أحمد عن جابر وابن سعد، عن يحيى بن أبي كثير، قالا: أقام ﷺ بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة ويحتمل الجمع بأنه حسب يوم القدوم ويوم الارتحال فيصدق البضع بما عداهما، "ولم يلق كيدا" أي حربا فكان من الحكمة فيها ما حصل من إغاظة الكفار، وظهور عز المسلمين وفضيحة المنافقين وإذلالهم.
وذكر الواقدي أنه شاور أصحابه في التقدم، فقال عمران: كنت أمرت بالمسير فسر، فقال: "لو أمرت بامسير لم أستشركم فيه"، فقال: يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة، وليس بها مسلم، وقد دنونا وأفزعهم دنوك، فلو رجعنا هذه السنة حتى ترى، أو يحدث الله أمرا وأخرج يونس في زيادات المغازي، وأبو سعد في الشرف وابن أبي حاتم والبيهقي عن عبد الرحمن بن غنم أن اليهود، قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقا أنك نبي فالحق بالشام، فإنها أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فصدق ما قالوا، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعدما ختمت السورة ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦] ، فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك ومماتك ومنها تبعث، فرجع ﷺ ، فقال جبريل: سل ربك، فإن لكل نبي مسألة، وكان جبريل له ناصحا، والنبي ﷺ مطيعا، قال: "فما تأمرني أن أسأل" فقال جبريل: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] فهؤلاء الآيات نزلنا عليه في رجعته من تبوك، قال في الفتح: إسناده حسن مع كونه مرسلا، انتهى.стр. 1729
وبنى في طريقه مساجد.
وأقبل ﵊ حتى نزل بذي أوان -بفتح الهمزة بلفظ الأوان: الحين وبينها وبين المدينة ساعة جاءه خبر مسجد الضرار من السماء.
فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي العجلاني فقال:
الحواشي
(١) وأغرب السيوطي، فقال في الباب: هذا مرسل ضعيف الإسناد، وله شاهد عن ابن أبي حاتم، وآخر عند ابن جرير انتهى. وفيه نظر فإنه من رواية عبد الحميد بن بهرام، وهو صدوق، كما في التقريب عن شهر بن حوشب، وهو صدوق أيضا.
روى له مسلم وأصحاب السنن عن عبد الرحمن بن غنم، بفتح المعجمة، وسكون النون ذكره العجلي في كبار التابعين الثقات، واختلف في صحبته، فالحق قول الفتح حسن، وروى أحمد وغيره: أنه ﷺ قال في غزوة تبوك: "إذا وقع الطاعون بأرض، وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإن كنتم بغيرها فلا تقدموا عليها" قال الحافظ: في بذل الطاعون يشبه والله أعلم أن السبب في ذلك أن الشام كانت قديما ولم تزل معرفة بكثرة ذلك، فلما قدم ﷺ تبوك غازيا الشام بلغه أن الطاعون كان في الجهة التي كان قاصدها، فكان ذلك من أسباب رجوعه، من غير قتال "وبنى في طريقه مساجد" عشرين، أي كان سببا في بنائها لصلاته في تلك الأماكن، وأعلم عليها فبنيت بعده، كما يعلم من كلام الشريف السمهودي، ويجوز بناؤه للمفعول، أي أنها بنيت في طريقه التي صلى فيها، وعند ابن إسحاق مساجده في طريقه إلى تبوك مسماة معلومة مسجد بتبوك ومسجد بكذا فعدها سبعة عشر مسجدا، "وأقبل ﵊ حتى نزل بذي، أوان بفتح الهمزة".
قال البرهان والخشني: يرويه بضم الهمزة حيث وقع، انتهى. وقال البكري: أظن الراء سقطت من بين الهمزة والواو، أي أروان منسوب إلى البئر المشهورة، وعلى الأول هو بلفظ الأوان بفتح الهمزة وكسرها لغة "لحين" بالجر بدل والرفع خير هو "وبينها" أي ذي أوان، وهي بلد "وبين المدينة ساعة" من نهار، قاله ابن إسحاق وأتباعه، وفي القاموس وأوان عين بالمدينة، انتهى. فلعل البلد كانت بها عين جاءه خبر مسجد الضرار" المضارة لأهل مسجد قباء "من السماء" فنزلت هذه الآية، "فدعا مالك بن الدخشم" بضم المهملة والمعجمة بينهما خاء معجمة ساكنة آخره ميم، ويقال: الدخشيم بالتصغير، ويقال: بنون بدل الميم مكبرا مصغرا الأوسي البدري باتفاق، قال أبو عمر: لا يصح عنه باتفاق "ومعن بن عدي" بن الجد بن العجلان "العجلاني" نسبة إلى جده هذا البلوي حليف الأنصاري شهد أحدا أو استشهد يوم اليمامة، ثم الرواية عند ابن إسحاق بالشك، قال: فدعا مالكا ومعن بن عدي، أو أخاه عاصم بن عدي، "فقال:стр. 1730
انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه، فخرجا فحرقاه وهدماه.
وذلك بعد أن أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: ١٠٧] الآية.
قال الواحدي: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: الذين اتخذوا مسجد الضرار كانوا اثني عشر رجلا،
الحواشي
(١) "انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله" بالكفر والتفريق بين المؤمنين "فاهدماه وحرقاه" وعند غيره: فدعا مالكا ومعناه وأخاه.
زاد البغوي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة وزاد في التجريد سويد بن عباس الأنصاري، فقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه واحرقوه، فيحتمل أنه أرسلهما أولا، وخاطبهما بلفظ التثنية، ثم عززهما بالأربعة، وخاطبهم بالجمع، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر "فخرجا" قال ابن إسحاق سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف رهط مالك بن الدخشم، فقال: مالك لمعن: انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله، "فحرقاه وهدماه".
وفي رواية: فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم، فأخذ مالك سعفا وأشعله، ثم خرجوا يشتدون حتى أتوه بين المغرب والعشاء وفيه أهله، فحرقوه وهدموه حتى وضعوه بالأرض وتفرق عنه أصحابه، فلما قدم ﵇ المدينة عرضه على عاصم بن عدي ليتخذه دارا، فقال: ما كنت أتخذه، وقد أنزل الله فيه ما أنزل، ولكن أعطه ثابت بن أقرن فإنه، لا منزل له فأعطاه. فلم يولد في ذلك البيت مولود قط، ولا حمام، ولا دجاج.
وروى ابن المنذر عن ابن جبير وابن جريج وقتادة، قالوا: ذكر لنا أنه حفر في موضعه بقعة، فأبصروا الدخان منها "وذلك بعد أن أنزل الله فيه" لما نزل بذي أوان، وأتاه المنافقون، وسألوه أن يأتي مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه على ما روى، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: ١٠٧] لأنهم بنوه ليكون معقلا للكفار "الآية.
"قال" علي بن أحمد بن محمد بن علي "الواحدي" أستاذ عصره نحوا وتفسيرا، تلميذ للثعلبي وأخذ عنه علم التفسير وزاد عليه ورزق السعادة في تصانيفه. توفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وأربعمائة.
"قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: الذين اتخذوا مسجدا ضرارا كانوا اثني عشر رجلا" سرد ابن إسحاق، وتبعه اليعمري وغيره أسماءهم فقال خذام هو بخاء مكسورةстр. 1731
يضارون به مسجد قباء، وذلك أنهم قالوا في طائفة من المنافقين، نبني مسجدا فنقيل فيه فلا نحضر خلف محمد.
قال المفسرون: ولما بنوا ذلك لأغراضهم الفاسدة عند ذهاب رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك، قالوا: يا رسول الله، بنينا مسجدا لذي العلة، والليلة المطيرة، ونحن نحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة،
الحواشي
(١) وذال معجمتين، ابن خالد، ومن داره أخرج هذا المسجد وثعلبة بن حاطب، ومتعب ين قشير، وأبو حبيبة بن الأذعر، وعباد بن حنيف أخو سهل وجارية، وهو بجيم وتحتية وابناه مجمع وزيد بن جارية بن عامر، ونبتل، وهو بفتح النون، وسكون الموحدة وفتح الفوقية، ولام ابن الحارث، ويخزج بموحدة مفتوحة، فمهملة ساكنة، فزاي مفتوحة فجيم وبجاد، بفتح الموحدة، وخفة الجيم فألف فمهملة، ابن عثمان ووديعة بن ثابت، وأشار السهيلي إلى انتقاده في مجمع بن جارية، فقال: وذكر فيهم مجمعا، وكان إذ ذاك غلاما حدثا، قد جمع القرآن، فقدموه إماما لهم، وهو لا يعلم بشيء من شأنهم، وقد ذكر: إن عمر أراد عزله عن الإمامة، وقال: أليس بإمام مسجد الضرار، فأقسم له مجمع أنه ما علم بشيء من أمرهم، وما ظن إلا الخير، فصدقه عمر، وأقره ومعتب بن قشير، بقاف ومعجمة مصغر ترجم له في القسم الأول من الإصابة، ثم قال: وقيل كان منافقا، وقيل إنه تاب، وذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا "يضارون به مسجد قباء، و" بيان "ذلك أنهم قالوا في" مع "طائفة من المنافقين" لما بنى بنو عمرو بن عوف مسجد قباء الذي أسسه ﷺ ، لما قدم المدينة وصلى فيه بعثوا إليه ﵇ أن أتيهم فيصلي فيه فرأى ذلك ناس من بني بفتح المعجمة، وسكون النون ابن عوف، فقالوا: "نبني" نحن أيضا "مسجدا" كما بنوا "فنقيل فيه، فلا نحضر خلف محمد" فقال لهم أبو عامر الفاسق قبل خروجه إلى الشام، ابنوا مسجدكم واستمدوا فيه بما استطعتم من سلاح وقوة فإني ذاهب إلى قيصر، فآتي بجند الروم فأخرج محمدا وأصحابه فكانوا يرصدون قدومه، وقد خرج محاربا لله ورسوله، ورواه ابن جرير وجماعة عن ابن عباس وغيره.
"قال المفسرون" المذكورون وغيرهم "ولما بنو ذلك" المسجد "لأغراضهم الفاسدة" من المضارة والكفر والإرصاد "عند ذهاب رسول الله"، أي عند إرادته " ﷺ " الذهاب "إلى غزوة تبوك".
وفي حديث ابن عباس عند ابن مردويه والبيهقي: فلما فرغوا من بناء مسجدهم أرادوا أن يصلي فيه ﷺ ليروح لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد، فأتاه جماعة منهم، وهو يتجهز إلى تبوك، "قالوا: يا رسول الله بنينا مسجدا لذي العلة"، المرض، والحاجة، "والليلة المطيرة، ونحن نحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة" كما، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّاстр. 1732
فقال ﵊، "إني على جناح سفر، وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه" فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد، فنزلت هذه الآية.
ولما دنا ﷺ من المدينة خرج الناس لتلقيه وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
الحواشي
(١) الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] أي هذه الأمور التي أظهروها، والله يشهد أنهم لكاذبون.
روى ابن مردويه وابن أبي حاتم عن ابن عباس: لما بنى مسجد الضرار، قال ﷺ : "ليخرج ويلك ما أردت" قال والله ما أردت إلا الحسنى، فنزلت الآية، "فقال ﵊: "إني على جناح سفر" أي مفارقة الأوطان، "وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه" فنزلت هذه الآية" يريد الجنس، ففي حديث أبي رهم الغفاري، فلما نزل بذي أوان على ساعة من المدينة أنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: ١٠٧] إلى آخر القصة، أخرجه ابن مردويه، وفي حديث ابن عباس عند البيهقي: فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِه﴾ [التوبة: ٨٤] ، إلى قوله ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ الآية، وقدمنا في الهجرة الخلاف في المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى وأن الصحيح أنه مسجد قباء. وعند مسلم أنه المسجد النبوي وأنه لا منافاة فكل أسس عليها، غير أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْم﴾ و ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ يقتضي مسجد قباء، والله تعالى أعلم.
"ولما دنا" قرب " ﷺ من المدينة خرج الناس" الرجال الكاملون؛ لأنهم الذين جرت العادة بخروجهم للقاء الأمير "لتلقيه" تعظيما له وإكراما، ولطول غيبته وتحدث المنافقين عليه بالسوء.
روى ابن أبي حاتم عن جابر. قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون عن النبي ﷺ أخبار السوء يقولون: إن محمدا وأصحابه، قد جهدوا في سفرهم، وهلكوا فبلغهم تكذيب حديثهم، وعافية النبي ﷺ وأصحابه، فساءهم ذلك فأنزل الله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التوبة: ٥٠] "وخرج النساء والصبيان والولائد" الإماء، فالعطف مباين وإن أريد بالناس ما يشمل الرجال وغيرهم، فأفرد هؤلاء بالذكر لبيان خروجهم حال كونهم "يقلن" غلب النساء والولائد على ذكور الصبيان لكثرتهن، ولأن الغناء عادتهن بخلاف الصبيان وإنما خرج الجميع فرحا وسرورا بضد ما أرجف به المنافقون، ولأنهن ألفنه ﷺ بخلاف الهجرة، فصعدت المخدرات على الأسطحة؛ لأنهن لم يكن رأينه، وإن فشا فيهم الإسلام:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع"стр. 1733
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
وقد وهم بعض الرواة -كما قدمته- وقال: إنما كان هذا عند مقدمة المدينة. وهو وهم ظاهر؛ لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام -كما قدمت ذلك.
الحواشي
(١) "وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع"
وبعدها فيما يروى:
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
"وقد وهم بعض الرواة" وهو عبيد الله بن محمد، المعروف بابن عائشة، "كما قدمته" في الهجرة، "وقال إنما كان هذا" الشعر "عند مقدمه المدينة" لما هاجر من مكة، بمعنى أنه روى ذلك في الهجرة كما مر عن رواية البيهقي وغيره، ولا أنه حصر، كما أفهمه، "وهو وهم ظاهر؛ لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام، كما قدمت ذلك"، في الهجرة وقدم ثمة أن الوالي العراقي، قال: يحتمل أن الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع وقدمت أن هذا يؤيده جمع الثنيات إذ لو كان المراد التي من جهة الشام لم تجمع، ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر مرة عند الهجرة، ومرة عند قدومه من تبوك فلا يحكم بغلط ابن عائشة لأنه ثقة، وتقدم جمع آخر، وفي البخاري وغيره عن السائب بن يزيد: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى النبي ﷺ إلى ثنية الوداع مقدمة من غزوة تبوك، ووقع هنا في فتح الباري ما لفظه.
أنكر الوادي هذا، وتبعه ابن القيم، وقال: ثنية الوداع من جهة مكة، لا من جهة تبوك بل هي مقابلها كالمشرق والمغرب، قال: إلا أن يكون هناك ثنية أخرى في تلك الجهة، والثنية ما ارتفع من الأرض، وقيل الطريق في الجبل، قلت: لا يمنع كونها من جهة الحجاز أن يكون خروج المسافر من جهتها وهذا واضح، كما في دخول مكة من ثنية والخروج منها من أخرى، وينتهي كلاهما إلى طريق واحدة، وقد روينا بسند منقطع في الخلعيات قول النسوة لما قدم النبي ﷺ المدينة:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
فقيل ذلك عند قدومه من غزوة تبوك، انتهى. فليتأمل فإن هذا عكس النقل عن ابن القيم السابق في المصنف الذي بنى عليه هنا، وقد قال في الفتح نفسه في الهجرة ما لفظه أخرج أبو سعد في شرف المصطفى، ورويناه في فوائد الخلعي من طريق عبيد الله بن عائشة منقطعا.стр. 1734
وفي البخاري لما رجع ﷺ من غزوة تبوك فدنا من المدينة، قال: "إن بالمدينة أقوما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر" وهذا يؤيد معنى ما ورد: "نية المؤمن خير من عمله"، فإن نية هؤلاء خير،
الحواشي
(١) لما وصل النبي ﷺ المدينة جعل الولائد يقلن: طلع البدر علينا، البيتين، وهو سند معضل، ولعل ذلك في قدومه من غزوة تبوك، انتهى.
"وفي البخاري" هنا وقبله في الجهاد عن أنس "لما رجع ﷺ من غزوة تبوك، فدنا" قرب "من المدينة"، عطف على رجع وجواب لما، "قال: "إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا". مصدر ميمي، بمعنى السير، أي الذهاب، "ولا قطعتم واديا"، قال البيضاوي: هو كل منفرج ينفرج فيه السيل اسم فاعل من ودى إذا سال، فشاع بمعنى الأرض "إلا كانوا معكم" بالقلوب والنيات، وللإسماعيلي إلا وهم معكم فيه بالنية، ولأحمد وأبي داود "لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه"، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة، قال: "حبسهم العذر" ولابن حبان وأبي عوانة من حديث جابر "إلا شركوكم في الأجر"، بدل قوله: "إلا كانوا معكم"، وأسقط من البخاري، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة، قال: "وهم بالمدينة" "حبسهم العذر" عن الغزو معكم.
قال الحافظ: هو الوصف الطارئ على المكلف المناسب للتسهيل عليه، والمراد به ما هو أعم من المرض، وعدم القدرة على السفر، وفي مسلم عن جابر بلفظ حبسهم المرض، وكأنه محمول على الأغلب، انتهى.
قولهم: وهم بالمدينة استفهام تعجبي لرواية كيف، أي أيكونون معنا ثوابا، وكأن المصنف أسقطها لأن الفائدة وهي التحريض على النيات الصالحة حاصل بدونها.
قال المهلب: يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] فإنه فاضل بين المجاهدين والقاعدين ثم استثنى أولي الضرر من القاعدين فكأنه ألحقهم بالفاضلين.
"وهذا" الحديث الصحيح "يؤيد معنى ما روى" عند الطبراني، عن سهل بن سعد والعسكري عن النواس بن سمعان والديلمي عن أبي موسى، كلهم مرفوعا بلفظ "نية المؤمن خير من عمله".
ورواه البيهقي وغيره عن أنس بلفظ أبلغ وكلها ضعيفة ولذا مرضه لكن بمجموعها يتقوى الحديث، كما أفاده شيخ السخاوي، ويأتي بسطه إن شاء الله تعالى في المقصد الثالث، حيث ذكره المصنف ثمة في الكلام الموجز لم يسبق إليه وبين وجه التأييد بقوله: "فإن نية هؤلاء خيرстр. 1735
من أعمالهم، فإنها بلغت بهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم وهم على فرشهم في بيوتهم والمسابقة إلى الله تعالى وإلى الدرجات العلا بالنيات والهمم لا بمجرد الأعمال.
ولما أشرف ﷺ على المدينة، قال: "هذه طابة وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه".
الحواشي
(١) من أعمالهم فإنها بلغت بهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم، وهم على فرشهم في بيوتهم"، فشاركوهم في الثواب، وزادوا راحة الأبدان والمعية والصحبة الحقيقية، إنما هي بالسير بالروح، لا بمجرد البدن، وقصد المصنف بهذا دفع ما عساه، يقال: غاية ما أفاده الحديث المشاركة، أما الزيادة المستفادة من أفعل التفضيل، فلائم لضعفه جعله مؤيدا اسم مفعول بحديث الصحيح، لا مؤيدا اسم فاعل، فلم يقل هذا يؤيده "والمسابقة إلى الله تعالى" وفسر معناها، فقال: "وإلى الدرجات العلا بالنيات والهمم، لا بمجرد الأعمال".
قال شيخنا: استئناف بياني في جواب سؤال تقديره، وكيف نالوا ذلك مع راحة أبدانهم، وعدم المجاهدة، وكان الظاهر أن، يقال: إن عذرهم أسقط مؤاخذتهم بالتخلف، وكيف يحصل الثواب على شيء ما فعلوه، والجواب ظاهر مما ذكره، انتهى.
"ولما أشرف ﷺ " كما رواه الشيخان وغيرهما، عن أبي حميد الساعدي، قال: أقبلنا مع النبي ﷺ من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا "على المدينة، قال: "هذه طابة" بألف بعد الطاء، وفتح الموحدة سماها الله به، كما رواه مسلم مرفوعا مشتق من الطيب، كطيبة لطيب هوائها وترابها، وساكنها وطيب العيش بها.
قال ابن بطال: من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة، لا توجد في غيرها.
زاد بن أبي شيبة أسكننيها ربي تنفي خبث أهلها، كما ينفي الكير خبث الحديد، بفتح المعجمة، والموحدة، فمثلثة وسخه الذي يخرجه، والمراد أنها، لا تترك فيها من في قلبه دغل، بل تخرجه، كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده، ونسب للكير، لكونه السبب الأكبر في إشعال النار التي يقع بها، ذلك.
وروى خبث، بضم فسكون ورجح الأول لمناسبة الكير، وقيل غير ذلك، وقد بلغت أسماؤها خمسا وتسعين، وكثرة الأسماء آية شرف المسمى، "وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه" حقيقة على الصحيح، ولا مانع منه بأن يخلق له المحبة في بعض الجمادات، كتسبيح الحصا وحنين الجذع، وقيل: هو مجاز، والمراد أهله نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ [يوسف: ٨٢] وقال الشاعر:стр. 1736
ولما دخل قال العباس يا رسول الله ائدن لي أمتدحك قال: "قل لا يف الله فاك"، فقال:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا..............
الحواشي
(١) وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
ومن له مزيد في غزوة أحد "ولما دخل" المدينة في رمضان عند ابن سعد، وتبعه مغلطاي، وقال بعضهم في شعبان: وبدا بالمسجد، فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس، كما في حديث كعب بن مالك في الصحيح.
"قال العباس: بن عبد المطلب، كما رواه الطبراني وغيره: "يا رسول الله" إني أريد أن أمتدحك، "أتأذن لي" في أن "أمتدحك، قال: "قل لا يف الله فاك" لا للدعاء، فالفعل مجزوم حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، أو نافية خبر بمعنى الدعاء، فهو مرفوع، والمراد الدعاء له بصيانة فيه عن كل خلل، لا عن نثر الأسنان فقط، "فقال من قبلها" أي الأرض، أو الدنيا أو الولادة "طبت" كنت طيبا، "في الظلال" أي، لا ظلال الجنة في صلب آدم "وفي مستودع" بفتح الدال، الموضع الذي كا آدم وحواء به في الجنة، أو صلب آدم، أو الرحم وليس بشيء؛ لأنه لم ينتقل للرحم حتى حملت بجده شيث بعد هبوطها بمدة مديدة، "حيث يخصف،" يلزق "الورق" فبنى للمفعول للعلم به، وطفقا يخصفان، "ثم هبطت" نزلت في صلب آدم "البلاد" الأرض سماها بلادا باعتبار الأول إذ لم يكن حينئذ بلاد، ولا قرى، "لا بشر أنت ولا مضغة" قطعة لحم قدر المضغ، "ولا علق" دم جامد لو صب عليه الماء الحار لم يذب، والمراد نفي جنس العلق على نحو قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ، فلا يراد أن أصل الآدمي علقة واحدة، أو أطلق على كل جزء من الدم الذي هو أصل الإنسان علقة مجازا، فجمع، أو هو مرخم علقة، وإن كان في غير النداء قليلا، لا للتعظيم، كما زعم؛ لأنه منفي، "بل نطفة" مستقرة في صلب سام بن نوح بعد انتقالها من نوح فمن ولده إلى آدم، ولذا صح إطلاقها عليه وإلا فلم تكن تكونت حينئذ.
وفي رواية بل حجة، وفيه ما فيه من التعظيم والهروب من لفظ نطفة "تركب السفين" اسم جنس لسفينة، أي سفينة نوح، وجمع لضرورة الشعر، أو هو مفرد مرخم "وقد ألجم نسرا" أحد الأصنام التي عبدها قوم نوح.
ذكر ابن جرير الطبري أن نسرا وودا ويعوق ويغوث كانوا أبناء سواع بن شيث بن آدم، فلما هلك صورت صورته لدينه وما عهدوه في دعائه من الإجابة، فلما مات أولاده صورتстр. 1737
....... ... وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق
وردت نار الخليل مكتتما ... في صلبه أنت كيف يحترق
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض ... وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي الـ ... ـنور وسبل الرشاد نخترق
الحواشي
(١) صورهم كذلك لتذكيرأفعالهم الصالحة فلم يزالوا حتى خلفت الخلوف، وقالوا: ما عظم هؤلاء آباؤنا إلا؛ لأنها وتنفع وتضر، واتخذوها آلهة وعبدوها، نقله في الروض: فما وقع في بعض العبارات أنها أسماء خمسة بنين لآدم، أي بواسطة، لا لصلبه، "وأهله" عباده سماهم لذلك أهله "الغرق" الذي عم الكفار زمن نوح "تنقل من صالب" أي صلب بضم فسكون وتضم لامه اتباعا، كما في المصباح، وهو ظهر الرجل "إلى رحم" بفتح الراء، وكسر الحاء موضع تكوين الولد "إذا مضى عالم" أنت فيه بواسطة من كنت في صلبه، "بدا" ظهر "طبق" عالم آخر تكون فيه بانتقالك من أصل إلى فرع، أو إذا مضى قرن ظهر آخر، سمي القرن طبقا؛ لأنهم طبق للأرض، أي يغطونها، ثم ينقرضون.
قال أبو عبيد، يقال: مضى طبق، وجاء طبق، أي مضى عالم، وجاء عالم "وردت" بلغت ودخلت "نار الخليل" إبراهيم ﵊، أضافها إليها لكونها أوقدت لأجله، حال كونك، "مكتتما" مخفيا "في صلبه" ظهره "أنت" توكيد للضمير في وردت "كيف يحترق" استفهام بمعنى النفي، أي، لا يحترق ببركتك، وأنت في صلبه وعبر بالورود، مع أنه لغة الوصول، بلا دخول إشارة إلى أنه لم يصبه منها شيء، وإن دخلها فكأنه لم يدخلها "حتى احتوى بيتك المهيمن" اسم فاعل من هيمن، أي المحفوظ من كل نقص، "من خندف علياء تحتها النطق" يأتي شرحه "وأنت لما ولدت".
ويروي لما ظهرت "أشرقت وضاءت بنورك الأفق" بضم الهمزة والفاء وتسكن الناحية جمعة آفاق مذكر أنثه على تأويله بالناحية، فراعى معناه، لا لفظه "فنحن" الآن "في ذلك الضياء" نهتدي به إلى ما فيه السعادة الأبدية.
"وفي النور وسبل الرشاد نخترق" هكذا في النسخ الصحيحة، وهي الرواية، وكذا أنشده المصنف في المولد، ويقع في نسخة:
فنحن في ذلك الضياء وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
وفصاحة العباس تأبى هذا، وإن أمن توجيهه، بأن المراد بمنزلة الكائنين فيها لقوة إيمانناстр. 1738
وقوله: من قبلها طبت إلخ: أي ظلال الجنة، أي كنت طيبا في صلب آدم حيث كان في الجنة.
وقوله: من قبلها: أي قبل نزولك إلى الأرض فكنى عنها ولم يتقدم لها ذكر لبيان المعنى.
وقوله: ثم هبطت البلاد لا بشر، أي لما أهبط الله آدم إلى الدنيا، كنت في صلبه غير بالغ هذه الأشياء.
وقوله: وقد ألجم نسرا وأهله الغرق، يريد الصنم الذي كان يعبده قوم نوح وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] .
الحواشي
(١) بواسطة ما أفيض علينا، وبأن المراد، ونحن نكون في الجنة يوم القيامة، جزاء لأتباعك، ويقع في بعض النسخ زيادة أبيات هي:
وعاليا قدرك الرفيع وفي ... معناك حسنا يميله النسق
فذا تثنيك والقوام إذا ... غصنا رطيبا قوامك الرشق
ووجهك البدر أن يضيء ومن ... شعر لك الليل يحلك الغسق
أضاء منك الوجود نور سنا ... وفاح مسكا ونشرك العبق
وكأنها مصنوعة وليس عليها رونق شعره، "وقوله: من قبلها طبت إلى آخره، أي طلال الجنة" فأل عوض عن المضاف إليه، أو للعهد الذهني، وظلالها ليست كظلام الدنيا.
قال الزمخشري: هي مثل ما بين طلوع الفجر إلى الشمس وقال غيره: مثل ما بين الأسفار والطلوع، ولا يلزم على الأول أن تكون مظلمة؛ لأن التمثيل في عدم التغير فقط، "أي كنت طيبا في صلب آدم حيث كان في الجنة، وقوله: من قبلها، أي من قبل نزولك إلى الأرض"، وأنت لتأويل النزول بالحالة التي قامت به، والأوضح عود الضمير إلى الأرض بتقدير من قبل نزولك إليها، "فكني عنها، ولم يتقدم لها ذكر لبيان المعنى، "كقوله: حتى توارت بالحجاب ولأبويه "وقوله: ثم هبطت البلاد، لا بشر، أي لما أهبط الله تعالى آدم ﵇ إلى الدنيا، كنت في صلبه غير بالغ هذه الأشياء" البشر، والمضغة والعلق، أي لم يك شيئا منها "وقوله: وقد ألجم نسرا، وأهله الغرق يريد الصنم الذي كان يعبده قوم نوح، وهو المذكور في قوله تعالى:" ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] قيل: ثم بعد الطوفان انتقلت تلك الأصنام بأعيانها، وقيل: بل الأسماء فقط إلى قبائل من العرب قصار ود لكلب بدومة الجندل، وسواع لهذيل، ويغوث لمراد، ويعوق لهمدان ونسر لحمير، قال ابن عطية وغيره.стр. 1739
وقوله: حتى احتوى بيتك المهيمن إلخ. النطق: جمع نطاق. وهي أعراض من جبال بعضها فوق بعض أي: نواح وأوساط منها شبهت بالنطق التي تشد بها أوساط الناس. ضربه مثلا في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال، وأراد ببيته: شرفه، والمهيمن، نعته، أي احتوى شرفه الشاهد إلى فضلك أعلى مكان من نسب خندف -وهو بكسر الخاء المعجمة والدال المهملة- انتهى.
وجاءه ﷺ من كان تخلف عنه، فحلفوا له فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ
الحواشي
(١) "وقوله: حتى احتوى بيتك المهيمن إلخ النطق جمع نطاق، وهي أعراض من جبال" بجيم فموحدة "بعضها فوق بعض" وفسرها: فقال: أي "نواح وأوساط، منها شبهت بالنطق التي تشد بها أوساط الناس، ضربه مثلا في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته، وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال" بجيم فموحدة جمع جبل، وقراءته بالمهملة تصحيف، "وأراد ببيته شرفه المهيمن نعته" فهو اسم فاعل، كقوله تعالى ومهيمنا عليه في القراءة المتواترة، "أي احتوى شرفك الشاهد على فضلك أعلى مكان" مفعول مطلق صفة لفضلا محذوف "من نسب خندف، وهو" أي هذا اللفظ "بكسر الخاء المعجمة، و" كسر "الدال المهملة" آخره فاء في الأصل المشي بهرولة، ثم جعل علما على امرأة إلياس بن مضر، وهي ليلى القضاعية لما خرجت تهرول خلف بنيها الثلاثة عمرو وعامر وعمر حين ندلهم إبل، فطلبوها، فأبطئوا عليها، ثم ضرب مثلا للنسب العالي في كل شيء؛ لأنها كانت ذات نسب "انتهى".
"وجاءه ﷺ من كان تخلف عنه" قال كعب بن مالك في حديثه الصحيح، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، وذكر الواقدي: أن هذا العدد كان من منافقي الأنصار، وأن المعذرين من الأعراب كانوا أيضا اثنين وثمانين رجلا من بني غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي ومن أطاعه من قومه كانوا من غير هؤلاء وكانوا عددا كثيرا، "فحلفوا له فعذرهم" قبل عذرهم بأن رفع عنهم اللوم، "واستغفر لهم".
وفي حديث كعب، فقيل منهم ﷺ علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، وعند ابن عقبه، لما دنا ﷺ من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا فقال لأصحابه: "لا تكلموا رجلا منهم ولا تجالسوه حتى آذن لكم" فأعرض عنهم هو والمؤمنون حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه، وأخيه، وإن المرأة لتعرض عن زوجها، فمكثوا كذلك أياما حتى كرب الذين تخلفوا وجعلوا يعتذرون بالجهد والأسقام، ويحلفون له فرحمهم وبايعهم واستغفر لهم "وأرجأ".стр. 1740
أمر كعب وصاحبيه حتى نزلت توبتهم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
الحواشي
(١) قال الحافظ: مهموز، أي أخر وزنا ومعنى "أمر كعب وصاحبيه" قال كعب في الصحيح: فجئته فلما سلمت عليه تبسم، تبسم المغضب، ثم قال: "تعال" فجلست بين يديه، فقال لي: "ما خلفك ألم تكن ابتعت ظهرك" فقلت: بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك حديث كذب ترضى به عني، لوشكن الله أن يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد على إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال ﷺ : "أما هذا، فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك". فقمت وثار رجال من بني سلمة، فقالوا: ما علمناك أذنبت قبل هذا، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله لك، فما زالوا حتى أردت أن أرجع، فأكذب نفسي، فقلت لهم: هل لقي هذا معي أحد، قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما، ونهى ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فذكر الحديث بطوله "حتى نزلت توبتهم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ أدام توبته عليه وهذا أولى من قول من قال تجاوز عنه إذنه للمنافقين في التخلف وقيل: هو حث للمؤمنين على التوبة على سبيل التعريض؛ لأنه إذا وصف بها المستغني عنها ﷺ كان باعثا للمؤمنين عليها وإبانة لفضلها "و" تاب على ﴿َالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار﴾ حقيقة إذ، لا ينفك الإنسان عن زلة، أو عن وساوس تقع في قلوبهم ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ حقيقة بأن خرج أولا وتبعوه، مجازا عن اتباعهم أمره ونهيه ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ أي وقت الشدة والضيق كان الرجلان يقتسمان تمرة، والعشرة يتعقبون البعير الواحد، واشتد الحر حتى شربوا الفرث ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ﴾ بالتاء والياء تمثل ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ عن اتباعه إلى التخلف، لما هم فيه من الشدة، ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ بالثبات ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حين تاب عليهم ﴿و﴾ تاب ﴿َعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ عن التوبة.
قال كعب: ليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن خلف له واعتذر إليه فقبل منه، وكذا قال قتادة وعكرمة: خلفوا عن التوبة.стр. 1741
حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨] ،
والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة.
الحواشي
(١) قال ابن جرير: فالمعنى تاب على من أخر توبتهم ويؤيده قوله: " ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ " أي مع رحبها، أي سعتها، فلا يجدون مكانا يطمئنون إليه قلقا، وجزعا تمثيل لحيرتهم في أمرهم " ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ " قلوبهم للغم والوحشة بتأخير توبتهم، فلا يسعها سرور، ولا أنس.
وفي حديث كعب: حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي بالتي أعرف، وفي رواية وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هي بالحيطان التي نعرف، وهذا يجده الحزين والمهموم في كل شيء حتى، قد يجده في نفسه.
وعند ابن عائد حتى وجلوا أشد الوجل، وصاروا مثل الرهبان "وظنوا" أيقنوا " ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾ " أي، لا مفر من عذابه لأحد " ﴿إِلَّا إِلَيْه﴾ " بالتوبة والاستغفار.
روى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري، قال: ما أكل هؤلاء الثلاثة مالا حراما، ولا سفكوا دما حراما، ولا أفسدوا في الأرض، وأصابهم ما سمعتم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يوافع الفواحش، والكبائر ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ وفقهم للتوبة " ﴿لِيَتُوبُوا﴾ " ليستقيموا على توبتهم، ويثبتوا، أو ليتوبوا في المستقبل، كلما فرطت منهم زلة لعلمهم بالنصوص أن طريان الخطيئة يستدعي تجدد التوبة " ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّاب﴾ " على من تاب ولو عاد، كما قال ﷺ : "ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة".
رواه أبو داود والترمذي والبزار وضعفاه من حديث أبي بكر وله شاهد من حديث ابن عباس عند الطبراني " ﴿الرَّحِيمُ﴾ " به، ومن جملتها توفيقه للتوبة، "والثلاثة هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية ومرارة"، بضم الميم، وتخفيف الراءين ومن تظرف، فقال: يجمع أسماءهم مكة مراده مجرد الحروف، لا الضبط "ابن ربيعة" كذا في رواية لمسلم، والمشهور ابن الربيع، كما في البخاري وعند ابن مردويه مرارة بن ربعي، وهو خطأ، وعند ابن أبي حاتم: ربيع بن مرارة، وهو مقلوب، قاله الحافظ، وقد مر، قال ابن بطال: إنما اشتد الغضب على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية؛ لأنه في حق الأنصار خاصة فرض عين؛ لأنهم بايعوا على ذلك، ومصداقه قولهمстр. 1742
وعند البيهقي في الدلائل، من مرسل سعيد بن المسيب: أن أبا لبابة بن عبد المنذر لما أشار لبني قريظة بيده إلى حلقه: أنه الذبح وأخبر عنه رسول الله ﷺ بذلك فقال له رسول الله ﷺ : "أحسبت أن الله قد غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك"، فلبث حينا ورسول الله ﷺ عاتب عليه، ثم غزا تبوكا فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله ﷺ منها جاءه أبو لبابة يسلم عليه فأعرض عنه رسول الله ﷺ ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة سبعا وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا، أو يتوب الله عليَّ، الحديث.
الحواشي
(١) وهم يحفرون الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرا لأنها كالنكث لبيعتهم.
قال السهيلي: ولا أعرف لها وجها غيره، وقال الحافظ وإنما غلظ الأمر على الثلاثة وهجروا لأنهم تركوا الواجب بلا عذر؛ لأن الإمام إذا استنفر الجيش عموما، لزمهم النفير ولحق اللوم بكل فرد، فرد أن لو تخلف، فهذا وجه ثان غير الذي ذكر، ولعله أقعد، ويؤيده قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم﴾ [التوبة: ١٢٠] وللشافعية وجه: أن الجهاد كان فرض عين في زمنه ﷺ فعليه يتوجه العتاب على من تخالف مطلقا، وعند البيهقي في الدلائل النبوية "من مرسل سعيد بن المسيب" بن حزن، التابعي الجليل، ابن الصحابي، حفيد الصحابي، "أن أبا لبابة" رفاعة بن عبد المنذر، الأنصاري "لما أشار لبني قريظة بيده إلى حلقه" حين قالوا له: أترى أن ننزل على حكم محمد "أن الذبح، فأخبر عنه رسول الله ﷺ بذلك، فقال له رسول الله ﷺ : "أحسبت أن الله غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك" فلبث حينا" زمنا "ورسول الله ﷺ عاتب عليه، ثم غزا تبوكا" بالصرف إلى إرادة الموضع، "فتخلف عنه أبو لبابة في " جملة "من تخلف، فلما قفل" بفتح القاف، والفاء، ولام رجع "رسول الله ﷺ ، منها جاء أبو لبابة، يسلم عليه، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ففزع أبو لبابه فارتبط بسارية التوبة", وهي العمود المخلق، أي المطلق بالخلوق بوزن رسول، وهو ما يخلق به من الطيب "سبعا" من الليالي، وقيل ستا، وقيل بضع عشرة كما مر، "وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا" بالموت، "أو يتوب الله على الحديث" بقيته فأنزل الله تعالى، ﴿وَآخَرُونَ﴾ ، فأرسل ﷺ إلى أبي لبابة ليطلقه، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول الله، فجاء ﷺ فأطلقه بيده قال البيهقي،стр. 1743
وعنده أيضا من حديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ [التوبة/ ١٠٢] قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فلما رجع ﷺ أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد وكان ممره النبي ﷺ إذ رجع في المسجد عليهم، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم، فقال: أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو، فأنزل الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ فلما نزلت
الحواشي
(١) وترجم ابن إسحاق أن ارتباطه كان في بني قريظة، ورويناه عن ابن عباس وغيره: أنه بتخلفه عن تبوك انتهى، ويحتمل تكرر ربطه نفسه، "وعنده" أي البيهقي في الدلائل "أيضا" وعند ابن مردويه وابن جرير وغيرهم "من حديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ﴾ مبتدأ ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ من التخلف نعته والخبر ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو جهادهم قبل ذلك أو اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك.
"قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فلما رجع ﷺ أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وثلاثة لم يوثقوا، وهم كعب، ومرارة وهلال، والذين أوثقوا أبو لبابة وأوس بن جذام وثعلبة بن وديعة رواه ابن منده وأبو الشيخ عن جابر بإسناد قوي وجد بن قيس وجذام بن أوس ومرداس رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم بن مرسل قنادة والسابع وداعة بن حرام الأنصاري. رواه المستغفري عن ابن عباس، "وكان ممره ﷺ إذا رجع في المسجد عليهم، فقال" لما رآهم: "من هؤلاء" الموثقون أنفسهم؟ " قالوا هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله".
زاد في رواية عاهدوا الله لا يطلقون أنفسهم "حتى تطلقهم" زاد في رواية وترضي عنهم، وتعذرهم" ترفع اللوم عنهم، زاد في رواية، وقد اعترفوا بذنوبهم "قال ﷺ ": "وانا "أقسم بالله لا أطلقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم".
"رغبوا عني" صانوا نفوسهم عما رضيته لنفسي من الشدائد، "وتخلفوا عن الغزو" مع المسلمين وقد استنفرت عموم الجيش فتركوا الواجب.
زاد في رواية: فلما بلغهم ذلك قالوا ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقنا، "فأنزل الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، "فلما نزلتстр. 1744
أرسل إليهم النبي ﷺ فأطلقهم وعذرهم، الحديث.
قالوا: ولما قدم ﵊ من تبوك وجد عويمر العجلاني امرأته حبلى، فلاعن ﵊ بينهما.
الحواشي
(١) أرسل إليهم النبي ﷺ فأطلقهم وعذرهم" إلا أن أبا لبابة لم يرض أن يطلقه إلا النبي ﷺ بيده، ففعل كما مر "الحديث" بقيته، فجاء أبو لبابة وأصحابه بأموالهم حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال: "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا" فأنزل الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] ، يقول: رحمة لهم، فأخذ منهم الصدقة، واستغفر لهم، وبقي الثلاثة الذين لم يوثقوا أنفسهم، لم يذكروا بشيء، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّه﴾ [التوبة: ١٠٦] فجعل أناس يقولون: هلكوا إذ لم ينزل عذرهم، وآخرون يقولون عسى الله أن يتوب عليهم حتى نزلت ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] ويقع في بعض الروايات: أنهم أخروا سنة، وهو ضعيف، فالثابت في الصحيح خمسين ليلة والله أعلم.
واعلم أنه من أول قوله، وعند البيهقي إلى هنا سقط في كثير من النسخ، وإثباتها أتم فائدة والعزو صحيح مذكور في دلائل البيهقي إلى هنا سقط في كثير من النسخ، وإثباتها أتم فائدة والغزو صحيح مذكور في دلائل البيهقي وغيره "قالوا: ولما قدم ﵊ من تبوك وجد عويمر" بضم المهملة آخره راء مصغر ابن أبيض، وقال الطبراني ابن الحارث بن زيد بن جابر بن الجد بن العجلان "العجلاني" قال: وأبيض لقب لأحد آبائه، وأيد بأن في الموطأ رواية القعنبي عويمر بن أشقر، فقيل إنه خطأ لأن ابن أشقر آخر مازني، وقيل: لا خطأ، فإن أحد آباء العجلاني يلقب أبيض، فأطلق عليه الراوي أشقر، "امرأته" خولة بنت قيس عن المشهور أو بنت عاصم بن عدي أو بنت أخيه "حبلى" وعند ابن مردويه مرسلا أن عويمر رماها بشريك بن سحماء، وهو ابن عمه، وعند ابن أبي حاتم فقال لعاصم: يابن عم أقسم بالله لقد رأيت شريك بن سحماء على بطنها، وأنها لحبلى وما قربتها منذ أربعة أشهر، وسحماء بفتح السين، وسكون الحاء المهملتين، والمد اسم أمه، وهي حبشية أو يمانية، واسم أبيه عبده، ولا مانع من أن يتهم شريك بكل من امرأتي عويمر وهلال جمعا بين هذا وبين حديث البخاري الآتي، فلا يحسن قول ابن الصباغ في شامله أن قول الإمام المزني قذف العجلاني زوجته بشريك سهو في النقل، إنما هو هلال انتهى، وقد علم سند المزني، وإمكان الجمع فتعين المصير إليه، "فلاعن ﵊ بينهما"، وكأن المصنف ساقه بصيغة التبري؛ لأنه صريح في أن اللعان لنفي الحمل وصريح الأحاديث أنه لرؤية الزنا.
وقد روى الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال:стр. 1745
...................................
الحواشي
(١) أسأل رسول الله ﷺ أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله، أيقتل به أم كيف يصنع، فسأله عاصم فعاب ﷺ المسائل فلقيه عويمر، فقال: ما صنعت، قال: إنك لم تأمرني بخير سألت رسول الله، فعاب المسائل، فقال عويمر: فوالله لآتين رسول الله، فلأسألنه، فأتاه، فقال: يا رسول الله رجل وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال ﷺ : "قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك".
فأمرهما، فتلاعنا الحديث، وفيه أن الولد جاء على الصفة التي تصدق عويمرا، فكان ينسب إلى أمه.
وروى البخاري عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال ﷺ : "البينة أو حد في ظهرك" فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل ﷺ يقول: "البنية وإلا حد في ظهرك" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إي لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل الله، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] حتى بلغ إن كان من الصادقين، الحديث. وفيه أنهما تلاعنا، وأن الولد جاء على صفة شريك، فقال ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن".
قال الحافظ: اختلف الأئمة في هذا الموضع، فمنهم من رجح نزولها في شأن عويمر، ومنهم من رجح نزولها في شأن هلال، ومنهم من جمع بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضا، فنزلت في شأنهما معا، وإليه جنح النووي، وسبقه الخطيب، فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك في وقت واحد، ولا مانع أن تتعدد القصص، ويتحد النزول.
وروى البزار عن حذيفة قال: قال ﷺ لأبي بكر: "لو رأيت مع أم رومان رجلا ما كنت فاعلا به".
قال: كنت فاعلا به شرا قال: "فأنت يا عمر" قال: كنت أقول لعن الله الأبعد، فنزلت، ويحتمل أن النزول سبق هلال، فلما جاء عويمر، ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه ﷺ بالحكم، ولذا قال في قصة هلال: فنزل جبريل وفي قصة عويمر: "قد أنزل الله فيك"، وبهذا أجاب ابن الصباغ، قال: نزلت في هلال، وأما قوله لعويمر: "قد أنزل الله فيك"، فمعناه ما أنزل في قصة هلال، ويؤيده أن في حديث أنس عند أبي يعلى أول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بإمرأته، وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين قال: وهذه الاحتمالات وإن بعدت أولى من تغليظ الرواة الحفاظ، انتهى، ولم يذكر المصنف هنا بعثه صلى الله عليه والسلام أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم اللات بالطائف لما أتاه وفدهم مسلمين، فذهبا في بضعة عشر رجلا، فهدموها حتى سووها بالأرض، ثم خرب المغيرة أساسها، وأخذوا حليتها وكسوتها وما فيها من طيب وذهب وفضة، وأقبلوا حتى دخلوا عليه ﷺ ، فحمد الله على نصره واعزاز دينه، وقسم المال من يومه اكتفاء بأنه أشار إلى ذلك في الوفود والله أعلم.стр. 1746
[حج الصديق بالناس] :
ثم حجة أبي بكر الصديق ﵁ بالناس، سنة تسع في ذي القعدة، كما ذكره ابن سعد وغيره بسند صحيح عن مجاهد، ووافقه عكرمة بن خالد، فيما أخرجه الحاكم في الإكليل.
وقال قوم في ذي الحجة، وبه قال الداودي والثعلبي والماوردي، والمعتمد ما قاله
الحواشي
(١) حج الصديق بالناس:
"ثم حجة أبي بكر الصديق" عبد الله بن عثمان "﵁"، وعن أبيه "بالناس" أميرا عليه "سنة تسع، كما جزم به البخاري وابن إسحاق قال الحافظ في التفسير اتفقت عليه الروايات، وقال هنا: والحق أنه لم يختلف في ذلك، وإنما وقع الاختلاف في أي شهر حج أبو بكر، فقيل: "في ذي القعدة" على طريقة العرب من عدم تقييده بالحجة، ولا يرد أن الله صان أفعاله ﵊ عن الجاهلية، لجواز أن المراد الأوثان والسفاح ونحوهما "كما ذكره ابن سعد وغيره بسند صحيح عن مجاهد" التابعي، الإمام المشهور، "ووافقه عكرمة بن خالد" بن العاصي بن هشام المخزومي، التابعي الثقة "فيما أخرجه الحاكم في الإكليل".
قال الحافظ: ومن عدا هذين، أي عكرمة ومجاهد، إما ساكت، وإما مصرح بأنه في الحجة، وقال "قوم في ذي الحجة، وبه قال الداودي" أحمد بن نصر شارح البخاري "و" من المفسرين "الثعلبي، والماوردي" والرماني وجماعة، واحتج له بحديث الصحيحين الآتي من قوله: يوم النحر قال الحافظ: ولا حجة فيه لأن قول مجاهد وعكرمة إن ثبت، فالمراد بيوم النحر صبيحة يوم الوقوف سواء وقع الوقوف في القعدة أو الحجة، لكن الحجة له حديث ابن مردويه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كانوا يجعلون عاما شهرا، وعاما شهرين، يعني يحجون في شهر واحد مرتين في سنتين ثم يحجون في شهر آخر غيره، فلا يقع الحج في أيام الحج إلا في كل خمس وعشرين سنة، فلما كان حج أبي بكر، وافق ذلك العام شهر الحج فسماه الله الحج الأكبر، وهذا يرد القول، بأنه في ذي القعدة ويضعفه، "والمعتمد ما قالهстр. 1747
مجاهد وبه جزم الأزرقي، ويؤيده أن ابن إسحاق صرح بأن النبي ﷺ أقام بعدما رجع من تبوك رمضان وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، فهو ظاهر في أن بعث أبي بكر كان بعد انسلاخ ذي القعدة، فيكون حجة في ذي الحجة على هذا والله أعلم.
وكان مع أبي بكر ثلاثمائة رجل من المدينة، وعشرون بدنة.
وفي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة: أنا أبا بكر بعثه في الحجة التي أمره رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) مجاهد، وبه جزم الأزرقي" كذا في نسخ تقليدا لسبق قلم وقع في الفتح، وقد كتبوا عليه قديما صوابه المعتمد، خلاف ما قاله مجاهد، وسقط قوله والمعتمد إلخ، في كثير من النسخ، وهو ظاهر حتى يتأتى قوله، "ويؤيده" أي القول، بأنه في ذي الحجة "أن ابن إسحاق صرح" في السيرة، "بأن النبي ﷺ أقام بعدما رجع من تبوك" بقية شهر "رمضان" على أنه قدم فيه أو كله، على أنه قدم في شعبان "وشوالا وذي القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج" من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم، من حجهم انتهى كلام ابن إسحاق.
"فهو ظاهر في أن بعث أبي بكر كان بعد انسلاخ ذي القعدة" لأن التقدير ثم بعد إقامة تلك المدة بعث، "فيكون حجه في ذي الحجة على هذا" الظاهر، ولم يجعله صريحا لاحتمال إرادة الترتيب الذكري، وإن كان بعيدا "والله أعلم" ويحتمل أن قوله المعتمد ما قاله مجاهد من مجاز الحذف، أي خلاف ما قاله، ارتكبه للقرينة الظاهرة تشحيذا للأذهان إذ لا يتوهم عاقل أنه يقول يؤيده بما ينافيه، "وكان مع أبي بكر ثلاثمائة رجل من المدينة" لفظ ابن سعد والمصنف لا يعدل عنه غالبا كاليعمري، ولفظ شيخه الواقدي أنه خرج معه ثلاثمائة من الصحابة، واقتصر عليه الفتح وي وإن صرحت بأن الكل صحابة، لكنها محتملة؛ لأن يكون فيهم إناث بخلاف لفظ تلميذه قال رجل: فلا تغني إحدى العبارتين عن الأخرى، "وعشرون بدنة" بعثها ﷺ قلدها وأشعرها بيده عليها ناجية بن جندب الأسلمي، وساق أبو بكر خمس بدنات.
ذكره ابن سعد وشيخه، فهذا من المصنف اختصار موهم ثم استأنف فذكر حديث أبي هريرة لما فيه من الفوائد التي ليست فيما قدمه، ومن جملتها أن الحجة كانت في ذي الحجة على ظاهر قوله يوم النحر، فقال: "وفي البخاري" في الصلاة، والحج، والجزية، المغازي والتفسير "ومسلم" في الحج، وكذا أبو داود والنسائي بطرق كلها عن "أبي هريرة، أن أبا بكر بعثه"، أي أبا هريرة، وفي رواية التفسير بعثني أبو بكر "في الحجة التي أمره" بشد الميم، أي جعله "رسول الله صلى الله وسلم" أميرا عليها.стр. 1748
قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس يوم النحر، أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
الحواشي
(١) وللطبراني عن ابن عباس بعث ﷺ أبا بكر أميرا على الموسم، وأمره أن يقيم للناس حجهم، فخرج أبو بكر "قبل حجة الوداع" أفاد أنها كانت سنة تسع؛ لأن حجة الوداع كانت سنة عشر اتفاقا، قاله ابن القيم "في رهط" وفي رواية في مؤذنين، أي في جماعة معلمين، وسمى منهم سعد بن أبي وقاص وجابرا، كلاهما عند الطبري كما في الفتح "يؤذن" بفتح الهمزة، وشد المعجمة المكسورة، يعلم الرهط وأبو هريرة على الالتفات، قاله المصنف، أي على رأي بعضهم لا الجمهور إذا كان مقتضى الظاهر أن يقول أؤذن "في الناس يوم النحر".
زاد في رواية بمعنى وهذا اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه﴾ كما في الفتح وفي البخاري، فكان حميد يقول يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة "أن لا يحج".
قال المصنف في التفسير: بفتح الهمزة، وشد اللام ونصب يحج بأن ولا نافية، وقال الحافظ: بفتح الهمزة وإدغام النون في اللام "بعد العام" أي الزمان الذي وقع فيه الإعلام بذلك "مشرك" لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ووقع للحافظ في الصلاة أن لا ناهية، فرده العيني وغيره بأن بعده، ولا يطوف، وقال بعضهم: هو اعتراض سهل، أي لأنها وإن كانت نافية لفظا، فهي ناهية معنى، فعليه يحمل قوله ناهية، وكون لا يطوف بعده ليس بمانع؛ لأنه من عطف الخبر على الإنشاء "ولا يطو بالبيت عريان" بنصب يطوف عطف على يحج، قاله الحافظ وغيره ذكر ابن عائذ أنه كان رجال يطوفون منهم عراة ليلا، يعظمون بذلك البيت.
ويقول بعضهم: أطوف بالبيت كما ولدتني أمي ليس على شيء من الدنيا، خالطه الظلم، فكره ﷺ أن يحج ذلك العام، قال في الفتح قال الطحاوي في كشف الآثار: هذا مشكل لأن الأخبار في هذه القصة تدل على أنه ﷺ كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليًّا، فأمره أن يؤذن، فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة ومن معه بالتأذين مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى علي، ثم أجاب مما حاصله أن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة، وكان علي هو المأمور بالتأذين بذلك، وكأن عليًّا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى معين، فأرسل أبو بكر أبا هريرة وغيره ليساعدوه، ثم ساق من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي حين بعثه ﷺ ببراءة أهل مكة، فكنت أنادي معه بذلك حتى يصحل صوتي، وكان هو ينادي قبلي حتى يعبأ، فالحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكر، وكان ينادي بما يلقيهстр. 1749
ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة،
الحواشي
(١) إليه علي، مما مر بتبليغه، انتهى.
"ثم أردف" أي أرسل "النبي ﷺ " أبا بكر "بعلي بن أبي طالب" وفي نسخة من البخاري علي بإسقاط الحرف، وهذا من جملة ما رواه البخاري في الصلاة والتفسير، ولم يروه في هذا الباب وهو ما وقف عليه شيخنا، فتجرأ وقال ليس هو من رواية البخاري، وقد علمت أنه من روايته في موضعين نعم على المؤلف مأخذة لإبهامه أنه من حديث أبي هريرة، والبخاري ومسلم قالا في سياقه، قال حميد بن عبد الرحمن ثم أردف قال الحافظ: هذا القدر من الحديث مرسل؛ لأن حميدا لم يدرك ذلك، ولا صرح بسماعه له من أبي هريرة، لكن ثبت إرسال علي من عدة طرق، فروى الطبري من طريق أبي صالح عن علي: بعث ﷺ أبا بكر إلى أهل مكة على الموسم، ثم بعثني في أثره، فأدركته الحديث، وكذا رواه عن أبي سعيد، وابن عمر مثله، والترمذي عن ابن عباس مطولا، والطبراني عن أبي رافع وأحمد والترمذي، وحسنه عن أنس انتهى بحروفه.
وذكر ابن سعد وهو في حديث جابر أنه أدركه بالعرج، وقال ابن عائذ: بضجنان بفتح المعجمة، وسكون الجيم ونونين بينهما ألف.
ورواه الطبري عن سعد بعث ﷺ أبا بكر، فلما انتهينا إلى ضجنان أتبعه عليًّا، "وأمره أن يؤذن ببراءة".
قال الحافظ: مجرور بالفتحة وهو الثابت في الروايات، ويجوز رفعه منونا على الحكاية، وفيه تجوز لأنه أمره أن يؤذن ببضع وثلاثين آية، منتهاها ولو كره المشركون، كما رواه الطبري عن محمد بن كعب وغيره، وعنده عن علي بأربعين آية من أول براءة.
وروى أحمد والترمذي وحسنه عن أنس: أن النبي ﷺ بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الخليفة قال: "يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي" فبعث بها مع علي، وروى أحمد والطبري عن علي أنه ﷺ بعث به مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال: "أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب" فأدركته فأخذته منه، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله نزل في شيء. قال: "لا أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض، ولكن جبريل قال لي لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك".
قال ابن كثير: ليس المراد أنه رجع من فوره بل لما رجع من حجه قلت، ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة انتهى من الفتح في التفسير ملخصا.
وذكر هنا أن ابن إسحاق روى بسند مرسل قال: نزلت براءة، وقد بعث النبي ﷺ أبا بكرстр. 1750
فأذن معنا في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
الحواشي
(١) على الحج فقيل: لو بعثت بها إليه فقال: "لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي"، ثم دعا عليًّا وقال: "أخرج بصدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى" انتهى، ولم يتنزل في المحلين لجمع ولا ترجيح، كأنه لظهور الترجيح، فإنه رواية نزولها قبل خروج أبي بكر وبعثه بها مسنده مع أن إسنادها حسن بخلاف رواية نزولها بعد خروجه، فمرسله، "فأذن معنا".
قال المصنف في الصلاة: بفتح العين وإسكانها وهذا من الموصول، ففي الصحيح قال أبو هريرة: فأذن معنا علي.
قال الحافظ: وكان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه على من المدينة عن غير أبي هريرة وحمل القصة كلها عن أبي هريرة "في أهل منى"، أسقط من رواية الصحيح ما لفظه يوم النحر "ببراءة" بالفتحة نيابة عن الكسرة، كما علمت أنه الرواية والرفع على الحكاية تجويز وجوز الكرماني الكسر مع التنوين، أي بسورة براءة وانتقده شيخنا البابلي، بأن فيه حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه وهو قليل قال: ولا يراد أن الإضافة تنافي العلمية؛ لأنه قصد تنكيره، ثم أضيف كقوله:
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم ... بأبيض ماضي الشفرتين يماني
"وأن لا يحج بعد العام مشرك" قال الكرماني: أي بعد خروج هذا العام لا بعد دخوله.
لكن قال العيني: ينبغي دخول هذا العام أيضا نظرا إلى التقليل، ورد بأن الباقي منه عشرون يوما وأعمال الحج كانت انقضت، وهو سهو؛ لأنه بقي طواف الإفاضة، لمن أخرج إلى قية العشرين، وطواف الوداع "ولا يطوف بالبيت عريان" احتج به الأئمة الثلاثة على وجوب ستر العورة في الطواف خلافا لأبي حنيفة حيث جوز طواف العريان.
قال الكرماني: فيه إشكال لأن عليا مأمور أن يؤذن ببراءة فكيف يؤذن بذلك، ثم أجاب بأنه أذن ببراءة ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحج بعد العام مشرك من قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ويحتمل أن يكون مر بأن يؤذن ببراء، وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، ولأحمد من حديث أبي هريرة، وله وللترمذي وصححه من حديث علي أنه سئل بأي شيء بعث في الحجة، قال: بأربع لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته.
زاد الطبري من حديث علي ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر، واستدل به على أن قولهстр. 1751
قال: فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج في العام القابل الذي حج فيه فيه رسول الله ﷺ حجة الوداع مشرك: فأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا﴾
الحواشي
(١) تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] خاص بمن لا عهد له مؤقت، أو لا عهد له أصلا، وعند الطبري عن ابن عباس أن الأربعة أشهر أجل من كان له عهد مؤقت بقدرها أو يزيد عليها، ومن لا عهد له فانقضاؤه سلخ المحرم لقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . ومن طريق معمر عن الزهري كان أول الأربعة أشهر شوال عند نزول براءة، وآخرها آخر المحرم، وبه يجمع بين ذكر الأربعة وبين قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ﴾ [التوبة: ٥] .
لكن استبعده الطبري من حيث إن بلوغهم الخبر إنما هو عند وقوع النداء به يوم النحر، فكيف: يقال سيحوا أربعة أشهر ولم يبق منها إلا دون شهرين، ثم أسند عن السدي وغير واحد التصريح بأن تمام الأربعة أشهر في ربيع الآخر.
قال العلماء: والحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده، أو من هو من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، وقيل لأن براءة تضمنت مدح أبي بكر، فأراد أن يسمعوه من غيره، وهذا غفلة من قائله حمله عليها ظنه أن المراد تبليغها كلها، وليس كذلك إنما أمر بتبليغ أوائلها فقط كما مر. انتهى من الفتح، ثم انتهت رواية البخاري هنا في التفسير والصلاة، وزاد في الجزية قوله، "فنبذ" قال الحافظ وغيره: أي طرح "أبو بكر إلى الناس" عقدهم "في ذلك العام، فلم يحج في العام القابل الذي حج فيه رسول الله ﷺ حجة الوداع مشرك....." قال الحافظ: وقوله: فنبذ إلخ.
هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك قال المهلب: خشي ﷺ غدر المشركين، فلذا بعث من ينادي بذلك، وقد قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أي اطرح إليهم عهدهم، وذلك بأن يرسل إليهم من يعلمهم بأن العهد انقضى.
قال ابن عباس: أي على مثل، وقيل على عدل، وقيل أعلمهم أنك قد جازيتهم حتى يصيروا مثلك في العلم بذلك، وقال الأزهري: المعنى إذا عاهدت قوما فخشيت منهم النقض، فلا توقع بهم بمجرد ذلك حتى تعلمهم، انتهى.
"فأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين" عقدهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ﴿فَلَا يَقْرَبُواстр. 1752
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] الآية.
وقد دلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما في الصحيح "المؤمن لا ينجس" وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وهذا ضعيف؛ لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير لما طهرهم الإسلام، ولاستوى في النهي عن دخول المشركين المسجد الحرام وغيره من المساجد
الحواشي
(١) الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] أي لا يدخلوا الحرم كله؛ لأن المسجد الحرام حيث أطلق في القرآن فالمراد به الحرم كله، كما قاله ابن عباس، وابن جبير ومجاهد وعطاء وغيرهم.
رواه ابن أبي حاتم ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وهو صريح في منعهم دخوله ولو لم يقصدوا الحج لكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم، صرح لهم في الحديث بالمنع منه فقال: أن لا يحج بعد العام مشرك، فيكون ما وراءه أولى بالمنع، كما في الفتح "الآية".
روى ابن جرير وغيره عن سعيد بن جبير وعكرمة وغيرهما، لما نزلت ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا شق ذلك على المسلمين، وقالوا: من يأتينا بالطعام وبالمتاع فنزل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] ، "وقد دلت هذه الآية الكريمة" بالمنطوق "على نجاسة المشرك، كما" دل مفهوم قوله صلى الله عليه وسل في الحديث "الصحيح" الذي خرج الشيخان وأصحاب السنن "المؤمن لا ينجس" في حد ذاته حيا ولا ميتا عند الأكثر، ولذا يغسل إذا مات نعم يتنجس من ترك التحفظ من النجاسات والأقذار، وقد علمت أن التشبيه في مطلق الدلالة وإن اختلفت، والمراد نجاسة اعتقادهم عند الجمهور، "وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات" عطف تفسير، بل طاهر وحجتهم أن الله تعالى أباح الكتابيات، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن ومع ذلك فلم يجب عليه من غسل الكتابية الأمثل ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدل على الطهارة إذ لا فرق بين النساء والرجال، "وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم" تمسكا بظاهر الآية والحديث، حتى أفرط بعضهم فقال: ينجس الماء بملاقاتهم ويجب الوضوء على كل من صافحهم، "وهذا ضعيف لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير" عند من قال بنجاستهما "لما طهرهم الإسلام" وهو خلاف الإجماع "ولاستوى في النهي عن دخول المشركين المسجد الحرام" بالرفع فاعل "استوى وغيره من المساجد" مع أن في ذلك خلافا بين الأئمة، فاستدل الشافعي بظاهر الآية على أنهم لا يمنعون من دخول سائر المساجد إن أذنстр. 1753
فالمراد: الأخباث لما فيهم من خبث الظاهر بالكفر استوى وخبث الباطن بالعداوة قاله مقاتل.
وروى النسائي عن جابر أن النبي ﷺ لما رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج ثوب بالصبح، فلما استوى للتكبير سمع الرغوة خلف ظهره فوقف على التكبير فقال: هذه رغوة ناقة النبي ﷺ الجدعاء، لقد بدا لرسول الله ﷺ في الحج، فلعله أن يكون رسول الله ﷺ فنصلي معه، فإذا.
الحواشي
(١) مسلم لحاجة أو اقتضته مصلحة كقاض ونحوه بالمسجد، وأما غيره فقاس عليه سائر المساجد، وقال أبو حنيفة: لا يمنع الكتابي لتخصيصه بالمشرك فيها وعنه إجازة دخوله للمشرك أيضا، وأن المراد به النهي عن الحج والعمرة ولا الدخول، وحيث كان كذلك، "فالمراد" بقوله نجس "الأخباث لما فيهم من خبث الظاهر بالكفر، وخبث الباطن بالعداوة" للمسلمين، "قاله مقاتل" المفسر المشهور، وقيل: لوجوب اجتناب كما يجتنب عن الأنجاس، وقيل لأنهم لا يتطهرون ولا يجتنبون النجاسة فهم ملابسون لها غالبا.
"وروى النسائي،" والدارمي، والطبري، وابن راهويه وصححه ابنا خزيمة، وحبان كلهم "عن جابر أن النبي ﷺ لما رجع" إلى المدينة "من عمرة الجعرانة" التي اعتمرها سنة الفتح "بعث أبا بكر" أميرا على الحج" من قابل، وطوى ذكر من ولي الحج سنة ثمان، فيزول الإشكال الآتي، كما أفاده الفتح "فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج" بفتح المهملة، وإسكان الراء، فجيم قرية على نحو ثمانية وسبعين ميلا من المدينة، وبهذا جزم ابن سعد وعند الطبري عن ابن أبي وقاص أنه بضجنان" ولا منافاة "ثوب" أبو بكر "بالصبح" أي دعا إليها كما في المقدمة، "فلما استوى" قائما "للتكبير" ليحرم بالصبح "سمع الرغوة" بفتح الراء وضمها، وحكى كسرها أيضا صوت بعير "خلف ظهره" وإن لم يصرح القاموس والمصباح بإطلاق الرغوة على صوته لكن القياس يقتضيه؛ لأن اسم المرة من الثلاثي المجرد على فعله، "فوقف على التكبير، فقال: هذه رغوة ناقة النبي ﷺ الجدعاء" بالدال المهملة، وعند ابن إسحاق من مرسل الباقر القصواء، وروى أيضا العضباء قال المصنف في الجهاد فهذا يصرح أن الثلاثة صفة ناقة واحدة لاتحاد القصة، وبه جزم الحربي، انتهى.
ورواه ابن سعد عن الواقدي: وقال غيره: إنهما اثنتان القصواء، وهي العضباء، والثانية الجدعاء كانت شهباء، وكان لا يحمله ﷺ عند نزول الوحي غيرها، كما في الفتح، "لقد بدا لرسول الله ﷺ في الحج، فلعله" أي القادم "أن يكون رسول الله ﷺ فنصلى معه، فإذاстр. 1754
علي بن أبي طالب ﵁، فقال له أبو بكر ﵁ أمير أم رسول، قال: لا بل رسول، أرسلني رسول الله ﷺ ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحج، فقدمنا مكة، فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم خرجنا معه، حتى إذا كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس فعلمهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام على فقرأ على الناس براءة حتى ختمها،.
الحواشي
(١) علي بن أبي طالب ﵁ عليها" على الناقة "فقال له أبو بكر ﵁:" أنت "أمير أم رسول قال: لا" ردا لما توهم، وهو المعطوف عليه فقط، أي لست أميرا، "بل" أنا رسول أرسلني رسول الله ﷺ ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحج" ولم يكتف بأبي بكر لأمر الله له بذلك، كما سلف معاملة للعرب بسنتهم المألوفة أنه لا يحل العقد، إلا من عقده أو واحد من أهل بيته، فاختار منهم عليًّا؛ لأنه أفضلهم، "فقدمنا مكة، فلما كان قبل التروية" بفتح الفوقية، وسكون الراء، وكسر الواو وخفة التحتية؛ لأنهم كانوا يروون فيهم إبلهم، ويتروون من الماء؛ لأن تلك الأماكن لم يكن فيها آبار ولا عيون، وأما الآن فكثر جدا واستغنوا عن حمل الماء، أو لأن آدم رأى فيه حواء واجتمع بها، أو لأن إبراهيم رأى ليلة ذبح ابنه فأصبح يتروى، أو لأن جبريل أرى إبراهيم فيه المناسك، أو لأن الإمام يعلم الناس فيه المناسك وهي شاذة؛ إذ لو كان من الثاني لكان يوم الرؤية، أو الثالث لكان يوم التروي بشد الواو، أو الرابع لكان من الرؤيا، أو الخامس لكان من الرواية، كما في الفتح.
"بيوم قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم عن مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي" بعد الخطبة ليتم اجتماع الناس، وتعظيما لأبي بكر لكونه الأمير، "فقرأ على الناس براءة حتى ختمها" ثم خرجنا معه حتى إذا كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس، فعلمهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، "ثم كان يوم النحر فأفضنا، فلما رجع أبو بكر خطب الناس، فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها".
وعند الطبري عن أبي الصهباء قال: سألت عليًّا عن يوم الحج الأكبر، فقال: إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفه، فخطب، ثم التفت إليَّ فقال: يا عليَّ قم فأد رسالة رسول الله ﷺ ، فقمت فقرأت أربعين آية من أول براءة، ثم صدرنا حتى رمينا الجمرة، فطفقت أتتبع الفساطيط أقرؤها عليهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة، فهذا معارض لقول جابر حتى ختمها.стр. 1755
ثم كان يوم النحر، فأفضنا فلما رجع أبو بكر خطب الناس فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها.
فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم كيف ينفرون، وكيف يرمون يعلمهم مناسكهم، فلما فرغ قام عي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها.
وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد، أما أبو بكر ﵁ فإنما كان سنة تسع.
الحواشي
(١) قال الحافظ: فيجمع بأن عليًّا قرأها كلها في المواطن المذكورة وأما في سائر الأوقات، فكان يؤذن لا يحج بعد العام، إلخ ويستعين بأبي هريرة وغيره. ا. هـ. فليتأمل فإن جملة المواطن عرفة، وقد صرح علي كما ترى بأنه قرأ فيها أربعين آية، فاللائق تأويل قول جابر حتى ختمها، أي المقصود منها تجوزا، وهو أربعون، فيوافق قول علي؛ لأنه أدرى بما قرأ "فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم كيف ينفرون، وكيف يرمون يعلمهم مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس" أوائل "براءة حتى ختمها".
وحكمة تكريره أربع مرات ما صرح به علي كما سمعت، أن الجميع لم يحضروا خطبة عرفة، ولم يكتف بانتشار الخبر وتنبيهًا على الاعتناء بشأن هذا الأمر حتى كرره بعد الخطب، "وهذا السياق" كما قال الحافظ عماد الدين بن كثير "فيه غرابة من جهة أن أمير الحج سنة عمرة الجعرانة، إنما هو عتاب بن أسيد، فأما أبو بكر ﵁ فإنما كان" أمير الحج "سنة تسع" وقال المحب الطبري نحوه، وقال الحافظ في كتاب التفسير: يمكن رفع الإشكال في قوله: بعث أبا بكر، وقول أبي هريرة: لما قفل النبي ﷺ من حنين اعتمر من الجعرانة، ثم أمر أبا بكر على تلك الحجة.
أخرجه عبد الرزاق، وصححه ابن حبان، بأن المراد بعد أن رجع إلى المدينة وطوى ذكر من ولى الحج سنة ثمان، فإنه ﷺ لما رجع من العمرة إلى الجعرانة فأصبح بها توجه هو ومن معه إلى المدينة إلى أن جاء أوان الحج، فأمر أبا بكر سنة تسع، وليس المراد أنه بعثه، أو أمره أن يحج سنة عمرة الجعرانة، وقوله: على تلك الحجة يريد الآتية بعد رجوعهم إلى المدينة انتهى، وهو حسن أولى من قوله هنا كان الطبري تبع الماوردي في قوله: أمر ﷺ عتابا أن يحج بالناس عام الفتح، والذي جزم به الأزرقي خلافه قال: لم يبلغنا أنه استعمل في تلك السنة على الحج أحدا، وإنما ولى عتابا أمرة مكة وحج المسلمون والمشركون جميعا، وكان المسلمون مع عتابследующие страницы →